← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

سَهْمِكَ، فكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِى الماءِ، فَلَا تأكُلْ". روَاه البخارِىُّ. وقال ﵇: "وإِنْ وَجَدْتَه غرِيقًا فِى الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ". ولأَنَّه إذا وُجِدَ (١٩) به أَثَرٌ يصلُحُ أَنْ يكونَ قد قَتَلَه، فقد تَحَقَّقَ المُعارِض، فلم يُبَحْ، كما لو وَجَدَ مع كلبِه كلْبًا سِواهُ، فأمَّا إنْ كانَ الأثَرُ ممَّا لايقْتُلُ مثلُه، مثل أَكلِ حَيَوانٍ ضَعِيفٍ، كالسِّنَّوْرِ والثَّعْلَبِ، من حيوانٍ قَوِىٍّ، فهو مُباحٌ؛ لأنَّه يعلمُ أَنَّ هذا لم يقْتُلْه، فأشْبَه ما لو تَهَشَّمَ من وقْعَتِه. ١٧١٠ - مسألة؛ قال: (وإذَا رَماهُ، فَوَقَعَ فِى ماءٍ، أو تَرَدَّى مِن جَبَلٍ، لَمْ يُؤْكَلْ) يَعْنِى وَقَعَ فى ماءٍ يقتلُه (١) مثلُه، أو تَرَدَّى تَرَدِّيًا يقْتلُه مثلُه. ولا فَرْقَ فى قولِ الْخِرَقِىِّ بين كَوْنِ الجِراحَةِ مُوحِيَةً أو غيرَ مُوحِيَةٍ. هذا المشهورُ عن أحمدَ، وظاهِرُ قولِ ابن مَسْعُود، وعَطاءٍ، ورَبِيعَةَ، وإسحاقَ، وأَصْحابِ الرَّأْىِ. أَكْثَرُ أَصْحَابِنا المتأخِّرين (٢) يقولُون: إنْ كانَت الجِراحَةُ موحِيَةً، مثل إنْ ذَبَحَه أو أَبَانَ حِشْوَتَه، لم يَضُرَّ وُقوعُه فى الماءِ ولا تَرَدِّيه. وهو قولُ الشافِعِىِّ، ومالِكٍ، واللَّيْثِ، وقَتادَةَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ هذا صارَ فى حُكْمِ الميِّتِ بالذَّبْحِ، فلا يُؤثِّرُ فيه ما أصابَهُ. ووَجْهُ الأوَّلِ، قولُه: "وإِنْ وَقَعَ فِى الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ" (٣). ولأنّه يَحْتَمِلُ أَنَّ الماءَ أعانَ على خُروجِ رُوحِه، فصارَ بمنزلَةِ ما لو كانت الجِراحَةُ غيرَ مُوحِيَةٍ، ولا خلافَ فى تحريمِه إذا كانَت الجِراحَةُ غيرَ موحِيَةٍ. ولو وقَعَ الحيوانُ فى الماءِ على وجْهٍ لا يقتُلُه، مثل أَنْ يكونَ رأسُه خارِجًا من الماءِ، أو يكونَ من طيْرِ الماءِ الذى لا يقتلُه الماءُ، أوكان التَّرَدِّى لا يقتلُ مثلَ ذلك الحيوان، فلا خِلافَ فى إباحَتِه، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "فإنْ وَجَدْتَه غريقًا فى الماءِ فلا تأكُلْه" ولأنَّ الوُقُوعَ فى الماءِ والتَّرَدِّىَ إنَّما حُرِّمَ خَشْيَةَ أَنْ يكونَ قاتِلًا أو مُعِينًا على القَتْلِ، وهذا مُنْتَفٍ فيما ذَكَرْناه. فصل: فإنْ رَمَى طائِرًا فى الهواءِ، أو على شَجَرَةٍ، أو جَبَلٍ، فَوَقَعَ إلى الأَرْضِ،

стр. 6967

فماتَ، حلَّ. وبه قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: لا يَحِلّ، إِلَّا أَنْ تكونَ الجراحَةُ مُوحِيَةً، أو يمُوتَ قبلَ سقُوطِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالمُتَرَدِّيَةُ﴾ (٤). ولأنَّه اجْتَمَعَ المُبِيحُ والحاظِرُ، فغُلِّبَ الحَظْرُ، كما لو غَرِقَ. ولَنا، أنَّه صَيْدٌ سَقَطَ بالإِصابَةِ سُقوطًا لا يُمْكِنُ الاحْترِازُ عن سقوطِهِ عليه، فوجَبَ أَنْ يَحِلَّ، كما لو أصابَ الصَّيْدَ فوقَعَ على جنْبِه. ويُخالِفُ ما ذكرُوه، فإنَّ الماءَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وهو قاتِلٌ، بخلافِ الأَرْضِ. ١٧١١ - مسألة؛ قال: (وإِذَا رَمَى صَيْدًا، فقَتَلَ جَماعَةً، فَكُلُّه حَلالٌ) قد سَبَقَ شرحُ هذه المسألَةِ، فيما إذا رَمَى صيدًا فأَصابَ غيرَه (١). فصل: قال أحمد: لا بَأْسَ بصَيْدِ اللَّيْلِ. فقيلَ له: فقَوْلُ (٢) النَّبِىِّ ﷺ : "أقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِها (٣) " (٤). فقال: هذا كان أحدُهم (٥) يريدُ الأَمْرَ، فيثيرُ الطيرَ حتَّى يتفاءَلَ، إِنْ كان عن يَمينِه قال كذا، وإِنْ كان (٦) عن يسارِه قال كذا، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "أقِرُّوا الطَّيْرَ على مَكِناتِهَا (٣) ". ورُوِى له عن ابنِ عبَّاسٍ أَنَّ (٧) النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَطْرُقُوا الطَّيْرَ فِى أوْكَارِهَا، فَإنَّ اللَّيْلَ لَهَا أمَانٌ" (٨). فقال: هذا ليس بشىءٍ، يَرْوِيه فُراتُ ابنُ السَّائِبِ، وليس بشىءٍ، ورَواهُ عنه حفصُ بن عمرَ، ولا أعْرِفُه. قال يزيدُ بنُ هارون: ما علمتُ أَنَّ أحدًا كرِهَ صَيْدَ اللَّيْلِ. وقال يَحْيَى بن مَعِين: ليس بِه بأْسٌ. وسُئِلَ (٩): هل يُكْرَهُ للرَّجُلِ صيدُ الفِراخِ الصِّغارِ، مثل الوَرَشان (١٠) وغيرِه؟ يعنى من أوْكارِها. فلم يَكْرَهْهُ.

стр. 6968

١٧١٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا رَمَى صَيْدًا، فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، لم يَأْكُلْ (١) مَا أبانَ (٢) مِنْهُ، ويَأْكُلُ (٣) مَا سِوَاهُ، فى إِحْدى الرِّوايَتَيْن، والأُخْرَى يَأْكُلُه ومَا أَبَانَ مِنْهُ) وجملَتُه أنَّه إذا رَمَى صَيْدًا، أو ضَرَبَه، فبانَ بعضُه، لم يَخْلُ من أحوالٍ ثلَاثَةٍ؛ أحدُها، أَنْ يَقْطَعَهُ قِطْعَتَيْن، أو يقْطَعَ رأسَه، فهذا جميعُه حَلال، سواءٌ كانت القِطْعتان مُتساوِيَتَيْن أو مُتَفاوِتَتَيْن. وبهذا قال الشافِعِىُّ. ورُوِىَ ذلك عن عِكْرِمَةَ، والنَّخَعِىِّ، وقَتَادَةَ. وقال أبو حنيفةَ: إنْ كانَتَا مُتَساوِيَتَيْن، أو التى مع الرأْسِ أقلَّ، حَلَّتا، وإِنْ كانت الأُخْرَى أقلَّ، لم يَحِلَّ، وحَلَّ الرَّأْسُ وما مَعَه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَا أُبِينَ مِنْ حَىٍّ فهو مَيِّتٌ" (٤). ولَنا، أَنَّه جُزْءٌ لا تَبْقَى الحياةُ مع فَقْدِه، فأُبِيحَ، كما لو تساوَت القِطْعَتان. الحالُ الثانِى، أَنْ يَبِينَ منه عُضْوٌ، وتَبْقَى فيه حياةٌ مُسْتَقِرة، فالبائِنُ مُحَرَّمٌ (٥) بِكُلِّ حالٍ، سواءٌ بَقِىَ الحيوانُ حَيًّا، أو أدْرَكَه فذَكَّاه، أو رَماهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَقَتَلَه، إلَّا أنَّه إنْ ذكّاه حَلَّ بكُلِّ حالٍ دونَ ما أبانَ منه. وإِنْ ضَرَبَه فى غيرِ مَذبَحِه فقَتَلَه، نظَرْتَ؛ فإنَّ لم يكُنْ أَثْبَتَه بالضَّرْبَةِ الأُولَى، حَلَّ، دونَ ما أبانَ منه، وإِنْ كان أَثْبَتَه، لم يَحِلَّ شىءٌ منه؛ لأنَّ ذَكاةَ المقْدُورِ عليه فى الحَلْقِ واللَّبَّةِ. الحالُ الثالِثُ، أبانَ منه عُضْوًا، ولم تَبْقَ فيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فهذه التى ذكرَ الْخِرَقِىُّ فيها رِوايَتَيْن؛ أشْهَرُهُما جمن أحمدَ، إباحَتُهُما. قال أحمدُ: إنَّما حَدِيثُ النَّبِىِّ ﷺ : "ما قَطَعْتَ مِنَ الْحَىِّ مَيْتةٌ". إذا قُطِعَتْ وهى حَيَّةٌ، تَمْشِى وتَذْهَبُ. أمَّا إذا كانت البَيْنُونَةُ والموتُ جميعًا، أو بعدَه بقليلٍ، إذا كان فى عِلاجِ الموتِ، فلا بأْسَ به، ألَا تَرَى الذى يُذْبَحُ رُبَّما مَكَثَ ساعَةً، وربَّما مَشَى حتَّى يمُوتَ! وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. ورُوِى ذلك عن عَلِىِّ، وعَطاءٍ، والحسنِ. وقال قَتادَةُ، وإبراهيمُ، وعِكْرِمَةُ: إنْ وَقَعَا معًا أَكَلَهُما، وإِنْ مَشَى بعدَ قَطْعِ العُضْوِ أَكَلَه، ولم يأْكُلِ العُضْوَ. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، لا يُباحُ ما أبانَ (٦) منه. وهذا مذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَا أُبِينَ من حَىٍّ فهو

стр. 6969

مَيِّتٌ". ولأنَّ هذه البَيْنُونَةَ لا تمنعُ بقاءَ الحيوانِ فى العادَةِ، فلم يُبَحْ أكلُ البائِنِ، كما لو (٧) أدْرَكَه الصَّيَّادُ وفيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ. والأُولَى المشهورةُ؛ لأنَّ ما كان ذَكاةً لبعضِ الحيوانِ، كان ذَكاةً لجَمِيعِه، كما لو قَدَّهُ نِصْفَيْن، والخبرُ يقْتَضِى أَنْ يكونَ الباقِى حَيًّا، حتَّى يكونَ المُنْ فَصِلُ منه مَيِّتًا، وكذا نقول. قال أبو الخَطَّاب: فإنْ بَقِىَ مُعَلَّقًا بجِلْدِه، حَلَّ، رِوايةً واحِدَةً. فصل: قال أحمدُ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، عن منصورٍ، عن الحَسَنِ، أَنَّه كان لا يَرَى بالطرَّيدَةِ بأْسًا، كان المسلمون يفْعَلُون ذلك فى مَغازِيهم، وما زالَ الناسُ [يفْعلون ذلك] (٨) فى مَغازِيهم. واسْتَحْسَنَه أبو عبدِ اللَّه. قال: والطَّرِيدَةُ الصيدُ يقعُ بين القومِ، فيقطَعُ ذا منُه بسَيْفِه قِطْعَةً، ويقَطعُ الآخَرُ أيضًا، حتَّى يُؤْتَى عليه وهو حَىٌّ. قال: وليس هو عِنْدِى إلَّا أَنَّ الصَّيْدَ يقَعُ بينهم، لا يَقْدِرُون على ذَكاتِه، فيأْخُذُونَه قِطَعًا. ١٧١٣ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِك إِذَا نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ) وجملَتُه أَنَّهُ إذا نَصَبَ المَنَاجلَ (١) للصَّيْدِ، [وسَمَّى عليها] (٢)، فعَقَرَتْ صَيْدًا، أو قَتَلَتْه، حَلَّ. فإنْ بانَ منه عضْوٌ، فَحُكْمُه حُكْمُ البائنِ بضَرْبَةِ الصَّائِدِ. رُوِىَ نحوُ ذلك عن ابنِ عُمرَ. وهو قولُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ. وقال الشافِعِىُّ: لا يُباحُ بحالٍ؛ لأنَّه لم يُذَكِّهِ (٣) أحدٌ، وإنّما قَتَلَت الْمَناجِلُ بِنَفْسِها، ولم يُوجَدْ من الصَّائِدِ إلَّا السَّببُ، فجرَى ذلك مَجْرَى مَن نَصَبَ سِكِّينًا، فذَبَحَت شاةً، ولأنَّه لو رَمَى سَهْمًا وهو لا يَرَى صَيْدًا، فقَتلَ صَيْدًا، لم يَحِلّ، فهذا أَوْلَى. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "كُلْ ما رَدَّت عَلَيْكَ يَدُكَ" (٤). ولأنَّه قَتَلَ

стр. 6970

الصَّيْدَ بحديدَةٍ على الوَجْهِ المُعْتادِ، فأشْبَهَ ما لو رَماه بها، ولأَنَّه قَصَدَ قَتْلَ الصَّيْدِ بِمالَهُ حَدٌّ جَرَت العادَةُ بالصَّيْدِ به، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا، والسَّبَبَ جَرَى مَجْرَى المُباشَرَةِ فى الضَّمانِ، فكذلك فى إباحَةِ الصَّيْدِ، وفارَقَ ما إذا نَصَب سِكِّينًا؛ فإنَّ العادَةَ لم تَجْرِ بالصَّيْدِ بها، وإذا رَمَى سهْمًا، ولم يرَ صَيْدًا، فليس ذلِك بمُعْتادٍ، والظَّاهِرُ أنَّه لا يُصيبُ صَيْدًا، فلم يَصِحَّ قَصْدُه، وهذا بخلافِه. فصل: فأمَّا ما قَتَلَتْه الشَّبَكَةُ أو الحَبْلُ (٥)، فهو مُحَرَّمٌ. لا نعلَمُ فيه خلافًا، إلَّا عن الحَسَنِ، أَنَّه يُباحُ ما قَتَله الحَبْلُ إذا سَمَّى، فدخَلَ فيه وجَرَحَه. وهذا قولٌ شاذٌّ، يُخالِفُ عَوامَّ أهلِ العلمِ، ولأنَّه قَتَلَه (٦) بما ليس، له حَدٌّ، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه بالبُنْدُقِ. ١٧١٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا صَادَ بالْمِعْرَاضِ، أَكَلَ مَا قَتَلَ بِحَدِّه، ولَمْ (١) يَأْكُلْ ما قَتَلَ بِعَرْضِهِ) المِعْرَاضُ: عودٌ مُحَدَّدٌ (٢)، ورُبَّما جُعِلَ فى رأْسِه حديدَةٌ. قال أحمدُ: المِعْراضُ يُشْبِهُ السَّهْمَ، يُحْذَفُ به الصَّيْدُ، فربَّما أصابَ الصَّيْدَ بحَدِّه، فخَرَقَ وقَتَلَ، فيُباحُ، وربَّما أصابَ بعَرْضِه، فقَتَلَ بثُقْلِه، فيكونُ مَوْقُوذًا، فلا يُباح. وهذا قولُ علىٍّ وسَلْمانَ (٣)، وعَمَّارٍ، وابنِ عبَّاسٍ. وبه قال النَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وإسحاق، وأبو ثَوْرٍ. وقال الأوْزَاعِىُّ، وأهلُ الشام: يُباحُ ما قَتَلَه بحَدِّه وعَرْضِه. وقال ابنُ عمرَ: ما رُمِىَ من الصَّيْدِ بجُلاهِقٍ أو مِعْراضٍ، فهو من الْمَوْقُوذَةِ. وبه قال الحسنُ. ولَنا، ما رَوَى عَدِىُّ بنُ حاتمٍ، قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن صَيْدِ المِعْرَاضِ، فقال: "مَا خَرَقَ فَكُلْ، وما قَتَلَ بعَرْضِه فهُوَ وَقِيذٌ، فَلَا

стр. 6971

تَأْكُلْ" (٤) مُتَّفَقٌ عليه (٥). وهذا نصّ، ولأنَّ ما قَتَلَه بحَدِّه بمَنْزلَةِ ما طَعَنَه برُمْحِه، أو رَماهُ بِسَهْمِه، ولأنَّه مُحَدَّدٌ خَرَقَ وقَتَلَ بحَدِّه، وما قتلَ بعرضِه إنّما يقْتُلُه بثُقْلِه، فهو مَوْقُوذٌ، كالذى رَماه بحَجَرٍ أو بُنْدُقَةٍ (٦). فصل (٧): وحُكْمُ سائِرِ آلاتِ الصَّيْدِ حُكْمُ المِعْراضِ، فى أَنَّها إذا قَتَلَتْ بعَرْضِها ولم تَجْرَحْ، لم يُبَحِ الصَّيْدُ، كالسَّهْمِ يُصِيبُ الطَّائِرَ بعَرْضِه فيقتُلُه، والرُّمْحِ والحَرْبَةِ والسَّيْفِ يُضْرَبُ به صَفْحًا فيقْتُلُ، فكُلُّ ذلك حَرامٌ. وهكذا إنْ أصابَ بحَدِّه فلم يَجْرَحْ، وقَتَلَ بثُقْلِه، لم يُبَحْ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَا خَرَقَ، فَكُلْ". ولأنَّه إذا لم يجرَحْه، فإنَّما يَقْتُلُ (٨) بثُقْلِه، فأشْبَهَ ما أصابَ بعَرْضِه. ١٧١٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا رَمَى صَيْدًا فعَقَرَه، ورَمَاهُ آخَرُ فَأَثْبَتَهُ، ورَمَاهُ آخَرُ فقَتَلَهُ، لَمْ يُؤْكَلْ، وَكَانَ لِمَنْ أَثْبَتَهُ الْقِيمَةُ مَجْرُوحًا عَلَى قَاتِلِهِ) أمَّا الذى عَقَرَه ولم يُثْبِتْه، فلا شىءَ له ولا عليه؛ لأنَّه حينَ ضَرَبَه كان مُباحًا لا مِلْكَ لأَحَدٍ فيه، ولم يثْبُتْ له فيه حَقٌّ؛ لأنَّه باقٍ على امْتِناعِه، وأمَّا الذى أَثْبَتَه فقد مَلَكَه؛ لأنَّه أزالَ امْتِناعَه، فصارَ بمنزِلَةِ إمْساكِه، فإذا ضَرَبه الثالِثُ فقَتَلَه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه قَتَلَ حيوانًا مَمْلُوكًا لغيرِه. وهذا محمولٌ على أَنَّ جُرْحَ المُثْبَتِ ليس بمُوحٍ، بدليلِ أنَّه نَسَبَ القتلَ إلى الثالِثِ، ويَضْمَنُه مَجْروحًا جُرْحَيْن (١) الجرح الأوَّلَ والثانِىَ؛ لأنَّه قَتَلَه وهُما فيه. فأمَّا إباحَتُه، فيُنْظَرُ فيه، فإنْ كان القاتِلُ أصابَ مذْبَحَه حلَّ؛ لأنَّه صادَفَ مَحَلَّ الذَّبْحِ، وليس عليه إلَّا أَرْشُ ذَبْحِه، كما لو ذَبَحَ شاةً لغيرِه، وإِنْ كان أصابَ غيرَ مَذْبَحِه لم يَحِلَّ؛ لأنَّه لمَّا أثْبَتَه صارَ مَقْدُورًا عليه، لا يَحِلُّ إلَّا بالذَّبْحِ فى الحَلْقِ واللَّبَّةِ، فإذا قَتَلَه بغيرِ ذلك لم

стр. 6972

يَحِلَّ، كما لو قتَل شاةً. وهذا قولُ أبى حَنِيفَةَ، ومالِك، والشافِعِىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمد. فصل: وإذا (٢) رَمَى صَيْدًا فأَثْبَتَه، ثمّ رَماهُ آخَرُ فأصابَهُ، لم تخلُ رَمْيَةُ الأُوَّلِ من قِسْمَيْن؛ أحَدُهما، أَنْ تكونَ مُوحِيَةً، مثل أَنْ تَنْحَرَه، أو تَذْبَحَه، أو تَقَعَ فى خاصِرَتِه أو قلبِه، فيُنْظَرُ فى رَمْيَةِ الثانِى، فإنْ كانَتْ غيرَ مُوحِيَةٍ، فهو حَلالٌ، ولا ضَمانَ على الثانى، إلَّا أَنْ ينْقُصَه برَمْيِه شيئًا، فيضْمَنُ (٣) ما نَقَصَه؛ لأَنَّه بالرَّمْيَةِ الأُولَى صارَ مَذْبُوحًا. وإِنْ كانت رَمْيَةُ الثانِى مُوحِيَةً، فقال القاضِى وأصحابُه: يحِلُّ، كالتى قبلَها. وهو مَذْهَبُ الشافِعِىِّ. ويجىءُ على قولِ الخِرَقِىِّ أَنْ يكونَ حرامًا، كقولِه فى مَن ذَبَحَ، فأَتَى على الْمَقاتِلِ، فلم تخْرُج الرُّوحُ حَتَّى وَقعَتْ فى الماءِ، أو وَطِئَ عليها شىءٌ، لم يُؤْكَلْ. القسم الثانى، أَنْ يكونَ جَرْحُ الأَوَّلِ غيرَ مُوحٍ، فيُنْظَرُ فى رَمْيَةِ الثانِى، فإنْ كانت مُوحِيَةً، فهو مُحَرَّمٌ؛ لما ذَكَرْنا، إلَّا أَنْ تكونَ ذبحَتْه أو نَحَرَتْه، وإِنْ كانتْ غيرَ مُوحِيَةٍ، فلها ثلاثُ صُوَرٍ؛ إحْداها، أَنَّه ذُكِّىَ بعدَ ذلك، فيَحِلُّ. والثانِيَةُ، لم يُذَكَّ، حتَّى ماتَ، فإنَّه يحْرُمُ؛ لأنَّه ماتَ من جَرْحَيْنِ؛ مُبِيحٍ ومُحَرِّمٍ، فحَرُمَ، كما لو ماتَ من جَرْحِ مسلمٍ ومَجُوسِىٍّ، وعلى الثانى ضَمان جميعِه؛ لأنَّ جَرْحَه هو الذى حَرَّمَه، فكان جميعُ الضَّمانِ عليه. والثالِثَةُ، قَدَرَ على ذَكاتِه فلم يُذكِّه حتَّى ماتَ، حَرُمَ لِمَعْنيَيْن؛ أحدُهما، أنَّه تَرَكَ ذَكاتَه مع إمْكانِها. والثانى، أنَّه ماتَ من جَرْحَيْن؛ مُبِيحٍ، ومُحَرِّمٍ، ويلزمُ الثانىَ الضَّمانُ، وفى قَدْرِه احْتِمالان؛ أحدُهما، يضْمَنُ جميعَه، كالتى قبلَها. قال القاضِى: هذا قولُ الْخِرَقِىِّ؛ لإيجابِه الضَّمانَ فى مَسْأَلَتِه على الثالثِ من غير تَفرِيقٍ. وليستْ هذه مَسْأَلَةَ الخِرَقِىِّ لقوله: ثمَّ رَماه الثالِثُ فقَتَلَه. فتَعَيَّن حَمْلُها على أنَّ جَرْحَ الثانِى ما (٤) كان مُوحِيًّا لا غيرُ. الاحتمالُ الثانِى، أَنْ يضْمَنَ الثانِى بقِسْطِ جَرْحِه؛ لأنَّ الأَوَّلَ إذا ترَكَ الذَّبْحَ مع إمْكانِه، صارَ جَرْحُه حاظِرًا أيضًا، بدليلِ ما لو انْفَردَ وقَتَلَ الصيدَ، فيكونُ الضَّمانُ

стр. 6973

مُنْقَسِمًا عليهما. وذكرَ القاضِى، فى قِسْمَتِه عليهما، أَنَّه يُقَسَّطُ أَرْشُ جَرْحِ الأَوَّلِ، وعلى الثانى أَرْشُ جِراحَتِه، ثمَّ يُقْسَمُ ما بَقِىَ من القيمَةِ بينهما نِصْفَيْن. وفرَضَ المسأَلَةَ فى صَيْدٍ قِيمَتُه عشرةُ دراهِم، نقَصَه جَرْحُ الأَوَّلِ درهَمًا، ونقَصَه جَرْحُ الثانى درهمًا، فعليه دِرْهَمٌ، ويُقْسَمُ الباقى وهو ثمانيةٌ بينهما نِصْفَيْن، فيكونُ على الثانِى خَمْسَةُ دَراهمَ؛ دِرْهَمٌ بالمباشَرَةِ، وأربعةٌ بالسِّرايَةِ، وتَسْقُطُ حِصَّةُ الأوَّلِ وهى خمسةٌ. وإن كان أرشُ جَرْحِ (٥) الثانى درهَمَيْن، لزِماهُ، ويَلْزَمُه (٦) نِصْفُ السَّبْعَةِ الباقِيَةِ، ثلاثةٌ ونِصْف، فيَلْزَمُه خمسةٌ ونصفٌ، وتسْقطُ حِصَّةُ الأَوَّلِ أربعةٌ ونصفٌ. وإِنْ كانت جِنايَتُهما على حيوانٍ مَمْلُوكٍ لغيرِهما، قُسِمَ الضَّمانُ عليهما كذلك. ويتوجَّهُ على هذه الطريقَةِ، أنَّه سَوَّى بينَ الجنايَتَيْن، مع أنَّ الثانىَ جَنَى عليه وقيمَتُه دونَ قيمَتِه يومَ جَنَى عليه الأَوَّلُ، وأنَّه لم يدْخُلْ أرشُ الجنايَةِ فى بدَلِ النَّفْسِ، كما يدْخُلُ فى الجنايَةِ على الآدَمِىّ. والجوابُ عن هذا، أَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما انْفَردَ بإتْلافِ ما قيمَتُه دِرْهَمٌ، وتَساوَيَا فى إتْلافِ الباقِى بالسِّرَايةِ، فتساوَيَا فى الضَّمانِ، وإنَّما يدْخُلُ أرشُ الجنايَةِ فى بدلِ النَّفْسِ التى لا ينْقُصُ بَدَلُها بإتْلافِ بعضِها، وهو الآدَمِىُّ، أَمَّا البهائمُ، فإنَّه إذا جَنَى عليها جِنايةً أرْشُها دِرْهَمٌ، نقصَ ذلك من قيمَتِها، فإذا سَرَى إلى النَّفْس، أَوْجَبْنَا ما بَقِىَ من قِيمَةِ النَّفْسِ، ولم يدْخُلِ الأَرْشُ فيها. وذكرَ أصحابُ الشافِعِىِّ فى قِسْمةِ الضَّمَانِ طُرْقًا سِتَّةً؛ أصَحُّها عندَهم أَنْ يُقالَ: إنَّ الأَوَّلَ أَتْلَفَ نصفَ نفسٍ قيمتُها عشرةٌ، فيلزَمُه (٧) خمسَةٌ، والثانِى أَتْلَفَ نصفَ نفسٍ قيمَتُها تسعةٌ، فيَلْزَمُه أرَبعَةٌ ونصفٌ، فيكونُ المجموعُ تسعةً ونصفًا، وهى أقلُّ منٍ قيمَتِه، لأنَّها عشرةٌ، فتُقْسَمُ العشرةُ على تِسْعَةٍ ونصْفٍ، فيسقُطُ عن الأَوَّلِ ما يُقابِلُ أَرْبَعَة ونصفًا، ويَتوجَّه على هذا، أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يلزَمُه أَكْثَرُ من قيمَةِ نصفِ الصَّيْد حين جَنَى عليه. وإِنْ كانت الجِراحاتُ من ثلاثةٍ، فإنْ كان الأَوَّل هو أثْبَتَه، فعلى طَرِيقَةِ القاضِى، على كلِّ واحِدٍ أرشُ جَرْحِه، وتُقْسَمُ السِّرايةُ عليهم أثلاثًا، وإن كان المُثْبِتُ له هو الثانِىَ، فجَرْحُه

стр. 6974

الأَوَّلُ هَدْرٌ لا عِبْرَةَ بها، والحكمُ فى جِراحَتَىِ (٨) الآخَرَيْن؛ ذكَرْنا، وعلى الطريقَةِ الأُخْرَى، الأَوَّلُ أَتْلَفَ ثُلُثَ نفسٍ قيمتُها عشرةٌ، فيلْزَمُه ثلاثَةٌ وثُلُثٌ، والثانى أَتْلَفَ ثُلُثَها، وقيمتُها تسعةٌ، فيَلْزَمُه ثلاثَةٌ، والثالِثُ أَتْلَفَ ثُلُثَها، وقيمَتُها ثمانِيَةٌ، فيلْزَمُه دِرْهمان وثُلُثان، فمجموعُ ذلك تسعَةٌ، تُقْسَمُ عليها العشرةُ، حِصَّةُ كلِّ واحدٍ منهم ما يُقابِلُ ما أَتْلَفَه. وإن أَتْلَفُوا شاةً مَمْلوكَةً لغيرِهِم ضَمِنُوها كذلك. فصل: فإنْ رَمَياهُ معًا فقَتَلَاه، كان حَلَالًا، ومَلَكَاهُ؛ لأنَّهُمَا اشْتَرَكَا فى سَبَبِ المِلْكِ والحِلِّ، تَساوَى الجَرْحان أو تَفاوَتَا؛ لأنَّ مَوْتَه كان بهمَا، فإنْ كان أحدُهما مُوحِيًا والآخَرُ غيرَ مُوحٍ، ولا يُثْبتُه مِثْلُه، فهو لصاحِبِ الجَرْحِ المُوحِى؛ لأنَّه الذى أثبَتَه وقَتَلَه، ولا شىءَ على الآخَرِ؛ لأنَّ جَرْحَه كان قبلَ ثُبوتِ ملكِ الآخَرِ فيه. وإِنْ أصابَهُ أحَدُهما بعدَ صاحِبِه، فوجَداهُ (٩) مَيِّتًا، ولم نَعْلَمْ هل صارَ بالأوَّلِ مُمْتنِعًا (١٠) أوْلَا؟ حَلَّ؛ لأنَّ الأصْلَ الامْتِناعُ، ويكونُ بَيْنَهُما؛ لأنَّ أَيْدِيَهما عليه. فإنْ قال كُلُّ واحِدٍ منهما: أنا أَثْبَتُّه، ثمَّ قَتلْتَه أنتَ. حَرُمَ؛ لأنَّهما اتَّفَقا على تَحْريمِه، ويتَحالَفان لِأجْلِ (١١) الضَّمانِ. وإن اتّفَقَا على الأَوَّلِ منهما، فادَّعَى الأوَّلُ أنَّه أثْبَتَهُ، ثمَّ قَتَلَه الآخَرُ (١٢)، وأَنْكَرَ الثانِى إثباتَ الأَوَّلِ له، فالقولُ قولُ الثانى؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ امْتِناعِه، ويَحْرُمُ على الأوَّلِ؛ لإِقْرارِه بتَحْريمِه، والقولُ قولُ الثانى فى عَدَمِ الامْتِناعِ مع يَمِينِه. وإن عُلِمت جِرَاحةُ كُلِّ واحِدٍ منهما، نُظِرَ (١٣) فيها، فإنْ عُلِمَ أَنَّ جِراحةَ الأَوَّلِ لا يَبْقَى معها امْتناعٌ، مثل أن كسرَ جَناحَ الطائرِ، أو ساقَ الظَّبْىِ، فالقولُ قولُ الأَوَّلِ بغيرِ يَمِينٍ، وإِنْ عُلِم أنَّه لا يُزِيلُ الامْتِناعَ، مثل خَدْشٍ الجِلْدِ، فالقولُ قولُ الثانى، وإن احتملَ الأمرَيْنِ، فالقَوْلُ قولُ الثانى؛ لأنَّ الأصْلَ معه، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّ ما ادَّعاه الأَوَّلُ مُحْتَمِلٌ.

стр. 6975

فصل: وإذا (١٤) رَمَى صَيْدًا فأصابَهُ، وبَقِىَ على امتناعِه حتَّى دخلَ دارَ إنسانٍ فأَخَذَه، فهو لمن أَخَذَهُ؛ لأنَّ الأوَّلَ لم (١٥) يَمْلِكْه، لكَوْنِه مُمْتنِعًا، فمَلَكَه الثانى بأخْذِه. ولو رَمَى طائرًا على شجرةٍ فى دارِ قومٍ، فطرَحَهُ فى دارِهِم فأَخَذُوه، فهو للرَّامِى دُونَهم؛ لأنَّه (١٦) مَلَكَه بإزالَةِ امْتِناعِه. فصل: قال أصحابُنا: وإذا تَعَلَّق صيدٌ فى شَرَكِ إنسانٍ أو شَبَكَتِه، مَلَكَه؛ لأنَّه أثْبَتَهُ بآلتِه، فإنْ أخَدَه أحدٌ (١٧)، لزِمَه رَدُّه عليه؛ لأنَّ آلتَه أثْبَتَتْه، فأشْبَهَ ما لو أثبَتَهُ بسَهْمِه. فإنْ لم تُمْسِكْه الشَّبَكَةُ، بل انْفَلَتَ منها فى الحالِ، أو بَعْدَ حِينٍ، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّه لم يُثْبِتْه. وإن أَخَذَ الشَّبَكَةَ وانْفَلَتَ بها، فصادَهُ إنسانٌ، ملَكَه، ويَرُدُّ الشَّبَكَةَ على صاحِبِها؛ لأنَّه لم يُثْبِتْه. وإِنْ كان يَمْشِى بالشَّبَكَةِ على وَجْهٍ لا يقْدِرُ على الامْتِناعِ، فهو لصاحِبِها؛ لأنَّها أزالَتْ امْتِنَاعَه. وإِنْ (١٨) أمْسَكَهُ الصائدُ، وثَبَتَتْ يدُه عليه، ثمَّ انْفَلَت منه، لم يزُلْ مِلْكُه عنه؛ لأنَّه امْتَنَعَ منه (١٩) بعدَ ثُبوتِ مِلْكِه، فلم يزُلْ مِلْكُه عنه، كما لو شَرَدَتْ فرَسُه، أو نَدَّ بَعِيرُه. فإن اصْطادَ صَيْدًا، فَوَجَدَ عليه عَلامَةً، مثل أَنْ يجِدَ فى عُنُقِه قِلادَةً، أو فى أُذُنِه قُرْطًا، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّ الذى اصْطادَهُ مَلَكَه، فلا يزولُ مِلْكُه بالانْفِلاتِ. وكذلك إنْ وَجَدَ طائِرًا مَقْصوصَ الجَناحِ. فإنْ قيل: يَحْتَمِلُ أَنَّ الذى امسَكَه أولًا مُحْرمٌ لم يَمْلِكْه، أو أَنَّه أَرْسَلَه على سبيل التَّخْلِيَةِ وإِزالَةِ المِلْكِ عنه، كإلْقاءِ الشىءِ التافِهِ. قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ فنادِرٌ، وهو مخالِفٌ للظاهِرِ؛ لأنَّ ظاهرَ [حالِ المُحْرِمِ] (٢٠) أنَّه لا يصيدُ ما حَرَّمَ اللَّه عليه، وأمَّا الثانِى فخِلافُ الأَصْلِ، فإنَّ الأصْلَ بقاءُ مِلْكِه عليه، وما ذَكَرُوه مُحْتَمِلٌ، فلا يزولُ المِلْكُ بالشَّكِّ. وإِنْ عُلِمَ أَنَّ مالِكَه أرْسَلَه اخْتِيارًا، فقال أصحابُنا: لا يَزُولُ المِلْكُ عنه

стр. 6976

بالإِرْسالِ والإِعْتاقِ، كما لو أَرْسَلَ البعيرَ والبقرَةَ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يزولَ المِلْكُ؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، فالإِرْسالُ يرُدُّه إلى أصْلِه، ويفارقُ بَهِيمةَ الأنْعام من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أَنَّ الأَصْلَ ههُنا الإِباحَةُ، وبَهِيمَةُ الأَنْعامِ بخِلافِه. الثانى، أَنَّ الإِرْسالَ ههُنا يُفِيدُ، وهو رَدُّ الصَّيْدِ إلى الْخَلاصِ من إِمْسَاكِ (٢١) الآدَمِيِّين وحَبْسِهم، ولهذا رُوِىَ عن أبى الدَّرْدَاءِ، أَنَّه اشْتَرَى عُصْفورًا من صَبِىٍّ فأَرْسَلَه. ويجبُ إرْسالُ الصَّيْدِ على المُحْرِمِ إذا أَحْرَمَ، أو دَخَلَ الحَرَمَ وهو فى يَدِه، بخلافِ بَهِيمَةِ الأنعامِ، فإنَّ إرْسالَه تَضْيِيعٌ له، وربَّما هلَكَ إذا لم يكُنْ له مَن يَقُومُ به. ١٧١٦ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ فِى سَفِينَةٍ، فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ، فسَقَطَت فِى حِجْرِهِ، فَهِىَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ) وذلك لأنَّ السَّمَكَةَ من الصَّيْدِ المُباحِ، يُمْلَكُ بالسَّبْقِ إليه، وهذه حَصَلَتْ فى يَدِ الذى هى فى حِجْرِه، وحِجْرُه له، ويَدُه عليه، دونَ صاحِبِ السَّفِينَةِ، ألَا تَرَى أنَّهما لو تَنازَعا كِيسًا فى حِجْرِه، كان أحَقَّ به من صاحِبِ السفينَةِ، كذا ههُنا. ومَفْهومُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أَنَّ السمكَةَ إذا وَقَعَت فى السَّفَيِنَةِ، فهى لصاحِبِها. وذَكَرَه ابنُ أبى موسَى؛ لأنَّ السَّفِينةَ مِلْكُهُ، ويدُه عليها، فما حصلَ من المُباحِ فيها، كان أحقَّ به، كحِجْرِه. فصل: فإنْ كانَت السَّمَكَةُ وثَبَتْ بسبَبِ فعلِ إنسانٍ لقَصْدِ الصَّيْدِ، كالصَّيَّادِ الذى يجْعَلُ فى السفينةِ [ضَوْءًا بالليلِ، ويدُقُّ بشىءٍ كالجَرَس ليَثِبَ السَّمَكُ فى السفينَةِ] (١)، فهذا للصائِدِ دون مَنْ وَقَعَ فى حِجْرِه؛ لأنَّ الصائِدَ أَثْبَتَها بذلك، فصارَ كمَنْ رَمَى طائرًا فأَلْقَاه فى دارِ قَوْمٍ. وإِنْ لم يقْصِدِ الصَّيْدَ بهذا، بل حصلَ اتِّفاقًا، كانت لمَن وقَعَتْ فى حِجْرِه. ١٧١٧ - مسألة؛ قال: (ولَا يُصَادُ السَّمَكُ بشَىْءٍ نَجِسٍ) ومعنى ذلك أَنْ يُتْرَكَ فى الماءِ شىءٌ نَجِسٌ، كالعَذِرَةِ والْمَيتَةِ وشِبْهِهما (١)، ليأْكُلَه

стр. 6977

السَّمَكُ، فيَصِيدُوه به، فكَرِه أحمدُ ذلك، وقال: هو حَرامٌ، لا يُصادُ به. وإنّما كرِهَ أحمدُ ذلك؛ لما يتضَمَّنُ من أكْلِ السَّمَكِ للنَّجاسَةِ (٢). وسواءٌ فى هذا ما يتفرَّقُ، كالدَّمِ والعَذِرَةِ، وما لا يتفَرَّقُ، كالجُرَذِ وقِطْعَةٍ من المَيْتَةِ، وكرِهَ أحمدُ الصَّيْدَ ببَناتِ وَرْدانَ (٣)، وقال: إنَّ مَأْواها الحُشُوشُ. وكرِهَ الصَّيْدَ بالضَّفادِعِ، وقال: الضَّفْدَعُ نُهِىَ عن قَتْلِه. فصل: وكَرِهَ الصَّيْدَ بالخراطِيمِ (٤)، وكُلِّ شىءٍ فيه الرُّوحُ، لما فيه من تَعْذيبِ الحيوانِ، فإنْ اصطادَ، فالصَّيْدُ مباحٌ. وكرِهَ الصَّيْدَ بالشِّباشِ، وهو طائِرٌ يخيطُ عَيْنَيْه (٥) ويُرْبَطُ (٦)، من أجلِ تَعْذيبِه. ولم يرَ بأْسًا بالصَّيْدِ بالشَّبَكَةِ، والشَّرَكَ، وشىءٍ فيه دَبْقٌ (٧) يَمْنَعُ الطيرَ من الطَّيَرانِ، وأنْ يطْعَمَ شيئًا إذا أكْلَه سَكِرَ وأخَذَه. ١٧١٨ - مسألة؛ قال: (ولَا يُؤْكَلُ صَيْدُ مُرْتَدٍّ، ولَا ذَبِيحَتُه، وإِنْ تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْلِ الْكتَابِ) يعنى ما قَتَلَه من الصَّيْدِ ولم تُدْرَكْ ذكاتُه. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم؛ الشافِعِىُّ، وأبو حَنِيفَةَ وأصحابُه. وقال الأوزاعِىُّ، وإسحاقُ: تُباحُ ذَبِيحَتُه إذا ذَهَبَ إلى النَّصْرانِيَّةِ أو اليهودِيَّةِ؛ لأنَّ مَنْ تَوَلَّى قومًا فهو مِنْهُم. ولَنا، أَنَّه كَافِرٌ لا يُقَرُّ على كُفْرِه، فلم تُبَحْ ذَبِيحَتُه، كعَبَدَةِ الأَوْثانِ. وقد مَضَت هذه المَسْأَلَةُ فى بابِ المُرْتَدِّ (١). ١٧١٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الصَّيْدِ عَامِدًا أو سَاهِيًا، لم

стр. 6978

يُؤْكَلْ، وإِنْ تَرَك التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ عامِدًا، لَمْ تُؤْكَلْ، وإِنْ تَرَكَها سَاهِيًا، أُكِلَتْ (١)) أمّا الصَّيْدُ فقد مَضَى القولُ فيه (٢)، وأمَّا الذَّبِيحَةُ فالمشهورُ من مذهَبِ أحمَدَ، أَنَّها شرطٌ مع الذِّكْرِ، وتسْقُطُ بالسَّهْوِ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عبَّاس. وبه قال مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وإسحاقُ. وممَّنْ أَبَاحَ ما نُسِيَت التَّسْمِيَةُ عليه، عَطاءٌ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعبدُ الرحمن بن أبى لَيْلَى، وجعفرُ بنُ محمد، ورَبيعَةُ. وعن أحمد، أنَّها مُسْتَحَبَّةٌ غيرُ واجبَةٍ فى عَمْدٍ ولا سَهْوٍ. وبه قال الشافِعِىُّ، لما ذَكَرْنا فى الصَّيْدِ. قال أحمدُ: إنَّما قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣). يعنى الْمَيْتَةَ. وذُكِرَ ذلك عن ابنِ عَبَّاس (٤). ولَنا، قَوْلُ ابنِ عبّاس: مَنْ نَسِىَ التَّسْمِيَةَ فلا بَأْسَ. ورَوَى سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، بإسْنادِه عن راشِدٍ بن سعد (٥)، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ذَبِيحَةُ المسْلِمِ حَلالٌ وإِنْ لم يُسَمِّ، إذا (٦) لَمْ يَتَعَمَّدْ" (٧). ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا (٨)، ولم نعرِفْ لهم فى الصحابَةِ مُخالِفًا. وقولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. محمولٌ على ما تُركَت التَّسْمِيَةُ عليه عَمْدًا، بدليلِ قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. والأَكْلُ ممَّا نُسِيَت التَّسْمِيَةُ عليه ليس بِفِسْقٍ. ويفارقُ الصَّيْدَ؛ لأنَّ ذَبْحَه فى غيرِ مَحَلٍّ، فاعْتُبِرَتِ التَّسْمِيَةُ تَقْوِيَةً له، والذَّبِيحَةُ بخلافِ ذلك. فصل: والتَّسْميَةُ على الذبيحَةِ مُعْتبرَةٌ حالَ الذَّبْح، أو قريبًا منه، كما تُعْتَبَرُ على

стр. 6979

الطهارَةِ. وإِنْ سَمَّى على شاةٍ، ثمَّ أخَذَ أُخْرَى فَذَبَحها بتلك التَّسْمِية، لم يَجُزْ، سواءٌ أَرْسَلَ الأُولَى أو ذَبَحَها، لأنَّه لم يقْصِد الثانِيَةَ بهذه التَّسْمِيَةِ. وإِنْ رأى قَطِيعًا منِ الغَنَمِ، فقال: بسمِ اللَّه. ثمَّ أخَذَ شاةً فَذَبَحها بغيرِ تَسْمِيَةٍ، لم يَحِلَّ. وإِنْ جَهِلَ كَوْن ذلك لا يُجْزئُ، لم يَجْرِ مَجْرَى النِّسْيانِ؛ لأنَّ النِّسْيانَ يُسْقِطُ المُؤاخَذَةَ، والجاهِلُ مُؤاخَذٌ، ولذلك يُفْطِرُ الجاهِلُ بالأَكْلِ فى الصَّوْمِ دونَ النَّاسِى. وإِنْ أَضْجَعَ شاةً لِيَذْبَحَها، وسَمَّى (٩)، ثمَّ أَلْقَى السِّكِّينَ، وأخَذَ أُخْرَى، أو رَدَّ سلامًا، أو كَلَّمَ إنْسانًا، أو اسْتَسْقَى ماءً، ونحو ذلك، وذَبَحَ (١٠)، حَلَّ؛ لأنَّه سَمَّى على تِلْك الشَّاةِ بعَيْنِها، ولم ي فْصِلْ بينهما إلَّا بِفَصْلٍ يَسِيرٍ، فأشْبَهَ ما لو لم يَتَكَلَّمْ. فصل: وإِنْ سَمَّى الصائِدُ على صَيْدٍ، فأصابَ غيرَه، حَلَّ. وإن سَمَّى على سَهْمٍ ثمَّ أَلْقاهُ، وأَخَذَ غَيْرَه فرَمَى به، لم يُبَحْ ما صادَ (١١) به؛ لأنَّه لمَّا لم يُمْكِنِ اعْتبارُ التَّسْمِيةِ على صَيْدٍ بعَيْنِه، اعْتُبِرتْ على الآلةِ التى يَصِيدُ بها، بخلافِ الذَّبِيحَةِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُباحَ، قياسًا على ما لو سَمَّى على سِكِّينٍ، ثمَّ ألْقاها وأخَذَ غيرَها. وسقُوطُ اعْتِبارِ تَعْيِينِ الصَّيْدِ لمَشَقَّتِه، لا يَقْتَضِى اعتبارَ تَعْيِينِ الآلةِ، فلا يُعْتَبَرُ. ١٧٢٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا نَدَّ بَعِيرُه (١)، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَرَماهُ بِسَهْمٍ أو نَحْوِهِ، مِمَّا يَسِيلُ بِهِ دَمُهُ، فَقَتَلَهُ، أُكِلَ) [وكذلك إِنْ] (٢) تَرَدَّى فى بِئْرٍ، فلم يَقْدِرْ على تَذْكِيَتِه، فجرَحَه فى أىِّ مَوْضِعٍ قَدَرَ عليه، فقَتَلَه، أُكِلَ، إلَّا أَنْ تكونَ رأسُه فى الماءِ، فلا يُؤْكَلُ؛ لأنَّ الماءَ يُعِينُ على قَتْلِه. هذا قولُ أَكْثَرِ الفُقهاءِ. رُوِىَ ذلك عن عَلِىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عبَّاس، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال مسروقٌ، والأَسْوَدُ، والحسنُ، وعطاءٌ، وطاوسٌ،

стр. 6980

وإِسْحاقُ، والشَّعْبِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفَةَ، والشافِعِىُّ (٣)، وأبو ثَوْرٍ. وقال مالِكٌ: لا يجوزُ أَكْلُه إلَّا أَنْ يُذَكَّى. وهو قولُ ربِيعَةَ، واللَّيْثِ. قال أحمدُ: لَعَلَّ مالِكًا لم يسمَعْ حديثَ رافِعِ بنِ خَدِيج. واحْتُجَّ لمالِكٍ بأنَّ الحيوانَ الإِنْسِىَّ إذا تَوَحَّشَ لم يثبتْ له حكمُ الوحْشِىّ، بدليلِ أنَّه لا يَجِبُ على المُحْرِمِ الْجَزاءُ بقَتْلِه (٤)، ولا يصِيرُ الحمارُ الأَهْلِىُّ مباحًا إذا تَوَحَّشَ. ولَنا، ما رَوَى رافِع بنُ خَدِيجٍ، قال: كُنّا مع النَّبِىِّ ﷺ ، فَنَدَّ بَعِيرٌ، وكانَ فى القومِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوه فأَعْياهُم، فأَهْوَى إليه رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فحَبَسَه اللَّهُ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّ لِهذِهِ الْبَهائِمِ أَوَابدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُم مِنْهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هكَذَا". وفى لَفْظٍ: "فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ، فَاصْنَعُوا بِهِ هكَذَا". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وحَرِبَ (٦) ثَوْرٌ فى بعضِ دُورِ الأَنْصارِ، فضَرَبَه رَجُلٌ بالسَّيْفِ، وذكرَ اسمَ اللَّهِ عليه، فَسُئِلَ عنه عَلِىٌّ فقال: ذكاةٌ وَحِيَّةٌ (٧). فأمَرَهم بأَكْلِه. وَتَرَدَّى بعيرٌ فى بئرٍ، فذُكِّىَ من قِبَلِ شاكِلَتِه، فبِيعَ بعِشْرِين دِرْهَمًا، فأخَذَ ابنُ عمرَ عُشْرَهُ بدِرْهَمَيْنِ. ولأَنَّ الاعْتِبارَ فى الذّكَاةِ بحالِ الحيوانِ وَقْتَ ذَبْحِه، لا بأَصْلِه، بدليلِ الوَحْشِىِّ إذا قُدِرَ عليه، وجَبَت

стр. 6981

تَذْكِيَتُه فى الحلْقِ واللَّبَّةِ، فكذلك الأَهْلِىُّ إذا تَوَحَّشَ يُعْتَبرُ بحالِه. وبهذا فارَقَ ما ذَكَرُوه، فإذا تَرَدَّى فلم يُقْدَرْ على تَذْكِيَتِه، فهو مَعْجُوزٌ عن تَذْكِيَتِه، فأشْبَهَ الوَحْشِىَّ، فأمَّا إنْ كان رأْسُ المُتَرَدِّى فى الماءِ، لم يُبَحْ؛ لأَنَّ الماءَ يُعِينُ على قَتْلِه، فيحْصُلُ قَتْلُه بمُبِيحٍ وحاظِرٍ، فيَحْرُمُ، كما لو جرَحَه مسلمٌ ومَجُوسِىٌّ. ١٧٢١ - مسألة؛ قال: (والمُسْلِمُ والْكِتَابِىُّ فى كُلِّ ما وَصَفْتُ سَواءٌ) يعنى فى الاصْطِيادِ والذَّبْحِ. وأجْمَعَ أَهلُ العلمِ على إباحَةِ ذبائِحِ أهلِ الكتابِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١). يعنى ذَبائِحَهم. قال البُخارِىُّ (٢): قال ابنُ عبَّاس: طَعامُهم ذَبائِحُهم. وكذلك قال مُجاهِدُ وقَتادَةُ. ورُوِىَ معناه عن ابنِ مسعود، وأَكْثَرُ أهل العلمِ يَرَوْنَ إباحَةَ صَيْدِهِم أيضًا. قال ذلك عَطاءٌ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وأَصْحابُ الرَّأْى. ولا نعلَمُ أحدًا حَرَّمَ صيدَ أَهْلِ الكتابِ إلَّا مالِكًا، أباحَ ذبائِحَهُم، وحَرَّمَ صَيْدَهُم. ولا يصِحُّ؛ لأنَّ صَيْدَهم من طَعامِهم، فيدْخُلُ فى عُمومِ الآيةِ، ولأنَّ مَنْ حَلَّتْ ذَبِيحَتُه، حَلَّ صَيْدُه، كالمسلمِ. فصل: ولا فَرْقَ بينَ العدْلِ والفاسِقِ بن المسلمين وأَهْلِ الكتابِ. وعن ابنِ عبّاسٍ: لا تُؤْكَل ذَبِيحةُ الأَقْلَفِ (٣). وعن أحمد مثلُه. والصَّحِيحُ إباحَتُه؛ لأنَّه (٤) مُسْلِم، فأشْبَهَ سائِرَ المسلمين، وإذا أُبِيحَتْ ذَبِيحَةُ القاذِفِ والزانِى وشارِبِ الخَمْرِ، مع تحقيقِ فِسْقِه، وذَبِيحَةُ النَّصْرانِىِّ وهو كافِرٌ أقْلَفُ، فالمسلِمُ أَوْلَى. فصل: ولا فَرْقَ بين الحربِىِّ والذِّمِّىِّ، فى إباحَةِ ذَبِيحَة الكِتابِىّ منهم، وتَحْريمِ ذَبِيحَةِ مَنْ سِواهُ، وسُئِلَ أحمدُ عن ذبائحِ نَصارَى أهلِ الحربِ، فقال: لا بَأْسَ بها، حديثُ عبد اللَّه بن مُغَفَّلٍ فى الشَّحْمِ (٥). قال إسحاقُ: أجادَ. وقال ابنُ المنذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَنْ

стр. 6982

نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلم؛ منهم مُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا فَرْقَ بين الكِتابِىّ العربِىّ وغيرِه، إلَّا أَنَّ فى نَصارَى العربِ اخْتلافًا ذكَرْناه فى باب الجِزْيَةِ (٦). وسُئِلَ مكحولٌ عن ذبائِح العَرَبِ. فقال: أمَّا بَهْرَا وَتَنُوخُ وسُليْحٌ، فلا بَأْسَ، وأمَّا بنو تَغْلِبَ فلا خَيْرَ فى ذبائِحِهم. والصحيحُ إباحَةُ ذبائِح الجميعِ، لعُمومِ الآيَةِ فيهم. فصل: فإنْ كان أحَدُ أَبَوَى الكِتابِىّ ممَّنْ لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُه، والآخَرُ ممَّنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُه، فقال أصحابُنا: لا يَحِلُّ صَيْدُه ولا ذَبِيحَتُه. وبه قال الشافِعِىُّ إذا كان الأَبُ غيرَ كتابِىٍّ، وإِنْ كان الأَبُ كتابِيًّا ففيه قَوْلان، أحدُهما، تُباحُ. وهو قولٌ مالِكٍ، وأبى ثَورٍ. والثانى، لا تُباحُ؛ لأنَّه وُجِدَ ما يَقْتَضِى التَّحْريمَ، والإِبَاحَةَ، فغُلِّبَ ما يقْتضِى التَّحْريمَ، كما لو جَرَحَه مسلِمٌ ومَجوسِىٌّ، وبيانُ وُجودِ ما يقْتَضِىِ التَّحريمَ، أَنَّ كَونه ابنَ مَجُوسِىّ أو وَثَنِىٍّ يقْتَضِى تحريمَ ذبيحَتِه. وقال أبو حَنِيفة: تُباحُ ذبِيحَتُه بكلِّ حالٍ، لعمومِ النَّصِّ، ولأنَّه كتابِىٌّ يُقَرُّ على دِينِه، فتَحِلُّ ذَبِيحَتُه، كما لو كان ابْنَ كتابِيَّيْن. [وأمَّا إنْ] (٧) كان ابنَ وَثَنِيَّيْن أو مَجُوسِيَّيْن، فمُقْتَضَى مذْهَبِ الأَئِمَّةِ الثلاثَةِ تحريمُه، ومُقْتَضَى مذهبِ أبى حَنِيفَةَ حِلُّه؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بدِينِ الذَّابِحِ، لا بِدينِ (٨) أبيهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الاعْتِبارَ فى قَبُولِ الجِزْيَةِ بذلك، ولعُمومِ النَّصِّ والقِياسِ. فصل: فأما ما ذَبَحُوه لكنائِسِهم وأعْيادِهم (٩)، فنَنْظُرُ فيه؛ فإنْ ذَبَحَه لهم مسلِمٌ، فهو مُباحٌ. نصَّ عليه. وقال أحمدُ، وسُفيانُ الثَّوْرِىُّ (١٠)، فى الْمَجُوسِىِّ يَذْبحُ لإِلهِهِ (١١)، ويدفعُ الشاةَ إلى المسلمِ يَذْبَحُها فيُسَمِّى: يجوزُ الأَكْلُ منها. وقال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سَأَلْتُ أحمدَ عمّا يُقَرَّبُ لآلِهَتِهم، يَذْبَحُه رجُلٌ. مسلِمٌ، قال: لا بَأْسَ به. وإِنْ ذَبَحَها

стр. 6983

الكِتابِىُّ، وسَمَّى اللَّهَ وَحْدَه، حَلَّتْ (١٢) أيضًا؛ لأنَّ شَرْطَ الحِلِّ وُجِدَ. وإِنْ عُلِمَ أنَّه ذكرَ اسم غيرِ اللَّه عليها، أو تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، لم تَحِلَّ. قال حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه قال: لا يُؤْكَلُ. يعنى ما ذُبِحَ لأَعْيادِهم وكنائِسِهم؛ لأَنَّه أُهِلَّ لغيرِ اللَّهِ بِه. وقال فى موضِعٍ: يَدَعُونَ التَّسْمِيَةَ على عمدٍ، إنَّما يَذْبَحُون للمَسِيحِ. فأمَّا ما سِوَى ذلك، فرُوِيَتْ عن أحمدَ الكَراهَةُ فيما ذُبِحَ لكنائِسِهم وأعيادِهم مُطْلقًا. وهو قولُ مَيْمُونِ بن مِهْرانَ؛ لأنَّه ذُبِحَ لغيرِ اللَّه. ورُوِىَ عن أحمدَ إباحَتُه. وسُئِلَ عنه العِرْباضُ بن سارِيَةَ، فقال: كُلُوا، وأطْعِمُونِى. ورُوِىَ مثلُ ذلك عن أبى أُمامَةَ الباهِلِىِّ، وأبى مُسْلِمٍ الخَوْلَانِىِّ. وأكَلَه أبو الدَّرْداءِ، وجُبَيْرُ بنُ نُفَيْرٍ. ورَخَّصَ فيه عمرُو بنُ الأَسْود، ومكحولٌ، وضَمْرَةُ بنُ حَبِيبٍ؛ لقَوْلِ اللَّه تَعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. وهذا من طعامِهم. قال القاضى: ما ذَبَحَه الكِتابِىُّ لِعيدِه أو نَجْمٍ أو صَنَمٍ أو نَبىٍّ، فسَمَّاه على ذَبِيحَتِه، حَرُمَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١٣). وإِنْ سَمَّى اللَّه وَحْدَه، حَلَّ؛ لقَوْلِ اللَّه تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١٤). لكنَّه يُكْرَهُ؛ لِقَصْدِه بِقَلْبِه الذَّبْح لِغَيْرِ اللَّهِ. ١٧٢٢ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُؤْكَلُ مَا قُتِلَ بالبُنْدُقِ (١) أو (٢) الحَجَرِ، لِأَنَّه مَوْقُوذٌ) يعنى الحجرَ الذى لا حَدَّ له، فأمَّا المحدَّدُ كالصَّوَّانِ، فهو كالمِعْرَاضِ، إنْ قُتِلَ بحَدِّه أُبِيحَ (٣)، وإِنْ قُتِلَ بعَرْضِه أو ثُقْلِه فهو وَقِيذٌ لا يُباحُ. وهذا قولُ عامَّةِ الفُقهاءِ. وقال ابنُ عمرَ، فى المقتوَلةِ بالبُنْدُقِ: تلك الموْقُوذَةُ. وكَرِهَ ذلك سالِمٌ، والقاسِمُ، ومُجاهِدُ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وإبراهيمُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. ورَخَّصَ فيما قُتِلَ بها ابنُ المُسَيَّبِ. ورُوِى أيضًا عن عَمَّارٍ، وعبدِ الرحمن بن أبى لَيْلَى. ولَنا، قَولُ اللَّه

стр. 6984

تعالَى: ﴿وَالْمَوْقُوْذَةُ﴾ (٤). ورَوَى سَعِيدٌ، بإِسْنادِه عن إبراهيمَ، عن عَدِىٍّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "وَلَا تَأْكُلْ مِنَ البُنْدُقَةِ إِلَّا ما ذَكَّيْتَ" (٥). وقال فى المِعْرَاضِ: "إِذَا أُصِيبَ بِعَرْضِه، فَقَتَلَ، فإنَّهُ وَقِيذٌ" (٦). وقال عمرُ: لِيَتَّقِ أحدُكم أَنْ يحْذِفَ الأَرْنَبَ بالعَصا والحجَرِ. ثمَّ قال: ولْيُذَكِّ لكم الأسَلُ، الرِّماحُ والنَّبْلُ (٧). إذا ثَبَتَ هذا، فسَواءٌ شَدَخَه أو لم يَشْدَخْه، حتَّى لو رَمَاهُ (٨) ببُنْدُقَةٍ فَقَطَعَت حُلْقُومَ طائِرٍ ومَرِيئَه، أو أَطارَتْ رَأْسَه، لم يَحِلَّ. وكذلك إنْ فعَلَ ذلك بحَجَرٍ غيرِ مَحْدُودٍ (٩). ١٧٢٣ - مسألة؛ قال: (وَلا يُؤْكَلُ صَيْدُ الْمَجُوسِىِّ وذَبِيحتُهُ (١)، إلَّا مَا كَانَ مِنْ حُوتٍ، فَإِنَّه لَا ذَكَاةَ لَهُ) أَجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على تحريمِ صَيْدِ الْمَجُوسِىِّ وذَبِيحَتِه، إلَّا ما لا ذَكاةَ له، كالسَّمَكِ والْجَرادِ، فَإِنَّهم أَجْمَعُوا على إباحَتِه، غيَر أَنَّ مالِكًا، واللَّيْثَ، وأبا ثَوْرٍ، شَذُّوا عن الجماعَةِ، وأَفْرَطُوا، فأَمَّا مالِكٌ واللَّيْثُ فقالا: لا نَرَى أَنْ يُؤْكَلُ الجرادُ إذا صادَه المجُوسِىُّ. ورَخَّصَا فى السَّمَكِ. وأبو ثَوْرٍ أَباحَ صَيْدَه وذَبِيحَتَه، لقولِ النّبِىِّ ﷺ : "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أَهْلِ الْكتابِ" (٢). ولأنَّهم يُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ، فيباحُ صَيْدُهم وذَبائِحُهم، كاليَهُودِ والنَّصارَى. واحْتَجَّ بروايَةِ عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ. وهذا قولٌ يُخالِفُ الإِجْماعَ، فلا عِبْرَةَ به. قال إبراهيمُ الحَرْبِىّ: خَرَقَ أبو ثَوْرٍ الإِجْماعَ. قال أحمدُ: ههُنا قومٌ لا يَرَوْنَ بذبائِح المجوسِ بأْسًا، ما أَعْجبَ هذا! يُعَرِّضُ بأَبِى ثَوْرٍ. وممَّنْ رُوَيتْ عنه كَراهِيَةُ ذَبائِحِهم ابنُ مسعود، وابنُ عبَّاسٍ، وعلىٌّ، وجابِرٌ، وأبو بُرْدَةَ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ،

стр. 6985

وعِكْرِمَةُ، والحسنُ بنُ محمد (٣)، وعطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعبدُ الرحمن بن أبى لَيْلَى، وسعيدُ بن جُبَيْر، ومُرَّةُ الهَمْدَانِىُّ (٤)، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال أحمد: ولا أَعْلَمُ أحدًا قال بخلافِه، إلَّا أَنْ يكونَ صاحِبَ بِدْعَةٍ. ولأنَّ اللَّهَ تَعالَى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٥). فمفهومُه تحريمُ طعامِ غيرِهم من الكُفَّارِ، ولأنَّهم لا كتابَ لهم، فلم تَحِلُّ ذبائِحُهم كأَهْلِ الأَوْثانِ. وقد رَوَى الإِمامُ أحمدُ، بإسنادِه عن قَيْس بن سَكَنٍ الأَسَدِىّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّكُمْ نَزَلْتُمْ بِفَارِسَ مِنَ النَّبَطَ، فَإذَا اشْتَرَيْتُمْ لَحْمًا، فَإِنْ كَانَ مِنْ يَهُودِىٍّ أَوْ نَصْرانِىٍّ فَكُلُوا، وإِنْ كَانَ (٦) ذَبِيحَةَ مَجُوسِىٍّ فلا تَأْكُلُوا" (٧). ولأنَّ كُفْرَهم مع كونِهم غيرَ أهلِ كتابٍ، يَقْتَضِى تحريمَ ذبائِحِهم ونِسائِهم، بدليلِ سائِرِ الكُفَّارِ من غيرِ أهلِ الكتابِ، وإنَّما أُخِذَتْ منهم الجِزْيَةُ؛ لأنَّ شُبْهَةَ الكتابِ تَقْتَضِى التحريمَ لدمائِهِم، فَلمَّا غُلِّبَتْ فى التَّحْريمِ لدمائِهم، فيجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ عدَمُ الكتابِ فى تَحْريمِ الذَّبائحِ والنِّساءِ، احْتِياطًا (٨) للتَّحْريِم فى المَوْضِعَيْنِ، ولأنَّه إجْماعٌ، فإنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا، ولا مُخالِفَ لهم فى عَصْرهم، ولا فى مَن بعدَهُم، إلَّا رِوايةً عن سعيد، رُوِىَ عنه خِلافُها. ولا خِلافَ فى إباحَةِ ما صادُوه من الحِيتانِ. حُكِىَ عن الحسنِ البَصْرِىّ، أَنَّه قال: رَأَيتُ سَبْعِين من الصّحابَةِ يأْكُلُونَ صَيْدَ الْمَجوسِىّ [من الحيتانِ] (٩)، لا يتَلَجْلَجُ (١٠) فى صدورِهم شىءٌ من ذلك. روَاه سعيدُ بنُ

стр. 6986

منصور. والجرادُ كالحِيتانِ فى ذلك؛ لأنَّه لا ذكاةَ له، ولأنَّه تُباحُ مَيْتَتُه، فلم يَحْرُمْ بصَيْدِ المَجُوسِىّ، كالحُوتِ. فصل: وحُكْمُ سائِرِ الكُفَّارِ، من عَبَدَةِ الأَوْثَانِ والزَّنادِقَةِ وغيرِهم، حُكْمُ الْمَجُوسِىِّ، فى تَحْريمِ ذبائِحِهم وصَيْدِهم، إلَّا الحيتانَ والجرادَ وسائِرَ ما تُباحُ مَيْتَتُه، فإنَّ ما صادُوه مُباحٌ؛ لأنَّه لا يزيدُ بذلك عن مَوْتِه بغيرِ سَبَبٍ. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "أُحِلَّتْ لنَا مَيْتَتانِ؛ السَّمَكُ، والْجَرَادُ" (١١). وقال فى البَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (١٢). فصل: قال أحمدُ: وطَعامُ الْمَجُوسِ (١٣) ليس به بَأْسٌ أَنْ يُؤْكَلَ، وإذا أُهْدِىَ إليه أَنْ يُقْبَلَ، إنَّما تُكْرَه ذبائِحُهم، أو شىءٌ فيه دسَمٌ. يعنى من اللحْمِ. ولم يَرَ بالسَّمْنِ والْخُبزِ بأْسًا. وسُئِل عمَّا يَصْنعُ المَجُوسُ لأمْواتِهم، ويُزَمْزِمُون (١٤) عليهم أَيَّامًا عَشْرًا، ثمَّ (١٥) يَقْسِمُون (١٦) ذلك فى الجِيرانِ؟ قال: لا بَأْسَ بذلك. وعن الشَّعْبِىِّ: كُلْ مَع المَجُوسِىِّ وإِنْ زَمْزَمَ. ورَوَى أحمدُ، أَنَّ سعيدَ بنَ جُبَيْر كان يأْ كُلُ من كَوامِيخِ (١٧) الْمَجُوسِ، وأَعْجَبَه ذلك. ورَوَى هشامٌ، عن الحسنِ، أَنَّه كانَ لا يَرَى بأْسًا بطعامِ الْمَجُوسِ فى المصرِ، ولا بشَواريِزِهم (١٨)، ولا بكَوامِيخِهم. ١٧٢٤ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِك كُلُّ (١) مَا مَاتَ مِنَ الْحِيَتانِ فِى الْمَاءِ، وإِنْ طَفَا) قولُه طَفَا: يعنى ارْتَفَعَ على وجهِ الماءِ. قال عبدُ اللَّه بنُ رَواحَةَ (٢): وَأنَّ العَرْشَ فوْقَ الماءِ طافٍ ... وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العَالَمِينَا

стр. 6987

وجملةُ ذلك أنَّ السَمَكَ وغيرَه من ذواتِ الماءِ التى لا تعيشُ إلَّا فيه، إذا ماتَتْ فهى حَلالٌ، سواءٌ ماتَتْ بسَبَبٍ أو غيرِ سبَبٍ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ فى البَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ ماؤُه الحِلُّ مَيْتَتُه" (٣). قال أحمدُ: هذا خيرٌ من مائَةِ حَدِيثٍ. وأمَّا ما ماتَ بسبَبٍ، مثل أَنْ صادَه (٤) إنسانٌ، أو نَبَذَهُ البَحْرُ، أو جَزَرَ عنه، فإنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا على إباحَتِه، وكذلك ما حُبسَ فى الماءِ بحَظِيرَةٍ حتَّى يموتَ، فلا خلافَ أيضًا فى حِلِّه. قال أحمدُ: الطَّافِى يُؤْكَلُ، وما جَزَرَ عنه الماءُ أجودُ، والسَّمَكُ الذى نَبَذَه البحرُ لم يَخْتَلِفِ النَّاسُ فيه، وإنَّما اخْتَلَفُوا فى الطَّافِى، وليس به بأْسٌ. وممَّن أباحَ الطَّافِىَ من السَّمكِ أبو بكرٍ الصِّدِّيق، وأبو أيُّوبَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال [مالِكٌ، و] (٥) الشافِعِىُّ. وممَّنْ أباحَ ما وُجدَ من الْحِيتانِ عَطاءٌ، ومَكْحولٌ، والثَّوْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ. وكرِهَ الطَّافِىَ جابِرٌ، وطاوسٌ، وابنُ سِيربنَ، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ جابرًا قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَا أَلْقَى البَحْرُ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ، فكُلُوهُ، ومَا مَاتَ فيه وَطَفَا، فلا تَأْكُلُوهُ". روَاه أبو داودَ (٦). ولَنا، قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٧). قال ابنُ عبّاسٍ: طعامُه ما ماتَ فيه (٨). وأيضًا الحديثُ الذى قَدَّمْناه. وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيق، رَضِىَ اللَّهُ عنه: الطَّافِى حَلالٌ (٨). ولأنَّه لو ماتَ فى البرِّ أُبِيحَ، فإذا ماتَ فى البحرِ أبِيحَ، كالجرادِ. فأمَّا حديثُ جابِرٍ، فإنَّما هو مَوْقُوفٌ عليه، كذلك قال أبو داود: روَاه

стр. 6988

الثِّقاتُ فأَوْقَفُوه على جابرٍ، وقد أَسْنِدَ من وَجْهٍ ضعيفٍ. وإِنْ صَحَّ فنَحْمِلُه على نَهْىِ الكَراهَةِ؛ لأنَّه إذا ماتَ رَسَا (٩) فى أسفَلِه، فإذا أَنْتَنَ طفَا، فكرِهَه لِنَتْنِه، لا لتَحْرِيمِه. فصل: يُباحُ أكلُ الْجرادِ بإِجْماعِ أهلِ العلمِ. وقد قال عبدُ اللَّه بنُ أبى أَوْفَى: غَزَوْنا مع رسولَ اللَّه ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ، نَأْكلُ الجَرادَ. رواه البخارِىُّ، وأبو داودَ (١٠). ولا فَرْقَ بين أَنْ يمُوتَ بسبَبٍ أو غيرِ (١١) سبَبٍ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافِعِىُّ، وأصْحابُ الحديثِ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المنذِرِ. وعن أحمد، أنَّه إذا قَتَلَه البردُ، لم يُؤْكَلْ. وعنه، لا يُؤْكَلْ إذا ماتَ بغيرِ سبَبٍ. وهو قولُ مالِكٍ. ويُرْوَى أيضًا عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، ولَنا، عمومْ قولِه ﵇: "أُحِلَّت لَنا مَيْتَتان ودَمانِ، فالمَيْتتانِ السَّمَكُ والجَرادُ " (١٢). ولم يفصِّلْ. ولأنَّه تُباحُ مَيْتَتُه، فلم يُعْتبَرْ له سببٌ، كالسَّمَكِ، ولأنَّه لو افْتَقَرَ إلى سبَبٍ، لَافْتَقَرَ إلى ذَبْحٍ وذابِحٍ وآلةٍ، كبهيمَةِ الأَنْعامِ. فصل: ويُباحُ أَكْلُ الجَرادِ بما فيه، وكذلك السَّمَكُ، يجوزُ أَنْ يُقْلَى من غيرِ أَنْ يُشَقَّ جَوْفُه (١٣)، وقال أصحابُ الشافِعِىِّ فى السَّمكِ: لا يجوزُ؛ لأنَّ رَجِيعَه نَجِسٌ. ولَنا، عُمومُ النَّصِّ فى إباحَتِه، وما ذَكَرُوهُ غيرُ مُسَلَّمٍ. وإِنْ بَلَعَ إنسانٌ شيئًا منه حَيًّا كُرِهَ؛ لأنَّ فيه تَعْذِيبًا له. فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن السَّمَكِ يُلْقَى فى النَّارِ؟ فقال: ما يُعْجِبُنِى. والجَرادِ؟ [فقال: ما يُعْجِبُنِى، والجَرادُ] (١٤) أَسْهَلُ، فإنَّ هذا له دَمٌ. ولم يَكْرَهْ أكْلَ السَّمَكِ إذا

стр. 6989

أُلْقِىَ فى النَّارِ، إِنَّما كَرِهَ تَعْذِيبَه بالنَّارِ. وأمَّا الجَرادُ فسَهَّلَ فى إِلْقائِه؛ لأنَّه لا دَمَ له، ولأنَّ السَّمَكَ لا حاجَةَ إلى إلْقائِه فى النَّارِ، لإِمْكانِ تَرْكِه حتَّى يموتَ بسُرْعَةٍ، والجَرادُ لا يموتُ فى الحالِ، بل يَبْقَى مُدَّةً طويلَةً. وفى "مُسْنَدِ الشافِعِىِّ" (١٥) أنّ كَعْبًا كان مُحْرِمًا، فَمَرَّت به رَجْلٌ (١٦) من جَرادٍ، فنَسِىَ، وأَخَذَ جرادَتَيْن، فأَلقاهُما فى النَّارِ، [فشَواهما فى النارِ] (١٧)، وذَكَرَ ذلك لعُمَرَ، فلم يُنْكِرْ عمرُ تَرْكَهُما فى النارِ. وذُكِرَ له حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ: كان الجرادُ يُقْلَى له. فقالَ: إنّما يُؤْخَذُ الجَرادُ فتُقْطَعُ أجْنِحَتُه، ثمَّ يُلْقَى فى الزَّيْتِ وهو حَىٌّ. ١٧٢٥ - مسألة؛ قال: (وذَكاةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنَ الصَّيْدِ والْأَنْعَامِ (١) فِى الْحَلْقِ واللَّبَّةِ) قد ذكرْنا حُكْمَ المَعْجُوزِ عنه، من الصَّيْدِ والأَنْعامِ، فأَمَّا المَقْدورُ عليه منهما، فلا يُباحُ إلَّا بالذَّكاةِ، بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ. وتفتَقِرُ الذَّكاةُ إلى خَمْسَةِ أشياء؛ ذابِحٍ، وآلةٍ، ومَحَلٍّ، وفِعْلٍ، وذِكْرٍ. أمَّا الذابِحُ فيُعْتبَرُ له شَرْطان؛ دِينُه، وهو كونُه مسلمًا أو كتابيًّا، وعَقْلُه، وهو أَنْ يكونَ ذا عقْلٍ يَعْرِفُ الذَّبْحَ ليَقْصِدَه (٢)، فإنْ كان لا يَعْقِلُ، كالطِّفلِ الذى لا يُمَيِّزُ، والمجنونِ، والسَّكْرانِ، لم يحلَّ ما ذَبَحَه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منه القَصْدُ، فأشْبَهَ ما لو ضَرَبَ إنْسانًا بالسَّيْفِ فقَطَعَ عُنُقَ شاةٍ. وأما الآلةُ، فلها شرطان؛ أحدُهُما، أَنْ تكونَ مُحَدَّدَةً، تقطعُ أو تَخْرِقُ بحدِّها، لا بِثِقَلِها. والثانى، أَنْ لا تكونَ سِنًّا ولا ظُفْرًا. فإذا اجْتَمَع هذان الشَّرْطَان فى شىءٍ، حَلَّ الذَّبْحُ به، سواءٌ كان حَديدًا، أو حَجَرًا، أو لِيطَةً (٣)، أو خَشَبًا، لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْم اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ (٤)، مَا لَمْ يكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وعن عَدِىِّ بنِ حاتِمٍ قال: قُلْتُ:

стр. 6990

يا رسولَ اللَّه، أَرَأَيْتَ إنْ أحَدُنا أصابَ صَيْدًا، وليس معه سِكِّينٌ، أيذْبَحُ بالْمَرْوَةِ وشَقَّةِ العَصا؟ فقال: "أَمْرِرِ الدَّمَ بمَا شِئْتَ، واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ". والمَرْوَةُ: الصَّوَّانُ. وعن رجُلٍ من بنى حارِثَةَ، أَنَّهُ كان يَرْعَى لِقْحَةً (٦)، فأَخَذَها الموتُ، فلم يجدْ شيئًا ينْحَرُها به، فأخَذَ وَتِدًا، فوَجَأَها به فى لَبَّتِها حتَّى أُهَرِيقَ دَمُها، ثمَّ جاءَ إلى (٧) النَّبِىِّ ﷺ ، فأَمَرَه بأَكْلِها. رواهما (٨) أبو داودَ (٩). وبهذا (١٠) قال الشافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ونحوُه قولُ مالِكٍ، وعمرِو بن دينارٍ. وبه قال أبو حَنِيفَةَ، إلَّا فى السِّنِّ والظُّفْرِ، قال: إذا كانَا مُتَّصِلَيْن، لَم يُجزِ الذَّبْحُ بهما، وإِنْ كانا مُنْفَصِلَيْن، جازَ. ولَنا، عُمومُ حَديثِ رافِعٍ، ولأَنَّ ما لم تَجُزِ الذَّكاةُ به مُتَّصِلًا، لم تَجُزْ مُنْفَصِلًا، كغيرِ المُحَدَّدِ. وأمَّا العَظْمُ غيرُ السِّنِّ، فمُقْتَضَى إطلاق قَوْلِ أحمدَ، والشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، إباحَةُ الذَّبْحِ به. وهو قولُ مالِكٍ، وعمرِو بن دينار، وأصْحاب الرَّأْىِ. وقال ابنُ جُرَيْجٍ: يُذَكَى بعَظْمِ الحِمارِ، ولا يُذكَّى بعظمِ القِرْدِ؛ لأنَّكَ تُصلِّى على الحمارِ وتَسْقِيه فى جَفْنَتِك. وعن أحمد: لا يُذَكَّى بعَظْمٍ ولا ظُفْرٍ. وقال النَّخَعِىُّ: لا يُذَكَّى بالعظْمِ والقَرْنِ. ووَجْهُهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ والظُّفْرَ، وسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذلِكَ، أمَّا السِّنُّ فعَظْمٌ، وأمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ". فعَلَّلَه بكونِه عَظْمًا.، فكُلُّ عظمٍ فقد (١١) وُجِدَتْ فيه العِلَّةُ. والأوَّلُ (١٢) أصَحُّ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لأَنَّ العظْمَ دَخَلَ فى عُمومِ اللَّفظِ المُبِيحِ، ثمَّ اسْتُثْنِىَ السِّنُّ والظُّفْرُ خاصَّةً، فيبقَى سائِرُ العِظامِ دَاخِلَةً (١٣) فيما يباحُ الذَّبْحُ به، والمنطوقُ

стр. 6991

مقدَّم على التَّعْلِيلِ، ولهذا عَلَّلَ الظُّفْرَ بكو نِه من مُدَى الْحَبَشَةِ، ولا يَحْرُمُ الذَّبْحُ بالسِّكِّينِ وإِنْ كانت مُدْيَةً لهم، ولأنَّ العِظامَ يتَناوَلُها سائِرُ الأحادِيث العامَّةِ، ويحصُلُ بها المقصودُ، فأَشْبَهت سائِرَ الآلاتِ. وأمّا المحلُّ فالحَلْقُ (١٤) واللَّبَّةُ وهى الوَهْدَةُ التى بين أَصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ. ولا يجوزُ الذَّبحُ فى غيرِ هذا المحلِّ بالإِجْماعِ، وقد رُوِىَ فى حديثٍ، عن النَّبِىّ ﷺ ، أنَّه قال: "الذَّكاةُ فِى الحَلْقِ واللَّبَّةِ" (١٥). وقال (١٦) أحمدُ: الذَّكاةُ فى الحَلْقِ واللَّبَّةِ. واحْتَجَّ بحديثِ عمرَ، وهو ما رَوَى سعيدٌ، والأَثْرَمُ، بإسْنادِهما عن الفُرافِصَةِ، قال: كُنَّا عندَ عمرَ، فنادَى أَنَّ النَّحْرَ فى اللَّبَّةِ أو الحَلْقِ (١٧) لِمَن قَدَرَ (١٨). وإنَّما نَرَى أَنَّ الذَّكاةَ اخْتَصَّت بهذا المحلِّ؛ لأنَّه مَجْمَعُ العُروقِ، فتَنْفَسِحُ بالذَّبحِ فيه الدِّماءُ السَّيَّالَةُ، ويُسْرِعُ زُهوقُ النَّفْسِ، فيكونُ أطْيَبَ للَّحْمِ، وأَخفَّ على الحيوانِ. قال أحمدُ: لو كان حَدِيثُ أبى العُشَراءِ حديثًا. يعنى ما رَوَى أبو العُشَراءِ عن أبيه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّه سُئِلَ: أمَّا تكونُ الذَّكاةُ إلَّا فى الحَلْقِ واللَّبَّةِ؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَوْ طَعَنْتَ فِى فَخِذِهَا، لَأَجْزَأَ عَنْكَ" (١٩). قال أحمد: أبو العُشَراءِ هذا ليس بمَعْرُوفٍ. وأمَّا الذِّكْرُ فالتَّسْمِيةُ، وقد مَرَّ ذِكْرُها (٢٠). وأمَّا الفِعْلُ فيُعْتَبَرُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والْمَرِىءِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى، أَنَّه يُعْتَبَرُ مع هذا قَطْعُ الوَدَجَيْن. وبه قال مالِكٌ، وأبو يوسفَ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ. وهى التى

стр. 6992

تُذْبَحُ فتَقْطَعُ الجِلْدَ ولا تَفْرِى الأَوْداجَ، ثمَّ تُتْرَكُ حتَّى تَمُوتَ. رواه أبو داودَ (٢١). وقال أبو حَنِيفة: يُعْتَبرُ قَطْعُ الحُلْقومِ والْمَرِىءِ وأَحَدِ الوَدَجَيْنِ. ولا خِلافَ فى أَنَّ الأكملَ قَطْعُ الأَرْبَعَةِ، الحُلْقومِ، والْمَرِىءِ، والوَدَجَيْن، فالحُلْقومُ مَجْرَى النَّفَسِ، والْمَرِىءُ وهو مَجْرَى الطَّعامِ والشَّرابِ، والوَدَجان، وهما عِرْقان مُحِيطان بالحُلْقُومِ؛ لأنَّه أسرعُ لخرُوجِ رُوحِ الحيوانِ، فيَخِفُّ عليه، ويخرُجُ من الخلافِ، فيكونُ أَوْلَى. والأَوَّلُ يُجْزِئُ؛ لأنَّه قَطَعَ فى محلِّ الذَّبْحِ ما لَا تَبْقَى الحياةُ مع قَطْعِه، فأشْبَهَ ما لو قَطَعَ الأَرْبَعَةَ. ١٧٢٦ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُنْحَرَ الْبَعِيرُ، ويُذْبَحَ مَا سِوَاهُ) لا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ، فى أَنَّ المُسْتَحَبَّ نَحْرُ الإِبِلِ، وذَبْحُ ما سِواها. قال اللَّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١). وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢). قاك مُجاهِدٌ: أُمِرْنَا بالنَّحْرِ، وأُمِرَ بنُو إسرائِيلَ بالذَّبْحِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ بُعِثَ فى قومٍ ماشِيَتُهم الإِبلُ، فسُنَّ النَّحْرُ، وكانتْ بنو إسرائيلَ ماشِيَتُهم البَقَرُ، فأُمِرُوا بِالذَّبْحٍ. وَثَبَتَ أَنَّ رسولَ اللَّهَ ﷺ نَحَرَ بَدَنَةً، وضَحَّى بكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُما بيَدِه. مُتَّفَقٌ عليه (٣). ومعنى النَّحْرِ، أَنْ يَضْرِبَها بِحَرْبَةٍ أو نحوِها (٤) فى الوَهْدَةِ التى بين أَصْلِ عُنُقِها وصَدْرِها.

стр. 6993

فصل: ويُسَنُّ الذَّبْحُ بسِكِّينٍ حادٍّ، لما رَوَى أبو داودَ، عن شَدَّاد بن أَوْسٍ، قال: خَصْلَتان سَمِعْتُهما من رسولِ اللَّه ﷺ : "إِنَّ اللَّه كتَبَ الإِحْسانَ عَلَى كُلِّ شىءٍ، فَإذَا قَتَلْتُم فأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، ولْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" (٥). ويُكْرَه أَنْ يَسُنَّ السِّكِّينَ والحيوانُ يُبْصِرُه. ورَأى عمرُ رجُلًا قد وَضَعَ رِجْلَه على شاةٍ، وهو يَحُدُّ السِّكِّينَ، فضَرَبَه حَتى أَفْلَتَ الشَّاةَ. ويُكْرَهُ أَنْ يذبَحَ شاةً، والأُخْرَى تنْظُرُ إليه، ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بها القِبْلَةَ. واسْتَحَبَّ ذلِكَ ابنُ عمرَ، وابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكَرِه ابنُ عمرَ، وابنُ سِيرِينَ أكْلَ ما ذُبِحَ لغيرِ القِبْلَةِ. وقال سائِرُهم: ليس ذلك مَكرُوهًا؛ لأنَّ أهلَ الكِتابِ يَذْبَحُون لغيرِ القِبْلَةِ، وقد أحلَّ اللَّهُ ذبائِحَهم. فصل: قال أحمدُ: لا تُؤْكَل المَصْبُورَةُ، ولا المُجَثَّمَةُ. وبه قال إسحاقُ. والمُجَثَّمةُ: هى الطائِرُ أو الأَرْنَبُ يُجْعَلُ غَرَضًا، ثمّ يُرْمَى حتَّى يُقْتَلَ. والمَصْبُورَةُ مثلُه، إلَّا أنَّ المُجَثَّمةَ لا تكونُ إلَّا فى الطائِرِ والأَرْنَبِ وأشْباهِها، والمَصْبُورةُ كُلُّ حَيوانٍ. وأصْلُ الصَّبْرِ الحَبْسُ. والأَصْلُ فى تحريمِه، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن صَبْرِ البهائِمِ (٦)، وقال: "لا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا" (٧). ورَوَى سعيدٌ، بإسنادِه عن أبى الدَّرْداءِ قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن كلِّ مُجَثَّمَةٍ (٨). وبإسْنادِه عن مُجاهِدٍ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن المُجَثَّمَةِ وعن أَكْلِها، ونَهَى عن المَصْبُورَةِ وعن أكلِها (٨). ولأنَّها (٩) حيوانٌ

стр. 6994

مَقْدُورٌ عليه، فلم يُبَحْ بغيرِ الذَّكاةِ، كالبَعِيرِ والبقَرَةِ. ١٧٢٧ - مسألة؛ قال: (فإِنْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ، أَو نَحِرَ مَا يُذْبَحُ فجائِزٌ) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفَةَ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن داودَ، أن الإِبْلَ لا تُباحُ إلَّا بالنَّحْرِ، ولا يُباحُ غيرُها إلَّا بالذَّبْحِ؛ لأنَّ اللَّه تعالَى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١). والأمْرُ يقْتَضِى الوُجوبَ، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢). ولأنّ النَّبِىَّ ﷺ نَحَرَ البُدْنَ، وذَبَحَ الغَنَمَ، وإنَّما تُؤْخَذُ الأَحْكامُ من جِهَتِه. وحُكِىَ عن مالكٍ (٣)، أنَّه لا يُجْزِئُ فى الإِبلِ إلَّا النَّحْرُ؛ لأنَّ أعناقَها طويلَةٌ، فإذا ذُبحَ تَعَذَّبَ بخُروجِ رُوحِه. قال ابنُ المُنْذِر: إنَّما كرِهَه، ولم يُحرِّمْه. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "أمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ" (٤). وقالتْ أسْماءُ: نَحَرْنا فَرَسًا على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فأَكَلْناه ونحنُ بالمدينَةِ (٥). وعن عائِشَةَ، قالتْ: نَحَرَ رسولُ اللَّه ﷺ فى حِجَّةِ الوَداعِ بَقرَةً واحدةً (٦). ولأنَّه ذَكاةٌ فى محلِّ الذَّكاةِ، فجازَ أَكْلُه، كالحيوانِ الآخَرِ. ١٧٢٨ - مسألة؛ قال: (وإِذَا ذَبَح فأَتّى عَلَى الْمَقاتِلِ، فَلَمْ تَحْرُج الرُّوحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِى الْمَاءِ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهَا شَىْءٌ، لَمْ تُؤْكَلْ) يعنى (١) وَطِئَ عليها شىءٌ يقتلُها مِثْلُه غالِبًا، وهذا الذى ذَكَرَه الْخِرَقِىُّ نَصّ عليه أحمدُ.

стр. 6995

وقال أكثرُ أصحابِنا المُتأَخِّرِين: لا يَحْرُمُ بهذا. وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّها إذا ذُبِحَت فقد صارَت فى حُكمِ المَيِّتِ، وكذلك لو أُبِينَ رأسُها بعد الذَّبْحِ، لم تَحْرُمْ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولو ذُبِحَ إنسانٌ ثمّ ضرَبَهُ (٢) آخرُ وغَرَّقَه (٣)، لم يلزمْه قِصاصٌ ولا دِيَةٌ. ووَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِىِّ قولُ النَّبِىِّ ﷺ فى حديثِ عَدِىِّ بن حاتِمٍ: "وإِنْ وَقَعَتْ فِى الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ" (٤). وقال ابنُ مسعود: من رَمَى (٥) طائِرًا فوقَعَ فى مَاءٍ (٦)، فغرِقَ فيه، فلا تَأْكُلْه (٧). ولأنَّ الغَرَقَ سبَبٌ يقْتُلُ، فإذا اجْتَمَع مع الذَّبْحِ، فقد اجْتَمَعَ ما يُبِيحُ ويُحرِّمُ، فيُغَلَّبُ الحَظْرُ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أَنْ يُعينَ على خُروجِ الرُّوحِ، فتكونَ قد خَرَجَت بفِعْلَيْن مُبِيحٍ ومُحَرِّمٍ، فأشْبَهَ ما لو وُجِدَ الأَمْرانِ فى حالٍ واحدةٍ، أو رَماه مسلِمٌ ومَجُوسِىٌّ فماتَ. ١٧٢٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا ذَبَحَها مِنْ قَفَاهَا، وهُوَ مُخطِئٌ، فأَتَتِ السِّكِّينُ عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِها، وهِىَ فِى الْحَيَاةِ، أُكِلَتْ) قال القاضى: مَعْنَى الخطأ أَنْ تَلْتَوِىَ الذَّبِيحَةُ عليه، فتَأْتِىَ السِّكِّينُ على القَفَا؛ لأنَّها مع الْتِوائِها مَعْجُوزٌ عن ذَبْحِها فى محلِّ ذَبْحِها، فسَقَطَ اعْتبارُ المَحَلِّ، كالمُتَرَدِّيَةِ فى بئرٍ، فأمَّا مع عدَمِ الْتوائِها، فلا تُباحُ بذلِك؛ لأنَّ الجَرْحَ فى القَفا سبَبٌ للزُّهوقِ، وهو فى غيرِ مَحَلِّ الذَّبْح، فإذا اجْتَمَع مع الذَّبْحِ، مَنَعَ حِلَّهُ، كما لو بقَرَ بطنَها. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ما يَدُلُّ على هذا المعنى، فإنَّ الفَضْلَ بن زِيادٍ قال: سأَلْتُ أبا عبد اللَّه عن مَن ذبَح فى القَفا؟ قال: عامِدًا أو غيرَ عامِدٍ؟ [قلتُ: عامِدًا] (١). قال: لا تُؤْكَلُ، فإذا كان غيرَ عامِدٍ، كأنَّه (٢) الْتَوَى عليه، فلا بَأْسَ.

стр. 6996

فصل: فإنْ ذَبَحَها مِن قَفاها اخْتِيارًا، فقد ذَكَرْنا عن أحمدَ، أنَّها لا تُؤْكَلُ. وهو مَفْهومُ كلامِ الْخِرَقِىِّ وحُكِىَ هذا عن علىٍّ، وسعيد بن المُسَيَّب، ومالِكٍ، وإسحاقَ. قال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: تُسَمَّى هذه الذبيحَةُ القَفِينَةُ. وقال القاضِى: إنْ بقِيَت فيها حياةٌ مُسْتقِرَّةٌ قبلَ قَطْعِ الحُلْقومِ والْمَرِىءِ حَلَّتْ، وإلَّا فلا، ويُعْتَبَرُ ذلك بالحَرَكَةِ القوِيَّةِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىّ. وهذا أَصَحُّ؛ لأنَّ الذَّبْحَ إذا أَتَى على ما فِيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، أَحَلَّه، كأَكِيلَةِ السَّبُعِ، والمُتَردِّيَةِ والنَّطِيحَةِ. ولو ضَرَبَ عُنُقَها بالسَّيْفِ فأطارَ رَأْسَها، حَلَّتْ بذلِك. نصَّ عليه أحمد، فقال: لو أَنَّ رجُلًا ضَرَبَ رأسَ بَطَّةٍ أو شاةٍ بالسَّيْفِ، يُرِيد بذلك الذَّبيحَةَ، كان له أَنْ يأكُلَه. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: تلك ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ. وأَفْتَى بأَكْلِها عِمْرانُ بنُ حُصَيْن. وبه قال الشَّعْبِىُّ، وأبو حنيفَةَ، والثَّوْرِىُّ. وقال أبو بكر: لأَبِى عبد اللَّه فيها قَوْلان. والصَّحِيحُ أنَّها مُباحَةٌ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ قَطْعُ ما تَبْقَى الحياةُ معَه مع الذَّبْحِ، فأُبِيحَ، كما ذَكَرْنا مع قولِ مَنْ ذَكَرنا قولَه من الصحابَةِ من غيرِ مُخالِفٍ. فصل: فإنْ ذَبَحَها مِن قَفاها، فلم يَعْلَمْ هل كانَت فيها حَياةٌ مستقِرَّةٌ قبلَ قَطْعِ الحُلْقومِ والْمَرِىءِ أَوْ لَا؟ نَظَرْتَ؛ فإنْ كان الغالِبُ بَقاءَ ذلك، لحِدَّةِ الآلَةِ، وسُرْعَةِ القَطْعِ (٣)، فالأَولَى إِباحَتُه؛ لأنَّه بِمَنْزِلَةِ ما لو (٤) قَطعَ (٥) عُنُقَه بِضَرْبَةِ السَّيْفِ، وإِنْ كانت الآلةُ كالَّةً، وأَبْطأ قَطْعُه، وطالَ تَعْذِيبُه، لم يُيَحْ؛ لأنَّه مَشْكُوكٌ، فى وُجُودِ ما يُحِلُّه، فيَحْرُمُ (٦)، كما لو أَرْسَلَ كَلْبَهُ على الصَّيْدِ، فوَجَدَ معه كلبًا آخَرَ لا يعْرِفُه. ١٧٣٠ - مسألة؛ قال: (وذَكَاتُها ذَكاةُ جَنِينِهَا، أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ) يعنى إذا خرَجَ الجنينُ مَيِّتًا من بَطنِ أُمِّه بعدَ ذَبْحِها، أو وُجِدَ (١) مَيِّتًا فى بَطْنِها، أو

стр. 6997

كانتْ حَرَكَتُه بعدَ خُرُوجِه كحَرَكَةِ المَذْبوحِ، فهو حلالٌ. رُوِىَ هذا عن عمرَ، وعلىٍّ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّب، والنَّخَعِىُّ، والشافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ عمرَ: ذَكاتُه ذَكاةُ أمِّه إذا أشْعَرَ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، وطاوسٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِىِّ، والحسنِ، وقَتادَةَ، ومالِكٍ، واللَّيْثِ، والحسنِ بن صالحٍ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ عبدَ اللَّه بن كَعْبِ بن مالِكٍ، قال: كان أصْحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ يقولون: إذا أَشْعَرَ الجنينُ، فذَكاتُه ذكاةُ أُمِّهِ (٢). وهذا إشارةٌ إلى جميعِهِم، فكان إجماعًا. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحِلُّ إلَّا أَنْ يخْرُجَ حَيًّا فيُذَكَّى؛ لأنَّه حيوانٌ ينْفَرِدُ بحَياتِه، فلا يتَذَكَّى بذَكاةِ غيرِه، كما بعدَ الوضْعِ. قال ابنُ المُنْذرِ: كان الناسُ على إباحَتِه، لا نَعْلَمُ أحدًا منهم خالَفَ ما قالُوا (٣)، إلى أَنْ جاءَ النُّعْمانُ، فقال: لا يَحِلُّ؛ لأنَّ ذكاةَ نفسٍ لا تكونُ ذَكاةَ نَفْسَيْن. ولَنا، ما رَوَى أبو سعيد، قال: قيل: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أحَدَنا يَنْحَرُ النَّاقَةَ، ويَذْبَحُ البقرةَ والشَّاةَ، فيَجِدُ فى بطْنِها الجَنِينَ، أَنَأْكُلُه أم نُلْقِيه؟ قال: "كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ، فَإنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ". وعن جابِر، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، قال: "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ". روَاهما أبو داودَ (٤). ولأَنَّ هذا إجماعٌ من الصَّحابَةِ ومَنْ بَعْدَهُم، فلا يُعَوَّلُ على ما خالَفَه، ولأنَّ الْجَنِينٍ مُتَّصِلٌ بها اتصالَ خِلْقَةٍ، يَتَغَذَّى بغِذائِها، فتكونُ ذَكاتُه ذَكَاتَها، كأَعضائِها، ولأنَّ الذَّكاةَ فى الحيوانِ تخْتَلِفُ على حَسَبِ الإِمْكانِ فيه والقُدْرَةِ، بدَليلِ الصَّيْدِ المُمْتَنِع والمَقْدورِ عليه والمُتَردِّيَةِ، والجَنينُ لا يُتَوصَّلُ إلى ذَبْحهِ بأَكْثَرَ من ذَبْحِ أُمِّه، فيكونُ ذَكاةً له.

стр. 6998

فصل: واسْتَحَبَّ أبو عبدِ اللَّه أَنْ يَذْبَحَه وإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا؛ ليَخْرُجَ الدَّمُ الذى فى جَوْفِه، ولأنَّ ابنَ عُمَرَ كان يُعْجِبُه أَنْ يُرِيقُوا من دَمِه وإِنْ كان مَيِّتًا (٥). فصل: فإنْ خَرَجَ حَيًّا حَياةً مُسْتقِرَّةً، يُمْكِنُ أَنْ يُذَكَّى، فلم يُذَكِّه حتَّى ماتَ، فليس بذَكِىٍّ. قال أحمدُ: إنْ خَرَجَ حَيًّا، فلا بُدَّ من ذَكاتِه؛ لأنَّه نَفْسٌ أُخْرَى (٦). ١٧٣١ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْطَعُ عُضْوٌ مِمَّا ذُكِّىَ حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهُ) كَرِهَ ذلك أهلُ العِلْمِ؛ منهم عَطاءٌ، وعمرُو بنُ دينار، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا. وقد قال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا تَعْجَلُوا الأَنْفُسَ حَتَّى تزْهَقَ. فإنْ قُطِعَ عُضْوٌ قبلَ زُهوقِ النَّفْسِ وبعدَ الذَّبْحِ، فالظَّاهِرُ إباحَتُه، فإنَّ أحمدَ سُئِلَ عن رَجُلٍ ذَبَحَ دجاجَةً، فأبانَ رَأْسَها؟ قال: يَأْكُلُها. قيل له (١): والذى بانَ منها أيضًا؟ قال: نعم. قال البخارِىُّ (٢): قال ابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ: إذا قَطَعَ الرَّأْسَ فلا بَأْسَ (٣). وبه قال عطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وذلك لأنَّ قَطع ذلِكَ العُضْوِ بعدَ حُصولَ الذَّكاةِ، فأشْبَهَ ما لو قَطَعَه بعدَ الْمَوْتِ. فصل: ويُكْرَهُ سَلْخُ الحيوانِ قبلَ أَنْ يَبْرُدَ؛ لأنَّ فيه تَعْذيبًا للحيوانِ، فهو كقَطْعِ العُضْوِ. ويُكْرَه النَّفْخُ فى اللَّحْمِ الذى يُرِيدُه للبَيْعِ؛ لما فيه من الْغِشِّ. فصل: وإِنْ قُطِعَ من الحيوانِ شىءٌ، وفيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فهو مَيْتَةٌ، لما رَوَى أبو وَاقِدٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ، وَهِىَ حَيَّةٌ، فهُوَ مَيْتَةٌ". رواه أبو داودَ (٤). ولأنَّ إباحَتَه إنَّما تكونُ بالذَّبْحِ، وليس هذا بِذَبْحٍ.

стр. 6999

١٧٣٢ - مسألة؛ قال: (وَذَبِيحَةُ مَنْ أَطَاقَ الذَّبْحَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وأَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ، إِذَا سَمَّوْا، أو نَسُوا التَّسْمِيَةَ) وجُمْلَةُ ذلك أَنَّ كُلَّ مَنْ أَمْكَنَه الذَّبْحُ مِن المسلمين وأَهْلِ الكتابِ، إذا ذَبَحَ، حَلَّ (١) أَكْلُ ذَبِيحَتِه، رَجُلًا كان أو امْرأَةُ، بالِغًا أو صَبِيًّا، حُرًّا (٢) أو عَبْدًا، لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نحفظُ عنه من أهلِ العِلْمِ، على إباحَةِ ذَبِيحَةِ المَرْأَةِ والصَّبِىِّ. وقد رُوِىَ أنّ جاريَةً لكَعْبِ بن مالِكٍ، كانت تَرْعَى غَنَمًا بسَلْعَ (٣)، فأُصِيبَت شاةٌ منها، فأَدْرَكَتْها فذَكَّتْها بحَجَرٍ، فسألَ النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: "كُلُوهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وفى هدا الحديثِ فوائِدُ سَبْعٌ، أحدُها، إباحَةُ ذَبيحَةِ المَرْأَةِ. والثانية، إباحَةُ ذَبيحَةِ الأَمَةِ. والثالِثَةُ، إباحَةُ ذَبِيحَةِ الحائِضِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَسْتَفْصِلْ. والرابِعَةُ، إباحَةُ الَذَّبْحِ بالحَجَرِ. والخامِسَةُ، إباحَةُ ذَبحِ ما خِيفَ عليه الموتُ. السادِسَةُ، حِلُّ ما يَذْبَحُه غيرُ مالِكِه بغيرِ إذْنِه. السابِعَةُ، إباحَةُ ذَبْحِه لغيرِ مالِكِه عندَ الخَوْفِ عليه. ويشترطُ أَنْ يكونَ عاقِلًا، فإنْ كان طِفْلًا، أو مَجْنُونًا، أو سَكْرانَ لا يَعْقِلُ، لم يَصِحَّ منه الذَّبْحُ. وبهذا قال مالِكٌ. وقال الشافِعِىُّ: لا يُعْتَبَرُ العقلُ. وله فيما إذا أرْسَلَ المجنونُ الكلبَ على صَيْدٍ وَجْهان. ولَنا، أَنَّ الذَّكاةَ يُعْتَبَرُ لها القَصْدُ، فيُعْتبَرُ لها العَقْلُ، كالعبادَةِ، فإنَّ مَنْ لا عَقْلَ له لا يَصِحُّ منه القَصْدُ، فيصيرُ ذَبْحُه كما لو وَقَعَت الحَدِيدَةُ بنَفْسِها على حَلْقِ شاةٍ فذَبَحَتْها. وقولُه: إذا سَمَّوْا أو نَسُوا التَّسْمِيَةَ. فالتَّسْمِيَةُ مُشْتَرَطَةٌ فى كلِّ ذابِح مع العَمْدِ، سَواءٌ كان مسلمًا أو كتابِيًّا، فإنْ تَرَكَ الكتابِىُّ التَّسْمِيَةَ عن عَمْدٍ، أو ذكرَ اسمَ غيرِ اللَّهِ، لم تَحِلَّ

стр. 7000

ذَبيحَتُه. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ. وبه قال النَّخَعِىُّ، والشافِعِىُّ، وحَمَّادٌ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومكحولٌ: إذا ذبَحَ النَّصْرانِىُّ باسْم المسيحِ حَلَّ، فإنَّ اللَّه تعالَى أحلَّ لنا ذَبِيحَتَه، وقد عَلِمَ أَنَّه سيقولُ ذلك. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٥). وقولُه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٦). والآيَةُ أُريدَ بها ما ذَبَحُوه بشَرْطِه كالمُسْلِمِ. فإنْ لم يُعْلَمْ أَسَمَّى الذّابِحُ أم لا؟ أو ذَكَرَ اسْمَ غيرِ اللَّه أَمْ لا؟ فَذَبِيحَتُه حَلالٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أباحَ لنا أَكلَ ما ذَبَحَه المسلمُ والكِتابِىُّ، وقد علم أَنَّنا لا نَقِفُ على كُلِّ ذابحٍ. وقد رُوِىَ عن عائِشَةَ، أنَّهُم قالُوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّ قَوْمًا حَدِيثى (٧) عَهْدٍ بشِرْكٍ، يأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لا نَدْرِى أَذكَرُوا اسمَ اللَّهِ عَلَيْه أَمْ لم يَذْكُرُوا؟ قال: "سَمُّوا أَنْتُمْ، وَكُلُوا". أخْرَجَه البخارِىُّ (٨). فصل: وإذا ذَبَحَ الكتابِىُّ ما حَرَّمَ اللَّهُ عليه، مثلَ كُلٍّ ذى ظُفْرٍ. قال قَتادَةُ: هى الإِيَّلُ (٩) والنَّعامُ والبَطُّ، وما ليس بمشقوقِ الأصابِعِ. أو ذبَحَ دابَّةً لها شحْمٌ محرَّمٌ عليه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ والْخِرَقِىِّ إباحَتُه؛ فإنَّ أحمدَ حَكَى عن مالِكٍ، فى اليهودِىِّ يذبَحُ الشَّاةَ، قال: لا يأْكُل من شَحْمِها. قال أحمدُ: هذا مَذْهَبٌ دَقِيقٌ. وظاهِرُ هذا أنَّه لم يَرَهُ صحيحًا. وهذا اختيارُ ابنِ حامِدٍ، وأبى الخَطَّاب. وذَهَبَ أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ، والقاضِى، إلى تَحْرِيمِها. وحَكاه التَّمِيمِىُّ عن الضَّحَّاك، ومُجاهِد، وسَوَّارٍ. وهو (١٠) قولُ مالِكٍ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١١). وليس

стр. 7001

هذا من طَعامِهم. ولأنَّه جُزْءٌ من البَهِيمَةِ، لم يُبَحْ لذابِحها، فلم يُبَحْ لغيرِه، كالدَّمِ. ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللَّه بنُ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّىَ جِرابٌ من شَحْمٍ من قصرِ خيبرَ، فنَزَوْتُ لآخُذَه، فإذا رسولُ اللَّه ﷺ يَتَبَسَّمُ إلىّ. مُتَّفَقٌ عليه (١٢). ولأنَّها ذكاةٌ أباحَتِ اللَّحْمَ والجِلْدَ، فأباحَتِ الشَّحْمَ، كذكاةِ المسلمِ. والآيَةُ حُجَّةٌ لنا، فإنَّ مَعْنَى طعامِهم ذبائِحُهُم، كذلك فَسَّرَه العلماءُ، وقياسُهم يَنْتَقِضُ بما ذَبَحَه الغاصِبُ. فصل: وإِنْ ذَبَحَ شيئًا يزْعُمُ أَنَّه مُحَرَّمٌ عليه، ولم يثبُتْ، أَنَّه مُحَرَّمٌ عليه، حَلَّ (١٣)؛ لعمومِ الآيَةِ. وقولُه: إنَّه حرامٌ. غيرُ مَقبُولٍ. ١٧٣٣ - مسألة؛ قال: (فإنْ كَانَ أَخْرَسَ، أَوْمَأَ إلَى السَّمَاءِ) قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على إباحَةِ ذَبيحَةِ الأَخْرَسِ، منهم اللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، وقَتادَةَ، والحسنِ بن صالحٍ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُشِيرُ إلى السماءِ؛ لأنَّ إشارَتَه تقومُ مَقامَ نُطْقِ الناطِقِ، وإشارَتُه إلى السماءِ تَدُلُّ على قَصْدِه تَسْمِيَةَ الذى فى السماء. ونحو هذا قال الشَّعْبِىُّ. وقد دَلَّ على هذا حَدِيثُ أبى هُريرةَ أَنَّ رجُلًا أتَى النَّبِىَّ ﷺ بجارِيَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ عَلَى رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أفأَعْتِقُ هذه؟ فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "أَيْنَ اللَّهُ؟ ". فأشارَت إلى السَّماءِ، فقال: "مَنْ أَنَا؟ ". فأَشارَتْ بإصْبَعِها إلى رسولِ اللَّه ﷺ وإلى السماءِ، أَى أَنْتَ رسولُ اللَّهِ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَعْتِقْها، فإنَّها مُؤْمِنَةٌ". روَاه الإِمامُ أحمدُ، والقاضِى الْبرْتِىُّ (١)، فى "مُسْنَدَيْهِما" (٢). فحَكَمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بإيمانِها بإشارَتِها إلى السماءِ، تُرِيدُ أنّ اللَّه سبحانَه فيها، فأوْلَى (٣) أن يُكْتَفَى بذلك عَلَمًا على التَّسْمِيَةِ. ولو أنَّه أشارَ إشارَةً تدُلُّ على التَّسْمِيَةِ، وعُلِمَ ذلك، كان كافِيًا.

стр. 7002

١٧٣٤ - مسألة؛ قال: (وإِنْ كانَ جُنُبًا، جازَ أَنْ يُسَمِّىَ ويَذْبَحَ) وذلك أَنَّ الجُنُبَ تَجوزُ له التَّسْمِيَةُ، ولا يُمْنَعُ منها؛ لأَنَّه إنّما يُمْنَعُ (١) من القرآنِ، لا مِنَ الذِّكْرِ، ولهذا تُشْرَعُ له التَّسْمِيَةُ عند اغْتِسالِه، وليست الجَنَابَةُ أعْظمَ من الكُفرِ، والكافِرُ يُسَمِّى ويَذْبَح، وممَّنْ رَخَّصَ فى ذبْحِ الجنُبِ الحسنُ، والحَكَمُ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أعْلَمُ أحدًا مَنَعَ من ذلك. وتباحُ ذَبِيحَةُ الحائِضِ؛ لأنَّها فى مَعْنَى الجُنُبِ. فصل: والمُنْخَنِقَةُ، والمَوْقُوذَةُ، والمُتَرَدِّيَةُ، والنَّطِيحَةُ، وأَكِيلَةُ السَّبُعِ، وما أَصَابَها مَرَضٌ فماتَت به، مُحَرَّمَةٌ، إلَّا أَنْ تُدْرَكَ ذَكاتُها؛ لقولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢). وفى حَدِيثِ جارَيَةِ كَعْبٍ، أنَّها أُصِيبَت شاةٌ من غَنَمِها، فأَدْرَكَتْها، فذَبَحَتْها بحَجَرٍ، فسألَ النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: "كُلُوهَا" (٣). فإنْ كانَتْ لم يَبْقَ مِن حَياتِها إلَّا مثلُ حَرَكَةِ المَذْبوحِ، لم تُبَحْ (٤) بالذَّكاةِ؛ لأنَّه لو ذَبَحَ ما ذَبَحَه المَجُوسِىىُّ، لم يُبَحْ، وإِنْ أَدْرَكَها وفيها حَياةٌ مُسْتقِرَّةٌ، بحيث يُمْكِنُه ذَبْحُها، حَلَّتْ؛ لعُمومِ الآيَةِ والخبَرِ. وسواءٌ كانت قد انْتَهت إلى حالٍ يَعْلَمُ أنَّها لا تَعِيشُ معه أو تعيشُ؛ لعُمومِ الآيةِ والخبرِ، ولأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَسْألْ، ولم يَسْتَفْصِلْ. وقد قال ابنُ عبَّاسٍ، فى ذِئْبٍ عَدَا على شاةٍ، فعَقَرَها، فوَقعَ قَصَبُها بالأرضِ، فأَدْرَكَها، فذَبَحَها بحَجَرٍ، قال: يُلْقِى ما أَصابَ الأرْضَ، ويأْكُلُ سائِرَها (٥). وقال أحمدُ فى بهيمَةٍ عَقَرَتْ بَهِيمَةً، حتّى تَبَيَّنَ فيها آثارُ الموتِ، إلَّا أَنَّ فيها الرُّوحَ. يعنى فذُبحَتْ: فقال: إذا مَصَعَتْ (٦) بذَنَبِها، وطَرَفَتْ بِعَيْنِها، وسالَ الدَّمُ، فأرْجُو إنْ شاءَ اللَّه تعالى أَنْ لا يكونَ بأَكْلِها بَأْسٌ. ورَوَى ذلك بإسْنادِه عن عُبَيْدِ (٧) بنِ عُمَيْرٍ، وطاوُسٍ. وقالا: تَحَرَّكَت. ولم يَقُولا: سالَ الدَّمُ. وهذا

стр. 7003

على مَذْهبِ أبى حَنِيفَةَ. وقال إسماعيلُ بنُ سعيد: سأَلْتُ احْمَدَ عن شاةٍ مَرِيضَةٍ، خافُوا عليها الموتَ، فذَبَحُوها، فلم يُعْلَمْ منها أَكْثَرُ من أَنَّها طَرَفَت بِعَيْنِها، أو حَرَّكَت يَدَها أو رِجْلَها أو ذَنَبَها بضَعْفٍ، فنَهَرَ الدَّمُ؟ قال: فلا بَأْسَ به. وقال ابنُ أبى مُوسَى: إذا انْتَهَت إلى حَدٍّ لا تَعِيشُ معه، لم تُبَحْ بالذَّكاةِ. ونَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا شَقَّ الذئبُ بَطْنَها، فخَرَجَ قَصَبُها، فذَ بَحها، لا تُؤْكَل. وقال: إنْ كان يَعْلَمُ أَنَّها تموتُ من عَقْرِ السَّبُعِ، فلا تُؤْكَلُ وإِنْ ذَكَّاها. وقد يخافُ على الشاةِ الموتَ من العِلَّةِ والشىءِ يُصِيبُها، فيُبادِرُها فيَذْبَحُها، فيأْكُلُها. وليس هذا مثلَ هذه، لا يَدْرِى، لَعَلَّها تَعِيشُ، والتى قد خَرَجَت أمعاؤُها، يَعْلَمُ أنَّها لا تَعِيشُ. وهذا قولُ أبى يوسفَ. والأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، انْتَهَى به الجُرْحُ إلى حَدٍّ عَلِمَ أنَّه لا يَعِيشُ معه، فوَصَّى، فقُبلَت وَصايَاهُ، ووَجَبَت العبادَةُ عليه، وفيما ذَكَرْنا من عُمومِ الآيةِ والخبَرِ، وكَوْنِ النَّبِىّ ﷺ لم يَسْتَفْصِلْ فى حَديثِ جارِيَةِ كَعْبٍ، ما يَرُدُّ هذا، وتُحْمَلُ نُصوصُ (٨) أحمدَ، على شاةٍ خَرَجَت أمعاؤُها، وبانَتْ منها، فَتِلك لا تَحِلُّ بالذَّكاة؛ لأنَّها فى حُكْمِ المَيِّتِ (٩)، ولا تَبْقَى حَرَكَتُه! إلَّا كَحَرَكَةِ المَذبُوحِ، فأمَّا ما خَرَجَت أمْعاؤُها، ولم تَبِنْ منها، فهى فى حُكْمِ الحياةِ تُباحُ بالذَّبْحِ، ولهذا قال الْخِرَقِىُّ، فى مَن شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ، فأَخْرَجَ حِشْوَتَه، فَقَطَعَها فأَبَانَها، ثمَّ ضَرَبَ عُنُقَه آخَرُ، فالقاتِلُ هو الأوَّلُ. ولو شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ، وضَرَبَ عُنُقَه آخرُ، فالقاتِلُ هو الثانِى. وقال بعضُ أصحابِنا: إذا كانتْ تَعِيشُ مُعْظَمَ اليومِ، حَلَّت بالذَّكاةِ. وهذا التَّحْدِيدُ بَعِيدٌ، يُخالِفُ ظواهِرَ النُّصوصِ، ولا سَبِيلَ إلى معرفَتِه. وقولُه فى حديثِ جارَيةِ كَعْبٍ: فأَدْرَكَتْها فَذَكَّتْها بحجَرٍ. يَدُلُّ على أَنَّها بادَرَتْها بالذَّكاةِ حين خافَتْ مَوْتَها فى ساعَتِها. والصَّحيحُ أَنَّها إذا كانت تعيشُ زَمَنًا يكونُ الموتُ بالذَّبْحِ أسرعَ منه، حَلَّتْ بالذَّبْحِ، وأَنَّها متى (١٠) كانَتْ ممَّا لا يُتَيَقَّنُ مَوْتُها، كالمَرِيضَةِ، أنَّها مَتَى تَحَرَّكَتْ، وسالَ دَمُها، حَلَّتْ. واللَّه أَعْلَمُ.

стр. 7004

١٧٣٥ - مسألة؛ قال: (والْمُحَرَّمُ مِنَ الْحَيَوَانِ، مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِى كِتَابِهِ، وَمَا كَانتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ طَيِّبًا فَهُوَ حَلَالٌ، ومَا كَانَتْ تُسَمِّيهِ خَبِيثًا، فَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١)) يَعْنِى بقولِه: ما سَمَّى اللَّه تعالَى فى كِتابه. قولَه سبحانَه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢). وما عدا هذا، فما استطابَتْه العَرَبُ، فهو حَلالٌ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾. يعنى ما (٣) يَسْتَطِيبُونَه دونَ الحلالِ، بدليلِ قولِه فى الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٤). ولو أَرادَ الحلالَ لم يكُنْ ذلك جوابًا لهم. وما اسْتَخْبَثَتْه العربُ، فهو مُحَرَّمٌ؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. والذين تُعْتَبَرُ اسْتِطابَتُهم واسْتِخْباثُهم هم أهلُ الحِجازِ، من أهلِ الأَمْصَارِ؛ لأنَّهم الذين نَزَلَ عليهم الكتابُ، وخُوطِبُوا به وبالسُّنَّةِ، فرُجِعَ فى مُطْلَقِ ألفاظِهما (٥) إلى عُرْفِهم دونَ غيرِهم، ولم يُعْتبَرْ أهلُ البَوادِى؛ لأنَّهم للضرورَةِ والْمَجاعَةِ يأكُلُون ما وَجَدُوا، ولهذا سُئِلَ (٦) بَعْضُهُم عمَّا يأْكُلونَ؛ فقالَ: ما دَبَّ ودَرَجَ، إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ (٧). فقال: لِتَهْنِ أُمَّ حُبَيْنٍ العافِيَةُ. وما وُجِدَ فى أمْصارِ المسلمين، ممَّا لا يَعْرِفُه أهلُ الحِجازِ، رُدَّ إلى أقْرَبِ ما يُشْبِهُه فى الحِجازِ، فإنْ لم يُشْبِهْ شيئًا منها، فهو مُباحٌ؛ لدُخولِه فى عمومِ قولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِى مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. الآية (٨)، ولِقَوْلِ النَّبِىّ ﷺ : "وَمَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ" (٩). إذا ثَبَت هذا، فمِنَ المُسْتَخْبَثاتِ الحَشَراتُ، كالديدانِ، والجُعْلانِ،

стр. 7005

وبناتِ وَرْدَان، والْخَنافِسِ، والفَأْرِ، والأَوْزاغِ، والْحِرْباءِ، والعِظَاةِ (١٠)، والجَراذِينِ، والعَقارِبِ، والحَيَّاتِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. ورَخَّصَ مالِكٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، والأَوْزَاعِىُّ، فى ذلك (١١) كُلِّه، إلَّا الأَوْزاغَ، فإنَّ ابن عبدِ البَرِّ قال: هو مُجْمَعٌ على تَحْرِيمِه. وقال مالِكٌ: الحَيَّةُ حَلالٌ إذا ذُكِّيَتْ. واحْتَجُّوا بعُمومِ الآيَةِ المُبِيحَةِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "خَمْسٌ فَواسِقُ، يُقْتَلْنَ فِى الْحِلِّ والْحَرَمِ؛ الْعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والغُرابُ، والحِدَأَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ" (١٢). وفى حديثٍ: "الحيّةُ" مكان: "الفَأرَة". ولو كانتْ مِن الصَّيْد المُباحِ، لم يُبَحْ قَتْلُها، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١٣). وقال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١٤). ولأنّها مُسْتَخْبَثَةٌ، فحُرِّمَتْ (١٥)، كالوزَغِ، أو مأْمورٌ بقَتْلِها، فأشْبَهَت الوَزَغَ. فصل: والقُنْفُذُ حَرامٌ. قال أبو هُرَيْرَة: هو حَرامٌ. وكرِهَهُ مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ. ورَخَّصَ فيه الشافِعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو ثَورٍ. ولَنا، أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال: ذُكِرَ القُنْفُذُ لرسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "هُوَ خَبِيثٌ مِنَ الْخَبَائِثِ". روَاه أبو داود (١٦). ولأنَّه يُشْبِهُ المُحرَّمات، ويأكلُ الحَشَراتِ، فأَشْبه الجُرَذَ. ١٧٣٦ - مسألة؛ قال: (وبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ) أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ تَحْريمَ الْحُمُرِ الأَهلِيَّةِ. قال أحمدُ: خمسةَ عشرَ من أصْحابِ
следующие страницы →