← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

الأحْكامِ؛ لأنَّ إعْطاءَ الْجِزْيَةِ إنَّما يكونُ فى آخرِ الحَوْلِ، والكَفَّ عنهم فى ابْتدائِه عندَ البَذْلِ، والمرادُ بقولِه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٣٨). أى يَلْتَزِمُوا الإِعْطاءَ، ويُجِيبُوا إلى بَذْلِه، كقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. والمرادُ بِه الْتزامُ ذلك دونَ حَقِيقَتِه؛ فإنَّ الزَّكاةَ إنَّما يجبُ أداؤُها عندَ الحَوْلِ؛ لقولِه ﵇: "لَا زَكاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" (٣٩). ١٦٨٨ - مسألة؛ قال: (ومَنْ سِوَاهُمْ، فَالْإِسْلَامُ أو الْقَتْلُ) يَعْنِى مَنْ سِوَى اليَهُودِ والنَّصارَى والمجُوسِ لا تُقْبَلُ منهم الْجِزْيَةُ، ولا يُقَرُّون بها، ولا يقْبَلُ منهم إِلَّا الْإِسْلَامُ، فإنْ لم يُسْلِمُوا قُتِلُوا. هذا ظاهِرُ مذهبِ أحمَدَ. ورَوَى عنه الحَسَنُ بنُ ثَوابٍ، أنَّها تُقْبَلُ من جميعِ الكُفَّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الأوْثانِ من العربِ؛ لأنَّ حديثَ بُرَيْدَةَ يدُلُّ بعُمومِه على قبولِ الْجِزْيَةِ من كلِّ كافِرٍ، إلَّا أَنَّه خَرَجَ منه عَبَدَةُ الأوثانِ من العربِ؛ لتَغَلُّظِ كُفْرِهم من وَجْهَيْن، أحدُهما، دِينُهم. والثانى، كَوْنُهم من رَهْطِ النَّبِىِّ ﷺ . وقال الشافِعِىُّ: لا تُقْبَلُ إلَّا من أهلِ الكتابِ والْمَجُوسِ، لكن فى أهلِ الكُتُبِ غيرِ اليَهُودِ والنَّصارَى، مثل أهلِ صُحُفِ إبراهيمَ وشِيثَ وزَبُورِ داوُدَ، ومَن تمسَّك بدينِ آدمَ وإدْرِيسَ، وَجْهان؛ أحدُهما، يُقَرُّون بالْجِزْيَةِ؛ لأنَّهم من أهلِ الكتاب، فأشْبَهُوا اليهودَ والنَّصارَى. وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ من جميعِ الكُفَّارِ إلَّا العربَ، لأَنَّهُم (١) رَهْطُ النَّبِىِّ ﷺ ، فلا يُقَرُّون على غيرِ دِينِه، وغيرُهم يُقَرُّ بالْجِزْيَةِ؛ لأنَّه يُقَرُّ بالاسْتِرْقاقِ، فأُقِرَّ (٢) بالْجِزْيَةِ، كالْمَجُوسِ. وعن مالِك، أنَّها تُقْبَلُ من جميعِهِمْ إلَّا مُشْرِكِى قرَيْشٍ؛ لأنَّهم ارْتَدُّوا. وعن الأَوْزَاعِىِّ، وسعيدِ بن عبد العزيز، أنَّها تُقْبَلُ من جميعِهم. وهو قولُ عبدِ الرحمن بن يَزِيدَ بن جابرٍ، لحديثِ بُرَيْدَةَ (٣)، ولأنَّه كافِرٌ، فيُقَرُّ بالْجِزْيَةِ، كأهلِ

стр. 6897

الكتاب. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤). وقول النَّبِىِّ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إلَّا اللَّهُ. فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا" (٥). وهذا عامٌّ خُصَّ منه أهلُ الكتابِ بالآيَةِ، والْمَجُوسُ بقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" (٦). فمَنْ عَداهم من الكُفَّارِ يَبْقَى على قَضِيَّةِ العُمومِ. وقد بَيَّنَّا أنَّ أهلَ [الصُحُفِ من] (٧) غيرِ أهلِ الكتابِ الْمُرادُ بالآيةِ فيما تقدَّم. فصل: وإذا عَقَدَ (٨) الذِّمَّةَ لكفارٍ زَعَمُوا أَنَّهم من أهلِ الكتابِ، ثمَّ تبَيَّنَ أَنَّهُم عَبَدَةُ أوْثانٍ (٩)، فالعَقْدُ باطِلٌ من أصْلِه. وإِنْ شَكَكْنا فيهم، لم ينْتَقِضْ عَهْدُهم بالشَّكِّ؛ لأنَّ الأصلَ صِحَّتُه، فإنْ أَقَرَّ بعضُهم بذلِك دونَ بَعْضٍ، قُبِلَ من المُقِرِّ فى نفسِه، فانْتَقَضَ عَهْدُه، وبَقِىَ فى (١٠) حَقِّ [مَنْ لم] (١١) يُقِرَّ بحالِه. ١٦٨٩ - مسألة؛ قال: (وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُم الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ؛ فَيُؤْخَذُ مِنْ أدْوَنِهمْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَمِنْ أوْسَطِهِمْ أرْبَعَة وعِشْرُونَ دِرْهَمًا، ومِنْ أَيْسَرِهِمْ ثَمانِيَةٌ وأَرْبَعُون دِرْهَمًا) الكلامُ فى هذه المسأَلَةِ فى فَصْلَيْن: أحدُهما، فى تقديرِ الجِزْيَةِ. والثانى، فى كِمِّيَةِ مِقْدارِها. فأمَّا الأوَّلُ ، ففيه ثلَاثُ رواياتٍ؛ إحْدَاها (١)، أَنَّها مُقَدَّرَةٌ بمقْدارٍ (٢) لا يُزادُ عليه، ولا

стр. 6898

يُنْقَصُ منه. وهذا قولُ أبى حنيفَةَ، والشافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَرَضَها مُقَدَّرَةً، بقولِه لمعُاذٍ: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ" (٣). وفَرَضَها عمرُ مُقَدَّرَةً بمَحْضَرٍ من الصحابَةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا. والثانِيَةُ، أنَّها غيرُ مُقَدّرَةٍ، بل يُرْجَعُ فيها (٤) إلى اجْتهادِ الإِمامِ فى الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ. قال الأَثْرَمُ: قيل لأبى عبد اللَّه: فيُزادُ اليومَ فيه (٥)، ويُنْقَصُ؟ [يعنى مِن (٦) الْجِزْيَةِ. قال: نعم، يُزادُ فيه ويُنْقَصُ] (٧) على قَدْرِ طاقَتِهم، على قَدْرِ ما يرَى الإِمامُ. وذكَر أَنَّهَ زِيدَ عليهم فيما مَضَى دِرْهمانِ، فجعَلَه خمسين. قال الخَلَّالُ: العملُ فى قولِ أبى عبد اللَّه على ما رَواه الجماعَةُ، [فإِنَّه قال] (٨): لا بَأْسَ للإِمامِ أَنْ يَزِيدَ فى ذلك ويَنْقُصَ (٩) على ما روَاه عنه أصْحابُه (١٠) فى عشرةِ مَواضِعَ، فاسْتَقَرَّ قولُه على ذلك. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، أَمَر مُعاذًا أَنْ يأْخُذَ من كلِّ حالِمٍ دِينارًا، وصالَحَ أهلَ نَجْرانَ على ألفَىْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فى صَفَر، والنِّصْفُ فى رَجَبٍ. روَاهما أبو دَاوُدَ (١١). وعمرُ جَعَلَ الجِزْيَةَ غلى ثلاثِ طَبَقاتٍ؛ على الغَنِىِّ ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى المُتوَسِّطِ أربعةً وعشرين درهمًا، وعلى الفقيرِ اثْنَىْ عشرَ درهمًا (١٢). وصالَحَ بنى تَغْلِبَ على مِثْلَىْ (١٣) ما على المسلمين من الزكاةِ (١٤). وهذا يدلُّ على أنَّها إلى رَأْى الإِمامِ، لولا ذلك

стр. 6899

لَكَانَتْ على قَدْرٍ واحدٍ فى جميعِ هذه الْمَواضِع، ولم يجزْ أَنْ تخْتلِفَ. قال البُخارِىُّ (١٥): قال ابنُ عُيَيْنَةَ: عن ابنِ (١٦) أبى نَجِيحٍ، قلتُ لِمُجاهِد: ما شأْنُ أهلِ الشامِ عليهم أربعةُ دنانيرَ، وأهلُ اليَمَنِ عليهم دينارٌ؟ قال: جُعِلَ ذلك من أجلِ اليسارِ. ولأنَّها عِوَضٌ فلم تَتَقَدَّرْ (١٧) كالأُجرَةِ. والرِّوايةُ الثالثة، أَنَّ أقلَّها مُقَدَّرٌ بدينارٍ، وأكثَرَها غيرُ مُقَدَّرٍ. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، فتجوزُ الزِّيادةُ، ولا يجوزُ النُّقْصانُ؛ لأنَّ عمرَ زادَ على ما فَرَضَ رسولُ اللَّه ﷺ ، ولم يَنْقُصْ منه. ورُوِىَ أنَّه زادَ. على ثمانيةٍ وأرْبَعِين، فجعلَها خَمْسِين (١٨). الفصل الثانى: أنَّنَا إذا قُلْنا بالرِّوايةِ الأُولَى، وأَنَّها (١٩) مُقَدَّرَةٌ، فقَدْرُها فى حَقِّ المُوسِر ثمانيةٌ وأربعون دِرْهما، وفى حَقِّ المُتوسِّطِ أربعةٌ وعشرون، وفى حَقِّ الفقيرِ اثْنا عَشَرَ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال مالك: هى فى حَقِّ الغَنىِّ أربعون درهمًا أو أربعةُ دنانيرَ، وفى حَقِّ الفقيرِ عشرةُ دراهمَ أو دِينارٌ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ (٢٠). وقال الشافِعِىُّ: الواجبُ دينارٌ فى حقِّ كلِّ واحدٍ؛ لحديثِ مُعاذ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَهُ أَنْ يأخُذَ من كلِّ حالمٍ دينارًا. رواه أبو داوُدَ، وغيرُه (٢١). إلَّا أَنَّ المُسْتَحَبَّ جَعْلُها على ثلاثِ طَبَقاتٍ، كما ذكرْناه؛ لنَخْرُجَ (٢٢) من الخِلافِ. قالوا: وقَضاءُ النَّبِىِّ ﷺ أوْلَى بالاتِّباعِ من غيرِه. ولَنا، حَديثُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو حَديثٌ لا شَكَّ فى صحَّتِه وشُهْرتِه بين الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّه عَنهم، وغيرِهم، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، ولا خالَفَ (٢٣) فيه، وعَمِلَ به مَنْ بعدَه من

стр. 6900

الخُلَفاءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فصارَ إِجْماعًا لا يجوزُ الخَطَأ عليه، وقد وافَقَ الشافِعِىُّ على اسْتِحبابِ العَمَلِ به. وأمَّا حديثُ مُعاذٍ، فلا يَخْلُو من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه فَعَلَ ذلك لِغَلَبَةِ الفَقْرِ عليهم، بدليلِ قَوْلِ مُجاهدٍ: إنَّ (٢٤) ذلك من أجْلِ اليَسارِ. والوَجْهُ الثانى، أَنْ يكونَ التَّقْديرُ غيرَ واجبٍ، بل هو مَوْكولٌ إلى اجْتهادِ الإِمام. ولأنَّ الجِزْيَةَ وجَبتْ صَغارًا أو عُقوبةً، فتخْتَلِفُ باخْتِلافِ أحْوالِهم، كالعُقوبةِ فى البَدَنِ؛ منهم مَنْ يُقْتَلُ، ومنهم مَنْ يُسْتَرَقُّ، ولا يصِحُّ كَوْنُها عِوَضًا عن سُكْنَى (٢٥) الدَّارِ؛ لأنَّها لو كانت كذلك، لَوَجَبَت على النِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنَى والمَكافيفِ. فصل: وحَدُّ اليَسارِ فى حَقِّهِمِ، ما عَدَّه النَّاسُ غِنًى فى العادةِ، وليس بمُقَدَّرٍ؛ لأنَّ التَّقْديراتِ بابُها التَّوْقيفُ، ولا تَوْقيف فى هذا، فرُجِعَ (٢٦) فيه إلى العادَةِ والعُرْفِ. فصل: إذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ، لزِمَ قَبُولُها، وحَرُم قِتالُهم.؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢٧). فجَعَلَ إعْطاءَ الْجِزْيَةِ غايةً لقتالِهم، فمتَى بذَلُوها، لم يجُزْ قتالُهم، وقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "فَادْعُهُم إلَى أدَاءِ الْجِزْيَةِ، فإنْ أجَابوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، كفّ عَنْهُمْ" (٢٨). وإِنْ قُلْنا: إنَّ الجِزْيَةَ غيرُ مُقدَّرَةِ الأثَرِ. لم يحْرُمْ قِتالُهم حَتَّى يُجِيبُوا إلى بَذْلِ ما لا يجوزُ طَلَبُ أَكْثَرَ منه، ممَّا يَحْتَمِلُه (٢٩) حالُهم. فصل: وَتَجِبُ الجِزْيَةُ فى آخرِ كل حَوْلٍ. وبه قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حَنِيفة: تَجِبُ بأَوَّلِه، ويُطالَبُ بها عَقِيبَ العَقْدِ، وَتَجِبُ الثانِيةُ فى أوَّلِ الحَوْلِ الثانى؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾. ولَنا، أنَّه مالٌ يتكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الحَوْلِ، أو يُؤْخَذُ فى

стр. 6901

آخرِ كُلِّ حَوْلٍ، فلم يَجِبْ (٣٠) بأوَّلِه، كالزَّكاةِ والدِّيَةِ، وأمَّا الآيةُ، فالمرادُ بها الْتزامُ إعْطائِها، دونَ نَفْسِ الإِعْطاءِ، ولهذا يَحْرُمُ قِتالُهم بمُجَرَّدِ بَذْلِها قَبْلَ أخْذِها. فصل: وتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ ممَّا يُسِّرَ من أمْوالِهم، ولا يتَعيَّنُ أخْذُها من ذهبٍ ولا فِضَّةٍ. نَصَّ عليه أحمد. وهو قولُ الشافِعىّ، وأبى عُبَيْدٍ، وغيرِهم؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا بَعَثَ مُعاذًا إلى اليمن، أمرَه أَنْ يأْخُذَ من كلِّ حالمٍ دينارًا، أو عِدْلَه مَعَافِرَ. وكان النَّبِىُّ ﷺ يأْخُذُ من نَصارَى نَجْرانَ ألْفَىْ حُلَّةٍ. وكان عمرُ يُؤْتَى بنَعَمٍ كثيرةٍ، يأخذُها من الجِزْيَةِ. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يأخُذُ الْجِزْيَةَ من كلِّ ذى صَنْعَةٍ من مَتاعِه، من صاحبِ الإِبَرِ إبَرًا، ومن صاحِبِ المَسالِّ مَسالًّا، ومن صاحِبِ الحِبالِ حِبالًا، ثم يدْعُو الناسَ فيُعْطِيهم الذَّهبَ والفِضَّةَ فيقْتَسِمُونَه (٣١)، ثم يقول: خُذُوا فاقْتَسِمُوا. فيقولون: لا حاجَةَ لنا فيه. فيقول: أخَذْتُم خِيَارَه، وترَكْتُم شِرارَه، لتَحْمِلُنَّه (٣٢). وإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُؤْخَذُ بالْقِيمَةِ؛ لقوله ﵇: "أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ". فصل: ولا يَصِحُّ عَقْدُ الذِّمَّةِ والهُدْنَةِ إلَّا من الإِمامِ أو نائِبِه. وبهذا قال الشافِعىُّ، ولا نعلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّ ذلك يتعَلَّقُ بنظَرِ الإِمامِ وما يَراه من المَصْلَحَةِ، ولأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤبَّدٌ، فلم يجُزْ أَنْ يُفْتاتَ به على الإِمامِ. فإنْ فَعَلَه غيرُ الإِمامِ أو نائِبِه، لم يَصِحَّ، لكنْ إنْ عَقَدَه (٣٣) على ما لا يَجوزُ أَنْ يُطْلَبَ فهم أكثرُ منه، لَزِمَ الإِمامَ إجابَتُهم إليه، وعَقْدُها عليه. فصل: ويجوزُ أنْ يُشْرَطَ (٣٤) عليهم فى عَقْدِ الذِّمَّةِ ضِيافَةُ مَنْ يَمُرُّ بهم من المسلمين؛ لما رَوَى الإِمامُ أحمدُ، بإِسْناده عن الأَحْنَفِ بن قَيْس، أن عمرَ شَرَطَ [على أهلِ الذِّمَّة] (٣٥)

стр. 6902

ضِيافَةَ يوِمٍ وليلةٍ، وأنْ يُصْلِحُوا الْقناطِرَ، وإِنْ قُتِلَ رجلٌ من المسلمين بأرْضِهم فعليهم دِيَتُه (٣٦). قال ابنُ المُنْذِرِ: ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قَضَى على أهلِ الذِّمَّةِ ضِيافَةَ مَنْ يَمُرُّ بهم من المسلمين ثلاثةَ أيامٍ، وعَلَفَ دَوابِّهم، وما يُصْلِحُهم (٣٧). ورُوىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ضرَب على نَصارَى أيْلَةَ (٣٨) ثلاثَمائةِ دينارٍ، وكانوا ثلاثَمائةِ نَفْسٍ، فى كلِّ سنةٍ، وأنْ يُضِيفُوا مَنْ مَرَّ (٣٩) بهم من المسلمين ثلاثةَ أيامٍ (٤٠). ولأنَّ فى هذا ضَرْبًا من المَصْلَحَةِ؛ لأنَّهم ربما امْتَنَعُوا من مُبايَعَةِ المسلمين إضْرارًا بهم، فإذا شُرِطَتْ عليهم الضِّيافَةُ، أُمِنَ ذلك، وإِنْ لم تُشْترَطِ الضِّيافَةُ عليهم، لم تجبْ. ذكرَه القاضِى. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ. ومن أصحابنا من قال (٤١): تجِبُ بغيرِ شَرْطٍ؛ كوُجُوبِها (٤٢) على المسلمين. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه أداءُ مالٍ، فلم يَجِبْ بِغَيْر رِضَاهم، كالجِزْيَةِ. فإن شَرَطَها عليهم، فامْتَنَعُوا من قَبُولِها، لم تُعْقَدْ لهم الذِّمّةُ. وقال الشافعىُّ: لا يجوزُ قِتالُهم عليها. ولَنا، أنَّه شَرْطٌ سائِغٌ، امْتَنَعُوا من قَبُولِه، فقُوتِلُوا عليه، كالجِزْيَةِ. فصل: ذكرَ القاضِى، أنَّه إذا شَرَطَ الضيافَةَ، فإنَّه يُبَيِّنُ أيَّامَ الضِّيافَةِ، وعدَدَ مَنْ يُضافُ من الرَّجَّالَةِ والفُرْسانِ؛ فيقول: تُضِيفُون فى كلِّ سنةٍ مائةَ يومٍ، [كلَّ يوِمٍ] (٤٣) عشرةً من المسلمين، من خُبْزِ كذا، وأُدْمِ كذا، وللفَرَسِ من التِّبْنِ كذا، ومن الشَّعِيرِ كذا. فإنْ شَرَطَ الضِّيافةَ مطْلَقًا، صَحَّ فى الظاهِرِ؛ لأنَّ عمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، شَرَطَ عليهمِ ضِيافَةَ مَنْ يَمُرُّ بهم من المُسْلِمين، من غيرِ عَدَدٍ ولا تَقْديرٍ. قال أبو بكر: وإذا (٤٤) أَطْلَقَ مُدَّةَ

стр. 6903

الضِّيافَةِ، فالواجِبُ يومٌ وليلةٌ؛ لأنَّ ذلك الواجِبُ على المسلمين، ولا يُكَلَّفُونَ الذَّبِيحَةَ، ولا ضيافَتَهم بأَرْفَعَ مِن طَعامِهم؛ لأنَّه يُرْوَى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّهُ شَكَا إليه أهلُ الذِّمَّةِ أَنَّ المُسْلِمين يُكَلِّفُوَنهُم الذَّبِيحَةَ، فقال: اطْعِمُوهم ممَّا تَأْكُلُون (٤٥). وقال الأوْزاعِىُّ: ولا يُكَلَّفُونَ الذَّبِيحَةَ، ولا الشَّعِيرَ. وقال القاضى: إذا وَقَعَ الشَّرْطُ مُطْلَقًا لم يلزَمْهم الشَّعِيرُ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يلْزَمَهم ذلك للخَيْلِ؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ به (٤٦)، فهو كالخُبْزِ للرَّجُلِ. وللمُسْلِمين النُّزولُ فى الكَنائِسِ والْبِيَعِ؛ فإنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صالَحَ أهلَ الشامِ على أَنْ يُوَسِّعُوا أبوابَ بِيَعِهم وكنائِسِهم لمَنْ يجتازُ بهم من المسلمين، لِيَدْخُلُوها رُكْبانًا (٤٧). فإنْ لم يجِدُوا مكانًا، فلهم النُّزُولُ فى الأَفْنِيَةِ وفضولِ المنازلِ، وليس لهم تَحْويلُ صاحبِ المنزلِ منه. والسَّابِقُ إلى منزلٍ أحَقُّ به ممَّنْ يأْتِى بعدَه. فإن امتنَعَ بعضُهم من القِيام بما شَرَط، أُجْبِرَ عليه، فإن امْتَنَعَ الجميعُ، أجْبِرُوا، فإنْ لم يُمْكِنْ إلَّا بالمُقاتَلَةِ، قُوتِلُوا، فإنْ قاتَلُوا، فقد نَقَضُوا العَهْدَ. فصل: وتُقْسَمُ الضِّيافَةُ بينهم على قَدْرِ جِزْيَتِهم، فإنْ جَعَلَ الضِّيافَةَ مكانَ الجِزْيَةِ، جاز؛ لما رُوِىَ أنّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كتَبَ فى الجاهِلِيَّةِ لِراهِبٍ من أَهْلِ الشام: إنَّنِى إنْ وَلِيتُ هذه الأرْضَ، أَسْقَطْتُ عَنكَ خَراجَكَ. فلمَّا قَدِمَ الْجابِيَةَ (٤٨)، وهو أميرُ المؤمنين، جاءَه بكتابِه، فعَرَفَه، وقال: إنَّنِى جَعَلْتُ لك ما ليس لى، ولكنْ اخْتَرْ؛ إنْ شِئْتَ أداءَ الخَراجِ، وإِنْ شئْتَ أَنْ تُضِيفَ المسلمين. فاخْتارَ الضِّيافَةَ. ويُشْتَرَطُ عليه ضِيافةٌ يبْلُغُ قَدرُها أقلَّ الجِزْيَةِ، إذا قُلْنا: الجِزيةُ مُقَدَّرَةُ الأَقَلِّ. لئلَّا يَنْقُصَ خَراجُه عن أقَلِّ الجِزْيَةِ، وذُكِر أنَّ مِن الشُّروطِ الفاسدةِ، اشْتراطُ الاكْتفاءِ بضِيَافَتِهم عن جِزْيَتِهم؛

стр. 6904

لأنَّ اللَّه تعالى أَمَرَ بقتالِهم مَمْدُودًا إلى إعْطاءِ الجِزْيَةِ، فإذا (٤٩) لم (٥٠) يُعْطِها، كان قِتالُه (٥١) مُباحًا. ووَجْهُ الأوَّلِ اشْتراطُ مالٍ، يَبْلُغُ قَدْرَ الجِزْيَةِ، فجازَ، كما لو شَرَطَ عليهم عِدْلَ الجِزْيَةِ مَعَافِرَ. فصل: وإذا شَرَطَ فى عَقْدِ الذِّمَّةِ شَرْطًا فاسِدًا، مثلَ أَنْ يشْتَرِطَ أن لا جزْيَةَ عليهم، أو إظهارَ المُنْكَرِ، أو إسْكانَهُم الحجازَ، أو إدخالَهم الحَرَمَ، ونحوَ هذا الشَّرْطِ (٥٢)، فقال القاضى: يَفْسُدُ العَقْدُ به؛ لأنَّه شَرَطَ فِعْلَ مُحَرَّمٍ، فأَفْسَدَ العَقْدَ، كما لو شَرَطَ قِتالَ المسلمين. ويَحْتَمِلُ أن يفْسُدَ الشَّرْطُ وَحْدَه، ويَصِحَّ العَقْدُ، بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ فى البيعِ والمُضاربَةِ. ١٦٩٠ - مسألة؛ قال: (وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِىٍّ، وَلَا زائِلِ الْعَقْلِ، وَلَا امْرَأةٍ) لا نَعْلَمُ بين أهل العلْمِ خلافًا فى هذا. وبه قال مالِك، وأبو حنيفة، وأصحابُه، والشافِعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال ابنُ المُنْذِر: ولا أعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم. وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا، أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كتَبَ إلى أمَراءِ الأجْنادِ، أن اضْرِبُوا الجِزْيَةَ، ولا تَضْرِبُوهَا على النِّساء والصِّبْيانِ، ولا تَضْرِبُوها إلَّا على مَنْ جَرَت عليه الْمَواسِى. روَاه سعيدٌ، وأبو عُبَيْدٍ، والأَثْرَمُ (١). وقولُ النَّبِىَّ ﷺ لمُعاذ: "خُذْ مِن كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا" (٢) دليلٌ على أنَّها لا تَجِب على غَيْرِ بالغٍ. ولأنَّ الجِزْيَةَ (٣) تُؤْخَذُ لحَقْنِ الدَّمِ، وهؤلاء دِماؤُهم مَحْقُونَةٌ بِدُونِها. فصل: وإن بَذَلَتِ المَرْأةُ الجِزْيَةَ، أُخْبِرَت أنَّها لا جِزْيَةَ عليها، فإنْ قالت: فأنا

стр. 6905

تبَرَّعُ بها. أو: أنا أُؤَدِّيها. قُبِلَت منها، ولم تكُنْ جِزْيةً، بل هِبَة تَلْزَمُ بالقَبْضِ. فإنْ شَرَطَتْه على نَفْسِها، ثم رَجَعَتْ، كان لها ذلك. وإِنْ بَذَلَت الجزْيَةَ؛ لتَصِيرَ (٤) إلى دارِ الإِسْلامِ، مُكِّنَتْ من ذلك بغيرِ شىءٍ، ولكن يُشْتَرَطُ عليها التزامُ أَحْكامِ الإِسلامِ، وتُعْقَدُ لها الذِّمَّةُ، ولا يُؤْخَذُ منها شىءٌ، إلَّا أَنْ تَتَبَرَّعَ به بعدَ مَعْرِفَتِها أنَّه لا شىءَ عليها. وإِنْ أُخِذَ منها شىءٌ على غيرِ ذلك، رُدَّ إليها؛ لأنَّها بَذَلَتْه مُعْتَقِدَةً أنَّه عليها، وأنَّ دَمَها لا يُحْقَنُ إلَّا بِه، فأشْبَهَ مَن أدَّى مالًا إلى مَنْ يعْتَقِدُ أنَّه له، فَتَبَيَّن أنَّه ليس له. ولو حاصَرَ المسلمون حِصْنًا ليس فيه إلَّا نِساءٌ، فبَذَلْنَ الجِزْيَةَ؛ لتُعْقَدَ لهُنَّ الذِّمَّةُ، عُقِدَت لَهُنَّ بغير شىءٍ، وحَرُمَ اسْتِرْقاقُهنَّ، كالتى قبلَها سَواءً. فإنْ كان فى الحِصْنِ معهنَّ رجالٌ، فسألُوا (٥) الصُّلْحَ، لتكونَ الجِزْيَةُ على النِّساءِ والصِّبْيان دونَ الرِّجالِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّهم جَعَلُوها على غير مَنْ هى عليه، وبَرَّأُوا مَنْ تَجِب عليه. وإِنْ بَذَلُوا جِزْيَةً عن الرِّجالِ، ويؤدُّوا (٦) عن النِّساءِ والصِّبيان من أمْوالِهم، جازَ، وكان ذلك زيادَةً فى جِزْيَتِهم. وإِنْ كان من أموالِ النِّساءِ والصِّبْيانِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّهم يَجْعلُونَ الجِزْيَةَ على مَنْ لا تَلْزَمُه. فإنْ كان القَدْرُ الذى بذَلُوه من أموالِهم ممَّا يُجْزِئُ فى الجزْيَةِ، أُخِذَ منهم، وسَقَطَ الباقِى. فصل: ومَنْ بَلَغ من أولادِ أهلِ الذِّمَّةِ، أو أفاقَ من مَجانِينِهم، فهو من أَهْلِها بالعَقْدِ الأوَّلِ، لا يحْتاجُ إلى اسْتئنافِ عَقْدٍ له. وقال القاضى، فى موضِعٍ: هو مُخَيَّرٌ بيْنَ الْتِزامِ العَقْدِ وبَيْنَ أَنْ (٧) يُرَدّ إلى مَأْمَنِه، فإنْ اختارَ الذِّمَّةَ، عُقِدَت له، وإلَّا أَلْحِقَ بمَأْمَنِه. وهو قولُ الشافِعِىّ. ولَنا، أنَّه لم يأْتِ عن النَّبِىّ ﷺ ، ولا عن أحدٍ من خُلَفائِه، تَجْديدُ العَقْدِ لهؤلاء، ولأنَّ العقدَ يكونُ مع سادَتِهم، فيَدْخُل فيه سائِرُهم، ولأنَّه عَقْدُ عَهْدٍ مع الكُفَّارِ، فلم يَحْتَجْ إلى اسْتِئنافِه لذلك، كالهُدْنَةِ، ولأنَّ الصِّغارَ والمجانِينَ دخَلُوا فى العَقْدِ، فلم يحْتَجْ إلى تجْدِيده لهم عندَ تَغَيُّرِ أحوالِهم، كغيرِهم، ولأنَّه عَقْدٌ دَخَلُوا (٨) فيه، فَيَلْزَمُهم بعدَ البُلوغِ والإِفاقَةِ، كالإِسلامِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنْ كان البلوغُ والإِفاقةُ فى

стр. 6906

أوَّلِ حَوْلِ قومِه، أُخِذَ منه فى آخِرِه معَهم، وإِنْ كان فى أثْناءِ الحَوْلِ، أُخِذَ منه عندَ تَمامِ الحَوْلِ بقِسْطِه، ولم يُتْرَكْ حتَّى يتمَّ حَوْلُه، لئلَّا يحْتاجَ إلى إفْرادِه بحَوْلٍ وضبْطِ حوْلِ كلِّ إنسانٍ منْهم، وربَّما أَفْضَى إلى أَنْ يصيرَ لكلِّ واحدٍ حولٌ مُفْرَدٌ (٩). فصل: ومَن كان يُجَنُّ ويُفيقُ، فله ثلاثةُ أحْوالٍ، أخدُها، أن يكونَ جُنونُه غيرَ مَضْبُوطٍ، مثل مَن (١٠) يُفِيقُ [ساعةً من أيَّامٍ أو من يومٍ] (١١)، أو يُصْرَعُ [ساعةً من أيَّامٍ أو من يَوْمِ] (١١)، فهذا يُعْتَبَرُ حالُه بالأَغْلَبِ؛ لأنَّ مُدّةَ الإِفاقةِ (١٢) غيرُ مُمْكِنٍ مُراعاتُها، لَتَعذُّرِ ضَبْطِها. الثانى، أن يكونَ مَضْبُوطًا، مثل من يُجَنُّ يومًا ويُفِيقُ يومَيْنِ، أو أقَلَّ من ذلك، أو أكْثَرَ، إلَّا أنَّه مَضْبُوطٌ، ففيه وَجْهان، أحدُهما، يُعْتَبَرُ الأغْلبُ من حالِه. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّه يُجَنُّ ويُفيقُ، فيُعْتَبَرُ الأَغْلَبُ من حالِه، كالأوَّلِ. والثانى، تُلَفَّقُ أيَّامُ إفاقتِه؛ لأنَّه لو كان مُفِيقًا فى الكُلِّ، وجَبَت الجِزْيَةُ، فإذا وُجِدَت الإِفاقَةُ فى بعضِ الحَوْلِ، وجَبَ فيما (١٣) يَجب به (١٤) لو انْفَرَدَ. فعلى هذا الوَجْهِ، فى أخْذِ الجِزْيَةِ وجْهان؛ أحدُهما، أَنَّ أيامه تُلَفَّقُ، فإذا كَمَلَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ منه؛ لأنَّ أخْذَها قبلَ ذلك، أَخْذٌ لجِزْيَتِه قبلَ كَمالِ الحَوْلِ، فلم يَجُزْ، كالصَّحِيحِ. والثانى، يُؤْخَذُ منه فى آخِرِ كلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ ما أفاقَ منه، كما لو أفاقَ فى بعضِ الحَوْلِ إفاقَةً مُسْتَمِرَّةً. وإِنْ كان يُجَنُّ ثُلُثَ الحوْلِ، ويُفِيقُ ثُلُثَيْه، أو بالعَكْس، ففيه الوَجْهان. كما ذكرْنا. فإن اسْتَوَت إفاقَتُه وجنُونُه، مثل مَنْ (١٥) يُجَنُّ يومًا ويُفيقُ يومًا، أو يُجَنُّ نصفَ الحَوْلِ ويُفِيقُ نصْفَه عادةً، لُفِّقَتْ إفاقَتُه؛ لأنَّه تعذَّرَ اعتبارُ الأَغْلَبِ لعَدَمِه، فتَعَيَّنَ الاحْتمالُ الآخَرُ. الحالُ الثالثُ، أَنْ يُجَنَّ نصفَ حوْلٍ، ثم يُفِيقَ إفاقَةً مُسْتَمِرَّةً، أو يُفِيقَ

стр. 6907

نصفَه، ثم يُجَنَّ جُنونًا مُسْتَمِرًّا، فلا جِزْيَةَ عليه فى الثانى، وعليه فى الأوَّلِ من الجِزْيَةِ بقَدْرِ ما أفاقَ من الحَوْلِ، على ما تَقَدَّمَ شَرْحُه. واللَّهُ أعلمُ. ١٦٩١ - مسألة؛ قال: (وَلَا عَلَى فَقِيرٍ) يعنى الفقِيرَ العاجِزَ عن أدائِها. وهذا أحَدُ أقْوالِ الشافِعِىِّ. وقال فى الآخَرِ: يجِبُ عليه؛ لقَوْلِه ﵇: "خُذْ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا" (١). ولأنَّ دَمَهُ غيرُ مَحْقُونٍ، فلا تَسْقُطُ عنه الجِزْيَةُ، كالقادِرِ (٢). ولَنا، أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَعَلَ الجِزْيَةَ على ثلاثِ طَبَقاتٍ، جعَل أدْناها على الفقيرِ المُعْتَمِلِ (٣)، فيدُلُّ على أَنَّ غيرَ المُعْتَمِلِ لا شىءَ عليه، ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤). ولأنَّ هذا مالٌ يجِبُ بِحُلُولِ الحَوْلِ، فلا يلْزَمُ الفقيرَ العاجِزَ، كالزَّكاةِ والعَقْلِ، ولأنَّ الخَراجَ ينْقَسِمُ إلى خَراجِ أرضٍ، وخَراجِ رُءوسٍ، ثم ثَبَتَ أَنَّ خَراجَ الأرْضِ على قَدْرِ طاقَتِها، وما لا طاقَةَ له لا شىءَ عليه، كذلك خَراجُ الرُّءُوسِ. وأمَّا الحديث، فيَتَناوَلُ الأخْذَ ممَّن يُمْكِنُ الأخْذُ منه، ومَنْ لا يُمْكِنُ الأخْذُ منه، فالأَخْذُ منه مُسْتَحِيلٌ، فكيف يُؤْمَرُ به! ١٦٩٢ - مسألة؛ قال: (ولَا شَيْخٍ فَانٍ، ولَا زَمِنٍ، ولَا أَعْمَى) هؤلاء الثلاثةُ ومَنْ فى مَعْناهُم ممَّنْ بة داءٌ لا يسْتطيعُ معه القِتالَ، ولا يُرْجَى بُرْؤُه، لا جِزْيَةَ عليهم. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْه: عليهم الجِزْيَةُ، بِناءً على قَتْلِهم. وقَدْ سَبَقَ قولُنا فى أنَّهم لا يُقْتَلُون (١)، فلا تَجِبُ عليهِم الجِزْيَةُ، كالنِّساءِ والصبِّيْان.

стр. 6908

١٦٩٣ - مسألة؛ قال: (ولَا عَلَى (١) سَيِّد عَبْدٍ عَنْ عَبْدِهِ، إِذَا كَانَ السَّيِّدُ مُسْلِمًا) لا خلافَ فى هذا نَعْلَمُه؛ لأنَّه يُرْوَى عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ" (٢). وعن ابن عمرَ مثلُه (٢). ولأنَّ ما لَزِمَ العَبْدَ إنَّما يُؤَدِّيه سَيِّدُه، فيُؤَدِّى إيجابُه على عَبْدِ المُسْلِمِ إلى إيجابِ الجِزْيَةِ على مسلمٍ. فأمَّا إنْ كان العبدُ لكافرٍ، فالمنصوصُ عن أحمدَ، أنَّه لا جِزْيَةَ عليه أيضًا. وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلْمِ، على أنَّه لا جِزْيَةَ على العبدِ. وذلك لما ذكرْنا (٣) من الحديث، ولأنَّه مَحْقُونُ الدَّمِ، فأشْبَهَ النِّساءَ والصِّبْيانَ، أو لا مالَ له، فأشْبَهَ الفقيرَ العاجِزَ. ويَحْتَمِلُ كلامُ الْخِرَقِىَ إيجابَ الجِزْيَةِ عليه يُؤَدِّيها سَيِّدُه. ورُوِىَ ذلك نَصًّا (٤) عن أحمدَ. ورُوىَ عن عمَرَ بن الخطَّاب، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أهلِ الذِّمَّةِ، ولا مِمَّا فى أَيْدِيهم؛ لأنَّهُم أهلُ خَراجٍ، يَبِيعُ بعضُهم بعضًا، ولا يُقِرَّنَّ أحدُكم بالصَّغارِ بعدَ إذْ أنْقَذَه اللَّهُ منه (٥). قال أحمدُ: أرادَ عمرُ (٦) أَنْ يُوَفِّرَ الْجِزيَةَ؛ لأنَّ المسلمَ إذا اشْتراه سَقَطَ عنه أداءُ ما يُؤْخَذُ منه، والذِّمِّىُّ يُؤَدِّى عنه وعن مَمْلوكِه خَراجَ جَماجِمِهم. ورُوِى عن علىٍّ مثلُ حديثِ عمَرَ (٧). ولأنَّه ذَكَرٌ مُكَلَّفٌ قوِىٌّ مكتَسِبٌ، فوجَبَت عليه الجِزْيَةُ، كالحُرِّ. والأوَّلُ أَوْلَى. فصل: ومَنْ بَعْضُه حُرٌّ، فقياسُ المذهبِ أَنَّ عليه من الجِزْيَةِ بقَدْرِ ما فيه من الحُرِّيَّةِ؛

стр. 6909

لأنَّه حُكْمٌ يتجَزَّأ، يخْتلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فيُقْسَمُ على قَدْرِ ما فيه، كالإِرْثِ. فصل: ولا جِزْيَةَ على أهلِ الصَّوامِعِ من الرُّهْبانِ. ويَحْتَمِلُ وُجوبَها عليهم. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافِعِىّ. ورُوِىَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه فرَضَ على رُهْبانِ الدِّياراتِ الجِزْيَةَ على كُلِّ راهِبٍ دينارَيْن (٨). وَوَجْهُ ذلك عمومُ النُّصوصِ، ولأنَّه كافرٌ صحيحٌ قادرٌ على أداءِ الجِزْيَةِ، فأَشْبَهَ الشَّمَّاسَ (٩). ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّهم مَحْقُونون بدُونِ الجِزْيَةِ، فلم تجِبْ عليهم، كالنِّساء، وقد ذكرْنا أنَّه يحْرُمُ قَتْلُهم (١٠)، والنُّصوصُ مخصوصَةٌ بالنِّساءِ، وهؤلاء فى مَعْناهُنَّ، ولأَنَّه لا كَسْبَ له، فأشْبَهَ الفقيرَ غيرَ المُعْتَمِلِ. ١٦٩٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزيةُ، فَأسْلَمَ قَبْلَ أَنْ تُؤْخذَ مِنْهُ، سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزيةُ) وجُمْلَتُه أن الذِّمِّىَّ إذا أسْلَمَ فى أثناءِ الحَوْلِ، لم تجِبْ عليه الجِزْيَةُ، وإِنْ أسْلَمَ بعدَ الحَوْلِ سقَطَتْ عنه. وهذا قولُ مالك، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِر: إنْ أسْلَمَ بعد الحَوْلِ، لم تسقُطْ؛ لأنَّه (١) دَيْنٌ يسْتحِقُّه (٢) صاحبُه، واسْتَحَقَّ المُطالَبَةَ به فى حالِ الكُفْرِ، فلمْ يَسْقُطْ بالإِسلامِ، كالخراجِ وسائرِ الدُّيُونِ. وللشافِعِىِّ فيما إذا أسْلم فى أثناءِ الحولِ قَوْلان؛ أحدُهما، عليه من الجِزْيَةِ بالقِسْطِ، كما لو أفاقَ بعضَ (٣) الحَوْلِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤). ورَوَى ابنُ عباسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ". رَواه الخَلَّالُ (٥). وذكَرَ أَنَّ أحمَد سُئِلَ عنه، فقال:

стр. 6910

ليس يَرْوِيهِ غيرُ جَرِيرٍ. قال أحمدُ: وقد رُوِى عن عمرَ أنَّه قال: إنْ أخَذَها فى كَفِّه (٦) ثم أسْلَمَ، رَدَّها عليه. ورُوِىَ عن النَّبِىّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا يَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَدِّىَ الْخَرَاجَ" (٧). يعنى الجِزْيَةَ. ورُوِى أَنَّ ذِمِّيًّا أسْلَمَ، فطُولِبَ بالجِزْيَةِ، وقيل: إنَّما أسْلَمْتَ تَعَوُّذًا. قال: إنَّ فى الإِسلامِ مَعاذًا. فرُفِعَ إلى عمرَ، فقال عمرُ: إنَّ فى الإِسلامِ مَعاذًا. كتَب ألَّا تُؤْخَذَ منه الجِزْيَةُ. رواه أبو عُبَيْدٍ بنحوٍ من هذا المعنى (٨). ولأنَّ الجِزْيَةَ صَغارٌ، فلا تُؤْخَذُ منه، كما لو أسْلَمَ قبلَ الحَوْلِ، ولأنّ الجِزْيَةَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ بسَبَبِ الكُفْرِ، فيسْقِطُها الإِسْلامُ، كالقَتْلِ. وبهذا فارَق سائِرَ الدُّيونِ. فصل: وإن ماتَ الذِّمِّىُّ بعدَ الحَوْلِ، لم تَسْقُط الجِزْيَةُ عنه، فى ظاهِرِ كلامِ أحمد. ذكَره أحمدُ. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ. وحكى أبو الخَطَّابِ، عن القاضى، أنَّها تسقُطُ بالمَوْتِ. وهو قولُ أيى حنيفةَ. ورواه أبو عُبَيْدٍ (٩) عن عمرَ بنِ عبد العزيز؛ لأنَّها عُقوبَةٌ، فتسقُطُ بالموتِ، كالحدودِ، ولأنَّها تسْقطُ بالإِسلامِ، فتَسْقطُ بالموتِ، كما قبلَ الحَوْلِ. ولَنا، أنَّه دَيْنٌ وجَبَ عليه فى حياتِه، فلمْ يَسْقُطْ بمَوْتِه، كدُيونِ الآدَمِيِّين، والحدُّ يسْقُط بفَواتِ مَحلِّه، وتَعذُرِ اسْتيفائِه، بخلافِ الجِزْيَةِ. وفارَق الإِسْلامَ؛ فإنَّه الأَصْلُ، والجِزْيَةُ بَدَلٌ عنه، فإذا أتى بالأَصْلِ اسْتَغْنَى عن البدَلِ، كمَنْ وجَدَ الماءَ لا يَحْتاجُ معه إلى (١٠) التَّيَمُّمِ، بخلافِ الموتِ، ولأنَّ الإِسلامَ قُربَةٌ وطاعةٌ، يصْلُحُ أَنْ يكونَ مَعاذًا من الجِزْيَةِ، كما ذكر عمرُ، رَضىِ اللَّه عنه، والموتُ بخلافِه.

стр. 6911

فصل: ولا تتداخَلُ الجِزْيَةُ، بل (١١) إذا اجْتمَعتْ عليه جِزْيَةُ سِنِين، اسْتُوفِيَتْ (١٢) كلُّها. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: تتَداخلُ؛ لأنَّها عُقوبَةٌ، فتتداخَلُ، كالحُدودِ. ولَنا، أنَّها (١٣) حَقٌّ مَالِىٌّ (١٤)، يجِبُ فى آخِرِ كلِّ حَوْلٍ، فلم تتداخَلْ، كالدِّيَةِ. ١٦٩٥ - مسألة؛ قال: (وإِذَا أُعْتِقَ، لَزِمَتْهُ الْجِزيةُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ، سَوَاءٌ كَانَ المُعْتِقُ لَهُ مُسْلِمًا أو كَافِرًا) هذا الصَّحِيحُ عن أحمدَ، روَاه عنه جماعةٌ. ورُوِى ذلك عن عمرَ بن عبد العزيز. وبه قال سُفيانُ، واللَّيْثُ، وابنُ لَهِيعَةَ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، يُقَرُّ بغَيْرِ جِزْيَةٍ. ورُوِىَ نحوُ هذا عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ الولاءَ شُعْبَةٌ من الرِّقِّ، وهو ثابِتٌ عليه. ووَهَّنَ الخلالُ هذه الرِّوايةَ، وقال: هذا قولٌ قديمٌ، رجَعَ عنه أحمدُ، والعملُ على ما روَاه الجماعةُ. وعن مالكٍ كقَوْلِ الجماعةِ. وعنه، إنْ كان المُعْتِقُ له مُسْلِمًا، فلا جِزْيَةَ عليه؛ لأنَّ عليه الولاءَ لمُسْلمٍ، فأشْبَهَ ما لو كان عليه الرِّقُّ. ولَنا، أنَّه حرٌّ مُكلَّفٌ مُوسِرٌ من أهل القتالِ (١)، فلم يُقَرَّ فى دارِنا بغَيْرِ جِزْيَةٍ، كالحُرِّ الأصْلِىِّ. فإذا ثَبَت هذا، فإنَّ حُكْمَه فيما يُسْتَقْبَلُ من جِزْيَتِه حكمُ من بَلَغَ من صِبْيانِهم، أو أفاقَ من مَجانينِهِم، على ما مَضَى. ١٦٩٦ - مسألة؛ قال: (ولا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصارَى بَنِى تَغْلِبَ، وتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ومَوَاشِيهِمْ وثَمَرِهِمْ، مِثْلَىْ مَا يُؤْخذُ مِنَ الْمُسْلِمينَ) بنو تغْلِبَ بن وائل، من العربِ، من رَبِيعةَ بن نِزَارٍ، انْتَقَلُوا فى الجاهِليَّةِ إلى النَّصْرانِيَّةِ،

стр. 6912

فدَعاهُم عمرُ إلى بَذْلِ الجِزْيَةِ، فأَبَوْا، وأَنِفُوا، وقالُوا: نحنُ عَرَبٌ، خُذْ منَّا كما يأخُذُ بعضُكم من بعضٍ باسمِ الصَّدَقةِ. فقال عمرُ: لا آخُذُ من مُشْرِكٍ صَدَقةً. فلحِقَ بعضُهم بالرُّومِ، فقال النعمانُ بنُ زُرْعَةَ: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ القومَ لهم بأْسٌ وشِدَّةٌ (١)، وهم عَرَبٌ يأْنَفُون من الجِزْيَةِ، فَلا تُعِنْ عليك عَدُوَّك بهم، وخُذ منهم الجِزْيَةَ باسم الصَّدَقَةِ. فبَعَثَ عمرُ فى طلَبِهم، فرَدَّهم، وضَعَّفَ عليهم من الإِبلِ من كلِّ خمْسٍ شاتَيْن، ومن كلِّ ثلاثين بقرةَّ تَبِيعَيْن (٢)، ومن كلِّ عشرين دِينارًا دِينارًا (٣)، ومن كلِّ مائتَىْ درْهمٍ عشرةَ دراهمَ، وفيما سقَتِ السماءُ الخُمْسَ، وفيما سُقِىَ بنَضْحٍ أو غَرْبٍ أو دُولابٍ العُشْرَ (٤). فاسْتَقَرَّ ذلك من قَوْلِ عمرَ، ولم يُخالِفْه أحدٌ من الصَّحابَةِ، فصارَ إجْماعًا. وقال به الفُقَهاءُ بعدَ الصَّحابَةِ؛ منهم ابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالِح، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، والشافِعِىُّ. ويُرْوَى (٥) عن عمرَ بن عبدِ العزيز، أنَّه أبَى على نَصارَى بنى تغْلِبَ إلَّا الجِزْيَةَ، وقال: لا واللَّهِ إلَّا الجِزْيَةَ، وإلَّا فَقَدْ آذنتُكُم بالحَرْبِ. والحُجَّةُ لهذا عمومُ الآيَةِ فيهم. ورُوِىَ عن علىٍّ، رضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: لئِنْ تَفَرَّغْتُ لبَنِى تَغْلِبَ لَيكُوَننَّ لى فيهم رَأْىٌ، لأقْتُلَنَّ مُقاتِلَتَهم، ولأسْبيَنَّ ذَرارِيَّهم، فقَدْ نَقَضُوا العَهْدَ، وبرِئَتْ منهم الذِّمَّةُ حينَ نَصَّرُوا أولادَهم (٦). وذلك أنَّ عمرَ، رضِىَ اللَّه عنه، صالَحَهم على أَنْ لا يُنَصِّرُوا أولادَهم. والعملُ على الأوَّلِ؛ لما ذَكَرْنا من الإِجْماعِ. وأمَّا الآيَةُ، فإنَّ هذا المأْخوذَ منهم جِزْيَةٌ با سم الصَّدَقَة، فإنَّ الجِزْيَةَ يجوزُ أخذُها من العُرُوضِ. فصل: قال أصحابُنا: تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مُضاعَفَةً من مالِ مَنْ تُؤْخَذُ منه الزَّكاةُ لو كان مُسْلِمًا. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأبى عُبَيْدٍ. وذُكِرَ أنَّه قولُ أهلِ الحجازِ. فعلى هذا، تُؤْخَذُ

стр. 6913

من مالِ نسائِهم وصِبْيانِهم ومَجانِييهم وزَمْناهُم (٧) ومَكافِيفِهم وشُيوخِهم، إلَّا أَنَّ أبا حنيفةَ لا يُوجِبُ الزَّكاةَ فى مالِ صَبِىٍّ ولا مَجْنُونٍ، فكذا الواجِبُ على بنى تَغْلِبَ، لا يجبُ فى مالِ صَبِىٍّ ولا مَجْنونٍ، إلَّا فى الأرْضِ خاصَّةً. وذهبَ الشافِعِىُّ إلى أَنَّ هذا جِزْيَةٌ تُؤْخَذُ باسمِ الصَّدَقَةِ، فلا تُوخَذُ ممَّنْ لا جِزْيَةَ عليه، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والْمَجانِينِ. قال: وقد رُوِىَ عن عمرَ أنَّه قال: هؤلاء حَمْقَى، رَضُوا بالمَعْنَى، وأبَوا الاسْمَ. وقال النُّعْمانُ بن زُرْعةَ: خُذْ منهم الجِزْيَةَ باسْم الصَّدَقَةِ. ولأنَّهُم أهلُ ذِمَّةٍ، فكان الواجِبُ عليهم جِزْيَةً لا صَدَقَةً، كغيْرِهم من أهلِ الذِّمَّةِ، ولأنَّه مالٌ يُؤْخَذُ من أهلِ الكتابِ لحَقْنِ دمائِهم ومَساكِنِهم، فكان جِزْيَةً، كما لو أُخِذَ باسمِ الجِزْيَةِ، يُحَقِّقُه أَنَّ الزكاةَ طُهْرَةٌ، وهؤلاء لا طُهْرَةَ لهم. فعلَى هذا، يكونُ مَصْرِفُ المَأْخوذِ منهم، مَصْرِفَ الفَىْءِ، لا مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ، وهذا أقْيَسُ. واحتَجَّ أصحابُنا بأنَّهم سأَلوا عمرَ أَنْ يأْخُذَ منهم ما يأْخُذُ بعضُكم (٨) من بعْضٍ. فأجابَهُم عمرُ إليه بَعد الامْتناعِ منه، والذى يأخُذُه بعضُنا من بعضٍ هو الزَّكاةُ، من كلِّ مالٍ زَكَوِىٍّ لأىِّ مسلمٍ كان، من صغيرٍ وكبيرٍ، وصحيحٍ ومريضٍ، كذلك (٩) المأْخُوذُ من بنى تَغلِبَ، ولأنَّ نساءَهم وصِبْيانَهم صِينُوا عن السَّبْىِ بهذا الصُّلْحِ، ودَخَلُوا فى حُكْمِه، فجازَ أَنْ يدْخُلُوا فى الواجِبِ به، كالرِّجالِ العُقَلاءِ. وعلى هذا، مَنْ كان مِنْهم فقيرًا أو له مالٌ غيرُ زَكَوِىٍّ كالدُّورِ، وثيابِ البذْلةِ، وعَبِيدِ الخِدْمَةِ، لا شىءَ عليه، كما لا يجبُ ذلك على أهِل الزَّكاةِ من المسلمين، ولا تُؤْخَذُ ممَّا لم يبْلُغ نِصابًا. فأمَّا مَصْرِفُ المأْخُوذِ منهم، فاختارَ القاضى أَنَّ مَصْرِفَه مَصْرِفُ الفَىْءِ؛ لأنَّه مَأُخوذٌ من مُشْرِكٍ، ولأنَّه جِزْيَة مُسَمَّاةٌ بالصَّدَقَةِ. وقال أبو الخَطَّاب: مَصْرِفُه إلى أهلِ الصَّدقاتِ؛ لأنَّه مُسَمَّى باسْمِ الصَّدَقَةِ، مَسْلوكٌ به فى مَن يُؤْخَذُ منه مَسْلَكَ الصَّدَقَةِ، فيكونُ مَصْرِفُه (١٠) مَصْرِفَها. والأوَّلُ أقْيَسُ وأصحُّ؛ لأنَّ مَعْنَى الشىءِ أخَصُّ به من اسْمِه، ولهذا لو سُمِّى رَجلٌ أسدًا، أو نَمِرًا، أو أسْوَدَ، أو أحْمَرَ، لم يَصِرْ له حكمُ المُسَمَّى بذلك، ولأنَّ

стр. 6914

هذا لو كان صدقَةً على الحقيقَةِ، لجازَ دَفْعُها إلى فُقَراءِ من أخِذَت منْهم؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أعْلِمْهُم أَنَّ عَلَيْهِم صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهمْ، فتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهمْ" (١١). فصل: فإنْ بذَلَ التَّغْلِبىُّ أداءَ الجِزْيَةِ، وتُخَطُّ عنهُ الصَّدَقَةُ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنّ الصُّلْحَ وقَعَ على هذا، فلا يُغَيَّرُ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ منه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ (١٢). وهذا قَدْ أعْطى الْجِزْيَةَ، وإِنْ كان باذِلُ (١٣) الْجِزْيَةِ منهم حَرْبِيًّا، قُبِلَت منه؛ للآيَةِ، وخَبَرِ بُرَيْدَةَ: "ادْعُهُم إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أجابُوكَ، فاقْبَلْ مِنْهُمْ، وكُفَّ عَنْهُم" (١٤). ولأنَّه لَمْ يدْخُلْ فى صُلْحِ الأوَّلين، فلم يلْزَمْه حُكْمُه، وهو كتابِىٌّ باذِلٌ للجِزْيَةِ، فيُحْقَنُ بها دَمُه. وإِنْ أرادَ إمامٌ (١٥) نَقْضَ صُلْحِهم، وتجديدَ الجِزْيَةِ عليهِم، كفِعْلِ عمرَ بن عبد العزيز، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ على التَّأْبِيدِ، وقد عَقَدَه معهم عمرُ بن الْخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فلم يكُنْ لغيرِه نَقْضُه، ما دامُوا على العَهْدِ. فصل: فأمّا سائِرُ أهلِ الكتابِ من النَّصارَى واليَهُودِ العربِ وغيرِهم، فالجِزْيَةُ منهم مَقْبولَةٌ، ولا يُوخَذُون بما يُؤْخَذُ به نَصارَى بنى تَغْلِبَ. نَصَّ أحمدُ على هذا، ورَواه عن الزُّهْرِىِّ. قال: ونذهَبُ إلى أَنْ يأْخُذَ من مَواشِى بنى تَغْلِبَ خاصَّةً الصَّدَقَةَ، ونُضعِّفُ عليهم، كما فعلَ عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وذكرَ القاضى وأبو الخطَّابِ، أَنَّ حُكْمَ مَنْ تَنَصَّرَ مَنْ تَنُوخَ وبَهْرَا، أو تَهَوَّدَ مِنْ كِنانَةَ وحِمْيَرَ، أو تَمجَّسَ من تَمِيمٍ، حُكمُ بنى تَغْلِبَ، سَواءٌ. وذُكِر ذلك عن الشافعىِّ. نَصَّ عليه، فى تَنُوخَ وبَهْرَا؛ لأنَّهم من العَرَبِ، فأشْبَهُوا بنى تَغْلِبَ. ولَنا، عمومُ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وأنَّ النَّبىَّ ﷺ بَعَثَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ، فقال: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا" (١٦). وهم عرَبٌ. وقَبِلَ الْجِزْيَةَ من أهلِ نَجْرَانَ، وهم من بنى الحارِث بن

стр. 6915

كعْب. قال الزُّهْرِىُّ: أوَّلُ من أعْطى الجِزْيَةَ أهلُ نَجْرانَ، وكانُوا نَصارَى. وأحذ الجِزْيَةَ من أُكَيْدِر دُومَةَ، وهو عَرَبِىٌّ. وحُكْمُ الجِزْيَةِ ثابِتٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ، فى كلِّ كتابِىٍّ، عَرَبِيًّا كان أو غيرَ عَرَبِىٍّ، إلَّا ما خُصَّ به بنو تَغْلِبَ، لمصالَحَةِ عمرَ إيَّاهُم، [ففى مَن] (١٧) عداهم يَبْقَى الحُكْمُ على عُمومِ الكتابِ وشَواهِدِ السُّنَّةِ، ولم يكُنْ بينَ غيرِ بنى تَغْلِبَ وبين أَحَدٍ من الأئِمَّةِ صلحٌ كصُلْحِ بنى تَغْلِبَ، فيما بلَغَنا، ولا يَصِحُّ قياسُ غيرِ بنى تَغْلِبَ عليهم؛ لوُجُوهٍ؛ أحدُها، أَنَّ قياسَ سائِرِ العرَبِ عليهم يُخالِفُ النُّصوصَ التى ذكرْناها، ولا يصِحُّ قياسُ المنصوصِ عليه على ما تَلْزَمُ منه مُخالَفَةُ النَّصِّ. الثانى، أَنَّ العِلَّةَ فى بنِى تَغْلِبَ الصّلْحُ، ولم يُوجَدِ الصُّلْحُ مع غيرِهم، ولا يصِحُّ القياسُ مع تَخَلُّفِ العِلَّةِ. الثالث، أَنَّ بنى تَغْلِبَ كانُوا ذَوِى قُوَّةٍ وشَوْكَةٍ، لحِقُوا بالرُّومِ، وخِيفَ منهم الضَّرَرُ إنْ لم يُصالَحُوا، ولم يُوجَدْ هذا فى غيرِهم. فإنْ وُجِدَ هذا فى غيرِهم، فامْتَنَعُوا من أداءِ الجزْيَةِ، وخِيفَ الضَّرَرُ بتَرْكِ مُصالَحَتِهم، فرأَى الإِمامُ مُصالَحَتَهم على أداءِ الجِزْيَةِ باسْمِ الصَّدَقَةِ، جازَ ذلك، إذا كان المَأْخوذُ منهم بقَدْرِ ما يجِبُ عليهم من الجِزْيَةِ أو زيادَةً، [وذكر هذا أبو إسحاق صاحبُ "المُهَذَّبِ"، فى كتابِه. والحُجَّةُ فى هذا قِصَّةُ بنى تَغْلِبَ، وقياسُهم عليه] (١٨). قال علىُّ بن سعيد: سمِعْتُ أحمدَ يقول: أهلُ الكتابِ ليس عليهم فى مَوَاشيهِم (١٩) صَدَقَةٌ، ولا فى أموالِهم، إنَّما تُؤْخَذُ منهم الجِزْيَةُ، إلَّا أن يكونُوا صُولِحُوا على أَنْ تُوخَذَ منهم، كما صَنعَ عمرُ بِنصارَى (٢٠) بنى تَغْلِبَ، حين أضْعَفَ عليهم الصَّدَقَةَ فى صُلْحِه إيَّاهم، إذا كانوا فى مَعْناهم، أمَّا قِياسُ مَنْ لم يُصالَحْ عليهم، فى جَعْلِ جِزْيَتِهم صَدَقَةً، فلا يصحُّ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وإذا اتَّجَرَ نَصْرانِىٌّ تَغْلِبِىٌّ، فمرَّ بالعاشِرِ، فقال أحمدُ: يُؤْخَذُ منه العُشْرُ ضِعْفُ ما يُؤْخَذُ من أهلِ الذِّمَّةِ. وروَى بإسْنادِه، عن زِياد بنِ حُدَيْرٍ، أَنَّ عمرَ بعَثَه

стр. 6916

مُصدِّقًا، فأَمَرَهُ (٢١) أَنْ يأْخُذَ من نَصارَى بنى تَغْلِبَ العُشْرَ، ومن نَصارَى أهلِ الكتابِ نِصْفَ العُشْرِ. وروَاه أبو عُبَيْدٍ (٢٢). وقال: حَدِيثُ داودَ بن كُرْدُوس، والنُّعمانِ بن زُرْعَة (٢٣)، هو الذى عليه العَمَلُ، أَنْ يكونَ عليهم الضِّعْفُ ممَّا على المسلمين، أَلَا تسْمَعُه يقول: مِنْ كُلِّ عشرين درهمًا درهمًا؛ وإنّما يُؤْخَذُ من المسلمين إذا مَرُّوا بأمْوالِهم رُبْعُ العُشْرِ من كُلِّ أربعين درهمًا درْهَمٌ، فذاك ضِعْفُ هذا. وهذا ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لقولِه: مِثْلَىْ (٢٤) ما يُؤْخَذُ من المسلمين. وهو أَقْيَسُ؛ فإنَّ الواجِب فى سائرِ أموالِهم ضِعْفُ ما على المسلمين، لا ضِعْفُ ما على أهلِ الذِّمَّةِ. ١٦٩٧ - مسألة؛ قال: (ولَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهمْ، ولَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ. فِى إِحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀. والرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، تؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وتُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ) اخْتَلَفَت الرِّوايةُ عن أبى عبد اللَّه، فى أكْلِ ذَبائِحِهم، ونِكاحِ نسائِهم، فعنه، لا يَحِلُّ ذلك. وهو قَوْلُ علىِّ بن أبى طالِب (١)، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ومذهبُ الشافِعِىِّ، ولم يُبِحِ الشافِعِىُّ ذبائحَ العرَبِ من أهلِ الكتابِ كلِّهم. وكَرِهَ ذبائحَ بنى تَغْلِبَ عَطاءٌ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، ومحمدُ بن علىٍّ، والنَّخَعِىُّ. وقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إنَّهُم لم يتَمَسّكُوا من دِينهِم إلَّا بشُرْبِ الخَمْرِ (١). ولأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّهم دخَلُوا فى دينِ الكُفْرِ بعَد التَّبْديلِ، فلم يَحِلَّ ذلك منهم. والرِّوايةُ الثانيةُ، تَحِلٌّ ذبائِحُهم ونساؤُهم. وهذا الصَّحِيحُ عن أحمدَ، روَاه عنه الجماعةُ، وكان آخرَ الروايتَيْن عنه. قال إبراهيمُ بن الحارِث: فكان آخِرُ قولِه على

стр. 6917

أنَّه لا يَرَى بذبائِحِهم بأْسًا. وهذا قولُ ابن عباس. ورُوِى نحوُه عن عمرَ بن الخَطَّابِ (٢)، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال الحسَنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال الأَثْرَمُ: وما عَلِمْتُ أحدًا كَرِهَه من أصحاب النَّبِىِّ ﷺ إلَّا عليًّا. وذلك لدخُولِهم فى عُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣). ولأَنَّهُم أهلُ كتابٍ يُقَرُّونَ على دينِهم بِبَذْلِ المالِ، فتَحِلُّ ذبائِحُهم ونساؤُهم، كبَنِى إسْرائِيلَ. ١٦٩٨ - مسألة؛ قال: (ومَنْ يَجُزْ مِنْ أهْلِ الذِّمَّةِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ العُشْرِ فِى السَّنَةِ) اشتهرَ هذا عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وصَحَّتِ الرِّوايَةُ عنه به (١). وقال الشافِعِىُّ: ليس عليه إلَّا الْجِزْيَةُ، إلَّا أَنْ يدْخُلَ أرضَ الحِجازِ، فيُنْظَرَ فى حالِه؛ فإنْ كان لرسالَةٍ، أو نَقْلِ مِيرَةٍ، أَذنَ له بغَيْرِ شىءٍ، وإِنْ كان لِتجارَةٍ لا حاجَةَ بأهلِ الحجازِ إليها، لم يَأْذَنْ (٢) له إلَّا أَنْ يَشْتَرطَ عليه عِوَضًا بحَسَبِ ما يراهُ، والأَوْلَى أَنْ يشترطَ عليه (٣) نِصْفَ العُشْرِ؛ لأنَّ عمرَ شرَطَ نصفَ العُشْرِ على مَنْ دخَلَ الحجازَ من أهلِ الذِّمَّةِ (٤). ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ، إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ والنَّصَارَى". روَاه أبو داودَ (٥). وروَى الإِمامُ أحمدُ، عن سفيانَ، عن هِشامٍ، عن أنَسِ بن سِيرِينَ، قال:

стр. 6918

بَعَثَنِى أنَسُ بن مالِك إلى العُشُورِ، فقُلْت: تَبْعَثُنِى إلى العُشورِ من بينِ عُمَّالِك! قال: أمَا تَرْضَى أَنْ أجْعَلَك على ما جَعَلَنِى عليه عمرُ بن الخَطَّاب، رَضِىَ اللَّهُ عنه؟ أمرَنِى أَنْ آخذَ من المسلمين رُبْعَ العُشْرِ، ومن أهلِ الذِّمَّةِ نصفَ العُشْرِ (٦). وهذا كان بالعراقِ. وروَى أبو عُبَيْدٍ، فى كتابِ "الأَمْوالِ" (٧)، بإسْنادِه عن لَاحِقِ بن حُمَيْد، أَنَّ عمرَ بعَثَ عثمانَ ابن حُنَيْفٍ إلى الكُوفَة، فجعلَ على أهلِ الذِّمَّةِ فى أمْوالِهم التى يَخْتلِفُون فيها، فى كلِّ عشرِين درْهمًا درهمًا. وقد ذكَرْنا حديثَ زيِاد بن حُدَيْرٍ (٨)، أَنَّ عمرَ أمَرَه أَنْ يأخُذَ من نَصارَى بنى تَغْلِبَ العُشْرَ، ومن نَصارَى أهلِ الكتابِ نصفَ العُشْرِ. وهذا كان بالعراق، واشتهرَتْ هذه القصصُ ولم تُنْكَرْ، فكانَتْ إجْماعًا، وعمِلَ به الخلفاءُ بعدَه، ولم يأْتِ تَخْصيصُ الحجازِ بنِصْفِ العُشْرِ فى شىءٍ من الأحاديثِ عَلِمْناهُ، لا عن عمرَ ولا عن (٩) غيرِه من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ، بل ظاهِرُ أحادِيثهم، أَنَّ ذلك فى غيرِ الحجازِ، وما وجَبَ من المالِ فى الحجازِ، وجَبَ فى غيرِه، كالدُّيونِ والصَّدَقاتِ. فصل: ولا تُؤْخَذُ منهم (٩) فى السَّنَةِ إلَّا مرَّةً. نَصَّ عليه أحمدُ، فى روايَةِ جماعَةٍ من أصحابه. وقال: كذا رُوِىَ عن إبراهيمَ النَّخَعِىِّ، عن عمرَ، حين كتبَ، ألَّا يأخذَ فى السَّنَةَ إلَّا مَرَّةً، أَنْ يأخُذَ من الذِّمِّى نصفَ العشرِ. وهذا قولُ الشافِعِىِّ، فى الدَّاخلين أرْضَ الحجازِ. وروَى الإِمامُ أحمدُ، بإسْنادِه، قال: جاء شيخٌ (١٠) نَصْرانِىٌّ إلى عمرَ، فقال: إنَّ عامِلَك عَشَرَنِى فى السَّنَةَ مرَّتَيْن. قال: ومَنْ أَنْتَ؟ قال: أنا الشيخُ النَّصّرانِىُّ. قال عمرُ: وأنا الشيخُ الْحَنِيفُ. ثم كتَبَ إلى عامِلِه، أَنْ لا تَعْشِرُوا (١١) فى السَّنةِ إلَّا مرَّةً (١٢).

стр. 6919

ولأنَّ الجزْيَةَ والزَّكاةَ إنَّما تُؤْخَذُ فى السنةِ مرَّةً واحِدَةً، فكذلك هذا. فإذا ثَبَت هذا، فإنَّه متى أَخذَ منهم ذلك مَرَّةً، كتَبَ لهم حُجَّةً بأدائِهم؛ لتكونَ وَثِيقةً لهم، وحُجَّةً على مَنْ يَمُرُّون عليه، فلا يَعْشِرُهم ثانيةً، فإنْ مَرَّ ثانِيَةً بأكثرَ من المالِ الذى أُخِذَ منه، أخَذَ من الزِّيادَةِ؛ لأنَّها لم تُعْشَرْ. فصل: ولا يُؤْخَذُ منهم من غيرِ مالِ التجارَةِ شىءٌ (١٣)، فلو مرَّ بالعاشرِ منهم مُنْتقِلٌ ومعه أموالُه أو سائمةٌ (١٤)، لم يُؤْخَذْ منه شىءٌ. نصَّ عليه أحمد، وإِنْ كانت ماشِيَتُه للتِّجارَةِ، أُخِذَ منه نصفُ عُشْرِها. واختلفَت الرِّوايَةُ فى القَدْرِ الذى يُؤْخَذُ منه نِصْفُ العُشْرِ، فروَى عنه صالحٌ، من كلِّ عشرين دينارًا دينارٌ (١٥). يعنى فإذا نَقَصَت من العشرين فليس عليه شىءٌ؛ لأنَّ ما دونَ النِّصابِ لا تجِبُ فيه زكاةٌ على مسلمٍ، ولا على تَغْلِبىٍّ، فلا يجِبُ فيه على ذِمِّىٍّ شىءٌ، كالذى دُونَ العشرةِ. وروَى صالحٌ أيضًا (١٦)، أنَّه قال: إذا مَرُّوا بالعاشِرِ، فإن كانُوا أهلَ الحَرْبِ، أخَذَ منهم العُشْرَ، من العشرةِ واحدًا، وإِنْ كانُوا من أهِل الذِّمَّةِ أخَذَ منهم نصفَ العُشْرِ، من كلِّ عشرين دينارًا دينارًا (١٧)، فإذا نقَصتْ فليس عليه شىءٌ، وإِنْ نقصَ مالُ الحربِىِّ عن عشرةِ دنانيرَ، لم يُؤْخَذْ منه شىءٌ، ولا يُؤْخَذُ منهم إلَّا مرَّةً واحِدَةً؛ المسلمُ والذِّمِّىُّ فى ذلك سواءٌ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أَنَّ (١٨) فى العشرةِ نصفَ مِثْقالٍ، وليس فيما دونَ العشرةِ شىءٌ. نَصَّ على هذا، فى روايةِ أبى الحارِث، قال: قلتُ إذا كان مع الذمِّى عشرةُ دنانيرَ؟ قال: تأخذُ منه نصفَ دينارٍ. قلتُ: فإنْ كان معه أقلُّ من عشرِةِ دنانيرَ؟ قال: إذا نقَصتْ لم يُؤْخَذْ منه شىءٌ. وذلك لأنَّ العشرةَ مالٌ يبلغُ واجبُه نصفَ دينار، فوجب فيه، كالعشرين فى حقِّ المسلمِ. أو نقولُ: مالٌ مَعْشُورٌ، فوجَبَ فى العشرةِ منه كمالِ الحَرْبِىِّ. وقال ابنُ حامد: يؤْخَذُ عُشْرُ الْحَرْبِىِّ ونصفُ عُشْرِ الذِّمِّىِّ،

стр. 6920

من ما قلَّ أو كَثُرَ؛ لأنَّ عمرَ قال: خُذْ مِنْ كُلِّ عشرين درهمًا درهمًا. ولأنَّه حَقٌّ عليه، فوجَبَ فى قليلِه وكثيرِه، كنَصِيبِ المالِكِ فى أرضِه التى عامَلَه عليها. ولَنا، أنَّه عُشْرٌ أو نصفُ عشرٍ وجَبَ بالشَّرْعِ، فاعْتُبِرَ له نِصابٌ (١٩)، كزكاةِ الزرْعِ والثَّمَرِ، ولأنَّه حقٌّ يتَقدَّرُ بالحَوْلِ، فاعتُبِرَ له النِّصابُ، كالزكاةِ. وأمَّا قولُ عمرَ، فالمرادُ به -واللَّهُ أعلمُ- بيانُ قَدْرِ المأْخُوذِ، وأنَّه نصفُ العشرِ، ومَعْناه إذا كان معه عشرةُ دنانيرَ فخُذْ من كلِّ عشرين درهمًا درهمًا؛ لأنَّ فى صدْرِ الحديثِ أَنَّ عمرَ بعَثَ مُصَدِّقًا، وأمرَه أَنْ يأْخُذَ من المسلمين من كلِّ أربعين درهمًا درهمًا، ومن أهلِ الذِّمَّةِ من كلِّ عشرين درهمًا درهمًا، ومن أهلِ الحَرْبِ من كلِّ عشرةٍ واحدًا. وإنّما يُؤْخَذُ ذلك من المُسْلِم إذا كان معه نِصابٌ، فكذلك من غيرِه. فصل: واخْتَلَفَت الرِّوايَةُ عن أحمَد، فى العاشِرِ يمرُّ عليه الذِّمِّىُّ بخَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، فقال فى مَوْضِع: قال عمرُ: وَلُّوهُم [بَيْعَها. لا يكونُ إلَّا على الآخِذِ منها. وروَى بإسْنادِه، عن سُوَيْد بن غَفَلَةَ، فى قولِ عمرَ: وَلُّوهم] (٢٠) بَيْعَ الخمرِ والخنزيرِ بعُشْرِها (٢١). قال أحمد: إسْنادٌ جيِّدٌ. وممَّنْ رأَى ذلك مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ووَافقَهم محمدُ ابنُ الحسنِ فى الخمرِ خاصَّةً. وذكرَ القاضى أَنَّ أحمدَ نَصَّ على أنَّه لا يُؤْخَذُ منهم شىءٌ. وبه قال عمرُ بن عبد العزيز، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. قال عمرُ بن عبد العزيز: الخمرُ لا يَعْشِرُها مسلمٌ. ورُوِىَ عن عمرَ بن الخَطَّاب، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّ عُتْبَةَ بن فَرْقَدٍ بعَثَ إليه بأربعين ألفَ درْهَمٍ صدقَةَ الخمرِ، فكتَبَ إلِه عمرُ: بَعَثْتَ إلَىَّ بصدَقَةِ الخمرِ، وأنت أحقُّ بها من المهاجرين. فأخْبَرَ بذلك الناسَ، وقال: واللَّه لا أسْتَعْمِلَنَّك على شىءٍ بعدَها. قال: فَنَزَعَه (٢٢). قال أبو عُبَيْدٍ: ومَعْنَى قولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: وَلُّوهم يَيْعَها، وخذُوا أنتُم

стр. 6921

من الثَّمَنِ. أَنَّ المسلمين كانُوا يأخذُون من أهلِ الذِّمَّةِ الخمرَ والخنازِيرَ من جِزْيَتِهم، وخَراجِ أرْضِهم بقِيمَتِهما (٢٣)، ثم يتولَّى المسلمون بَيْعَها، فأنْكَرَه عمرُ، ثم رَخَّصَ لهم أَنْ يأخُذُوا من أثْمانِها، إذا كان أهلُ الذِّمَّةِ المُتَولِّين بَيْعَها. وروَى بإسْنادِه عن سُوَيْدِ بن غَفَلَةَ، أنَّ بلالًا قال لعمرَ: إنَّ عُمَّالَك يأْخذُون الخمرَ والخنازِيرَ فى الخراجِ. فقال: لا تأْخذُوها منهم، ولكن وَلُوهم بيْعَها، وخُذُوا أنتُم من الثَّمَنِ. فصل: ويجوزُ أخْذُ ثمنِ الخمرِ والخِنزيرِ منهم عن (٢٤) جِزْيَةِ رُءوسِهِم، وخَراجِ أرْضِهم، احْتِجاجًا بقولِ عمرَ هذا؛ ولأنَّها من أمْوالِهم التى نُقِرُّهم على اقْتنائِها، والتَّصَرُّفِ فيها، فجازَ أخْذُ أثمانِها (٢٥) منهم، كثيابِهم. فصل: وإذا مَرَّ الذِّمِّىُّ بالعاشِرِ، وعليه دينٌ بقَدْرِ ما مَعَه، أو يَنْقُصُه (٢٦) عن النِّصابِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أَنَّ ذلك يَمْنَعُ أخْذَ نصفِ العُشْرِ منه؛ لأنَّه حَقٌّ يُعْتبَرُ له النِّصابُ والحَول، فيَمْنَعه (٢٧) الدَّيْنُ، كالزَّكاةِ. فإن ادَّعَى أَنَّ عليه دَيْنًا، لم يُقْبَلْ ذلك إلَّا بِبَيِّنَةٍ من المسلمين؛ لأنَّ الأصلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه منه. وإِنْ مَرَّ بجارِيَةٍ، فادَّعَى أنَّها بنْتُه أو أختُه، ففيه روايتان؛ إحداهُما، يُقْبَلُ قولُه. قال الخَلَّالُ: وهو أشْبَهُ القَوْلَيْن؛ لأنَّ الأَصْلَ عدَمُ مِلْكِه فيها. والثانيةُ، لا يُقْبَلُ (٢٨)؛ لأنَّها فى يَدهِ، فأشْبَهَتْ بَهِيمَته (٢٩). ١٦٩٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا دَخَلَ إِلَيْنَا مِنْهُمْ تَاجِرٌ حَرْبِىٌّ بأَمَانٍ، أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ) وقال أبو حنيفة: لا يُؤْخَذُ منهم (١) شىءٌ، إلَّا أَنْ يكونوا يأْخذُون مِنَّا شيئًا، فنأخُذُ منهم

стр. 6922

مثلَه؛ لما رُوِىَ عن أبى مِجْلَزٍ لاحِقِ بنِ حُمَيْدٍ، قال: قالُوا لعمرَ: كيف نأخذُ من أهلِ الحربِ إذا قَدِمُوا علينا؟ قال: كيف يأخُذُون منكم إذا دَخَلْتُم إليهم؟ قالوا: العُشْرَ. قال: فكذلك خُذُوا منهم (٢). وعن زيِادِ بنِ حُدَيْرٍ، قال: كُنَّا لا نَعْشِرُ مسلمًا ولا مُعاهدًا. قال: مَنْ كُنْتُم تَعْشِرُون؟ قال: كُفَّارَ أهلِ الحَرْبِ، نَأْخُذُ (٣) منهم كما يأخُذُون مِنَّا (٤). وقال الشافِعِىُّ: إنْ دَخَلَ إلينا لِتجارَةٍ (٥) لا يحتاجُ إليها المسلمون، لم يأذَنْ له الإمامُ إلَّا بعِوَضٍ يَشْرِطُه عليه (٦)، ومَهْما شَرَطَ جازَ. ويُسْتَحَبُّ أَنْ يشْترِطَ العُشْرَ، لِيُوافِقَ (٧) فعلَ عمرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، وإِنْ أذِنَ مُطْلقًا من غيرِ شَرْطٍ، فالمذهبُ أنَّه لا يُؤْخَذُ منهم شىءٌ؛ لأنَّه أمانٌ من غير شَرْطٍ، فلم يُسْتَحَق به شىءٌ، كالهُدْنةِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يجِبَ العُشْرُ؛ لأنَّ عمرَ أَخَذَهُ. ولَنا، ما رَوَيْناه فى المسألَةِ التى قَبْلَها، ولأنَّ (٨) عمرَ أخذَ منهم العُشْرَ، واشْتَهرَ ذلك فيما بين الصحابَةِ، وعمِلَ به الخلفاءُ (٩) بعدَه، [والأئِمَّةُ بعدَه] (١٠) فى كلِّ عصرٍ (١١)، من غيرِ نكيرٍ، فأىُّ إجماعٍ يكونُ أقْوَى من هذا؟ ولم يُنْقَلْ أنَّه شرَطَ ذلك عليهم عندَ دُخولِهم، ولا يثْبُتُ ذلك بالتَّخْمينِ من غيرِ نَقْلٍ، ولأنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ يُحْمَلُ على المَعْهودِ فى الشَّرْعِ، وقد استمَرَّ أخْذُ العُشْرِ منهم فى زمنِ الخلفاء الراشدين، فيجِبُ أخذُه. فأمَّا سؤالُ عمرَ عمَّا يأخذُون مِنَّا، فإنَّما كان لأنَّهُم سألُوه عن كيفيَّةِ الأَخْذِ ومقدارِهِ، ثمّ اسْتَمَرَّ الأخذُ من غيرِ سؤالٍ، ولو تقَيَّدَ أخْذُنا منهم بأخْذِهم مِنَّا، لَوَجَبَ أَنْ يُسْألَ عنه فى كلِّ وقْتٍ.

стр. 6923

فصل: ويُؤْخَذُ منهم العُشْرُ من كلِّ مالٍ للتجارَةِ، فى ظاهرِ كلام الْخِرَقِىِّ. وقال القاضى: إذا دَخَلُوا فى نَقْلِ مِيرَةٍ بالنَّاسِ إليها حاجَةٌ، أُذِنَ لهم فى الدُّخولِ بغير عُشْرٍ يُؤْخَذُ منهم. وهذا قولُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ دُخولَهم نَفْعٌ للمسلمين. ولَنا، عُمومُ ما رَوَيْناه. ورَوَى صالحٌ عن أبِيه، عن عبد الرحمن بنِ مَهْدِىٍّ، عن مالِك، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ، أنَّه كان يأْخُذ من النَّبَطَ من القُطْنِيَّةِ (١٢) العُشْرَ، ومن الحِنْطَةِ والزَّبِيبِ نصفَ العُشْرِ، ليَكْثُرَ الحِمْلُ إلى المدينةِ (١٣). وهذا يدلُّ على أنّه يُخفِّفُ عنهم إذا رَأَى المصلحةَ فيه، وله التَّرْكُ أيضًا إذا رأَى المَصْلَحَةَ. فصل: ويُؤْخَذُ العُشْرُ من كلِّ حَرْبِىٍّ تاجِرٍ، ونصْفُ العُشْرِ من كلِّ ذِمِّىٍّ تاجِرٍ، سواءٌ كان ذكرًا أو أُنْثَى، أو صغيرًا أو كبيرًا، وقال القاضى: ليس على المرأةِ عُشْرٌ ولا نِصْفُ عُشْرٍ، سواءٌ كانت حَرْبيَّةً أو ذِمِّيَّةً، لكنْ إنْ دَخَلَتِ الحجازَ عُشِرَتْ؛ لأنَّها مَمْنُوعَةٌ من الإِقامَةِ بِه (١٤). ولا يُعْرَفَ هذا التَّفْصيلُ عن أحمدَ، ولا يَقْتَضِيه مذهبُه؛ لأنَّه يُوجِبُ الصَّدَقَةَ فى أمْوالِ نساءِ بنى تَغْلِبَ وصِبْيانِهم، فكذلك (١٥) يُوجِبُ العُشْرَ أو نِصْفَه فى مالِ النِّساءِ، وعُمومُ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ ليس فيها تخصيصٌ للرِّجالِ دونَ النِّساءِ، وليس هذا بجِزْيَةٍ، وإنَّما هو حَقٌّ يخْتَصُّ (١٦) بمالِ التِّجارَةِ، لِتَوسُّعِه فى دارِ الإِسلامِ، وانْتِفاعِه بالتجارَةِ فيها، فيَسْتَوِى فيه الرجلُ والمرأةُ، كالزَّكَاةِ فى حَقِّ المسلمين. فصل: ولا يُعْشَرُون فى السَّنَةِ إلَّا مرَّةً، ولا يُؤْخَذُ من أقَل مِنْ عَشْرَةِ دنانِيرَ. نَصَّ عليهما أحمد. وحُكِىَ عن أبى عبد اللَّه ابنِ حامِد، أَنَّ الحَرْبِىَّ يُعْشَرُ كلَّما دخَلَ إلينا. وهو قولُ بعضٍ أصحابِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّنا لو أخَذْنا منه مرَّةً واحِدَةً، لا نَأْمَنُ أَنْ يدخُلُوا، فإذا جاءَ

стр. 6924

وقتُ السَّنَةِ (١٧) لم يدخُلُوا، فيتَعذَّرُ (١٨) الأخْذُ منهم. ولَنا، أنَّه حَق يُؤْخَذُ من التِّجارَةِ، فلا يُؤْخَذُ أكثرَ من مَرَّةٍ فى السُّنَّةِ، كالزَّكاةِ، ونصفِ العشْرِ من الذِّمِّىّ. وقولهم: يَفُوتُ. غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّه يُؤْخَذُ منه أوَّلَ ما يدْخُلُ مرَّة، ويَكْتُب الآخِذُ له بما أخَذَ منه، فلا يُؤْخَذُ منه شىءٌ حتى تَمْضِىَ تلك السَّنةُ، فإذا جاءَ فى العام الثانى، أُخِذَ منه فى أوَّلِ ما يَدْخُلُ، وإِنْ لم يدْخُلْ، فما فات من حَقِّ السنةِ الأُولَى شىءٌ. فصل: وليس لأهْلِ الحَرْبِ دُخولُ دارِ الإِسلامِ بغَيْرِ أمَانٍ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أَنْ يدْخُلَ جاسوسًا، أو مُتَلصِّصًا، فيَضُرَّ بالمسلمين، فإنْ دخَلَ بغيرِ أمانٍ، سُئِلَ، فإنْ قال: جِئْتُ رسولًا. فالقَوْلُ قولُه؛ لأنَّه تَتَعَذَّرُ إقامةُ البَيِّنَةِ على ذلِك، ولم تزَلِ الرُّسُلُ تأْتِى من غيرِ تَقَدُّمِ أمانٍ. وإِنْ قال: جِئْتُ تاجِرًا. نَظَرْنا؛ فإنْ كانَ معه مَتاعٌ يَبِيعُه، قُبِلَ قولُه أيضًا، وحُقِنَ دَمُه؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بدخُولِ تُجَّارِهم إلينا، وتُجَّارِنا إليهم، وإن لم يكُنْ معه ما يَتَّجِرُ به، لم يُقْبَلْ قولُه؛ لأنَّ التِّجارَةَ لا تحْصُلُ بغيرِ مالٍ. وكذلك مُدَّعِى الرِّسالَةِ، إذا لم يكنْ معه رسالة يُؤَدِّيها، أو كان ممَّنْ لا يكونُ مثلُه رسولًا. وإِنْ قال: أَمَّنَنِى مسلِمٌ. فهل يُقْبَلُ منه؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يُقْبَلُ، تَغْليبًا لحَقْنِ دمِه، كما يُقْبَلُ من الرَّسولِ والتَّاجرِ. والثانى، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ إقامَةَ البَيِّنَةِ عليه مُمْكِنَةٌ. فإنْ قالَ مسلمٌ: أنا أمَّنْتُه. قُبِلَ قولُه؛ لأنَّه يمْلِكُ أَنْ يُؤَمِّنَه، فقُبِلَ قولُه فيه (١٩)، كالحاكِمِ إذا قال: حَكَمْتُ لفلانٍ على فلانٍ بحقٍّ. وإِنْ كان جاسوسًا، خُيِّرَ الإِمامُ فيه بين أرْبَعَةِ أشياءَ؛ كالأسيرِ. وإِنْ كان ممَّنْ ضَلَّ الطريقَ، أو حَمَلَتْه الرِّيحُ إلينا فى مَرْكَبٍ، فقد ذكَرْنا حُكْمَه (٢٠). ١٧٠٠ - مسألة؛ قال: (ومَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ، بِمُخالَفَةِ شَىْءٍ مِمَّا صُولِحُوا عَلَيْهِ، حَلَّ دَمُهُ ومَالُهُ) وجملةُ ذلك، أنَّه يَنْبَغِى للإِمامِ عند عَقْدِ الهُدْنَةِ أَنْ يشْترِطَ عليهم شُروطًا، نحوَ ما شَرَطَه

стр. 6925

عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقد رُويَتْ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى ذلك أخبارٌ، منها ما روَاه الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن إسماعيلَ بنِ عَيَّاشٍ، قال: حَدَّثَنا غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ، قالُوا: كتَبَ أهلُ الجزيرَةِ إلى عبدِ الرحمن بن غَنْمٍ: إنَّا حينَ قَدِمْتُمْ (١) بلادَنا، طَلَبْنَا إليك الأمانَ لأنْفُسِنا وأهل ملَّتِنا، على أنَّا شَرَطْنا لَكَ على أنفُسِنا أن لا نُحْدِثَ فى مَدينَتِنا كنيسةً، ولا فيما حَوْلَها دَيْرًا، ولا قلايةً (٢)، ولا صَوْمَعَةَ راهِبٍ، ولا نُجَدِّدَ ما خَرِبَ من كنائِسِنا، ولا ما كانَ منها فى خِطَطِ المسلمين، ولا نَمْنعَ كنائِسَنا من المسلمين أَنْ ينْزِلُوها فى الليلِ والنهارِ، وأنْ نُوَسِّعَ أبوابَها للمارَّةِ وابنِ السَّبيلِ، ولا نأوِىَ فيها ولا فى مَنازِلِنا (٣) جاسوسًا، وأنْ لا نَكْتُمَ أمْرَ من غَشَّ المسلمين، وأنْ لا نَضْرِبَ نَواقيسَنا إلَّا ضربًا خَفِيًّا فى جَوْفِ كنائِسِنا، ولا نُظْهِرَ عليها صليبًا، ولا نرفَعَ أصْواتَنا فى الصلاةِ، ولا القراءَةِ فى كنائِسِنا فيما يحضرُه المسلمون، ولا نُخْرِجَ صَلِيبَنا ولا كتابَنا فى سُوقِ المسلمين، وأنْ لا نَخْرُجَ بَاعُوثًا (٤) ولا شَعانينَ (٥)، ولا نَرْفعَ أصْواتَنا مع أمْواتِنا، ولا نُظْهرَ النِّيرانَ معهم فى أسْواقِ المسلمين، وأنْ لا نُجاوِرَهم بالخنازيرِ، ولا نَبيعَ الخمورَ، ولا نُظْهِرَ شِرْكًا، ولا تُرَغِّبَ فى دِينِنا، ولا نَدْعوَ إليه أحدًا، ولا نَتَّخِذَ شيئًا من الرَّقيقِ الذين جَرَتْ عليهم سِهامُ المسلمين، وأنْ لا نَمْنَعَ أحدًا من أقْربائِنا إذا أرادَ الدُّخولَ فى الإِسلامِ، وأنْ نَلزَمَ زِيَّنا حيثما كُنَّا، وأنْ لا نَتَشَبَّه بالمسلمين فى لُبْسِ قَلَنْسُوَةٍ ولا عِمامَةٍ ولا نَعْلَيْن، ولا فَرْقِ شَعَرٍ، ولا فى مَواكِبِهم، ولا نتَكلَّمَ بكلامِهم، وأنْ لا نَتَكَنَى بكُناهم، وأنْ نَجُزَّ مَقادِمَ رُءوسِنا، ولَا نَفْرِقَ نَواصِيَنا، ونَشُدَّ الزَّنانيرَ على أوْساطِنا، ولا نَنْقُشَ خَواتِيمَنا بالعربِيَّةِ، ولا نَرْكَبَ السُّرُوجَ، ولا نَتَّخِذَ شيئًا من السِّلاحِ، ولا نَحْمِلَه، ولا نَتَقَلَّدَ السيوفَ، وأن نُوَقِّرَ المسلمين فى مَجالِسِهِم، ونُرْشِدَ الطَّرِيقَ، ونَقُومَ لهم عن المجالِسِ إذا أرادُوا المجالِسَ، ولا نَطَّلِعَ عليهم فى مَنازِلِهم، ولا نُعَلِّمَ أوْلادَنا القرآنَ، ولا يُشارِكَ أحدٌ مِنَّا مسلمًا فى تِجارَة، إلَّا أَنْ يكونَ إلى المسلمِ أمرُ

стр. 6926

التِّجارَةِ، وأنْ نُضِيفَ كُلَّ مسلمٍ عابرِ سَبِيلٍ ثلاثةَ أيامٍ، ونُطْعِمَه منِ أوْسَطِ ما نَجِدُ، ضَمنَّا ذلك على أنفُسِنا، وذَرارِيِّنا، وأزْواجِنا، ومَساكِنِنا، وإِنْ نحنُ غيَّرْنا أو خالَفْنا عمَّا شَرَطْنا على أنفُسِنا، وقَبِلْنا الأمانَ عليه، فلا ذِمَّة لَنا، وقد حَلَّ لك مِنَّا ما يَحِلُّ لأهْلِ المُعانَدَةِ والشِّقاقِ. فكَتَبَ بذلك عبدُ الرحمنِ بن غَنْمٍ إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فكَتَبَ لهم عمَرُ: أَنْ أمْض لهم ما سَأَلُوه، وألحِقْ فيه حَرْفَيْن، اشْتَرِطْ أَنَّ (٦) عليهم مع ما شَرَطُوا على أنفُسِهم أَنْ لا يَشْتَرُوا من سَبَايانا شيئًا، ومَنْ ضَرَبَ مسلمًا عَمْدًا، فقد خَلَعَ عَهْدَه. فأَنْفَذَ عبدُ الرحمن بن غَنْمٍ ذلك، وأقَرَّ مَنْ أقامَ من الرُّومِ فى مَدائِن الشام على هذا الشَّرْط (٧). فهذه جُمْلَةُ شروطِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فإذا صُولِحُوا عليها، ثم نَقَضَ بعضُهم شيئًا منها، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أَنَّ عَهْدَه يَنْتَقِضُ به. وهو ظاهِرُ ما رَوَيْناه؛ لقولِهم فى الكتابِ: إنْ نحنُ خالَفْنا، فقد حَلَّ لَكَ مِنَّا ما يَحِلُّ لَكَ من أهلِ المُعانَدَةِ والشِّقاقِ. وقال عمرُ: مَنْ (٨) ضَرَبَ مسلمًا عَمْدًا، فقد خَلَعَ عَهْدَه. ولأنَّه عَقْدٌ بشرطٍ فمتى لم يُوجَدِ الشَّرْطُ، زالَ حُكْمُ العَقْدِ، كما لو امْتَنَعَ مِن الْتزامِ الأحكامِ. وذكرَ القاضِى، والشريفُ أبو جَعْفَر، أَنَّ الشُّرُوطَ (٩) قِسْمان؛ أحدُهما يَنْتَقِضُ العهدُ بمُخالَفَتِه، وهو أحَدَ عَشَرَ شيئًا؛ الامتناعُ من بَذْلِ الْجِزيَةِ، وجَرْى أحْكامِنا عليهم إذا حَكَمِ بها حاكِمٌ، والاجتماعُ على قتالِ المسلمين، والزِّنَى بمُسْلِمَةٍ، وإصابتُها باسْمِ نكاحٍ، وفَتْنُ مسلمٍ عن دِينِه، وقَطْعُ الطَّرِيقِ عليه، وقتلُه، وإيواءُ جاسوسِ المشركين، والمُعاوَنَةُ على المسلمين بدلالَة المشركين على عَوْراتِهم أو مُكاتَبَتهِم، وذكْرُ اللَّه تعالى أو كتابِه أو دينِه أو رسولِه بسُوء، فاْلخَصْلتان الأُولَيان يَنْتَقِضُ العَهْدُ بهما بلا خِلافٍ فى المذهبِ. وهو مذْهَبُ الشافِعِىِّ. وفى معناهما قتالُهم للمسلمين مُنْفَرِدين أو مع أهلِ الحَرْبِ؛ لأنَّ إطلاقَ الأمانِ يقْتَضِى ذلك، فإذا فعَلُوه نَقَضُوا الأمانَ؛ لأنَّهُم إذا قاتلُونا (١٠)، لَزِمَنا قِتالُهم، وذلك ضِدُّ

стр. 6927

الأمانِ، وسائرُ الخِصال فيها رِوايتان؛ إحْدَاهما (١١)، أَنَّ العَهْدَ ينتَقِضُ بها، سواءٌ شُرِطَ عليهم ذلك أو لم يُشْرَطْ (١٢). ومذهَبُ (١٣) الشافِعِىِّ قريبٌ من هذا. إلَّا أنَّ ما لَمْ يُشْرَطْ (١٤) عليهم، لا يَنْتَقِضُ العَهْدُ بتَرْكِه، ما خلا الخِصال الثَّلاثِ (١٥) الأُولَى، فإنَّه يَتَعَيَّنُ شرطُها، ويَنْتَقِضُ العَهْدُ بتَرْكِها بكلِّ حالٍ. وقال أبو حنيفة: لا يَنْتَقِضُ العهدُ إلَّا بالامْتِناعِ من الإِمامِ على وجْهٍ (١٦) يتَعذرُ معه أخذُ الجِزْيَه منهم. ولَنا، مع ما ذكرْناه، ما رُوِى أَنَّ عمرَ رُفِعَ إليه رجلٌ قد أرادَ اسْتِكْراهَ امرأةٍ مسلِمَةٍ [على الزِّنَى] (١٧)، فقال: ما عَلَى هذا صالَحْناكُم. وأمرَ به فصُلِ بَ فى بيتِ المقْدِسِ (١٨). ولأنَّ فيه ضَررًا على المسلمين، فأشْبَهَ الامْتناعَ من بَذْلِ الجِزْيَةِ. كلُّ موضع قُلْنا: لا ينْتَقِضُ عهدُه. فإنَّه إنْ فعلَ ما فيه حَدٌّ أُقيمَ عليه حَدُّه أو قِصاصُه، وإن لم يوجبْ حدًّا، عُزِّرَ، ويُفْعَلُ به ما ينْكَفُّ به أمثالُه عن فِعْلِه. فإنْ أرادَ أحدٌ منهم فِعْلَ ذلك كُفَّ عنه، فإنْ مانَعَ بالقتالِ نُقِضَ عهدُه. ومَنْ حَكَمْنا بنَقْضِ عَهْدِه منهم، خُير الإِمامُ فيه بينَ [أربعةِ أشياءَ] (١٩)؛ القتلُ، والاسْتِرْقاقُ، والفِداءُ، والمَنُّ، كالأسيرِ الْحَرْبِىِّ؛ لأنَّه كافِرٌ قَدَرْنا عليه فى دارِنا بغيرِ عَهْدٍ ولا عَقْدٍ، ولا شُبْهَةِ ذلك، فأشْبَهَ اللِّصَّ الْحَرْبِىَّ. ويخْتَصُّ ذلك به دونَ ذُرِّيَتِه؛ لأنَّ النَّقْضَ إنَّما وُجِدَ منه دُونَهم، فاخْتَصَّ به، كما لو أَتَى ما يُوجِبُ حَدًّا أو تَعْزِيرًا. فصل: أمصارُ المسلمين على ثلاثةِ أقسامٍ، أحدُها، ما مَصَّرَه المسلمون، كالبَصْرَةِ والكوفَةِ وبغدادَ ووَاسِطَ، فلا يجوزُ فيه إحْداثُ كنيسةٍ ولا بِيعَةٍ ولا مُجْتَمَعٍ لصلاتِهم، ولا

стр. 6928

يجوزُ صُلْحُهم على ذلك، بدليلِ ما رُوِىَ عن عِكْرِمَةَ، قال: قال ابنُ عبَّاس: أيُّما مِصْرٍ مَصَّرَتْه العربُ، فليس للعجَمِ أَنْ يبْنُوا فيه بِيعَةً، ولا يضْرِبُوا فيه ناقُوسًا، ولا يشْربُوا فيه خمرًا، ولا يتَّخِذُوا فيه خِنْزيرًا. روَاه الإِمامُ أحمدُ (٢٠)، واحتَجَّ به. ولأنَّ هذا البلدَ مِلْكٌ للمسلمين، فلا يجوزُ أَنْ يبْنُوا فيه مَجامِعَ للكُفْرِ. وما وُجِدَ فى هذه البلاد من البيَعِ والكنائِسِ، مثل كنيسة الرُّومِ فى بغداد، فهذه كانت فى قُرَى أهلِ الذِّمَّةِ، فأُقِرَّتْ على ما كانتْ عليه. القسم الثانى، ما فَتَحَهُ المسلمون عَنْوَةً، فلا يجوزُ إحْداثُ شىءٍ من ذلك فيه؛ لأنَّها صارَتْ ملكًا للمسلمين، وما كان فيه من ذلك ففيه وجهان؛ أحدُهما، يجبُ هَدْمُه، وتَحْرُمُ تَبْقِيَتُه؛ لأنَّها بلادٌ مملوكَةٌ للمسلمين، فلم يَجُزْ أَنْ تكونَ فيها بِيعَةٌ، كالبلادِ التى اخْتَطَّها المسلمُون. والثانى، يجوزُ؛ لأنَّ فى حديثِ ابنِ عباس: أيُّما مِصْرٍ مَصَرَّتْه العَجَمُ، فَفَتَحَه اللَّهُ على العَربِ، فنزَلُوه، فإنَّ للعجَمِ ما فى عَهْدِهم. ولأنَّ الصحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فَتَحُوا كثيرًا من البلادِ عَنْوَةً، فلم يَهْدِمُوا شيئًا من الكنائِس. ويَشْهَدُ لصِحَّةِ هذا، وجودُ الكنائِسِ والبِيَعِ فى البلادِ التى فُتِحَتْ عَنْوَة، ومعلومٌ أنَّها ما أُحْدِثَتْ، فيَلْزَمُ أَنْ تكونَ موجودةً فأُبْقِيَتْ. وقد كَتَبَ عمرُ بن عبد العزيز، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى عُمَّالِه، أَنْ لا يهدِمُوا بِيعَةً ولا كنيسةً ولا بَيْتَ نارٍ. ولأنَّ الإجْماعَ قد حَصَلَ على ذلك، فإنَّها موجودَةٌ فى بلادِ (٢١) المسلمين من غيرِ نَكِيرٍ. القسمُ الثالثُ، ما فُتِحَ صُلْحًا، وهو نَوْعان؛ أحدُهما، أَنْ يُصالِحَهم على أَنَّ الأرْضَ لهم، ولنا الخراجُ عنها، فلهم إحداثُ ما يخْتارون (٢٢) فيها؛ لأنَّ الدارَ لَهم. والثانى، أَنْ يُصالِحَهُم على أَنَّ الدارَ للمسلمين، ويُؤَدُّون (٢٣) الجِزْيَةَ إلينا، فالحُكْمُ فى البِيَعِ والكنائِسِ على ما يَقَعُ عليه الصُّلْحُ معهم، من إحْداثِ ذلك، وعِمارَتِه؛ لأنَّه إذا جازَ أَنْ يقَعَ الصُّلْحُ معهم على أن الكُلَّ لهم، جازَ أَنْ

стр. 6929

يُصالَحُوا على أَنْ يكونَ بعضُ البَلَدِ لهم.، ويكون (٢٤) مَوْضِعُ الكنائِس والبِيَعِ مُعَيَّنًا (٢٥) والأوْلَى أَنْ يُصالِحَهم على ما صالَحهم عليه عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ويَشْتَرِطَ عليهم الشُّروطَ المذكورَةَ فى كتابِ عبد الرحمن بن غَنْمٍ، أَنْ لا يُحْدِثُوا بِيعَةً، ولا كنيسَةً، ولا صَوْمَعَةَ راهِبٍ، ولا قلايةً. وإِنْ وقَعَ الصُّلْحُ مُطْلقًا من غيرِ شرْطٍ، حُمِلَ على (٢٦) ما وَقَعَ عليه صُلْحُ عمرَ، وأُخِذُوا بشُروطِه. فأمَّا الذينَ صالَحَهُم عمرُ، وعَقَدَ معهم الذِّمَّةَ، فهم على ما فى كتابِ عبد الرحمن بن غَنْمٍ، مَأْخوذُون بشروطِه كلِّها، وما وُجِدَ فى بلادِ المسلمين من الكنائِسِ والبِيَعِ، فهى على ما كانتْ عليه فى زَمَنِ فاتِحيها ومَنْ بَعْدَهم، وكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: يجوزُ إقرارُها. لم يَجُزْ هَدْمُها، ولهم رَمُّ ما تشَعَّثَ منها، وإصلاحُها؛ لأنَّ المنْعَ من ذلك يُفْضِى إلى خَرابِها وذَهابِها، فجَرَى مَجْرَى هَدْمِها. وإِنْ وقَعَت كلُّها، لم يجُزْ بناؤُها. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافِعِىِّ. وعن أحمد، أنَّه يجوزُ. وهو قولُ أبى حنيفة، والشافِعِىِّ؛ لأنَّه بناءٌ لما اسْتَهْدَمَ، فأشْبَهَ بِناءَ بعضِها إذا انْهَدَمَ، ورَمَّ شَعَثِها، ولأنَّ اسْتدامَتَها جائزَةٌ، وبناؤُها كاستدامَتِها. وحَمل الخَلَّالُ قولَ أحمدَ: لهم أَنْ يبْنُوا ما انْهَدَمَ منها. أى إذا انْهَدَمَ بعْضُها، ومَنْعَهُ من بِناءِ ما انْهَدَمَ، على [ما إذا] (٢٧) انْهَدَمَت كُلُّها، فجَمَعَ بين الرِّوايَتَيْن. ولَنا، أَنَّ فى كتابِ أهلِ الجزيرَةِ لعياض (٢٨) بن غَنْمٍ: ولا نُجَدِّدَ ما خَرِبَ من كَنائِسِنا. وروى كثيرُ بن مُرَّة، قال: سمِعْتُ عمرَ بن الخطاب يقولُ: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا تُبْنَى الْكَنِيسَةُ فِى الإِسْلَامِ، ولَا يُجَدَّدُ ما خَرِبَ مِنْهَا" (٢٩). ولأنَّ هذا بناءُ كنيسَةٍ (٣٠) فى دارِ الإِسلامِ، فلم يَجُزْ، كما لو ابتُدِى بناؤُها. وفارَقَ رَمّ [ما تَشَعَّثَ] (٣١)؛ فإنَّه إبْقاءٌ واسْتدامَةٌ، وهذا إحْداثٌ.

стр. 6930

فصل: ومَن اسْتَحْدَثَ من أهلِ الذِّمَّةِ بِناءً، لم يُجزْ له مَنْعُه حتى يكونَ أطْولَ من بناءِ المسلمين المُجاورِين له، لما رُوِىَ عن النَّبِىّ ﷺ ، أنَّه قال: "الْإِسْلَامُ يَعْلُو ولَا يُعْلَى" (٣٢). ولأَنَّ فى ذلك رُتْبَة على المسلمين، وأهلُ الذِّمَّةِ مَمْنُوعون من ذلك، ولهذا يُمْنَعُونَ من صُدورِ المجالِسِ، ويُلْجَأُون إلى أضْيَقِ الطُّرُقِ. ولا يُمْنَعُ من تَعْلِيَةِ بنائِه على مَنْ ليس بمُجاوِرٍ له؛ لأنَّ عُلُوَّها إنَّما يكون ضررًا على المُجاوِرِ لها، دونَ غيرِه. وفى جَوازِ مُساواةِ المسلمين وَجْهان؛ أحدُهما، الجوازُ، لأنَّه ليس بمُسْتطيلٍ على المسلمين. والثانى، المَنْعُ؛ لقولِه ﵇: "الْإِسْلَامُ يَعْلُو ولَا يُعْلَى". ولأنَّهُم مُنِعُوا من مُساواةِ المسلمين فى لِباسِهِم وشُعورِهم ورُكوبِهم، كذلك فى بنائِهم. فإنْ كان للذِّمِّىّ دارٌ عالِيةٌ، فملكَ المسلمُ دارًا إلى جانِبِها، أو بَنَى المسلمُ إلى جانِبِ دارِ ذمِّىٍّ دارًا دُونَها، أو اشْتَرَى ذِمِّىٌّ دارًا عاليةً لمسلمٍ، فلَهُ سُكْنَى دارِه، ولا يلْزَمُه هَدْمُها؛ لأنَّه لم يَعْلُ على المسلمين شيئًا. فإن انْهَدَمَتْ دارُه العالِيةُ، ثم جَدَّدَ بناءَها (٣٣)، لم يُجزْ له تَعْلِيَتُه على بناءِ المسلمين. وإن انْهَدَمَ ما عَلَا منها، لم تكُنْ له إعادَتُه. وإِنْ تَشَعَّثَ منه شىءٌ ولم يَنْهدِمْ، فله رَمُّه وإصْلاحُه؛ لأنَّه مَلَكَ اسْتدامَتَه، فَملَك رَمَّ شَعَثِه، كالكَنِيسَةِ. فصل: ولا يجوزُ لأحَدٍ منهم سُكْنَى الحجازِ. وبهِذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ. إلَّا أنّ مالكًا قال: أرَى أَنْ يُجْلَوْا من أرضِ العربِ كلِّها؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لَا يَجْتَمِعُ دِيْنَانِ فِى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" (٣٤). ورَوَى أبو داوُدَ (٣٥)، بإسْنادِه عن عمر، أَنَّه سمِعَ رسولَ

стр. 6931

اللَّه ﷺ يقول: "لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ والنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَلَا أتْرُكُ فِيَها إلَّا مُسْلِمًا". قال الترمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن ابن عبَّاسٍ، قال: أوْصَى رسولُ اللَّه ﷺ بثلاثَةِ أشياءَ، قال: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ". وسكتَ عن الثالث. روَاه أبو داوُدَ (٣٦). وجزيرَةُ العربِ ما بَيْنَ الوادِى إلى أقْصَى الْيَمَنِ. قالَه سعيدُ بن عبد العزيز. وقال الأصمَعِىُّ وأبو عُبَيْدٍ: هى من ريِفِ العراقِ إلى عَدَن طُولًا، ومن تِهامَةَ وما وَراءَها إلى أطْرافِ الشامِ عَرْضًا. وقال أبو عُبَيْدَةَ: هى من حَفْرِ أبى موسى (٣٧) إلى اليَمَنِ طُولًا، ومن رَمْلِ يَبْرِينَ (٣٨) إلى مُنْقَطَعِ السَّماوَةِ (٣٩) عَرْضًا. قال الخليلُ: إنَّما قيلَ لها جزيرةٌ (٤٠)؛ لأنَّ بحرَ الحَبَشِ (٤١) وبحرَ فارِس والفُراتَ قد أحاطَتْ بها، ونُسِبَتْ إلى العربِ؛ لأنَّها أرْضُها ومَسْكنُها ومَعْدِنُها. وقال أحمد: جزيرةُ العرب المدينةُ وما وَالاها. يعنى أَنَّ الممْنوعَ من سُكْنَى الكُفَّارِ به (٤٢) المدينة وما وَالَاها، وهو مكًّةُ واليَمامَةُ وخَيْبَرُ واليَنْبُعُ وفَدَكُ ومَخاليفُها، وما والاها. وهذا قولُ الشافِعِىّ؛ لأنَّهُم لم يُجْلَوْا من تَيْماءَ (٤٣)، ولا من اليَمَنِ. وقد رُوِىَ عن أبى عُبَيْدَةَ بن الْجَرَّاحِ، أنَّه قال: إنَّ آخِرَ ما تَكَلَّمَ به النَّبىُّ ﷺ أَنْ (٤٤) قال: "اخرِجُوا الْيَهُودَ مِنَ الْحِجَازِ" (٤٥). فأمَّا إخْراجُ أهل نَجْرانَ منه، فلأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صالَحَهُم على تَرْكِ الرِّبَا، فنَقَضُوا

стр. 6932

عَهْدَه (٤٦). فكأنَّ جزيرةَ العرَبِ فى تلك الأحاديث أُريِدَ بها الحجازُ، وإنَّما سُمِّىَ حِجازًا؛ لأنَّه حَجَزَ بين تِهامَةَ ونَجْد. ولا يُمْنَعُون أيضًا من أطْرافِ الحجازِ، كتَيْماءَ وفَيْد (٤٧) ونحوِهما؛ لأنَّ عمرَ لم يَمْنَعْهُم مِن ذلك. فصل: ويجوزُ لهم دخولُ الحجازِ للتِّجارَةِ؛ لأنَّ النَّصارَى كانُوا يَتَّجِرُون إلى المدينةِ فى زَمَنِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وأتاه شيخٌ بالمدينةِ، فقال: أنا الشيخُ النَّصْرانِىُّ، وإنَّ عامِلَك عَشَرَنِى مَرَتَيْن. فقال عمرُ: وأنا الشيخُ الحَنِيفُ (٤٨). وكتَبَ له عمرُ، أَنْ لا يُعْشرُوا (٤٩) فى السَّنةِ إلَّا مَرَّةً (٥٠). ولَا يأْذَنُ لهم فى الإِقامَةِ أكثرَ من ثلاثَةِ أيَّامٍ -على ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه- ثمّ ينْتَقِلُ عنه. وقال القاضى: يُقيمُ أربعَةَ أيامٍ حَدَّ ما يُتِمُّ المسافِرُ الصلاةَ. والحُكْمُ فى دُخولِهم إلى الحجازِ فى اعْتبارِ الإِذنِ، كالحُكْمِ فى دُخولِ أهلِ الحرْبِ دارَ الإِسْلامِ. وإذا مَرضَ بالحجازِ، جازَتْ له الإِقامةُ؛ لأنَّه يَشُقُّ الانْتِقالُ على المريضِ، وتجوزُ الإِقامةُ لمَنْ يُمَرِّضُه؛ لأنَّه لا يَسْتَغْنى عنه. وإِنْ كان له دَيْنٌ على أحَدٍ (٥١)، وكان حالًّا، أُجْبِرَ غَرِيمُه على وَفائِه، فإن تعَذَّرَ وَفاؤُه لمَطْلٍ، أو تَغَيَّبَ عنه، فيَنْبَغِى أَنْ يُمَكَّنَ من الإِقامَةِ، ليَسْتَوْفِىَ دينه؛ لأنَّ التَّعَدِّى من غيرِه، وفى إخْراجِه ذَهابُ مالِه. وإِنْ كان الدَّيْنُ مُؤجَّلًا، لم يُمَكَّنْ من الإِقامَةِ، ويُوَكِّلُ مَنْ يَسْتَوْفِيه له؛ لأنَّ التَّفْريطَ منه. وإِنْ دَعَت الحاجَةُ إلى الإِقامَةِ لِيَبيعَ بِضاعَتَه، احْتَمَلَ أَنْ يجوزَ؛ لأنَّ فى تَكْليفِه تَرْكَها أو حَمْلَها معه ضَياعَ مالِه، وذلك ممَّا يَمْنَعُ من الدُّخولِ بالبضائِع إلى الحجازِ، فتَفُوتُ مَصْلحتُهم، وتَلحَقُهم المَضَرَّةُ، بانْقِطاعِ الجَلَبِ عنهم. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعَ من الإِقامَةِ؛ لأنَّ له من الإِقامةِ بُدًّا. فإنْ أرادَ الانْتِقالَ إلى مكانٍ آخَرَ من الحجازِ، جازَ، ويقيمُ فيه أيضًا ثلاثةَ أيامٍ، أو أربعةً، على (٥٢) الخلافِ فيه، وكذلك إذا انتقَلَ منه إلى مكانٍ آخَرَ،

стр. 6933

جازَ، ولو حصَلَت الإِقامَةُ فى الجميعِ شهرًا. وإذا ماتَ بالحجازِ دُفِنَ به؛ لأنَّه يَشُقُّ نَقْلُه، وإذا جازَت الإِقامَةُ للمرِيضِ، فدَفْنُ المَيِّتِ أوْلَى. فصل: فأمَّا الحَرَمُ، فليس لهم دُخولُه بحالٍ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفة: لهم دخولُه كالحجازِ كلِّه، ولا يَسْتَوْطِنُون به، ولهم دخولُ الكَعْبَةِ، والمَنْعُ (٥٣) من الاسْتِيطانِ لا يَمْنَعُ الدُّخولَ والتَّصَرُّفَ، كالحجازِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٥٤). والمرادُ به الحَرَمُ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ (٥٤) يُرِيدُ: ضَرَرًا بتأخِيرِ الجَلَبِ عن الحَرَمِ دُونَ المَسْجدِ. ويجوزُ تَسْمِيَةُ الحرمِ المسجدَ الحرامَ، بدليل قول اللَّه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٥٥). وإنَّما أُسْرِىَ به من بيتِ أمِّ هانِئٍ من خارِجِ المسجدِ. ويُخالِفُ الحجازَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى مَنَعَ منه (٥٦) مع إذْنِه فى الحجازِ، فإنَّ هذه الآيةَ نَزَلَت واليَهُودُ بخَيْبَرَ والمدينةِ وغيرِهما من الحجاز، ولم يُمْنَعُوا من الإِقامَةِ به، وأوَّلُ مَنْ اجْلاهُم عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه (٥٧). ولأنَّ الحرَمَ أشْرَفُ، لتَعلُّقِ النُّسُكِ به، ويَحْرُمُ (٥٨) صَيْدُه وشجَرُه والمُلْتَجِئُ إليه، فلا يُقاسُ غيرُه (٥٩) عليه. فإنْ أرادَ كافِرٌ الدُّخولَ إليه، مُنِع منه. فإنْ كانت معه مِيرَةٌ أو تجارَةٌ، خرَجَ إليه من يَشْتَرِى منه، ولم يُتْرَكْ هو يدخلُ. وإِنْ كان رسولًا إلى إمامٍ بالحرمِ، خَرجَ إليه مَنْ يسْمَعُ رسالَتَه، ويُبَلِّغُها إيَّاه. فإن قال: لا بُدَّ لى من لقاءِ الإِمامِ، وكانت المصْلحَةُ فى ذلك، خَرَجَ إليه الإِمامُ، ولم يَأْذَنْ له فى الدُّخولَ، فإنْ دخل الحرمَ عالِمًا بالمَنْعِ، عُزِّرَ، وإِنْ دَخَلَ جاهلًا، نُهِىَ وهُدِّدَ. فإنْ مرِضَ بالحَرمِ (٥٦) أو ماتَ، أُخْرِجَ ولم يُدْفَنْ به؛ لأنَّ حُرْمَةَ

стр. 6934

الحرَمِ أعْظمُ. ويُفارِقُ الحجازَ من وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أَنَّ دخُولَه إلى الحرَمِ حَرامٌ، وإقامَتَه به حَرامٌ، بخلافِ الحجازِ. والثانى، أَنَّ خروجَه من الحرَمِ سهلٌ مُمْكِنٌ، لقُرْبِ الحِلِّ منه، وخُروجَه من الحجازِ فى مَرَضِه صَعْبٌ مُمْتَنِعٌ. وإِنْ دُفِنَ، نُبِشَ وأُخْرِجَ، إلَّا أَنْ يصْعُبَ إخْراجُه، لنَتْنِهِ وتقَطُّعِه. وإِنْ صالَحَهم الإِمامُ على دُخولِ الحرمِ بعِوَضٍ، فالصُّلْحُ باطلٌ. فإنْ دَخَلُوا إلى المَوضِعِ الذى صالَحَهم عليه، لم يُرَدَّ عليهم العِوَضُ؛ لأنَّهم قد اسْتَوْفُوا ما صالَحَهُم عليه. وإِنْ وَصَلُوا إلى بعضِه، أخِذَ من العِوَضِ بقَدْرِه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُرَدَّ عليهم بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما اسْتَوْفُوه (٦٠) لا قِيمَةَ له، والعَقْدُ لم يُوجِبْ العِوَضَ، لِكَوْنِه باطلًا. فصل: فأمَّا مساجدُ الحِلِّ، فليس لهم دُخولُها بغيرِ إذْنِ المسلمين؛ لأنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، [بَصُرَ بمَجُوسىٍّ وهو على المِنْبَرِ، وقد دخَلَ المسجِدَ، فنزَلَ، وضَرَبَه، وأخْرَجَه من بابِ (٦١) كِنْدَةَ] (٦٢). فإنْ أُذِنَ لهم فى دُخولِها، جازَ، فى الصَّحيحِ من المذهبِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَدِمَ عليه وفْدُ أهلِ الطائِفِ، فأنْزَلَهم فى (٦٣) المسجِدِ قبلَ إسْلامِهِم (٦٤). وقال سعيدُ بن المُسيَّب: قد كان أبو سُفْيان يَدْخُلُ مَسْجدَ المدينَةِ (٦٥) وهو على شِرْكِه (٦٦). وقَدِمَ عُمَيْرُ (٦٧) بن وَهْبٍ، فدَخَلَ المسجدَ والنَّبِىُّ ﷺ فيه، ليَفْتِكَ به، فرَزَقَه اللَّه الإِسلامَ (٦٨). وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، ليس لهم دخولُه بحالٍ؛ لأنَّ أبا موسى دَخَلَ على عمرَ ومعه كتابٌ قد كُتِبَ فيه حسابُ عَمَلِه، فقال له عمرُ: ادْعُ الذى كَتَبَه ليَقْرأَهُ. قال: إنَّه لا يدْخُلُ المسجِدَ. قال: ولِمَ [لا يَدْخُلُ المسجدَ] (٦٩)؟ قال: إنَّه نَصْرَانِىٌّ (٧٠). [وهذا اتِّفاقٌ منهم على أنَّه لا يدخلَ المسجدَ] (٦٩)، وفيه دليلٌ على شُهْرَةِ ذلك بينهم،

стр. 6935

وتَقَرُّرِه عنَدهم. ولأنَّ حَدثَ الجنابَةِ والحَيْضِ والنّفاسِ يَمْنَعُ المُقامَ فى المسجدِ، فحَدَثُ الشِّرْكِ أَوْلَى. فصل: والمأْخُوذُ فى أحْكامِ الذِّمَّةِ ينْقَسِمُ خمسةَ أقْسامٍ، أحدُها، ما لا يَتِمُّ العَقْدُ إلَّا بذِكْرِه، وهو شيئان، الْتزامُ الجِزْيَةِ، وجَرَيانُ أحكامِنا عليهم. فإنْ أخلَّ بذكْرِ واحدٍ منهما، لم يَصِحّ العَقْدُ. وفى معناهما تَرْكُ قِتالِ المسلمين، فإنَّه وإِنْ لم يذْكُر لفظَه، فذِكْرُ المعاهَدَةِ يَقْتَضِيه. القسم الثانى، ما فيه ضَرَرٌ على المسلمين فى أنْفُسِهم، وهو ثَمانِى خِصالٍ، ذكرْناها فيما تقدَّمَ (٧١). القسم الثالث، ما فيه غَضاضَةٌ على المسلمين، وهو ذكرُ ربِّهم أو كتابِهم أو دينِهم أو رسولِهم بسُوءٍ. القسمُ الرابعُ، ما فيه إظهارُ مُنْكَرٍ، وهو خَمْسَةُ أشياء؛ إحداثُ البِيَعِ والكنائِسِ ونحوِها، ورَفْعُ أصْواتِهم بكُتُبِهم بينَ المُسْلِمين، وإظهارُ الخَمْرِ (٧٢) والخنزيرِ، والضَّرْبُ بالنَّواقِيسِ، وتَعْلِيَةُ البُنْيان على أبنِيَة المسلمين، والإِقامَةُ بالحجازِ، ودُخولُ الحَرَمِ، فيَلْزَمُهُم الكَفُّ عنه، سواءٌ شُرطَ عليهم أو لم يُشْرَطْ، فى جميعِ ما فى هذه الأقسامِ الثلاثة. القسمُ الخامسُ، التَّمَيُّزُ على المسلمين فى أربَعَةِ أشياء؛ لباسِهِمِ، وشُعُورِهم، ورُكُوبِهم، وكُناهُم. أمَّا لِباسُهم، فهو أَنْ يَلْبَسُوا ثوبًا يُخالِفُ لَوْنُه لون سائِرِ الثِّيابِ، فعادَةُ اليهودِ العَسَلِىُّ، وعادَةُ النَّصارَى الأَدْكَنُ، وهو الفَاخِتِىُّ، ويكونُ هذا فى (٧٣) ثوبٍ واحدٍ، لا فى جميعِها، ليقَعَ الفَرْقُ، ويضيفُ إلى هذا شَدَّ الزُّنَّارِ فوقَ ثَوْبِه (٧٤)، إنْ كان نَصْرانِيًّا، أو عَلامةً أُخْرَى إنْ لم يكُن نَصْرانيًّا، كخِرْقَةٍ يجعلُها فى عمامَتِه أو قَلَنْسُوَتِه، يُخالِفُ لونُها لونَها، ويُخْتَمُ فى رَقبَتِه خاتَمَ رَصاصٍ أو حديدٍ أو جُلْجُلٍ؛ ليُفرَّقَ بينه وبين المسلمين فى الحَمَّام، ويَلْبَسُ نساؤُهم ثَوْبًا مُلوَّنًا، ويُشَدُّ الزُّنَّارُ تحت ثيابِهم، وتُخْتمُ فى رقَبَتِها. ولا يُمْنَعون لُبْسَ فاخِر الثِّيابِ، ولا العمائِمِ، ولا الطَّيْلَسانِ؛ لأنَّ التَّمْيِيزَ حَصَلَ بالغِيَارِ والزُّنَّارِ. وأمَّا الشُّعورُ، فإنَّهُم يَحْذِفُون مَقادِيمَ (٧٥)
следующие страницы →