← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

والثِّيابُ: يَرُدُّ ذلك فى الْمَغْنَمِ، إلَّا شيئًا تَلْبَسُه، من قَمِيصٍ ومِقْنَعةٍ وإزَارٍ. وهذا قولُ حَكِيم بن حِزَام، ومَكْحولٍ، وَيزِيدَ بن أبي مالِك، والمُتَوَكِّلِ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. ويُشْبِهُ قولَ الشافِعِىِّ. واحْتَجَّ إسحاقُ بقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلبائِعِ" (٩). وقال الشَّعْبِىُّ: يَجْعَلُه فى بَيْتِ المالِ. وكان مالكٌ يُرَخِّصُ فى اليَسِيرِ، كالقُرْطَيْن وأشْباهِهِما، ولا يَرَى ذلك فى الكثيرِ. ويُمْكِنُ أنْ يُ فَصَّلَ القولُ فى هذا، فيُقالُ: ما كان عليهَا ظاهرًا مَرْئِيًّا، يُشاهِدُه البائِعُ والمُشْترِى، كالقُرْطِ والخاتَمِ والقِلادَةِ، فهو للمُشْتَرِى، لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البائِعَ إنَّما باعَها مما عَلَيْها، والمُشْتَرِىَ اشْتَراها بذلك، فيَدْخُلُ فى البَيْعِ، كثيابِ البِذْلَةِ وحِلْيَةِ السَّيْفِ، وما خَفِىَ فلم يَعْلَمْ به البائِعُ، رَدَّه؛ لأنَّ البَيْعَ وقَعَ عليها بدُونِه، فلم يدْخُلْ فى البَيْعِ، كجارِيةٍ أُخْرَى. فصل: قال أحمدُ: لا يجوزُ لأَميرِ الجيشِ أنْ يشتَرِىَ من مَغْنَمِ المسلمين شيئًا؛ لأنَّه يُحابَى، ولأنَّ عمرَ رَدَّ ما اشْتَراه ابْنُه فى غزوةِ جَلُولَاءَ، وقال: إنَّه يُحابَى (١٠). احْتَجَّ به أحمدُ. ولأنَّه هو البائِعُ أو وكيلُه، فكأنَّه يَشْتَرِى من نَفْسِه أو وكيلِ نفْسِه. قال أبو داودَ: قيل لأبي عبد اللَّه: إذا قَوَّمَ أصْحابُ المَقاسِمِ (١١) شيئًا معروفًا، فقالُوا فى الجُلودِ (١٢): الماعِزِ بكذا. والخِرْفانِ بكذا. يَحْتاجُ إليه، يأخُذُه بتِلْك القيمَةِ، ولا يأْتِى المَقاسِمَ (١١)؟ فرخَّصَ فيه. وذلك لأنَّه يشُقُّ الاسْتِئْذانُ فيه، فسُومِحَ فيه، كما سُومِحَ فى دُخولِ الحَمَّام، ورُكوبِ سَفينةِ المَلَّاحِ، من غيرِ تَقْديرِ أُجْرَةٍ (١٣). ١٦٦٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا حُورِبَ الْعَدُوُّ، لَمْ يُحَرَّقُوا بِالنَّارِ) أمَّا العدُوُّ إِذا قُدِرَ عليه، فلا يجوزُ تَحْرِيقُه بالنَّارِ، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه. وقد كان أبو بكر الصِّدِّيقُ (١) رَضِىَ اللَّه عنه، يأمُرُ بتَحْرِيقِ أهلِ الرِّدَّةِ بالنارِ (٢). وفعَلَ ذلك خالدُ بن الوليد

стр. 6827

بأمْرِه، فأَمَّا اليومَ فلا أعلمُ فيه بينَ الناسِ خِلافًا. وقد رَوَى حمزةُ الأسْلَمِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمَّرَهُ على سَرِيَّةٍ، قال: فخَرَجْتُ فيها، فقال: "إنْ أخَذْتُمْ فُلَانًا، فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ". فوَلَّيْتُ، فنادانِى، فرَجَعْتُ، فقال: "إنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا، فَاقْتُلُوهُ، ولَا تُحْرِقُوهُ، فَإنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ". رَوَاه أبو داودَ، وسعيدٌ (٣). ورَوَى أحاديثَ سِواهُ فى هذا المعنى. ورَوَى البُخارِىُّ (٤)، وغيرُه، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ نَحوَ حديثِ حمزة. فأمَّا رَمْيُهم قبلَ أخْذِهم بالنارِ، فإنْ أمْكَنَ أخْذُهم بدُونِها، لم يَجُزْ رَمْيُهم بها؛ لأنَّهُم فى معنَى المَقْدورِ عليه، وأمَّا عندَ العَجْزِ عنهم بغيرِها، فجائِزٌ، فى قولِ أَكْثرِ أهْلِ العِلْمِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشافِعِىُّ. ورَوَى سعيدٌ (٥)، بإسْنادِه عن صَفْوانَ بن عمرٍو، وجَرِيرِ بن عثمانَ، أنَّ جُنادَةَ بن أبى (٦) أُمَيَّةَ الأزْدِىَّ، وعبدَ اللَّه بن قَيْس الْفَزارِىَّ، وغيرَهما من وُلاةِ البَحْرَيْن (٧)، ومَنْ بعدَهم، كانُوا يَرْمُون العَدُوَّ من الرُّومِ وغيرِهم بالنَّارِ، ويُحَرِّقُونَهم، هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء. قال عبدُ اللَّه بن قَيْسٍ: لم يَزلْ أمْرُ المسلمين على ذلك. فصل: وكذلك الحُكْمُ فى فَتْحِ الْبُثُوقِ عليهم، لتَغْرِيقِهم (٨)، إنْ قُدِرَ عليهم بغيرِه، لم يجُزْ، إذا تَضَمَّنَ ذلك إتْلافَ النِّساءِ والصِّبْيانِ (٩) والذُّرِّيَّةِ، الذين يحْرُمُ إتْلافُهم قَصْدًا، وإنْ لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا به، جازَ، كما يجوزُ الْبَياتُ المُتَضَمِّنُ لذلك. ويجوزُ نَصْبُ المَنْجَنِيقِ

стр. 6828

عليهم. وظاهِرُ كلامِ أحمد جَوازُه مع الحاجَةِ وعَدَمِها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ على أهل الطَّائِفِ (١٠). وممَّنْ رأى ذلك الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: جاءَ الحديثُ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه نَصَبَ الْمَنْجَنيقَ على أهلِ الطَّائِفِ. وعن عمرِو بن العاص، أنَّه نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ على أهلِ (١١) الإِسْكَنْدريِّة (١٢). ولأنَّ القتالَ به مُعْتادٌ، فأشْبَهَ الرَّمْىَ بالسِّهامِ. فصل: ويجوزُ تَبْيِيتُ الكُفَّارِ، وهو كَبْسُهم ليلًا، وقَتْلُهم وهم غَارُّون. قال أحمدُ: لا بأْسَ بالْبَياتِ، وهل غَزْوُ الرُّومِ إلَّا الْبَياتُ! قال: ولا نعلَمُ أحدًا كَرِهَ بَياتَ العَدُوِّ. وقُرِئ (١٣) عليه: سفيانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ (١٤)، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن الصَّعبِ بن جَثَّامَةَ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُسأَلُ عن الدِّيارِ من المشركين، نُبَيّتُهم فنُصِيبُ من نِسائِهم وذَرارِيِّهم؟ فقال: "هُمْ مِنْهُمْ" (١٥). فقال: إسْنادٌ جَيِّدٌ. فإنْ قيلَ: فقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن قَتْلِ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ (١٦). قُلْنا: هذا محمولٌ على التَّعَمُّدِ لقَتْلِهِم. قال أحمد: أَمَّا أنْ يتعمَّدَ قَتْلَهم، فلا. قال: وحديثُ الصَّعْبِ بعدَ نَهْيِه عن قَتْلِ النِّساءِ؛ لأنَّ نهْيَهُ عن قَتْلِ النِّساءِ حينَ بَعَثَ إلى ابنِ أبي الحُقَيْقِ. وعلى أنَّ الجَمْعَ بينهما (١٧) مُمْكِنٌ، يُحْمَلُ النَّهْىُ على التَّعَمُّدِ، والإباحَةُ على ما عَداهُ. فصل: قال الأوْزاعِىُّ: إذا كان فى الْمَطْمُورَةِ (١٨) العَدُوُّ، فعَلِمْتَ أَنَّكَ تَقْدِرُ عليهم بغيرِ النَّارِ، فأحَبُّ إلىَّ أنْ يَكُفَّ عن النَّارِ (١٩)، وإنْ لم يُمْكِنْ ذلك، وأبَوْا أنْ يَخْرُجُوا،

стр. 6829

فلا أرَى بَأْسًا، وإنْ كان مَعَهم ذُرِّيَّةٌ، قد كان المسلمون يُقاتِلُون بها. ونحوَ ذلك قال سفيانُ، وهشامٌ. ويُدَخَّنُ عليهم. وقال أحمد: أَهلُ الشامِ أعْلَمُ بهذا. فصل: وإنْ تَتَرَّسُوا فى الحربِ بنسائِهِم وصِبْيانِهِم، جازَ رَمْيُهم، ويقْصدُ المُقاتِلَةَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَماهُم بالْمَنْجَنِيقِ ومعهم النِّساءُ والصِّبيانُ، ولأنَّ كَفَّ المسلمين عنهم يُفْضِى إلى تَعْطيلِ الجِهاد، لأنَّهم مَتَى علِمُوا ذلك تَتَرَّسُوا بهم عندَ خَوْفِهم (٢٠) فيَنْقَطِعُ الجِهادُ. وسواءٌ كانت الحربُ مُلْتَحِمَةً أو غيرَ مُلْتحِمَةٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يكُنْ يتحَيَّنُ بالرَّمْىِ حالَ الْتحامَ الحَرْبِ. فصل: ولو وَقَفَت امرأةٌ فى صَفِّ الكُفَّارِ، أو على حِصْنِهم، فشَتَمَتِ المسلِمينَ، أو تَكَشَّفَتْ لهم، جازَ رَمْيُها قَصْدًا؛ لما رَوَى سعيدٌ (٢١): حَدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، قال: لمَّا حاصَرَ رسولُ اللَّه ﷺ أهلَ الطَّائِفِ أَشْرَفَت امرأَةٌ، فكشَفَتْ عن قُبُلِها، فقالتْ: هَادُونَكُمْ، فَارْمُوا (٢٢). فَرَماها رجلٌ من المسلمين، فما أَخْطَأَ ذلك منها. ويجوزُ النَّظَرُ إلى فَرْجِها للحاجَةِ إلى رَمْيِها؛ لأنَّ ذلك من ضَرُورَةِ رَمْيِها. وكذلك يجوزُ رَمْيُها إذا كانت تَلْتَقِطُ لهم السِّهامَ، أو تَسْقِيهم الماءَ، أو تُحَرِّضُهم على القِتالِ؛ لأنَّها فى حُكْمِ المُقاتِلِ. وهكذا الحُكْمُ فى الصَّبِىِّ والشَّيْخِ وسائِرِ مَنْ مُنِعَ مِن قَتْلِه منهم. فصل: وإنْ تَتَرَّسُوا بمُسْلِمٍ، ولم تَدْعُ حاجَةٌ إلى رَمْيِهم، لكَوْنِ الحَرْبِ غيرَ قائِمَةٍ، أو لإمْكانِ القُدْرَةِ عليهم بدُونِه، أو للأَمْنِ (٢٣) من شَرِّهِم (٢٤)، لم يَجُزْ رَمْيُهم. فإنْ رَماهُم فأصابَ مسلمًا، فعَلَيْه ضَمانُه. وإنْ دَعَت الحاجَةُ إلى رَمْيِهِم للخَوْفِ على المسلمين، جازَ رَمْيُهم؛ لأنَّها حالُ ضَرُورةٍ، ويقْصِدُ الكُفَّارَ. وإنْ لم يُخَفْ على

стр. 6830

المسلمين، لكن لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا بالرَّمْىِ، فقال الأَوزَاعِىُّ، واللَّيْثُ: لا يجوزُ رَمْيُهم، لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ (٢٥) الآية. قال اللَّيْثُ: تَرْكُ فَتْحِ حِصْنٍ يُقْدَرُ على فَتْحِه، أفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغيرِ حَقٍّ. وقال الأوزاعِىُّ: كيفَ يَرْمُون مَنْ لا يَرَوْنَه (٢٦)! إنَّما يَرْمُون أطفالَ المسلمين. وقال القاضى، والشافِعِىُّ: يجوزُ رَمْيُهم إذا كانَت الحربُ قائِمَةً؛ لأنَّ تَرْكَه يُفْضِى إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ. فعلى هذا، إنْ قَتَلَ مسلمًا، فعليه الكَفَّارَةُ، وفى الدِّيَةِ على عاقِلَتِه روايتان؛ إحداهُما، يَجِبُ؛ لأنَّه قَتَلَ مؤمنًا خطأً، فيدْخُلُ (٢٧) فى عُمومِ قولِه تعالى: [﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢٨). والثانيةُ، لا دِيَةَ له؛ لأنَّه قُتِلَ فى دارِ الحَرْبِ برَمْىٍ مُباحٍ، فيدْخُلُ فى عُمومِ قولِه تعالى] (٢٩): ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢٨). ولم يَذْكُرْ دِيَةً. وقال أبو حنيفةَ: لا دِيَةَ له، ولا كَفَّارَةَ فيه، لأنَّه رَمْىٌ أُبِيحَ مع العلمِ بحقيقَةِ الحالِ، فلم يُوجِبْ شيئًا، كرَمْىِ مَنْ أُبِيحَ دمُه. ولَنا، الآيةُ المذكورَةُ، وأنَّه قَتَلَ مَعْصُومًا بالإِيمانِ، والقاتِلُ من أهلِ الضَّمانِ، فأشْبَهَ ما (٣٠) لو لم (٣١) يَتَتَرَّسُوا (٣٢) به. ١٦٧٠ - مسألة؛ قال: (وَلَمْ (١) يُغرِّقُوا النَّحْلَ) وجملَتُه أنَّ تَغْريقَ النَّحْلِ وتحرِيقَه لا يجوزُ، فى قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ. وقيل لمالِكٍ: أنُحَرِّقُ بيوتَ نَحْلِهم؟ قال: أَمَّا النَّحْلُ فلا أدْرِى ما هو؟ ومُقْتَضَى مذهبِ أبي حَنِيفة إباحَتُه؛ لأنَّ فيه غَيْظًا لهم (٢) وإضْعافًا، فأشْبَهَ قَتْلَ

стр. 6831

بهائِمِهم حالَ قتالِهم. ولَنا، ما رُوِىَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال ليزيدَ ابن أبى سفيان، وهو يُوصِيه، حين بَعَثَه أميرًا على القتال بالشام: ولا تُحَرِّقَنَّ نَحْلًا، ولا تُغَرِّقَنَّهُ. ورُوى عن ابنِ مسعود، أنَّه قَدِمَ عليه ابنُ أخيه من غَزَاةٍ غَزاها، فقال: لَعَلَّك حَرَّقْتَ حَرْثًا؟ قال: نعم. قال: لَعَلَّك غَرَّقْتَ نَحْلًا؟ قال: نعم. قال: لعلَّك قَتَلْتَ صَبِيًّا؟ قال: نعم. قال: لِيَكُنْ غَزْوُك كِفَافًا. أَخْرَجَهُما سعيد (٣). ونحوُ ذلِكَ عن ثَوْبان (٤). وقدْ ثَبَتَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن قَتْلِ النَّحْلَةِ (٥)، ونَهَى أنْ يُقْتَلَ شىءٌ من الدَّوابِّ صَبْرًا (٦). ولأنَّه إفسادٌ، فيدْخُلُ فى عُمومِ (٧) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٨). ولأنَّه حيوانٌ ذو رُوحٍ، فلم يجُزْ قتلُه لغَيْظِ المشركين، كنِسَائِهم وصِبْيانِهم. وأمَّا أخذُ العَسَلِ وأَكْلُه فمباحٌ؛ لأنَّه من الطَّعامِ المُباحِ. ١٦٧١ - مسألة؛ قال: (ولَا يَعْقِرُ شَاةً، ولَا دَابَّةً، إلَّا لِأَكْلٍ (١) لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ (٢)) أمَّا عَقْرُ دَوابِّهم في غير حالِ الحربِ، لمُغايَظَتِهم، والإِفْسادِ عليهم، فلا يجوزُ، سَواءٌ

стр. 6832

خِفْنَا أخْذَهُم لها أو لم نَخَفْ. وبهذا قال الأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حَنِيفة، ومالكٌ: يجوزُ، لأنَّ فيه غَيْظًا لهم، وإضْعافًا لقُوَّتِهم، فأشْبَهَ قَتْلَها حالَ قِتالِهم. ولَنا، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال فى وصِيَّتِه ليزيدَ حين بعَثَه أميرًا: يا يزيدُ، لاتقتُلْ صَبِيًّا، ولا امرأةً، ولا هَرِمًا، ولا تُخَرِّبَنَّ عامِرًا، ولا تَعْقِرَنَّ شجرًا مُثْمِرًا، ولا دَابَّةً عَجْماءَ، ولا شاةً، إلَّا لِمَأْكَلَةٍ، ولا تُحَرِّقَنَّ نَحْلًا، ولا تُغَرِّقَنَّهُ، ولا تَغْلُلْ، ولا تَجْبُنْ. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ قتلِ شيْءٍ من الدَّوابِّ صَبْرًا. ولأنَّه حيوانٌ ذو حُرْمَةٍ، فأشْبَهَ النِّساءَ والصِّبْيَانَ. وأمَّا حالُ الحَرْبِ، فيجوزُ فيها قتلُ المشركين كيفَ أَمْكَن، بخلافِ حالِهم إذا قُدِرَ عليهم، ولهذا جازَ قتلُ النِّساءِ والصِّبْيانِ فى الْبَياتِ، وفى المَطْمُورَةِ، إذا لم يتعَمَّدْ قَتْلَهم مُنْفرِدين، بخلافِ حالَةِ القُدْرَةِ عليهم، وقتلُ بَهائِمِهم يتوَصَّلُ به إلى قَتْلِهم وهَزِيمَتِهم. وقد ذكرْنا حديثَ الْمَدَدِىِّ الذى عقَر بالرُّومِىِّ فَرسَه (٣). ورُوِىَ أنَّ حَنْظَلَةَ بن الرَّاهبِ، عَقَرَ فرَسَ أبى سفيانَ به يومَ أُحُدٍ، فرمَتْ به، فخلَّصَهُ ابنُ شَعُوب (٤). وليس فى هذا خِلافٌ. فصل: فأمَّا عَقْرُها للأَكْلِ، فإنْ كانت الحاجَةُ داعِيَةً إليه، ولابُدَّ منه، فمباحٌ، بغيرِ خِلافٍ، لأنَّ الحاجَةَ تُبِيحُ مالَ المَعْصومِ، فمالُ الكافرِ أَوْلَى. وإن لم تكُنْ الحاجةُ داعيَةً إليه (٥)، نَظَرْنا؛ فإنْ كان الحيوانُ لا يُرادُ إلَّا للأَكْلِ، كالدَّجاجِ والْحَمامِ وسائِرِ الطَّيرِ والصَّيْدِ، فحكمُه حكمُ الطَّعامِ. فى قولِ الجميعِ، لأنَّه لا يُرادُ لغيرِ الأَكْلِ، وتَقِلُّ قِيمَتُه، فأشْبَهَ الطَّعامَ. وإنْ كان ممَّا يُحْتاجُ إليه فى القتالِ، كالخيلِ، لم يُبَحْ ذَبْحُه للأَكْلِ، فى قولِهم جميعًا. وإنْ كان غيرَ ذلك، كالغَنَمِ والبقرِ، لم يُبَحْ. فى قولِ الْخِرَقِىِّ. وقال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ إباحَتُه، لأنَّ هذا الحيوانَ مثلُ الطَّعامِ فى بابِ الأَكْلِ والقُوتِ، فكان مِثْلَه فى إباحَتِه. وإذا ذَبَحَ الحيوانَ، أَكَلَ لحمهُ، وليس له الانْتِفاعُ بجِلْدِه؛ لأنَّه إنَّما

стр. 6833

أُبِيحَ له ما يأْكُلُه دُونَ غيرِه. قال (٦) عبدُ الرحمن بن مُعاذِ بن جَبَلٍ: كلُوا لحمَ الشاةِ، وردُّوا إهابَها إلى الْمَغْنَمِ. ولأنَّ هذا حيوانٌ مأْكُولٌ، فأبِيحَ أَكْلُه، كالطَّيْرِ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، ما رَوَى سعيدٌ (٧): ثنا أبو الأَحْوَصِ، عن سِماكِ بن حَرْبٍ، عن ثَعْلَبةَ بن الحَكَم، قال: أَصَبْنا غَنَمًا للعَدُوِّ، فانْتَهَبْناهَا (٨)، فنَصَبْنا قُدُورَنا، فمرَّ النَّبِىُّ ﷺ بالقُدورِ وهى تَغْلِى، فأَمَرَ بها فأُكْفِئَتْ، ثمَّ قال لهم: "إِنَّ النُّهْبَةَ لَا تَحِلُّ". ولأنَّ هذه الحيواناتِ تكْثُرُ قِيمَتُها، وَتَشِحُّ أَنْفُسُ الغانِمين بها، ويُمْكِنُ حَمْلُها إلى دارِ الإِسلامِ، بخلافِ الطَّيْرِ والطَّعامِ، لكنْ إنْ أذِنَ الأميرُ فيها جازَ؛ لما رَوَى عَطِيَّةُ بن قَيْسٍ، قال: كُنَّا إذا خَرَجْنا فى سَرِيَّةٍ، فأَصَبْنَا غَنَمًا، نادَى مُنادِى الإِمام: ألا مَنْ أرادَ أنْ يتناوَلَ شيئًا من هذه الغَنَمِ فلْيتَناولْ، إنَّا لا نسْتطِيعُ سِيَاقَها (٩). رواه سعيدٌ (١٠). وكذلك إنْ قسَمها؛ لما رَوَى مُعاذٌ، قال: غَزَوْنا مع النَّبِيِّ ﷺ خَيْبَرَ، فأَصَبْنا غَنَمًا، فقسَم بَيْنَنَا النَّبِىُّ ﷺ طَائِفَةً، وجعَلَ بَقِيتَّهَا فى الْمَغْنَمِ. روَاه أبو داوُدَ (١١). وقال سعيدٌ (١٢): حدَّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ، عن عُبَيْدِ اللَّه (١٣) بن عُبَيْدٍ (١٤)، أنَّ رجُلًا نَحَرَ جَزُورًا بأرْضِ الرُّومِ، فلما بَرَدَت، قال: يا أيُّها الناسُ، خُذُوا من لحمِ هذه الجَزُورِ، فقد أذِنَّا لكُم. فقال مكحولٌ: يا غَسانِىُّ، ألا (١٥) تأْتِينَا من لحمِ هذه الجَزُورِ؟ فقال الغَسَّانِىُّ: يا أبا عبد اللَّه، أمَا تَرَى ما (١٦) عليها من النُّهْبَى؟ قال مكحولٌ: لا نُهْبَى فى المَأْذونِ فيه.

стр. 6834

فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا بينَ جميعِ البهائِمِ فى هذه المسألَةِ، ويَقْوَى عندى أنَّ ما عَجَزَ المسلمون عن سِياقَتِه وأخْذِه، إنْ كان ممَّا يسْتَعِينَ به الكُفَّارُ فى القتالِ، كالخيلِ، جازَ عَقْرُه وإتْلافُه؛ لأنَّه ممَّا يحْرُمُ إيصالُه إلى الكُفَّارِ بالبَيْعِ، فتَرْكُه لهم بغيرِ عِوَضٍ أوْلَى بالتَّحْريمِ، وإنْ كان ممَّا يصْلُحُ للأَكْلِ، فللمسلمين ذَبْحُه، والأَكْلُ منه، مع الحاجَةِ وعَدَمِها، وما عدا هذين القِسْمَين، لا يجوزُ إتْلافُه، لأنَّه مُجَرَّدُ إفسادٍ وإتْلافٍ، وقد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن ذَبْحِ الحيوانِ لغَيْرِ مَأْكَلَةٍ (١٧). ١٦٧٢ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَقْطَعُ شَجَرَهُمْ، ولَا يُحَرِّقُ زرْعَهُمْ، إلَّا أنْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذلِكَ فِى بَلَدِنَا (١)، فَيُفْعَلُ ذلِكَ بِهِمْ ليَنْتَهُوا) وجُمْلَتُه أنَّ الشَّجَرَ والزرعَ ينْقَسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ؛ أحدُها، ما تَدْعُو الحاجَةُ إلى إتْلافِه، كالذى يقْرُبُ من حُصونِهم، ويَمْنَعُ من قتالِهم، أو يُسْتَرُون به من المسلمين، أو يحْتاجُ إلى قَطْعِه لتَوْسِعَةِ طريقٍ، أو تَمَكُّنٍ من قِتالٍ (٢)، أو سَدِّ بَثْقٍ، أو إصلاحِ طريقٍ، أو سِتارَةِ مَنْجَنِيقٍ، أو غيرِه، أو يكونون يفعلون ذلك بنا، فيُفْعَلُ بهم ذلك، ليَنْتَهُوا، فهذا يجوزُ، بغيرِ خلافٍ نعلمُه. الثاني، ما يَتَضَرَّرُ المسلمون بقَطْعِه، لكَوْنِهم يَنْتَفِعُونَ ببقائِهِ لعَلُوفَتِهم، أو يستَظِلُّون به، أو يَأْكُلُون من ثَمرِه، أو تكونُ العادَةُ لم تَجْرِ بذلك (٣) بَيْنَنَا وبينَ عَدُوِّنا، فإذا فَعَلْناه بهم فَعَلُوه بنا، فهذا يَحْرُمُ، لما فيه من الإِضْرارِ بالمسلمين. [الثالِثُ، ما عَدا هذيْن القِسْمَيْن، ممَّا لا ضَرَرَ فيه بالمسلمين] (٤)، ولا نَفْعٌ سِوَى غَيْظِ الكُفَّارِ، والإِضْرارِ بهم، ففيه روايتان؛ إحْداهما، لا يجوزُ؛ لحديثِ أبي بكرٍ ووَصِيَّتِه (٥)، وقد رُوِىَ نحو ذلك مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ ، ولأنَّ فيه إتلافًا مَحْضًا، فلم يجُزْ، كعَقْرِ الحيوانِ. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ. والرِّوايةُ الثانِيَةُ، يجوزُ. وبهذا قال مالِكٌ،

стр. 6835

والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِر. وقال (٦) إسحاقُ: التَّحْرِيقُ سُنَّةٌ، إذا كان أَنْكَى فى العدُوِّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٧). ورَوَى ابنُ عمر، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حَرَّقَ نخلَ بَنِى النَّضِيرِ، وقطَع، وهى (٨) البُوَيْرَةُ، فأنزلَ اللَّه تعالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. ولها يقولُ حَسَّان (٩): وَهانَ على سَراةِ بنى لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ مُتَّفَقٌ عليه (١٠). وعن الزُّهْرِىِّ، [قال: فحدَّثَنى عُرْوَةُ] (١١)، قال: فحَدَّثَنِى أُسامَةُ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان عَهِدَ إليه، فقال: "أغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا، وحَرِّقْ". رواه أبو داوُدَ (١٢). قيل لأَبِى مُسْهِرٍ: أُبْنَى (١٣). قال: نحن أعْلمُ، هى (١٤) يُبْنَا (١٥) فِلَسْطِين. والصحيح أَنَّها أُبْنَى (١٦)، كما جاءَت الرِّوايةُ، وهى قريةٌ من أرْضِ الكركِ، فى أطْرافِ

стр. 6836

الشامِ، فى النَّاحِيَةِ التى قُتِلَ فيها أَبُوه، فأَمَّا يُبْنَا فهى من أرضِ فِلَسْطِين، ولم يكُنْ أُسامَةُ ليَصِلَ إليها، ولا يأْمُرُه النَّبِيُّ ﷺ بالإِغارَةِ عليها، لبُعْدِها، والخَطرِ بالمصيرِ إليها، لتَوَسُّطِها فى البلادِ، وبُعْدِها من طَرَفِ الشام، فما كان النَّبِيُّ ﷺ ليأْمُرَه بالتَّغْرِيرِ بالمسلمين، فكيف يُحْمَلُ الخبرُ عليها، مع مُخالَفَةِ لَفْظِ الرِّواية، وفَسادِ المَعْنَى! ١٦٧٣ - مسألة؛ قال: (ولَا يَتَزَوَّجُ فِى أرْضِ الْعَدُوِّ، إلَّا أنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ، فَيَتَزَوَّجَ مُسْلِمَةً، ويَعْزِلَ عَنْهَا. ولَا يَتَزَوَّجُ مِنْهُمْ، ومَن اشْتَرى مِنْهُمْ جَارِيَةً، لم يَطَأْهَا فِى الفَرْجِ، وَهُوَ فِى أَرْضِهِمْ) يعنى -واللهُ أعلمُ- مَنْ دَخَلَ أرْضَ العَدُوِّ بأمَانٍ، فأَمَّا (١) إنْ كان فى جيشِ المسلمين، فمُباحٌ له أنْ يتزَوَّج. وقد رُوِىَ عن سعيدِ بن أبي هِلَال، أَنَّه بَلَغَه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ زَوَّجَ أبا بكرٍ أَسماءَ بنتَ (٢) عُمَيْسٍ، وهم تَحْتَ الرَّاياتِ. أخْرجَهُ سعيدٌ (٣). ولأنَّ الكُفَّارَ لا يَدَ لهم عليه، فأشْبَهَ مَنْ فى دارِ الإِسلامِ. وأمَّا الأسِيرُ، فظاهِرُ كلامِ أحمد أنَّه لا يَحِلُّ له التَّزَوُّجُ ما دامَ أسِيرًا، لأنَّه مَنَعَه مِن وَطْءِ امْرَأَتِه إذا أُسِرَتْ مَعَه، مع صِحَّةِ نِكاحِهما. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، فإنَّه قال: لا يَحِلُّ للأَسِيرِ أنْ يتَزَوَّجَ، ما كان فى أَيْدِى [العَدُوِّ (٤). وكَرِه الحَسَنُ أنْ يتزوَّجَ ما كان (٥) فى أرضِ] (٦) المشركين، ولأنَّ (٧) الأسِيرَ إذا وُلِدَ له ولَدٌ كان رقيقًا لهم، ولا يأمَنُ أنْ يطأَ امرَأَتَه غيرُه منهم. وسُئِلَ أحمد عن أسيرٍ أُسِرَتْ (٨) معه امْرَأَتُه، أَيَطؤُها؟ [فقال: كيفَ يَطَؤُها] (٩)، ولعلَّ (١٠) غيرَه منهم يَطَؤُها! قال الأَثْرَمُ:

стр. 6837

قلتُ له: ولَعَلَّها تَعْلَقُ بوَلَدٍ، فيكونُ مَعَهم. قال: وهذا أيضًا. وأمّا الذى يَدْخُلُ إليهم بأمانٍ، كالتاجِرِ ونحوِه، فهو الذى أرادَ الخِرَقِىُّ، إنْ شاءَ اللَّه تعالى، فلا يَنْبَغِى له التزوُّجُ؛ لأنَّه لا يأْمَنُ أنْ تَأْتِىَ امْرَأَتُه بوَلَدٍ، فيَسْتَوْلِىَ عليه الكُفَّارُ، ورُبَّما نَشَأَ بينهم، فيصيرُ على دينِهم. فإنْ غَلَبَت عليه الشَّهْوَةُ، أُبِيحَ له نِكاحُ مُسْلِمَةٍ؛ لأنَّها حالُ ضَرُورَةٍ، وَيعْزِلُ عنها، كيلا تَأْتِىَ بوَلَدٍ. ولا يَتَزَوَّجُ منهم؛ لأنَّ امْرَأَتَه إذا كانَتْ منهم، غَلَبَتْه على ولَدِها، فيَتْبَعُها على دِينِها. وقال القاضى، فى قولِ الخِرَقِىّ: هذا نَهْىُ كراهَةٍ، لا نَهْىُ تَحْريمٍ؛ لأنَّ اللَّه تَعالَى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (١١). ولأنَّ الأَصْلَ الحِلُّ، فلا يَحْرُمُ بالشَّكِّ والتَّوَهُّمِ، وإنَّمَا كَرِهْنا له التَّزَوُّجَ منهم مَخافَةَ أنْ يغْلِبُوا على ولدِه، فيَسْتَرِقُّوهُ، ويُعَلِّمُوه الكُفْرَ، ففى تَزْويجِه تَعْرِيضٌ لهذا الفَسادِ العظيمِ، وازْدادَتْ الكَراهَةُ إذا تَزَوَّجَ منهم؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ امْرَأَتَه تَغْلِبُه على ولَدِها، فتكفِّرُه، كما أنَّ حكْمَ الإِسْلامِ تَغْلِيبُ (١٢) الإِسلامِ فيما إذا أسْلَمَ أَحَدُ الأَبَوَيْنِ، أو تَزَوَّجَ مسلمٌ (١٣) ذِمِّيَّةً، وإذا (١٤) اشْتَرَى منهم جارِيَةً، لم يَطَأْها فى الفَرْجِ فى أَرْضِهم، مَخافَةَ أنْ يغْلِبوهُ على ولدِها، فيَسْتَرِقُّوه، ويُكَفِّرُوه. فصل فى الهِجْرة: وهى الخروجُ من دارِ الكُفْرِ إلى دَارِ الإِسلامِ. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (١٥) الآياتِ. ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "أَنَا بَرِىءٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكِينَ، لَا تَرَاءَا نَارَاهُما" (١٦). روَاه أبو داوُدَ، [والنَّسائىُّ، والتِّرْمِذِىُّ] (١٧). ومَعْناه لا يكونُ بمَوْضِعٍ يرَى نارَهم، ويَرَوْنَ نارَه، إذا

стр. 6838

أُوقِدَتْ. فى آىٍ وأخْيار سِوَى هذَيْن كثيرٍ. وحُكْمُ الهِجْرَةِ باقٍ، لا يَنْقَطِعُ إلى يومِ القيامَةِ. فى قولِ عامَّةِ أَهْلِ العِلْم. وقال قَوْمٌ: قد انْقَطَعَت الهِجْرَةُ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفتْحِ" (١٨). وقال: "قَدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ، ولكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ" (١٨). ورُوِىَ أنَّ صَفْوانَ بن أُمَيَّةَ لمَّا أَسْلَم، قيل له: لا دِينَ لِمَنْ لم يُهاجِرْ. فأَتَى المدينَةَ، فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "مَا جَاءَ بِكَ أَبَا وَهْبٍ؟ " قال: قيل: إنَّه لا دِينَ لمَنْ لم يُهاجِر. قال: "ارْجِعْ أَبَا وَهْبٍ إلَى أباطِحِ مَكَّةَ، أقِرُّوا عَلَى مَسَاكِنِكُمْ، فَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ، وَلكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ". روَى ذلك (١٩) كلَّه (٢٠) سعيدٌ (٢١). ولَنا، ما رَوَى مُعاوِيَةُ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، ولَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا". روَاه أبو داوُدَ (٢٢). ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أَنَّه قال: "لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا كَانَ الْجِهادُ". رواه سعيدٌ (٢٣)، وغيرُه، مع إطلاقِ الآياتِ والأخْبارِ الدّالَّةِ عليها، وتَحقُّقِ المعنَى المُقْتَضِى لها فى كلِّ زمانٍ. وأمَّا الأحادِيثُ الأُوَلُ،

стр. 6839

فأرادَ بها، لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ من بَلَدٍ قد فُتِحَ. وقَوْلُه لِصَفْوانَ: "إنَّ الهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ". يَعْنِى من مَكَّة؛ لأنَّ الهِجْرَةَ الخروجُ من بَلَدِ الكُفَّارِ، فإذا فُتِحَ لم يَبْقَ بلدَ الكُفَّارِ، فلا تَبْقَى منه هِجْرَةٌ. وهكذا كُلّ بَلَدٍ فُتِحَ لا يَبْقَى منه هِجْرَةٌ، وإنَّما الهِجْرَةُ إليه. إذا ثَبَتَ هذا، فالناسُ فى الهِجْرَةِ على ثلاثَةِ أضْرُب؛ أحدُها، مَنْ تَجِب عليه، وهو مَنْ يَقْدِرُ عليها، ولا يُمْكِنُه إظْهارُ دِينهِ، أوْ لا (٢٤) تُمْكِنُه إقامَةُ واجباتِ دِينهِ مع المُقامِ بينَ الكُفَّارِ، فهذا تَجِبُ عليه الهِجْرَةُ؛ لقولِ اللَّه تعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وهذا وَعِيدٌ شديدٌ يَدُلُّ على الوُجوبِ. ولأَنَّ القيامَ بواجِبِ دِينهِ واجِبٌ على مَنْ قَدَرَ عليه، والهِجْرَةُ من ضَرُورَةِ الواجِبِ وتَتِمَّتِه، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به فهو (٢٥) واجِبٌ. الثاني؛ مَنْ لا هِجْرَةَ عليه. وهو مَنْ يَعْجِزُ عَنْها، إمَّا لمرَضٍ، أو إكراهٍ على الإِقامَةِ، أو ضَعْفٍ؛ من النِّساءِ والوِلْدَانِ وشِبْهِهِم، فهذا لا هِجْرَةَ عليه؛ لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٢٦). ولا تُوصَفُ باسْتِحْبابٍ؛ لأنَّها غيرُ مَقْدُورٍ عليها. والثالثُ، مَنْ تُسْتَحَبُّ له، ولا تَجِبُ عليه. وهو مَنْ يَقْدِرُ عليها، لكِنَّه يَتَمَكَّنُ مِنْ إِظْهارِ دِينهِ، وإقامَتِه فى دارِ الكُفْرِ (٢٧)، فتُسْتَحَبُّ له، ليتَمَكَّنَ من جهادِهم، وتكْثيرِ المسلمين، ومَعُونَتِهم، وَيَتَخَلَّصَ من تَكْثِيرِ الكُفَّارِ، ومُخالَطَتِهم، ورُؤْيةِ المُنْكَرِ بينَهم. ولا تَجِبُ عليه، لإِمْكانِ إِقامَةِ واجِبِ دينهِ بدُونِ الهِجْرَةِ. وقد كان العبَّاسُ عَمُّ النّبِىِّ ﷺ مُقِيمًا بمكَّةَ مع إسْلامِه (٢٨). ورَوَيْنا أنَّ نُعَيْمَ النَّحَّامَ، حين أرادَ أنْ يُهاجِرَ، جاءَه قومُه بنو عَدِىٍّ، فقالوا له: أقِمْ عندَنا، وأَنْتَ على دِينِكَ، ونحن نَمْنَعُك ممَّنْ يُرِيدُ

стр. 6840

أذاكَ، واكْفِنا ما كُنْتَ تَكْفِينا. وكان يقُومُ بيَتامَى بنى عَدِيٍّ وأَرامِلِهم، فَتَخَلَّفَ عن الهجرَةِ مُدَّةً، ثمَّ هاجَرَ بعدُ، فقال له النَّبىُّ ﷺ : "قَوْمُك كَانُوا خَيْرًا لَكَ مِنْ قَوْمِى [لى، قَوْمِى] (٢٩) أَخْرَجُونِى، وأرَادُوا قَتْلِى، وقَوْمُكَ حَفِظُوكَ ومَنَعُوك". فقال: يا رَسولَ اللَّه: بَلْ قَوْمُك أَخْرَجُوكَ إلى طاعَةِ اللهِ، وجِهادِ عَدُوِّه، وقَوْمِى ثَبَّطُونِى عن الهِجْرَةِ، وطاعَةِ اللهِ. أو نَحْوَ هذا القَوْلِ (٣٠). ١٦٧٤ - مسألة؛ قال: (مَنْ دَخلَ إلَى أرْضِ الْعَدُوِّ بِأَمَانٍ، لَمْ يَخُنْهُمْ فِى مَالِهِمْ، ولَمْ يُعامِلْهُمْ بِالرِّبَا) أمَّا تحريمُ الرِّبَا فى دارِ الحَرْبِ، فقد ذَكَرْناه فى باب (١) الرِّبا (٢)، مع أنَّ قولَ اللَّه تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) وسائِرَ الآياتِ، والأَخْبَارَ الدَّالَّةَ على تحْريمِ الرِّبا عامَّةٌ تَتَناوَلُ الرِّبَا فى كلِّ مكانٍ وزمانٍ. وأمَّا خِيانَتَهُم، فمُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّهُم إنّما أَعْطَوْه الأمانَ مَشْروطًا بِتَرْكِه خِيانَتَهم، وأمْنِه إيَّاهُم من نَفْسِه، وإنْ لم يكُنْ ذلك (٤) مذكورًا فى اللفظِ، فهو معلومٌ فى المَعْنَى، ولذلك مَنْ جاءَنا منهم بأمَانٍ، فخانَنا، كان ناقِضًا لعَهْدِه. فإذا ثَبَتَ هذا، لم تَحِلَّ له خِيانَتُهم، لأنَّه غَدْرٌ، ولا يَصْلُحُ فى دينِنا الغَدْرُ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" (٥). فإنْ خانَهم، أو سَرَقَ منهم، أو اقْتَرضَ شيئًا، وجَبَ عليه رَدُّ ما أخَذَ إلى أَرْبابِه، فإنْ جاءَ أربابُه إلى دارِ الإِسلامِ بأمَانٍ أو إيمانٍ، رَدُّه عليهم، وإلَّا

стр. 6841

بَعَثَ به إليهم؛ لأنَّه أَخَذَه على وَجْهٍ مُحَرَّمٍ (٦) عليه أخْذُه، فلَزِمَه رَدُّه (٧)، كما لو أَخَذَه من مالَ مُسْلِمٍ. ١٦٧٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ كَانَ لَهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ، فَنَقَضُوهُ، حُورِبُوا، وقُتِلَ رِجَالُهُمْ، ولَمْ تُسْبَ ذَرارِيهم، ولم يُسْتَرَقُّوا، إلَّا مَنْ وُلِدَ بَعْد نَقْضِهِ) وجملةُ ذلك أنَّ أهلَ الذِّمَّةِ إذا نَقَضُوا العَهْدَ، أو أَخَذَ رجلٌ الأمانَ لنَفْسِه وذُرِّيَّتِه، ثمَّ نَقَضَ العَهْدَ، فإنَّه يُقْتَلُ رجالُهم، ولا تُسْبَى ذَراريهم المَوْجُودُون قبلَ النَّقْضِ، لأنَّ العَهْدَ شمِلَهم جميعًا، ودَخَلَت فيه (١) الذُّرِّيَّةُ، والنَّقْضُ إنَّما وُجِدَ من رجالِهم، فتَخْتَصُّ إباحَةُ الدِّماءِ بهم، ومن المُمْكِن أنْ ينْفَرِدَ الرجلُ بالعَهْدِ والأمانِ، دونَ ذُرِّيَّتِه وذُرِّيَّتُه دونَه، فجازَ أنْ ينْتَقِضَ العَهْدُ فيه دُونَهم، والنَّقْضُ إنَّما وُجِدَ من الرجالِ البَالِغين، دُونَ الذُّرِّيَّة، فيَجِبُ أنْ يخْتَصَّ حُكْمُه بهم. قال أحمد: قالت امرأةُ عَلْقَمَةَ [بن عُلاثَةَ] (٢) لما ارْتَدَّ: إنْ كان عَلْقَمَةُ ارَتَدَّ، فأنا لم أرْتَدَّ (٣). وقال الحسنُ، فى مَن نَقَضَ العَهْدَ: ليس على الذُّرِّيِّة شىءٌ. فأمَّا مَنْ وُلِدَ فيهم بعدَ نَقْضِ العَهْدِ، جازَ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّه لم يثْبُتْ له أمانٌ بحالٍ. وسواءٌ فيما ذَكَرْنا لحِقُوا بدَارِ الحرْبِ، أو أقامُوا بدارِ الإسلامِ. فأمَّا نِساؤُهم، فمَنْ لحِقَت (٤) منهُنَّ بدارِ الحربِ طائِعَةً، أو وافَقَت زَوْجَها فى نَقْضِ العَهْدِ، جازَ سَبْيُها؛ لأنَّها بالِغَةٌ عاقِلَةٌ نقَضَتِ العَهْدَ، فأشْبَهَتِ الرَّجُلَ، ومَنْ لم تَنْقُضِ العَهْدَ، لم يَنْتَقِضْ (٥) عَهْدُها بنَقْضِ زَوْجِها. فصل: وأمَّا أهلُ الهُدْنَةِ إذا نَقَضُوا العَهْدَ، حَلَّتْ دِماؤُهم وأموالُهم، وسَبْىُ ذَرارِيهم،

стр. 6842

لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ رجالَ بنى قُرَيْظَةَ، وسَبَى ذَراريِهم، وأخَذَ أموالَهم، حين نَقَضُوا عَهْدَه (٦). ولمَّا هادَنَ قُرَيْشًا فنَقَضَت (٧) عَهْدَه، حَلَّ له منهم ما كانَ حَرُمَ عليه منهم (٨). ولأنَّ الهُدْنَةَ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ، ينْتَهِى بانْقِضاء مُدَّتِه (٩)، فيزولُ بِنَقْضِه وفَسْخِه، كعَقْدِ الإجارَةِ، بخلافِ عَقْدِ الذِّمَّةِ. فصل: ومَعْنَى الهُدْنَةِ، أنْ يَعْقِدَ لأهْلِ الحَرْبِ عَقْدًا على تَرْكِ القتالِ مُدَّةً، بعِوَضٍ وبغيرِ عِوَضٍ. وَتُسَمَّى مُهادَنَةً ومُوادعَةً ومُعاهَدَةً، وذلك جائِزٌ، بدليلِ قول اللَّه تعالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠). وقال : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (١١). ورَوَى مَرْوَانُ، ومِسْوَرُ بن مَخْرَمَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، صالَحَ سُهَيْلَ بن عمرٍو بالحُدَيْبِيَةِ، على وَضْعِ القِتالِ عشرَ سِنِين (١٢). ولأنَّه قد يَكُون بالمسلمين ضَعْفٌ، فيُهادِنُهم حتَّى يَقْوَى المسلمون. ولا يجوزُ ذلك إلَّا للنَّظَرِ للمسلمين؛ إمَّا أنْ يكونَ بهم ضَعْفٌ عن قتالِهم، وإمَّا أنْ يطمَعَ فى إسْلامِهِم بِهُدْنَتِهم، أو فى أدائِهم الجِزْيَةَ، والْتزامِهم أحْكامَ المِلَّةِ، أو غيرِ ذلك من المصالِح. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا تَجوزُ المُهادَنَةُ مُطْلقًا من غيرِ تَقْديرِ مُدَّةٍ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى تَرْكِ الجهادِ بالكُلِّيَّةِ. ولا يجوزُ أنْ يُشْترطَ نَقْضُها لمن شاءَ منهما؛ لأنَّه يُفْضِى إلى ضِدِّ المقْصودِ منها. وإنْ شرطَ الإِمامُ لنفسِه ذلك دُونَهم، لم يَجُزْ أيضًا. ذكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرطَ ذلك فى البَيْعِ والنِّكاحِ. وقال القاضى، والشافِعِىُّ:

стр. 6843

يصِحُّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صالَحَ أهلَ خَيْبَرَ على أنْ يُقِرَّهم ما أَقَرَّهُم اللَّه تعالى (١٣). ولا يَصِحُّ هذا، فإنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلا يجوزُ اشْتراطُ نَقْضِه، كسائِرِ العُقودِ اللَّازِمَةِ، ولم يكُنْ بينَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ أهلِ خَيْبَرَ هُدْنَةٌ، فإنَّه فَتَحَها عَنْوَةً، وإنَّما ساقَاهم (١٤)، وقال لهم ذلك. وهذا يدُلُّ على جَوازِ المُساقاةِ، وليس هذا بهُدْنَةٍ اتِّفاقًا، وقد وافَقُوا الجماعَةَ فى (١٥) أنَّه لو شَرَطَ فى عَقْدِ الهدنَةِ أنِّى أُقِرُّكُم ما أَقَرَّكُم اللَّه. لم يَصِحَّ، فكيفَ يَصِحُّ منهم الاحْتِجاجُ به، معَ إجماعِهم مع غيرِهم على أنَّه لا يجوزُ اشْتِراطُه! فصل: ولا يجوزُ عقدُ الهُدْنَةِ إلَّا على مدَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مَعْلُومَةٍ؛ لما ذَكَرْناه. قال القاضى: وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أَنَّها لا تجوزُ أكثرَ من عشرِ سِنِين. وهو اختيارُ أبى بَكْرٍ، ومذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ قَوْلَه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١٦). عامٌّ خُصَّ منه مدَّةُ العشرِ لمُصالَحَةِ النَّبِيِّ ﷺ قُرَيْشًا يومَ الحُدَيْبِيةِ عشرًا، ففيما زادَ يَبْقَى على مُقْتَضَى العُمومِ. فعَلَى هذا، إنْ زادَ المدَّةَ على عشرٍ، بطَلَ فى الزِّيادَةِ. وهل تَبْطُلُ فى العشرِ؟ على وَجْهيْن، بِناءً على تَفْريقِ الصَّفْقَةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يجوزُ على أكْثرَ من عشرٍ، على ما يَراهُ الإِمامُ من المصلَحَةِ. وبهذا قال أبو حَنِيفة؛ لأنَّه عَقْدٌ يجوزُ فى العشرِ، [فجازَ على] (١٧) الزِّيادَةِ عليها، كعَقْدِ الإِجارَةِ، والعامُّ مَخْصوصٌ فى العشرِ لمَعْنًى موجودٍ فيما زادَ عليها، وهو أنَّ المصلحةَ قد تكونُ فى الصُّلْحِ أكثرَ منها فى الحَربِ. فصل: وتجوزُ مُهادَنَتُهم على غيرِ مالٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ هادَنَهم يومَ الحُدَيْبِيَةِ على غيرِ مالٍ (١٨). ويجوزُ ذلك على مالٍ يأخذُه منهم؛ فإنَّها إذا جازَت على غيرِ مالٍ، فعلَى مالٍ

стр. 6844

أوْلَى. وأَمَّا إنْ (١٩) صالَحَهم على مالٍ نَبْذُلُه لهم، فقد أطلقَ أحمدُ القولَ بالمنْعِ منه. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ فيه صَغارًا للمسلمين. وهذا محمولٌ على غيرِ حالِ الضرورَةِ، فأمَّا إنْ دَعَت إليه ضَرورةٌ، وهو أنْ يخافَ على المسلمين الهَلاكَ أو الأَسْرَ، فيجوزُ؛ لأنَّه يجوزُ للأسِيرِ فِداءُ نَفْسِه بالمالِ، فكذا هذا (٢٠)، ولأنَّ بَذْلَ (٢١) المالِ إنْ كان فيه صَغارٌ، فإنَّه يجوزُ تَحَمُّلُه لدَفْعِ صَغارٍ أعْظمَ منه، وهو القَتْلُ، والأَسْرُ، وسَبْىُ الذُّرِّيَّةِ الذين يُفْضِى سَبْيُهم إلى كُفْرِهم. وقد رَوَى عبدُ الرزَّاق (٢٢)، فى المغازِى، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، قال: أرْسَلَ النَّبِىُّ ﷺ إلى عُيَيْنَةَ بن حِصْنٍ، وهو مع أبي سفيانَ -يعنى يومَ الأَحْزابِ-: "أَرَأَيْتَ إنْ جَعَلْتُ لَكَ ثُلُثَ تَمْرِ الأَنْصَارِ، أَتَرْجِعُ بمَنْ مَعَكَ مِنْ غَطَفَانَ، وتُخَذِّلُ بَيْنَ الأَحزَابِ؟ ". فأرْسَلَ إليه عُيَيْنَةُ: إنْ جَعَلْتَ لى الشَّطْرَ فَعَلْتُ. قال مَعْمَرٌ: فَحَدَّثَنِى ابنُ أبي نَجِيحٍ، أنَّ سعدَ بن مُعاذٍ وسَعْدَ بن عُبادَةَ قالا: يا رسولَ اللَّه، واللَّه لقد كان يَجُرُّ سُرْمَه فى الجاهليَّةِ فى عامِ السَّنَةِ حَوْلَ المدِينَةِ، ما يُطِيقُ أنْ يدْخُلَها، فالآنَ حينَ جاءَ اللهُ بالإسلامِ، نُعْطِيهِم ذلك! فقال النَّبِىُّ ﷺ : "فَنَعَمْ إذًا". ولولا أنَّ ذلك جائِزٌ، لَما بَذَلَه النَّبِىُّ ﷺ . ورُوِىَ أنَّ الحارِثَ بن عمرِو الغَطَفانِىَّ، بَعَثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: إنْ جَعَلْتَ لى شَطْرَ ثِمارِ المدينةِ، وإلَّا مَلأْتُها عليك خَيْلًا ورجالًا (٢٣). فقال له النَّبِيّ ﷺ : "حَتَّى أُشَاوِرَ السُّعُودَ". يعنى سعدَ بن عُبادَةَ، وسعدَ بن مُعاذٍ، وسعدَ بن زُرارَةَ، فشاوَرَهم النَّبِىُّ ﷺ ، فقالُوا: يا رسولَ اللَّه، إنْ كان هذا أمْرًا من السماءِ، فتَسْلِيمٌ لأَمْرِ اللَّه تعالى، وإنْ كان برأْيِكَ وهواكَ، اتَّبَعْنا رأيَكَ وهَواكَ، وإنْ لم يكُنْ أمْرًا من السماءِ ولا برأْيِكَ وهواكَ، فوالله ما كُنَّا نُعطِيهم فى الجاهِلِيَّةِ بُسْرَةً ولا تَمْرةً إلَّا شِراءً أو قِرًى، فكيفَ (٢٤) وقد أعزَّنا اللَّه بالإِسلامِ! فقال النَّبِىُّ ﷺ لرسولِه: "أَتَسْمَعُ؟ " (٢٥)

стр. 6845

فعَرَضَهُ النَّبِىُّ ﷺ ليَعْلَمَ ضَعْفَهم من قُوَّتِهم، فلولا جَوازُه عندَ الضَّعْفِ، لَما عرَضَه عليهم. فصل: ولا يجوزُ عَقْدُ الهُدْنَةِ ولا الذِّمَّةِ إِلَّا من الإِمامِ أو نائبِه؛ لأنَّه عَقْدٌ مع جُمْلَةِ الكُفَّارِ، وليس ذلك لغيرِه، ولأنّه يتعَلَّقُ بنَظَرِ الإِمامِ وما يَرَاهُ من المصلحَةِ، على ما قَدَّمْناه، ولأنَّ تَجْوِيزَه من غيرِ الإِمامِ يتضمَّنُ تعْطيلَ الجِهادِ بالكُلِّيَّةِ، أو إلى تِلْك الناحِيَةِ، وفيه افْتِياتٌ على الإِمامِ. فإنْ هادَنَهم غيرُ الإِمامِ أو نائِبُه، لم يَصِحَّ. وإنْ دخلَ بعضُهم دارَ الإِسلامِ بهذا الصُّلْحِ، كان آمِنًا؛ لأنَّه دخلَ مُعْتقِدًا للأمانِ، ويُرَدُّ إلى دارِ الحَرْبِ، ولا يُقَرُّ فى دارِ الإسلامِ، لأنَّ الأمانَ لم يَصِحَّ. وإنْ عَقَدَ الإِمامُ الهُدْنَةَ، ثمَّ ماتَ أو عُزِلَ، لم ينْتقِضْ عَهْدُه، وعلى مَنْ بعْدَه الوَفاءُ به، لأنَّ الإِمامَ عقَدَه باجْتهادِهِ، فلم يُجزْ للحاكمِ نَقضُ أحكامِ مَنْ قَبْلَه باجْتهادِه. وإذا عقَدَ الهُدْنَةَ، لزِمَه الوَفاءُ بها؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢٦). وقال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (٢٧). ولأنَّه لو لم يَفِ بها، لم يُسْكَنْ إلى عَقْدِه، وقد يحتاجُ إلى عَقْدِها، فإنْ نَقَضُوا العَقْدَ (٢٨)، جازَ قِتالُهم؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (٢٩). وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (٣٠). ولمَّا نَقَضَت قريشٌ عَهْدَ النَّبىِّ ﷺ ، خَرَجَ إليهم، فقاتَلَهُم، وفَتَحَ مكَّةَ (٣١). وإنْ نَقَضَ بعضُهم دونَ بعضٍ، فسَكَتَ باقِيهم عن النَّاقِضِ، ولم يُوجَدْ منهم إنْكارٌ، ولا مُراسَلَةُ الإِمامِ، ولا تَبَرُّؤٌ، فالكلُّ ناقِضُون، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا هادَنَ قُرَيْشًا، دَخَلَت خُزاعَةُ مع النَّبِىِّ ﷺ ، وبنو بكرٍ مع

стр. 6846

قريشٍ، فعدَتْ بنو بكرٍ على خُزاعَةَ، وأعانَهم بعضُ قُرَيْشٍ، وسَكَتَ الباقون، فكان ذلك نَقْضَ عهدِهم، وسارَ إليهم رسولُ اللَّه ﷺ فقاتَلَهُم. ولأنَّ سُكوتَهم يدلُّ على رِضاهُم، كما أَنَّ عَقْدَ الهُدْنَةِ مع بعضِهِم يدخلُ فيه جَمِيعُهم؛ لدلالَةِ سُكوتِهم على رِضَاهم، كذلك فى النَّقْضِ. وإنْ أنكرَ مَنْ لم يَنْقُضْ على النَّاقِضِ، بقولٍ أو فعلٍ ظاهرٍ، أو اعْتزالٍ، أو راسَلَ الإِمامَ بأنِّى مُنْكِرٌ لِمَا فعلَهُ النَّاقِضُ، مُقِيمٌ على العَهْدِ، لم يَنْتَقِضْ فى حَقِّهِ، ويَأْمُرُه الإِمامُ بالتَّمَيُّز (٣٢)، ليأخُذَ النَّاقِضَ وحدَه، فإن امْتَنَع من التَّمَيُّزِ، أو إسْلامِ النَّاقِضِ، صارَ ناقِضًا؛ لأنَّه منَع من أخْذِ النَّاقِضِ، فصارَ بمنزلَتِه، وإنْ لم يُمْكِنْه التَّمَيُّزُ، لم ينتَقِضْ (٣٣) عَهْدُه؛ لأنَّه كالأسِيرِ. فإنْ أَسَرَ الإِمامُ منهم قومًا، فادَّعَى الأسيرُ أَنَّه لم ينْقُضْ، وأشكلَ ذلك عليه، قُبِلَ قولُ الأسِيرِ؛ لأنَّه لا يُتَوَصَّلُ إلى ذلك إلَّا مِنْ قِبَلِه (٣٤). فصل: وإنْ خافَ نَقْضَ العَهْدِ منهم، جازَ أنْ ينْبِذَ إليهم عَهْدَهُم؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٣٥). يَعْنِى أَعْلِمْهم بِنَقضِ عَهْدِهِم، حتَّى تصيرَ أنتَ وهم سَواءً فى العِلْمِ، ولا يَكْفِى وُقوعُ ذلك فى قَلْبِه (٣٦)، حتَّى يكونَ عن أمَارَةٍ تدُلُّ على ما خافَه. ولا يجوزُ أنْ يبْدَأَهُم بقتالٍ ولا غارةٍ قبلَ إعْلامِهِم بنَقْضِ العَهْدِ؛ للآيَةِ، ولأنَّهم آمِنُون منه (٣٧) بحُكْمِ العَهْدِ، فلا يجوزُ قَتْلُهم، ولا أخْذُ مالِهم. فإنْ قيل: فقد قُلْتُم: إنَّ الذِّمِّىَّ إذا خِيفَ منه الخيانَةُ، لم يَنْتَقِض (٣٨) عَهْدُه. قُلْنا: عَقْدُ الذِّمَّةِ آكَدُ؛ لأنَّه يجِبُ على الإِمام إجابَتُهم (٣٩) إليه، وهو نَوْعُ مُعاوَضَةٍ، وعَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، بخلافِ الهُدْنَةِ والأمانِ، ولهذا لو نَقَضَ بعضُ أهلِ الذِّمَّةِ، لم يَنْتَقِضْ عَهْدُ الباقِينَ، بخلافِ الهُدْنَةِ، ولأنَّ أهلَ الذِّمَّةِ فى قَبْضَةِ الإِمامِ، وتجبُ ولايَتُه، ولا يُخْشَى الضَّرَرُ كثيرًا من

стр. 6847

نَقْضِهم، بخلافِ أهلِ الهُدْنَةِ، فإنَّه يُخافُ منهم الغارَةُ على المسلمين، والضَّرَرُ الكثير بأخْذِهم للمسلمين. فصل: وإذا عَقَدَ الهُدْنَةَ، فعليه حِمايَتُهم من المسلمين وأهلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّه آمَنَهُم مِمَّن (٤٠) هو فى قَبْضَتِه وتحتَ يَدِه، كما أمَّنَ مَنْ فى قَبْضَتِه منهم. ومَن أَتْلَفَ من المسلمين أو مِن (٤١) أهلِ الذِّمَّةِ عليهم شيئًا، فعليه ضَمانُه، ولا تَلْزَمُه حِمايَتُهم من أهلِ الحَرْبِ، ولا حمايةُ بعضهم من بعضٍ؛ لأنَّ الهُدْنَةَ الْتِزامُ الكَفِّ عنهم فقط. فإنْ أغارَ عليهم قومٌ آخرون فسَبَوْهُم، لم يَلْزَمْه اسْتِنْقاذُهم، وليس للمسلمين شِراؤُهم؛ لأنّهم فى عَهْدِهم، فلا يجوزُ لهم أذاهُم ولا اسْتِرْقاقُهم. وذكر الشافِعِىُّ ما يدُلُّ على هذا. ويَحْتَمِلُ جوازَ ذلك. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، لأنَّه لا يجِبُ أنْ يدْفَعَ عنهم، فلا يَحْرُمُ اسْتِرْقاقُهم، بخلافِ أهلِ الذِّمَّةِ. فعلى هذا، إن اسْتَوْلَى المسلمون على الذين أسَرُوهُم، وأخَذُوا أموالَهم، فاسْتنقذُوا ذلك منهم، لم يلزَمْ رَدُّه إليهم، على هذا القَوْلِ. ومُقْتَضَى (٤٢) القولِ الأوَّلِ وُجوبُ رَدِّه، كما تُرَدُّ أمْوالُ أهلِ الذِّمَّةِ إليهم. فصل: وإذا عَقَدَ الهُدْنَةَ مُطْلقًا، فجاءَنا منهم إنسانٌ مُسْلِمًا أو بأمانٍ، لم يجِبْ ردُّه إليهم، ولم يجُزْ ذلك، سواءٌ كان حُرًّا أو عبدًا، أو رجلًا أو امرأةً. ولا يجبُ رَدُّ مَهْرِ المرأةِ. وقال أصْحابُ الشافِعِىِّ: إنْ خَرَجَ العَبْدُ إلينا قبلَ إسْلامِه، [ثمَّ أسْلَمَ] (٤٣)، لم يُرَدَّ إليهم، وإنْ أسْلَم قبلَ خُروجِه، ثمَّ خَرَجَ إلينا، لم يَصِرْ حُرًّا، لأنَّهم فى أمانٍ مِنَّا، والهُدْنَةُ تَمْنعُ من جَوازِ القَهْرِ. وقال الشافِعِىُّ فى [قولٍ له] (٤٤): إذا جاءَت امْرَأَةٌ (٤٥) مُسْلِمةٌ، وجَبَ رَدُّ مَهْرِها، لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٤٦). يعنى رَدَّ المهرِ (٤٧) إلى زَوْجِها إذا

стр. 6848

جاءَ يطلُبُها، وإنْ جاءَ غيرُه، لم يُرَدَّ إليه شىءٌ. ولَنا، أنَّه من غَيْرِ أهلِ دارِ الإسلامِ، خَرَجَ إلينا، فلم يَجبْ (٤٨) رَدُّه، ولا رَدُّ شيْءٍ بدلًا عنه، كالحُرِّ من الرجالِ، وكالعَبْدِ إذا خَرَجَ ثمَّ أسْلَمَ. وقولُهم: إنَّهم (٤٩) فى أَمانٍ مِنَّا. قُلْنا: إنَّما أمَّنَّاهم (٥٠) ممَّنْ هو فى دارِ الإِسلامِ، الذين هم فى قَبْضَةِ الإِمامِ، فأما مَن (٥١) هو فى دارِهم، ومَنْ ليس فى قَبْضَتِه، فلا يُمْنَعُ منه، بدليلِ ما لو خَرَجَ العبدُ قبلَ إسْلامِه، ولهذا لمَّا قَتَلَ أبو بَصِيرٍ الرجُلَ الذى جاءَ لِردِّه، لم يُنْكِرْهُ النَّبِىُّ ﷺ ، ولم يُضَمِّنْه (٥٢)، ولما انْفَردَ هو وأَبُو جَنْدَلٍ وأصحابُهما عن النَّبِيِّ ﷺ فى صُلْحِ الحُدَيْبيَةِ، فقَطَعُوا الطَّرِيقَ عليهم، وقَتَلُوا [من قَتَلُوا] (٥٣) منهم، وأخذُوا المالَ، لم يُنْكِرْ ذلك النَّبِىُّ ﷺ ، ولم يأْمُرْهم بَردِّ ما أخَذُوه، ولا غَرامَةِ ما أَتْلَفُوه (٥٢). وهذا الذى أسْلَمَ كان فى دارِهم وقَبْضَتِهم، وقَهرهم على نفسِه، فصارَ حُرًّا، كما لو أسْلَم بعدَ خُروجِه. وأمَّا المرأةُ، فلا يجِبُ رَدُّ مَهْرِها؛ لأنَّها لم تَأْخُذْ منهم (٥٤) شيئًا، ولو أخَذَتْه كانتْ قد قَهَرَتْهُم عليه فى دارِ القَهْرِ، ولو وجَبَ عليها عِوَضُه، لَوجَبَ مَهْرُ المِثْلِ دُونَ المُسَمَّى. والآيةُ، قال قَتادَةُ: تُبِيحُ رَدَّ المَهْرِ. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِيُّ: لا يُعْمَلُ بها اليومَ (٥٥). وعلى أنَّ الآيةَ إنَّما نَزَلَت فى قَضِيَّةِ الحُدَيْبِيَةِ، حينَ كان النَّبِىُّ ﷺ شَرَطَ لهم رَدَّ مَن جاءَه مُسْلِمًا، فلما مَنَع اللهُ رَدَّ النِّساءِ، أمَرَ برَدِّ مُهورِهِنَّ (٥٦)، وكلامُنا فيما إذا وَقَعَ الصُّلْحُ مُطْلَقًا، فليس هو فى مَعْنَى ما تَناوَلَه الأَمْرُ. وإنْ وَقَعَ الكلامُ فيما إذا شَرَطَ رَدَّ النِّساءِ، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّ الشَّرْطَ الذى كان النَّبِىُّ ﷺ شَرَطَه، كان صحيحًا، وقد نُسِخَ، فإذا

стр. 6849

شَرَطَه (٥٧) الآنَ كان بَاطِلًا، فلا يجوزُ قياسُه على الصَّحيحِ، ولا إلْحاقُه به. فصل: والشروطُ فى عَقْدِ الهُدْنَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ صحيحٌ؛ مثل أنْ يَشْتَرِطَ عليهم مالًا، أو مَعُونَةَ المسلمين عندَ حاجَتِهم إليهم، أو يَشْتَرِطَ (٥٨) لهم أنْ يَرُدَّ من جاءَه من الرجالِ مسلمًا أو بأمانٍ. فهذا يَصِحُّ. وقال أصحابُ (٥٩) الشافِعِىِّ: لا يَصِحُّ شرطُ رَدِّ المسلمِ، إلَّا أنْ يكونَ له عَشِيرةٌ تَحْمِيه وتَمْنَعُه. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ شرطَ ذلك فى صُلحِ الحُدَيْبِيَةِ، ووَفَّى لهم به، فرَدَّ أبا جَنْدَلِ [بنِ سُهَيْلٍ] (٦٠) وأبا بَصِيرٍ، ولم يَخُصَّ بالشَّرْطِ ذا العشيرَةِ، ولأنَّ ذَا العَشِيرةِ إذا كانت عَشِيرَتُه هى التى تَفتِنُه وتُؤْذِيه، فهو كمَنْ لا عَشِيرةَ له، لكنْ لا يجوزُ هذا الشَّرْطُ إلَّا عندَ شدَّةِ الحاجَةِ إليه، وَتَعَيُّنِ المصلحَةِ (٦١) فيه، ومتى شرطَ لهم ذلك، لزِمَ الوفاءُ به، بمعنَى (٦٢) أَنَّهم إذا جاءُوا فى طَلَبِه، لم يَمْنَعْهم أخْذَه، ولا يُجْبِرُه (٦٣) الإِمامُ على المُضِىِّ معه، وله أنْ يأمُرَه (٦٤) سِرًّا بالهرَبِ منهم، ومُقَاتَلَتِهم فإنَّ، أبا بَصِيرٍ لمَّا جاءَ النَّبِىَّ ﷺ ، وجاءَ الكفارُ فى طلَبِه، قال له النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّا لَا يَصْلُحُ في دِينِنَا الْغَدْرُ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْه، ولَعَلَّ اللهَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا" فلمَّا رجَعَ مع الرَّجُلَين، قَتَلَ أحَدَهما فى طريقهِ، ثمَّ رَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّه، قد أوْفَى اللهُ ذِمَّتَك، قد رَدَدْتَنِى إليهم، وأَنْجانِى (٦٥) اللهُ منهم. فلم يُنْكِرْ عليه النَّبِىُّ ﷺ ، ولم يَلُمْه، بل قال: "وَيْلُ امِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجالٌ! " فلمَّا سَمِعَ ذلك أبو بَصِيرٍ، لَحِقَ بساحِلِ البحرِ، وانْحازَ إليه أبو جَنْدَلِ بن سُهَيْلٍ ومَنْ معه من

стр. 6850

المُسْتَضْعَفِين بمكَّةَ، فجعلُوا لا تَمُرُّ عليهم (٦٦) عِيرٌ لقُرَيْشٍ إلَّا عَرَضُوا لها، فأخَذُوها، وقَتَلُوا مَنْ معها، فأَرسَلَتْ قُرَيْشٌ، إلى النَّبِىِّ ﷺ ، تُناشِدُه اللهَ والرَّحِمَ، أنْ يضُمَّهم إليه، ولا يَرُدَّ إليهم أحَدًا جاءَهُ، فَفَعَلَ. فيجوزُ حينئذٍ لمن أسْلَمَ من الكُفَّارِ أنْ يتحَيَّزُوا ناحِيَةً، ويقتلُون (٦٧) مَنْ قَدَرُوا عليه من الكُفَّارِ، ويأْخذُون أَمْوالَهم، ولا يدخلُون فى الصُّلْحِ. وإنْ ضَمَّهُم الإِمامُ إليه بإذْنِ الكُفَّارِ، دَخَلُوا فى الصُّلْحِ، وحَرُمَ عليهم قَتْلُ الكُفَّارِ وأمْوالُهم. ورُوِىَ عن عمرَ بن الخَطَّاب، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه لمَّا جاءَ أبو جَنْدَلٍ إلى النَّبِىِّ ﷺ هارِبًا من الكُفَّارِ، يَرْسُفُ فى قُيودِه، قامَ إليه أَبُوه (٦٦) فلَطَمَه، وجَعَلَ يَرُدُّه، قال عمرُ: فقُمْتُ إلى جانِبِ أبي جَنْدَلٍ، فقُلْتُ: إنَّهُم الكُفَّارُ، وإنَّما دَمُ أَحَدِهم دَمُ كَلْبٍ. وجَعَلْتُ أُدْنِى منه قائِمَ السَّيْفِ لعلَّه أنْ يأخُذَه، فيَضْرِبَ به أباه، قال: فَضَنَّ الرجلُ بأبيه (٦٨) الثاني، شَرْطٌ فاسِدٌ، مثل أنْ يشْتَرِطَ ردَّ النِّساءِ، أو مُهورِهِنَّ، أو رَدَّ سِلاحِهم، أو إعْطاءَهم شيئًا من سِلَاحِنا، أو من آلاتِ الحَرْبِ، أو يشْترِطَ لهم مالًا فى مَوْضِعٍ لا يجوزُ بَذْلُه، أو يشْترطَ نَقْضَها متى شاءُوا (٦٩)، أو (٧٠) أنَّ لكلِّ طائِفَةٍ منهم نَقْضًا، أو يشْتَرطَ ردَّ الصِّبْيَانِ، أو رَدَّ (٧١) الرِّجالِ، مع عدَمِ الحاجَةِ إليه. فهذه كلُّها شروطٌ فاسِدَةٌ، لا يجوزُ الوفاءُ بها. وهل يفْسُدُ العَقْدُ بها؟ على وجْهَيْن، بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ فى البَيْعِ، إِلَّا فيما إذا شَرَطَ أنَّ لكُلِّ واحدٍ منهما (٧٢) نَقْضَها متى شاءَ، فَيَنْبَغِى أن لا تَصِحَّ وَجْهًا واحِدًا، لأنَّ طائفةَ الكُفَّارِ يَبْنُون على هذا الشَّرْطِ، فلا يحْصُلُ الأَمْنُ منهم، ولا أمْنُهم منَّا، فيفُوتُ مَعْنَى الهُدْنَةِ. وإنَّما لم يصحَّ شرطُ رَدِّ النِّساءِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾

стр. 6851

إلى قوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٧٣). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّه مَنَعَ الصُّلْحَ فِى النِّسَاءِ" (٧٤). وتُفارِقُ المرأَةُ الرَّجُلَ من ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ؛ أحدُها؛ أنَّها لا تَأْمَنُ من (٧٥) أَنْ (٧٦) تُزَوَّجَ (٧٧) كافِرًا يَسْتَحِلُّها، أو يُكْرِههَا مَنْ يَنالُها، وإِليه أشارَ اللَّه تعالى بقولِه: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٧٣). الثانى، أنَّها رُبَّما فُتِنَتْ عن دِينِها؛ لأنَّها أضْعَفُ قَلْبًا، وأقلُّ مَعْرِفَةٌ من الرجل (٧٨). الثالثُ، أَنَّ المرأةَ لا يُمْكِنُها فى العادَةِ الهرَبُ والتَّخَلُّصُ، بخلافِ الرَّجُلِ. ولا يجوزُ رَدُّ الصِّبْيانِ العُقَلاءِ إذا جاءُوا مسلمين؛ لأنَّهم بمنزلَةِ المَرْأةِ فى الضَّعْفِ فى العقلِ والمعرفَةِ، والعجْزِ عن التَّخَلُّصِ والهرَبِ. فأمَّا الطِّفْلُ الذى لا يصِحُّ إسْلامُه، فيجوزُ رَدُّه؛ لأنَّه ليس بمسلمٍ. فصل: وإذا طَلَبَت امْرأةٌ أو صَبيَّةٌ مُسْلِمَةٌ، الخروجَ من عندِ الكُفَّارِ، جازَ لكلِّ مسلِمٍ إخْراجُها؛ لما رُوِىَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا خَرَجَ من مكَّة، وقَفَتْ ابْنَةُ حَمْزَةَ على الطريقِ، فلمَّا مَرَّ بها علىٌّ قالَتْ: يا ابْنَ عَمِّ، إلى مَنْ تَدَعُنِى؟ فَتناوَلَها، فدَفَعها إلى فاطِمَةَ، حتَّى قَدِمَ بها المدينةَ (٧٩). ١٦٧٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الْأَمِيرُ قَوْمًا يَغزُونَ مَع الْمُسْلِمِينَ لِمَنَافِعِهمْ، لَمْ يُسْهِمْ لَهُمْ، وأُعْطُوا مَا اسْتُؤْجِرُوا بِهِ) نصَّ أحمدُ على هذا، فى رِوايةِ جماعةٍ، فقال، فى رِوايَةِ عبدِ اللَّه وحَنْبَلٍ، فى الإِمامِ يسْتأجِرُ قومًا يدْخُلُ بهم بلادَ العَدُوِّ: لا يُسْهِمُ لهم، ويُوفِى لهم بما اسْتُؤْجِرُوا عليه. وقال

стр. 6852

القاضِى: هذا محمُولٌ على اسْتِئْجارِ مَنْ لا يَجِبُ عليه الجهادُ، [كالعبيدِ والكُفَّارِ. أمَّا الرِّجالُ المسلمون (١) الأَحْرارُ، فلا يصِحُّ اسْتِئْجارُهم على الجهادِ] (٢)؛ لأنَّ الغَزْوَ يتعَيَّنُ بحضُورِه على مَنْ كان من أهْلِه، فإذا تعيَّنَ عليه الفَرْضُ، لم يجُزْ أَنْ يفْعَلَه عن غيرِه، كمَنْ عليه حِجَّةُ الإِسلامِ، [لا يجوزُ] (٣) أَنْ يحُجَّ عن غيرِه. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ والخِرَقِىِّ على (٤) ظاهِرِه، فى صِحَّةِ الاسْتِئْجارِ على الغَزْوِ لمَن لم يتعيَّنْ عليه؛ لما رَوَى أبو داوُدَ (٥)، بإسْنادِه عَن عبد اللَّه بن عمرٍو، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لِلْغَازِى أَجْرُه، ولِلْجَاعِلِ أجْرُهُ [وَأَجْر الْغَازِى] (٦) ". ورَوَى سعيدُ بن منصورٍ (٧)، عنِ جُبَيْر بن نُفَيْرٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِى، ويَأْخُذُون الْجُعْلَ، ويَتَقَوَّوْنَ بهِ عَلَى عدُوِّهِمْ، مَثَلُ أُمِّ مُوسَى، تُرْضِعُ وَلَدَهَا، وتَأْخُذُ أجْرَهَا". ولأنَّه أمرٌ لا يخْتَصُّ فاعلُه أَنْ يكونَ من أهلِ القُرْبَةِ، فصحَّ الاسْتِئْجارُ عليه، كبناء المساجِدِ، [أو لم] (٨) يتعيَّنْ عليه الجهادُ، فصَحَّ أَنْ يُؤْجِرَ نفسه عليه كالعَبْدِ. ويفارِقُ الحجَّ، حيثُ إنَّه ليس بفرْضِ عَيْنٍ، وإنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، وفى المنْعِ من أخْذِ الجُعْلِ عليه تَعْطيلٌ له، ومَنْعٌ له مِمَّن (٩) فيه للمسلمين نَفْعٌ، وبهم إليه حاجَةٌ، فينْبَغِى أَنْ يجوزَ، بخلافِ الحَجِّ. إذا ثبَتَ هذا، فإنْ قُلْنا بالأوَّل، فالإِجارَةُ فاسِدَةٌ، وعليه الأُجْرَةُ يَرُدُّها، وله سَهْمُه؛ لأَنَّ غَزْوَه بغيرِ أُجْرَةٍ. وإِنْ قُلْنا بصحَّتِه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ، رَحِمَهما اللَّه، أنَّه لا يُسْهَمُ (١٠) له؛ لأنَّ غَزْوَه بعِوَضٍ، فكأنَّه واقِعٌ من غيرِه، فلا يسْتَحِقُّ شيئًا. وقد

стр. 6853

رَوَى أبو داوُدَ (١١)، بإسْنادِه عن يَعْلَى بنِ مُنْيَةَ (١٢)، قال: أذَّنَ رسولُ اللَّه ﷺ بالغَزْوِ، وأنا شيخٌ كبيرٌ، ليس لى خادِمٌ، فالْتَمَسْتُ أجيرًا يكْفِينِى، وأُجْرِى له سَهْمَه، فوَجَدْتُ رجلًا، فلما دَنَا الرَّحِيلُ، قال: ما أَدْرِى ما السُّهْمانُ وما يَبْلُغ سَهْمِى، فَسَمِّ لى شيئًا كان السَّهْم أو لم يَكُنْ. فسَمَّيْتُ له ثلاثَةَ دنانيرَ، فلمَّا حضَرَتْ غَنِيمةٌ أَرَدْتُ أَنْ أُجْرِىَ له سَهْمَه، فذَكَرْتُ الدَّنانِيرَ، فجِئْتُ إلى (١٣) النَّبِىِّ ﷺ ، فَذَكَرْتُ له أمْرَه، فقال: "مَا أَجِدُ لَهُ فِى غَزْوَتِهِ [هذِهِ فِى] (١٤) الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا دَنانِيرَهُ الَّتِى سَمَّى". ويَحْتَمِلُ أَنْ يُسْهَمَ له. وهو اخْتيارُ الخَلَّالِ. قال: ورَوَى جماعةٌ عن أحمدَ، أَنَّ للأَجِيرِ السَّهْمَ إذا قاتَلَ. ورَوَى عنه جماعةٌ، أَنَّ كُلَّ مَنْ شَهِدَ القتالَ فلَه السَّهْمُ. قال: وهذا الذى (١٥) أعْتمِدُ عليه من قَولِ أبى عبد اللَّه. وَوَجْهُ ذلك، ما تَقَدَّمَ من حَدِيثِ عبدِ اللَّه بن عمْرٍو، وحَدِيثِ جُبَيْرِ بن نُفيْرٍ، وقولِ عمرَ: الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ (١٦). ولأَنَّه حاضِرٌ للوَقْعَةِ من أهلِ القتالِ، فيُسْهَمُ له كغيرِ الأجيرِ. فأمَّا الذين يُعْطَوْنَ من حَقِّهِم من الفَىْءِ، فلهم سِهامُهم. لأنَّ ذلك حَقٌّ جَعَلَه اللَّهُ له (١٧) ليَغْزُوَ، لا أنَّه عِوَضٌ عن جِهادِه، بل نَفْعُ جهادِه له لا لغيرِه. وكذلك مَنْ يُعْطَوْنَ من الصَّدَقاتِ، وهم الذين إذا نَشِطُوا للغَزْو أُعْطُوا، فإنَّهم يُعْطوْنَ مَعُونةً لهم، لا عِوَضًا، ولذلك إذا دفَع (١٨) إلى الغزاةِ ما (١٩) يَتَقَوَّوْنَ به، ويَسْتَعِينُون به، كان له فيه الثَّوابُ، ولم يكن عِوَضًا. قال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا، كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ" (٢٠).

стр. 6854

فصل: فأمَّا الأجيرُ للخِدْمَةِ فى الغَزْوِ، أو الذى [يَكْرِى دَابَّةً له] (٢١)، ويخرُجُ معها، ويَشْهَدُ الوَقْعَةَ، فعَن أَحمدَ، فيه رِوايتان؛ إحداهُما، لا سَهْمَ له. وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ، وإسحاقَ، قالا: المُسْتَأْجَرُ على خِدْمَةِ القومِ لا سَهْمَ له. ووَجْهُه حديثُ يَعْلَى بن مُنْيَةَ. والثانية، يُسْهَمُ لهما، إذا شَهِدَا القتالَ مع الناسِ. وهو قولُ مالِك، وابنِ المُنْذِرِ. وبه قال اللَّيْثُ إذا قاتَلَ، وإن اشتَغَلَ بالخِدْمَةِ فلا سَهْمَ له. واحْتَجَّ ابنُ المُنذِر بحديثِ سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ، أنَّه كان أجيرًا لطَلْحَةَ حينَ أدْرَكَ عبدَ الرحمن بنَ عُيَيْنَة، حين أغارَ على سَرْحِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فأعْطاه النَّبِىُّ ﷺ سَهْمَ الفارِسِ والرَّاجِلِ (٢٢). وقال القاضى: يُسْهَمُ له إذا كان مع المُجاهِدينِ، وقَصْدُه (٢٣) الجهِادَ، فأَمّا لغيرِ ذلك فلا. وقال الثَّوْرِىُّ: يُسْهَمُ له إذا قاتَلَ، ويُرْفَعُ عمَّن اسْتَأْجَرَه نَفقةُ ما اشْتَغَلَ عنه. فصل: فأمَّا التاجِرُ والصَّانِعُ، كالخياطِ والخبَّازِ والبَيْطارِ والحَدَّادِ والإِسْكاف، فقال أحمد: يُسْهَمُ لهم إذا حَضَرُوا. قال أصحابُنا: قاتَلُوا أو لم يقاتِلُوا. وبه قال فى التاجِرِ الحَسَنُ، وابن سِيرِينَ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُسْهَمُ لهم (٢٤)، إلَّا أَنْ يُقاتِلُوا. وعن الشافِعِىِّ كقولِنا. وعنه، لا يُسْهَمُ له بحالٍ. قال القاضى، فى التاجِرِ والأجيرِ: إذا كانا مع المُجاهدين، وقَصْدُهما الجهادُ، وإنَّما مَعَه المتاعُ إنْ طُلِبَ منه باعَه، والأَجِيرُ قَصْدُه الجهادُ أيضًا، فهذانِ يُسْهَمُ لهما؛ لأنَّهما (٢٥) غازِيَان، والصُّنَّاعُ بمنزِلَةِ التُّجَّارِ (٢٦)، متى كانُوا مُسْتَعِدِّين للقتالِ، ومعهم السَّلاحُ،

стр. 6855

فمتى عَرَضَ اشْتَغَلُوا به، أُسْهِمَ لهم؛ لأنَّهم فى الجهادِ بمنزلَةِ غيرِهم، وإنَّما يَشْتَغِلُون بغيرِه عندَ فَراغِهم منه. فصل: إذا دَخَلَ قومٌ لا مَنَعَةَ لهم دارَ الحَرْبِ، بغيرِ إِذْنِ الإِمامِ، فغَنِمُوا، فعَن أحمد فيه ثلاثُ رواياتٍ؛ إحداهُنَّ، أنَّ (٢٧) غَنِيمَتَهم كغَنِيمَةِ غيرِهم، يُخَمِّسُه الإِمامُ، ويَقْسِمُ باقيَه بَيْنَهم. وهذا قولُ أَكثرِ أهلِ العلمِ، منهم الشافِعِىُّ؛ لعمومِ قولِه سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢٨). الآية. والقياسُ على ما إِذا دَخَلُوا بإِذْنِ الإِمامِ. والثانِيَةُ، هو لهم مِنْ غيرِ أَنْ يُخَمَّسَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه اكْتِسابٌ مُباحٌ من غيرِ جهادٍ، فكان لهم، فأشْبَهَ (٢٩) الاحْتِطابَ (٣٠)، فإنَّ الجهادَ إنَّما يكونُ بإذْنِ الإِمامِ، أو من طائِفَةٍ لهم مَنَعَةٌ وقُوَّةٌ، فأمَّا هذا فَتَلَصُّصٌ وسَرِقَةٌ ومُجرَّدُ اكْتِساب. والثالثة، أنَّه لا حَقَّ لهم فيه. قال أحمد، فى عَبْدٍ أَبَقَ إلى الرُّومِ، ثمَّ رجَعَ ومعه مَتاعٌ: فالعَبْدُ لموْلاهُ، وما مَعَه من الْمَتاعِ والمالِ فهو للمسلمين؛ لأنَّهم عُصاةٌ بِفِعْلِهم، فلم يكُنْ لهم فيه حَقٌّ. والأُولَى (٣١) أوْلَى. قال الأوزاعِىُّ: لمَّا أقْفَلَ عمرُ بن عبد العزيز الجيشَ الذى كانُوا (٣٢) مع مَسْلَمَة، كُسِرَ مَرْكَبُ بعضِهم، فأخذَ المشركون ناسًا من القِبْطِ، فكانُوا خَدَمًا لهم، فخرَجُوا يومًا إلى عِيدٍ لهم، وخَلَّفُوا القِبْطَ فى مَرْكَبِهم، وشَرِبَ الآخَرُون، ورَفَعَ القِبْطُ القِلَعَ [وفى المَرْكَبِ] (٣٣) مَتاعُ الآخَرِينَ وسلاحُهم، فلم يضَعُوا قِلَعَهم حتَّى أَتَوْا بيروتَ، فكُتِبَ فى ذلك إلى عمرَ بن عبد العزيز، فكتَبَ عمرُ: نَفِّلُوهم القِلَعَ وكلَّ شىءٍ جاءُوا به إلَّا الخُمْسَ. روَاه سعيدٌ، والأَثْرَمُ (٣٤). وإِنْ كانت الطائِفَةُ ذاتَ مَنَعَةٍ،

стр. 6856

غَزَوْا بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، ففيهم (٣٥) رِوايتان؛ إحداهُما، لا شىءَ لهم، وهو فَىْءٌ للمسلمين. والثانيةُ، يُخَمَّسُ، والباقى لهم. وهذه (٣٦) أَصَحُّ. ووَجْهُ الرِّوايَتَيْن ما تَقَدَّمَ. ويُخَرَّجُ فيه وَجْهٌ كالرِّوايَةِ الثالثة، وهو أَنَّ الجميعَ (٣٧) لهم من غيرِ خُمْسٍ؛ لكونِه [اكْتِسابًا مباحًا] (٣٨) من غيرِ جهادٍ. ١٦٧٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ غَلَّ [مِنَ الْغنِيمَةِ] (١)، حُرِّقَ رَحْلُهُ كُلُّهُ، إلَّا الْمُصْحَفَ، وَمَا فِيهِ رُوحٌ) الغَالُّ: هو الذى يكْتُمُ ما يَأْخُذُه (٢) من الغَنِيمَةِ، فلا يُطْلِعُ الإِمامَ عليه، ولا يضَعُه مع الْغَنِيمَةِ، فحُكْمُه أَنْ يُحَرَّقَ رَحْلُهُ كلُّه. وبهذا قال الحَسَنُ، وفُقَهاءُ الشامِ، منهم مَكْحُولٌ، والأوْزاعِىُّ، والوليدُ بن هِشام، ويزيدُ بنُ يزيدَ بنِ جابِر. وأُتِىَ سعيدُ بنُ عبدِ الملك بِغَالٍّ، فجمَعَ مالَه وأحْرَقَه، وعمرُ بنُ عبد العزيز خاضِرٌ ذلك، فلم يَعِبْهُ. وقال يزيدُ ابن يزيدَ بنِ جابِر: السُّنَّةُ فى الذى يَغُلُّ، أَنْ يُحَرَّقَ رَحْلُه (٣). روَاهما سعيدٌ، فى "سُنَنِه" (٤). وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: لا يُحَرَّقُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُحَرِّقْ، فإنّ عبدَ اللَّهِ بن عمرٍو (٥) رَوَى، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا أصابَ غنيمةً، أمرَ بلالًا فنادَى فى الناسِ، فيجيئُون بغَنائِمِهم، فيُخَمِّسُه، ويَقْسِمُه، فجاءَ رجلٌ بعد ذلك بزِمام من شَعَرٍ، فقال: يا رسولَ اللَّه، هذا فيما كُنَّا أصَبْنا من الْغَنِيمَةِ. فقال: "سَمِعْتَ بِلَالًا نَادَى ثَلَاثًا؟ ". قال: نعم. قالْ: "فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِىءَ بِهِ؟ ".

стр. 6857

فاعْتَذَرَ، فقال: "كُنْ (٦) أنْتَ تَجىءُ بِهِ يَوْمَ الْقيامَةِ، فَلَنْ أقْبَلَهُ عَنْكَ (٧) ". أَخْرَجَه أبو داوُدَ (٨). ولأنَّ إحْراقَ الْمَتاعِ إضاعَةٌ له، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن إضاعَةِ المالِ. ولَنا؛ ما رَوَى صالحُ بنُ محمد بن زائِدةَ (٩)، قال: دَخَلْتُ مع مَسْلَمَةَ أرْضَ الرُّومِ، فأُتِىَ برَجُلٍ قد غَلَّ، فسألَ (١٠) سالمًا عنه، فقال: سَمِعْتُ أبى يُحدِّثُ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "إذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ، فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ، واضْرِبُوهُ". قال: فوَجَدْنا فى مَتاعِه مُصْحَفًا، فسأل سالمًا عنه، فقال: بِعْهُ، وتَصَدَّقْ بثَمَنِه (١١). أَخْرَجَه سعيدٌ، وأبو داوُدَ، والأَثْرَمُ (١٢)، ورَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ وأبا بُكَرٍ وعمرَ أحْرَقُوا متاعَ الغَالِّ (١٣). فأمَّا حَدِيثُهم، فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّ الرَّجُلَ لم يعْتَرِفْ أنَّه أخَذَ ما أخَذَه على سبيلِ الغُلولِ، ولا أخَذَه لنَفْسِه، وإنَّما تَوانَى فى الْمَجىءِ به، وليس الخلافُ فيه، ولأنَّ الرجُلَ جاءَ به من عِنْد نَفْسِه تائِبًا مُعْتَذِرًا، والتَّوْبَةُ تجُبُّ ما قَبْلَها، وَتَمْحُو الحَوْبَةَ. وأمَّا النَّهْىُ عن إضاعَةِ المالِ، فإنَّما نُهِىَ عنه إذا لم تكُنْ فيه مصلحَةٌ، فأمَّا إذا كان فيه مَصْلحةٌ، فلا بأسَ به، ولا يُعَدُّ تَضْيِيعًا، كإلقاءِ الْمَتاعِ فى البحْرِ إذا خِيفَ الغَرَقُ، وقَطْعُ يدِ العَبْدِ السارِقِ، مع أَنَّ المالَ لا تكادُ المصلحَةُ تحصلُ به إلَّا بذهابِه، فأكْلُه إتْلافُه، وإنْفاقُه إذْهابُه، ولا يُعَدُّ شىءٌ من ذلك

стр. 6858

تَضْيِيعًا ولا إفْسادًا، ولا يُنْهَى (١٤) عنه. وأمَّا المُصْحَفُ، فلا يُحَرَّقُ؛ لحُرْمَتِه، ولما تقدَّمَ من قولِ سالمٍ فيه، والحيوانُ لا يُحَرَّقُ، لنَهْىِ النَّبِىِّ ﷺ أَنْ يُعَذِّبَ بالنارِ إلّا رَبُّها (١٥)، ولحُرْمَةِ الحيوانِ فى نفسِه، ولأنَّه لا يَدْخلُ فى اسمِ الْمَتاعِ المأْمُورِ بإحْراقِه. وهذا لا خِلافَ فيه. ولا تُحَرَّقُ آلةُ الدَّابَّةِ أيضًا. نصَّ عليه أحمد؛ لأنَّه يُحْتاجُ إليها (١٦) للانْتِفاعِ بها، [ولأنَّها تابِعَةٌ] (١٧) لما يُحَرَّقُ، فأشْبَهَ جِلْدَ المُصْحَفِ وكِيسَه. وقال الأوْزاعِىُّ: يُحَرَّقُ سَرْجُه وإكافُه. ولَنا، أنَّه مَلْبُوسُ حيوانٍ، فلا يُحَرَّقُ، كثيابِ الغَالِّ. ولا تُحَرَّقُ ثيابُ الغالِّ التى عليه؛ لأنَّه لا يجوزُ تَرْكُه عُرْيانًا، ولا ما غَلَّ؛ لأنَّه من غَنيمةِ المسلمين. قيل لأحمدَ: فالذى أصابَ فى (١٨) الغُلولِ، أىَّ شىْءٍ يُصْنَعُ به؟ قال: يُرْفَعُ إلى المَغْنَمِ. وكذلك قال الأوْزَاعِىُّ. ولا سِلاحُهُ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إليه للقتالِ، ولا نفَقتُه؛ لأنَّ ذلك ممَّا لا يُحَرَّقُ عادَةً، وجميعُ ذلك، أو ما أبْقَت النارُ من حديدٍ أو غيرِه، فهو لصاحِبِه؛ لأنَّ مِلْكَه كان ثابِتًا عليه، ولم يُوجَدْ ما يُزيلُه، وإنَّما عُوقِبَ بإحْراقِ مَتاعِه، فما لم يَحْتَرِقْ يَبْقَى على ما كان. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُباعَ المصحفُ، ويُتَصَدَّقَ به، لقولِ سالمٍ فيه. وإِنْ كان معه شىءٌ من كتُبِ الحديثِ أو العلمِ، فيَنْبَغِى أَنْ لا تُحَرَّقَ أيضًا؛ لأنَّ نفْعَ ذلك يعودُ إلى الدِّين، وليس المقصودُ الإِضرارَ به فى دِينِه، وإنّما القَصْدُ الإضْرارُ به فى شىءٍ من دُنْياهُ. فصل: وإِنْ لم يُحَرَّقْ رَحْلُه حتَّى اسْتَحْدَثَ مَتَاعًا آخَرَ، أو رجَعَ إلى بلَدِه، أُحْرِقَ ما كانَ معه (١٩) حالَ الغُلولِ. نَصَّ عليه أحمدُ فى الذى يرجِعُ إلى بلدِه. قال: يَنْبَغِى أَنْ يُحَرَّقَ ما كانَ معه فى أرضِ العَدُوِّ. وإِنْ ماتَ قبل إحْراقِ رَحْلِه، لم يُحَرَّقْ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه (٢٠) عُقوبَةٌ، فتسقُطُ بالموتِ، كالحدودِ، ولأنَّه بالموتِ انتقَلَ إلى ورثَتِه، فإحْراقُه عُقوَبةٌ لغيرِ الجانِى. وإِنْ باعَ متاعَهُ، أو وَهَبَه، احْتَمَلَ أَنْ لا يُحَرَّق؛ لأنَّه صارَ لغيرِه،

стр. 6859

أشْبَهَ ما لو انْتَقَلَ عنه بالموتِ. واحتملَ أَنْ يُنْقَضَ البيعُ والهِبَةُ ويُحَرَّقَ؛ لأنَّه تعلَّقَ به حَقٌّ سابِقٌ على البَيْعِ والهِبَةِ، فوَجَبَ تقْديمُه، كالقِصاصِ فى حَقِّ الجانِى. فصل: وإِنْ كان الغالُّ صَبِيًّا، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه. وبه قال الأوْزاعِىُّ؛ لأنَّ الإِحْراقَ عُقوَبةٌ، وليس هو من أهلِها، فأشْبَهَ الحَدَّ. وإِنْ كان عبدًا، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه؛ لأنَّه لِسَيِّدِه، فلا يُعاقَبُ سَيِّدُه [بجنايَةِ عَبْدِه] (٢١). وإن اسْتَهْلكَ ما غَلَّه، فهو فى رقَبَتِه؛ لأنَّه من جنايَتِه. وإِنْ غَلَّت امرأةٌ أو ذِمِّىٌّ أُحْرِقَ مَتاعُهما؛ لأنَّهُما مِن أهلِ العُقوبَةِ، ولذلك يُقْطَعان فى السَّرِقَةِ، ويُحدَّان فى الزِّنَى وغيرِه. وإِنْ أَنْكَرَ الغُلولَ، وذكَرَ (٢٢) أنَّه ابْتاعَ ما بِيَدِه، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه، حتَّى يثبُتَ غُلولُه بِبَيِّنَةٍ أو إقرارٍ؛ لأنَّه عُقوبَةٌ (٢٣)، فلا يَجِبُ قبلَ ثُبوتِه بذلك، كالحدِّ، ولا يُقْبَلُ فى بَيِّنتِه إلَّا عَدْلان؛ لذلك. فصل: ولا يُحْرَمُ الغَالُّ سَهْمَه. وقال أبو بكرٍ: فى ذلك رِوايتان؛ إحداهُما، يُحْرَمُ سَهْمَه؛ لأنَّه قد جاءَ فى الحديثِ: "يُحْرَمُ سَهْمَهُ". فإنْ صحَّ، فالحُكْمُ به (٢٤). وقال الأوْزاعِىُّ، فى الصَّبِىِّ يغُلُّ: يُحْرَمُ سَهْمَه، ولا يُحَرَّقُ مَتاعُه. ولَنا، أَنَّ سَبَبَ الاسْتِحْقاقِ مَوْجودٌ، فيَسْتَحِقُّ، كما لو لم يَغُلَّ (٢٥)، ولم يثبُتْ حِرْمانُ سَهْمِه فى خَبَرٍ، ولا قياسٍ، فيَبْقَى بحالِه، ولا يحَرَّقُ سَهْمُه؛ لأنَّه ليس من رَحْلِه. فصل: إذا تابَ الغالُّ قبلَ القِسْمَةِ، رَدَّ ما أَخَذَه فى المَقْسِمِ، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه حَقُّ تَعَيَّنَ رَدُّه إلى أهْلِه. فإنْ تابَ بعد القِسْمَةِ، فمُقْتَضَى المذهبِ أَنْ يُؤَدِّىَ خُمسَه إلى الإِمامِ، ويتَصدَّقَ بالباقى. وهذا قولُ إلى حَسَنِ، والزُّهْرِىِّ، ومالِكٍ، والأوْزاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، واللَّيْثِ. ورَوَى سعيدُ بن منصورٍ (٢٦)، عن عبدِ اللَّه بنِ المُباركِ، عن صَفْوانَ ابنِ عمرٍو، عن حَوْشَبِ بن سَيْفٍ، قال: غَزَا الناسُ الرُّومَ، وعليهم عبدُ الرحمن بن خالدِ

стр. 6860

ابن الوليد، فغلَّ رجلٌ مائَةَ دينارٍ، [فلمَّا قُسِمَتِ الغَنِيمةُ، وتَفَرَّقَ الناسُ، نَدِمَ، فأَتَى عبدَ الرحمنِ، فقال: قد غَلَلْتُ مائةَ دينارٍ] (٢٧)، فاقْبِضْها. قال: قد تفرَّقَ الناسُ، فلَنْ أقْبِضَها منكَ حَتَّى تُوافِىَ اللَّهَ بها يومَ القيامَةِ. فأَتَى مُعاوِيَةَ، فذكَرَ ذلك له، فقال له مثلَ ذلك. فخَرَجَ وهو يبْكِى، فمَرَّ بعبدِ اللَّهِ بن الشاعر السَّكْسَكِىِّ، فقال: ما يُبْكِيكَ؟ فأَخْبَرَه، فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٢٨)، أَمُطِيعِى أنْتَ يا عبدَ اللَّهِ؟ قال: نعم. قال: فانْطَلِقْ إلى مُعاوِيَةَ فقُلْ له: خُذْ مِنِّى خُمْسَك، فأعْطِه عشرين دينارًا، وانْظُرْ إلى الثمانين الباقيةِ، فتَصَدَّقْ بها عن ذلك الجيشِ، إنَّ اللَّه تعالى يَعْلَمُ أسماءَهم ومَكانَهم، وإنَّ اللَّه يقبلُ التَّوْبَةَ عن عبادِه. فقال مُعاوية: أَحْسَن واللَّهِ، لَأَنَّ أكونَ أنا أَفْتَيْتُه بهذا أحبُّ إلىَّ من أَنْ يكونَ لى مثلُ (٢٩) كلِّ شىءٍ امْتلَكْتُ (٣٠). وعن ابن مسعودٍ، أنَّه رَأَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بالمالِ الذى لا يُعْرَفُ صاحِبُه. وقال الشافِعِىُّ: لا أعرفُ للصَّدَقَةِ (٣١) وَجْهًا، وقد جاءَ فى حديث الغالِّ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ [قال له] (٣٢): "لَا أَقْبَلُهُ مِنْكَ، حَتَّى تَجِىءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". ولَنا، قولُ مَنْ ذَكَرْنا من الصَّحابَةِ ومَنْ بعدَهم، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا فى عَصْرِهم، فيكونُ إجماعًا، ولأنَّ تَرْكَه تَضْييعٌ له، وتَعْطيلٌ لِمَنْفَعَتِه التى خُلِقَ لها، ولا يتخفّفُ بِه شىءٌ من إثْمِ الغَالِّ، وفى الصَّدَقةِ به (٣٣) نَفْعٌ لمَنْ يصلُ إليه من المساكين، وما يحْصُلُ من أجْرِ الصَّدَقَة يصِلُ إلى صاحِبِه، فيذْهَبُ به الإثمُ عن الغَالِّ، فيكونُ أَوْلَى. ١٦٧٨ - مسألة؛ قال: (ولا يُقامُ الْحَدُّ عَلَى مُسْلِمٍ فِى أرْضِ الْعَدُوِّ) وجُمْلَتُه أَنَّ مَنْ أَتَى حَدًّا من الغُزاةِ، أو ما يُوجِبُ قِصاصًا، فى أرْضِ الحَرْبِ، لم يُقَمْ

стр. 6861

عليه حَتَّى يقْفُلَ، فيُقامَ عليه حَدُّه. وبهذا قال الأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ. وقال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يُقامُ الحَدُّ فى كلِّ مَوْضِعٍ؛ لأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تعالى بإقامَتِه مُطْلَقٌ فى كلِّ مكانٍ وزمانٍ، إلَّا أنَّ الشافِعِىَّ قال: إذا لم يكُنْ أميرُ الجيشِ الإِمامَ، أو أميرَ إقْليمٍ، فليس له إقامَةُ الحَدِّ، ويُؤَخَّرُ حَتَّى يأتِىَ الإِمامَ؛ لأنَّ إقامَةَ الحدودِ إليه، وكذلك إنْ كان بالمسلمين حاجَةٌ إلى المَحْدُودِ، أو قوَّةٌ به، أو شُغْلٌ عنه، أُخِّرَ. وقال أبو حَنِيفة: لا حَدَّ ولا قِصاصَ فى دارِ الحَرْبِ، ولا إذا رَجَعَ. ولَنا، على وُجُوبِ الحَدِّ، أَمْرُ اللَّهِ تعالى ورَسُولِه به، وعلى تَأْخيرِه، ما رَوَى بُسْرُ بن (١) أرْطاةَ، أنَّه أُتِىَ برجلٍ فى الغَزاةِ قد (٢) سَرَقَ بُخْتِيَّةً (٣)، فقال: لولا أنِّى سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِى فِى الْغَزَاةِ" لقَطَعْتُكَ. أخرَجَه أبو داوُدَ، وغيرُه (٤). ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. ورَوَى سعيدٌ، فى "سُنَنِه" (٥)، بإسْنادِه عن الأَحْوَصِ بن حَكِيمٍ، عن أبيه، أَنَّ عمرَ كتبَ إلى الناسِ، أَنْ لا يَجْلِدَنَّ أميرُ جيشٍ ولا سَرِيَّةٍ ولا رَجُلًا من المسلمين حَدًّا، وهو غازٍ، حتَّى يقْطعَ الدَّرْبَ قافِلًا، لئلَّا تَلْحَقَه حَمِيَّةُ الشيطانِ، فيَلْحَقَ بالكُفَّارِ. وعن أبى الدَّرْداءِ مثلُ ذلك. وعن عَلْقَمَةَ، قال: كُنَّا فى جيشٍ فى أرضِ الرُّومِ، ومَعنا حُذَيْفَة بن الْيَمان، وعلينا الوليدُ بنُ عُقْبةَ، فشَرِبَ (٦) الخمرَ، فأرَدْنا أَنْ نَحُدَّه، فقال حُذَيْفَةُ: أتَحُدُّونَ أميرَكم وقَدْ دَنَوْتُم من عَدُوِّكم، فيَطْمَعُوا فيكم (٧). وأُتِىَ سعدٌ بأبى مِحْجَنٍ يومَ القادِسِيَّةِ، وقد شَرِبَ الخمرَ، فأمَرَ به إلى القَيْدِ، فلمَّا الْتَقَى الناسُ قال أبو مِحْجَنٍ:

стр. 6862

كَفَى حَزَنًا أَنْ تُطْرَدَ الخيلُ بالْقَنا ... وأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَىَّ وَثَاقِيَا (٨) فقال لابْنَةِ خَصْفَةَ (٩) امْرَأَة سعد: أَطْلِقِينى، ولَكِ اللَّهُ عَلَىّ إنْ سَلَّمَنِى اللَّه أَنْ أرجِعَ حتَّى أضَعَ رِجْلِى فى القيدِ، فإنْ قُتِلْتُ، اسْتَرَحْتُم مِنِّى. قال: فحلَّتْه حينَ الْتَقَى الناسُ، وكانَتْ بسعدٍ جِرَاحَةٌ، فلم يخْرُجْ يومَئِذٍ إلى النَّاس. قال: وصَعَدُوا به فوقَ العُذَيْبِ (١٠) ينْظُرُ إلى النَّاسِ، واسْتَعْمَلَ على الخيلِ خالدَ بن عُرْفُطَةَ، فوثَبَ أبو مِحْجَنٍ على فرسٍ لسعدٍ يُقال لها البَلْقاءُ، ثمَّ أخَذَ رُمْحًا، ثمَّ خرَجَ، فجعَلَ لا يَحْمِلُ على ناحِيَةٍ من العَدُوِّ إلَّا هَزَمَهم، وجَعَلَ الناسُ يقولُون: هذا مَلَكٌ؛ لما يَرَوْنَه يصْنَعُ، وجعلَ سعدٌ يقول: الضَّبْرُ (١١) ضَبْرُ البَلْقاءِ، والطَّعْنُ طَعْنُ أبى مِحْجَنٍ، وأبو مِحْجَنٍ فى القَيْدِ. فلما هُزِمَ العَدُوُّ، رجَعَ أبو مِحْجَنٍ حتَّى وَضَعَ رِجْلَيْه فى القَيْد. فأَخْبَرَت ابنةُ خَصْفةَ سعدًا بما كان من أمرِه، فقال سعدٌ: لا واللَّهِ، لا أُضْرِبُ اليومَ رجُلًا أَبْلَى اللَّهُ المسلمين به (١٢) ما أَبْلاهُم. فخلَّى سَبِيلَه. فقال أبو مِحْجَنٍ: قد كنتُ أشْرَبُها إذْ يُقامُ عَلَىَّ الحَدُّ وأُطَهَّرُ منها، فأمَّا إذا بَهْرَجْتَنِى (١٣)، فواللَّهِ لا أَشْرَبُها أبدًا (١٤). وهذا اتِّفاقٌ لم يظْهَرْ خلافُه. فأمَّا إذا رَجَعَ، فإنَّه يُقامُ الحَدُّ عليه؛ لعُمومِ الآيات والأخْبارِ، وإنَّما أُخِّرَ لعارِضٍ، كما يُؤخَّرُ لمرَضٍ أو شُغْلٍ، فإذا زالَ العارِضُ، أُقيمَ الحَدُّ، لوُجودِ مُقْتَضِيه، وانْتفاءِ مُعارِضِه؛ ولهذا قال عمرُ: حتَّى يقْطَعَ الدَّرْبَ قافِلًا. فصل: وتُقامُ الحُدودُ فى الثُّغورِ، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه؛ لأَنَّها من بلادِ الإِسلامِ،

стр. 6863

والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى زَجْرِ أهلِها، كالحاجَةِ إلى زَجْرِ غيرِهم، وقد كتبَ عمرُ إلى أبى عُبَيْدَةَ، أَنْ يجلدَ مَنْ شَرِبَ الخمرَ ثمانينَ، وهو بالشامِ، وهو من الثُّغورِ (١٥). ١٦٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فُتِحَ حِصْنٌ، لَمْ يُقْتَلْ مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ، أو يُنْبِتْ، أو يَيْلُغ خَمْسَ عشرَةَ سَنَةً) وجُمْلَةُ ذلك أَنَّ الإِمامَ إذا ظَفِرَ بالكُفَّارِ، لم يَجُزْ أَنْ يَقْتُلَ صَبِيًّا [لم يبْلُغْ] (١)، بغيرِ خلافٍ. وقد رَوَى ابنُ عمرَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن قَتْلِ (٢) النِّساءِ والصِّبْيانِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأنَّ الصَّبِىَّ يَصِيرُ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْىِ، ففى قَتْلِه إتْلافُ المالِ، وإذا سُبِىَ مُنْفَرِدًا صارَ مسلمًا، فإتْلافُه إتْلافُ مَنْ يُمْكِنُ جَعْلُه مسلمًا، والبُلوغُ يحصلُ بأَحَدِ أسبابٍ ثلاثة؛ أحدُها، الاحْتِلامُ، وهو خُروجُ المَنِىِّ من ذَكَرِ الذَّكَرِ (٤) أو قُبُل الأُنْثَى فى يَقَظةٍ أو مَنامٍ. وهذا لا خِلافَ فيه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ (٥) ثمَّ قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ". وقال لمُعاذ: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينارًا". روَاهما أبو داوُدَ (٧). الثانى، إنْباتُ الشَّعَرِ الخَشِن حَوْلَ القُبُلِ، وهو علامَةٌ على البُلوغِ، بدليلِ ما

стр. 6864

رَوَى عَطِيَّةُ القُرَظِىُّ، قال: كُنْتُ، مِنْ سَبْى (٨) قُرَيْظَةَ، فكانُوا ينْظُرُون، فمَنْ أَنْبَتَ الشَّعَرَ قُتِلَ، ومَنْ لم يُئبِتْ لم يُقْتَلْ، فكُنْتُ فى مَن لم يُنْبِتْ. أخْرَجَه الأَثْرَمُ، والتِّرْمِذِىُّ (٩). وقال: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وعن كَثِيرِ بن السَّائِبِ، قال: حدثنى أبناءُ قُرَيْظَةَ، أنَّهم عُرِضُوا على النَّبِىِّ ﷺ ، فمَن كان منهم مُحْتَلِمًا أو نَبَتَتْ عانَتُه قُتِلَ، ومَنْ لا، تُرِكَ. أخْرجَه الأثْرمُ (١٠). وعن أسْلَمَ مولَى عمرَ، أَنَّ عمرَ كان يكتبُ إلى أُمراءِ الأَجْنادِ، أَنْ لا يَقْتُلُوا إِلَّا مَنْ جَرَتْ عليه الْمَواسِى، ولا يأْخُذوا الجِزْيَةَ إِلَّا مِمَّنْ جَرَت عليه الْمَواسِى (١١). وحُكِىَ عن الشافِعِىِّ، أَنَّ هذا بُلوغٌ فى حَقِّ الكُفَّارِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلى قولِهم فى الاحْتِلْامِ، وعَدَدِ السِّنين، وليس بعلامَةٍ عليه (١٢) فى (١٣) المسلمين؛ لإِمْكانِ ذلك فيهم (١٤). ولَنا، قولُ أبى نَضْرَةَ، وعُقْبَةَ بن عامرٍ، حين اخْتُلِفَ فى بُلوغِ تَمِيمِ بن فِرَعٍ المَهْرِىِّ: انظرُوا، فإنْ كان قد أَشْعَرَ، فاقْسِمُوا له. فنَظَرَ إليه بعضُ القومِ، فإذا هو قد أَنْبَتَ، فقَسَمُوا (١٥) له (١٦). ولم يظْهَرْ خلافُ هذا، فكان إجْماعًا. ولأنَّه عَلَمٌ على البلوغِ فى حَقِّ الكافِرِ، فكان عَلَمًا عليه فى حَقِّ المُسْلِمِ، كالعَلَمَيْن الآخَرَيْنِ، ولأنَّه أمْرٌ يُلازِمُ البُلوغَ غالبًا، فكان عَلَمًا عليه، كالاحْتِلامِ. وقولُهم: إنَّه يَتَعَذَّرُ فى حَقِّ الكافِرِ مَعْرِفَةُ الاحْتِلامِ والسِّنِّ. قُلْنا: لا تَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ السِّنِّ فى الذِّمِّىِّ الناشِئِ بين المسلمين، ثمَّ تَعَذُّرُ المَعْرِفَةِ لا يُوجِبُ جَعْلَ ما ليس بعلامَةٍ علامَةً، كغيرِ الإِنْباتِ. الثالثُ، بلوغُ خمسَ عشرَةَ سنةً، لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: عُرِضْتُ على النَّبِىِّ ﷺ ، وأنا ابنُ أربعَ عشرَةَ سنةً، فلم يُجِزْنِى

стр. 6865

فى القتالِ، وعُرِضْتُ عليه، وأنا ابنُ خمسَ عشرَةَ، فأجازَنِى فى المُقاتِلَةِ. قال نافِعُ: فحدَّثتُ عمرَ بن عبد العزيز بهذا الحَدِيثِ، فقال: هذا فَصْلُ ما بينَ الرِّجالِ وبينَ الغِلْمان. مُتَّفَقٌ عليه (١٧). وهذه العَلاماتُ الثَّلاثُ فى حَقِّ الذَّكَرِ والأُنْثَى، وتَزِيدُ الأُنْثَى بِعَلامَتَيْن؛ الحَيْضِ، والحَمْلِ، فمَنْ لم يُوجَدْ فيه علامَةٌ مِنْهُنَّ، فهو صَبِىٌّ يَحْرُمُ قَتْلُه. فصل: ولا تُقْتَلُ امْرَأَةٌ، ولا شَيْخٌ فانٍ. وبذلك قال مالِكٌ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكْرٍ الصِّدِّيق، ومُجاهِد. ورُوِىَ عن ابن عبَّاسٍ فى قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (١٨). يقول: لا تَقْتُلُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ والشيخَ الكبير (١٩). وقال الشافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْه، وابنُ المُنْذِرِ: يجوزُ قَتْلُ الشُّيوخِ (٢٠)؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْركِينَ، واسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ" (٢١). روَاه أبو داوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٢٢)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢٣). وهذا عامٌّ يتَناولُ بعُمُومِه الشُّيوخَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعرِفُ حُجَّةً فى تَرْكِ قَتْلِ الشيوخِ يُسْتَثْنَى بها مِنْ عمومِ قولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢٣). ولأنَّه كافِرٌ لا نَفْعَ فى حياتِه، فيُقْتَلُ كالشَّابِّ. ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا امْرَأةً". روَاه أبو داوُدَ، فى "سُنَنِه" (٢٤). ورُوِىَ عن أبى بكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أوْصَى (٢٥) يزيدَ حين وَجَّهَهُ إلى الشامِ، فقال: لَا تَقْتُلْ صَبِيًّا، ولا امْرَأَةً، ولَا هَرِمًا. وعن
следующие страницы →