← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

اللَّه ﷺ يقول: "لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ والنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَلَا أتْرُكُ فِيَها إلَّا مُسْلِمًا". قال الترمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن ابن عبَّاسٍ، قال: أوْصَى رسولُ اللَّه ﷺ بثلاثَةِ أشياءَ، قال: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ". وسكتَ عن الثالث. روَاه أبو داوُدَ (٣٦). وجزيرَةُ العربِ ما بَيْنَ الوادِى إلى أقْصَى الْيَمَنِ. قالَه سعيدُ بن عبد العزيز. وقال الأصمَعِىُّ وأبو عُبَيْدٍ: هى من ريِفِ العراقِ إلى عَدَن طُولًا، ومن تِهامَةَ وما وَراءَها إلى أطْرافِ الشامِ عَرْضًا. وقال أبو عُبَيْدَةَ: هى من حَفْرِ أبى موسى (٣٧) إلى اليَمَنِ طُولًا، ومن رَمْلِ يَبْرِينَ (٣٨) إلى مُنْقَطَعِ السَّماوَةِ (٣٩) عَرْضًا. قال الخليلُ: إنَّما قيلَ لها جزيرةٌ (٤٠)؛ لأنَّ بحرَ الحَبَشِ (٤١) وبحرَ فارِس والفُراتَ قد أحاطَتْ بها، ونُسِبَتْ إلى العربِ؛ لأنَّها أرْضُها ومَسْكنُها ومَعْدِنُها. وقال أحمد: جزيرةُ العرب المدينةُ وما وَالاها. يعنى أَنَّ الممْنوعَ من سُكْنَى الكُفَّارِ به (٤٢) المدينة وما وَالَاها، وهو مكًّةُ واليَمامَةُ وخَيْبَرُ واليَنْبُعُ وفَدَكُ ومَخاليفُها، وما والاها. وهذا قولُ الشافِعِىّ؛ لأنَّهُم لم يُجْلَوْا من تَيْماءَ (٤٣)، ولا من اليَمَنِ. وقد رُوِىَ عن أبى عُبَيْدَةَ بن الْجَرَّاحِ، أنَّه قال: إنَّ آخِرَ ما تَكَلَّمَ به النَّبىُّ ﷺ أَنْ (٤٤) قال: "اخرِجُوا الْيَهُودَ مِنَ الْحِجَازِ" (٤٥). فأمَّا إخْراجُ أهل نَجْرانَ منه، فلأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صالَحَهُم على تَرْكِ الرِّبَا، فنَقَضُوا

стр. 6932

عَهْدَه (٤٦). فكأنَّ جزيرةَ العرَبِ فى تلك الأحاديث أُريِدَ بها الحجازُ، وإنَّما سُمِّىَ حِجازًا؛ لأنَّه حَجَزَ بين تِهامَةَ ونَجْد. ولا يُمْنَعُون أيضًا من أطْرافِ الحجازِ، كتَيْماءَ وفَيْد (٤٧) ونحوِهما؛ لأنَّ عمرَ لم يَمْنَعْهُم مِن ذلك. فصل: ويجوزُ لهم دخولُ الحجازِ للتِّجارَةِ؛ لأنَّ النَّصارَى كانُوا يَتَّجِرُون إلى المدينةِ فى زَمَنِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وأتاه شيخٌ بالمدينةِ، فقال: أنا الشيخُ النَّصْرانِىُّ، وإنَّ عامِلَك عَشَرَنِى مَرَتَيْن. فقال عمرُ: وأنا الشيخُ الحَنِيفُ (٤٨). وكتَبَ له عمرُ، أَنْ لا يُعْشرُوا (٤٩) فى السَّنةِ إلَّا مَرَّةً (٥٠). ولَا يأْذَنُ لهم فى الإِقامَةِ أكثرَ من ثلاثَةِ أيَّامٍ -على ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه- ثمّ ينْتَقِلُ عنه. وقال القاضى: يُقيمُ أربعَةَ أيامٍ حَدَّ ما يُتِمُّ المسافِرُ الصلاةَ. والحُكْمُ فى دُخولِهم إلى الحجازِ فى اعْتبارِ الإِذنِ، كالحُكْمِ فى دُخولِ أهلِ الحرْبِ دارَ الإِسْلامِ. وإذا مَرضَ بالحجازِ، جازَتْ له الإِقامةُ؛ لأنَّه يَشُقُّ الانْتِقالُ على المريضِ، وتجوزُ الإِقامةُ لمَنْ يُمَرِّضُه؛ لأنَّه لا يَسْتَغْنى عنه. وإِنْ كان له دَيْنٌ على أحَدٍ (٥١)، وكان حالًّا، أُجْبِرَ غَرِيمُه على وَفائِه، فإن تعَذَّرَ وَفاؤُه لمَطْلٍ، أو تَغَيَّبَ عنه، فيَنْبَغِى أَنْ يُمَكَّنَ من الإِقامَةِ، ليَسْتَوْفِىَ دينه؛ لأنَّ التَّعَدِّى من غيرِه، وفى إخْراجِه ذَهابُ مالِه. وإِنْ كان الدَّيْنُ مُؤجَّلًا، لم يُمَكَّنْ من الإِقامَةِ، ويُوَكِّلُ مَنْ يَسْتَوْفِيه له؛ لأنَّ التَّفْريطَ منه. وإِنْ دَعَت الحاجَةُ إلى الإِقامَةِ لِيَبيعَ بِضاعَتَه، احْتَمَلَ أَنْ يجوزَ؛ لأنَّ فى تَكْليفِه تَرْكَها أو حَمْلَها معه ضَياعَ مالِه، وذلك ممَّا يَمْنَعُ من الدُّخولِ بالبضائِع إلى الحجازِ، فتَفُوتُ مَصْلحتُهم، وتَلحَقُهم المَضَرَّةُ، بانْقِطاعِ الجَلَبِ عنهم. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعَ من الإِقامَةِ؛ لأنَّ له من الإِقامةِ بُدًّا. فإنْ أرادَ الانْتِقالَ إلى مكانٍ آخَرَ من الحجازِ، جازَ، ويقيمُ فيه أيضًا ثلاثةَ أيامٍ، أو أربعةً، على (٥٢) الخلافِ فيه، وكذلك إذا انتقَلَ منه إلى مكانٍ آخَرَ،

стр. 6933

جازَ، ولو حصَلَت الإِقامَةُ فى الجميعِ شهرًا. وإذا ماتَ بالحجازِ دُفِنَ به؛ لأنَّه يَشُقُّ نَقْلُه، وإذا جازَت الإِقامَةُ للمرِيضِ، فدَفْنُ المَيِّتِ أوْلَى. فصل: فأمَّا الحَرَمُ، فليس لهم دُخولُه بحالٍ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفة: لهم دخولُه كالحجازِ كلِّه، ولا يَسْتَوْطِنُون به، ولهم دخولُ الكَعْبَةِ، والمَنْعُ (٥٣) من الاسْتِيطانِ لا يَمْنَعُ الدُّخولَ والتَّصَرُّفَ، كالحجازِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٥٤). والمرادُ به الحَرَمُ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ (٥٤) يُرِيدُ: ضَرَرًا بتأخِيرِ الجَلَبِ عن الحَرَمِ دُونَ المَسْجدِ. ويجوزُ تَسْمِيَةُ الحرمِ المسجدَ الحرامَ، بدليل قول اللَّه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٥٥). وإنَّما أُسْرِىَ به من بيتِ أمِّ هانِئٍ من خارِجِ المسجدِ. ويُخالِفُ الحجازَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى مَنَعَ منه (٥٦) مع إذْنِه فى الحجازِ، فإنَّ هذه الآيةَ نَزَلَت واليَهُودُ بخَيْبَرَ والمدينةِ وغيرِهما من الحجاز، ولم يُمْنَعُوا من الإِقامَةِ به، وأوَّلُ مَنْ اجْلاهُم عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه (٥٧). ولأنَّ الحرَمَ أشْرَفُ، لتَعلُّقِ النُّسُكِ به، ويَحْرُمُ (٥٨) صَيْدُه وشجَرُه والمُلْتَجِئُ إليه، فلا يُقاسُ غيرُه (٥٩) عليه. فإنْ أرادَ كافِرٌ الدُّخولَ إليه، مُنِع منه. فإنْ كانت معه مِيرَةٌ أو تجارَةٌ، خرَجَ إليه من يَشْتَرِى منه، ولم يُتْرَكْ هو يدخلُ. وإِنْ كان رسولًا إلى إمامٍ بالحرمِ، خَرجَ إليه مَنْ يسْمَعُ رسالَتَه، ويُبَلِّغُها إيَّاه. فإن قال: لا بُدَّ لى من لقاءِ الإِمامِ، وكانت المصْلحَةُ فى ذلك، خَرَجَ إليه الإِمامُ، ولم يَأْذَنْ له فى الدُّخولَ، فإنْ دخل الحرمَ عالِمًا بالمَنْعِ، عُزِّرَ، وإِنْ دَخَلَ جاهلًا، نُهِىَ وهُدِّدَ. فإنْ مرِضَ بالحَرمِ (٥٦) أو ماتَ، أُخْرِجَ ولم يُدْفَنْ به؛ لأنَّ حُرْمَةَ

стр. 6934

الحرَمِ أعْظمُ. ويُفارِقُ الحجازَ من وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أَنَّ دخُولَه إلى الحرَمِ حَرامٌ، وإقامَتَه به حَرامٌ، بخلافِ الحجازِ. والثانى، أَنَّ خروجَه من الحرَمِ سهلٌ مُمْكِنٌ، لقُرْبِ الحِلِّ منه، وخُروجَه من الحجازِ فى مَرَضِه صَعْبٌ مُمْتَنِعٌ. وإِنْ دُفِنَ، نُبِشَ وأُخْرِجَ، إلَّا أَنْ يصْعُبَ إخْراجُه، لنَتْنِهِ وتقَطُّعِه. وإِنْ صالَحَهم الإِمامُ على دُخولِ الحرمِ بعِوَضٍ، فالصُّلْحُ باطلٌ. فإنْ دَخَلُوا إلى المَوضِعِ الذى صالَحَهم عليه، لم يُرَدَّ عليهم العِوَضُ؛ لأنَّهم قد اسْتَوْفُوا ما صالَحَهُم عليه. وإِنْ وَصَلُوا إلى بعضِه، أخِذَ من العِوَضِ بقَدْرِه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُرَدَّ عليهم بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما اسْتَوْفُوه (٦٠) لا قِيمَةَ له، والعَقْدُ لم يُوجِبْ العِوَضَ، لِكَوْنِه باطلًا. فصل: فأمَّا مساجدُ الحِلِّ، فليس لهم دُخولُها بغيرِ إذْنِ المسلمين؛ لأنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، [بَصُرَ بمَجُوسىٍّ وهو على المِنْبَرِ، وقد دخَلَ المسجِدَ، فنزَلَ، وضَرَبَه، وأخْرَجَه من بابِ (٦١) كِنْدَةَ] (٦٢). فإنْ أُذِنَ لهم فى دُخولِها، جازَ، فى الصَّحيحِ من المذهبِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَدِمَ عليه وفْدُ أهلِ الطائِفِ، فأنْزَلَهم فى (٦٣) المسجِدِ قبلَ إسْلامِهِم (٦٤). وقال سعيدُ بن المُسيَّب: قد كان أبو سُفْيان يَدْخُلُ مَسْجدَ المدينَةِ (٦٥) وهو على شِرْكِه (٦٦). وقَدِمَ عُمَيْرُ (٦٧) بن وَهْبٍ، فدَخَلَ المسجدَ والنَّبِىُّ ﷺ فيه، ليَفْتِكَ به، فرَزَقَه اللَّه الإِسلامَ (٦٨). وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، ليس لهم دخولُه بحالٍ؛ لأنَّ أبا موسى دَخَلَ على عمرَ ومعه كتابٌ قد كُتِبَ فيه حسابُ عَمَلِه، فقال له عمرُ: ادْعُ الذى كَتَبَه ليَقْرأَهُ. قال: إنَّه لا يدْخُلُ المسجِدَ. قال: ولِمَ [لا يَدْخُلُ المسجدَ] (٦٩)؟ قال: إنَّه نَصْرَانِىٌّ (٧٠). [وهذا اتِّفاقٌ منهم على أنَّه لا يدخلَ المسجدَ] (٦٩)، وفيه دليلٌ على شُهْرَةِ ذلك بينهم،

стр. 6935

وتَقَرُّرِه عنَدهم. ولأنَّ حَدثَ الجنابَةِ والحَيْضِ والنّفاسِ يَمْنَعُ المُقامَ فى المسجدِ، فحَدَثُ الشِّرْكِ أَوْلَى. فصل: والمأْخُوذُ فى أحْكامِ الذِّمَّةِ ينْقَسِمُ خمسةَ أقْسامٍ، أحدُها، ما لا يَتِمُّ العَقْدُ إلَّا بذِكْرِه، وهو شيئان، الْتزامُ الجِزْيَةِ، وجَرَيانُ أحكامِنا عليهم. فإنْ أخلَّ بذكْرِ واحدٍ منهما، لم يَصِحّ العَقْدُ. وفى معناهما تَرْكُ قِتالِ المسلمين، فإنَّه وإِنْ لم يذْكُر لفظَه، فذِكْرُ المعاهَدَةِ يَقْتَضِيه. القسم الثانى، ما فيه ضَرَرٌ على المسلمين فى أنْفُسِهم، وهو ثَمانِى خِصالٍ، ذكرْناها فيما تقدَّمَ (٧١). القسم الثالث، ما فيه غَضاضَةٌ على المسلمين، وهو ذكرُ ربِّهم أو كتابِهم أو دينِهم أو رسولِهم بسُوءٍ. القسمُ الرابعُ، ما فيه إظهارُ مُنْكَرٍ، وهو خَمْسَةُ أشياء؛ إحداثُ البِيَعِ والكنائِسِ ونحوِها، ورَفْعُ أصْواتِهم بكُتُبِهم بينَ المُسْلِمين، وإظهارُ الخَمْرِ (٧٢) والخنزيرِ، والضَّرْبُ بالنَّواقِيسِ، وتَعْلِيَةُ البُنْيان على أبنِيَة المسلمين، والإِقامَةُ بالحجازِ، ودُخولُ الحَرَمِ، فيَلْزَمُهُم الكَفُّ عنه، سواءٌ شُرطَ عليهم أو لم يُشْرَطْ، فى جميعِ ما فى هذه الأقسامِ الثلاثة. القسمُ الخامسُ، التَّمَيُّزُ على المسلمين فى أربَعَةِ أشياء؛ لباسِهِمِ، وشُعُورِهم، ورُكُوبِهم، وكُناهُم. أمَّا لِباسُهم، فهو أَنْ يَلْبَسُوا ثوبًا يُخالِفُ لَوْنُه لون سائِرِ الثِّيابِ، فعادَةُ اليهودِ العَسَلِىُّ، وعادَةُ النَّصارَى الأَدْكَنُ، وهو الفَاخِتِىُّ، ويكونُ هذا فى (٧٣) ثوبٍ واحدٍ، لا فى جميعِها، ليقَعَ الفَرْقُ، ويضيفُ إلى هذا شَدَّ الزُّنَّارِ فوقَ ثَوْبِه (٧٤)، إنْ كان نَصْرانِيًّا، أو عَلامةً أُخْرَى إنْ لم يكُن نَصْرانيًّا، كخِرْقَةٍ يجعلُها فى عمامَتِه أو قَلَنْسُوَتِه، يُخالِفُ لونُها لونَها، ويُخْتَمُ فى رَقبَتِه خاتَمَ رَصاصٍ أو حديدٍ أو جُلْجُلٍ؛ ليُفرَّقَ بينه وبين المسلمين فى الحَمَّام، ويَلْبَسُ نساؤُهم ثَوْبًا مُلوَّنًا، ويُشَدُّ الزُّنَّارُ تحت ثيابِهم، وتُخْتمُ فى رقَبَتِها. ولا يُمْنَعون لُبْسَ فاخِر الثِّيابِ، ولا العمائِمِ، ولا الطَّيْلَسانِ؛ لأنَّ التَّمْيِيزَ حَصَلَ بالغِيَارِ والزُّنَّارِ. وأمَّا الشُّعورُ، فإنَّهُم يَحْذِفُون مَقادِيمَ (٧٥)

стр. 6936

رءُوسِهم، ويَجُزُّون شُعورَهم، ولَا يفْرِقُون شُعورَهم؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَرَقَ شَعَرَه (٧٦). وأمَّا الرُّكُوبُ، فلا يرْكَبُون الخيلَ؛ لأنَّ رُكوَبها عِزٌّ، ولهم ركوبُ ما سِوَاها، ولا يرْكَبُون السُّروجَ، ويركبون عَرْضًا، رجْلَاه إلى جانِبٍ وظَهْرُه إلى آخَرَ؛ لما رَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، أنَّ عمرَ أُمرَ بِجَزِّ نَواصِى أهلِ الذِّمّةِ، وأنْ يَشُدُّوا الْمَناطِقَ، وأنْ يرْكَبُوا الأُكُفَ بالعَرْضِ (٧٧). ويُمْنَعُونَ تقَلُّدَ السيوفِ، وحملَ السِّلاحِ، واتِّخاذَه. وأمَّا الكُنَى، فلا يكْتَنُون (٧٨) بِكُنَى المسلمين، كأبى القاسِمِ، وأبى عبدِ اللَّه، وأبى محمد، وأبى بكْرٍ، وأبى الحسنِ، وشِبْهِها، ولا يُمْنَعون الكُنَى بالكُلِّيَّةِ، فإنَّ أحمدَ قال لطبيبٍ نَصْرانِىٍّ: يا أبا إسحاق. وقال: أليس النَّبِىُّ ﷺ حين (٧٩) دَخَلَ على سعد (٨٠) بن عُبادَةَ قال: "أما تَرَى مَا يَقُولُ أبُو الخبابِ؟ " (٨١). وقال لأُسْقُفِ نَجْرانَ: "أسْلِمْ أبَا الْحَارِثِ" (٨٢). وقال عمرُ لنَصْرانِىٍّ: يا أبا حَسَّانَ، أسْلِمْ تَسْلَمْ. فصل: وإذا عَقَدَ معهم الذِّمَّةَ، كتَبَ أسماءَهم، وأسْماءَ آباءِهم، وعَدَدَهم، وحُلاهم، ودِينَهم، فيقولُ: فلانُ بن فُلانٍ الفُلانِىُّ، طويلٌ أو قصيرٌ أو رَبْعَةٌ، أسمرُ أو أبيضُ، أدْعَجُ العَيْنَيْن (٨٣)، أَقْنَى الأَنْفِ، مَقْرونُ الحاجِبَيْن. ونحوَ هذا من صِفَاتِهم التى يتمَيَّزُ بها كلُّ واحِدٍ من الآخَرِ، ويجعَلُ لكلّ عشرةٍ عَرِّيَفًا يُراعِى مَنْ يبلُغُ منهم أو يُفيقُ من

стр. 6937

جُنونٍ، أو يَقْدَمُ من غَيْبَةٍ، أو يُسْلِمُ، أو يموتُ، أو يَغِيبُ، ويَجْبِى جِزْيَتَهم، فيكونُ ذلك أَحْوَطَ لحِفْظِ جِزْيَتِهِم. فصل: وإذا ماتَ الإِمامُ، أو عُزِلَ، ووَلِى غَيرُه، فإنْ عَرَفَ ما عَقَدَ عليه عَقْدَ الذِّمَّةِ مَنْ كان قَبْلَه، وكان عقدًا صحيحا، أقَرَّهم عليه؛ لأنَّ الخلفاءَ أقَرُّوا عقدَ عمرَ، ولم يجدِّدُوا عقدًا سِواهُ، ولأنَّ عقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ. وإِنْ كان فاسدًا، ردَّه إلى الصِّحَّةِ. وإِنْ لم يَعْرِفْ، فشَهِدَ به مُسْلمان، أو كان أمرُه ظاهرًا، عَمِلَ به. وإِنْ أشْكَلَ عليه، سَأَلَهم، فإن ادَّعُوا العَهْدَ (٨٤) بما يصْلُحُ أَنْ يكونَ جِزْيَةً، قَبِلَ قولَهم، وعَمِلَ بِه، وإِنْ شاءَ اسْتَحْلفهم استِظْهارًا، فإنْ بان له بعدَ ذلك أنَّهُم نَقَضُوا من المَشْروطِ عليهم شيئًا، رَجَعَ بما نَقَضُوا، وإِنْ قالُوا: كُنَّا نُؤَدِّى كذا وكذا جِزْيةً (٨٥)، وكذا وكذا هَدِيَّةً. اسْتَحْلَفَهُم يمينًا واحدةً؛ لأَنَّ الظاهِرَ (٨٦) فيما يدْفَعُونه (٨٧) أنَّه جزْيَةٌ. واختارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه إذا لم يَعْرِفْ ما عُوهِدُوا عليه، اسْتَأْنَفَ العَقْدَ معهم؛ لأَنَّ عَقْدَ الأَوَّلِ لم يَثْبُتْ عنده، فصار كالمَعْدُومِ. ١٧٠١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ هَرَبَ مِنْ ذِمَّتِنَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ، ناقِضًا لِلْعَهْدِ، عَادَ حَرْبًا (١)) يعنى يصيرُ حكمُه حُكْمَ أهلِ الحَرْبِ، سواءٌ كان رجُلًا أو امرأَةً، ومتى قُدِرَ عليه، أبِيحَ منه ما يُباحُ من الْحَرْبِىِّ؛ من القَتْلِ، والأسْرِ (٢)، وأخْذِ المالِ. وإِنْ هَرَبَ الذِّمِّىُّ بأهلِه وذُرِّيَّتِه، أُبِيحَ من البالِغِين منهم ما يُباحُ مِنْ أهلِ الحَرْبِ، ولم يُبَحْ سَبْىُ الذُّرِّيَّةِ؛ لأنَّ النَّقْضَ إنَّما وُجِدَ من (٣) البالِغين دُونَ الذُّرِّيَّةِ.

стр. 6938

فصل: وإِنْ نَقَضَت طائِفَةٌ من أهْلِ الذِّمَّةِ، جازَ غَزْوُهُم وقَتْلُهم. وإِنْ نَقَضَ بعضُهم دونَ بعضٍ، اخْتَصَّ حُكْمُ النَّقْضِ بالناقِضِ دونَ غيرِه. وإِنْ لم ينْقُضُوا، لكِنْ خافَ النَّقْضَ منهم، لم يجُزْ أَنْ يَنْبِذَ إليهم عهدَهم؛ لأنَّ عَقْدَ الذمَّةِ لِحَقِّهم، بدليلِ أَنَّ الإِمامَ تَلْزَمُه إجابَتُهم إليه، بخلافِ عَقْدِ الأمانِ والهُدْنَةِ؛ فإنَّه (٤) لمصلَحَةِ المسلمين، ولأنَّ عقدَ الذِّمَّةِ آكَدُ؛ لأنَّه مُؤبَّدٌ، وهو مُعاوَضَةٌ، ولذلك إذا نَقَضَ بعضُ أهْلِ الذِّمَّةِ العَهْدَ، وسَكَتَ بَعْضُهم، لم يكُنْ سُكُوتُهم نَقْضًا، وفى عَقْدِ الهُدْنَةِ يكونُ نَقْضًا. فصل: وإذا عَقَدَ الذِّمَّةَ، فعليه حِمايَتُهم من المسلمين وأَهْلِ الحَرْبِ وأَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّه الْتَزَمَ بالعَهْدِ حِفْظَهم، ولهذا قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إنَّما بذَلُوا الجزيَةَ لتكونَ أموالُهم كأمْوالِنا، ودماؤُهم كدِمائِنا (٥). وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى وصِيَّتِه للخليفةِ بعده: وأُوصِيهِ بأهلِ ذِمَّةِ المسلمين خيرًا، أَنْ يُوفِىَ لهم بعَهْدِهم، ويُخاطرَ (٦) مِن ورائِهِم (٧). فصل: وإذا تحاكَمَ إلينا مسلِمٌ مع ذِمِّىٍّ، وجَبَ الحكمُ بينهم؛ لأنَّ علينا (٨) حِفْظَ الذِّمِّىِّ مِن ظُلْمِ المسلمِ، وحِفْظَ المسلمِ منه. وإِنْ تحاكَمَ بعضُهم مع بعضٍ، أو اسْتَعْدَى بعضُهم على بعضٍ، خُيِّرَ الحاكمُ (٩) بينَ الحُكْمِ بيهم أو الإِعْراضِ (١٠) عنهم؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (١١). فإنْ حَكَمَ بينهم، لم يحْكُمْ إِلَّا بِحُكْمِ الإِسْلامِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (١٢). قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ

стр. 6939

اهوَاءَهُمْ﴾ (١٣). وإذَا اسْتَعْدَت المرأَة على زَوْجِها فى طلاقٍ أو ظِهارٍ أو إيلاءٍ، فإنْ شاءَ أَعْداها، وإِنْ شاءَ تَرَكَها؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. فإنْ أُحْضِرَ زَوْجُها، حُكِمَ عليه بما يُحْكَمُ على المسلِم فى مثلِ ذلك. فإنْ كانَ قد ظاهَرَ منها (١٤)، مَنَعَه وَطْأَها حَتَّى يُكَفِّرَ، وتَكْفِيرُه بالإِطْعَامِ وحْدَهُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، ولا يَمْلِكُ شراءهَا، ولا يَصِحُّ منه الصِّيامُ. فصل: ولا يجوزُ تَمْكِينُه من شِراءِ مُصْحَفٍ، ولا حَدِيثِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولا فِقْهٍ، فإنْ فَعَلَ، فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ (١٥) ابْتِذالَه. وكَرِه أحمدُ بَيعَهُم الثِّيابَ المكْتوبَ عليها ذِكْرُ اللَّه تعالى. قال مُهَنَّا: سأَلْتُ (١٦) أبا عبد اللَّه: هل تَكْرَهُ للرَّجُلِ المسلمِ أَنْ يُعَلِّمَ غُلامًا مَجُوسيًّا شيئًا من القرآن؟ قال: إنْ أَسْلَمَ فنعم، وإلَّا فأكْرَهُ أَنْ يَضَعَ القرَآنَ فى غيرِ مَوْضِعِه. قلتُ: فَيُعَلِّمُه أَنْ يُصَلِّىَ على النَّبِىِّ ﷺ ؟ قال: نعم. وقال الفَضْلُ بن زيادٍ: سَأَلتُ أبا عبد اللَّه عن الرجُلِ يَرْهَنُ المصحفَ عندَ أهلِ الذِّمَّةِ؟ قال: لا، نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدُوِّ، مَخافَةَ أَنْ [يَنالَه العَدُوُّ] (١٧). فصل: ولا يجوزُ تصْديرُهم فى المجالسِ، ولا بَداءتُهم بالسَّلامِ، لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لَا تَبْدأُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارَى بالسَّلَامِ، وإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِى الطرَّيقِ، فَاضْطرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا". أخرَجَه التِّرْمِذِىُّ (١٨)، وقال: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه (١٩) قالْ: "إنَّا غَادُونَ غَدًا، فَلَا تَبْدَأُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ، فقُولُوا: وعَلَيْكُمْ". أَخْرَجَه الإِمامُ أحمدُ (٢٠).

стр. 6940

وبإسْنادِه (٢١) عن أنَسٍ، أنَّه قال: نُهِينا، أو أُمِرْنا، أَنْ لا نَزِيدَ أهلَ الكتابِ علَى: "وعَلَيْكُمْ". قال أبو داوُدَ: قلتُ لأبى عبد اللَّهُ: تَكْرَهُ أَنْ يقولَ الرجلُ لِلذِّمِّىِّ: كيفَ أصْبَحْتَ؟ [أو كيف أنتَ] (٢٢) أو كَيْفَ حالُك؟ أو نحوَ هذا؟ قال: نعم أكْرَهُه (٢٣)، هذا عِنْدِى أكثَرُ من السَّلامِ. وقال أبو عبد اللَّه: إذا لَقِيتَه فى الطَّريقِ، فلا تُوسِعْ له. وذلك لما تقَدَّمَ فى (٢٤) حديثِ أبى هُرَيْرَةَ. ورُوِىَ عن ابن عمرَ، أنَّه مَرَّ على رجُلٍ، فسلَّمَ عليه، فقيل: إنَّه كافِرٌ. فقال: رُدَّ على ما سَلَّمْتُ عليك. فرَدَّ عليه فقال: أكثرَ اللَّهُ مالَكَ ووَلَدَك. ثم الْتَفَتَ إلى أصحابِه، فقال: "أكْثَرَ" للجِزْيَةِ. وقال يَعْقُوبُ بن بَخْتان: سألْتُ أبا عبد اللَّه، فقلتُ: نُعامِلُ اليهودَ والنَّصارَى، فنَأْتِيهم فى مَنازِلهم، وعندَهُم قومٌ مسلمون، أنُسَلِّمُ (٢٥) عليهم؟ قال: نعم، تَنْوِى السَّلامَ على المسلمين. وسُئِلَ عن مُصافَحَةِ أهلِ الذِّمَّةِ، فكَرِهَه. فصل: وما يَذْكُرُهُ (٢٦) بعضُ أهلِ الذمِّةِ من أَنَّ الجِزْيَةَ لا تَلْزَمُهم، وأنَّ معهم كتابًا من النَّبِىِّ ﷺ بإسْقاطِها عنهم، لا يَصِحُّ. وسُئِلَ عن ذلك أبو العباس ابن سُرَيْجٍ، فقال: ما نَقَلَ ذلك أحدْ من المسلمين. وذَكَرَ أنَّهم طُولِبُوا بذلك، فأخْرَجُوا كتابًا ذَكَرُوا أنَّه بخَطِّ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَبَه عن رسولِ اللَّه ﷺ ، كان فيه شهادَةُ سَعْدِ بن مُعاذ، ومعاوِيَةَ، وتاريخُه بعد مَوْت سَعْدٍ وقَبْلَ إسلامِ مُعاوِيَةَ، فاسْتُدِلَّ بذلك على بُطْلانِه (٢٧). ولأنَّ قولَهم غيرُ مقبولٍ، ولم يَرْوِ ذلك مَنْ يُعْتَمَدُ على رِوايَتِه. فصل: قال أبو الخَطَّابِ: يُمْتَهَنُون عند أَخْذِ الجِزْيَةِ، ويُطالُ قيامُهم، وتُجَرُّ أيْدِيهم عنَد أخْذِها. ذَهَبَ إلى قولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ

стр. 6941

صَاغِرُونَ﴾ (٢٨). وقيل: الصَّغارُ الْتزامُهم (٢٩) الجِزْيَةَ، وجَرَيانُ أحْكامِنا عليهم. ولا يُقْبَلُ منهم إرْسالُها، بل يَحْضُرُ الذِّمِّىُّ بِنَفْسِه بها، ويُؤَدِّيها وهو قائِمٌ والآخِذُ جالِسٌ، ولا يشْتَطُّ عليهم فى أَخْذِها، ولا يُعَذَّبُون إذا أعْسَرُوا عن أدائِها، فإنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أُتِىَ بمالٍ كثيرٍ، قال أبو عُبَيْدٍ: وأحْسَبُه من الجِزْيَةِ، فقال: إنِّى لأَظُنُّكُم قد أهْلَكْتُم الناسَ. قالُوا: لا واللَّه، ما أخَذْنا إلَّا عَفْوًا صَفْوًا. قال: بلا سَوْطٍ ولا نَوْطٍ (٣٠)؟ قالُوا: نعم. قال: الحمدُ للَّهِ الذى يجْعَلْ ذلك على يَدِى، ولا فى سُلْطانِى. وقَدِمَ عليه سعيدُ بن عامرِ بن حِذْيَم، فَعَلاه عمرُ بالدِّرَّةِ، فقال سعيد: سَبَقَ سَيْلُكَ مَطَرَك، إنْ تُعاقِبْ نَصْبِرْ، وإِنْ تَعْفُ نَشْكُرْ، وإِنْ تَسْتَعْتِبْ نُعْتِبْ. فقال: ما على المسلِم إلَّا هذا، مالَكَ تُبْطِئُ بالْخَرِاجِ؟ فقال: أمَرْتَنا أَنْ لا نَزِيدَ الفلَّاحين على أربعةِ دنانيرَ، فلسْنا نَزِيدُهم على ذلك، ولكنَّا (٣١) نُؤخِّرُهم [إلى غَلَّاتِهم] (٣٢). قال عمر: لا أعْزِلَنَّكَ ما حَيِيتُ. روَاهما أبو عُبَيْدٍ (٣٣). وقال: إنما وَجْهُ التأخِيرِ إلى الغَلَّةِ الرِّفْقُ بهم. قال: ولم نَسْمَعْ فى اسْتِيداءِ الخراجِ والجِزْيَةِ وَقْتًا غيرَ هذا. واسْتَعْملَ علىُّ بن أبى طالبٍ رجُلًا على عُكْبَرَى (٣٤)، فقال له على رُءُوس الناسِ: لا تَدَعَنَّ لهم درهمًا من الْخَراجِ. وشَدَّدَ عليه القَوْلَ، ثم قال: الْقَنِى عندَ انْتِصافِ النَّهارِ. فأتَاه فقال: إنِّى كنتُ (٣٥) أمَرْتُكَ بأمْرٍ، وإنِّى أتقَدَّمُ إليك الآن، فإنْ عَصَيْتَنِى نَزَعْتُك، لا تَبِيعَنَ لهم فى خَراجِهم حِمارًا، ولا بقرةً، ولا كِسْوَةَ شتاءٍ ولا صَيْفٍ، وارْفُقْ بِهم، وافْعَلْ بهم (٣٦).

стр. 6942

فصل: قال أحمدُ، فى الرجل له المرأَةُ النَّصْرانِيَّةُ: لا يأذَنُ لها أَنْ تخْرُجَ إلى عِيدٍ، أو تذهبَ إلى بِيعَةٍ، وله أَن يَمْنَعَها ذلك. وكذلك فى الأَمَةِ. قيل له: ألَهُ (٣٧) أن يَمْنَعَها شُرْبَ الخَمْرِ؟ قال: يَأْمُرُها، فإنْ لم تَقْبَلْ فليس له مَنْعُها. قيل له: فإنْ طَلَبَت منه أَنْ يَشْتَرِىَ لها زُنَّارًا؟ قال: لا يَشْتَرِى زُنَّارًا، تخْرُجُ هى تَشْتَرِى لنَفْسِها. وسُئِلَ عن الذِّمِّىِّ يُعامِلُ بالرِّبَا، ويَبِيعُ الخَمْرَ والخنزيرَ، ثم يُسْلِمُ، وذلك المالُ فى يدِه، فقال: لا يَلْزَمُه أَنْ يُخْرِجَ منه شيئًا؛ لأنَّ ذلك مَضَى فى حالِ كُفْرِه، فأشْبَهَ نكاحَهُم فى الكُفْرِ إذا أسْلَمَ. وسُئِلَ عن الْمَجُوسِيِّيْن يجْعلان ولدَهما مُسْلِمًا، فيمُوتُ وهو ابنُ خمسِ سِنِين؟ فقال: يُدْفنُ فى مَقابرِ المسلمين؛ لقولِ النَّبىِّ ﷺ : "فَأَبَوَاهُ [يُهَودانِهِ أو يُنَصِّرانِهِ أو يُمَجسانِه] (٣٨) " (٣٩). يعنى أنَّ هذين لم يُمَجِّساه، فيَبْقَى على الفِطرَةِ. وسُئِلَ أبو عبد اللَّه عن أوْلادِ المشركين؟ فقال: أذْهَبُ إلى قولِ النَّبىِّ ﷺ : "اللَّهُ أعْلَمُ بما كَانُوا عَامِلِينَ" (٤٠). قال: وكان ابنُ عبَّاس يقولُ: "فأبوَاهُ يُهَودانِه ويُنَصِّرانِه" حتَّى سَمِع: "اللَّهُ أعْلَمُ بما كَانُوا عَامِلِينَ". فتَرَكَ قولَه. وسألَه ابنُ الشافِعِىِّ، فقال: يا أبا عبد اللَّه ذَرِارِىُّ المشركين أو المسلمين؟ فقال: هذه مَسائِلُ أهلِ الزَّيْغِ. وقال أبو عبد اللَّه: سألَ بشْرُ بن السَّرِىِّ (٤١) سُفْيانَ الثَّوْرِىَّ، عن أطْفالِ المشركين، فصاحَ به، وقال: يا صَبِىّ، أَنت تسأَلُ عن هذا؟ قال أحمدُ: ونحن نُمِرُّ هذه الأحاديثَ على ما جاءَتْ، ولا نقولُ شيئًا. وسُئِلَ عن أطْفالِ المسلمين، فقال: ليس فيه اختلافٌ أنَّهم فى الجنَّةِ. وذكَرُوا له حديثَ

стр. 6943

عائِشَةَ، الذى قالتْ فيه: عُصْفورٌ من عَصافير الجنَّةِ (٤٢). فقال: وهذا حَدِيثٌ! وذكر فيه رجلًا ضعَّفَه طَلْحَةُ. وسُئِلَ عن الرجُلِ يُسْلِمُ بشَرْطِ أَنْ لا يُصَلِّىَ إلَّا صلاتَيْن؟ فقال: يَصِحُّ (٤٣) إسْلامُه، ويُوخَذُ بالخَمْسِ. وقال: مَعْنَى حديث حَكِيم بن حِزَامٍ: بايَعْتُ النَّبِىَّ ﷺ (٤٤) أَنْ لا أخِرَّ إلَّا قائمًا (٤٥). أنَّه لا يَرْكَعُ فى الصلاةِ، بل يقْرأُ ثم يَسْجُدُ من غيرِ رُكوعٍ. قال: وحَدِيثُ قَتادَةَ عن نَصْرِ بن عاصمٍ، أَنَّ رجُلًا منهم بايَعَ النَّبِىَّ ﷺ على (٤٦) أَنْ يُصَلِّىَ طَرَفَى النَّهارِ (٤٧).

стр. 6944

كتاب الصَّيْدِ والذَّبائِح الأصْلُ فى إباحَةِ الصَّيْدِ، الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ، أمَّا الكتابُ: فقَوْلُ اللَّه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٢). وقال سبحانَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣). وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِىُّ، قال: أَتَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّه إنَّا بِأرْضِ صَيْدٍ، أصيدُ بقَوْسِى، وأَصِيدُ بِكَلْبِى الْمُعَلَّمِ، [وأَصِيدُ بكَلْبِى الذى ليس بمُعَلَّمٍ، فأَخْبِرْنِى ماذا يَصْلُح لى؟ قال: "أمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بأرْضِ صَيْدٍ، فمَا صِدْتَ بقَوْسِكَ] (٤)، وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُل، ومَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ [الْمُعَلَّمِ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّه عَلَيْهِ، فَكُلْ، ومَا صِدْتَ بكَلْبِك] (٤) الَّذِى لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فأدْرَكْتَ ذَكَاتَه، فَكُلْ" (٥). وعن عَدِىٍّ بن حاتِمٍ، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّه، إنَّا نُرْسِلُ (٦) الكلبَ

стр. 6945

المُعَلَّمَ، فيُمْسِكُ علينا؟ قال: "كُلْ". قلتُ: وإِنْ قَتَلَ؟ قال: "كُلْ [مَا] (٧) لَمْ يَشْرَكْهُ كَلْبٌ غَيْرُهُ". قال: وسُئِلَ رسولُ اللَّه ﷺ عن صَيْدِ المِعْرَاضِ (٨)، فقال: "مَا خَرَقَ فَكُلْ، ومَا قَتَلَ بِعَرْضِه فَلَا تَأْكُلْ". مُتَّفَق عليهما (٩). وأجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على إباحَةِ الاصْطِادِ والأَكْلِ من الصَّيْدِ. ١٧٠٢ - مسألة؛ قال أبو القاسِم، ﵀: (وَإِذَا سَمَّى وأَرْسَلَ كَلْبَه أَوْ فَهْدَهُ المُعَلَّمَ، واصْطَادَ، وقَتَلَ، ولَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ (١)، جَازَ أَكْلُهُ) أمَّا ما أَدرَك ذَكاتَه من الصَّيْدِ، فلا يُشْتَرَطُ فى إباحَتِه سِوَى صِحَّةِ التَّذْكِيَةِ؛ ولذلك قال ﵇: "ومَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِى لَيْسَ بِمعَلَّمٍ، فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ". وأمَّا ما قَتَلَهُ (٢) الجارِحُ، فيُشْتَرَطُ فى إباحَتِه شروطٌ سَبْعَة؛ أحدُها، أَنْ يكونَ الصَّائِدُ من أهْلِ

стр. 6946

الذَّكاةِ، فإنْ كانَ وثَنِيًّا، أو مُرْتَدًّا، أو مَجُوسِيًّا، أو مِنْ غيرِ المسلمين وأهْلِ الكتابِ، أو مَجْنُونًا، لم يُبَحْ صَيْدُه؛ لأنَّ الاصْطِيادَ أُقِيمَ مُقامَ الذَّكاةِ، والجارِحُ آلةٌ كالسِّكِّينِ، وعَقْرُه للحيوانِ بمنزلَةِ إفْراء الأوْداجِ. قال النَّبِىُّ ﷺ : "فإِنَّ أخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاتُهُ" (٣). والصَّائِدُ بمنزلَةِ المُذَكِّى، فتَشْتَرَطُ الأَهْلِيَّةُ فيه. الشرطُ الثانى، أَنْ يُسَمِّىَ عندَ إِرْسالِ الجارِحِ، فإنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أو سَهْوًا، لم يُبَحْ. هذا تَحْقِيقُ المذهَبِ. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، وأبى ثَوْرٍ وداودَ. ونقَلَ حَنْبَلٌ، [عن أحمد، إنْ نَسِىَ التَّسْمِيَةَ على الذَّبِيحَةِ والكلبِ، أُبيحَ. قال الخلّالُ: سَهَا حَنْبَلٌ] (٤) فى نَقْلِه، فإنَّ (٥) فى أوّلِ مَسْأَلَتِه، إذا نَسِىَ وقتلَ، لم يَأْكُلْ. وممَّنْ أباحَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ فى النِّسْيانِ دونَ العَمْدِ أبو حنيفةَ ومالِكٌ، لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتَى عن الخَطَأِ والنِّسْيانِ" (٦). ولأنَّ إرْسالَ الجارِحَةِ جَرَى مَجْرَى التَّذْكِيَةِ، فعُفِىَ عن النِّسْيانِ [فيه، كالذَّكاةِ. وعن أحمدَ، أَنَّ التَّسْمِيَةَ تُشْتَرَطُ على إرْسالِ الكَلْبِ فى العَمْدِ والنِّسْيانِ] (٧)، ولا يَلْزَمُ ذلك فى إرْسالِ السَّهْمِ، [لأنَّ السَّهْمَ] (٨) آلةٌ (٩) حَقِيقةً، وليس له اخْتِيارٌ، فهو بمَنْزِلَةِ السِّكِّينِ، بخلافِ الحيوانِ، فإنَّه يفْعَلُ باخْتِيارِه. وقال الشافِعِىُّ: يُباحُ مَتْروكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أو سَهْوًا (١٠)؛ لأنَّ الْبَراءَ رَوَى، أَنَّ النَّبِىِّ ﷺ قال: "المُسْلِمُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ" (١١). وعن أبى هُريرَةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أَنَّ النَّبِىِّ

стр. 6947

- ﷺ سُئِلَ فقيل: أرَأَيْتَ الرَّجُلَ منَّا يذْبَحُ ويَنْسَى أَنْ يُسَمِّىَ اللَّه؟ فقال: "اسْمُ اللَّهِ فِى قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ" (١٢). وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى مثلُ هذا. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١٣). وقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١٤). وقال النبىُّ ﷺ : "إِذَا أُرسَلْتَ كَلْبَكَ، وَسَمَّيْتَ، فكُلْ". قلتُ أُرْسِلُ كَلْبِى فأَجدُ معه كَلْبًا آخرَ؟ قال: "لَا تَأْكُلْ، فَإنَّك إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، ولَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ". متَّفَقٌ عليه (١٥). وفى لفْظٍ: "وإِذَا خَالَطَ كِلَابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهَا، فَأَمْسَكْنَ وقَتَلْنَ، فلا تَأْكُلْ" (١٦). وفى حديثِ أبى ثَعْلَبَةَ: "وما صِدْتَ بقَوْسِكَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ" (١٧). وهذه نصوصٌ صَحِيحَةٌ لا يُعَرَّجُ على ما خَالَفَها. وقولُه: "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأِ والنِّسْيانِ". يَقْتَضِى نَفْىَ

стр. 6948

الإِثْمِ (١٨)، لا جَعْلَ الشَّرْطِ المَعْدومِ كالموجُودِ، بدليلِ ما لَوْ نَسِىَ شَرْطَ الصَّلاةِ. والفَرْقُ بَيْنَ الصَّيْدِ والذَّبيحَةِ، أَنَّ الذَّبْحَ وَقَعَ فى مَحلِّه، فجازَ أَنْ يُسامَحَ (١٩) فيه، بخلافِ الصَّيْدِ. وأمَّا أحادِيثُ أصْحابِ الشافِعِىِّ، فلم يذكُرْها أصحابُ السُّنَنِ المشهورَةِ، وإِنْ صَحَّتْ فهى فى الذَّبِيحَةِ، ولا يصحُّ قياسُ الصَّيْدِ عليها؛ لما ذكَرْنا، مع ما فى الصَّيْدِ من النُّصوصِ الخاصَّةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فالتَّسْمِيَةُ المُعْتَبَرَةُ قولُه: "بِسْم اللَّه". لأنَّ إطْلاقَ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلى ذلك، وقَدْ ثَبَت أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كانَ إذا ذَبَحَ قالَ: "بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أَكْبَرُ" (٢٠). وكانَ ابنُ عمرَ يقولُه. ولا خِلافُ فى أنّ قَوْلَ (٢١): "بسمِ اللَّه" يُجْزِئُه. وإِنْ قالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لى. لم يكْفِ؛ لأنَّ ذلك طَلَبُ حاجَةٍ. وإِنْ هَلَّلَ، أو سَبَّحَ، أو كَبرَّ، أو حَمَدَ اللَّه تعالَى، احْتَمَلَ الإِجْزاءَ؛ لأنَّه ذَكَرَ اسمَ اللَّهِ تعالَى على وَجْهِ التَّعْظِيم، واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ إِطلاقَ التَّسْمِيَةِ لا يَتَناوَلُه. وإِنْ ذكرَ اسمَ اللَّه تعالَى بغيرِ العَرَبِيَّةِ، أَجْزَأَه وإنْ أحْسَنَ العربِيَّةَ؛ لأنَّ المقْصودَ ذِكْرُ اسمِ اللَّهِ، وهو يَحْصُلُ بجميعِ اللُّغاتِ، بخلافِ التَّكْبِيرِ فى الصَّلاةِ، فإنَّ المَقْصُودَ لفظُه. وتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ عندَ الإِرْسالِ؛ لأنَّه الفِعْلُ الموجودُ من المُرْسِلِ، فتُعْتبَرُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَه، كما تُعْتَبرُ عندَ الذَّبْحِ من الذَّابحِ، وعنَد إرْسالِ السَّهْمِ من الرَّامِى. نصَّ أحمدُ على هذا. ولا تُشْرَعُ الصَّلاةُ على النّبِىِّ ﷺ مع التَّسْمِيَةِ فى ذَبْحٍ ولا صَيْدٍ. وبه قال الليثُ، واختارَ أبو إسحاقَ بن شَاقْلَا اسْتِحْبابَ ذلك. وهو قولُ الشافِعِىِّ؛ لقولِه ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَىَّ مَرَّةً، صَلَّى اللَّه عَلَيْه عَشْرًا" (٢٢). وجاءَ فى تفسير قولِه تعالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٢٣). لا (٢٤) أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرْتَ مَعِى. ولَنا،

стр. 6949

قَوْلُه ﵇: "مَوْطِنَانِ لَا أُذْكَرُ فِيهمَا؛ عِنْدَ الذَّبيحَةِ، والعُطَاسِ". رواه أبو محمَّد الخَلَّالُ بإسْنادِه (٢٥)، ولأنَّه إذا ذَكَرَ غيرَ اللَّهِ تعالَى أَشْبَهَ المُهِلَّ لغيرِ اللَّهِ. الشَّرط الثالِثُ، أَنْ يُرْسِلَ الجارِحَةَ على الصَّيْدِ، فإنَّ اسْتَرْسَلَت بنَفْسِها فقَتَلَت، لم يُبَحْ. وبهذا قال ربيعَةُ، ومالكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال عَطاءٌ، والأوْزَاعِىُّ: يُؤْكَلُ صَيْدُه إذا أَخْرَجَه للصَّيْدِ. وقال إسحاقُ: إذا سَمَّى عند انْفِلَاتِه، أُبِيحَ صَيْدُه. ورَوَى بإسْنادِه عَن ابنِ عمرَ، أنَّه سُئِلَ عن الكلابِ [تَنْفَلِتُ من مرابِضِها] (٢٦) فتَصِيدُ الصَّيْدَ؟ قال: اذكُرَ اسْم اللَّه، وكُلْ. قال إسحاقُ: فهذا الذى أخْتارُ إن (٢٧) لم يتَعمَّدْ هو إرْسالَه من غير ذِكْرِ اسْمِ اللَّه عليه. قال الخَلَّالُ: هذا على مَعْنَى قولِ أبى عبد اللَّه. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وسَمَّيْتَ، فكُلْ". ولأَنَّ إرسالَ الجارِحَةِ جُعِلَ بمنزِتةِ الذَّبْحِ، ولهذا اعْتُبِرَت التَّسْمِيَةُ معه، وإن استرسلَ بنَفْسِه فسمَّى صاحِبُه وزَجَرَه، فزادَ فى عَدْوِه، أُبِيحَ صَيْدُه. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافِعِىُّ: لا يباحُ. وعن مالكٍ (٢٨) كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، أَنَّ زَجْرَه أثَّرَ فى عَدْوِه، فصارَ كما لو أُرسَلَه؛ وذلك لأنَّ فعلَ الإِنسانِ متى انْضافَ إلى فعلِ غيرِه، فالاعْتبارُ بفِعْلِ الإِنْسانِ، بدَليلِ ما لَوْ صالَ الكلبُ على إِنسانٍ، فأغْراه إنسانٌ، فالضمانُ على مَنْ أَغْراهُ. وإِنْ (٢٩) أرْسَلَه بغيرِ تَسْمِيَةٍ، ثم سمَّى وزجَره، فزادَ فى عَدْوِه، فظاهِرُ كلامِ أحمد أنَّه يُباحُ؛ فإنَّه قال: إذا أُرسلَ، ثم سَمَّى فانْزَجرَ، أو أَرسلَ وسمَّى، فالمعنى قريبٌ من السَّواء. وظاهِرُ هذا الإِباحَةُ؛ لأنَّه انْزَجَرَ بتَسْمِيَتِه وزجْرِه، فأشْبَهَ التى قبلَها. وقال القاضى: لا يُباحُ صَيْدُه؛ لأنَّ الحكم يُعَلَّقُ (٣٠) بالإِرْسالِ الأوَّل، بخلافِ ما إذا اسْتَرْسلَ بنَفْسِه، فإنَّه لا

стр. 6950

يتعلَّقُ به حَظْرٌ (٣١) ولا إباحَةٌ. الشرطُ الرابع، أَنْ يَكونَ الجارِحُ مُعَلَّمًا. ولا خِلافَ فى اعْتبارِ هذا الشرطِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. وما تقدَّم من حديثِ أبى ثَعْلَبَةَ (٣٢). ويُعْتَبَرُ فى تعْليمِه ثلاثةُ شُروطٍ، إذا أرْسَلَه اسْتَرْسَلَ، وإذا زَجَرَه انْزَجَر، وإذا أمْسَكَ لم يأْكُلْ. ويتكَرَّرُ هذا منه مرَّة بعدَ أُخْرَى حتى يَصِيرَ مُعلَّمًا فى حُكْمِ العُرْفِ، وأقلُّ ذلك ثلاثٌ. قالَه القاضى. وهو قولُ أبى يوسفَ، ومحمد. ولم يُقَدِّرْ أصحابُ الشافِعِىِّ عدَدَ المرَّاتِ؛ لأنَّ التَّقديرَ بالتَّوْقيفِ، ولا تَوْقِيفَ فى هذا، بل قَدْرُه بما يصيرُ به فى العُرْفِ مُعَلَّمًا. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه إذا تَكَرَّرَ مرَّتَيْنِ، صارَ مُعَلَّمًا؛ لأنَّ التَّكْرارَ يحْصُلُ بمرَّتَيْن. وقال الشريفُ أبو جعفر، وأبو الخَطَّاب: يحْصُلُ ذلك بمرَّةٍ، ولا يُعْتَبرُ التَّكْرارُ؛ لأنَّه تَعَلُّمُ صَنْعةٍ، فلا يُعْتَبَرُ فيه التَّكْرارُ، كسائرِ الصنائِع. ولَنا، أَنَّ ترْكَه للأَكْلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ لشِبَعٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّه لتعلُّمٍ، فلا يَتَمَيَّزُ ذلك إلَّا بالتَّكْرارِ، وما اعْتُبِرَ فيه التَّكْرارُ، اعْتُبِرَ ثلاثًا، كالمَسْحِ فى الاسْتِجْمارِ، وعدد الأقْرَاءِ (٣٣) والشُّهودِ فى العِدَّةِ، والغَسَلاتِ فى الوُضوءِ. ويُفَارِقُ الصَّنائِعَ، فإنَّها لا يتَمَكَّنُ من فِعْلِها إلَّا مَنْ تَعَلَّمها، فإذا فَعَلَها، عُلِمَ أنَّه قَدْ تَعَلَّمها وعرَفَها، وَتَرْكُ الأَكْلِ مُمْكِنُ الوجودِ من المُتعلِّمِ وغيرِه، ويُوجَدُ من الصِّنْفَيْن جميعًا، فلا يتميّزُ به أحدُهما من الآخَرِ حتى يتكرَّر. وحُكِىَ عن ربيعةَ ومالكٍ، أنَّه لا يُعْتَبَرُ (٣٤) تَرْكُ الأَكْلِ؛ لما رَوَى أبو ثَعْلبَة الخُشَنِىُّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إِذَا أُرسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذكَرْتَ اسْمَ اللَّه عَلَيْهِ، فَكُلْ، وإِنْ أكَلَ". ذكره الإِمامُ أحمدُ، وروَاه أبو داودَ (٣٥). ولَنا، أَنَّ العادَةَ فى المُعلَّمِ تَرْكُ الأَكْلِ، فاعْتُبِرَ شَرْطًا، كالانْزِجارِ إذا زُجِرَ، وحديثُ أبى ثَعْلَبَةَ مُعارَضٌ بما رُوِىَ عن عدِىِّ بن حاتمٍ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "فإنْ

стр. 6951

أكلَ فلَا تأْكُلْ، فإنِّى أخافُ أَنْ يكونَ إنَّما أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ" (٣٦). وهذا أَوْلَى بالتَّقْدِيمِ لأنَّه [رَاجِحٌ، فإنَّه] (٣٧) مُتَّفَقٌ عليه. ولأنَّه مُتضَمِّنٌ للزيادَةِ، وهو ذِكْرُ الحُكْمِ مُعَلَّلا. ثم إنَّ حديثَ أبى ثَعْلَبَة مَحمولٌ على جارِحَةٍ ثَبَتَ تعليمُها، لقوله: "إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ". ولا يثبُتُ التَّعْليمُ حتى يتْرُكَ الأَكْلَ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الانْزِجارَ بالزَّجْرِ إنَّما يُعْتبَرُ [قبلَ إرْسالِه] (٣٨) على الصَّيْدِ، أو رُؤْيَتِه، أمَّا بعدَ ذلك، فإنَّه لا يَنْزَجِرُ بحالٍ. الشرطُ الخامِسُ، أَنْ لا يأْكُلَ (٣٩) من الصَّيْدِ، فإنْ أَكَلَ منه، لم يُبَحْ، فى أصَحِّ الرِّوايتَيْن. ويُرْوَى ذلك عن ابن عبّاس، وأبى هُرَيْرَةَ. وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، وعُبَيْدُ بن عُمَيْر، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وسُوَيْدُ بن غَفَلَةَ، وأبو بُرْدَةَ، وسعيدُ بن جُبَيْر، وعِكْرِمَةُ، والضَّحَّاكُ، وقَتادَةُ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وأبو ثَوْرٍ. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ: يُباحُ. رُوِىَ ذلك عن سَعْدِ بن أبى وَقَّاصٍ، وسَلْمانَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عمرَ. حكاه عنهم الإِمامُ أحمدُ. وبه قال مالِكٌ. ولِلشافِعِىِّ قَوْلان، كالمَذْهبَيْن. واحْتجَّ مَنْ أباحَهُ بعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. وحَديثِ أبى ثَعْلَبةَ، ولأنَّه صَيْدٌ جارِحٌ مُعَلَّمٌ، فأُبِيحَ، كما لو لم يأكلْ. فإنَّ الأَكلَ يحْتَمِلُ أَنْ يكونَ لفَرْطِ جُوعٍ أو غيظٍ على الصَّيْدِ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ فى حديثِ عَدِىِّ بن حاتمٍ: "إِذَا أُرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تعالَى، فَكُلْ مِمَّا أَمسَكَ عَلَيْكَ". قُلْت: وإِنْ قَتَل؟ قال: "وإِنْ قَتَلَ، إلّا أَنْ يَأْكُلَ الكلبُ، [فإنْ أَكلَ] (٤٠)، فَلَا تَأْكُلْ، فَإنِّى أخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أمْسَكَهُ (٤١) عَلَى (٤٢) نَفْسِهِ". مُتَّفَقٌ عليه. ولأنَّ ما كان شَرْطًا فى الصَّيدِ الأوَّلِ، كان شرطًا فى سائرِ صُيودِه، كالإِرْسالِ والتَّعْليمِ. وأمّا الآيةُ فلا تَتَناوَلُ هذا الصَّيْدَ؛ لأنَّه (٤٣)

стр. 6952

قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. وهذا إنّما أمسَكَ على نفْسِه. وأمَّا حديثُ أبى ثَعْلَبَةَ، فقد قال أحمدُ: يَخْتَلِفُون عن هُشَيْمٍ فيه. وعلى أَنَّ حديثنا أصَحُّ؛ لأنَّه مُتَّفقٌ عليه وعَدِىّ بن حاتمٍ أضْبَطُ، ولفظُه أبْيَنُ؛ لأنَّه ذكَرَ الحُكْمَ والعِلَّةَ. قال أحمد: حديثُ الشَّعْبِىِّ عن عَدِىٍّ، من أصَحِّ ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، الشَّعْبِىُّ يقول: كان جارِى ورَبِيطِى، فحدّثَنِى. والعملُ عليه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أَكلَ منه بعدَ إنَّ قَتَلَه وانْصَرَفَ عنه، وإذا ثَبَتَ هذا فإذًا لا يحْرُمُ ما تَقَدَّمَ من صيودِه، فى قولِ أكثر أهلِ العلمِ. وقال أبو حنيفةَ: يَحْرُمُ؛ لأنَّه لو كانَ مُعَلَّمًا ما أَكلَ. ولَنا، عُمومُ الآِيَة والأَخْبارِ، وإنَّما خُصَّ (٤٤) ما أكَلَ منه، ففيما عَداهُ يجبُ القضاءُ بالعُمومِ، ولأنَّ اجْتماعَ شُروطِ التَّعْليمِ حاصلٌ (٤٥)، فوجَبَ الحكمُ به، ولهذا حكَمْنا بحِلِّ صَيْدِه، فإذا وُجدَ الأَكْلُ، احْتَمَلَ أَنْ يكونَ لِنِسْيانٍ، أو [فَرْطِ جُوعٍ] (٤٦)، أو نَسِىَ التَّعْلِيمَ، فلا يُتْرَكُ ما ثَبَتَ يَقِينًا بالاحْتمالِ. فصل: فإنْ شَرِبَ دَمَه، ولم يأْكُلْ منه، لم يَحْرُمْ. نَصَّ عليه أحمد. وبه قال عَطاءٌ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكَرِهَه الشَّعْبىُّ، والثَّوْرِىُّ؛ لأنَّه فى مَعْنَى الأكْلِ. ولَنا، عُمومُ الآيَةِ والأَخْبارِ، وإنَّما خَرَج منه ما أَكَلَ منه (٤٧) بحديثِ عَدِىٍّ: "فإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَأْكُلْ". وهذا لم يأْكُلْ، ولأنَّ الدَّمَ لا يَقْصِدُه الصَّائِدُ منه، ولا ينْتَفِعُ به، فلا يَخْرُجُ بشُربِه عن أَنْ يكونَ مُمْسِكًا على صَائِدِه. فصل: ولا يَحْرُمُ ما صادَه الكلبُ بعدَ الصيد الذى أكَلَ منه. ويَحْتَمِلُ كلامُ الْخِرَقِىّ أنَّه يَخْرُج عن أَنْ يكونَ مُعَلَّمًا، فتُعْتَبَرُ له شروطُ التَّعْليمِ ابْتِداءٌ. والأوَّل أوْلَى؛ لما ذكرْنا فى صَيْدِه الذى قَبْلَ الأَكْلِ. الشرطُ السادِسُ، أَنْ يجْرَحَ الصَّيْدَ، فإنْ خَنَقَه، أو قَتَلَه بصَدْمَتِه، لم يُبَحْ. قال الشريفُ: وبه قال أكثرُهم. وقال الشافِعِىُّ، فى قولٍ له: يُباحُ؛ لعُمومِ الآيَةِ والخَبَرِ. ولَنا، أنَّه قَتَلَه بغيرِ جَرْحٍ، أشْبَهَ ما قَتَلَه بالحجَرِ والبُنْدُقِ، ولأنَّ اللَّه

стр. 6953

تعالى حَرَّمَ المَوْقُوذَةَ، وهذا كذلك، وهذا يَخُصُّ ما ذكرُوه، وقولُ النبىِّ ﷺ : "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ (٤٨)، فَكُلْ" (٤٩). يَدُلُّ على أنَّه لا يُباحُ ما لَمْ يُنْهِرِ الدَّمَ. الشرطُ السابعُ، أَنْ يُرْسِلَهُ على صَيْدٍ، فإنْ أرْسَلَه وهو لا يَرَى شيئًا، ولا يُحِسُّ به، فأصابَ صَيْدًا، لم يُبَحْ. وهذا قولُ أكثر أهلِ العلمِ؛ لأنَّه لم يُرْسِلْه على الصَّيدِ، وإنَّما اسْتَرْسَلَ بنفْسِه. وهكذا إنْ رَمَى سَهْمًا إلى غَرَضٍ، فأصابَ صَيْدًا، أو رَمَى به إلى فوقِ رَأْسِه فوقَعَ على صَيْدٍ فقَتَلَه، لم يُبَحْ؛ لأنَّه لم يقْصِدْ برَمْيِه عَيْنًا، فأشْبَهَ مَنْ نصَبَ سِكِّينًا، فانْذَبَحَت بها شاةٌ. فصل: وكُلُّ ما يَقْبَلُ التَّعْليمَ، ويُمْكِنُ الاصْطِيادُ به من سباعِ البهائِمِ، كالفَهْدِ، أو جَوارِح الطَّيْرِ، فحُكْمُه حُكْمُ الكَلْبِ فى إباحَةِ صَيْدِه. قال ابنُ عبّاسٍ، فى قولِه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾: هى الكلابُ المُعَلَّمةُ، كلُّ طير تَعلَّمَ الصَّيْدِ، والفُهُودُ والصُّقُورُ وأشباهُها. وبمعنى هذا قال طاوُسٌ، ويحمى بن أبى كَثِيرٍ، والحَسَنُ، ومالِكُ، والثَّورِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحَسَنِ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن ابن عمرَ، ومُجاهِدٍ، أنَّه لا يجوزُ الصَّيْدُ إلَّا بالكَلْبِ؛ لقَولِ اللَّه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. يعنى كَلَّبْتُم من الكلابِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عدِىٍّ، قال: سَأَلْتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن صَيْدِ البَازِىِّ؛ فقال: "إذا أُمسَكَ عَلَيْكَ، فَكُلْ" (٥٠). ولأنَّه جارِحٌ يُصادُ

стр. 6954

به عادَةً، ويَقْبَلُ التَّعليمَ، فأشْبَهَ الكَلْبَ. فأمَّا الآيَةُ، فإنَّ الجوارِحَ الكَواسِبُ. ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (٥١). أى كسَبْتُم. وفلانٌ جارِحَةُ أهلِه، أى كاسِبُهم. ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ من التَّكْلِيبِ وهو الإِغْراءُ. فصل: وهل يَجِبُ غسلُ أثَرِ فَمِ الكَلْبِ من الصَّيْدِ؛ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَجِبُ؛ لأنّ اللَّه تعالَى ورسولَه أمَرَا بأكْلِه، ولم يأْمُرَا بغَسْلِه. والثانى، يَجِبُ؛ لأنَّه قد ثَبَتَتْ نَجاسَتُه، فيَجِبُ غَسْلُ ما أصابَه، كبَوْلِه. ١٧٠٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أرْسَلَ البْازِىَّ، ومَا أشْبَهَهُ، فَصَادَ، وقَتَلَ، أَكَلَ وإِنْ أَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ؛ لأَنَّ تَعْلِيمَهُ بأنْ يَأْكُلَ) وجملَتُه أنَّه يُشْتَرَطُ فى الصَّيْدِ بالبازِىِّ ما يُشْتَرَطُ فى الصَّيْدِ بالكَلْبِ، إِلَّا تَرْكُ الأَكْلِ، فلا يُشْتَرَط، ويُباحُ صَيْدُه وإِنْ أَكَلَ منه. وبهذا قال ابنُ عبّاسٍ. وإليه ذَهَبَ النَّخَعِىُّ، وحَمَّادُ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. ونَصَّ الشافِعِىُّ على أنَّه كالكَلْبِ فى تَحْريمِ ما (١) أكَلَ منه من صيْدِهِ؛ لأنَّ مُجالِدًا رَوَى عن الشَّعْبِىِّ، عن عَدِى [بن حَاتِمٍ] (٢)، عن النَّبِىِّ ﷺ : "فَإِنْ أَكَلَ الكَلْبُ والْبَازِىُّ، فَلَا تَأْكلْ" (٣). ولأنَّه جارِحٌ أكَلَ ممَّا صادَه عَقِيبَ قَتْلِه، فأشْبَهَ سِباعَ الْبهائِمِ. ولَنا، إجْماعُ الصحابَةِ، رَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: إذا أكَلَ الكلْبُ، فلا تأكُلْ من (٤) الصَّيدِ، وإذا أكَلَ الصَّقْرُ، فكُلْ؛ لأنَّكَ تسْتطيعُ أَنْ تَضْربَ الكلْبَ، ولا تسْتطيعُ أَنْ تضرِبَ الصَّقْرَ (٥). وقد ذكرْنا عن أربعةٍ من الصحابَةِ إباحَةَ ما أكَلَ منه الكلبُ، وخالفَهُم ابنُ عباسٍ فيه وَوَافَقَهُم فى الصَّقْرِ، ولم ينقَلْ عن أحدٍ فى عصرِهم خلافُهم، ولأنَّ جوارِحَ الطرِ تُعَلَّمُ بالأَكْلِ، ويتعذّرُ تَعْلِيمُها

стр. 6955

بِتَركِ الأَكْلِ، فلم يَقْدَحْ فى تَعْليمِها، بخلافِ الكلبِ والفهْدِ. وأمَّا الخبرُ، فلا يَصِحُّ، يَرْوِيه مُجالِدٌ، وهو ضعيف. قال أحمد: مُجالِدٌ يُصَيِّرُ القِصَّةَ واحدةً، كم من أُعْجوبَةٍ لمُجالِدٍ. والرِّواياتُ الصَّحِيحةُ تُخالِفُه، ولا يصِحُّ قياسُ الطَّيْرِ على السِّباعِ؛ لما بَيْنَهُما من الفَرْقِ. إذا ثَبَتَ هذا، فكُلُّ جارِحٍ من الطَّيرِ أَمْكَنَ تَعْلِيمُه، والاصطيادُ به، من الْبازِىِّ والصَّقْرِ والشَّاهِين والعُقابِ، حَلَّ صَيْدُهَا على ما ذكرْناه. ١٧٠٤ - مسألة؛ قال: (ولَا يُؤْكَلُ مَا صِيدَ بِالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ، إذَا كَانَ بَهِيمًا؛ لأنَّهُ شَيْطَانٌ) البَهِيمُ: الذى لا يُخالطُ لونَه لونٌ سِواهُ (١). قال أحمدُ: الذى ليس فيه بَياضٌ. قال ثعلبٌ، وإبراهيمُ الْحَرْبِىُّ: كُلُّ لَوْنٍ لم يُخالِطْه لَوْنٌ (٢) آخرُ فهو (٣) بهيمٌ. قيلَ لهما: من كُلِّ لَوْنٍ؟ قالا: نَعَمْ. وممَّن كرِهَ صَيْدَه الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، وإسحاقُ. قال أحمد: ما أعْرِفُ أحدًا يُرَخِّصُ فيه. يَعْنِى من السَّلَفِ. وأباحَ صَيْدَه أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ؛ لعُمومِ الآيَةِ والخَبَرِ، والقياسِ على غيرِه من الكلابِ. ولَنا، أنَّه كَلْبٌ يحْرُمُ اقْتِناؤُه، ويجبُ قَتْلُه، فلم يُبَحْ صَيْدُه، كغيرِ المُعَلَّمِ، ودليلُ تَحْريِم اقْتِنائِه قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "فاقْتُلُوا مِنْها كُلَّ أسْوَدَ بَهِيمٍ". روَاه سعير، وغيرُه (٤). ورَوَى مسلمٌ، فى "صَحِيحِه" (٥)، بإسْنادِه عن عبدِ اللَّه بن المُغَفَّلِ، قال: أَمرَنا رسولُ اللَّه ﷺ بقَتْلِ

стр. 6956

الكلاب، ثُمَّ نَهَى عن قَتْلِها، فقال: "عَلَيْكُم بالأَسْودِ الْبهِيمِ، ذِى النُّكْتَتَيْن (٦)، فَإنَّه شَيْطَانٌ". فأَمَرَ بقَتْلِه، وما وَجَبَ قَتْلُه حَرُمَ اقتناؤُه وتَعليمُه، فلم يُبَحْ صَيْدُه لغيرِ المُعَلَّم، ولأنَّ النَّبِىِّ ﷺ سَمَّاه شيطانًا، ولا يجوزُ اقتناءُ الشيطانِ، وإباحَةُ الصَّيْد المَقْتُولِ رُخْصَةٌ، فلا تُسْتَباحُ بمُحَرَّمٍ (٧) كسائِرِ الرُّخَصِ، والعُموماتُ مَخْصوصةٌ بما ذكرْناه، وإن كان فيه نُكْتَتانِ فوقَ عَيْنَيْه، لم يَخْرُجْ بذلك عن كونِه بَهِيمًا (٨)؛ لما ذكرْناه من الخبرِ. ١٧٠٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَدْرَك (١) الصَّيْدَ وفِيهِ رُوحٌ، فَلَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ، لَم يُؤْكَلْ) يعنى، واللَّهُ أعلمُ، ما كان فيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فأمّا ما كانت حياتُه كحياةِ المَذْبُوحِ، فهذا يُباحُ من غيرِ ذَبْحٍ، فى قَوْلِهم جميعًا، فإنَّ الذَّكاةَ فى مِثْل هذا لا تُفِيدُ شيئًا. وكذلك لو ذبَحَهُ مَجُوسِىٌّ، ثم أعادَ ذَبْحَه مُسْلِمٌ. لم يَحِلّ، فأمَّا إنْ أَدْرَكَه وفيه حَياةٌ مُسْتقِرَّةٌ، فلم يذبَحْهُ حتى ماتَ، نَظَرْتَ؛ فإنْ لم يتَّسِع الزَّمانُ لذَكاته حتى ماتَ، [فإنَّه يَحِلُّ] (٢) أيضًا. قال قَتادَةُ: يأكُلُه ما لم يتَوانَ فى ذَكاتِه، أو يتْرُكْه عَمْدًا وهو قادِرٌ على أَنْ يُذَكِّيَهُ. ونحوُه قولُ مالِك، والشافِعِىِّ. ورُوِىَ ذلك (٣) عن الحَسَن، والنَّخَعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يحِلُّ؛ لأنَّه أدْرَكَه حَيًّا حياةً مُسْتَقِرَّةً، فتَعَلَّقَتْ إباحَتُه بتَذْكِيَتِه، كما لو اتَّسَعَ الزمانُ. ولَنا، أنَّه لم يقْدِرْ على ذَكاتِه يوَجْهٍ يُنسَبُ فيه إلى التَّفْريطِ، ولم يَتَّسِعْ لها الزمانُ، فكان عَقْرُه ذَكاتَه، كالذى قَتَله (٤). ويفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّه أمْكَنَه ذَكاتُه، وفرط بتَرْكِها. ولو أدْرَكَه وفيه حياةٌ مُسْتقِرَّة يَعِيش بها زَمَنا (٣) طويلًا، وأمْكَنَتْه ذَكاتُه، فلم يُذَكِّه (٥) حتى ماتَ، لم يُبَحْ، سَواءٌ كان به جُرْحٌ لا (٣) يعيشُ معه أولا. وبه قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو

стр. 6957

ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ ما كان كذلك، فهو فى حُكْمِ الحَىِّ، بدليلِ أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كانَتْ [جِراحَاتُه مُوحِيَةً] (٦)، فأوْصَى، وأُجِيزَت وَصاياه وأقوالُه فى تلك الحالِ، ولا سَقَطَت عنه الصلاةُ والعباداتُ، ولأنَّه تَرَكَ تذكِيَتَه جمع القُدْرَةِ عليها، فأشْبَهَ غيرَ الصَّيْدِ. ١٧٠٦ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ، أشْلَى الصَّائِدُ لَهُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَقْتُلَهُ، فَيُؤْكَلَ) يعنى: أغْرَى الكَلْبَ به، وأرْسَلَه عليه. ومعنى أشْلَى فى العربيَّةِ: دَعا. [إلَّا أَنَّ] (١) العامَّةَ تسْتعمِلُه بمعنى أَغْراهُ. ويَحْتَمِلُ أنّ الخِرَقِىّ أرادَ دَعاهُ ثمَّ أرْسَلَه؛ لأنَّ إِرْسالَه على الصَّيدِ يَتَضَمَّنُ دُعاءَهُ إليه. واخْتَلَفَ قولُ أحمدَ فى هذه المسأَلَةِ، فعنه مِثْلُ قوْلِ الْخِرَقِىّ. وهو قَوْلُ الحسَن، وإبراهيمَ. وقال فى موضِعٍ: إنِّى لأَقشَعِرُّ من هذا. يعنى أنَّه لا يَراهُ. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّه مقدُورٌ عليه، فلم يُبَحْ بقَتْلِ الجارِحِ له، كبَهِيمَةِ الأنعامِ، وكما لو أخَذَه سليمًا. وَوَجْهُ الأُولَى، أنَّه صَيْدٌ قَتَلَه الجارِحُ له من غيرِ إمْكانِ ذَكاتِه، فأُبِيحِ، كما لو أدْرَكَه مَيِّتًا، ولأنَّها حالٌ تَتَعَذرُ فيها الذَّكاةُ فى الحَلْقِ واللَّبّةِ غالبًا، فجازَ أَنْ تكون ذكاتُه على حَسَبِ الإِمْكانِ، كالمُتَرَدِّيَةِ فى بئرٍ. وحُكِىَ عن القاضى، أنَّه قال فى هذا بِتَرْكِه حتى يموتَ، فيحلَّ؛ لأنَّه صَيْدٌ تَعَذَّرَت تَذْكِيَتُه، فأُبِيحَ بمَوْتِه مِنْ عَقْرِ الصَّائِدِ له، كالذى تَعَذَّرَت تَذْكِيَتُه لقِلَّةِ لَبَّتِه. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه حيوانٌ لا يُباحُ بغيرِ التَّذْكِيَةِ إذا كان معه آلةُ الذَّكاةِ، فلم يُبَحْ بغيرِها إذا لم يكُنْ معه آلةٌ، كسائِرِ المَقْدُورِ على تَذْكِيَتِهِ. ومسألَةُ الخِرَقِىِّ محمولَةٌ على ما يُخافُ مَوْتُه إنْ لم يقْتُلْه الحيوانُ أو يُذَكَّى، فإن كان به حياةٌ يُمْكِنُ بَقاؤُه إلى أَنْ يأتِىَ به مَنْزِلَهُ، فليس فيه اخْتِلافٌ أنَّه لا يُباحُ إلَّا بالذَكاةِ، لأنَّه مقدورٌ على تَذْكِيَتِهِ.

стр. 6958

١٧٠٧ - مسألة؛ قال: (وإِذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ، فَأَصَابَ (١) مَعَه غَيْرَهُ، لَمْ يُؤْكَلْ إِلَّا أَنْ يُدْرَكَ فى الْحَيَاةِ، فيُذَكَّى) مَعْنَى المسألَةِ أَنْ يُرْسِلَ كَلْبَه على صَيْدٍ، فيَجِدَ الصَّيدَ مَيِّتًا، ويجدَ مع كَلْبِه كَلْبًا لا يعرفُ حالَه، ولا يَدْرِى هل وُجدَتْ فيه شرائِطُ إباحَةِ (٢) صَيْدِه أو لا، ولا يَعْلَمُ أيُّهما قَتَلَهُ؟ أو يَعْلَمُ أنَّهما جميعًا قَتَلاه، أو أَنَّ قاتِلَه الكلبُ المجهولُ، فإنَّه لا يُباحُ؛ إلَّا أَنْ يُدْرِكَه حَيًّا فيُذَكِّيَهُ. وبهذا قال عطاءٌ، والقاسِمُ بن مُخَيْمِرَةَ (٣)، ومالكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ لهم مخالِفًا. والأصْلُ فيه ما رَوَى عَدِىُّ بن حاتم قال: سأَلْتُ رسولَ اللَّه ﷺ فقلتُ: أُرْسِلُ كَلْبِى فأَجِدُ معه كَلْبًا آخرَ؟ قال: "لَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّما سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، ولَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ". وفى لفظ: "فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِك كَلْبًا آخَرَ، فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَه (٤) مَعَهُ (٥)، وقَدْ قَتَلَهُ، فَلَا تَأْكُلْه، فَإِنَّك إنَّما ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ". وفى لفْظٍ: "فَإِنَّكَ لَا تَدْرِى أيُّهما قَتَل". أَخْرَجَه البُخارِىُّ (٦). ولأنَّه شَكَّ فى الاصْطِيادِ المبيحِ، فوجَبَ إبْقاءُ حُكْمِ التَّحْرِيمِ، فأمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّ كَلْبَه الذى قَتَلَ وَحْدَه، أو أَنَّ الكَلْبَ الآخرَ ممَّا يُباحُ صَيْدُه، أُبِيحَ، بدلالَةِ تَعْليلِ تَحْرِيمِه: "فَإِنَّكَ إنَّما سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَم تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ". وقولِه: "فَإِنَّكَ لَا تَدْرِى أَيُّهُما قَتَل". ولأنَّه لم يشُكَّ فى المُبِيحِ، فلم يَحْرُمْ، كما لو كان هو أرْسَلَ الكَلْبَيْن وسَمَّى. ولو جهلَ حالَ الكلبِ المُشارِكِ لكلبِه، ثم انْكَشَفَ له أنَّه مُسَمًّى عليه، مُجْتَمِعةٌ فيه الشَّرائِطُ، حَلَّ الصَّيْدُ، ولو اعتَقَدَ حِلَّه لجهْلِه بمُشارَكَةِ الآخَرِ له، أو لاعْتِقادِه أنَّه كلبٌ

стр. 6959

مُسَمًّى عليه، ثم بانَ خِلافُه (٧)، حَرُمَ؛ لأَنَّ حَقِيقَةَ الإِباحَةِ والتَّحْريِم لا تَتَغَيَّرُ باعْتقادِ (٨) خِلافِها، ولا الجهلِ بوُجودِها. فصل: وإِنْ أُرسَلَ كَلْبَه، وأَرْسَلَ مَجُوسِىٌّ كَلْبَه، فَقَتَلَا صَيْدًا، لم يَحِلَّ؛ لأنَّ صَيْدَ الْمَجُوسِىِّ حَرامٌ، فإذا اجْتَمَعَ الحَظْرُ والإِباحَةُ، غَلَبَ الحَظْرُ، كالمُتَوِّلدِ بين ما يُؤْكَلُ وما لا يُؤْكَلُ، ولأنَّ الأصْلَ الحَظْرُ، والحِلُّ مَوْقوفٌ على شَرْطٍ، وهو تَذْكِيَةُ مَنْ هو من أهلِ الذَّكاةِ، أو صَيْدُه الذى حصلَت التَّذْكِيَةُ به، ولم يتحقّقْ ذلك. وكذلك إنْ رَمَياه بسَهْمَيْهما، فأصَاباه، فماتَ، ولا فَرْقَ بين أَنْ يقَعَ سَهْماهما فيه دَفْعَة واحدةً، أو يقَعَ أَحدُهما قبلَ الآخَرِ، إلَّا أَنْ يكونَ الأوَّلُ قد عَقَرَه عَقْرًا مُوحِيًا، مثل أَنْ ذَبَحَه، أو جَعَلَه فى حُكْمِ المذْبوحِ، ثم أصابَه الثانى وهو غيرُ مُوحٍ (٩)، فيكونُ الحكمُ للأوَّلِ، فإنْ كان الأوَّلُ المسلِمَ، أُبِيحَ، وإِنْ كان الْمَجُوسِىَّ، لم يُبَحْ. وإِنْ كان الثانى مُوحِيًا أيضًا، فقال أكثرُ أصْحابِنا: الحُكْمُ للأوَّلِ أيضًا؛ لأنَّ الإِباحَةَ حصَلتْ به، فأشْبَهَ ما لو كان الثانى غيرَ مُوحٍ. ويَجِىءُ على قولَ الْخِرَقِىّ أنَّه لا يُباح؛ لقولِه: وإذا ذَبح فأَتى على الْمَقاتِلِ، فلم تخْرُج الرُّوحُ حتى وقَعَتْ فى الماءِ، أو وَطِئَ عليها شىءٌ، لم تُؤْكلْ. ولأنَّ الرُّوحَ خَرَجَت بالجَرْحَيْنِ، فأشْبَهَ ما لو جَرَحاه معا. وإِنْ كان الأوّلُ ليس بمُوحٍ، والثانى مُوحٍ (١٠)، فالحُكْم للثانى فى الحظْرِ والإِباحَةِ. وإِنْ أرسلَ المسلِمُ والْمَجُوسِىُّ كلبًا واحدًا، فقتلَ صَيْدًا، لم يُبَحْ لذلك، وكذلك لو أَرْسَلَه مُسْلمانِ (١١) وسمَّى أحدُهما دونَ (١٢) الآخَرِ. وكذلك لو أرسَلَ المُسْلِمُ كلبَيْن، أحدُهما مُعَلَّمٌ والآخَرُ غيرُ مُعلَّمٍ، فقَتَلَا صَيْدًا، لم يَحِلَّ. وكذلك إنْ أرسلَ كلبَه المُعَلَّمَ، فاسْتَرْسَلَ معه مُعَلَّمٌ آخَرُ بِنَفْسِه، فقَتَلَا الصَّيْدَ، لم يَحِلُّ، فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ربيعةُ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ،

стр. 6960

وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال الأوْزاعِىُّ: يحل ههُنا. ولَنا، أَنَّ إرْسالَ الكلبِ على الصَّيْدِ شرطٌ (١٣) لما بَيَّنَّاه؛ ولم يُوجَدْ فى أحدِهما. فصل: فإنْ أرْسَلَ مسلمٌ كَلْبَه، وأَرسَلَ مَجُوسِىٌّ كلبَه، فرَدَّ كلبُ الْمَجُوسِىّ الصَّيْدَ إلى كلب المسلمِ، فقَتَلَه، حَلَّ أكلُه. وهذا قولُ الشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحَلُّ، لأنّ كلبَ الْمَجُوسِىّ عاوَنَ فى اصْطيادِه، فأشْبَهَ إذا عَقَرَه. ولَنا، أَنَّ جارِحَةَ المسلمِ انْفَرَدَت بِقَتْلِه، فأُبِيحَ، كما لو رَمَى الْمَجُوسِىُّ سَهْمَه، فَردَّ الصَّيْدَ، فأصابَه سَهْمُ مُسْلِمٍ (١٤)، فقَتَلَه، أو أَمْسَك مَجُوسِىٌّ شاةً، فَذَبَحَها مسلمٌ. وبهذا يبْطُلُ ما قالَه. فصل: وإذا صادَ الْمَجُوسِىُّ بكلْبِ مُسْلِمٍ، لم يُبَحْ صَيْدُه. فى قولِهم جميعا. وإِنْ صادَ المسلمُ، بكلْبِ مَجُوسِىٍّ (١٥)، فقَتَلَ، حَلَّ صَيْدُه. وبهذا قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحَكَمُ، ومالكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ (١٦)، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ: لا يُباحُ. وكَرِهَه جابرٌ، والحسنُ، ومُجاهِدْ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ؛ لقولِه تَعالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (١٧). وهذا لم يُعَلِّمْه. وعن الحسن، أنَّه كَرِه الصَّيْدَ بكلبِ اليَهُودِىِّ والنَّصْرانِىِّ، لهذه الآية. ولَنا، أنَّه آلةٌ صادَ بها المسلمُ، فحَلَّ صَيْدُه، كالقَوْسِ والسَّهْمِ. قال ابنُ المُسَيَّبِ: هو (١٨) بمنزِلَةِ شَفْرَتِه. والآية دَلَّت على إباحَةِ الصَّيْدِ بما عَلَّمْناه وما عَلَّمَه غيرُنا، فهو فى مَعْناه، فيَثْبُتُ الحكُم بالقِياسِ الذى ذكرْناه، يُحققُه أَنَّ التَّعْليمَ إنَّما أثَّرَ فى جَعْلِه آلةً، ولا تُشْتَرَطُ (١٩) الأهْلِيَّةُ فى ذلك، كعمَلِ

стр. 6961

القَوْس والسَّهمِ، وإنَّما تُشْتَرَطُ فيما أقيمَ مُقامَ الذَّكاةِ، وهو إرْسالُ الآلَةِ، من الكلْبِ والسَّهْمِ، وقد وُجِدَ الشَّرْطُ ههُنا. فصل: إذا أَرسَلَ جماعة كلابًا، وسَمَّوا، فوجَدُوا الصَّيْدَ قتيلًا، لا يَدْرُونَ مَنْ قَتَلَه، حلَّ أكلُه. فإنَّ اخْتَلَفُوا فى قاتِلِه، وكانت الكلابُ مُتَعلِّقَةً به، فهو بينهم على السَّواءِ؛ لأنَّ الجميعَ مُشْتركِة فى إمْساكِه، فأشْبَهَ ما لوكان فى أَيْدِى الصائِدين (٢٠) أو عَبيدِهم. وإِنْ كان البعضُ مُتعلِّقًا به دونَ باقِيها، فهو لِمَنْ كَلْبُه مُتَعَلِّق به، وعلى مَن حكَمْنا له به اليمينُ فى المَسْأَلَتَيْن؛ لأنَّ دَعْواه مُحْتمِلةٌ، فكانت اليمينُ (٢١) عليه، كصاحِبِ الْيَدِ. وإِنْ كان قتيلًا والكلابُ ناحيةً، وقَفَ الأمْرُ حتَّى يصْطلِحُوا. ويحتملُ أَنْ يُقْرَعَ بينهم، فمَنْ قرَع صاحبَه حَلَفَ، وكان له. وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ. وقياسًا (٢٢) على ما لو تَداعيَا دَابَّةً فى يَدِ غيرِهما. وعلى الأوَّلِ، إذا خِيفَ فسادُه، قَبْلَ اصْطلاحِهم عليه، بَاعُوه، ثمَّ اصْطلحُوا على ثَمَنِه. ١٧٠٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا سَمَّى، ورَمَى صَيْدًا، فَأَصَابَ (١)، غَيْرَهُ، جَازَ أَكْلُه) وجُمْلَة ذلك (٢) الأَمْرِ، أنَّ الصيدَ بالسِّهامِ كلِّ مُحَدَّدٍ جائِزٌ، بلا خِلافٍ، وهو داخِلٌ فى مُطْلَقِ قولِه تعالَى: ﴿فَاصْطَادُواْ﴾ (٣). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "فَمَا صِدْتَ بقَوْسِكَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ" (٤). وعن أبى قتادَةَ أنَّه كان مع رسولِ اللَّه ﷺ ، فرأَى حمارًا وَحْشِيًّا، فاسْتَوَى على فرَسِه، وأخَذَ رُمْحَه، ثمَّ شَدَّ على الحمارِ فقَتَلَه، فلمَّا أَدْرَكُوا رسولَ اللَّه ﷺ سأَلُوه عن ذلك، فقال: "إنَّما هِىَ طُعْمَة أطعَمَكُمُوهَا اللَّهُ". مُتَّفَقٌ

стр. 6962

عليه (٥). ويعتبرُ فيه من الشُّرُوطِ ما ذَكَرْنا فى الجارِحِ، إلَّا التَّعْليمَ. وتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ عند إرسالِ السَّهْمِ، والطَّعْنِ إنْ كان برُمْحٍ، والضَّرْبِ إنْ كان ممّا يُضرَبُ؛ لأنَّه الفِعْلُ الصَّادِرُ منه. وإِنْ تَقَدَّمَت التَّسْمِيَةُ بزَمَنٍ يسيرٍ، جازَ، كما ذكَرْنا فى النِّيَّةِ فى العباداتِ. ويُعْتبَرُ أَنْ يقْصدَ الصَّيْدَ، فلو رَمَى هَدَفًا فأصابَ صَيْدًا، أو قَصَدَ رَمْىَ إنسانٍ أو حجرٍ، أو (٦) رَمَى عَبَثًا غيرَ قاصِدٍ صيدًا فقَتَلَه، لم يَحِلَّ. وإِنْ قَصَدَ صَيْدًا، فأصابَهُ وغيرَه، حَلَّا جميعًا، والجارِحُ فى هذا بمنزِلَةِ السَّهْمِ. نَصَّ أحمدُ على هذه المسائِلِ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وقَتادَةَ، وأبى حنيفةَ، والشافِعِىِّ، إلَّا أَنَّ الشافِعِىَّ قال: إذا أرْسَلَ الكلبَ على صَيْدٍ، فأخَذَ آخَرَ فى طريقِه، حَلَّ، وإِنْ عَدَا (٧) عن طريقِه إليه، ففيه وَجْهان (٨). وقال مالِكٌ: إذا أرْسَلَ كلْبَه على صَيْدٍ (٩) بعَيْنِه، فأخَذَ غيرَه، لم يُبَحْ؛ لأنَّه لم يقْصِدْ صَيْدَه، إلَّا أَنْ يُرْسِلَه على صُيودٍ كِبارٍ، فتتفَرَّقُ عن صِغارٍ، فإنَّها تُباحُ إذا أخَذَها. ولَنا، عُمومُ قولِه تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١٠). وقولُه ﵇: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فكُلْ مِمَّا أمْسَكَ عَلَيْكَ" (١١). وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ" (١٢). ولأنَّه أرْسلَ آلةَ الصَّيْدِ على صَيْدٍ، فحلَّ ما صادَهُ،

стр. 6963

كما لو أَرْسَلَها على كِبارٍ فتَفَرَّقَت عن صِغَارٍ فأَخَذَها، على مالِكٍ، أو كما لو أخَذَ صَيْدًا فى طَريقه، على الشافِعِىِّ. ولأنَّه لا يمكنُ تعليمُ الجارِحِ اصْطِيادَ واحِدٍ بعَيْنِه دونَ واحدٍ، فسَقَطَ اعتبارُه، فأمَّا إنْ أرسلَ سَهْمَهُ أو الجارِحَ، ولا يرَى صَيْدًا، ولا يعلمُه، فصادَ، لم يَحِلَّ صَيْدُه؛ لأنَّه لم يقْصِدْ صَيْدًا، ولأن (١٣) القَصْدَ لا يتحقَّقُ لما لا يعلمُه. وبهذا قال الشافِعِىُّ فى الكلبِ. وقال الحَسَنُ، ومُعاوِيَةُ بن قُرَّةَ: يأكُلُه، لعُمومِ الآيَةِ والخَبَرِ، ولأنَّه قصَدَ الصَّيْدَ، فحلَّ له ما صادَه، كما لو رَآه. ولَنا، أَنَّ قصْدَ الصَّيْدِ شرْطٌ، ولا يصِحّ القَصْدُ (١٤) مع عَدَمِ العلمِ، فأشْبَهَ ما لو لم يقْصِدِ الصَّيْدَ. فصل: وإِنْ رَأَى سَوادًا، أو سمِعَ حِسًّا، فظنَّهُ آدَمِيًّا، أو بهيمةً، أو حجَرًا، فرَماه فقَتَلَه، فإذا هو صيْدٌ، لم يُبَحْ. وبهذا قال مالِك، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ. وقال الشافِعِىُّ: يُباحُ إنْ كان المُرْسَلُ سَهْمًا، ولا يُبَاحُ إنْ كان جارِحًا. واحتجَّ مَنْ أباحَهُ بعُمومِ الآيَةِ والخبَرِ، ولأنَّه قصَدَ الاصْطِيادَ، وسَمَّى فأشبه ما لو عَلِمَه صَيْدًا. ولَنا، أنَّه لم يقْصِدِ الصَّيْدَ، فلم يُبَحْ، كما لو رَمَى هَدَفًا فأصابَ صَيْدًا، وكما فى الجارِحِ عنَد لم الشافِعِىِّ. وإِنْ ظنَّه كلبًا أو خِنْزيرًا، لم يُبَحْ، لذلك. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: يُباحُ؛ لأنَّه ممَّا يباحُ قَتْلُه. ولَنا، ما تقدَّمَ. فأمَّا إنْ ظَنَّه صَيْدًا، حَلَّ؛ لأنَّه ظَنَّ وُجودَ الصَّيْدِ، أشْبَهَ ما لو رآه. وإِنْ شَكَّ هل هو صَيْدٌ أو لا؟ أو غَلَبَ على ظَنِّه أَنَّه ليسَ بصَيْدٍ، لم يُبَحْ؛ لأنَّ صِحَّةَ القَصْدِ تَنْبَنِى على العلمِ، ولم يُوجَدْ ذلك. وإِنْ رَمَى حجرًا يظُنُّه صَيْدًا، فقتَلَ صَيْدًا، فقال أبو الخَطَّاب: لا يُباحُ؛ لأنَّه لم يقْصِدْ صَيْدًا على الحقيقَةِ. ويحْتَمِلُ أَنْ يُباحَ؛ لأنَّ صِحَّةَ القَصْدِ تَنْبَنِى على الظَّنِّ، وقد وُجِدَ، فصَحَّ قَصْدُه، فينبغِى أَنْ يَحِلَّ صَيْدُه. ١٧٠٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا رمَاهُ، فَغابَ عَنْ عَيْنِهِ، فَوَجَدهُ مَيِّتًا، وسَهْمُه فِيهِ، ولَا أَثَرَ بِهِ غَيْرُهُ، حَلَّ (١) أَكْلُهُ) هذا (٢) المشهورُ عن أحمد، وكذلك لو أرسَلَ كلْبَهُ على صَيْدٍ، فغابَ عن عيْنِه، ثمَّ

стр. 6964

وجَدَه مَيِّتًا، ومعه كَلْبُه، حَلَّ. وهذا قولُ الحسنِ، وقَتادَةَ. وعن أحمدَ، أَنْ غابَ نهارًا، فلا بَأْسَ، وإِنْ غابَ ليلًا، لم يأْكُلْه. وعن مالِكٍ كالرِّوايَتَيْن. وعن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّه إنْ غابَ مُدَّةً طويلةً، لم يُبَحْ، وإِنْ كانَتْ يَسِيرَةً، أُبِيحَ؛ لأَنَّه قيل له: إنْ غابَ يومًا؟ قال: يومٌ كثِيرٌ. ووَجْهُ ذلك قولُ ابنِ عَبَّاسٍ: إذا رَمَيْتَ فأَقْعَصْتَ (٣)، فكُلْ، وإِنْ رَمَيْتَ فَوَجَدْتَ فيه سَهْمَك من يومِكَ أو لَيْلَتِكَ، فكُلْ، وإِنْ باتَ عَنْكَ ليلةً، فلا تأكُلْ؛ فإنَّكَ لا تَدْرِى ما حَدَثَ فيه [بَعْدَ ذلك] (٤). وكرِهَ عطَاءٌ والثَّوْرِىُّ أَكْلَ ما غابَ. وعن أحمدَ مثلُ ذلك. وللشافِعِىِّ فيه قَوْلان؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ قال: كُلْ ما أَصْمَيْتَ، وما أَنْمَيْتَ فلا تَأْكلْ (٥). قال الحَكَمُ: الإِصْماءُ: الإِقْعاصُ. يعنى أنَّه يمُوتُ فى الحالِ. والإِنْماءُ أَنْ يَغِيبَ عَنْكَ. يعنى أنَّه لا يموتُ فى الحالِ. قال الشاعِرُ (٦): فَهْوَ لَا تَنْمِى رَمِيَّتُه ... مالَهُ لَا عُدَّ مِن نَفَرِهْ وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ إنْ لم يكُنْ تَرَكَ طَلَبَه، وإِنْ تشاغَلَ عنه ثمَّ وَجَدَه، لم يُبَحْ. ولَنا، ما رَوَى عَدِىُّ بن حاتمٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ، فوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ، لَيْسَ بِهِ ألَّا أَثَرُ سَهْمِكَ، فَكُلْ، وأنْ وجَدْتَه غَرِيقًا فِى الْمَاء، فَلَا تَأْكُلْ". متَّفَقٌ عليه (٧). وعن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أفْتِنِى فى سَهْمِى. قال: "مَا رَدَّ عَلَيْكَ سَهْمُكَ، فَكُلْ". قال: وإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّى؛ قال: "وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ، مَا لَمْ تَجِدْ فيه أثَرًا غيرَ سَهْمِك، أو

стр. 6965

تَجِدْه قد صَلَّ (٨) ". رَواه أبو داودَ (٩). وعن أبى ثَعْلَبَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذا رَمَيْتَ الصَّيْدَ، فَأدْرَكْتَه بَعْدَ ثَلَاثٍ وسَهْمُكَ فِيهِ، فَكُلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ" (١٠). ولأَنَّ جَرْحَه بسَهْمِه سَبَبُ إباحَتِه، وقد وُجِدَ يَقِينًا، والمُعارِضُ له مَشْكوكٌ فيه، فلا نَزُولُ عن اليقينِ بالشَّكِّ، ولأَنَّه وَجَدَه وسَهْمُه فيه، ولم يَجِدْ به أثرَ (١١) آخَر، فأشْبَهَ ما لو لم يَتْرُكْ طَلَبَه عندَ أبى حنيفةَ، أو كما لو غابَ نهارًا، أو مُدَّةً يسيرة، أو كما لو لم يغِبْ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُشْترَطُ فى حِلِّه شَرْطان؛ أحدُهما، أَنْ يجِدَ سَهْمَه فيه، أو أثَرَه ويَعْلمَ أنَّه أثَرُ سَهْمِه؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ كذلك، فهو شَاكٌّ فى وُجودِ الْمُبِيحِ، فلا يثْبُتُ بالشَّكِّ. والثانى، أَنْ لا يجِدَ به أثرًا غيرَ [أثَرِ سَهْمِه] (١٢)، ممَّا يَحْتَمِلُ أنَّه قَتَلَه؛ لقولِ النَّبِىَّ ﷺ : "ما لَمْ تجِدْ فِيهِ أثَرًا (١٣) غَيْرَ سَهْمِكَ" وفى لفط: "وإِنْ وجَدْتَ فِيهِ أَثَرًا (١٤) غَيْرَ سَهْمِكَ، فَلَا تَأْكُلْه، فإِنَّك (١٥) لا تَدْرِى، أَقَتَلْتَهُ أَنْتَ أو غيرُك". رَواه الدَّارَقُطْنِىّ (١٦). وفى لفْظٍ: "إذا وَجَدْتَ فِيهِ (١٧) سَهْمَكَ، ولَمْ يَأْكُلْ مِنْهَ سَبُعٌ، فكُلْ مِنْهُ". روَاه النَّسائِىّ (١٨)، وفى حديثِ عَدِىٍّ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "فإنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ، فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أو يومَيْنِ، لَيْسَ بِهِ إلَّا أثَرُ

стр. 6966

سَهْمِكَ، فكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِى الماءِ، فَلَا تأكُلْ". روَاه البخارِىُّ. وقال ﵇: "وإِنْ وَجَدْتَه غرِيقًا فِى الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ". ولأَنَّه إذا وُجِدَ (١٩) به أَثَرٌ يصلُحُ أَنْ يكونَ قد قَتَلَه، فقد تَحَقَّقَ المُعارِض، فلم يُبَحْ، كما لو وَجَدَ مع كلبِه كلْبًا سِواهُ، فأمَّا إنْ كانَ الأثَرُ ممَّا لايقْتُلُ مثلُه، مثل أَكلِ حَيَوانٍ ضَعِيفٍ، كالسِّنَّوْرِ والثَّعْلَبِ، من حيوانٍ قَوِىٍّ، فهو مُباحٌ؛ لأنَّه يعلمُ أَنَّ هذا لم يقْتُلْه، فأشْبَه ما لو تَهَشَّمَ من وقْعَتِه. ١٧١٠ - مسألة؛ قال: (وإذَا رَماهُ، فَوَقَعَ فِى ماءٍ، أو تَرَدَّى مِن جَبَلٍ، لَمْ يُؤْكَلْ) يَعْنِى وَقَعَ فى ماءٍ يقتلُه (١) مثلُه، أو تَرَدَّى تَرَدِّيًا يقْتلُه مثلُه. ولا فَرْقَ فى قولِ الْخِرَقِىِّ بين كَوْنِ الجِراحَةِ مُوحِيَةً أو غيرَ مُوحِيَةٍ. هذا المشهورُ عن أحمدَ، وظاهِرُ قولِ ابن مَسْعُود، وعَطاءٍ، ورَبِيعَةَ، وإسحاقَ، وأَصْحابِ الرَّأْىِ. أَكْثَرُ أَصْحَابِنا المتأخِّرين (٢) يقولُون: إنْ كانَت الجِراحَةُ موحِيَةً، مثل إنْ ذَبَحَه أو أَبَانَ حِشْوَتَه، لم يَضُرَّ وُقوعُه فى الماءِ ولا تَرَدِّيه. وهو قولُ الشافِعِىِّ، ومالِكٍ، واللَّيْثِ، وقَتادَةَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ هذا صارَ فى حُكْمِ الميِّتِ بالذَّبْحِ، فلا يُؤثِّرُ فيه ما أصابَهُ. ووَجْهُ الأوَّلِ، قولُه: "وإِنْ وَقَعَ فِى الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ" (٣). ولأنّه يَحْتَمِلُ أَنَّ الماءَ أعانَ على خُروجِ رُوحِه، فصارَ بمنزلَةِ ما لو كانت الجِراحَةُ غيرَ مُوحِيَةٍ، ولا خلافَ فى تحريمِه إذا كانَت الجِراحَةُ غيرَ موحِيَةٍ. ولو وقَعَ الحيوانُ فى الماءِ على وجْهٍ لا يقتُلُه، مثل أَنْ يكونَ رأسُه خارِجًا من الماءِ، أو يكونَ من طيْرِ الماءِ الذى لا يقتلُه الماءُ، أوكان التَّرَدِّى لا يقتلُ مثلَ ذلك الحيوان، فلا خِلافَ فى إباحَتِه، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "فإنْ وَجَدْتَه غريقًا فى الماءِ فلا تأكُلْه" ولأنَّ الوُقُوعَ فى الماءِ والتَّرَدِّىَ إنَّما حُرِّمَ خَشْيَةَ أَنْ يكونَ قاتِلًا أو مُعِينًا على القَتْلِ، وهذا مُنْتَفٍ فيما ذَكَرْناه. فصل: فإنْ رَمَى طائِرًا فى الهواءِ، أو على شَجَرَةٍ، أو جَبَلٍ، فَوَقَعَ إلى الأَرْضِ،

стр. 6967

فماتَ، حلَّ. وبه قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: لا يَحِلّ، إِلَّا أَنْ تكونَ الجراحَةُ مُوحِيَةً، أو يمُوتَ قبلَ سقُوطِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالمُتَرَدِّيَةُ﴾ (٤). ولأنَّه اجْتَمَعَ المُبِيحُ والحاظِرُ، فغُلِّبَ الحَظْرُ، كما لو غَرِقَ. ولَنا، أنَّه صَيْدٌ سَقَطَ بالإِصابَةِ سُقوطًا لا يُمْكِنُ الاحْترِازُ عن سقوطِهِ عليه، فوجَبَ أَنْ يَحِلَّ، كما لو أصابَ الصَّيْدَ فوقَعَ على جنْبِه. ويُخالِفُ ما ذكرُوه، فإنَّ الماءَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وهو قاتِلٌ، بخلافِ الأَرْضِ. ١٧١١ - مسألة؛ قال: (وإِذَا رَمَى صَيْدًا، فقَتَلَ جَماعَةً، فَكُلُّه حَلالٌ) قد سَبَقَ شرحُ هذه المسألَةِ، فيما إذا رَمَى صيدًا فأَصابَ غيرَه (١). فصل: قال أحمد: لا بَأْسَ بصَيْدِ اللَّيْلِ. فقيلَ له: فقَوْلُ (٢) النَّبِىِّ ﷺ : "أقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِها (٣) " (٤). فقال: هذا كان أحدُهم (٥) يريدُ الأَمْرَ، فيثيرُ الطيرَ حتَّى يتفاءَلَ، إِنْ كان عن يَمينِه قال كذا، وإِنْ كان (٦) عن يسارِه قال كذا، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "أقِرُّوا الطَّيْرَ على مَكِناتِهَا (٣) ". ورُوِى له عن ابنِ عبَّاسٍ أَنَّ (٧) النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَطْرُقُوا الطَّيْرَ فِى أوْكَارِهَا، فَإنَّ اللَّيْلَ لَهَا أمَانٌ" (٨). فقال: هذا ليس بشىءٍ، يَرْوِيه فُراتُ ابنُ السَّائِبِ، وليس بشىءٍ، ورَواهُ عنه حفصُ بن عمرَ، ولا أعْرِفُه. قال يزيدُ بنُ هارون: ما علمتُ أَنَّ أحدًا كرِهَ صَيْدَ اللَّيْلِ. وقال يَحْيَى بن مَعِين: ليس بِه بأْسٌ. وسُئِلَ (٩): هل يُكْرَهُ للرَّجُلِ صيدُ الفِراخِ الصِّغارِ، مثل الوَرَشان (١٠) وغيرِه؟ يعنى من أوْكارِها. فلم يَكْرَهْهُ.

стр. 6968

١٧١٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا رَمَى صَيْدًا، فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، لم يَأْكُلْ (١) مَا أبانَ (٢) مِنْهُ، ويَأْكُلُ (٣) مَا سِوَاهُ، فى إِحْدى الرِّوايَتَيْن، والأُخْرَى يَأْكُلُه ومَا أَبَانَ مِنْهُ) وجملَتُه أنَّه إذا رَمَى صَيْدًا، أو ضَرَبَه، فبانَ بعضُه، لم يَخْلُ من أحوالٍ ثلَاثَةٍ؛ أحدُها، أَنْ يَقْطَعَهُ قِطْعَتَيْن، أو يقْطَعَ رأسَه، فهذا جميعُه حَلال، سواءٌ كانت القِطْعتان مُتساوِيَتَيْن أو مُتَفاوِتَتَيْن. وبهذا قال الشافِعِىُّ. ورُوِىَ ذلك عن عِكْرِمَةَ، والنَّخَعِىِّ، وقَتَادَةَ. وقال أبو حنيفةَ: إنْ كانَتَا مُتَساوِيَتَيْن، أو التى مع الرأْسِ أقلَّ، حَلَّتا، وإِنْ كانت الأُخْرَى أقلَّ، لم يَحِلَّ، وحَلَّ الرَّأْسُ وما مَعَه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَا أُبِينَ مِنْ حَىٍّ فهو مَيِّتٌ" (٤). ولَنا، أَنَّه جُزْءٌ لا تَبْقَى الحياةُ مع فَقْدِه، فأُبِيحَ، كما لو تساوَت القِطْعَتان. الحالُ الثانِى، أَنْ يَبِينَ منه عُضْوٌ، وتَبْقَى فيه حياةٌ مُسْتَقِرة، فالبائِنُ مُحَرَّمٌ (٥) بِكُلِّ حالٍ، سواءٌ بَقِىَ الحيوانُ حَيًّا، أو أدْرَكَه فذَكَّاه، أو رَماهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَقَتَلَه، إلَّا أنَّه إنْ ذكّاه حَلَّ بكُلِّ حالٍ دونَ ما أبانَ منه. وإِنْ ضَرَبَه فى غيرِ مَذبَحِه فقَتَلَه، نظَرْتَ؛ فإنَّ لم يكُنْ أَثْبَتَه بالضَّرْبَةِ الأُولَى، حَلَّ، دونَ ما أبانَ منه، وإِنْ كان أَثْبَتَه، لم يَحِلَّ شىءٌ منه؛ لأنَّ ذَكاةَ المقْدُورِ عليه فى الحَلْقِ واللَّبَّةِ. الحالُ الثالِثُ، أبانَ منه عُضْوًا، ولم تَبْقَ فيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فهذه التى ذكرَ الْخِرَقِىُّ فيها رِوايَتَيْن؛ أشْهَرُهُما جمن أحمدَ، إباحَتُهُما. قال أحمدُ: إنَّما حَدِيثُ النَّبِىِّ ﷺ : "ما قَطَعْتَ مِنَ الْحَىِّ مَيْتةٌ". إذا قُطِعَتْ وهى حَيَّةٌ، تَمْشِى وتَذْهَبُ. أمَّا إذا كانت البَيْنُونَةُ والموتُ جميعًا، أو بعدَه بقليلٍ، إذا كان فى عِلاجِ الموتِ، فلا بأْسَ به، ألَا تَرَى الذى يُذْبَحُ رُبَّما مَكَثَ ساعَةً، وربَّما مَشَى حتَّى يمُوتَ! وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. ورُوِى ذلك عن عَلِىِّ، وعَطاءٍ، والحسنِ. وقال قَتادَةُ، وإبراهيمُ، وعِكْرِمَةُ: إنْ وَقَعَا معًا أَكَلَهُما، وإِنْ مَشَى بعدَ قَطْعِ العُضْوِ أَكَلَه، ولم يأْكُلِ العُضْوَ. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، لا يُباحُ ما أبانَ (٦) منه. وهذا مذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَا أُبِينَ من حَىٍّ فهو

стр. 6969

مَيِّتٌ". ولأنَّ هذه البَيْنُونَةَ لا تمنعُ بقاءَ الحيوانِ فى العادَةِ، فلم يُبَحْ أكلُ البائِنِ، كما لو (٧) أدْرَكَه الصَّيَّادُ وفيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ. والأُولَى المشهورةُ؛ لأنَّ ما كان ذَكاةً لبعضِ الحيوانِ، كان ذَكاةً لجَمِيعِه، كما لو قَدَّهُ نِصْفَيْن، والخبرُ يقْتَضِى أَنْ يكونَ الباقِى حَيًّا، حتَّى يكونَ المُنْ فَصِلُ منه مَيِّتًا، وكذا نقول. قال أبو الخَطَّاب: فإنْ بَقِىَ مُعَلَّقًا بجِلْدِه، حَلَّ، رِوايةً واحِدَةً. فصل: قال أحمدُ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، عن منصورٍ، عن الحَسَنِ، أَنَّه كان لا يَرَى بالطرَّيدَةِ بأْسًا، كان المسلمون يفْعَلُون ذلك فى مَغازِيهم، وما زالَ الناسُ [يفْعلون ذلك] (٨) فى مَغازِيهم. واسْتَحْسَنَه أبو عبدِ اللَّه. قال: والطَّرِيدَةُ الصيدُ يقعُ بين القومِ، فيقطَعُ ذا منُه بسَيْفِه قِطْعَةً، ويقَطعُ الآخَرُ أيضًا، حتَّى يُؤْتَى عليه وهو حَىٌّ. قال: وليس هو عِنْدِى إلَّا أَنَّ الصَّيْدَ يقَعُ بينهم، لا يَقْدِرُون على ذَكاتِه، فيأْخُذُونَه قِطَعًا. ١٧١٣ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِك إِذَا نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ) وجملَتُه أَنَّهُ إذا نَصَبَ المَنَاجلَ (١) للصَّيْدِ، [وسَمَّى عليها] (٢)، فعَقَرَتْ صَيْدًا، أو قَتَلَتْه، حَلَّ. فإنْ بانَ منه عضْوٌ، فَحُكْمُه حُكْمُ البائنِ بضَرْبَةِ الصَّائِدِ. رُوِىَ نحوُ ذلك عن ابنِ عُمرَ. وهو قولُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ. وقال الشافِعِىُّ: لا يُباحُ بحالٍ؛ لأنَّه لم يُذَكِّهِ (٣) أحدٌ، وإنّما قَتَلَت الْمَناجِلُ بِنَفْسِها، ولم يُوجَدْ من الصَّائِدِ إلَّا السَّببُ، فجرَى ذلك مَجْرَى مَن نَصَبَ سِكِّينًا، فذَبَحَت شاةً، ولأنَّه لو رَمَى سَهْمًا وهو لا يَرَى صَيْدًا، فقَتلَ صَيْدًا، لم يَحِلّ، فهذا أَوْلَى. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "كُلْ ما رَدَّت عَلَيْكَ يَدُكَ" (٤). ولأنَّه قَتَلَ

стр. 6970

الصَّيْدَ بحديدَةٍ على الوَجْهِ المُعْتادِ، فأشْبَهَ ما لو رَماه بها، ولأَنَّه قَصَدَ قَتْلَ الصَّيْدِ بِمالَهُ حَدٌّ جَرَت العادَةُ بالصَّيْدِ به، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا، والسَّبَبَ جَرَى مَجْرَى المُباشَرَةِ فى الضَّمانِ، فكذلك فى إباحَةِ الصَّيْدِ، وفارَقَ ما إذا نَصَب سِكِّينًا؛ فإنَّ العادَةَ لم تَجْرِ بالصَّيْدِ بها، وإذا رَمَى سهْمًا، ولم يرَ صَيْدًا، فليس ذلِك بمُعْتادٍ، والظَّاهِرُ أنَّه لا يُصيبُ صَيْدًا، فلم يَصِحَّ قَصْدُه، وهذا بخلافِه. فصل: فأمَّا ما قَتَلَتْه الشَّبَكَةُ أو الحَبْلُ (٥)، فهو مُحَرَّمٌ. لا نعلَمُ فيه خلافًا، إلَّا عن الحَسَنِ، أَنَّه يُباحُ ما قَتَله الحَبْلُ إذا سَمَّى، فدخَلَ فيه وجَرَحَه. وهذا قولٌ شاذٌّ، يُخالِفُ عَوامَّ أهلِ العلمِ، ولأنَّه قَتَلَه (٦) بما ليس، له حَدٌّ، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه بالبُنْدُقِ. ١٧١٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا صَادَ بالْمِعْرَاضِ، أَكَلَ مَا قَتَلَ بِحَدِّه، ولَمْ (١) يَأْكُلْ ما قَتَلَ بِعَرْضِهِ) المِعْرَاضُ: عودٌ مُحَدَّدٌ (٢)، ورُبَّما جُعِلَ فى رأْسِه حديدَةٌ. قال أحمدُ: المِعْراضُ يُشْبِهُ السَّهْمَ، يُحْذَفُ به الصَّيْدُ، فربَّما أصابَ الصَّيْدَ بحَدِّه، فخَرَقَ وقَتَلَ، فيُباحُ، وربَّما أصابَ بعَرْضِه، فقَتَلَ بثُقْلِه، فيكونُ مَوْقُوذًا، فلا يُباح. وهذا قولُ علىٍّ وسَلْمانَ (٣)، وعَمَّارٍ، وابنِ عبَّاسٍ. وبه قال النَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وإسحاق، وأبو ثَوْرٍ. وقال الأوْزَاعِىُّ، وأهلُ الشام: يُباحُ ما قَتَلَه بحَدِّه وعَرْضِه. وقال ابنُ عمرَ: ما رُمِىَ من الصَّيْدِ بجُلاهِقٍ أو مِعْراضٍ، فهو من الْمَوْقُوذَةِ. وبه قال الحسنُ. ولَنا، ما رَوَى عَدِىُّ بنُ حاتمٍ، قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن صَيْدِ المِعْرَاضِ، فقال: "مَا خَرَقَ فَكُلْ، وما قَتَلَ بعَرْضِه فهُوَ وَقِيذٌ، فَلَا
следующие страницы →