← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

عليه حَتَّى يقْفُلَ، فيُقامَ عليه حَدُّه. وبهذا قال الأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ. وقال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يُقامُ الحَدُّ فى كلِّ مَوْضِعٍ؛ لأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تعالى بإقامَتِه مُطْلَقٌ فى كلِّ مكانٍ وزمانٍ، إلَّا أنَّ الشافِعِىَّ قال: إذا لم يكُنْ أميرُ الجيشِ الإِمامَ، أو أميرَ إقْليمٍ، فليس له إقامَةُ الحَدِّ، ويُؤَخَّرُ حَتَّى يأتِىَ الإِمامَ؛ لأنَّ إقامَةَ الحدودِ إليه، وكذلك إنْ كان بالمسلمين حاجَةٌ إلى المَحْدُودِ، أو قوَّةٌ به، أو شُغْلٌ عنه، أُخِّرَ. وقال أبو حَنِيفة: لا حَدَّ ولا قِصاصَ فى دارِ الحَرْبِ، ولا إذا رَجَعَ. ولَنا، على وُجُوبِ الحَدِّ، أَمْرُ اللَّهِ تعالى ورَسُولِه به، وعلى تَأْخيرِه، ما رَوَى بُسْرُ بن (١) أرْطاةَ، أنَّه أُتِىَ برجلٍ فى الغَزاةِ قد (٢) سَرَقَ بُخْتِيَّةً (٣)، فقال: لولا أنِّى سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِى فِى الْغَزَاةِ" لقَطَعْتُكَ. أخرَجَه أبو داوُدَ، وغيرُه (٤). ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. ورَوَى سعيدٌ، فى "سُنَنِه" (٥)، بإسْنادِه عن الأَحْوَصِ بن حَكِيمٍ، عن أبيه، أَنَّ عمرَ كتبَ إلى الناسِ، أَنْ لا يَجْلِدَنَّ أميرُ جيشٍ ولا سَرِيَّةٍ ولا رَجُلًا من المسلمين حَدًّا، وهو غازٍ، حتَّى يقْطعَ الدَّرْبَ قافِلًا، لئلَّا تَلْحَقَه حَمِيَّةُ الشيطانِ، فيَلْحَقَ بالكُفَّارِ. وعن أبى الدَّرْداءِ مثلُ ذلك. وعن عَلْقَمَةَ، قال: كُنَّا فى جيشٍ فى أرضِ الرُّومِ، ومَعنا حُذَيْفَة بن الْيَمان، وعلينا الوليدُ بنُ عُقْبةَ، فشَرِبَ (٦) الخمرَ، فأرَدْنا أَنْ نَحُدَّه، فقال حُذَيْفَةُ: أتَحُدُّونَ أميرَكم وقَدْ دَنَوْتُم من عَدُوِّكم، فيَطْمَعُوا فيكم (٧). وأُتِىَ سعدٌ بأبى مِحْجَنٍ يومَ القادِسِيَّةِ، وقد شَرِبَ الخمرَ، فأمَرَ به إلى القَيْدِ، فلمَّا الْتَقَى الناسُ قال أبو مِحْجَنٍ:

стр. 6862

كَفَى حَزَنًا أَنْ تُطْرَدَ الخيلُ بالْقَنا ... وأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَىَّ وَثَاقِيَا (٨) فقال لابْنَةِ خَصْفَةَ (٩) امْرَأَة سعد: أَطْلِقِينى، ولَكِ اللَّهُ عَلَىّ إنْ سَلَّمَنِى اللَّه أَنْ أرجِعَ حتَّى أضَعَ رِجْلِى فى القيدِ، فإنْ قُتِلْتُ، اسْتَرَحْتُم مِنِّى. قال: فحلَّتْه حينَ الْتَقَى الناسُ، وكانَتْ بسعدٍ جِرَاحَةٌ، فلم يخْرُجْ يومَئِذٍ إلى النَّاس. قال: وصَعَدُوا به فوقَ العُذَيْبِ (١٠) ينْظُرُ إلى النَّاسِ، واسْتَعْمَلَ على الخيلِ خالدَ بن عُرْفُطَةَ، فوثَبَ أبو مِحْجَنٍ على فرسٍ لسعدٍ يُقال لها البَلْقاءُ، ثمَّ أخَذَ رُمْحًا، ثمَّ خرَجَ، فجعَلَ لا يَحْمِلُ على ناحِيَةٍ من العَدُوِّ إلَّا هَزَمَهم، وجَعَلَ الناسُ يقولُون: هذا مَلَكٌ؛ لما يَرَوْنَه يصْنَعُ، وجعلَ سعدٌ يقول: الضَّبْرُ (١١) ضَبْرُ البَلْقاءِ، والطَّعْنُ طَعْنُ أبى مِحْجَنٍ، وأبو مِحْجَنٍ فى القَيْدِ. فلما هُزِمَ العَدُوُّ، رجَعَ أبو مِحْجَنٍ حتَّى وَضَعَ رِجْلَيْه فى القَيْد. فأَخْبَرَت ابنةُ خَصْفةَ سعدًا بما كان من أمرِه، فقال سعدٌ: لا واللَّهِ، لا أُضْرِبُ اليومَ رجُلًا أَبْلَى اللَّهُ المسلمين به (١٢) ما أَبْلاهُم. فخلَّى سَبِيلَه. فقال أبو مِحْجَنٍ: قد كنتُ أشْرَبُها إذْ يُقامُ عَلَىَّ الحَدُّ وأُطَهَّرُ منها، فأمَّا إذا بَهْرَجْتَنِى (١٣)، فواللَّهِ لا أَشْرَبُها أبدًا (١٤). وهذا اتِّفاقٌ لم يظْهَرْ خلافُه. فأمَّا إذا رَجَعَ، فإنَّه يُقامُ الحَدُّ عليه؛ لعُمومِ الآيات والأخْبارِ، وإنَّما أُخِّرَ لعارِضٍ، كما يُؤخَّرُ لمرَضٍ أو شُغْلٍ، فإذا زالَ العارِضُ، أُقيمَ الحَدُّ، لوُجودِ مُقْتَضِيه، وانْتفاءِ مُعارِضِه؛ ولهذا قال عمرُ: حتَّى يقْطَعَ الدَّرْبَ قافِلًا. فصل: وتُقامُ الحُدودُ فى الثُّغورِ، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه؛ لأَنَّها من بلادِ الإِسلامِ،

стр. 6863

والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى زَجْرِ أهلِها، كالحاجَةِ إلى زَجْرِ غيرِهم، وقد كتبَ عمرُ إلى أبى عُبَيْدَةَ، أَنْ يجلدَ مَنْ شَرِبَ الخمرَ ثمانينَ، وهو بالشامِ، وهو من الثُّغورِ (١٥). ١٦٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فُتِحَ حِصْنٌ، لَمْ يُقْتَلْ مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ، أو يُنْبِتْ، أو يَيْلُغ خَمْسَ عشرَةَ سَنَةً) وجُمْلَةُ ذلك أَنَّ الإِمامَ إذا ظَفِرَ بالكُفَّارِ، لم يَجُزْ أَنْ يَقْتُلَ صَبِيًّا [لم يبْلُغْ] (١)، بغيرِ خلافٍ. وقد رَوَى ابنُ عمرَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن قَتْلِ (٢) النِّساءِ والصِّبْيانِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأنَّ الصَّبِىَّ يَصِيرُ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْىِ، ففى قَتْلِه إتْلافُ المالِ، وإذا سُبِىَ مُنْفَرِدًا صارَ مسلمًا، فإتْلافُه إتْلافُ مَنْ يُمْكِنُ جَعْلُه مسلمًا، والبُلوغُ يحصلُ بأَحَدِ أسبابٍ ثلاثة؛ أحدُها، الاحْتِلامُ، وهو خُروجُ المَنِىِّ من ذَكَرِ الذَّكَرِ (٤) أو قُبُل الأُنْثَى فى يَقَظةٍ أو مَنامٍ. وهذا لا خِلافَ فيه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ (٥) ثمَّ قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ". وقال لمُعاذ: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينارًا". روَاهما أبو داوُدَ (٧). الثانى، إنْباتُ الشَّعَرِ الخَشِن حَوْلَ القُبُلِ، وهو علامَةٌ على البُلوغِ، بدليلِ ما

стр. 6864

رَوَى عَطِيَّةُ القُرَظِىُّ، قال: كُنْتُ، مِنْ سَبْى (٨) قُرَيْظَةَ، فكانُوا ينْظُرُون، فمَنْ أَنْبَتَ الشَّعَرَ قُتِلَ، ومَنْ لم يُئبِتْ لم يُقْتَلْ، فكُنْتُ فى مَن لم يُنْبِتْ. أخْرَجَه الأَثْرَمُ، والتِّرْمِذِىُّ (٩). وقال: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وعن كَثِيرِ بن السَّائِبِ، قال: حدثنى أبناءُ قُرَيْظَةَ، أنَّهم عُرِضُوا على النَّبِىِّ ﷺ ، فمَن كان منهم مُحْتَلِمًا أو نَبَتَتْ عانَتُه قُتِلَ، ومَنْ لا، تُرِكَ. أخْرجَه الأثْرمُ (١٠). وعن أسْلَمَ مولَى عمرَ، أَنَّ عمرَ كان يكتبُ إلى أُمراءِ الأَجْنادِ، أَنْ لا يَقْتُلُوا إِلَّا مَنْ جَرَتْ عليه الْمَواسِى، ولا يأْخُذوا الجِزْيَةَ إِلَّا مِمَّنْ جَرَت عليه الْمَواسِى (١١). وحُكِىَ عن الشافِعِىِّ، أَنَّ هذا بُلوغٌ فى حَقِّ الكُفَّارِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلى قولِهم فى الاحْتِلْامِ، وعَدَدِ السِّنين، وليس بعلامَةٍ عليه (١٢) فى (١٣) المسلمين؛ لإِمْكانِ ذلك فيهم (١٤). ولَنا، قولُ أبى نَضْرَةَ، وعُقْبَةَ بن عامرٍ، حين اخْتُلِفَ فى بُلوغِ تَمِيمِ بن فِرَعٍ المَهْرِىِّ: انظرُوا، فإنْ كان قد أَشْعَرَ، فاقْسِمُوا له. فنَظَرَ إليه بعضُ القومِ، فإذا هو قد أَنْبَتَ، فقَسَمُوا (١٥) له (١٦). ولم يظْهَرْ خلافُ هذا، فكان إجْماعًا. ولأنَّه عَلَمٌ على البلوغِ فى حَقِّ الكافِرِ، فكان عَلَمًا عليه فى حَقِّ المُسْلِمِ، كالعَلَمَيْن الآخَرَيْنِ، ولأنَّه أمْرٌ يُلازِمُ البُلوغَ غالبًا، فكان عَلَمًا عليه، كالاحْتِلامِ. وقولُهم: إنَّه يَتَعَذَّرُ فى حَقِّ الكافِرِ مَعْرِفَةُ الاحْتِلامِ والسِّنِّ. قُلْنا: لا تَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ السِّنِّ فى الذِّمِّىِّ الناشِئِ بين المسلمين، ثمَّ تَعَذُّرُ المَعْرِفَةِ لا يُوجِبُ جَعْلَ ما ليس بعلامَةٍ علامَةً، كغيرِ الإِنْباتِ. الثالثُ، بلوغُ خمسَ عشرَةَ سنةً، لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: عُرِضْتُ على النَّبِىِّ ﷺ ، وأنا ابنُ أربعَ عشرَةَ سنةً، فلم يُجِزْنِى

стр. 6865

فى القتالِ، وعُرِضْتُ عليه، وأنا ابنُ خمسَ عشرَةَ، فأجازَنِى فى المُقاتِلَةِ. قال نافِعُ: فحدَّثتُ عمرَ بن عبد العزيز بهذا الحَدِيثِ، فقال: هذا فَصْلُ ما بينَ الرِّجالِ وبينَ الغِلْمان. مُتَّفَقٌ عليه (١٧). وهذه العَلاماتُ الثَّلاثُ فى حَقِّ الذَّكَرِ والأُنْثَى، وتَزِيدُ الأُنْثَى بِعَلامَتَيْن؛ الحَيْضِ، والحَمْلِ، فمَنْ لم يُوجَدْ فيه علامَةٌ مِنْهُنَّ، فهو صَبِىٌّ يَحْرُمُ قَتْلُه. فصل: ولا تُقْتَلُ امْرَأَةٌ، ولا شَيْخٌ فانٍ. وبذلك قال مالِكٌ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكْرٍ الصِّدِّيق، ومُجاهِد. ورُوِىَ عن ابن عبَّاسٍ فى قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (١٨). يقول: لا تَقْتُلُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ والشيخَ الكبير (١٩). وقال الشافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْه، وابنُ المُنْذِرِ: يجوزُ قَتْلُ الشُّيوخِ (٢٠)؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْركِينَ، واسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ" (٢١). روَاه أبو داوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٢٢)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢٣). وهذا عامٌّ يتَناولُ بعُمُومِه الشُّيوخَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعرِفُ حُجَّةً فى تَرْكِ قَتْلِ الشيوخِ يُسْتَثْنَى بها مِنْ عمومِ قولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢٣). ولأنَّه كافِرٌ لا نَفْعَ فى حياتِه، فيُقْتَلُ كالشَّابِّ. ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا امْرَأةً". روَاه أبو داوُدَ، فى "سُنَنِه" (٢٤). ورُوِىَ عن أبى بكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أوْصَى (٢٥) يزيدَ حين وَجَّهَهُ إلى الشامِ، فقال: لَا تَقْتُلْ صَبِيًّا، ولا امْرَأَةً، ولَا هَرِمًا. وعن

стр. 6866

عمرَ، أَنَّه أوْصَى (٢٦) سَلِمَةَ (٢٧) بن قَيْس (٢٨)، فقال: "لا تَقْتُلُوا امْرأةً، ولَا صَبِيًّا، ولَا شَيْخًا هِمًّا (٢٩) ". روَاهما سعيدٌ (٣٠). ولأنَّه ليس من أهلِ القِتَالِ، فلا يُقْتَل، كالمَرْأَةِ. وقد أَوْمَأَ النَّبِىُّ ﷺ إلى هذه العِلَّة فى المرأةِ، فقال: "مَا بَالُهَا (٣١) قُتِلَتْ، وَهِىَ لَا تُقاتِلُ" (٣٢). والآيةُ مَخْصوصَةٌ بما رَوَيْنا، ولأنَّه قد خَرَجَ من عُمومِها المرأةُ، والشَّيْخُ الهِمُّ فى مَعْناها، فنَقِيسُه عليها. وأمَّا حديثُهم، فأرادَ به الشُّيوخَ الذين فيهم قُوَّةٌ على القتالِ، أو مَعُونةٌ عليه، بِرَأْىٍ أو تَدْبِيرٍ، جَمْعًا بين الأحاديث، ولأنَّ أحادِيثَنا خاصّةٌ فى الهَرِمِ، وحديثَهم عامٌّ فى الشُّيوخِ كلِّهم، والخاصُّ يُقدَّمُ على العامِّ، وقياسُهم يَنْتَقِضُ بالعَجُوزِ التى لا نَفْعَ فيها. فصل: ولا يُقْتَلُ زَمِنٌ ولا أَعْمَى ولا راهِبٌ، والخِلافُ فيهم كالخلافِ فى الشَّيْخِ، وحُجَّتُهم ههُنا حُجَّتُهم فيه. ولَنا، فى الزَّمِنِ والأَعْمَى، أَنَّهما ليسا من أهلِ القتالِ، فأشْبَها المرأَةَ، وفى الرَّاهِبِ، ما رُوِىَ فى حديثِ أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: وسَتَمُرُّونَ على أقْوامٍ فى الصَّوامِعِ، [هم احْتَبَسُوا] (٣٣) أَنْفُسَهم فيها، فدَعْهُم (٣٤) حَتَّى يُمِيتَهم اللَّهُ على ضَلالِهم. ولأنَّهم لا يُقاتِلُونَ تَدَيُّنًا، فأشْبَهوا مَنْ لا يَقْدِرُ على القتالِ.

стр. 6867

فصل: ولا يُقْتَلُ العَبِيدُ. وبه قال الشافِعِىُّ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أَدْرِكُوا خَالِدًا، فَمُرُوهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ ذُرِّيَّةً، وَلَا عَسِيفًا" (٣٥). وهم العَبِيدُ؛ ولأنَّهم (٣٦) يصيرون رَقيقًا للمسلمين بنَفْس السَّبْىِ، فأشْبَهُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ. فصل: ومَنْ قاتَلَ ممَّنْ ذكَرْنا جميعِهم، جازَ قَتْلُه؛ لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَتَلَ يومَ قُرَيْظَةَ امرأَةً ألْقَتْ رَحًا على محمود بن مَسْلَمةَ (٣٧). ومَن كان من هؤلاء الرّجالِ المذكورين ذا رَأْىٍ يُعينُ بِه فى الحربِ، جازَ قتلُه؛ لأنَّ دُرَيْدَ بن الصِّمَّةِ قُتِلَ يومَ حُنَيْنٍ، وهو شيخٌ لا قِتالَ فيه، وكانوا خَرَجُوا به معهم، يتَيَمَّنُونَ به (٣٨)، ويستعِينُونَ برَأْيِه، فلم يُنْكِرِ النَّبىُّ ﷺ قَتْلَه (٣٩). ولأَنَّ الرَّأْىَ من أعْظَمِ الْمَعُونَةِ فى الحربِ، وتد جاءَ عن مُعاوِيَةَ، أَنَّه قال لمَرْوانَ والأَسْوَدِ: أَمْدَدْتُما علِيًّا بقَيْسٍ بن سعدٍ (٤٠)، وبرأْيِه ومُكايَدَتِه، فواللَّهِ لو أنَّكُما أَمْدَدْتُماه بثمانِيَةِ آلافِ مُقاتِلٍ، ما كان بأغيظَ لى مِن ذلك (٤١). ١٦٨٠ - مسألة؛ قال: (ومَنْ قَائلَ مِنْ هؤُلَاءِ [أو النِّساءِ أو الْمَشَايِخِ أو الرُّهْبَانِ فِى الْمَعْرَكَةِ، قُتِلُوا] (١)) لا نعلمُ فيه خلافًا. وبهذا قال الأوْزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيثُ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ،

стр. 6868

وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقد جاءَ عن ابن عباسٍ، قال: مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بامْرَأَةٍ مَقْتولَةٍ يومَ الخَنْدَقِ، فقال: "مَنْ قَتَلَ هذِهِ؟ " قال رجُلٌ: أنا يا رَسُولَ اللَّه. قال: "ولِمَ؟ " قال: نازَعَتْنِى قائِمَ سيْفِى. قال (٢): فسَكَتَ (٣). ولأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وقَفَ على امْرأةٍ مَقْتُولةٍ، فقال: "مَا بَالُهَا قُتِلَتْ، وَهِىَ لَا تُقاتِلُ" (٤). وهذا يدُلُّ على أنَّه إنَّما نَهَى عن قَتْلِ المرْأَةِ إذا لم تُقاتِلْ، ولأنَّ هؤلاء إنَّما لم يُقْتَلُوا لأنَّهم فى العادَةِ لا يُقاتِلُون. فصل: فأمَّا المريضُ، فيُقْتَلُ إذا كان ممَّن لو كان صحيحًا قاتَلَ، لأَنَّه بمنزِلَةِ الإِجْهازِ على الجريحِ، إلَّا أَنْ يكونَ مَأْيُوسًا من بُرْئِه، فيكونُ بمنزِلَةِ الزَّمِنِ، لا يُقْتَلُ؛ لأنَّه لا يُخافُ منه أن يصيرَ إلى حالٍ يُقاتِلُ فيها. فصل: فأَمَّا الفَلَّاحُ الذى لا يُقاتِلُ، فيَنْبَغِى أَنْ لا يُقْتَلَ، لما رُوِىَ عن عمرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: اتَّقُوا اللَّه فى الفَلَّاحين، الذين لا يَنْصِبُونَ لكم الحَرْبَ (٥). وقال الأَوْزَاعِىُّ: لا يُقْتَلُ الحَرّاثُ، إذا عُلِمَ أنَّه ليس من المُقاتِلَةِ. وقال الشافِعِىُّ: يُقْتَلُ، إلَّا أَنْ يُؤَدِّىَ الجِزْيَةَ؛ لدُخولِه فى عُمومِ المشركين. ولَنا، قَوْلُ عمرَ، وأَنَّ أَصْحابَ رسولِ اللَّه ﷺ لم يَقْتُلُوهم حِينَ فَتَحُوا البلادَ، ولأَنَّهُم لا يُقاتِلُون، فأشْبَهُوا الشُّيُوخَ والرُّهْبانَ. فصل: إذا حاصَرَ الإِمامُ حِصْنًا، لزِمَتْه مُصابَرَتُه (٦)، ولا يَنْصَرِفُ عنه إلَّا بخَصْلَةٍ من خِصَالٍ خَمْسٍ، أحدُها، أَنْ يُسْلِمُوا، فيُحْرِزُوا بالإِسلامِ دماءَهم وأموالَهم؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إلَّا اللَّهُ. فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّى

стр. 6869

دِماءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّها" (٧). وإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الفَتحِ، عَصَمُوا دماءَهم دونَ أموالِهم، ويَرِقُّون. الثانيةُ، أَنْ يبْذُلُوا مالًا على المُوادَعَةِ، فيجوزُ قَبولُه منهم، سواءٌ أغْطَوْه جُمْلةً أو جَعَلُوه خَراجًا مُسْتمِرًّا، يُؤْخَذُ منهم كلَّ عامٍ. فإنْ كانُوا (٨) ممَّنْ تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ، فبَذَلُوها، لَزِمَه قبولُها منهم، وحَرُمَ قِتالُهم؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٩). وإِنْ بَذَلُوا مالًا على غيرِ وَجْهِ الجِزْيَةِ، فرَأَى المصلحةَ فى قَبُولِه، قَبِلَه، ولا يلزمُه قَبولُه إذا لم يَرَ المصلحةَ فيه. الثَّالِثَةُ، أَنْ يفْتَحَه. الرابعةُ، أَنْ يَرَى المصلحَةَ فى الانْصِرافِ عنه، إمَّا لضَرَرٍ فى الإِقامَةِ، وإمَّا لليَأْسِ منه، وإمَّا لمَصْلَحَةٍ يَنْتَهِزُها تَفُوتُ بإقامَتِه، فينْصَرِفُ عنه، لما رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ حاصَرَ أهلَ الطَّائِفِ، فلم ينَلْ منهم شيئًا، فقال: "إنَّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا". فقال المسلمون: أَنَرْجِعُ عنه (١٠) ولم نَفْتَحْه؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ". فَغَدُوا عليه (١١)، فأَصابَهُم الجراحُ، فقال لهم رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّا قَافِلُون غَدًا". فأَعْجَبَهم، فَقَفَلَ رسولُ اللَّه ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (١٢). الخامِسَةُ، أَنْ ينْزِلُوا على حُكْمِ حاكمٍ، [فيجوزُ؛ لما رُوِىَ عن (١٣) النَّبِىّ ﷺ ، أَنَّه لمَّا حاصَرَ بنى قُرَيْظَةَ، رضُوا بأنْ ينزِلُوا على حُكْمِ] (١٤) سعدِ ابن مُعاذٍ، فأجابَهُم إلى ذلك (١٥)؛ والكلامُ فيه فى فَصْلَيْن، أحدُهُما، صِفَةُ الحاكم.

стр. 6870

والثانى، صفَةُ الحُكْمِ. [فأمَّا الحاكمُ] (١٦) فيُعْتبَرُ فيه سبعةُ شُروطٍ؛ أَنْ يكونَ (١٧) حُرًّا، مُسْلِمًا، عاقِلًا، بالِغًا، ذكَرًا، عَدْلًا، فَقِيهًا، كما يُشْتَرَطُ فى حاكمِ المسلمين. ويجوزُ أَنْ يكونَ أَعْمَى؛ لأنَّ عَدَمَ البَصَرِ لا يضُرُّ فى مسألَتِنا؛ لأنَّ المقْصودَ رَأْيُهُ، [ومعرِفَةُ المصلَحَةِ] (١٨) فى أحدِ أقْسامِ الحُكْمِ، ولا يضُرُّ عدَمُ البصَرِ فيه، بخلافِ القضاءِ، فإنَّه لا يَسْتَغْنِى عن البصرِ (١٩)، ليَعْرفَ المُدَّعِى من المُدَّعَى عليه، والشاهِدَ من المَشْهُودِ له والمشهودِ عليه، والمُقِرَّ من المُقَرِّ له. ويُعْتَبَرُ من الفِقْه ههُنا ما يَتَعَلَّقُ بهذا الحُكْم، ممَّا يجوزُ فيه، ويُعْتَبَرُ له، ونحو ذلك، ولا يُعْتَبَرُ فِقْهُه فى جميعِ الأحكامِ التى لا تَعَلُّقَ (٢٠) لها (٢١) بهذا، ولهذا حُكِّمَ سعدُ بن مُعاذ، ولم يثْبُتْ أنَّه كان عالمًا بجميع الأحْكامِ، وإذا حَكَّمُوا رَجُلَيْن، جازَ، ويكون الحُكْمُ ما اتَّفَقَا عليه. وإِنْ جَعَلُوا الحُكْمَ إلى رجلٍ يُعَيِّنُه الإِمامُ، جازَ؛ لأنَّه لا يَخْتارُ إلَّا مَنْ يَصْلُحُ. وإِنْ نَزَلُوا على حكمِ رجلٍ منهم، أَوْ جَعَلُوا التَّعْيِينَ إليهم، لم يجُزْ؛ لأنَّهم ربَّما اخْتارُوا مَنْ لا يَصْلُحُ. وإِنْ عَيَّنُوا رجُلًا يصْلُحُ، فرَضِيَه الإِمامُ، جازَ؛ لأنَّ بنى قُرَيْظَةَ رَضُوا بحُكْمِ سعدِ بن مُعاذٍ، وعَيَّنُوه، فَرَضِيَه النَّبِىُّ ﷺ ، وأجازَ حُكْمَه. وقال: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهمْ (٢٢) بِحُكْمِ اللَّهِ". وإِنْ ماتَ مَن اتَّفَقُوا عليه، فاتّفَقُوا على غيرِه ممَّنْ يَصْلُح، قامَ مَقامَه، وإِنْ لم يتَّفِقُوا على مَنْ يقومُ مَقامَه، أو طَلَبُوا حَكَمًا لا يصْلُحُ، رُدُّوا إلى مَأْمَنِهم، وكانُوا على الْحِصارِ حتَّى يتَّفِقُوا، وكذلك إنْ رَضُوا باثْنَيْن، فماتَ أحدُهما، فاتفَقُوا على مَن يقومُ مَقامَه، جازَ، وإلَّا رُدُّوا إلى مَأْمَنِهم. وكذلك إذا (٢٣) رضُوا بتَحْكيمِ مَنْ لم تَجْتَمِعْ الشَّرائِطُ فيه، ووَافَقَهُم الإِمامُ عليه، ثمَّ بانَ أنَّه

стр. 6871

لا يصْلُحُ، لم يُحَكَّمْ، ويُرَدُّونَ إلى مَأْمَنِهم كما كانُوا. وأمَّا صِفَةُ الحُكْمِ، فإنْ حَكَمَ أَنْ (٢٤) تُقْتَلَ مُقاتِلّتُهم، وتُسْبَى (٢٥) ذَرارِيُّهم، نُفِّذَ حُكْمُه؛ لأنَّ سعدَ بن مُعاذٍ حَكَمَ فى بنى قُرَيْظَةَ بذلك، فقالَ النَّبِىُّ ﷺ : "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ". وإِنْ حَكَمَ بالمَنِّ على المُقاتِلَةِ، وسَبْىِ الذُّرِّيَّةِ، فقال القاضى: يَلْزَمُ حكمُه. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ الحُكْمَ إليه فيما يَرَى المصلَحَةَ فيه، فكان له الْمَنُّ، كالإِمامِ فى الأسيرِ. واختارَ أبو الخَطَّابِ، أَنَّ حُكْمَه لا يَلْزَمُ؛ لأنَّ عليه أَنْ يَحْكُمَ بما فيه الحَظُّ، ولا حَظَّ للمسلمين فى الْمَنِّ. وإِنْ حَكَمَ بالمَنِّ على الذُّرِّيَّةِ، فَيَنْبَغِى أَنْ لا يجوزَ؛ لأنَّ الإِمامَ لا يَمْلِكُ المَنَّ على الذُّرِّيَّةِ إذا سُبُوا، فكذلك الحاكِمُ. ويَحْتَمِلُ الجوازَ؛ لأنَّ هؤلاء لم يَتَعَيَّن السَّبْىُ فيهم، بخلافِ مَنْ سُبِىَ، فإنَّه يصيرُ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْىِ. وإن حَكَمَ عليهم بالفِداءِ، جاز؛ لأنَّ الإِمامَ يَتَخَيَّرُ (٢٦) فى الأَسْرَى بين القَتْلِ والفِداءِ، والاسْتِرقافِ والمَنِّ، فكذلك الحاكِمُ. وإِنْ حَكَمَ عليهم بإعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يَلْزَمْ حُكْمُه؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقدُ مُعاوَضَةٍ، فلا يثْبُتُ إلَّا بالتَّرَاضِى، ولذلك لا يَمْلِكُ الإِمامُ إجْبارَ الأسيرِ على إعْطاءِ الجزْيَةِ. وإِنْ حَكَمَ بالقَتْلِ والسَّبْىِ، جازَ للإِمامِ المَنُّ على بَعْضِهم؛ لأنَّ ثابِتَ بن قَيْس سَأَلَ فى الزُّبَيرِ بن بَاطا، من قُرَيْظَةَ، ومالِه، رسولَ اللَّه ﷺ فأجابَه (٢٧). ويُخالِفُ مالَ الغَنِيمَةِ إذا حازَه المسلمون؛ لأنَّ مُلْكَهم اسْتَقَرَّ عليه. وإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الحُكْمِ عليهم، عَصَمُوا دماءَهُم وأموالَهُم؛ لأنَّهم أسْلَمُوا وهم أحرارٌ، وأموالُهم لهم، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، بخلافِ الأسيرِ، فإنَّ الأسيرَ قد ثَبَتَت اليَدُ عليه، كما تثبُتُ على الذُّرِّيَّةِ، فلذلك جازَ اسْتِرْقاتُه. وإِنْ اشْلَمُوا بعدَ الحُكْمِ عليهم، نَظَرْتَ؛ فإنْ كان قد حَكَمَ عليهم بالقَتْلِ، سَقَطَ؛ لأنَّ مَنْ أَسْلَمَ فقد (٢٨) عَصَمَ دَمَه، ولم يجُز اسْتِرْقاقُهم؛ لأنَّهم

стр. 6872

أسْلَمُوا قبلَ اسْتِرْقاقِهم. قال أبو الخَطَّاب: ويَحْتَمِلُ جَوازَ اسْتِرْقاقِهم، كما لو أسْلَمُوا بعدَ الأسْرِ، ويكونُ المالُ على ما حَكَمَ فيه. وإن حَكَمَ بأنَّ المالَ للمسلمين، كان غنيمةً؛ لأنَّهُم أخَذُوه بالقَهْرِ والحَصْرِ. ١٦٨١ - مسألة؛ قال: (وإِذَا خُلِّىَ الْأَسِيرُ مِنَّا، وحَلَفَ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ بِشَىْءٍ يُعَيِّنُهُ، أو يَعُودَ إلَيْهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ) وجُمْلَتُه أَنَّ الأسيرَ إذا خَلَّاهُ الكُفَّارُ، واسْتَحْلَفُوه على أَنْ يبْعَثَ إليهم بفِدَائِه أو يعودَ إليهم، نَظَرْتَ؛ فإنْ أكْرَهُوه بالعذاب، لم يَلْزَمْه الوفاءُ لهم برُجوعٍ ولا فِدَاءٍ؛ لأنَّه مُكْرَهٌ فلم يَلْزَمْه ما أُكْرِهَ عليه، لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتِى عن الخَطَأِ، والنِّسْيانِ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه" (١) وإنْ لم يُكْرَهْ عليه، وقَدَرَ على الفداءِ الذى الْتزَمَه، لَزِمَه (٢) أداؤُه. وبهذا قال عطاءٌ، والحَسَنُ، والزُّهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ. وقال الشافعِىُّ نَصًّا (٣): لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه حُرٌّ لا يَسْتَحِقّونَ بَدَلَه. ولَنا، قَوْلُ اللَّه تعالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٤). ولمَّا صالَحَ النَّبِىُّ ﷺ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ على رَدِّ مَنْ جاءَهُ مُسْلِمًا وَفَّى لَهُمْ (٥)، وقال: "إنَّا لَا يَصْلُحُ فِى دِينِنَا الْغَدْرُ" (٦). ولأنَّ فى الوَفاءِ مَصْلحةً للأُسارَى، وفى الغَدْرِ مَفْسَدَةً فى حَقِّهِم؛ لأنَّهم لا يُؤَمَّنُونَ بَعْدَه، والحاجَةُ داعِيَةٌ إليه، فلَزِمَه الوَفاءُ به، كما يَلْزَمُه الوفاءُ بعَقْدِ الهُدْنَةِ، ولأنَّه عاهَدَهُم على أداءِ مالٍ، فلَزِمَه الوفاءُ به، كثَمَنِ الْمَبيعِ، والمشْرُوطُ فى عَقْدِ الهُدْنَةِ فى مَوْضِعٍ يجوزُ شَرْطُه، وما ذَكَرُوه باطِلٌ بما إذا شرطَ رَدَّ مَن جاءَه مُسْلِمًا، أو شَرَطَ لهم مالًا فى عَقْدِ الهُدْنَةِ. فأمَّا إنْ عَجَزَ عن الفِدَاءِ، نَظَرْنا؛ فإنْ كان المُفادَى امرأةً، لم تُرْجَعْ إليهم، ولم يَحِلَّ لها ذلك؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٧). ولأنّ فى رُجُوعِها تَسْلِيطًا لهم على وَطْئِها حَرامًا، وقد مَنَعَ اللَّهُ

стр. 6873

تعالَى رسولَه رَدَّ النِّساءِ إلى الكُفَّارِ بَعْدَ صُلْحِه على رَدِّهِنَّ فى قِصَّة الحُدَيْبِيَةِ، وفيها: فجاءَ نِسْوَةٌ مؤمناتٌ فنَهاهُم اللَّهُ أَنْ يَرُدُّوهُن. روَاه أبو دَاوُدَ، وغيرُه (٨). وإِنْ كان رجلًا، ففيه روايتان؛ إحداهُما، لا يُرْجَعُ أيضًا. وهو قولُ الحَسَن، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافِعِىِّ؛ لأنَّ الرُّجوعَ إليهم مَعْصِيَةٌ، فلم يَلْزَمْ بالشَّرْطِ، كما لو كان امرأةً، وكما لو شَرَطَ قَتْلَ مُسْلِمٍ، أو شُرْبَ الخمرِ. والثانيةُ، يَلْزَمُه. وهو قولُ عثمانَ، والزُّهْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، ومحمد بن سُوقَةَ (٩)؛ لما ذكَرْنا فى بَعْثِ الفِدَاءِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قد عاهَدَ قريشًا على رَدِّ مَنْ جاءَه مُسْلِمًا، ورَدَّ أبا بَصِيرٍ، وقال: "إنّا لَا يَصْلُحُ فى دِينِنَا الْغَدْرُ". وفارَقَ ردَّ المَرْأَةِ، فإنَّ اللَّهَ تعالَى فرَّقَ بينهما فى هذا الحُكْمِ، حينَ صالَحَ النَّبِىُّ ﷺ قُرَيْشًا على رَدِّ من جاءَه منهم مُسْلِمًا، فأمْضَى اللَّهُ ذلك فى الرِّجالِ، ونَسَخَه فى النِّساءِ. وقد ذَكَرْنا الفرقَ بينهما من ثلاثةِ أوْجُهٍ تَقَدَّمَتْ. فصل: فإنْ أَطْلَقُوه وآمَنُوه، صارُوا فى أمانٍ منه؛ لأنَّ أمانَهم له يَقْتَضِى سَلامَتَهم منه، فإنْ أمْكَنَه المُضِىُّ إلى دارِ الإِسْلامِ، لزِمَه، وإِنْ تَعَذَّرَ عليه، أقامَ، وكان حكْمُه حُكْمَ مَنْ أَسْلَمَ فى دارِ الحَرْبِ. فإنْ أخَذَ فى الخروجِ، فأدْرَكُوه وتَبِعُوه، قاتَلَهُم، وبَطَلَ الأمانُ؛ لأنَّهُم طَلَبُوا منه المُقامَ وهو مَعْصِيَةٌ. فأمّا إنْ أَطْلَقُوه ولم يُؤَمِّنُوه، فلَه أَنْ يأْخُذَ منهم ما قَدَرَ عليه، ويَسْرِقَ ويَهْرُبَ؛ لأنَّه لم يُؤَمِّنْهم ولم يُؤَمِّنُوه. وإِنْ أَطْلَقُوه، وشَرَطُوا عليه المُقامَ عندَهم، لزِمَه ما شَرَطُوا عليه. [نَصَّ عليه] (١٠)؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ (١١) عندَ شُرُوطِهِم" (١٢). وقال أصحابُ الشافِعِىِّ: لا يلزَمُه. فأمَّا إنْ أَطْلَقُوه على أنَّه رَقِيقٌ لهم، فقال أبو الخَطَّاب: له أَنْ يسْرِقَ ويَهْرُبَ ويقتُلَ؛ لأنَّ كَوْنَه رَقِيقًا حُكْمٌ شَرْعِىٌّ، لا يثْبُتُ عليه بقولِه، ولو ثَبَتَ لم يقْتَضِ أمانًا له منهم، ولا لهم منه. وهذا مذْهَبُ الشافِعِىِّ.

стр. 6874

وإِنْ أَحْلَفُوه على هذا، فإنْ كان مُكْرَهًا على اليمينِ، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه، وإِنْ كان مُخْتارًا فحَنَثَ، كفَّرَ (١٣) يَمِينَه. ويَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَه الإِقامَةُ، على الرِّوايَةِ التى تُلْزِمُهُ الرُّجُوعَ إليهم فى المسألَةِ الأُولَى، وهو قَوْلُ اللَّيْثِ. فصل: وإن اشْتَرَى الأَسِيرُ شيئًا مُخْتارًا، أو اقْتَرَضَه، فالعَقْدُ صحِيحٌ، ويلزَمُه (١٤) الوفاءُ لهم؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فأشْبَهَ ما لو فَعَلَه غيرُ الأَسِيرِ، وإِنْ كان مُكْرَهًا، لم يَصِحَّ، فإنْ أَكْرَهُوه على قَبْضِه، لم يَضْمَنْه، ولكن عليه رَدُّه إليهم إنْ كان باقيًا؛ لأنَّهم دَفَعُوه إليه بحُكْم العَقْدِ، وإِنْ قَبَضَه باخْتِيارِه، ضمنَهُ؛ لأنَّه قَبَضَه عن عَقْدٍ فاسِدٍ. وإِنْ باعَهُ والعَيْنُ قائِمَةٌ، لزِمَه رَدُّها؛ لأنَّ العَقْدَ باطِلٌ، وإِنْ عُدِمَت العَيْنُ، رَدَّ قِيمَتَها. ١٦٨٢ - مسألة؛ قال: (ولا يحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ كَافِرَيْنِ، ومُباحٌ له أَنْ يَهْرُبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنْ خَشِىَ الأَسْرَ، قاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا الْتَقَى المسلمون والكُفَّارُ، وجَبَ الثَّباتُ، وحَرُمَ الفِرارُ؛ بدليل قولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (١). الآية. وقال تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). وذَكَرَ النَّبىُّ ﷺ الفِرارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، فَعَدَّه من الكبائِرِ (٣). وحُكِىَ عن الحَسَنِ، والضَّحَّاكِ، أَنَّ هذا كان يومَ بَدْرٍ خاصَّةً، ولا يَجِبُ فى غيرِها. والأَمْرُ مُطْلَقٌ، وخَبَرُ النَّبِىِّ ﷺ عامٌّ، فلا يجوزُ التَّقْيِيدُ والتَّخْصِيصُ إلَّا بدليلٍ. وإنَّما يَجِبُ الثَّباتُ بشَرْطَيْن؛ أحدُهما، أَنْ يكونَ الكُفَّارُ لا يزيدُون على ضِعْفِ المسلمين، فإنْ زادُوا عليه،

стр. 6875

جازَ الفِرارُ، لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٤). وهذا إنْ كان لفظُه لفْظَ الخَبَرِ، فهو أمْرٌ، بدَلِيلِ قولِه: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾. ولو كانَ خبرًا على حَقِيقَتِه، لم يكُنْ رَدُّنا مِن غلَبَةِ الواحدِ للعشرةِ إلى غَلَبةِ الاثْنَيْن تَخْفيفًا، ولأنَّ خبرَ اللَّه تعالَى صِدْقٌ لا يقَعُ بخلافِ مُخْبرِه، وقد عُلِمَ أنَّ الظَّفَرَ والغَلَبَةَ لا يحْصُلُ للمسلمين فى كلِّ مَوْطِنٍ يكُونُ العَدُوُّ فيه ضِعْفَ المسلمين فما دُونَ، فعُلِمَ أنَّه أمْرٌ وفرضٌ، ولم يأْتِ شىءٌ ينْسَخُ هذه الآيةَ، لا فى كتابٍ ولا سُنَّةٍ، فوَجَبَ الحكمُ بها. قال ابنُ عبَّاسٍ: نَزلتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٥). فشقَّ ذلك على السلمين حينَ فرَضَ اللَّهُ عليهم ألَّا يَفِرَّ واحدٌ من عشرةٍ، ثمَّ جاءَ تَخْفِيفٌ، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. فلمَّا خفَّفَ اللَّهُ عنهم من العَدَدِ، نَقَصَ من الصَّبْرِ بقَدْرِ ما خَفَّف من العَدَدِ. روَاه أبو داود (٦)، وقال ابنُ عبَّاسٍ: مَنْ فَرَّ مِن اثْنَيْن، فقَدْ فرَّ، ومَنْ فَرَّ من ثلاثةٍ فما فَرَّ (٧). الثانى، أَنْ لا يقْصِدَ بفِرارِه التَّحَيُّزَ إلى فِئَةٍ، ولا التَّحَرُفَ لقتالٍ، فإنْ قصدَ أحَدَ هذَيْن، فهو مُباحٌ له؛ [لقولِ اللَّه تعالَى] (٨): ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (٩). ومَعْنَى التَّحَرُّفِ للقْتالِ، أَنْ ينْحازَ إلى مَوْضِعٍ يكونُ القتالُ فيه أمْكنَ، مثل أَنْ ينْحازَ مِن مُواجَهَةِ الشَّمْسِ أو الرِّيح إلى اسْتِدْبارِهما (١٠)، أو من نَزِلةٍ إلى عُلُوٍّ، أو من مَعْطَشَةٍ إلى مَوْضِعِ ماءٍ، أو يَفِرَّ بينَ أَيْدِيهم لتَنْتَقِضَ صُفوفُهُم، أو تَنْفَرِدَ خَيْلُهم من رجَّالَتِهم (١١)، أو

стр. 6876

ليجدَ فيهم فُرْصَةً، أو ليسْتَنِدَ إلى جبلٍ، ونحوِ ذلك ممَّا جَرَتْ به عادَةُ أهلِ الحرْبِ. وقد رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّه كان يومًا فى خُطْبَتِه إذْ قال: يا سارِيَةُ بن زُنَيْم، الجَبَلَ، ظَلَمَ الذِّئْبَ من اسْتَرْعاه الغنمَ. فأنْكَرَها الناسُ. فقال علىٌّ رضىِ اللَّه عنه: دَعُوه. فلما نزَلَ سأَلُوه عمَّا قال، فلم يعْتَرِفْ به، وكان قد بعَثَ سارِيَةَ إلى ناحِيَةِ العراقِ لغَزْوِهم (١٢)، فلمّا قَدِمَ ذلك الجيشُ أخْبَرُوا أنَّهم لَقُوا عَدُوَّهم يومَ جُمُعَةٍ، فظهرَ عليهمْ، فسَمِعُوا صوتَ عمرَ، فتَحيزَوُا إلى الجبلِ، فَنَجَوا من عَدُوِّهم وانْتَصَرُوا عليهم (١٣). وأمَّا التَّحَيُّزُ إلى فِئَةٍ، فهو أن يصيرَ إلى فِئَةٍ من المسلمين، ليكونَ معهم، فيَقْوَى (١٤) بهم على عَدُوِّه (١٥). وسواء بَعُدَت المسافةُ أو قَرُبَتْ. قال القاضى: لو كانَتْ الفِئةُ بخُراسانَ، والفئةُ بالحجازِ، جازَ التَّحَيُّزُ إليها. ونحوَه ذكرَ أصْحابُ (١٦) الشافِعِىِّ؛ لأنَّ ابنَ عمر رَوَى، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إنِّى فِئَةٌ لَكُمْ". وكانُوا بمكانٍ بعيدٍ منه. وقال عمرُ: أنا فِئَهُ كُلِّ مُسْلِم. وكان بالمدينةِ وجُيوشُه بمصرَ والشَّامِ والعراقِ وخُراسانٍ. روَاهما سعيدٌ (١٧). وقال عمرُ: رَحِمَ اللَّه أبا عُبَيْدَةَ، لو كان تحيَّزَ إلىَّ، لكُنْتُ له فِئَةً (١٨). وإذا خَشِىَ الأَسْرَ، فالأَوْلَى له أن يقاتلَ حتّى يُقْتَلَ، ولا يُسَلِّمُ نفسَه للأسْرِ؛ لأنَّه يفوزُ بالثَّوابِ (١٩) والدرجَةِ (٢٠) الرَّفِيعَةِ، ويسْلَمُ من تَحَكُّمِ الكُفَّارِ عليه بالتَّعْذِيبِ والاسْتِخْدامِ والفِتْنةِ. وإِنْ استأسرَ جازَ؛ لما رَوَى أَبو هُرَيْرةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بعَثَ عشرةً عَيْنًا، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بن ثابِت، فنَفَرَت (٢١) إليهم

стр. 6877

هُذَيْلٌ بقريبٍ من مائَةِ رجُلٍ رامٍ، فلمَّا أحَسَّ بهم عاصِمٌ وأصحابُه، لَجَأُوا إلى فَدْفَدٍ (٢٢)، فقالوا لهم: أنْزِلُوا فأعطونا بأَيْدِيكم، ولكم العَهْدُ والميثاقُ أَنْ لا نَقْتُلَ منكم أحدًا. فقال عاصمُ: أمَّا أنا فلا أنْزِلُ فى ذِمَّةِ كافرٍ. فَرَمَوْهم بالنَّبْلِ، فقتَلُوا عاصِمًا فِى سبعةٍ معه، ونزلَ إليهم ثلاثةٌ على العَهْدِ والميثاقِ، فهم خُبَيْبُ، وزيدُ بن الدَّثِنَةِ، فلمَّا اسْتَمْكَنُوا منهم، أطْلَقُوا أوْتارَ قِسِيِّهِم، فرَبَطُوهم بها. مُتَّفَقٌ عليه (٢٣). فعاصمٌ أخَذَ بالعَزِيمَةِ، وخُبَيْبٌ وزيد أخَذا بَالرُّخْصَةِ، وكلُّهم محمودٌ غيرُ مَذْمُوِمٍ ولا مَلُومٍ. فصل: وإذا كان العَدُّوّ أكثرَ من ضِعْفِ المسلمين، فغلَب على ظَنِّ المسلمين الظَّفَرُ، فالأوْلَى لهم الثَّباتُ؛ لما فى ذلك من المَصْلَحَةِ، وإن انْصَرَفُوا جازَ؛ لأنَّهم لا يَأْمَنُون العَطَبَ، والحُكْمُ عُلِّقَ على مَظِنَّتِه، وهو كَوْنُهم أقلُّ من نِصْفِ (٢٤) عَدُوِّهم (٢٥)، ولذلك لزِمَهُم الثَّباتُ إذا كانوا أكثرَ من النِّصْفِ، وإِنْ غلبَ على ظَنِّهِم الهلاكُ فيه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهم الثَّباتُ إنْ (٢٦) غَلَبَ على ظَنِّهِم الظَّفَرُ؛ لما فيه من الصلحَةِ. وإن غَلَبَ على ظَنِّهم الهلاكُ فى الإِقامَةِ، والنَّجاةُ فى الانْصِرافِ، فالأَوْلَى لهم الانْصِرافُ، وإِنْ ثَبَتُوا جازَ؛ لأنَّ لهم غرضًا فى الشهادَةِ، ويجوزُ أَنْ يغْلِبُوا أيضًا. وإِنْ غلبَ على ظَنِّهِم الهلاكُ فى الإِقامَةِ والانْصِرافِ، فالأَوْلَى لهم الثَّباتُ؛ ليَنالُوا دَرَجَةَ الشُّهداءِ المُقْبِلَين على القتالِ مُحْتَسِبين، فيكونُون أَفْضلَ من المُوَلِّين، ولأنَّه يجوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أيضًا؛ فإنَّ اللَّه تعالَى يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢٧). ولذلك صَبَرَ عاصمٌ وأصحابُه، فقاتَلُوا حَتَّى أكرَمَهُم اللَّه بالشَّهادَةِ.

стр. 6878

فصل: فإنْ جاءَ العَدُوُّ بلدًا، فلأَهْلِه التَّحَصُّنُ منهم، وإِنْ كانُوا أَكْثَرَ من نصْفِهم؛ ليَلْحَقَهم مَدَدٌ أو قُوَّةٌ، ولا يكونُ ذلك تَوَلِّيًا ولا فِرارًا، إنَّما التَّوَلِّى بعدَ اللِّقاءِ (٢٨). وإِنْ لَقُوهُم خارِجَ الحِصْنِ، فلهُم التَّحَيُّزُ إلى الحِصْنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ التَّحَرُفِ للقتالِ، أو التَّحَيُّزِ إلى فِئَةٍ. وإِنْ غَزَوْا فذَهَبَت دَوابُّهم، فليس ذلك عُذْرًا فى الْفِرارِ؛ لأنَّ القتالَ مُمْكِنٌ للرَّجَّالَةِ. وإِنْ تَحَيَّزُوا إلى جَبل ليُقاتِلُوا فيه رَجَّالَةً، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه تَحَرُّفٌ للقتالِ. وإِنْ ذَهَبَ سِلاحُهم، فتَحَيَّزُوا إلى مكانٍ يُمْكِنُهم القتالُ فيه بالحجارَةِ، والتستُّرُ بالشَّجَرِ ونحوِه؛ أو لهم فى التَّحَيُّزِ إليه فائِدَةٌ، جازَ. فصل: فإنْ وَلَّى قومٌ قبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، وأَحْرَزَها الباقُون، فلا شىءَ للفارِّين؛ لأَنَّ إحْرازَها حصلَ بغيرِهم، فكان مِلْكُها لمَنْ أَحْرَزَها. وإِنْ ذَكَرُوا أنّهم فَرُّوا مُتَحَيِّزِين إلى فِئَةٍ، أو مُتَحَرِّفِينَ للقتالِ، فلا شىءَ لهم أيضًا؛ لذلك. وإِنْ فَرُّوا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، لم يسْقُطْ حقُّهُم منها؛ لأنَّهم ملَكُوا الغَنِيمَةَ بحِيازَتِها (٢٩)، فلم يَزُلْ مِلْكُهم عنها بفِرَارِهم. فصل: فإذا أَلْقَى الكُفَّارُ نارًا فى سفينَةٍ فيها مسلمون، فاشْتَعَلَت فيها، فما غَلَبَ على ظَنِّهِم السَّلامةُ فيه، من بقائِهِم فى مَرْكَبِهم، أو إلْقاءِ نُفُوسِهِم فى الماءِ، فالأَوْلَى لهم فِعْلُه، وإِنْ اسْتَوَى عِنْدَهم الأمْرَانِ، فقال أحمد: كيف شاءَ يَصْنَعُ (٣٠). قال الأوْزَاعِىُّ: هما مَوْتَتان، فاخْتَرْ أَيْسَرَهما. وقال أبو الخَطَّاب: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّهم (٣١) يلزمهم المقامُ؛ لأنَّهم إذا رَمَوْا نُفُوسَهم فى الماءِ، كان مَوْتُهم بفِعْلِهم، وإِنْ [أقامُوا فموتُهُم بفِعْل غيرِهم] (٣٢). ١٦٨٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَجَرَ نَفْسَهُ، بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا، عَلَى حِفْظِ الغنيمَةِ ،

стр. 6879

فَمُبَاحٌ لَهُ مَا أَخَذَ، إِنْ كَانَ رَاجِلًا، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يَمْلِكُها) وجملَتُه أَنَّ الغَنِيمَةَ إذا احتاجَتْ إلى مَنْ يَحْفَظُها، أو يَسُوقُ (١) الدَّوابَّ التى هى منها، أو يَرْعاها، أو يَحْمِلُها، فإنَّ للامامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَفْعَلُ ذلك، ويُؤَدِّىَ أُجْرَتَها منها؛ لأنَّ ذلك من مُؤْنَتِها، فهو كعَلَفِ الدَّوابِّ، وطَعامِ السَّبْىِ. ومَنْ أَجَرَ نفْسَه على فِعْلِ شىءٍ من ذلك، فله أُجْرَتُه مُباحَةً؛ لأنَّه أجَرَ نفْسَه لفِعْلٍ بالمسلمين إليه حَاجَةٌ، فحلَّتْ له أُجْرَتُه، كما لو أَجَرَ نَفْسَه على الدَّلالَةِ إلى الطريقِ. فأمَّا قولُه: إنْ كان راجِلًا أو على دَابَّةٍ يملِكُها. فإنَّه يَعْنِى به أنَّه (٢) لا يَرْكَبُ من دَوابِّ المَغْنَمِ، ولا فَرَسًا حَبِيسًا. قال أحمدُ: لا بأْسَ أَنْ يُؤْجِرَ الرجلُ نفْسَه على دَابَّتِه. وكَرِهَ أَنْ يسْتأجِرَ القومَ على سِيَاقِ الرَّمَكِ (٣) على فَرَسٍ حَبِيسٍ؛ لأَنَّه يَسْتَعْمِلُ الفرَسَ المَوْقُوفَةَ للجهادِ فيما يخْتَصُّ مَنْفَعَةَ نَفْسِه. فإنْ أَجَرَ نفسَه، فرَكِبَ الدَّابَّةَ الحَبيسَ، أو دَابَّةً من الْمَغنَمِ، لم تَطِبْ له أُجْرَةٌ؛ لأنَّ المُعِينَ له على العمَلِ يخْتَصُّ نَفْعَ (٤) نفْسِه، فلا يجوزُ أَنْ يسْتَعْمِلَ فيه دَوابَّ المَغْنَمِ، ولا دَوابَّ الْحَبِيس. ويَنْبَغِى أَنْ يَلْزَمَه بقَدْرِ أجْرِ (٥) الدَّابَّةِ، يُرَدُّ فى الغَنِيمَةِ (٦) إنْ كانتْ (٧) من الغَنِيمَةِ، أو يُصْرَفَ (٨) فى نَفقَةِ دَواب الْحَبِيس إنْ كان الفَرَسُ حَبِيسًا. فصل: فإنْ شَرَطَ فى الإِجارَةِ رُكوبَ دَابَّةٍ من الغَنِيمَةِ، فيَنْبَغِى أَنْ يجوزَ؛ لأنَّ ذلك بمَنْزلَةِ أُجْرَةٍ تُدْفَعُ إليه من المَغْنَمِ. ولو أجَرَ نفسَه بدابَّةٍ مُعَيَّنَةَ من الْمَغنَمِ، صَحَّ. فإذا جعلَ أَجْرَهُ رُكوبَها، كان أوْلَى، إلَّا أَنْ يكونَ العملُ مجهولًا، فلا يجوزُ؛ لأنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ إجارَتِها كَوْنَ عِوَضِها مَعْلومًا. وإِنْ شَرَطَ فى الإجارَةِ رُكوبَ دَابَّةٍ من الحَبِيسِ، لم يجُزْ؛ لأنَّها إنَّما حُبِسَت على الجِهادِ، وليس هذا بِجهادٍ، إنَّما هو نَفْعٌ لأهلِ الغَنِيمَةِ.

стр. 6880

فصل: ولا يجوزُ الانْتِفاعُ من الغَنِيمَةِ برُكوبِ دَابَّةٍ منها، ولا لُبْسِ ثَوبٍ من ثِيابِها؛ لما رَوَى رُوَيْفِعُ بن ثابِت، قال: لا أقولُ لكم إِلَّا ما سَمِعْتُ من (٩) رسولِ اللَّه ﷺ يقولُ يومَ خَيْبَرَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً من فَىْءِ الْمُسْلِمينَ، حَتَّى إذا أَعْجَفَها، رَدَّها فِيهِ، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا منْ فَىْءِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ، رَدَّهُ فِيهِ". رواه أبو دَاوُد، والأثْرَمُ (١٠). وعن رجلٍ من بَلْقَيْنِ، قال: أَتَيْتُ رَسولَ اللَّه ﷺ وهو بوادِى القُرَى، فقلتُ: ما تقولُ فى الغَنِيمَةِ؟ فقال: "للَّهِ خُمْسُها، وأَرْبَعَةُ أخْمَاسِهَا لِلْجَيْشِ". فقلتُ: فما أحَدٌ أوْلَى به من أَحَدٍ؟ قال: "لَا، وَلَا السَّهْمُ تَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَنْبِكَ أنْتَ أحَقُّ بِهِ مِنْ أخِيكَ الْمُسْلِمِ". روَاه الأَثْرَمُ (١١). ولأنَّ الغَنِيمةَ مشْترَكةٌ بين الغانِمين وأَهْلِ الخُمْسِ، فلم يجُزْ لواحِدٍ الاخْتِصاصُ بمَنْفَعَتِه، كغيرِه من الأمْوالِ المُشْترَكَةِ. فإنْ دَعَت الحاجَةُ إلى القتالِ بسِلاحِهم، فلا بأْسَ. قال أحمد: إذا كان أَنْكَى فيهم، أو خافَ على نفْسِه، فنعم. وذكَر حديثَ سَيْفِ أبى جَهْلٍ، وهو ما رَوَى عبدُ اللَّه بن مسعود، قال: انْتَهَيْتُ إلى أبى جَهْلٍ يومَ بدْرٍ وقد ضُرِبَتْ رِجْلُه، فقلتُ: الحمدُ للَّه الذى أَخْزَاكَ يا أبا جَهْلٍ. فأضْرِبُه بسَيْفٍ معى غيرِ طائلٍ، فوقَعَ سَيْفُه من يَدِه، فأَخَذْتُ سَيْفَه، فضَرَبْتُه بِهِ حَتَّى بَرَدَ. روَاه الأَثْرَمُ. وفى رُكوبِ الفَرَسِ للجهادِ رِوايتان؛ إحداهُما، يجوزُ، كما يجوزُ فى السِّلاحِ. والثانيةُ، لا يجوزُ؛ لأنَّها تتعَرَّضُ للعَطَبِ غالِبًا، وقِيمَتَها كثيرةٌ، بخلافِ السلاحِ. ١٦٨٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ لَقِى عِلْجًا، فَقَالَ لَهُ: قِفْ، أو: أَلْقِ سِلاحَك. فَقَدْ أَمَّنَهُ) قد تَقَدَّمَ الكلامُ فى مَن يصحُّ أمَّانُه، ونذكُرُ ههُنا صِفَةَ الأمانِ، فالذى ورَدَ به الشَّرْعُ (١)

стр. 6881

لفظتان، أَجَرْتُك، وَأَمَّنْتُك. لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (٢). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ، وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ" (٣). وقال: "مَنْ دخَلَ دارَ أبى سُفْيانَ فهو آمِنٌ، ومَنْ أغْلَقَ عَلَيْهِ (٤) بابَهُ فَهُوَ آمِنٌ" (٥). وفى مَعْنَى ذلك إذا قال: لا تَخَفْ، لا تَذْهَلْ، لا تَخْشَ، لا خَوْفَ عَلَيْكَ، لا بَأْسَ عَلَيْكَ. وقد رُوِىَ عن عمرَ أنَّه قال: إذا قُلْتُم: لا بَأْسَ، أو لا تَذْهَلْ (٦)، أو مترس (٧)، فقد أَمَّنْتُمُوهُم؛ فإنَّ اللَّه تعالَى يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ (٨). وفى رِواية أُخْرَى: إذا قالَ الرجُلُ للرجُل: لا تَخَفْ. فقد أَمَّنَهُ، وإذا قال: لا تَذْهَلْ. فقد أمَّنَهُ؛ فإنَّ اللَّه يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ (٨). ورُوِىَ أَنَّ عمرَ قال للهُرْمُزانِ: تَكَلَّمْ، ولا بَأْسَ عَلَيْكَ. فلمَّا تَكَلَّمَ، أمَرَ عمرُ بقَتْلِه، فقال أَنَسُ بنُ مالِكٍ: ليس لك إلى ذلك سبيلٌ، قد أَمَّنْتَه. فقال عمرُ: كَلَّا. فقال الزُّبَيْرُ: قد قُلْتَ له: تَكَلَّمْ، ولا بَأْسَ عَلَيْكَ. فدَرَأَ عنه عمرُ القَتْلَ. روَاه سعيدٌ وغيرُه (٩). وهذا كلُّه لا نَعْلَمُ فيه خلافًا. فأمَّا إنْ قالَ له: قُمْ، أو قِفْ، أو أَلْقِ سلاحَكَ. فقال أصحابُنا: هو أمانٌ أيضًا؛ لأنَّ الكافِرَ يعْتقِدُ هذا أمانًا، فأشْبَهَ قولَه: أَمَّنْتُك. وقال الأوْزَاعِىُّ: إن ادَّعَى الكافِرُ أنَّه أمانٌ (١٠)، أو

стр. 6882

قال: إنَّما وَقَفْتُ لِنِدَائِك. فهو آمِنٌ (١١)، وإن لم يَدَّعِ ذلك فلا يُقْبَلُ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ هذا ليس بأَمانٍ؛ لأنَّ لَفْظَه لا يُشْعِرُ به، وهو يُسْتَعْمَلُ (١٢) للإِرْهابِ والتَّخْوِيفِ، فلم يكُنْ أمانًا، كقولِه (١٣): لأَقْتُلَنَّكَ. لكن يُرْجَعُ إلى القائِلِ، فإنْ قال: نَوَيْتُ به الأمانَ. فهو أمانٌ، وإن قال: لم أُرِدْ (١٤) أمَّانَه. نَظَرْنا فى الكافِرِ، فإنْ قال: اعْتَقَدْتُه أمانًا. رُدَّ إلى مَأْمَنِه، ولم يجُزْ قَتْلُه، وإِنْ لم يَعْتَقِدْه أمانًا فليس بأمانٍ، كما لو أشارَ إليهم بما اعْتَقَدُوه أمانًا. فصل: فإنْ أشارَ المسلمُ إليهم بما يَرْوَنَه أمانًا، وقال: أرَدْتُ به الأمانَ. فهو أمانٌ، وإِنْ قال: لم أُرِدْ به الأَمانَ. فالقَوْلُ قولُه؛ لأنَّه أَعلَمُ بِنِيَّتِه. فإنْ خَرَجَ الكُفّارُ من حِصْنِهِم بِناءً على هذه الإِشارَةِ، لم يجُزْ قَتْلُهُم، ولكنْ يُرَدُّون إلى مَأْمَنِهم. وقد (١٥) قال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: واللَّهِ لو أَنَّ أحَدَكُم أشارَ بإِصْبَعهِ إلى السماءِ إلى مُشْرِكٍ، فنزلَ بأمانِه، فقَتَلَه، لقَتَلْتُه بِه. رواه سعيدٌ (١٦). وإِنْ ماتَ المسلمُ أو غابَ، فإنَّهم يُرَدُّون إلى مَأْمَنِهم. وبهذا قال مالكٌ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. فإنْ قيل: فكيفَ صَحَّحْتُم الأمانَ بالإِشارَةِ، مع القُدْرَةِ على النُّطْقِ، بخلافِ البَيْعِ والطَّلاقِ والعِتْقِ؟ قُلْنا: تَغْلِيبًا لحَقْنِ الدَّمِ، كما حُقِنَ دَمُ مَن (١٧) له شُبْهةُ كتابٍ، تَغْلِيبًا لحَقْنِ دَمِه، ولأنَّ الكُفَّارَ فى الغالِبِ لا يَفْهَمُون كلامَ المسلمين، والمسلمون لا يَفْهَمُون كلامَهُم، فدَعَت الحاجَةُ إلى التَّكْليمِ بالإِشارَةِ، بخلافِ غيرِه. فصل: إذا سُبِيَت كافِرَةٌ، فجاءَ قَرابَتُها (١٨) يَطْلُبُها، وقال: إنَّ عِنْدِى أسيرًا مُسْلِمًا، فأطْلِقُوها حَتّى أُحْضِرَه. فقال الإِمامُ: أَحْضِرْهُ. فأَحْضَرَهُ، لَزِمَ إِطْلاقُها؛ لأنَّ

стр. 6883

المفهومَ من هذا إجَابَتُه إلى ما سأَلَ. وإِنْ قال الإِمامُ: لم أُرِدْ إجابَتَه، لم يُجْبَرْ على تَرْكِ أسيرِه، ورُدَّ إلى مَأْمَنِه. وقال أصحابُ الشافِعِىِّ: يُطْلَقُ الأسيرُ، ولا تُطْلَقُ المُشْركَةُ؛ لأنَّ المسلمَ حُرٌّ لا يجوزُ أَنْ يكونَ [ثَمَنَ مَمْلوَكَةٍ] (١٩)، ويُقال له: إن اخْتَرْتَ شراءَها، فأْتِ بِثَمَنِها. ولَنا، أنَّ هذا يُفْهَمُ منه الشَّرْطُ، فيَجِبُ الوفاءُ به، كما لو صَرَّحَ به، ولأنَّ الكافِرَ فَهِمَ منه ذلك، وبَنَى عليه، فأشْبَهَ ما لو فَهِمَ الأمانَ من الإِشارَةِ. وقولُهم: إنَّ الحُرَّ لا يكونُ ثمنَ مَمْلوكَةٍ. قُلْنا: لكنْ يصِحُّ أَنْ يُفادَى بها، فقد فادَى رسولُ اللَّه ﷺ بالأَسِيرَةِ التى أخَذَها من سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ رَجُلَيْن (٢٠) من المسلمين (٢١)، وفادَى رَجُلَيْن (٢٠) من المسلمين بأَسِيرٍ من الكُفَّارِ (٢١)، ووَفَّى لهم بِرَدِّ مَنْ جاءَه مسلمًا، وقال: "إنَّه لَا يَصْلُحُ فِى دِينِنَا الْغَدْرُ" (٢٢). وإِنْ كان رَدُّ المسلمِ (٢٣) إليهم ليس بحَقٍّ لهم، ولأنَّه الْتَزَمَ إطْلاقَها: فلَزِمَه ذلك؛ لقولِه ﵇: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ" (٢٤). وقوله: "إنَّه لَا يَصْلُحُ فِى دِينِنَا الْغَدْرُ". ١٦٨٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ سَرَقَ مِنَ الْغنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، أَوْ لِوَلَدِه، أوْ لسَيِّدهِ، لَمْ يُقْطَعْ) يعنى إذا كان السَّارِقُ بعضَ الغانِمين، أو أباه، أو سَيِّدَه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّ له شُبْهَةً، وهو حَقُّه المُتَعَلِّقُ بها، فيكونُ ذلك مانِعًا مِن قَطْعِه، لأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ من مالٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبَيْنَ غيرِه. وهكذا إنْ كان لابْنِه وإِنْ عَلَا. وهو قولُ أبى حَنيفَةَ، والشافِعِىِّ. وزادَ أبو حنيفةَ: إذا كان لِذِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه فيها حَقٌّ لم يُقْطَعْ. مَبْنِىُّ على أنَّه لا يُقْطعُ بسرقَةِ مالِهم. وقد سبَقَ الكلامُ فى هذا (١). ولو كان

стр. 6884

لأحَدِ الزَّوْجَين فيها حَقٌّ فسَرَقَ منها الآخرُ، لم يُقْطَعْ عندَ مَنْ لا يَرَى أنَّ أحدَهُما يُقْطَعُ بسرِقَةِ مالِ الآخَرِ. وقد سَبَقَ ذِكْرُ هذا (٢). فصل: والسَّارِقُ من الغَنِيمَةِ غيرُ الغَالِّ، فلا يَجْرِى مَجْراهُ فى إحْراقِ رَحْلِه، ولا يَجْرِى الغَالُّ مَجْرَى السَّارِقِ فى قَطْعِ يَده. وذكَر بعضُ أصحابِنا أَنَّ السَّارِقَ يُحْرَقُ رَحْلُه؛ لأَنَّه فى معنى الغَالِّ، ولأنَّه لمَّا دُرِىءَ عنه الحَدُّ، وَجَبَ أَنْ يُشْرَعَ فى حَقِّه عُقوَبةٌ أُخْرَى، كسارِقِ الثَّمَرِ يَغْرَمُ مِثْلَىْ ما سَرَقَ. ولَنا، أَنَّ هذا لا يقَعُ (٣) عليه اسمُ الغَالِّ حقيقةً، ولا هو فى مَعْناه؛ لأنَّ الغُلولَ يكْثُرُ لكَوْنِه أخْذَ مالٍ لا حافِظَ له، ولا يُطَّلَعُ عليه غالبًا (٤)، فيَحْتاجُ إلى زَاجرٍ عنه، وليس كذلك السَّرِقَةُ، فإنَّها أخْذُ مالٍ مَحْفوظٍ، فالحاجَةُ إلى الزَّجْرِ عنه أقلُّ. ١٦٨٦ - مسألة؛ قال: (وإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ، أُدِّبَ، وَلَمْ يُبْلَغْ بِهِ حَدُّ الزِّنَى (١)، وأُخِذَ مِنْهُ مَهْرُ مِثْلِهَا، فَطُرِحَ فى الْمَقْسِمِ، إِلَّا أَنْ تَلِدَ مِنْهُ، فَتَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا) يعنى إذا كان الواطِئُ من الغانِمين، أو ممَّنْ لوَلدِه فيها حَقٌّ، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ المِلْكَ يثْبُتُ للغانِمين فى الغَنِيمَةِ، فيكونُ للواطئَ حَقٌّ فى هذه الجارَيةِ وإِنْ كان قليلًا، فيُدْرَأُ عنه الحَدُّ للشُّبْهَةِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. وقال مالكُ، وأبو ثَوْرٍ: عليه الحَدُّ؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). وهذا زانٍ، ولأنَّه وَطِئَ فى غيرِ مِلْكٍ، عامِدًا، عالِمًا بالتَّحْرِيمِ، فلَزِمَه الحَدُّ، كما لو وَطِئَ جارِيةَ غَيْرِه. وقال الأوْزَاعِىُّ: كلُّ مَنْ سَلَفَ مِن عُلَمائِنا يقولُ: عليه أَدْنَى الحَدَّيْنِ، مِائَةُ جَلْدَةٍ. ومَنَعَ بعضُ الفُقَهاءِ ثُبُوتَ المِلْكِ فى الغَنِيمَةِ، وقال: إنَّما يثْبُتُ بالاخْتِيارِ (٣)، بدليلِ أَنَّ

стр. 6885

أحَدَهُم لو قالَ: أسْقَطْتُ حَقِّى. سَقَطَ، ولو ثَبَتَ مِلْكُه، لم يزُلْ بذلك، كالوارِثِ. ولَنا، أَنَّ له فيها شُبْهَةَ المِلْكِ، فلم يَجِبْ عليه الحَدُّ، كوَطْءِ [جارِيةٍ له فيها شِرْكٌ] (٤)، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بوَطْءِ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ وجاريةِ ابْنِه، فنَقِيسُ عليه هذا، ومَنْعُ المِلْكِ لا يصِحُّ؛ لأنَّ مِلْكَ الكُفَّارِ قد زالَ، ولا يزُولُ إلَّا إلى مالِكٍ، ولأنَّه تَصِحُّ قِسْمَتُه، ويَمْلِكُ الْغانمون طلَبَ قِسْمَتِها، فأشْبَهَتْ مالَ الوارِثِ، وإنَّما (٥) كَثُرَ الغانمون فقَلَّ نصيبُ الواطِئِ، ولم يسْتَقِرَّ فى شىءٍ بعَيْنِه، وكان للإِمامِ تَعْيِينُ نَصِيبِ كُلِّ واحد بغيرِ اخْتِيارِه، فلذلك جازَ أَنْ يسْقُطَ بالإِسْقاطِ، بخلافِ الميراثِ، وضَعْفُ المِلْكِ لا يُخْرِجُه عن كونِه شُبْهَةً فى الحدِّ الذى يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولهذا يسْقُطُ الحَدُّ بأدْنَى شىءٍ، وإِنْ لم يكنْ حَقِيقَةَ الملْكِ فهو شُبْهَةٌ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُعَزَّرُ، ولا يبْلَغُ بالتَّعْزيرِ (٦) الحَدَّ، على ما أسْلَفْناهُ، ويُؤْخَذُ منه مَهْرُ مِثْلِها، فيُطْرَحُ فى المَقْسِمِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال القاضِى: إنَّه يسْقُطُ عنه من المَهْرِ قَدْرُ حِصَّتِه منها، ويَجِبُ عليه بَقِيَّتُه، كما لو وَطِئَ جاريةً مُشْتَرَكَةً بينَه وبينَ غيرِه. وليس بصحيحٍ، لأَنَّنَا إذا أسْقَطْنا عنه حِصَّته، وأَخَذْنا الباقِىَ فَطرَحْناه فى المَغْنَمِ، ثمَّ قَسَمْناه على الجميعِ وهو فيهم، عادَ إليه سَهْمٌ من حِصَّةِ غيرِه، ولأنَّ قَدْرَ حِصَّتِه قد لا تُمْكِنُ مَعْرِفَتُه؛ لقِلَّةِ المَهْرِ وكثْرَةِ الغانمين، ثمَّ إذا أَخَذْناه، فإنْ قَسَمْناه مُفْرَدًا على مَنْ سِواهُ، لم يُمْكِنْ، وإِنْ خَلَطْناه بِبَقِيَّةِ الغَنِيمَةِ، ثمَّ قسَمْناه على الجميعِ، أخذَ سَهْمًا ممَّا ليس له فيه حَقٌّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنْ وَلَدَت منه، فالوَلَدُ حُرٌّ، يلحَقُه نَسَبُه. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وقال أبو حنيفةَ: هو رقِيقٌ، ولا (٥) يلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّ الغانمين إنَّما يَمْلِكون بالقسْمَةِ، فقد صادَفَ وطؤُه غيرَ ملكِه. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ سَقَطَ فيه الحَدُّ بشُبْهَةِ المِلْكِ، فيَلْحَقُ فيه النَّسَبُ، كوَطْءِ جارَيةِ ابْنِه، وما ذَكَرُوه غيرُ مُسَلَّمٍ، ثمَّ يبْطُلُ بوَطْءِ جارِيَةِ ابْنِه. ويُفارِقُ الزِّنَى؛ فإنَّه يُوجِبُ الحَدَّ. وإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الأَمَةَ تصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له فى الحالِ. وقال الشافِعِىُّ: لا تَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ له (٧) فى الحالِ؛ لأنَّها ليستْ مِلْكًا له. فإذا مَلَكَها بعدَ

стр. 6886

ذلك، فهل تصيرُ أُمَّ ولَدٍ؟ فيها قَوْلان، ولَنا، أنَّه وَطْءٌ يلْحَقُ به النَّسَبُ لشُبْهَةِ الملكِ، فتَصِيرُ به أُمَّ وَلَدٍ، كوَطْءِ جارَيه ابنِه، ويَبْطُلُ ما ذَكَرُوه بجارَيةِ الابْنِ، ولا نُسَلِّم ما ذكَرُوه، فإنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الملكَ يثْبُتُ فى الغَنِيمَةِ بمُجَرَّدِ الاغْتِنامِ، وعليه قِيمَتُها تُطرحُ فى الْمَغنَمِ؛ لأنَّه فَوَّتَها عليهم، وأَخْرَجَها من الغَنِيمةِ بفِعْلِه، فَلَزِمَتْه قيمَتُها، كما لو قَتَلَها، فإنْ كان مُعْسِرًا كان فى ذِمَّتِه قِيمتُها. وقال القاضى: إنْ (٨) كان مُعْسِرًا حُسِبَ قَدْرُ حِصَّتِه من الغَنِيمَةِ، فصارت (٩) أُمَّ وَلَدٍ، وباقِيها رَقِيقٌ للغانِمين؛ لأنَّ كَوْنَها أُمَّ ولَدٍ إنَّما يثْبُتُ بالسِّرَايَةِ فى مِلْكِ غيرِه، فلم يَسْرِ فى حَقِّ المُعْسِرِ، كالإِعْتاقِ. ولَنا، أنَّه اسْتيلادٌ جَعَلَ بعْضَها أُمَّ ولَدٍ، فيَجْعَلُ جَمِيعَها أُمَّ وَلَدٍ، كاسْتِلادِ جارَيةِ الابْنِ، وفارقَ العِتْقَ؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ أقوَى، لكَوْنِه فِعْلًا، وينْفُذُ من المجنونِ. فأمَّا قيمَةُ الوَلدِ، فقال أبو بكَرٍ: فيها رِوايتان؛ إحْداهُما، تَلْزَمُه قِيمَتُه حين وَضْعِه، تُطْرَحُ فى الْمَغنَمِ؛ لأنَّه فَوَّتَ رِقَّه، فأشْبَهَ ولَدَ المَغْرورِ. والثانِيَةُ، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّه مَلَكَها حين غلِقَتْ، ولم يثْبُتْ مِلْكُ الغانمين فى الوَلدِ بحالٍ، فأشْبَهَ ولدَ الأَبِ من جارَيةِ ابْنِه إذا وَطِئَها، ولأنه يَعْتِقُ حين عُلوقِه، ولا قِيمةَ له حينئذٍ. وقال القاضِى: إذا صارَ نِصْفُها أُمَّ وَلَدٍ، يكونُ الوَلَدُ كلُّه حُرًّا، وعليه قِيمةُ نِصْفِه. فصل: وإذا كان فى الغَنِيمَةِ مَنْ يَعْتِقُ على بعضِ الغانمين، نَظَرْتَ؛ فإنْ كان رجلًا لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ العبَّاسَ عَمَّ النَّبِىِّ ﷺ وعَمَّ عَلِىٍّ وعُقَيْلًا أخا عَلِىٍّ كانا فى أَسْرَى بَدْرٍ، فلم يَعْتِقَا عليهما (١٠)، ولأنَّ الرجُلَ لا يصِيرُ رَقِيقًا (١١) بنفْسِ السَّبْىِ. وإن اسْتُرِقَّ، أو كان الأسِيرُ امرأَةً أو صَبِيًّا عَتَقَ عليه قَدْرُ نَصِيبِه، وسَرَى إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا، وإِنْ كان مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ عليه إلَّا مِلْكُه منه. وقال الشافِعِىُّ: لا يَعْتِقُ منه شىءٌ. وهذا مُقْتَضَى قولِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه (١٢) بمُجَرَّدِ الاغْتِنامِ، ولو ملك لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُه فيه، وإِنْ قَسَمَهُ،

стр. 6887

وجَعَلَه فى نَصِيبِه، واخْتارَ تَمَلُّكَه، عَتَقَ عليه، وإِلَّا فلا، وإِنْ جُعِلَ له بعضُه، فاخْتارَ تَمَلُّكَه. عَتَقَ عليه، وقُوِّمَ عليه الباقِى. ولَنا، ما بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ المِلْكَ يثبُتُ للغانِمِين لكَوْنِ الاسْتيلاءِ التَّامِّ وُجِدَ منهم، وهو سَبَبٌ للمِلْكِ، ولأنَّ مِلْكَ الكُفَّارِ (١٣) زالَ، ولا يزُولُ إلَّا إلى المسلمين. فصل: فإنْ أَعتَقَ بعضُ الغانمين عَبْدًا من الغَنِيمَةِ قبلَ القِسْمَةِ، فإنْ كان ممَّنْ لم يثْبُتْ فيه الرِّقُّ، كالرَّجُلِ قبلَ اسْتِرْقاقِهِ، لم يعْتِقْ؛ لما ذَكَرْناه قبلُ، وإِنْ كان رَقِيقًا كالمرأَةِ والصَّبِىِّ، عَتَقَ عليه قَدْرُ حِصَّتِه، وسَرَى إلى باقِيهِ إنْ كان مُوسِرًا، وعليه قِيمَةُ باقِيه تُطْرَحُ فى المَقْسِمِ، وإِنْ كان مُعْسِرًا عَتَقَ عليه قَدْرُ مِلْكِه من الغَنِيمَةِ؛ لأنَّه مُوسِرٌ بقَدْرِ حِصَّتِه من الغَنِيمَةِ، فإنْ كان بقَدْرِ حَقِّهِ من الغنيمَةِ عَتَقَ، ولم يأخُذْ شيئًا، وإِنْ كان دونَ حَقِّه، أخَذَ باقِىَ حَقِّهِ، وإِنْ كان أكثرَ من حَقِّهِ، لم يعْتِقْ إلَّا قَدْرُ حَقِّه، فإنْ أعْتَقَ عَبْدًا ثانِيًا، وفَضَلَ من حَقِّهِ عن الأوَّلِ شىءٌ، عَتَقَ بقَدْرِه من الثانى، وإِنْ لم يفْضُلْ شىءٌ، لم يعْتِقْ من الثانى شىءٌ. فصل: يُكْرَهُ نقلُ رُءُوسِ المشركين من بَلَدٍ إلى بلدٍ، والمُثْلَةُ بقَتْلاهُم وتَعْذِيبُهم؛ لما رَوَى سَمُرَةُ بنُ جُنْدُب، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ يَحُثُّنا على الصَّدَقَةِ، ويَنْهانا عن المُثْلَةِ. وعن عبدِ اللَّه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنّ أعَفَّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الإِيَمانِ". روَاهما أبو دَاوُدَ (١٤). وعن شَدَّاد بن أَوْسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "إِنَّ اللَّه كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ، فَإذَا قَتَلْتُم فَأَحسِنُوا الْقِتْلَةَ، وإِذَا ذَبَحْتُم فَأَحسِنُوا الذَّبْحَ". رواه النَّسائِىُّ (١٥)، وعن عُقْبةَ (١٦) بن عامرٍ، أنَّه قَدِمَ على أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، برَأْسِ يَناقَ (١٧) البِطْريقِ، فأنْكَرَ ذلك، فقال: يا خليفةَ رسولِ اللَّهِ، فإنَّهم يَفْعَلُونَ ذلِك بِنَا. قال:

стр. 6888

فَاسْتِنَانٌ بفارِسَ والرومِ! لا يُحْمَلُ إلىَّ رأسٌ، فإنَّما يَكْفِى الكتابُ والخَبَرُ (١٨). وقال الزُّهْرِىُّ: لم يُحْمَلْ إلى النَّبِىِّ ﷺ رأْسٌ قَطُّ، وحُمِلَ إلى أبى بَكْرٍ رأَسٌ فأَنْكَرَ، وأوّلُ مَنْ حُمِلَتْ إليه الرُّءُوسُ عبدُ اللَّه بنُ الزُّبَيْرِ. ويُكْرَه رَمْيُها فى الْمَنْجَنِيقِ. نَصَّ عليه أحمد. وإِنْ فَعَلُوا ذلك لمَصْلَحَةٍ جازَ، لما رَوَيْنا، أَنَّ عمرَو بن العاص حينَ حاصَرَ الإِسْكَنْدَرِيَّة، ظُفِرَ برجُلٍ من المُسْلِمين، فأَخَذُوا رَأْسَهُ، فجاءَ قومُه عَمْرًا مُغْضَبِين (١٩)، فقال لهم (٢٠) عَمْرو: خُذُوا رَجُلًا منهم فاقْطَعُوا رَأْسَه، فارْمُوا به إليهم فى الْمَنْجَنِيقِ، فَفَعَلُوا ذلك، فَرَمَى أهلُ الإِسْكَنْدرِيَّةِ رأْسَ المسلمِ إلى قَوْمِه (٢١). فصل: يجوزُ قَبُولُ هَدِيَّةِ الكُفَّارِ من أَهل الحَرْبِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَبِلَ هَدِيَّةَ المُقَوْقِسِ صاحِبِ مصرَ (٢٢). فإنْ كان ذلك فى حالِ الغَزْوِ، فقال أبو الخَطَّابِ: ما أهْدَاهُ المشركون لأَمِيرِ الجَيْشِ، أو لِبَعْضِ قُوّادِه، فهو غَنِيمَةٌ؛ لأنَّه لا يفعلُ ذلك إلَّا لخَوْفِه من المسلمين. فظاهِرُ هذا أنَّ ما أُهْدِىَ لآحادِ الرَّعِيَّةِ فهو له. وقال القاضِى: هو غَنِيمَةٌ أيضًا. وإِنْ كان ين دارِ الحَرْبِ إلى دارِ الإِسلامِ، فهو لِمَنْ أُهْدِىَ (٢٣) له، سواءٌ كان الإِمامَ أو غيرَه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَبِلَ الهَدِيَّةَ، فكانَتْ له دونَ غيرِه (٢٤). وهذا قولُ الشافِعِىِّ ومحمد [بن الحسن] (٢٥). وقال أبو حَنِيفة: هو للمُهْدَى له بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه خُصَّ بها، أشْبَهَ إذا كان فى دارِ الإسلامِ. وحُكِىَ ذلك رِوايَةً عن أحمد. ولَنا، أنَّه أخَذَ ذلك بظَهْرِ الجيشِ، أشْبَهَ ما (٢٦) أخَذَه قَهْرًا، ولأنَّه إذا أهْدَى للإِمامِ أو الأمير (٢٧)، فالظَاهِرُ أنَّه يُدارِى

стр. 6889

عن نفْسِه به (٢٨)، فأشْبَهَ ما أَخِذَ منه قَهْرًا. وأمَّا إن أَهْدَى لآحادِ المسلمين، فلم يَقْصِدْ به ذلك فى الظَّاهرِ، لعَدَمِ الخوفِ منه، فيكونُ له، كما لو أُهْدِىَ إليه إلى (٢٩) دارِ الإِسلامِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ، فإنْ كان بينهما مُهادَاةٌ قبلَ ذلك، فله ما أَهْدَى إليه، وإِنْ تجدَّد ذلك بالدُّخولِ إلى دارِهم، فهو للمسلمين، كقَوْلِنا فى الهَدِيَّةِ إلى القاضِى.

стр. 6890

كتاب الجِزْيَة وهى الوَظِيفَةُ المَأْخُوذَةُ من الكافِرِ لإِقامَتِه بدارِ الإِسلامِ فى كلِّ عامٍ، وهى فِعْلَةٌ من جَزَى يَجْزِى: إذا قَضَى. قال اللَّه تعالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، (١). تقولُ العَربُ: جَزَيْت دَيْنِى. إذ قَضَيْته. والأَصْلُ فيها الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجماعُ، أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢). وأمَّا السُّنَّةُ، فما رَوَى الْمُغيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، أَنَّه قالَ لجُنْدِ كِسْرَى يومَ نَهاوَنْدَ (٣): أمَرَنا نَبيُّنا رسولُ رَبِّنا أَنْ نُقاتِلَكُم حتَّى تَعْبُدُوا اللَّه وحدَه (٤)، أو تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ. أخْرَجَه البُخارِىُّ (٥). وعن بُرَيْدةَ، أنَّه (٦) قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا بَعَثَ أميرًا على سَرِيَّةٍ أو جيشٍ، أوْصاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فى خاصَّةِ نَفْسِه، وبِمَنْ معه من المسلمين خيرًا، وقال له: "إذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى خِصَالٍ ثِلَاثٍ؛ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ (٧)، وَكُفَّ عنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا، فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ باللَّهِ وقَاتِلْهُمْ" (٨). فى أخْبارٍ كثيرَةٍ. وأَجْمَعَ المسلمون على جَوازِ أخْذِ الجِزْيَةِ فى الجُمْلَةِ.

стр. 6891

١٦٨٧ - مسألة؛ قال: (ولَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ إِلَّا مِنْ يَهُودِىٍّ، أَوْ نَصْرَانِىٍّ، أَوْ مَجُوسِىٍّ، إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى مَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ) وجملَتُه أَنَّ الذين تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ صِنْفان؛ أهْلُ كتابٍ، ومَنْ له (١) شُبْهَةُ كتابٍ، فأَهْلُ الكتابِ اليهودُ والنَّصارَى ومَنْ دانَ بدِينِهم، كالسَّامِرَةِ (٢) يَدينُون بالتَّوْراةِ، ويعْمَلون بشريعَةِ مُوسَى [﵇] (٣)، وإنّما خالَفُوهم فى فُروعِ دِينِهم، وفِرَقِ النَّصارَى من اليَعْقُوبِيَّةِ (٤)، والنَّسْطورِيّةِ (٥)، والمَلْكِيَّةِ (٦)، والفِرِنْجِ (٧)، والرُّومِ، والأرْمَنِ، وغيرِهم، ممَّن دانَ بالإِنْجيلِ، وانْتَسَبَ إلى عيسَى [﵇] (٣)، والعملِ بشَريعَتِه، فكلُّهم من أهلِ الإِنْجِيلِ، ومَنْ عَدَا هؤلاء من الكُفَّارِ، فليس من أهلِ الكِتَابِ؛ بدليلِ قولِ اللَّه تعالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (٨). واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فى الصَّابِئِين (٩)، فرُوِىَ عن أحمدَ أَنَّهم جِنْسٌ من النَّصارَى. وقال فى موضعٍ آخَرٍ: بَلَغَنِى أنَّهُم يُسْبِتُون، فهؤلاءإذا أسْبَتُوا (١٠) فهم من اليهودِ. ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه

стр. 6892

قال: هم يُسْبِتُون. وقال مُجاهِد: هم بينَ اليهودِ والنَّصارَى. وقال السُّدِّىُّ والرَّبِيعُ: هم من أهلِ الكتابِ. وَتَوَقَّفَ الشافِعِىُّ فى أمْرِهِم. والصَّحيحُ أنَّه يُنْظَرُ فيهم؛ فإنْ كَانُوا يُوافِقُون أحدَ أهلِ الكتابَيْن فى نَبِيِّهم وكتابِهم فهم منهم، وإِنْ خالَفُوهم فى ذلك فليس هم من أهلِ الكتابِ. ويُرْوَى عنهم أَنَّهم يقولُون: إنّ الفَلَكَ حَىٌّ ناطِقٌ، وإنَّ الكواكِبَ السَّبْعَةَ آلِهَةٌ. فإنْ كانُوا كذلك، فهم كعَبَدَةِ الأَوْثانِ، وأِمَّا أهلُ صُحُفِ إبراهيمَ وشِيثَ وزَبُورِ داود، فلا تُقْبَلْ مِنهم الجِزْيَةُ؛ لأنَّهم من غيرِ الطائِفتَيْن، ولأنّ هذه الصُّحُفَ لم تكنْ فيها شرائِعُ، إنَّما هى مَواعِظُ وأمْثالٌ، كذلك وَصَفَ النَّبِىُّ ﷺ صُحُفَ إبراهيمَ وزَبُورَ داوُدَ، فى حديثِ أبى ذَرٍّ (١١). وأمّا الذين لهم شُبْهَةُ كتابٍ، فهم الْمَجُوسُ، فإنَّه يُرْوَى أنَّه كان لهم كتابٌ فرُفِعَ، فصارَ لهم بذلك شُبْهَةٌ أَوْجَبَتْ حَقنَ دمائِهم، وأَخْذَ الْجِزْيَةِ منهم، ولم ينْتَهِضْ فى (١٢) إباحَةِ نكاحِ نسائِهِم ولا ذَبائِحِهم دلِيلٌ (١٣). هذا قولُ أكثر أَهلِ العلْمِ. ونُقِلَ (١٤) عن أبى ثَوْرٍ، أَنَّهم من أهلِ الكِتابِ، وتَحِلُّ نِساؤُهم وذَبائِحهُم؛ لما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّه قال: أنا أعْلَمُ النَّاس بالمجُوسِ، كان لهم عِلْمٌ يَعْلَمُونه، وكتابٌ يَدْرُسونَه، وأَنّ ملِكَهُم سَكِرَ، فوقَعَ على بِنْتِه أو أخْتِه (١٥)، فاطَّلَعَ عليه بعضُ أهلِ مملَكَتِه، فلمَّا صَحَا جاءُوا يُقِيمُون عليه الحَدَّ، فامْتَنَع منهم، ودَعَا أهلَ مَمْلكَتِه، وقال: أتَعْلَمُون دِينًا خيرًا من دينِ آدَمَ، وقد أَنْكَحَ بَنِيه بَناتِه، فأنا على دينِ آدَمَ. قال: فتابَعَهُ قومٌ، وقاتَلُوا الذين يُخالِفُونه (١٦)، حتَّى قَتَلُوهم، فأصْبَحُوا وقد أُسْرِىَ بكتابهم، ورُفِعَ العِلْمُ الذى فى صُدورِهم، فهم أهلُ كتابٍ، وقد أَخَذَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكرٍ -وأُراهُ قال: وعمرُ- فهم الجِزْيَةَ. روَاه الشافِعِىُّ، وسعيدٌ، وغيرُهما (١٧). ولأنَّ

стр. 6893

النَّبِىَّ ﷺ قال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" (١٨). ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾. والْمَجُوسُ من غيرِ الطائِفَتَيْن، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ". يدُلُّ على أَنَّهم غيرُهم. ورَوَى البُخارِىُّ (١٩)، بإِسْنادِه عن بَجالَةَ، أنَّه قال: ولم يكُنْ عمرُ أخَذَ الجِزْيَةَ من الْمَجُوسِ، حتَّى حَدَّثَه عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أخَذَها من مَجُوسِ هَجَرَ. ولو كَانُوا أهلَ كتابٍ، لَما وقَف عمرُ فى أخْذِ الْجِزْيَةِ منهم مع أمْرِ اللَّه تعالَى بأَخذِ الجِزْيَةِ من أهلِ الكتابِ. وما ذكرُوه هو الذى صارَ لهم به شُبْهَةُ الكِتابِ. وقد قال أبو عُبَيْدٍ: لا أحسبُ ما رَوَوْه عن عَلِىٍّ فى هذا مَحْفُوظًا، ولو كان له أصْلٌ، لما حَرَّمَ النَّبِىُّ ﷺ نِساءَهم، وهو كان أوْلَى بعِلْمِ ذلك. ويجوزُ أَنْ يصحَّ هذا مع تَحْرِيمِ نِسائِهم وذَبائِحِهم؛ لأنَّ الكتابَ المُبِيحَ لذلك هو الكتابُ المُنزَّلُ على إحْدَى الطائِفَتَيْن، وليس هؤلاء فهم، ولأنَّ كتابَهم رُفِعَ، فلم يَنْتَهِضْ [فى الإِباحَةِ] (٢٠)، وَثَبَتَ (٢١) به حَقْنُ دِمَائِهم. فأمَّا قولُ أبى ثَوْرٍ فى حِلِّ ذَبائِحِهم ونِسائِهِمْ، فيُخالِفُ الإِجْماعَ، فلا يُلْتَفَتُ إليه. وقولُه ﵇: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ". فى أخْذِ الْجِزْيَةِ منهم. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِن أهلِ الكِتابَيْن (٢٢) والمَجُوسِ ثابِتٌ بالإِجْماعِ، لا نَعْلَمُ فيه (٢٣) خلافًا، فإنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أجْمَعُوا على ذلك، وعَمِلَ به الخُلَفاءُ الرَّاشِدون، ومَنْ بَعْدَهم إلى زَمَنِنَا هذا، من غيرِ نَكِيرٍ ولا مُخالِفٍ، وبه يقولُ أهلُ العلمِ من أهلِ الحِجَازِ والعِراقِ والشَّامِ ومصرَ وغيرِهم، مع دَلالَةِ الكتابِ على أخْذِ الْجِزْيَةِ من أهلِ الكتاب، ودَلالَةِ السُّنَّةِ على أخْذِ الْجِزْيَةِ من الْمَجُوسِ، بما رَوَيْنا من قولِ المُغِيَرةِ لأهْلِ فارِس: أَمَرَنا نَبِيُّنا أَنْ نُقاتِلَكُم حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَه، أو

стр. 6894

تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ (٢٤). وحَدِيثِ بُرَيْدةَ (٢٥) وعبدِ الرحمن بن عَوْفَ، وقولَ النَّبِىِّ ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنُّةَ أهْلِ الْكِتَابِ". ولا فرقَ بين كَوْنِهم عَجَمًا أو عَرَبًا. وبهذا قال مالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأَبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو يوسفَ: لا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ من العربِ؛ لأنَّهُم شَرُفُوا بكَوْنِهم من رَهْطِ النَّبِىِّ ﷺ . ولَنا، عمومُ الآيَةِ، وأنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ خالِدَ بن الولِيدِ إلى دُومَةِ الْجَنْدَلِ (٢٦)، فأَخَذَ أُكَيْدِرَ دُومَةَ، فصالَحَه على الْجِزْيَةِ، وهو من العَرَبِ. روَاه أبو دَاوُدَ (٢٧). وأَخَذَ الجِزْيَةَ من نَصارَى نَجْرانَ، وهم عَرَبٌ (٢٨). وَبعَثَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ، فقال: "إِنَّكَ تَأْتِى قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٩). وأَمَرَه أَنْ يَأْخُذَ من كلِّ حالِمٍ دينارًا (٣٠). وكانُوا عَرَبًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولم يَبْلُغْنا أَنَّ قومًا من العَجَمِ كانُوا سُكَّانًا باليمنِ، حيثُ وَجَّه مُعاذًا. ولو كان لَكان فى أمْرِه أَنْ يأخُذَ من جميعِهِم من كُلِّ حالِم دينارًا، دليلٌ على أَنَّ العربَ تُؤْخَذُ منهم الجِزيةُ. وحَديثُ بُرَيْدةَ فيه (٣١) أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كانَ يأْمُرُ مَنْ بَعَثَه على سَرِيَّةٍ، أَنْ يدعُوَ عَدُوَّه إلى أداءِ الْجِزْيَةِ، ولم

стр. 6895

يَخُصَّ بها (٣٢) عَجَمِيًّا دونَ غيرِه، وأكثرُ ما كان النَّبِىُّ ﷺ يَغْزُو العَرَبَ، ولأنَّ ذلك إجماعٌ؛ فإنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أرادَ الجِزْيَةَ مِن نَصارَى بنى تَغْلِبَ، فأَبَوْا ذلك، وسَأَلُوه أَنْ يأْخُذَ منهم مِثْلَما يأخُذُ من المسلمين، فأَبَى ذلك عليهم، حتَّى لَحِقُوا بالرُّومِ، ثمَّ صالَحَهم على ما يَأْخُذُه (٣٣) منهم عِوَضًا عن الْجِزْيَةِ (٣٤). فالمأخوذُ منهم جِزْيَةٌ غيرَ أنَّه عَلى غيرِ صِفَةِ جِزْيَةِ غيرِهم، وما أَنْكَرَ أخذَ الْجِزْيَةِ منهم أحَدٌ، فكان ذلك إجماعًا، وقد ثَبَتَ بالقَطْعِ واليَقِين أَنَّ كثيرًا من نَصارَى العرَبِ ويَهُودِهم، كانوا فى عَصْرِ الصّحابَةِ فى بلادِ الإِسلامِ، ولا يجوزُ إقْرارُهم فيها بغَيْرِ جِزْيَةِ، فثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُم أخَذُوا الجزْيَةَ منهم، وظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه لا فرْقَ بينَ مَن دَخَلَ فى دينِهم قبلَ تَبْدِيلِ كِتابِهم أوَ بَعْدَه، ولا بين أَنْ يكونَ ابنَ كتابيَّيْن، أو ابنَ وَثَنِيَّين، أو ابنَ كتابِىٍّ ووَثَنِىٍّ. وقال أبو الخَطَّاب: مَن دَخَلَ فى دِينِهم بعدَ تَبْديلِ كتابِهم، لم تُقْبَلْ منه الجِزْيَةُ، ومَنْ وُلِدَ بين أَبَوين أحدُهما تُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ، والآخَرُ لا تُقْبَلُ منه، فهل تُقْبَلُ منه؛ على وجْهَيْن. وهذا مذهَبُ الشافِعِىِّ. ولَنا، عمومُ النَّصِّ فيهم، ولأنَّهُم من أهلِ دِين تُقْبَلُ من أهْلِه الجِزْيَةُ، فيُقَرُّون بها كغيرِهم، وإنَّما تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ إذا كانُوا مُقِيمين على ما عُوهِدُوا عليه، من بذْلِ الْجِزْيَةِ، والْتِزامِ أحْكامِ المِلَّةِ؛ لأنَّ اللَّه تعالَى أمَرَ بِقتالِهم حتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، أى يَلْتَزِمُوا أداءَها، فما لم يُوجَدْ ذلك، يَبْقُوا على إباحَةِ دِمَائِهم وأَمْوالِهم. فصل: ولا يجوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ المُؤبَّدَةِ إلَّا بشَرْطَيْن، أحدُهُما، أَنْ يَلْتَزِمُوا إعْطاءَ جِزْيَةٍ (٣٥) فى كلِّ حَوْلٍ. والثانى، الْتِزامُ أحْكامِ الإِسْلامِ، وهو قبولُ ما يَحْكُمُ بِه عليهم، من أداءِ حَقٍّ، أو تَرْكِ مُحَرَّم؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣٦). وقولِ النَّبِىِّ ﷺ فى حديثِ بُرَيْدَةَ: "فَادْعُهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فإنْ أجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، كفَّ عَنْهُمْ" (٣٧). ولا تُعْتَبَرُ حقيقةُ الإِعْطاءِ، ولا جَرَيانُ

стр. 6896

الأحْكامِ؛ لأنَّ إعْطاءَ الْجِزْيَةِ إنَّما يكونُ فى آخرِ الحَوْلِ، والكَفَّ عنهم فى ابْتدائِه عندَ البَذْلِ، والمرادُ بقولِه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٣٨). أى يَلْتَزِمُوا الإِعْطاءَ، ويُجِيبُوا إلى بَذْلِه، كقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. والمرادُ بِه الْتزامُ ذلك دونَ حَقِيقَتِه؛ فإنَّ الزَّكاةَ إنَّما يجبُ أداؤُها عندَ الحَوْلِ؛ لقولِه ﵇: "لَا زَكاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" (٣٩). ١٦٨٨ - مسألة؛ قال: (ومَنْ سِوَاهُمْ، فَالْإِسْلَامُ أو الْقَتْلُ) يَعْنِى مَنْ سِوَى اليَهُودِ والنَّصارَى والمجُوسِ لا تُقْبَلُ منهم الْجِزْيَةُ، ولا يُقَرُّون بها، ولا يقْبَلُ منهم إِلَّا الْإِسْلَامُ، فإنْ لم يُسْلِمُوا قُتِلُوا. هذا ظاهِرُ مذهبِ أحمَدَ. ورَوَى عنه الحَسَنُ بنُ ثَوابٍ، أنَّها تُقْبَلُ من جميعِ الكُفَّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الأوْثانِ من العربِ؛ لأنَّ حديثَ بُرَيْدَةَ يدُلُّ بعُمومِه على قبولِ الْجِزْيَةِ من كلِّ كافِرٍ، إلَّا أَنَّه خَرَجَ منه عَبَدَةُ الأوثانِ من العربِ؛ لتَغَلُّظِ كُفْرِهم من وَجْهَيْن، أحدُهما، دِينُهم. والثانى، كَوْنُهم من رَهْطِ النَّبِىِّ ﷺ . وقال الشافِعِىُّ: لا تُقْبَلُ إلَّا من أهلِ الكتابِ والْمَجُوسِ، لكن فى أهلِ الكُتُبِ غيرِ اليَهُودِ والنَّصارَى، مثل أهلِ صُحُفِ إبراهيمَ وشِيثَ وزَبُورِ داوُدَ، ومَن تمسَّك بدينِ آدمَ وإدْرِيسَ، وَجْهان؛ أحدُهما، يُقَرُّون بالْجِزْيَةِ؛ لأنَّهم من أهلِ الكتاب، فأشْبَهُوا اليهودَ والنَّصارَى. وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ من جميعِ الكُفَّارِ إلَّا العربَ، لأَنَّهُم (١) رَهْطُ النَّبِىِّ ﷺ ، فلا يُقَرُّون على غيرِ دِينِه، وغيرُهم يُقَرُّ بالْجِزْيَةِ؛ لأنَّه يُقَرُّ بالاسْتِرْقاقِ، فأُقِرَّ (٢) بالْجِزْيَةِ، كالْمَجُوسِ. وعن مالِك، أنَّها تُقْبَلُ من جميعِهِمْ إلَّا مُشْرِكِى قرَيْشٍ؛ لأنَّهم ارْتَدُّوا. وعن الأَوْزَاعِىِّ، وسعيدِ بن عبد العزيز، أنَّها تُقْبَلُ من جميعِهم. وهو قولُ عبدِ الرحمن بن يَزِيدَ بن جابرٍ، لحديثِ بُرَيْدَةَ (٣)، ولأنَّه كافِرٌ، فيُقَرُّ بالْجِزْيَةِ، كأهلِ

стр. 6897

الكتاب. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤). وقول النَّبِىِّ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إلَّا اللَّهُ. فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا" (٥). وهذا عامٌّ خُصَّ منه أهلُ الكتابِ بالآيَةِ، والْمَجُوسُ بقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" (٦). فمَنْ عَداهم من الكُفَّارِ يَبْقَى على قَضِيَّةِ العُمومِ. وقد بَيَّنَّا أنَّ أهلَ [الصُحُفِ من] (٧) غيرِ أهلِ الكتابِ الْمُرادُ بالآيةِ فيما تقدَّم. فصل: وإذا عَقَدَ (٨) الذِّمَّةَ لكفارٍ زَعَمُوا أَنَّهم من أهلِ الكتابِ، ثمَّ تبَيَّنَ أَنَّهُم عَبَدَةُ أوْثانٍ (٩)، فالعَقْدُ باطِلٌ من أصْلِه. وإِنْ شَكَكْنا فيهم، لم ينْتَقِضْ عَهْدُهم بالشَّكِّ؛ لأنَّ الأصلَ صِحَّتُه، فإنْ أَقَرَّ بعضُهم بذلِك دونَ بَعْضٍ، قُبِلَ من المُقِرِّ فى نفسِه، فانْتَقَضَ عَهْدُه، وبَقِىَ فى (١٠) حَقِّ [مَنْ لم] (١١) يُقِرَّ بحالِه. ١٦٨٩ - مسألة؛ قال: (وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُم الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ؛ فَيُؤْخَذُ مِنْ أدْوَنِهمْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَمِنْ أوْسَطِهِمْ أرْبَعَة وعِشْرُونَ دِرْهَمًا، ومِنْ أَيْسَرِهِمْ ثَمانِيَةٌ وأَرْبَعُون دِرْهَمًا) الكلامُ فى هذه المسأَلَةِ فى فَصْلَيْن: أحدُهما، فى تقديرِ الجِزْيَةِ. والثانى، فى كِمِّيَةِ مِقْدارِها. فأمَّا الأوَّلُ ، ففيه ثلَاثُ رواياتٍ؛ إحْدَاها (١)، أَنَّها مُقَدَّرَةٌ بمقْدارٍ (٢) لا يُزادُ عليه، ولا

стр. 6898

يُنْقَصُ منه. وهذا قولُ أبى حنيفَةَ، والشافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَرَضَها مُقَدَّرَةً، بقولِه لمعُاذٍ: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ" (٣). وفَرَضَها عمرُ مُقَدَّرَةً بمَحْضَرٍ من الصحابَةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا. والثانِيَةُ، أنَّها غيرُ مُقَدّرَةٍ، بل يُرْجَعُ فيها (٤) إلى اجْتهادِ الإِمامِ فى الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ. قال الأَثْرَمُ: قيل لأبى عبد اللَّه: فيُزادُ اليومَ فيه (٥)، ويُنْقَصُ؟ [يعنى مِن (٦) الْجِزْيَةِ. قال: نعم، يُزادُ فيه ويُنْقَصُ] (٧) على قَدْرِ طاقَتِهم، على قَدْرِ ما يرَى الإِمامُ. وذكَر أَنَّهَ زِيدَ عليهم فيما مَضَى دِرْهمانِ، فجعَلَه خمسين. قال الخَلَّالُ: العملُ فى قولِ أبى عبد اللَّه على ما رَواه الجماعَةُ، [فإِنَّه قال] (٨): لا بَأْسَ للإِمامِ أَنْ يَزِيدَ فى ذلك ويَنْقُصَ (٩) على ما روَاه عنه أصْحابُه (١٠) فى عشرةِ مَواضِعَ، فاسْتَقَرَّ قولُه على ذلك. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، أَمَر مُعاذًا أَنْ يأْخُذَ من كلِّ حالِمٍ دِينارًا، وصالَحَ أهلَ نَجْرانَ على ألفَىْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فى صَفَر، والنِّصْفُ فى رَجَبٍ. روَاهما أبو دَاوُدَ (١١). وعمرُ جَعَلَ الجِزْيَةَ غلى ثلاثِ طَبَقاتٍ؛ على الغَنِىِّ ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى المُتوَسِّطِ أربعةً وعشرين درهمًا، وعلى الفقيرِ اثْنَىْ عشرَ درهمًا (١٢). وصالَحَ بنى تَغْلِبَ على مِثْلَىْ (١٣) ما على المسلمين من الزكاةِ (١٤). وهذا يدلُّ على أنَّها إلى رَأْى الإِمامِ، لولا ذلك

стр. 6899

لَكَانَتْ على قَدْرٍ واحدٍ فى جميعِ هذه الْمَواضِع، ولم يجزْ أَنْ تخْتلِفَ. قال البُخارِىُّ (١٥): قال ابنُ عُيَيْنَةَ: عن ابنِ (١٦) أبى نَجِيحٍ، قلتُ لِمُجاهِد: ما شأْنُ أهلِ الشامِ عليهم أربعةُ دنانيرَ، وأهلُ اليَمَنِ عليهم دينارٌ؟ قال: جُعِلَ ذلك من أجلِ اليسارِ. ولأنَّها عِوَضٌ فلم تَتَقَدَّرْ (١٧) كالأُجرَةِ. والرِّوايةُ الثالثة، أَنَّ أقلَّها مُقَدَّرٌ بدينارٍ، وأكثَرَها غيرُ مُقَدَّرٍ. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، فتجوزُ الزِّيادةُ، ولا يجوزُ النُّقْصانُ؛ لأنَّ عمرَ زادَ على ما فَرَضَ رسولُ اللَّه ﷺ ، ولم يَنْقُصْ منه. ورُوِىَ أنَّه زادَ. على ثمانيةٍ وأرْبَعِين، فجعلَها خَمْسِين (١٨). الفصل الثانى: أنَّنَا إذا قُلْنا بالرِّوايةِ الأُولَى، وأَنَّها (١٩) مُقَدَّرَةٌ، فقَدْرُها فى حَقِّ المُوسِر ثمانيةٌ وأربعون دِرْهما، وفى حَقِّ المُتوسِّطِ أربعةٌ وعشرون، وفى حَقِّ الفقيرِ اثْنا عَشَرَ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال مالك: هى فى حَقِّ الغَنىِّ أربعون درهمًا أو أربعةُ دنانيرَ، وفى حَقِّ الفقيرِ عشرةُ دراهمَ أو دِينارٌ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ (٢٠). وقال الشافِعِىُّ: الواجبُ دينارٌ فى حقِّ كلِّ واحدٍ؛ لحديثِ مُعاذ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَهُ أَنْ يأخُذَ من كلِّ حالمٍ دينارًا. رواه أبو داوُدَ، وغيرُه (٢١). إلَّا أَنَّ المُسْتَحَبَّ جَعْلُها على ثلاثِ طَبَقاتٍ، كما ذكرْناه؛ لنَخْرُجَ (٢٢) من الخِلافِ. قالوا: وقَضاءُ النَّبِىِّ ﷺ أوْلَى بالاتِّباعِ من غيرِه. ولَنا، حَديثُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو حَديثٌ لا شَكَّ فى صحَّتِه وشُهْرتِه بين الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّه عَنهم، وغيرِهم، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، ولا خالَفَ (٢٣) فيه، وعَمِلَ به مَنْ بعدَه من

стр. 6900

الخُلَفاءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فصارَ إِجْماعًا لا يجوزُ الخَطَأ عليه، وقد وافَقَ الشافِعِىُّ على اسْتِحبابِ العَمَلِ به. وأمَّا حديثُ مُعاذٍ، فلا يَخْلُو من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه فَعَلَ ذلك لِغَلَبَةِ الفَقْرِ عليهم، بدليلِ قَوْلِ مُجاهدٍ: إنَّ (٢٤) ذلك من أجْلِ اليَسارِ. والوَجْهُ الثانى، أَنْ يكونَ التَّقْديرُ غيرَ واجبٍ، بل هو مَوْكولٌ إلى اجْتهادِ الإِمام. ولأنَّ الجِزْيَةَ وجَبتْ صَغارًا أو عُقوبةً، فتخْتَلِفُ باخْتِلافِ أحْوالِهم، كالعُقوبةِ فى البَدَنِ؛ منهم مَنْ يُقْتَلُ، ومنهم مَنْ يُسْتَرَقُّ، ولا يصِحُّ كَوْنُها عِوَضًا عن سُكْنَى (٢٥) الدَّارِ؛ لأنَّها لو كانت كذلك، لَوَجَبَت على النِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنَى والمَكافيفِ. فصل: وحَدُّ اليَسارِ فى حَقِّهِمِ، ما عَدَّه النَّاسُ غِنًى فى العادةِ، وليس بمُقَدَّرٍ؛ لأنَّ التَّقْديراتِ بابُها التَّوْقيفُ، ولا تَوْقيف فى هذا، فرُجِعَ (٢٦) فيه إلى العادَةِ والعُرْفِ. فصل: إذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ، لزِمَ قَبُولُها، وحَرُم قِتالُهم.؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢٧). فجَعَلَ إعْطاءَ الْجِزْيَةِ غايةً لقتالِهم، فمتَى بذَلُوها، لم يجُزْ قتالُهم، وقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "فَادْعُهُم إلَى أدَاءِ الْجِزْيَةِ، فإنْ أجَابوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، كفّ عَنْهُمْ" (٢٨). وإِنْ قُلْنا: إنَّ الجِزْيَةَ غيرُ مُقدَّرَةِ الأثَرِ. لم يحْرُمْ قِتالُهم حَتَّى يُجِيبُوا إلى بَذْلِ ما لا يجوزُ طَلَبُ أَكْثَرَ منه، ممَّا يَحْتَمِلُه (٢٩) حالُهم. فصل: وَتَجِبُ الجِزْيَةُ فى آخرِ كل حَوْلٍ. وبه قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حَنِيفة: تَجِبُ بأَوَّلِه، ويُطالَبُ بها عَقِيبَ العَقْدِ، وَتَجِبُ الثانِيةُ فى أوَّلِ الحَوْلِ الثانى؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾. ولَنا، أنَّه مالٌ يتكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الحَوْلِ، أو يُؤْخَذُ فى
следующие страницы →