← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

هذا من طَعامِهم. ولأنَّه جُزْءٌ من البَهِيمَةِ، لم يُبَحْ لذابِحها، فلم يُبَحْ لغيرِه، كالدَّمِ. ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللَّه بنُ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّىَ جِرابٌ من شَحْمٍ من قصرِ خيبرَ، فنَزَوْتُ لآخُذَه، فإذا رسولُ اللَّه ﷺ يَتَبَسَّمُ إلىّ. مُتَّفَقٌ عليه (١٢). ولأنَّها ذكاةٌ أباحَتِ اللَّحْمَ والجِلْدَ، فأباحَتِ الشَّحْمَ، كذكاةِ المسلمِ. والآيَةُ حُجَّةٌ لنا، فإنَّ مَعْنَى طعامِهم ذبائِحُهُم، كذلك فَسَّرَه العلماءُ، وقياسُهم يَنْتَقِضُ بما ذَبَحَه الغاصِبُ. فصل: وإِنْ ذَبَحَ شيئًا يزْعُمُ أَنَّه مُحَرَّمٌ عليه، ولم يثبُتْ، أَنَّه مُحَرَّمٌ عليه، حَلَّ (١٣)؛ لعمومِ الآيَةِ. وقولُه: إنَّه حرامٌ. غيرُ مَقبُولٍ. ١٧٣٣ - مسألة؛ قال: (فإنْ كَانَ أَخْرَسَ، أَوْمَأَ إلَى السَّمَاءِ) قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على إباحَةِ ذَبيحَةِ الأَخْرَسِ، منهم اللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، وقَتادَةَ، والحسنِ بن صالحٍ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُشِيرُ إلى السماءِ؛ لأنَّ إشارَتَه تقومُ مَقامَ نُطْقِ الناطِقِ، وإشارَتُه إلى السماءِ تَدُلُّ على قَصْدِه تَسْمِيَةَ الذى فى السماء. ونحو هذا قال الشَّعْبِىُّ. وقد دَلَّ على هذا حَدِيثُ أبى هُريرةَ أَنَّ رجُلًا أتَى النَّبِىَّ ﷺ بجارِيَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ عَلَى رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أفأَعْتِقُ هذه؟ فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "أَيْنَ اللَّهُ؟ ". فأشارَت إلى السَّماءِ، فقال: "مَنْ أَنَا؟ ". فأَشارَتْ بإصْبَعِها إلى رسولِ اللَّه ﷺ وإلى السماءِ، أَى أَنْتَ رسولُ اللَّهِ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَعْتِقْها، فإنَّها مُؤْمِنَةٌ". روَاه الإِمامُ أحمدُ، والقاضِى الْبرْتِىُّ (١)، فى "مُسْنَدَيْهِما" (٢). فحَكَمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بإيمانِها بإشارَتِها إلى السماءِ، تُرِيدُ أنّ اللَّه سبحانَه فيها، فأوْلَى (٣) أن يُكْتَفَى بذلك عَلَمًا على التَّسْمِيَةِ. ولو أنَّه أشارَ إشارَةً تدُلُّ على التَّسْمِيَةِ، وعُلِمَ ذلك، كان كافِيًا.

стр. 7002

١٧٣٤ - مسألة؛ قال: (وإِنْ كانَ جُنُبًا، جازَ أَنْ يُسَمِّىَ ويَذْبَحَ) وذلك أَنَّ الجُنُبَ تَجوزُ له التَّسْمِيَةُ، ولا يُمْنَعُ منها؛ لأَنَّه إنّما يُمْنَعُ (١) من القرآنِ، لا مِنَ الذِّكْرِ، ولهذا تُشْرَعُ له التَّسْمِيَةُ عند اغْتِسالِه، وليست الجَنَابَةُ أعْظمَ من الكُفرِ، والكافِرُ يُسَمِّى ويَذْبَح، وممَّنْ رَخَّصَ فى ذبْحِ الجنُبِ الحسنُ، والحَكَمُ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أعْلَمُ أحدًا مَنَعَ من ذلك. وتباحُ ذَبِيحَةُ الحائِضِ؛ لأنَّها فى مَعْنَى الجُنُبِ. فصل: والمُنْخَنِقَةُ، والمَوْقُوذَةُ، والمُتَرَدِّيَةُ، والنَّطِيحَةُ، وأَكِيلَةُ السَّبُعِ، وما أَصَابَها مَرَضٌ فماتَت به، مُحَرَّمَةٌ، إلَّا أَنْ تُدْرَكَ ذَكاتُها؛ لقولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢). وفى حَدِيثِ جارَيَةِ كَعْبٍ، أنَّها أُصِيبَت شاةٌ من غَنَمِها، فأَدْرَكَتْها، فذَبَحَتْها بحَجَرٍ، فسألَ النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: "كُلُوهَا" (٣). فإنْ كانَتْ لم يَبْقَ مِن حَياتِها إلَّا مثلُ حَرَكَةِ المَذْبوحِ، لم تُبَحْ (٤) بالذَّكاةِ؛ لأنَّه لو ذَبَحَ ما ذَبَحَه المَجُوسِىىُّ، لم يُبَحْ، وإِنْ أَدْرَكَها وفيها حَياةٌ مُسْتقِرَّةٌ، بحيث يُمْكِنُه ذَبْحُها، حَلَّتْ؛ لعُمومِ الآيَةِ والخبَرِ. وسواءٌ كانت قد انْتَهت إلى حالٍ يَعْلَمُ أنَّها لا تَعِيشُ معه أو تعيشُ؛ لعُمومِ الآيةِ والخبرِ، ولأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَسْألْ، ولم يَسْتَفْصِلْ. وقد قال ابنُ عبَّاسٍ، فى ذِئْبٍ عَدَا على شاةٍ، فعَقَرَها، فوَقعَ قَصَبُها بالأرضِ، فأَدْرَكَها، فذَبَحَها بحَجَرٍ، قال: يُلْقِى ما أَصابَ الأرْضَ، ويأْكُلُ سائِرَها (٥). وقال أحمدُ فى بهيمَةٍ عَقَرَتْ بَهِيمَةً، حتّى تَبَيَّنَ فيها آثارُ الموتِ، إلَّا أَنَّ فيها الرُّوحَ. يعنى فذُبحَتْ: فقال: إذا مَصَعَتْ (٦) بذَنَبِها، وطَرَفَتْ بِعَيْنِها، وسالَ الدَّمُ، فأرْجُو إنْ شاءَ اللَّه تعالى أَنْ لا يكونَ بأَكْلِها بَأْسٌ. ورَوَى ذلك بإسْنادِه عن عُبَيْدِ (٧) بنِ عُمَيْرٍ، وطاوُسٍ. وقالا: تَحَرَّكَت. ولم يَقُولا: سالَ الدَّمُ. وهذا

стр. 7003

على مَذْهبِ أبى حَنِيفَةَ. وقال إسماعيلُ بنُ سعيد: سأَلْتُ احْمَدَ عن شاةٍ مَرِيضَةٍ، خافُوا عليها الموتَ، فذَبَحُوها، فلم يُعْلَمْ منها أَكْثَرُ من أَنَّها طَرَفَت بِعَيْنِها، أو حَرَّكَت يَدَها أو رِجْلَها أو ذَنَبَها بضَعْفٍ، فنَهَرَ الدَّمُ؟ قال: فلا بَأْسَ به. وقال ابنُ أبى مُوسَى: إذا انْتَهَت إلى حَدٍّ لا تَعِيشُ معه، لم تُبَحْ بالذَّكاةِ. ونَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا شَقَّ الذئبُ بَطْنَها، فخَرَجَ قَصَبُها، فذَ بَحها، لا تُؤْكَل. وقال: إنْ كان يَعْلَمُ أَنَّها تموتُ من عَقْرِ السَّبُعِ، فلا تُؤْكَلُ وإِنْ ذَكَّاها. وقد يخافُ على الشاةِ الموتَ من العِلَّةِ والشىءِ يُصِيبُها، فيُبادِرُها فيَذْبَحُها، فيأْكُلُها. وليس هذا مثلَ هذه، لا يَدْرِى، لَعَلَّها تَعِيشُ، والتى قد خَرَجَت أمعاؤُها، يَعْلَمُ أنَّها لا تَعِيشُ. وهذا قولُ أبى يوسفَ. والأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، انْتَهَى به الجُرْحُ إلى حَدٍّ عَلِمَ أنَّه لا يَعِيشُ معه، فوَصَّى، فقُبلَت وَصايَاهُ، ووَجَبَت العبادَةُ عليه، وفيما ذَكَرْنا من عُمومِ الآيةِ والخبَرِ، وكَوْنِ النَّبِىّ ﷺ لم يَسْتَفْصِلْ فى حَديثِ جارِيَةِ كَعْبٍ، ما يَرُدُّ هذا، وتُحْمَلُ نُصوصُ (٨) أحمدَ، على شاةٍ خَرَجَت أمعاؤُها، وبانَتْ منها، فَتِلك لا تَحِلُّ بالذَّكاة؛ لأنَّها فى حُكْمِ المَيِّتِ (٩)، ولا تَبْقَى حَرَكَتُه! إلَّا كَحَرَكَةِ المَذبُوحِ، فأمَّا ما خَرَجَت أمْعاؤُها، ولم تَبِنْ منها، فهى فى حُكْمِ الحياةِ تُباحُ بالذَّبْحِ، ولهذا قال الْخِرَقِىُّ، فى مَن شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ، فأَخْرَجَ حِشْوَتَه، فَقَطَعَها فأَبَانَها، ثمَّ ضَرَبَ عُنُقَه آخَرُ، فالقاتِلُ هو الأوَّلُ. ولو شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ، وضَرَبَ عُنُقَه آخرُ، فالقاتِلُ هو الثانِى. وقال بعضُ أصحابِنا: إذا كانتْ تَعِيشُ مُعْظَمَ اليومِ، حَلَّت بالذَّكاةِ. وهذا التَّحْدِيدُ بَعِيدٌ، يُخالِفُ ظواهِرَ النُّصوصِ، ولا سَبِيلَ إلى معرفَتِه. وقولُه فى حديثِ جارَيةِ كَعْبٍ: فأَدْرَكَتْها فَذَكَّتْها بحجَرٍ. يَدُلُّ على أَنَّها بادَرَتْها بالذَّكاةِ حين خافَتْ مَوْتَها فى ساعَتِها. والصَّحيحُ أَنَّها إذا كانت تعيشُ زَمَنًا يكونُ الموتُ بالذَّبْحِ أسرعَ منه، حَلَّتْ بالذَّبْحِ، وأَنَّها متى (١٠) كانَتْ ممَّا لا يُتَيَقَّنُ مَوْتُها، كالمَرِيضَةِ، أنَّها مَتَى تَحَرَّكَتْ، وسالَ دَمُها، حَلَّتْ. واللَّه أَعْلَمُ.

стр. 7004

١٧٣٥ - مسألة؛ قال: (والْمُحَرَّمُ مِنَ الْحَيَوَانِ، مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِى كِتَابِهِ، وَمَا كَانتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ طَيِّبًا فَهُوَ حَلَالٌ، ومَا كَانَتْ تُسَمِّيهِ خَبِيثًا، فَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١)) يَعْنِى بقولِه: ما سَمَّى اللَّه تعالَى فى كِتابه. قولَه سبحانَه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢). وما عدا هذا، فما استطابَتْه العَرَبُ، فهو حَلالٌ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾. يعنى ما (٣) يَسْتَطِيبُونَه دونَ الحلالِ، بدليلِ قولِه فى الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٤). ولو أَرادَ الحلالَ لم يكُنْ ذلك جوابًا لهم. وما اسْتَخْبَثَتْه العربُ، فهو مُحَرَّمٌ؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. والذين تُعْتَبَرُ اسْتِطابَتُهم واسْتِخْباثُهم هم أهلُ الحِجازِ، من أهلِ الأَمْصَارِ؛ لأنَّهم الذين نَزَلَ عليهم الكتابُ، وخُوطِبُوا به وبالسُّنَّةِ، فرُجِعَ فى مُطْلَقِ ألفاظِهما (٥) إلى عُرْفِهم دونَ غيرِهم، ولم يُعْتبَرْ أهلُ البَوادِى؛ لأنَّهم للضرورَةِ والْمَجاعَةِ يأكُلُون ما وَجَدُوا، ولهذا سُئِلَ (٦) بَعْضُهُم عمَّا يأْكُلونَ؛ فقالَ: ما دَبَّ ودَرَجَ، إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ (٧). فقال: لِتَهْنِ أُمَّ حُبَيْنٍ العافِيَةُ. وما وُجِدَ فى أمْصارِ المسلمين، ممَّا لا يَعْرِفُه أهلُ الحِجازِ، رُدَّ إلى أقْرَبِ ما يُشْبِهُه فى الحِجازِ، فإنْ لم يُشْبِهْ شيئًا منها، فهو مُباحٌ؛ لدُخولِه فى عمومِ قولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِى مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. الآية (٨)، ولِقَوْلِ النَّبِىّ ﷺ : "وَمَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ" (٩). إذا ثَبَت هذا، فمِنَ المُسْتَخْبَثاتِ الحَشَراتُ، كالديدانِ، والجُعْلانِ،

стр. 7005

وبناتِ وَرْدَان، والْخَنافِسِ، والفَأْرِ، والأَوْزاغِ، والْحِرْباءِ، والعِظَاةِ (١٠)، والجَراذِينِ، والعَقارِبِ، والحَيَّاتِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. ورَخَّصَ مالِكٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، والأَوْزَاعِىُّ، فى ذلك (١١) كُلِّه، إلَّا الأَوْزاغَ، فإنَّ ابن عبدِ البَرِّ قال: هو مُجْمَعٌ على تَحْرِيمِه. وقال مالِكٌ: الحَيَّةُ حَلالٌ إذا ذُكِّيَتْ. واحْتَجُّوا بعُمومِ الآيَةِ المُبِيحَةِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "خَمْسٌ فَواسِقُ، يُقْتَلْنَ فِى الْحِلِّ والْحَرَمِ؛ الْعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والغُرابُ، والحِدَأَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ" (١٢). وفى حديثٍ: "الحيّةُ" مكان: "الفَأرَة". ولو كانتْ مِن الصَّيْد المُباحِ، لم يُبَحْ قَتْلُها، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١٣). وقال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١٤). ولأنّها مُسْتَخْبَثَةٌ، فحُرِّمَتْ (١٥)، كالوزَغِ، أو مأْمورٌ بقَتْلِها، فأشْبَهَت الوَزَغَ. فصل: والقُنْفُذُ حَرامٌ. قال أبو هُرَيْرَة: هو حَرامٌ. وكرِهَهُ مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ. ورَخَّصَ فيه الشافِعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو ثَورٍ. ولَنا، أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال: ذُكِرَ القُنْفُذُ لرسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "هُوَ خَبِيثٌ مِنَ الْخَبَائِثِ". روَاه أبو داود (١٦). ولأنَّه يُشْبِهُ المُحرَّمات، ويأكلُ الحَشَراتِ، فأَشْبه الجُرَذَ. ١٧٣٦ - مسألة؛ قال: (وبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ) أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ تَحْريمَ الْحُمُرِ الأَهلِيَّةِ. قال أحمدُ: خمسةَ عشرَ من أصْحابِ

стр. 7006

النبىِّ ﷺ كَرِهُوها. قال ابنُ عبدِ البرِّ: لا خلافَ بين عُلَماءِ المسلمين اليومَ فى تَحْريمِها. وحُكِىَ عن ابنِ عبَّاس، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما كانا يقُولان بظاهِر قولِه سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِى مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١) وتَلاها ابنُ عبَّاسٍ، وقال: ما خَلَا هذا، فهُوَ حَلالٌ (٢). وسُئِلَت عائِشَةُ، رضِىَ اللَّه عنها، عن الفأرَةِ، فقالت: ما هى بحرامٍ. وتَلَتْ هذه الآية. ولم يَر عِكْرِمَةُ وأبو وائِل بأَكْلِ الحُمُرِ بَأْسًا، وقد رُوِىَ عن غالبِ بن أبْجَرَ (٣) قال: أَصابَتْنا سنةٌ فقلت: يا رَسُولَ اللَّه، أصابَتْنا سنةٌ، ولم يكنْ فى مالِى ما أُطْعِمُ أَهْلِى إلّا سِمانٌ حُمُرٌ، وأنَّك حَرَّمْتَ لُحومَ الحُمُرِ الأَهْلِيّة. فقال: "أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أجْلِ جَوَالِّ (٤) الْقَرْيَةِ" (٥). ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى يومَ خَيْبَرَ عن لُحومِ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ، وأَذنَ فى لُحومِ الخيلِ. مُتَّفَقٌ عليه (٦). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ورَوَى عن النبىِّ ﷺ تَحْرِيمَ الحُمُرِ الأهْلِيَّة علىٌّ، وعبدُ اللَّه بنُ عمرَ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو، وجابِرٌ، والبَراءُ، وعبدُ اللَّه بنُ أبى أوْفَى، وانسٌ، وزاهِرٌ الأسْلَمِىُّ، بأسانِيدَ صِحاحٍ حِسانٍ، وحديثُ غالِبِ بنِ أبْجَرَ لا يُعرَّجُ على مِثْلِه مع ما عارَضَه. ويَحْتَمِلُ أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ رَخَّصَ لهم فى مَجاعَتِهم، وبَيَّنَ عِلَّةَ تَحْرِيمها المُطْلَقِ، لكونِها تَأكُلُ العَذِراتِ. قال

стр. 7007

عبدُ اللَّه بنُ أبى أَوْفَى: حَرَّمَها رسولُ اللَّه ﷺ الْبتَّةَ، من أجلِ أنَّها تأكُلُ العَذِرَةَ. متَّفقٌ عليه (٧). فصل: والبِغالُ حرامٌ عندَ كلِّ مَنْ حَرَّمَ الحُمُرَ الأَهْلِيَّةَ؛ لأنَّها مُتَولِّدَةٌ منها، والمُتَولِّدُ من الشىءِ له حُكْمُه فى التَّحْريمِ. وهكذا إنْ تَوَلَّدَ من بينِ الإِنْسِىِّ والوَحْشِىِّ وَلَدٌ، فهو مُحَرَّمٌ، تَغْليبًا للتَّحْريمِ، والسِّمْعُ المُتَولِّدُ من بينِ الذِّئْبِ والضَّبُعِ، مُحَرَّمٌ. قال قتادَةُ: ما البَغْلُ إلَّا شىءٌ من الحمارِ. وعن جابِرِ قال: ذَبَحْنا يومَ خَيْبَرَ الخيلَ والبِغالَ والحميرَ، فنَهانَا رسولُ اللَّهِ ﷺ عن البِغالِ والحميرِ، ولم يَنْهَنا عن الخَيْلِ (٨). فصل: وأَلْبانُ الْحُمُرِ مُحَرَّمَةٌ، فى قولِ أكثرِهم. ورَخَّصَ فيها عَطاءٌ، وطاوسٌ، والزُّهْرِىُّ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ حكمَ الأَلْبانِ حُكْمُ اللُّحْمانِ. ١٧٣٧ - مسألة؛ قال: (وَكُلُّ ذِى نَابٍ مِنَ السِّباعِ، وَهِىَ الَّتِى تَضْرِبُ بأنْيَابِهَا الشَّىْءَ وتَفْرِسُ) أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ تحريمَ كُلِّ ذى نابٍ قَوِىٍّ من السِّباعِ، يَعْدُو به ويَكْسِرُ، إلَّا الضَّبعَ، منهم مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الحديثِ، وأبو حَنِيفَةَ وأصحابُه. وقال الشَّعْبِىُّ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، وبعضُ أصحابِ مالِكٍ: هو مُباحٌ؛ لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِى مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (١). وقولِه

стр. 7008

سبحانَه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٢). ولَنا، ما رَوَى أبو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِىُّ، قال: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن أكلِ كُلِّ ذِى نابٍ من السِّباعِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وقال أبو هُرَيْرَة: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أَكْلُ كُلِّ ذِى نابٍ من السِّباعِ حَرامٌ" (٤). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حَدِيثٌ ثابِتٌ صَحِيحٌ مُجْمَعٌ على صِحَّتِه. وهذا نصٌّ صريحٌ يخُصُّ عمومَ الآياتِ، فيدخلُ فى هذا الأسَدُ، والنَّمِرُ، والفَهْدُ، والذِّئبُ، والكلبُ، والخِنْزيرُ. وقد رُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ يتَدَاوَى بلَحْمِ الكلبِ؟ فقال: لا شَفاهُ اللَّه. وهذ! يدلُّ على أنَّه رَأَى تحرِيمَه. فصل: ولا يُباحُ أَكْلُ القِرْدِ. وكَرِهَهُ ابنُ (٥) عمرَ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومكحولٌ، والحسنُ، ولم يُجِيزُوا بَيْعَه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ بين عُلَماءِ المسلمين خِلافًا أَنَّ القِرْدَ لا يُؤْكَلُ، ولا يجوزُ بَيْعُه. وَرُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن لحمِ القِرْدِ (٦). ولأنَّه سَبُعٌ، فيدْخُلُ فى عُمومِ الخبرِ، وهو مَسْخٌ أيضًا، فيكونُ من الْخَبائِثِ المُحرَّمَةِ. فصل: وابنُ آوَى، والنِّمْسُ، وابنُ عِرْسٍ، حَرامٌ. سُئِلَ أحمدُ عن ابنِ آوَى وابنِ عِرْسٍ فقال: كُلُّ شىءٍ يَنْهَشُ بأنْيابِه فهو (٥) من السِّباعِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصحابُه.

стр. 7009

وقال الشافِعِىُّ: ابنُ عِرْسٍ حَلالٌ (٧)؛ لأنَّه ليس له نابٌ قَوِىٌّ، فأشْبَهَ الضَّبَّ. ولأصْحابِه فى ابنِ آوى وَجْهان. ولَنا، أنَّها من السِّباعِ، فتَدْخُلُ فى عُمومِ النَّهىِ، ولأَنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، غيرُ مستطابَةٍ، فإنّ ابنَ آوَى يُشْبِهُ الكلبَ، ورائِحَتُه كرِيهَة، فيدْخُلُ فى عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٨). فصل: واخْتَلَفَت الرِّوايَةُ فى الثَّعْلَبِ، فأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ تَحْرِيمُه. وهذا قولُ أبى هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه سَبُعٌ، فيدخُلُ فى عُمومِ النَّهْىِ. ونُقِلَ عن أحمدَ إباحَتُه. اخْتارَه الشريفُ أبو جعفرٍ. ورَخَّصَ فيه عَطاءٌ، وطاوسٌ، وقَتادَةُ، والليثُ، وسفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، والشافِعِىُّ؛ لأنَّه يُفْدَى فى الإِحْرامِ والْحَرَم. قال أحمدُ وعطاءٌ: كُلُّ ما يُودَى إذا أصابَه الْمُحْرِمُ، فإنَّه يُؤْكَلُ. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ فى سِنَّوْرِ البَرِّ، [كاخْتِلافِها فى الثَّعْلَبِ. والقَوْلُ فيه كالقَوْلِ فى الثعلَبِ. وللشافِعِىِّ فى سِنَّوْرِ البَرِّ] (٩) وَجْهان. فأمَّا الأَهْلِىُّ، فمُحَرَّمٌ فى قولِ إمامِنا، ومالِكٍ، وأبى حَنِيفَةَ، والشافِعِىِّ. وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى عن أَكلِ الْهِرِّ (١٠). فصل: والفِيِلُ مُحَرَّمٌ. قال أحمدُ: ليس هو من أَطْعِمَةِ المسلمين. وقال الحسنُ: هو مَسْخٌ. وكَرِهَه أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. ورَخَّصَ فى أَكلِه الشَّعْبِىُّ. ولَنا، نَهْىُ النَّبِىِّ ﷺ عن أَكْلِ كلَّ ذِى نابٍ من السِّباعِ. وهو من أعْظَمِها نابًا، ولأنَّه مُسْتَخْبَثٌ، فيدْخُلُ فى عُمومَ الآيَه المُحَرِّمَة. فصل: فأمّا الدُّبُّ، فينْظَرُ فيه؛ فإنْ كان ذا نابٍ يَفْرِسُ به، فهو مُحَرَّمٌ، وإلَّا فهو

стр. 7010

مُباحٌ. قال أحمد: إنْ لم يكُنْ له نابٌ، فلا بأسَ به. وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: هو سَبُعٌ؛ لأنَّه أشْبَهُ شىءٍ بالسِّباعِ، فلا يُؤْكَلُ. ولَنا، أَنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، ولم يتحقَّقْ وُجودُ المُحرِّمِ (١١)، فيَبْقَى على الأصْلِ، وشَبَهُه بالسِّباعِ إنَّما يُعْتبَرُ فى وُجودِ العِلَّة المُحرِّمَةِ، وهو كَوْنُه ذا نابٍ يَصِيدُ به ويَفْرِسُ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك، كان داخِلًا فى عُمومِ النُّصُوصِ الْمُبِيحةِ. واللَّهُ أعلمُ. ١٧٣٨ - مسألة؛ قال: (وكُلُّ ذِى مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَهِىَ الَّتِى تُعَلِّقُ بِمَخالِبِهَا الشَّىْءَ، وتَصِيدُ بِهَا) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبه قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزَاعِىُّ، ويَحْيَى بنُ سعيد: لا يَحْرُمُ من الطيرِ شىءٌ. قال مالِكٌ: لم أَرَ أحدًا من أهلِ العلمِ يكرَهُ سِباعَ الطَّيْرِ. واحْتَجُّوا بعُمومِ الآياتِ المُبِيحَةِ، وقولِ أبى الدَّرْداءِ وابنِ عبّاسٍ: [ما سَكَتَ اللَّهُ عَنْه، فهو ممَّا عَفَا عنه] (١). ولَنا، ما رَوَى ابنُ عبّاسٍ قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن كُلِّ ذِى ناب من السِّباعِ، كلِّ ذِى مِخْلَبٍ من الطَّيْرِ. وعن خالِد بنِ الوليد قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "حَرَامٌ عليكُم الحُمُرُ الأَهلِيَّةُ، وكُلُّ ذِى نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وكُلّ ذِى مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ". روَاهما أبو داودَ (٢). وهذا يَخُصُّ عمومَ الآياتِ، ويُقدَّمُ على ما ذَكَرُوه، فيدْخُلُ فى هذا كُلُّ مالَه مِخْلَبٌ يَعْدُو بِه، كالعُقابِ،

стр. 7011

والبازِىِّ، والصَّقْرِ، والشَّاهِين، والباشَقِ (٣)، والحِدَأَة، والبُومَةِ، وأَشْباهِها. فصل: ويَحْرُمُ منها ما يأكلُ الجِيَفَ، كالنُّسورِ والرَّخَم (٤)، وغُرابِ البَيْنِ، وهو أكبرُ الغِرْبان، والأَبقَع. قال عُرْوَةُ: ومَنْ يأْكُلُ الغُرابَ وقد سَمَّاه رسولُ اللَّه ﷺ فاسِقًا! واللَّهِ ما هو من الطَّيِّبات. ولَعَلَّه يعنى قولَ النَّبِىّ ﷺ : "خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فى الحِلِّ والحَرَمِ؛ الغُرابُ، والحِدَأةُ، والفأْرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ" (٥). فهذه الخَمسُ مُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّ النَّبِىِّ ﷺ أباحَ قَتْلَها فى الحَرَمِ، ولا يجوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مأكُولٍ فى الحرَمِ، ولان ما يُؤْكَلُ لا يحِلُّ قَتْلُه إذا قُدِرَ عليه، وإنَّما يُذْبحُ ويُؤْكَلُ. وسُئِلَ أحمدُ، عن العَقْعَقِ (٦)، فقال: إنْ [لم يكُنْ] (٧) يأكلُ الجِيَفَ، فلا بأس به. قال بعضُ أصْحابِنا: هو يأكُلُ الجِيَفَ، فيكونُ على هذا مُحَرَّمًا. فصل: ويَحْرُمُ الخُطَّافُ (٨)، والخُشَّافُ والخُفَّاشُ وهو الوَطْوَاطُ. قال الشاعر (٩): مثل النهارِ يزِيدُ أبْصارَ الوَرَى ... نُورًا ويُعْمِى أَعْيُنَ الخُفَّاشِ قال أحمدُ: ومَنْ يأكُلُ الخشافَ! وسُئِلَ عن الخُطَّافِ؟ فقال: لا أَدْرِى. وقال النَّخَعِىُّ: كُلُّ الطَّيْرِ حَلالٌ إلَّا الخُفَّاشَ. وإنّما حُرِّمَتْ هذه؛ لأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، لا تَسْتَطِيبُها العربُ، ولا تَأكُلُها. ويَحْرُمُ الزَّنابيرُ، واليَعاسِيبُ، والنَّحْلُ، وأشْباهُها؛ لأَنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، غيرُ مُسْتَطابَةٍ. فصل: وما عَدَا ما ذَكَرْنَاهُ، فهو مُباحٌ؛ لعُمومِ النُّصوصِ الدَّالَّةِ على الإِباحَةِ، من ذلك بَهِيمَةُ الأَنْعامِ، وهى الإِبلُ، والبقرُ، والغنمُ. قال اللَّه تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ

стр. 7012

الْأَنْعَامِ﴾ (١٠). ومن الصُّيُودِ الظِّباءُ، وحُمُرُ الوَحْشِ. وَقَدْ أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ أبا قَتادَةَ وأَصْحابَه بِأَكْلِ الحمارِ الذى صادَه (١١). كذلك بَقَرُ الوَحْش كُلُّها مُباحَةٌ، على اختلافِ أنواعِها، من الإِبلِ، والثَّيْتَلِ (١٢)، والوَعْلِ، والْمَهَا، وغيرِها من الصُّيودِ، كُلُّها مُباحَةٌ، وتُفْدَى فى الإِحْرامِ. ويُباحُ النَّعامُ، وقد قَضَى الصحابَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهمْ، فى النَّعامَةِ ببَدَنَةٍ (١٣). وهذا كُلّه مجمعٌ عليه، لا نَعْلَمُ فيه خلافًا، إلَّا ما يُرْوَى عن طَلْحَةَ بن مُصَرِّفٍ (١٤)، أنّ الحمارَ الوَحْشِىَّ اذا أَنسَ واعْتَلَفَ، فهو بمنزلَة الأَهْلِىّ. قال أحمدُ: وما ظَنَنْتُ أنَّه رُوِىَ فى هذا شىءٌ، وليس الأمْرُ عِنْدى كما قال. وأهلُ العِلْمِ على خِلافِه؛ لأنّ الظِّباءَ إذا تأنَّسَتْ لم تَحْرُمْ، والأهْلِىّ إذا تَوَحَّشَ لم يَحِلَّ، ولا يتغيَّرُ منها شىءٌ عن أصْلِه وما كان عليه. قال عَطاءٌ، فى حمارِ الوَحْشِ: إذا تَناسَلَ فى البُيوتِ، لا تَزُولُ عنه أسْماءُ الوَحْشِ. وسَأَلُوا أحمدَ عن الزَّرَافَةِ تُؤْكَلُ؟ قال: نَعَمْ. وهى دابَّةٌ تُشْبِه البعيرَ، إلَّا أَنَّ عُنُقَها أطولُ من عُنُقِه، وجِسْمَها أَلْطَفُ من جِسْمِه، وأعْلَى منه، ويَداهَا أَطْوَلُ من رِجْلَيْها. فصل: وتُباحُ لُحومُ الخيلِ كُلُّها، عِرَابِها وبَراذِيِنها. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال ابنُ سِيربنَ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، والحسنِ، وعَطاءٍ، والأسْوَدِ بن يَزِيدَ. وبه قال حَمَّادُ ابن زيدٍ، واللَّيْثُ، وابنُ المُبارَكِ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. قال سعيدُ بنُ جُبَيْر: ما أَكَلْتُ شيئًا أطْيَبَ (١٥) من مَعْرَفَةِ (١٦) بِرْذَوْنٍ. وحَرمَها أبو حنيفةَ. وكَرِهَه مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (١٧). وعن خالِدٍ

стр. 7013

قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "حَرَامٌ عَلَيْكُمُ الْحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ، وخَيْلُهَا، وبِغَالُهَا" (١٨). ولأنَّه دُون حافِرٍ، فأشْبَهَ الْحِمارَ. ولَنا، قَوْلُ جابِرٍ: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ يومَ خَيْبَرَ عن لُحومِ الحُمُر الأَهْلِيَّةِ، وأذِنَ فى لُحومِ الخَيْلِ. وقالتْ أسماءُ: نَحَرْنا فَرَسًا على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فأَكلْنَاه، ونَحْنُ بالمَدِينَةِ. مُتَّفَقٌ عليهما (١٩). ولأنَّه حيوانٌ طاهِرٌ مُسْتَطابٌ، ليس بذِى نابٍ (٢٠) ولا مِخْلَبٍ، فيَحِلُّ، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ، ولأنَّه داخلٌ فى عُمومِ الآيات والأخْبارِ المُبِيحَةِ. وأمّا الآيةُ فإنَّما يتعلَّقُون بدليلِ خِطابِها، وهم لا يقولُون به. وحديثُ خالدٍ، ليس له إسْنادٌ جَيِّدٌ. قاله أحمدُ. قال: وفيه رجلان لا يُعْرَفان، يَرْوِيه ثَوْرٌ عن رجُلٍ ليس بمعروفٍ. وقال: لا نَدَعُ أحادِيثَنا لمثلِ هذا الحديثِ المُنْكَرِ. فصل: والأرْنَبُ مُباحَةٌ، أَكلَها سعدُ بن أبى وَقَّاصٍ. ورَخَّصَ فيها أبو سعيدٍ، وعَطاءٌ، وابنُ المُسَيَّب، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نَعْلَم (٢١) قائِلًا بتَحْريمها، إلَّا شيئًا رُوِىَ عن عمرِو بن العاص (٢٢). وقد صَحَّ عن أَنَسٍ أنَّه قال: أنْفَجْنَا (٢٣) أَرْنَبًا، فسَعَى القومُ فلَغَبُوا (٢٤)، فأخذتُها، فجِئْتُ بها إِلَى أبى طَلْحَةَ، فذَبَحَها فبَعَثَ بوَرِكِها -أو قال- فَخِذِها إلى النَّبِىِّ ﷺ فقَبِلَه. مُتَّفَقٌ عليه (٢٥). وعن

стр. 7014

محمدِ بن صَفْوانَ، [أو صَفْوانَ] (٢٦) بنِ محمد (٢٧)، قال: صِدْتُ أَرْنَبَيْن، فَذَبَحْتُهما بمَرْوَةٍ، فسأَلْتُ رسول اللَّه ﷺ ، فأَمَرَنِى بأَكْلِهِما. رَواه أبو داودَ (٢٨). ولأَنَّها حَيَوانٌ مستطابٌ، ليس بذِى نابٍ؛ فأشْبَهَ الظَّبْىَ. فصل: ويُباحُ الوَبْرُ (٢٩). وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، وعمرُو بن دينارٍ، والشا فِعِىُّ، [وابنُ المُنْذِرِ] (٣٠)، وأبو يوسفَ. وقال القاضِى: هو مُحَرَّمٌ. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ وأصحابِه، إلَّا أبا يوسفَ. ولَنا، أنَّه يُفْدَى فى الإِحْرامِ والْحَرَمِ، وهو مثلُ الأرْنَبِ، يَعْتَلِفُ النَّباتَ والبُقولَ، فكان مُباحًا كالأرْنَبِ، ولأنَّ الأَصْلَ الإِباحَةُ، وعُمومُ النُّصوصِ يَقْتَضِيها، ولم يَرِدْ فيه تَحْرِيمٌ، فتَجِبُ إباحَتُه. فصل: وسُئِلَ أحمدُ عَن اليَرْبُوعِ، فرَخَّصَ فيه. وهذا قَوْلُ عُرْوَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِىّ، والشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو حَنِيفَةَ: هو مُحَرَّمٌ. ورُوِىَ ذلك عن أحمدَ أيضًا. وعن ابنِ سِيرِينَ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يُشْبِهُ الفَأْرَ. ولنا، أَنَّ عمرَ حكَم فيه بجَفْرَةٍ (٣١). ولأنَّ الأَصْلَ الإِباحَةُ ما لم (٣٢) يَرِدْ فيه تَحْريمٌ. وأمَّا السِّنْجابُ، فقال القاضِى: هو مُحَرَّمٌ؛ لأنَّه يَنْهَشُ بنَابِه، فأشْبَهَ الجُرَذَ. ويَحْتَمِلُ أنَّه مباحٌ؛ لأنَّه يُشْبِهُ اليَرْبُوعَ، ومَتَى تَرَدَّدَ بينَ الإِباحَةِ والتَّحْرِيِم، غُلِّبَتِ الإِباحَةُ؛ لأنَّها الأصْلُ، وعُمومُ النّصوصِ يَقْتَضِيها.

стр. 7015

فصل: ويُباحُ من الطُّيور (٣٣) ما لم نَذْكُرْه فى المُحرَّماتِ، مِن ذلك الدَّجاجُ. قال أبو مُوسَى: رأيتُ النَّبِىَّ ﷺ يأْكُلُ الدَّجاجَ (٣٤). والحُبارَى (٣٥)؛ لما رَوَى سَفِينةُ، قال: أَكَلْتُ مع النَّبِىِّ ﷺ لَحْمَ حُبارَى. رَواهُ أبو داودَ (٣٦). ويُباحُ الزَّاغُ (٣٧). وبذلك قال الحَكَم، وحَمَّادٌ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، والشافِعِىُّ فى أَحَدِ قَوْلَيْه. ويُباحُ غُرابُ الزَّرْعِ، وهو الأَسْودُ الكبيرُ الذى يأكلُ الزَّرْعَ، ويطيرُ مع الزَّاغِ؛ لأنَّ مَرْعاهُما الزَّرْعُ والحُبوبُ، فأشْبَها الْحَجَلَ. وتُباحُ العَصافِيرُ كلُّها. قال عبدُ اللَّه بنُ عمرو: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَا مِنْ إنْسانٍ يَقْتُلُ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، إلَّا سَأَلَه اللَّهُ عَنْها". قيل: يا رسولَ اللَّه، فما حَقُّها؟ قال: "يَذْبَحُها فيأكُلُها، ولا يَقْطعُ رَأْسَها ويَرْمِى بِهَا". روَاه النَّسائِىُّ (٣٨). ويُباحُ الحمامُ كلُّه، على اخْتِلافِ أَنْواعِه، من الْجَوَازِلِ (٣٩)، والْفَواخِتِ (٤٠)، والرَّقاطَى (٤١)، والقَطا (٤٢)، والحَجَلِ (٤٣)، وغيرِها، وتباحُ الكَراكِىُّ (٤٤)، والإِوَزُّ، وطَيْرُ الماءِ

стр. 7016

كلُّه، والغَرانِيقُ (٤٥)، والطَّواوِيسُ، وأشْباهُ ذلك. لا أعلمُ (٤٦) فيه خلافًا. واخْتلَف (٤٧) عن أحمدَ فى الهُدْهُدِ والصُّرَدِ (٤٨) [فعَنْه أنَّهما حلالٌ؛ لأنَّهما ليسا من ذَواتِ المِخْلَبِ، ولا يُسْتَخْبَثان. وعنه تَحْريمُهما؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن قَتْلِ الهُدْهُدِ، والصُّردِ] (٤٩)، والنَّمْلَةِ والنَّحْلَةِ (٥٠). كلُّ ما كان لا يَصِيدُ بمِخْلَبِه، ولا يأْكلُ الجِيَفَ، ولا يُسْتَخْبَثُ، فهو حَلالٌ. فصل: قال أحمدُ: أكْرَهُ لُحومَ الجَلَّالَةِ وألْبانَها. قال القاضى، فى "المُجَرَّدِ": هى التى تأكلُ العَذِرَةَ (٥١)، فإذا كان أكثرُ عَلَفِها النَّجاسةَ، حرُمَ لحمُها ولبَنُها. وفى بَيْضِها روايتان. وإِنْ كان أكثرُ عَلَفِها الطَّاهِرَ، لم يحْرُمْ أكلُها ولا لَبَنُها. وتَحْدِيدُ الجَلَّالة بِكَوْنِ أكْثَير عَلَفِها النَّجاسةَ، لم نَسْمَعْه عن أحمدَ، ولا هو ظاهِرُ كلامِه، لكن يُمْكِنُ تَحْدِيدُه بما يكونُ كثيرًا فى مَأْكُولِها، ويُعْفَى عن اليَسِيرِ. وقال اللَّيْثُ: إنَّما كانوا يكْرَهون الجَلَّالَةَ التى لا طعامَ لها إلَّا الرَّجِيعُ وما أشْبَهَه. وقال ابنُ أبى مُوسَى: فى الجَلَّالَةِ روايتان؛ إحداهُما، أنَّها مُحَرَّمَةٌ. الثانية أنَّها مَكْرُوهَةٌ غير محرَّمَةٍ وهذا قولُ الشافِعِىِّ. وكَرِهَ أبو حنيفةَ لُحومَها، والعملَ عليها حتى تُحْبَسَ. ورَخَّصَ الحسنُ فى لُحومِها وألْبانِها؛ لأنَّ الحيوانَ (٥٢) لا يَنْجُسُ بأكْلِ النَّجاساتِ، بدليلِ أَنَّ شاربَ الخمرِ لا يُحْكَم يتَنْجيسِ أعضائِه، والكافِرَ الذى يأكلُ الخِنْزيرَ والمحرَّماتِ، لا يكَون [نَجسًا ظاهِره] (٥٣) ولو نَجُسَ لَما طَهُرَ بالإسْلامِ، والاغْتِسالِ (٥٤)، ولو نجُسَتِ الجَلَّالَةُ، لَما طَهُرَت

стр. 7017

بالحَبْسِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن أكلِ الجَلَّالَةِ وألْبانِها. رَوَاه أبو داودَ (٥٥). ورُوِىَ عن (٥٦) عبدِ اللَّه بن عمرِو بن العاص، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن الإِبلِ الجَلَّالَةِ، أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُها، ولا يُحْمَلَ عليها إلَّا الأُدْمُ، ولا يَرْكَبَها النَّاسُ حَتَى تُعْلَفَ أرْبَعِين ليلةً. روَاه الخلّالُ بإسنادِه (٥٧). ولأنَّ لَحْمَها يتوَلَّدُ من النجاسَةِ، فيكونُ نَجِسًا، كرَمادِ النَّجاسَةِ. وأمَّا شارِبُ الخمرِ، فليس ذلك أكثرَ غِذَائِه، وإنَّما يَتَغَذَّى الطَّاهِراتِ، وكذلك الكافِرُ فى الغالبِ. فصل: وتَزولُ الكراهَةُ بحَبْسِها اتِّفاقًا. واخْتُلِفَ فى قَدْرِه، فرُوِىَ عن أحمدَ؛ أنَّها تُحْبَسُ ثلاثًا، سواءٌ كانت طائِرًا أو بهيمةً. وكان ابنُ عمرَ إذا أرادَ أكْلَها حَبَسَها (٥٨) ثلاثًا (٥٩). وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ مَا طهَّرَ حيوانًا يُطهِّرُ (٦٠) الآخرَ، كالذى نَجُسَ ظاهِرُه. والأُخْرَى، تُحْبَسُ الدَّجاجَةُ ثلاثًا، والبَعِيرُ والبقَرَةُ ونحوُهما يُحْبَسُ أرْبعينَ. وهذا قولُ عَطاءٍ، فى النَّاقةِ والبقرةِ؛ لحديثِ عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو؛ لأنَّهما أعْظمُ جِسْمًا، وبَقاءُ عَلَفِهما فيهما أكثرُ من بَقائِه فى الدَّجاجَةِ والحيوانِ الصغيرِ. واللَّه أعلمُ. فصل: ويُكْرَه رُكوبُ الجَلَّالَةِ. وهو قولُ عمرَ، وابنهِ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لحديثِ عبد اللَّه بن عمرٍو، عن (٦١) النبىِّ ﷺ ، أنَّه (٥٨) نَهَى عن رُكوبِها. ولأنّها رُبَّما عَرِقَتْ، فتُلَوِّث بعَرَقِها.

стр. 7018

فصل: وتَحْرُمُ الزُّروعُ والثمارُ التى سُقِيَت النَّجاساتِ (٦٢)، أو سُمِّدَت بها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُكْرَهَ ذلك، ولا يَحْرُمَ. ولا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسها؛ لأنَّ النَّجاسَةَ تسْتحِيلُ فى باطِنها، فتطْهُرُ بالاسْتِحالَةِ، كالدَّمِ يسْتِحيلُ فى أعضاءِ الحَيَوانِ لَحْمًا، ويصيرُ لَبَنًا. وهذا قولُ أكثرِ الفقهاءِ؛ منهم أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ؛ لأنَّ سعدُ بنُ أبى وقَّاص يَدْمُلُ (٦٣) أرضَه بالعُرَّةِ، ويقول: مِكْتَلُ عُرَّةٍ مِكْتَلُ بُرٍّ (٦٤). والعُرَّةُ: عَذِرَةُ الناس. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: كُنَّا نُكْرِى أرَاضِى رسولِ اللَّه ﷺ ، ونَشْترِطُ عليهم أَنْ لا يَدْمُلُوها بعَذِرَةِ الناسِ (٦٤). ولأنّها تَتَغَذَّى بالنَّجاساتِ، وتتَرَقَّى فيها أجزاؤُها، والاسْتِحالَةُ لا تُطَهِّرُ. فعلى هذا تَطْهُرُ إذا سُقِيَت الطَّاهراتِ، كالجَلَّالَةِ إذا حُبِسَتْ وأُطْعِمَتِ الطَّاهِراتِ. ١٧٣٩ - مسألة؛ قال: (ومَن اضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ، فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا إِلَّا مَا يَأْمَنُ (١) مَعَهُ الْمَوْتَ) أجْمَعَ العُلَماءُ على تَحْريمِ المَيْتَةِ حالَةَ (٢) الاخْتِيارِ، وعلى إباحَةِ الأَكلِ منها فى الاضْطِرارِ. وكذللث سائِرُ المحرَّماتِ. والأَصْلُ فى هذا قولُ اللَّه تعالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٣). ويُباحُ له أكلُ ما يسُدُّ الرَّمَقَ، ويَأْمَنُ معه الموتَ، بالإجْماعِ. ويَحْرُمُ ما زادَ على الشِّبَعِ، بالإِجْماعِ أيضًا. وفى الشِّبَعِ رِوَايتان؛ أظْهَرُهما، لا يُباحُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وِإحْدَى الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ. وأَحَدُ القَوْلَيْن للشافِعِىّ. قال الحسنُ: يأكلُ قَدْرَ ما يُقِيمُه؛ لأنَّ الآيةَ دَلَّت على تَحْريمِ المَيْتَة، واسْتُثْنِىَ ما اضْطُرَّ إليه، فإذا انْدَفعَتِ

стр. 7019

الضَّرُورَةُ، لم يَحِلَّ له الأَكْلُ، كحالَةِ الابْتِداءِ، ولأنَّه بعدَ سدِّ الرَّمَقِ غيرُ مُضْطرٍّ، فلم يَحِلَّ له الأكلُ؛ للآيَةِ، يُحَقِّقُه أنَّه بَعْدَ سَدِّ رَمَقِه كهُوَ قبلَ أَنْ يُضْطَرَّ، وثَمَّ لم يُبَحْ له الأكلُ، كذا ههُنا. والثانية، يُباحُ له الشِّبَعُ. اخْتارَها أبو بكر؛ لما رَوَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ الحَرَّةَ (٤)، فنفَقَتْ عندَه ناقَةٌ، فقالتْ له امرأتُه: اسْلُخْها، حتى نُقَدِّدَ شَحْمَها ولَحْمَها، ونأكُلَه. فقال: حتى أسألَ رسولَ اللَّه ﷺ . فسأَلَه، فقال: "هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟ ". قال: لَا. قال: "فَكُلُوهَا". ولم يفَرِّقْ. روَاه أبو داودَ (٥). ولأنَّ ما جازَ سَدُّ الرَّمَقِ منه، جازَ الشِّبَعُ منه، كالمُباحِ. ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَ ما إذا كانت الضَّرُورَة مُسْتَمِرَّةً، وبينَ ما إذا كانت مَرْجُوَّةَ الزَّوالِ، فما كانت مُسْتَمِرَّةً، كحالِ (٦) الأعْرابِىِّ الذى سأَلَ رسولَ اللَّه ﷺ ، جازَ الشِّبَعُ؛ لأنَّه إذا اقْتَصَرَ على سَدِّ الرَّمَقِ، عادَت الضَّرُورَةُ إليه عن قُرْبٍ (٧)، ولا يتَمَكَّنُ من البُعْدِ عن الْمَيْتَةِ، مَخافةَ الضَّرورةِ المُسْتَقْبَلَة، ويُفْضِى إلى ضَعْفِ بَدَنِه، وربَّما أدَّى ذلك إلى تَلَفِه، بخلافِ التى ليست مُسْتَمِرَّةً، فإنَّه يَرْجُو الغِنَى عنها بما يَحِلُّ له. واللَّهُ أعلمُ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحةَ، هى التى يَخافُ التَّلفَ بها إنْ تَرَكَ الأكلَ. [قال أحمدُ: إذا كان يَخْشَى على نفسِه، سواءٌ كان من جُوع، أو يَخافُ إنْ ترَكَ الأكلَ [(٨) عَجَزَ عن المَشْىِ، وانْقَطَعَ عن الرُّفْقَةِ فيَهْلِكُ (٩)، أو يَعْجِزُ عن الركوبِ فيَهْلِكُ، ولا يتقيَّدُ ذلك بزمنٍ مَحْصُورٍ. فصل: وهل يَجِبُ الأَكْلُ من المَيْتَةِ على المُضْطَرِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يجِبُ. وهو قولُ مَسْرُوقٍ، وأَحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافِعِىِّ. قال الأَثْرَمُ: سُئِلَ أبو عبدِ اللَّه عن المُضْطَرِّ يَجِدُ المَيْتَةَ، ولم (١٠) يأكُلْ؟ فذكرَ قولَ مَسْرُوقٍ: مَن اضْطُرَّ، فلم

стр. 7020

يأْكُلْ ولم يشْرَبْ، فماتَ، دخلَ النَّارَ. وهذا اخْتيارُ ابن حامدٍ، وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١١). وَتَرْكُ الأَكْلِ مع إمكانِه فى هذا الحالِ، إلقاءٌ بِيَدِه إلى التَّهْلُكَةِ، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١٢). ولأَنَّه قادِرٌ على إِحْياءِ نَفْسِه بما أحَلَّه اللَّه له، فلَزِمَهُ، كما لو كانَ معه طعامٌ حلالٌ. والثانى، لا يَلْزَمُه؛ لما رُوِىَ عن عبدِ اللَّه بنِ حُذافَةَ السَّهْمِىِّ، صاحبِ رسولِ اللَّه ﷺ ، أَنَّ طاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَه فى بيتٍ، وجَعَلَ معه خَمْرًا مَمْزُوجًا بماءٍ، ولحمَ خِنْزِيرٍ مَشْوِىٍّ (١٣)، ثلاثةَ أيامٍ، فلم يأكُلْ ولم يشْرَبْ، حتى مالَ رأسُه من الجُوعِ والعَطَشِ، وخَشَوا مَوْتَه، فأخْرَجُوه، فقال: قد كان اللَّه أحَلَّه لى؛ لأَنِّى مُضْطَرٌّ، ولكنْ لم أكُنْ لأُشْمِتَكَ بدينِ الإِسْلامِ (١٤). ولأَنَّ إباحَةَ الأَكْلِ رُخْصَةٌ، فلا تَجِبُ عليه، كسائِرِ الرُّخَصِ، ولأَنَّ له غَرَضًا فى اجْتنابِ النَّجاسَةِ، والأَخْذِ بالعَزِيمَةِ، وربَّما لم تَطِبْ نفسُه بتَناوُلِ المَيْتَةِ، وفارقَ الحَلالَ فى الأَصْلِ من هذه الوُجُوهِ. فصل: وتُباحُ المُحَرَّماتُ عندَ الاضْطِرارِ إليها، فى الحَضَرِ والسَّفَرِ جميعًا؛ لأنَّ الآيَةَ مُطْلَقَةٌ، غيرُ مُقَيَّدَةٍ بإحْدَى الحالَتَيْن، وقولُه: ﴿فَمَنِ اضْطُرّ﴾. لَفْظٌ عامٌّ فى حَقِّ (١٥) كُلِّ مضطرٍّ، ولأنَّ الاضْطِرارَ يكونُ فى الحَضَرِ فى سَنَةِ الْمَجاعَةِ، وسبَبُ الإِباحَةِ الحاجةُ إلى حِفْظِ النَّفْسِ عن الهلاكِ، لكَوْنِ هذه المصلحةِ أعْظَمَ من مَصْلَحَةِ اجْتِنابِ النَّجاساتِ، والصِّيانَةِ عن تَناوُلِ المُسْتَخْبَثاتِ، وهذا المعنى عامٌّ فى الحالتَيْن. وظاهِرُ كلامِ أحمد، أَنَّ الْمَيْتَةَ لا تحلُّ لمَنْ يقدرُ على دَفْعِ ضَرُورَتِه بالمَسْأَلة. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أكلُ الْمَيْتَةِ إنَّما يكونُ فى السَّفَرِ. يعنى أنَّه فى الحَضَرِ يُمْكِنُه السُّؤالُ. وهذا من أحمدَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، فإنَّ الغالِبَ أَنَّ الحَضَرَ يُوجَدُ فيه الطَّعامُ الحَلالُ، ويُمْكِنُ دَفْعُ الضَّرورَةِ بالسُّؤالِ، ولكنَّ الضَّرورَةَ أَمْرٌ مُعْتبَر بوُجودِ حَقِيقَتِه، لا يُكْتَفَى فيه بالْمَظنَّةِ،

стр. 7021

بل متى وُجِدَت الضَّرورةُ أباحَتْ، سواءٌ وُجِدَتِ الْمَظِنَّةُ أو لم تُوجَدْ، ومتى انْتَفَتْ، لم يُبَحِ الأَكْلُ لوُجودِ مَظِنَّتِها بحالٍ. فصل: قال أصحابُنا: ليس للمُضْطَرِّ فى سَفَرِ المَعْصِيةِ الأكْلُ (١٦) من المَيْتَةِ، كقاطِعِ الطَّريقِ، والآبِقِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال مُجاهِدٌ: غيرَ باغٍ على المسلمين ولا عادٍ عليهم. وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرِ: إذا خَرَجَ يقْطَعُ الطَّريقَ، فلا رُخْصَةَ له، فإنْ تابَ وأقلَعَ عن مَعْصِيَته، حَلَّ له الأَكْلُ. فصل: وهَلْ للمُضْطرِّ التَّزَوُّدُ مِنَ الْمَيْتَةِ؟ على رِوايَتَيْن؛ أصَحُّهُما، له ذلك. وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ فى اسْتِصْحابِها، ولا فى إعْدادِها لدَفْعِ ضَرُورَتِه، وقضاءِ حاجَتِه، ولا يأكُلُ منها إلَّا عِنْدَ ضَرُورَتِه. والثانِيَةُ، لا يجوزُ؛ لأنَّه توسُّعٌ فيما لم يُبَحْ إلَّا للضَّرُورَةِ، فإن اسْتَصْحَبَها، فَلَقِيَه مُضْطرٌّ آخَرُ، لم يَجُزْ له بَيْعُها إيَّاه؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ له منها ما يَدْفَعُ به الضَّرُورَةَ، ولا ضَرُورَةَ إلى البَيْعِ، ولأنَّه لا يَمْلِكُه، ويَلْزَمُه إعْطاءُ الآخَرِ بغيرِ عِوَضٍ، إذا لم يكُنْ هو مُضْطرًّا فى الحالِ إلى ما مَعَه؛ لأنَّ ضَرُورَةَ الذى لَقِيَهُ مَوْجُودَةٌ، وحامِلُها يَخاف الضَّرَرَ فى ثانِى الحالِ. ١٧٤٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ مَرَّ بِثمَرَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، وَلَا يَحْمِلُ) هذا يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ فى حالِ الجُوعِ والحاجَةِ؛ لأنَّه ذَكَرَه عَقِيبَ مَسْألةِ المُضْطرِّ. قال أحمدُ: [إذا لم يكنْ عليها حائِطٌ، يأكلُ إذا كان جائِعًا، و] (١) إذا لم يكُنْ جائِعًا، فلا يأكُلُ. وقال: قد فَعَلَه غيرُ واحِدٍ من أصحابِ النَّبِىِّ ﷺ ، ولكن إذا كان عليه حائِطٌ، لم يأْكُلْ، لأنَّه قد صارَ شِبْهَ الْحَرِيمِ. وقال فى مَوْضِعٍ: إنَّما الرُّخْصَةُ للمُسافِرِ. إلَّا أنَّه لم يعْتَبِرْ ههُنا حقيقةَ الاضْطِرَارِ؛ لأنَّ الاضْطِرارَ يُبِيحُ ما وَراءَ الحائِطِ. ورُوِيَتْ عنه الرُّخصَةُ فى الأكْلِ من غيرِ الْمَحُوطَةِ مُطْلَقًا، من غيرِ اعْتبارِ جُوعٍ ولا غيرِه. ورُوِىَ عن أبى زَيْنَب التَّيْمِىِّ،

стр. 7022

قال: سافَرْتُ مع أنسِ بن مالِكٍ، وعبدِ الرحمن بنِ سَمُرَةَ، وأبى بُرْدَةَ (٢)، فكانوا يمُرُّون بالثِّمارِ، فيأكُلُون فى أفْواهِهِم (٣). وهو قولُ عمرَ وابن عبَّاسٍ وأبى بُرْدَةَ (٢). قال عمرُ: يأكُلُ، ولا يَتَّخِذُ خُبْنَةً (٤). ورُوِىَ عن أحمد أَنَّه قال: يأْكلُ ممَّا تحتَ الشَّجَرِ، وإذا لم يكُنْ تحتَ الشَّجَرِ فلا يأكُلُ ثمارَ الناسِ، وهو غَنِىٌّ عنه. ولا يضْرِبُ بحَجَرٍ، ولا يرمِى؛ لأَنَّ هذا يُفْسِدُ. وقد رُوِىَ عن رافِعِ بن عمرٍو (٥) قال: كُنْتُ أرمِى نَخْلَ الأنصارِ، فأَخَذُونِى، فذَهَبُوا بى إلى النَّبِىِّ ﷺ فقال: "يَا رَافِعُ، لِمَ تَرْمِى نَخْلَهُمْ؟ ". قُلْتُ: يا رسولَ اللَّه، الجوعُ. قال: "لَا تَرْمِ، وَكُلْ مَا وَقَعَ، أَشْبَعَكَ اللَّهُ وأَروَاكَ". أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (٦). وقال: هذا حَدِيثٌ صحيحٌ. وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا يُباحُ الأَكْلُ إلَّا (٧) فى الضَّرُورَةِ؛ لما رَوَى العِرْباضُ بنُ سارَيةَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "أَلَا وَإِنَّ اللَّه لَم يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أهلِ الْكِتَابِ إِلَّا بإِذْنٍ، ولَا ضَرْبَ نِسَائِهم، ولَا أَكْلَ ثِمارِهِمْ، إذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِى عَلَيْهِمْ". أخْرَجَه أبو داوُدَ (٨). وقال النبىُّ ﷺ : "إِنَّ دِماءَكُمْ، وأَمْوالَكُمْ، وأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذا". مُتَّفَقٌ عليه (٩). ولَنا، ما رَوَى عَمْرُو بنُ

стр. 7023

شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّه سُئِلَ عن الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فقال: "مَا أصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِى حَاجَةٍ (١٠)، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، ومَنْ أخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا، فعَلَيْه غَرَامَهُ مِثْلَيْهِ والْعُقوبَةُ" (١١). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى أبو سعيد الخُدْرِىُّ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا أتَيْتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ، فَنَادِ صَاحِبَ البُسْتَانِ ثَلَاثًا، فإنْ أجابَكَ، وإلَّا فَكُلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ" (١٢). ورَوَى سعيدٌ، بإسنادِه عن الحَسَنِ، عن (١٣) سَمُرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَه (١٤). ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصحابَةِ من غيرِ مُخالِفٍ، فيكونُ إجْماعًا. فإنْ قيل: فقد أبَى سعدٌ أَنْ يأكُلَ؟ قُلْنا: امتناعُ سَعْدٍ من أكْلِه ليس بمُخالِفٍ لهم؛ لأنَّ الإنسانَ قد يتْرُكُ المُباحَ غِنًى عنه، أو تَوَرُّعًا، أو تَقَذُّرًا، كَتَرْكِ النَّبِىِّ ﷺ أكلَ الضَّبِّ. فأمَّا أحادِيثُهم، فهى مَخْصُوصَةٌ بما رَوَيْناه من الحديثِ والإِجْماعِ، فإنْ كانَتْ مَحُوطَةً، لم يَجُزِ الدُّخولُ إليها؛ لقولِ ابنِ عبّاسٍ: إنْ كان عليها حائِطٌ فهو حَرِيمٌ، فلا تأكُلْ، وإِنْ لم يكنْ عليها حائِطٌ، فلا بَأْسَ (١٥). ولأنَّ إحْرازَه بالحائِطِ يدُلُّ على شُحِّ صاحِبِه بِه، وعَدَمِ المُسَامَحَةِ فيه. قال بعضُ أصْحابِنا: إذا كان عليه (١٦) نَاطورٌ (١٧)، فهو بمنزلَةِ الْمَحُوطِ، فى أنَّه لا يدْخُلُ إليه، ولا يأكُلُ منه إلَّا فى الضَّرُورَةِ.

стр. 7024

فصل: وعن أحمد فى الأكلِ من الزَّرْعِ رِوَايتان، إحداهُما، قال: لا يأكلُ، إنَّما رُخِّصَ فى الثِّمارِ، ليس الزَّرْعُ. وقال: ما سَمِعْنا فى الزَّرْعِ أَنْ يُمَسَّ منه. ووَجْهُه أَنَّ الثِّمارَ، خَلَقَها اللَّه تعالى للأَكْلِ رَطْبَةً، والنُّفوسُ تَتُوقُ إليها (١٨)، والزَّرْعُ بخلافِها. والثانِيةُ، قال: يأكلُ من الْفَرِيكِ؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بأكْلِه رَطْبًا، أشْبَهَ الثَّمَرَ. وكذلك الحُكْمُ فى الباقِلَّا، والحِمَّصِ، وشِبْهِه ممَّا يُؤكَلُ رَطْبًا. فأمَّا الشَّعِيرُ، وما لم تَجْرِ العادَةُ بأَكْلِه، فلا يجوزُ الأكلُ منه. والأَوْلَى فى الثِّمارِ وغيرِها، أَنْ لا يأْكُلَ منها إلَّا بإذْنٍ؛ لما فيها (١٩) من الخلافِ والأخْبارِ الدَّالَّةِ على التَّحْرِيمِ. فصل: وعن أحمدَ فى حَلْبِ لَبَنِ الماشِيَةِ روَايتان؛ إحداهُما، يجوزُ له أَنْ يحلبَ، ويشْربَ، ولا يَحْمِلُ؛ لما رَوَى الحسنُ، عن سَمُرة، أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: "إذا أَتَى أحَدُكمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُها، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فإنْ أذِنَ فَلْيَحْلِبْ، ولْيَشْرَبْ، وإِنْ لم يَكُنْ فِيهَا، فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أجَابَهُ أحَدٌ، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، فَلْيَحْلِبْ، ولْيَشربْ، وَلا يَحْمِلْ". روَاه التِّرمِذِىُّ (٢٠)، وقال: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ، والعَمَلُ عليه عندَ (١٨) بعضِ أهلِ العِلْمِ. وبه يقولُ أحمدُ وإسْحاقُ. والرِّوايَةُ الثانِيةُ، لا يجوزُ له أَنْ يَحْلِبَ ولا يَشْرَبَ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لَا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ مَاشِيَةَ أحَدٍ إلَّا بإذنِهِ، أيحِبُّ أحَدُكُمْ أَنْ تُؤتَى مَشْرَبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُه، فينْتَقَلَ (٢١) طعامُه، فإنَّما تَخْزُنُ لَهمْ ضُرُوعُ [مَوَاشِيهمْ أطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلَّا بإذْنِهِ". وفى لفظٍ: "فإنَّ مَا فِى ضُرُوعِ] (٢٢) مَوَاشِيهِمْ مِثْلُ مَا فى مَشارِبهِمْ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٣).

стр. 7025

١٧٤١ - مسألة؛ قال: (ومَنِ اضْطُرَّ، فأَصَابَ الْمَيْتَةَ وخبْزًا لَا يَعْرِف مَالِكَهُ، أَكَلَ الْمَيْتَةَ) وبهذا قال سعيدُ بن المُسَيَّب، وزيدُ بن أسْلَمَ. وقال مالكٌ: إنْ كانُوا يُصَدِّقونَه أنَّه مُضْطَرٌّ، أكلَ من الزَّرْعِ والثَّمَرِ، وشَرِبَ اللَّبَنَ، وإِنْ خاف أَنْ تُقْطَع يَدُه، أو أن (١) لا يُقْبَلَ منه، أَكَلَ المَيْتَةَ. ولأصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهان، أحَدُهُما، يأْكلُ الطَّعامَ. وهو قَوْلُ عبدِ اللَّه بنِ دينارٍ؛ لأنَّه قادِرٌ على الطعامِ الحلالِ، فلم يجُزْ له أكلُ المَيْتَةِ، كما لو بَذَلَه له صاحِبُه. ولَنا، أَنَّ أكْلَ المَيْتَةِ مَنْصُوصٌ عليه، ومالَ الآدَمِىّ مُجْتَهَدٌ فيه، والعدولُ إلى المَنْصُوص عليه أوْلَى، ولأنَّ حُقوقَ اللَّه تعالى مَبْنِيَّةٌ على [المُساهَلَةِ، وحَقَّ] (٢) الآدَمِىِّ مَبْنِىٌّ (٣) على الشُّحِّ والضِّيقِ (٤)، ولأنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ تَلْزَمُه غَرامَتُه، وحَقَّ اللَّهِ لا عِوَضَ له. فصل: إذا وَجَدَ المُضْطرُّ مَنْ يُطْعِمُه ويَسْقِيه، لم يَحِلَّ له الامْتِناعُ من الأَكْلِ والشُّرْبِ، ولا العُدولُ إلى أَكْلِ (٥) المَيْتَةِ، إلَّا أَنْ يخافَ أَنْ يَسُمَّه فيه، أو يكونَ الطَّعامُ الذى يُطْعِمُه ممَّا يضُرُّه، ويخافُ أَنْ يُهْلِكَه أو يُمْرِضَه. فصل: وإِنْ وَجَدَ طعامًا مع صاحِبِه، فامْتَنَعَ مِنْ بَذْلِه له، أو بَيْعِه منه (٦)، ووَجَدَ ثَمَنَه، لم يَجُزْ له مُكابَرَتُهُ عليه، وأخْذُه منه، وعدَل إلى المَيْتَةِ، سواءٌ كان قَوِيًّا يخافُ مِن مُكابَرَتِه التَّلَفَ أو لم يَخَفْ، فإنْ بَذَلَه له بثَمَنِ مِثْلِه، وقَدَرَ على الثَّمَنِ، لم يَحِلَّ له أكلُ المَيْتَةِ؛ لأنَّه قادِرٌ على طَعامٍ حلالٍ. وإِنْ بَذَلَه بزيادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، لا يُجْحِفُ بمالِه،

стр. 7026

لَزِمَه شِراؤُه أيضًا؛ لما ذكَرْناه، وإِنْ كانَ عاجِزًا عن الثَّمَنِ، فهو فى حُكْمِ العادِم، وإن امْتَنَع مِنْ بَذْلِه إلّا بأَكْثَرَ من ثَمَنِ مِثْلِه، فاشْتَراهُ المُضْطرُّ بذلك، لم يَلْزَمْه أكثرُ (٧) من ثَمَنِ مثلِه؛ لأَنَّ الزِّيادَةَ أَحوَجُ إلى بَدَلِها بغيرِ حَقٍّ، فلم يَلْزَمْه، كالمُكْرَهِ. فصل: وإِنْ وَجَدَ المُحْرِمُ مَيْتَةً وصَيْدًا، أكَلَ المَيْتَةَ. وبه قال الحسَنُ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. وقال الشافِعِىُّ فى أحَدِ قَوْلَيْهِ: يأكُلُ الصَّيْدَ، ويفْدِيه. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ الضَّرورَةَ تُبِيحُه، ومع القُدْرَةِ عليه لا تَحِلُّ المَيْتَةُ، لغِنَاهُ عنها. ولَنا، أَنَّ إباحَةَ المَيْتَة مَنْصُوصٌ عَلَيْها، وإباحَةَ الصَّيْدِ مُجْتَهَدٌ فيها، وتَقْديمُ المنْصُوصِ عليه أَوْلَى. فإنْ لم يجِدْ مَيْتَةً، ذَبَحَ الصيدَ وأَكَلَه. نَصَّ عليه أَحْمَدُ؛ لأنَّه مُضْطرٌّ إليه عَيْنًا. وقد قيلَ: إنَّ فى الصيدِ تَحْرِيماتٍ ثلاثًا؛ تَحْريمُ قَتْلِه، وأَكْلِه، وتَحْرِيمُ المَيْتَة؛ لأنَّ ما ذبَحَه المُحْرِمُ من الصَّيْدِ يكونُ مَيْتَةً، فقد ساوَى المَيْتَةَ فى هذا، وفَضُلَ عليها بتَحْريمِ القَتْلِ والأَكْلِ، ولكن يُقالُ على هذا: إنَّ الشارِعَ إذا أباحَ له ذَبْحَه، لم يَصِرْ مَيْتَةً. ولهذا لو لم يجِدِ الْمَيْتَةَ فذَبَحَه، كان ذكِيًّا طاهِرًا، وليس بنَجِسٍ ولا مَيْتَةٍ، ولهذا يتعيَّنُ عليه ذَبْحُهُ فى محلِّ الذَّبْحِ، وتُعْتَبَرُ شُروطُ الذَّكاةِ فيه، ولا يجوزُ قَتْلُه، ولو كان مَيْتَةً لم يتعيَّنْ ذلك عليه. فصل: وإذا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ الصيدَ عندَ الضَّرُورَةِ، جازَ له أَنْ يشْبَعَ منه؛ لأنَّه لحمٌ ذُكِّىَ لا حَقَّ فيه لآدَمِىٍّ سِوَاهُ، فأبِيحَ له الشِّبعُ منه، كما لو ذَبَحَه حَلالٌ من (٨) أجْلِه. فصل: فإنْ لم يجد الْمُضْطرُّ شيئًا، لم يُبَحْ له أكلُ بعض أعْضائِه. وقال بعضُ أصْحابِ الشافِعِىِّ: له ذلك؛ لأنَّ له أَنْ يحفظَ الجملةَ بقَطْعِ عُضْوٍ، كما لو وَقَعَتْ فيه الأَكِلَةُ. ولَنا، أَنَّ أَكْلَه من نَفْسِه رُبَّما قَتَلَه، فيكونُ قاتِلًا لنَفْسِه، ولا يتَيَقُّنُ حصولُ الْبقاءِ بأَكْلِه. أمَّا قَطْعُ الأَكِلَةِ فإنَّه يُخافُ الهلاكُ بذلك العُضْوِ، فأُبِيحَ له إبْعادُه، ودَفْعُ ضَرَرِه المُتَوجِّه منه بتَرْكِه، كما أبِيحَ قَتْلُ الصائِلِ عليه، ولم يُبَحْ له قَتْلُه ليأكُلَه. فصل: وإِنْ لم يجِدْ إلَّا آدميًّا مَحْقُونَ الدَّمِ، لم يُبَحْ له قَتْلُه إجماعًا، ولا إتْلافُ عُضْوٍ

стр. 7027

منه، مسلمًا كان أو كافرًا؛ لأنَّه مِثْلُه، فلا يجوزُ أَنْ يَقِىَ (٩) نَفْسَه بإتْلافِه. وهذا لا خِلافَ فيه. وإِنْ كان مُباحَ الدَّمِ، كالحَرْبِىِّ والمُرْتَدِّ، فذكرَ القاضِى أَنَّ له (١٠) قَتْلَه وأَكْلَه؛ لأنَّ قَتْلَه مُباحٌ. وهكذا قال أصحابُ الشافِعِىّ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له، فهو بمَنْزلَةِ السِّباعِ. وإِنْ وجَدَه مَيِّتًا، أُبيحَ أكلُه؛ لأنَّ أكْلَه مُباحٌ بعدَ قَتْلِه، فكذلك بعدَ مَوْتِه. وإن وجدَ مَعْصومًا مَيِّتًا، لم يُبَحْ أكلُه. فى قولِ أصحابِنا. وقال الشافِعِى، وبعضُ الحَنَفِيَّةِ: يُباحُ. وهو أوْلَى؛ لأنَّ حُرْمَةَ الحَىِّ أعظمُ. وقال أبو بكرِ بنُ داودَ: أباحَ الشافِعىُّ أكْلَ لُحومِ الأنْبياءِ. واحْتَجَّ أصحابُنا بقولِ النَّبىِّ ﷺ : "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ، ككَسْرِ عَظْمِ الحَىِّ" (١١). واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أَنَّ له أكلَهُ. وقال: لا حُجَّةَ فى الحديثِ ههُنا؛ لأنَّ الأَكْلَ من اللَّحْمِ لا مِنَ العَظْمِ، والمُرادُ بالحديثِ التَّشْبِيهُ فى أصلِ الحُرْمَةِ، لا فى مِقْدارِها، بدليلِ اخْتلافِهما فى الضَّمانِ والقِصاصِ ووُجوبِ صيانَةِ الحَىِّ مما لا يَجِبُ به صِيانَةُ المَيِّتِ. ١٧٤٢ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يُصِبْ إِلَّا طَعَامًا لَم يَبِعْهُ مَالِكُهُ، أَخَذَهُ قَهْرًا، ليُحْيِىَ بِهِ نَفْسَهُ، وأَعْطاهُ ثَمَنَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِصَاحِبِه مِثلُ ضَرُورَتِهِ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا اضْطُرَّ، فلم يجدْ إلَّا طعامًا لغيرِه، نَظَرْنا، فإنْ كان صاحِبُه مُضْطرًّا إليه، فهو أَحَقُّ به، ولم يَجُزْ لأحَدٍ أخْذُه منه؛ لأنَّه ساوَاهُ فى الضَّرورَةِ، وانْفَردَ بالمِلْكِ، فأشْبَهَ غيرَ حالِ الضَّرورَةِ، وإِنْ أخذَه منه أحدٌ فماتَ، لزِمَه ضمانُه؛ لأنَّه قَتَلَه بغيرِ حَقٍّ، وإن لم يكُنْ صاحِبُه مُضْطَرًّا إليه، لَزِمَه بَذْلُه للمُضْطرِّ؛ لأنَّه يتعلَّقُ به إحْياءُ نفْسِ آدَمِىٍّ مَعْصُومٍ، فلَزِمَه لم بَذْلُه له، كما يَلْزَمُه بذلُ منافِعِه فى إنْجائِه من الْغَرَقِ والْحَرِيقِ، فإنْ لم يفعلْ فلِلْمُضْطرِّ أخْذُه منه؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ له دُونَ مالِكِه، فجازَ له أخْذُه، كغيرِ مالِهِ، فإن احْتِيجَ فى ذلك إلى قتالٍ، فلَه المُقاتَلَةُ عليه، فإنْ قُتِلَ المُضْطَرُّ فهو شهيدٌ، وعلى قاتِلِه ضَمانُه، وإِنْ آل أخذُه إلى قَتْلِ صاحِبه، فهو هَدْرٌ؛ لأنَّه ظالِمٌ بقتالِه، فأشْبَهَ الصَّائِلَ، إلَّا

стр. 7028

أَنْ يُمْكِنَ أخْذُه بشِرَاءٍ أو اسْتِرْضاءٍ، فليس له الْمُقاتَلَةُ عليه، لإِمْكانِ الوُصولِ إليه دُونَها، فإنْ لم يَبعْه إلَّا بأكثرَ من ثمنِ مِثْلِه، فذكَر القاضى أَنَّ له قِتالَه. والأوْلَى أنَّه (١) لا يجوزُ له ذلك؛ لإمْكَانِ الوُصولِ إليه بدُونِها. وإِنْ اشْتراهُ بأكثرَ من ثمنِ مِثْلِه، لم يَلْزَمْه إلَّا ثمنُ مِثْلِه؛ لأنَّه صارَ مُسْتَحَقًّا له بقِيمَتِه، ويَلْزَمُه عِوَضُه فى كلِّ موضعٍ أَخَذَه، فإنْ كان معه فى الحالِ، وإلَّا لَزِمَه فى ذِمَّتِه. ولا يُباحُ للمُضْطرِّ من مالِ أخيه، إلَّا ما يُباحُ من المَيْتَةِ. قال أبو هُرَيْرَةَ: قُلْنا: يا رسولَ اللَّه، ما يَحِلُّ لأَحَدِنا من مالِ أخيه إذا اضْطُرَّ إليه؟ قال: "يَأْكُلُ وَلَا يَحْمِلُ، ويَشربُ وَلَا يَحْمِلُ" (٢). فصل: وإذا اشْتَدَّت المَخْمَصَةُ فى سَنَةِ المجاعَةِ، وأصابَت الضَّرورَةُ خَلْقًا كثيرًا، أو كان عندَ بعضِ الناس قَدْرُ كِفايَتِه وكفايَة عِيالِه، لم يَلْزَمْه بَذْلُه للمُضْطَرِّين، وليس لهم أخْذُه منه؛ لأنّ ذلك يُفْضِى إلى وُقوعِ الضرورَةِ به، ولا يَدْفَعُها عنهم. وكذلك إنْ كانُوا فى سَفَرٍ ومعه قَدْرُ كفايَتِه من غيرِ فَضْلةٍ، لم يَلْزَمْه بَذلُ ما معه للمُضْطَرِّين. ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا بينَ هذه الحالِ وبينَ كَوْنِه لا يَتَضَرَّرُ بدَفْعِ ما معه إليهم، فى أَنَّ ذلك واجبٌ عليه؛ لكَوْنِه غيرَ مُضْطرٍّ فى الحالِ، والآخَرُ مُضْطَرٌّ، فوجَبَ تَقْديمُ حاجَةِ المُضْطَرِّ. ولَنا، أَنَّ هذا مُفْضٍ به إلى هَلاكِ نَفْسِه، وهَلاكِ عِيَالِه، فلم يَلْزَمْه، كما لو أمْكَنَه إنْجاءُ الغَرِيقِ بتَغْرِيقِ نفسِه، ولأن فى بَذْلِه إلْقاءً بِيَدهِ إلى التَّهْلُكَةِ، وقد نَهَى اللَّهُ عن ذلك. ١٧٤٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا بَأْس بأَكْلِ الضَّبِّ والضَّبُعِ) أمَّا الضَّبُّ، فإنَّه مُباحٌ فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ بن الخَطَّاب، وابنُ عبّاس، وأبو سعيدٍ، وأصْحابُ رسولِ اللَّه ﷺ ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. قال أبو سعيد: كُنّا مَعْشَرَ أصحابِ محمد، لأَنْ يُهْدَى إلى أحَدِنا ضَبٌّ أحَبُّ إليه من دَجاجَةٍ. وقال عمرُ: ما يَسُرُّنِى أَنَّ مَكانَ كُلِّ ضَبٍّ دَجاجَةٌ سَمِينَةٌ، ولَوَدَدْت أَنَّ فى كلِّ جُحْرِ ضَبٍّ ضَبَّيْنِ (١).

стр. 7029

وبهذا قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وابنُ المنذِر. وقال أبو حَنِيفَةَ: هو حَرامٌ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن أَكْلِ لحمِ الضَّبِّ (٢). ورُوِىَ نحوُه عن علىٍّ؛ ولأنَّه يَنْهَشُ، فأشْبَهَ ابنَ عِرْسٍ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ قال: دَخَلْتُ أنا وخالِدُ بن الوليد مع رسولِ اللَّه ﷺ بيتَ مَيْمُونَةَ، فأُتِىَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ (٣)، فقيل: هو ضَبٌّ يا رسولَ اللَّه. فرفَعَ يدَه، فقلتُ: أحرامٌ هو يا رسولَ اللَّه؟ قال: "لَا، ولكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْض قَوْمِى، فَأجدُنِى أعَافَهُ". قال خالد: فاجْتَرَرْتُه فأَكَلْتُه، ورسولُ اللَّه ﷺ يَنْظُرُ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). قال ابنُ عبّاسٍ: تَرَكَ رسولُ اللَّه ﷺ الضَّبَّ تَقَذُّرًا، وأُكِلَ على مائِدَتِه، ولو كان حرامًا ما أُكِلَ على مائِدَةِ رسول اللَّه ﷺ (٥). وقال عمرُ: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يُحَرِّمِ الضَّبَّ، ولكنَّه قَذِرَهُ، ولو كان عندِى لأكَلْتُه (٦). ولأَنَّ الأَصْلَ الحِلُّ، ولم يُوجَدِ المُحَرِّمُ، فبَقِىَ على الإباحَةِ، ولم يثْبُتْ فيه عن النَّبىِّ ﷺ نَهْىٌ ولا تَحْرِيمٌ، ولأنَّ إباحَتَه (٧) قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ، ولم يثْبُتْ عنهم خِلافُه، فيكونُ إجماعًا. فصل: فأمَّا الضَّبُعُ، فرُوِيَت الرُّخْصَةُ فيها عن سَعْدٍ، وابنِ عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، وعِكْرِمَةَ، وإسحاقَ. وقال عُرْوَةُ: ما زالتِ العربُ تأكلُ الضَّبُعَ،

стр. 7030

ولا تَرَى بأكْلِها بأسًا. وقال أبو حنيفةَ، والثَّورِىُّ، ومالكٌ: هى (٨) حرامٌ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ؛ لأنَّها من السِّباعِ، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن أكلِ (٩) كُلِّ ذِى نابٍ من السِّباعِ (١٠). وهى من السِّباعِ، فتدْخُلُ فى عُمومِ النَّهْى. ورُوِى عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه سُئِلَ عن الضَّبُعِ، فقال: " ومَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ! " (١١). ولَنا، ما رَوَى جابرٌ، قال: أَمَرَنا رسولُ اللَّه ﷺ بأَكْلِ الضَّبُعِ. قلتُ: صَيْدٌ هى؟ قال: نَعَم. احْتَجَّ به أحمدُ. وفى لفظٍ قال: سألْتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن الضَّبُعِ. فقال: "هُوَ صَيْدٌ، ويُجْعَلُ فيه كبْشٌ (١٢) إذا صادَه المُحْرِمُ". روَاه أبو داودَ (١٣). قال ابنُ عبدِ البَر: هذا لا يُعارِضُ حديثَ النَّهْى عن كلِّ ذِى نابٍ من السباعِ؛ لأنَّه أقوَى منه. قُلْنا: هذا تَخْصيصٌ لا مُعارَضَةٌ (١٤)، ولا يُعْتَبَرُ فى التَّخْصيصِ كونُ المُخَصِّصِ فى رُتْبَةِ المُخَصَّصِ (١٥)، بدليلِ تَخْصِيص عُمومِ الكتابِ بأخْبارِ الآحادِ. فأمَّا الخبرُ الذى فيه: "وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ! " فحديثٌ طَويلٌ، يَرْوِيهِ عبدُ الكريم بن أبى الْمُخارِقِ، يَنْفَردُ به، وهو مَتْرُوكُ الحديثِ. ولأنَّ الضَّبُعَ قد قيل: إنَّها ليس لها نابٌ. وسَمِعْتُ مَنْ يذكُرُ أَنَّ جميعَ أسْنانِها عَظْم واحدٌ كصَفِيحَةِ (١٦) نعلِ الفرَس. فعلى هذا لا تَدْخُلُ فى عُمومِ النَّهْى. واللَّهُ أعلمُ. ١٧٤٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُؤْكَلُ التِّرْيَاقُ؛ لأَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ مِنْ (١) لُحُومِ الْحَيَّاتِ) التِّرْيَاقُ: دواءٌ يُتَعالَجُ به من السَّمِّ، ويُجْعَلُ فيه من لُحومِ الحَيَّاتِ، فلا يُباحُ أَكْلُه

стр. 7031

ولا شُرْبُه؛ لأنَّ لحمَ الحَيَّةِ حَرامٌ. وممَّن كَرِهَه الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ. ورَخَّصَ فيه الشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ؛ لأنَّه يَرَى إباحَةَ لُحوم الحَيَّاتِ. ويَقْتَضِيه مَذْهَبُ الشَّافِعِى؛ لإِباحَتِه التَّداوِيَ ببعض المُحَرَّماتِ. ولَنا (٢)، أَنّ لحمَ الحَيَّةِ (٣) حرامٌ، بما قد ذَكَرْناه فيما مَضَى (٤). ولا يجوزُ التَّدَاوِى بمُحَرَّمٍ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إِنَّ اللَّه لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِى فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا" (٥). فصل: ولا يجوزُ التَّداوِى بمُحَرَّمٍ، ولا بِشَىْءٍ (٦) فيه مُحَرَّمٌ، مثل ألْبانِ الأُتُنِ، ولحمِ شَىْءٍ من المُحرَّماتِ، ولا شُرْبِ الخمرِ للتَّداوِى به؛ لما ذَكَرْنا من الخبرِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ذُكِرَ له النَّبِيذُ يُصْنَعُ للدَّواءِ فقال: "إنَّه لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلكِنَّهُ دَاءٌ" (٥). فصل: ويجوزُ أَكْلُ الأَطْعِمَة التى فيها الدُّودُ والسُّوسُ، كالفَواكِهِ، والقِثَّاءِ، والْخِيارِ، والبِطِّيخِ، والحبوب، والخَلِّ، إذا لم تَقْذَرْه نفسُه، وطابَتْ به؛ لأنَّ التَّحَرُّزَ من ذلك يشُقُّ. ويجوزُ أكلُ العسَل بقَشِّه وفيه فِرَاخٌ؛ لذلك، وإن نَقَّاه فحَسَنٌ، فقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه أُتِىَ بتَمْرٍ عَتِيقٍ، فجعلَ يُفَتِّشُه، ويُخْرِجُ السُّوسَ منه، ويُنَقِّيهِ (٧). وهذا أحْسَنُ. ١٧٤٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ إِذَا رُمِىَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ، إِذَا عُلِمَ أَنَّ السَّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ) إنّما كانَ كذلك؛ لأنَّ ما قَتَلَه السَّمُّ مُحَرَّمٌ، وما قَتَلَه السَّهْمُ وحدَه مُباحٌ، فإذا ماتَ بسبَبِ مُبِيحٍ ومُحَرِّمٍ، حَرُمَ، كما لو ماتَ برَمْيَةِ مُسْلِمٍ ومَجُوسِىٍّ، أو قتَلَ الصَّيْدَ كلبٌ مُعَلَّمٌ وَغيرُه، أو وَجَدَ مع كلبِه كلبًا لا يعْرِفُ حالَه، أو رَمَى صَيْدًا بسَهْمٍ، فوجَدَه غَرِيقًا فى

стр. 7032

الماءِ، أو تَرَدَّى من جبلٍ، أو وَطِيء عليه شىءٌ. فإِنْ عَلِمَ أَنَّ السَّمَّ لم يُعِنْ على قَتْلِه، لكَوْنِ السَّهْمِ أوْحَى منه، فهو مُباحٌ؛ لانْتِفاءِ المُحَرِّمِ. ١٧٤٦ - مسألة؛ قال: (وَمَا كَانَ مَأْوَاهُ الْبَحْرُ، وَهُوَ يَعيشُ فِى الْبرِّ، لَمْ يُؤكَلْ إذَا مَاتَ فِى بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ) كل ما يَعِيشُ فى الْبَر مِن دَوابِّ البحرِ، لا يَحِلُّ بغيرِ ذكاةٍ (١)، كطيرِ الماءِ، والسُّلَحْفاةِ، وكلبِ الماءِ، إلَّا ما لا دَمَ فيه، كالسَّرَطَانِ، فإنَّه يُباحُ بغيرِ ذكاةٍ. قال أحمدُ: السَّرطَانُ لا بأْسَ به. قيلَ له: يُذْبَحُ؟ قال: لا. وذلك لأنَّ مَقْصُودَ الذبْحِ إنَّما هو إخْراجُ الدَّمِ منه، وتَطْيِيبُ اللحمِ بإزالَتِه عنه، فما لا دَمَ فيه، لا حاجَةَ إلى ذَبْحِه. وأمَّا سائِرُ ما ذكَرْنا، فلا يَحِلُّ إلَّا أَنْ يُذْبَحَ. قال أحمدُ: كلبُ الماءِ يذْبَحُه، ولا أرَى بَأسًا بالسُّلَحْفاةِ إذا ذُبِحَ، والرَّقِّ (٢) يَذْبَحُه. وقال قومٌ: يحِلُّ من غيرِ ذَكاةٍ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ فى البحرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٣). ولأنَّه من حيوانِ البحرِ، فأُبِيحَ بغيرِ ذَكاةٍ، كالسَّمكِ والسَّرَطَانِ. وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: كلُّ ما فى البحرِ قد ذَكَّاه اللَّه تعالَى لكم (٤). وروى الإِمامُ أحمدُ، بإسْنادِه عن شُرَيْحٍ رجُلٍ أدْرَكَ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: كُلُّ شَىْءٍ فى الْبَحرِ مَذْبوحٌ (٥). ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّ اللَّه ذَبَحَ كُلَّ شىءٍ فى الْبَحْرِ لِابْنِ آدَمَ" (٦). ولَنا، أَنَّهُ حيوانٌ يَعِيشُ فى البَرِّ، له نفسٌ سائِلَةٌ، فلم يُبَحْ بغيرِ ذَبْحٍ (٧)، كالطَّيْرِ، ولا خِلافَ فى الطَّيْرِ فيما عَلِمْناه، والأَخْبارُ مَحْمُولةٌ على ما لا يَعِيشُ إلَّا

стр. 7033

فى البحْرِ، كالسَّمكِ وشِبْهِه؛ لأنَّه لا يتَمَكَّنُ من تَذْكِيَتهِ؛ لأنَّه لا يُذْبَحُ إلَّا بعدَ إخْراجِه من الماءِ، وإذا خرَجَ ماتَ. فصل: فأمَّا ما لا يعيشُ إلَّا فى الماءِ، كالسَّمَكِ وشِبْهِهِ، فإنَّه يُباحُ بغيرِ ذَكاةٍ. لا نعلمُ فى هذا خِلافًا، لما ذكْرنا من الأخبارِ. وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتانِ ودَمَانِ، أمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ والْجَرَادُ" (٨). وقد صَحَّ أَنَّ أبا عُبَيْدَةَ وأصحابَه وَجَدُوا على ساحلِ البحرِ دَابَّةً، يُقال لها العَنْبَرُ، مَيِّتةً، فأَكَلُوا منها شَهْرًا حتى سَمِنُوا، وادَّهنُوا، فلَّما قَدِمُوا على النَّبِىِّ ﷺ أخبَرُوه، فقال: "هُوَ رِزْقٌ أخْرَجَهُ اللَّه لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَىْءٌ تُطْعِمُوَنا". متَّفَقٌ عليه (٩). فصل: وكُلُّ صَيْدِ البَحْرِ مُباحٌ، إلَّا الضِّفْدَعَ. وهذا قولُ الشافِعِىِّ. وقال الشَّعْبِىّ: لو أكلَ أهْلى الضَّفادِعَ لأطعَمْتُهم. ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّه قال (١٠): كلُّ ما فى البحرِ قد ذَكَّاه اللَّه لكم. وعُمومُ قولِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (١١). يَدُل على إباحَةِ جميعِ صَيْدِه. ورَوَى عَطاءٌ، وعمرُو بن دينار، أنَّهما بَلَغَهُما عن النَّبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِنَّ اللَّه ذبَحَ كُلَّ شَىْء فِى الْبَحْرِ لِابْنِ آدَمَ". فَأمَّا الضِّفْدَعُ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن قَتْلِه. رَوَاه النَّسائِىُّ (١٢). فيدُلُّ ذلك على

стр. 7034

تَحْريمِهِ، فأمَّا التِّمْساحُ فقد نُقِلَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُؤْكَلُ. وقال الأوْزَاعِىُّ: لا بَأْسَ بِه لِمَن اشْتَهاهُ. وقال ابنُ حامدٍ: لا يُؤْكَلُ التِّمْساحُ ولا الْكَوْسَجُ (١٣)؛ لأنَّهُما يأكُلان النَّاسَ. وقد رُوِىَ عن إبراهيم النَّخَعِىِّ أو غيرِه (١٤)، أنَّه قال: كانُوا يَكْرَهُون سِباعَ البَحْرِ، كما يكْرَهون سِباعَ الْبَرِّ. وذلك لِنَهْىِ النَّبِىّ ﷺ عن كلِّ ذِى نابٍ من السِّباع. وقال أبو علىٍّ النَّجَّادُ: ما حَرُمَ نَظِيرُه فى البَرِّ، فهو حَرَامٌ فى البحرِ، كَكَلْبِ الماءِ وخِنزيرِه وإنْسانِه. وهو قولُ اللَّيْثِ، إلَّا (١٥) فى كلبِ الماءِ، فإنَّه يَرَى إباحَةَ كلْبِ الْبَرِّ والبَحْرِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُباحُ إلَّا السَّمكُ. قال مالِكٌ: كُلُّ ما فِى البَحْرِ مُباحٌ؛ لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. فصل: وكَلْبُ الماءِ مُباحٌ، ورَكِبَ الحسنُ بنُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، سَرْجًا عليه جِلدٌ من جُلودِ كِلابِ الماءِ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ، واللَّيْثِ. ويقْتَضِيه قولُ الشَّعْبِىِّ، والأوْزَاعِىِّ. ولا يُباحُ عندَ أبى حنيفةَ. وهو قولُ أبى علىٍّ النَّجَّاد، وبعض أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. ولَنا، عُمومُ الآيَةِ والخبرِ. قال عبدُ اللَّه: سَألتُ أبِى عن كَلْبِ الماءِ، فقال: حَدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، وأبى الزُّبَيْرِ، سَمِعا شُرَيْحًا رَجُلًا (١٦) أدْرَكَ النَّبِىَّ ﷺ ، يقول: كلُّ شىءٍ فى البحرِ فهو مَذْبوحٌ. قال: فذكرْتُ ذلك لعَطاءٍ، فقال: أمَّا الطَّيْرُ فنَذْبَحُه. وقال أبو عبد اللَّه: كلبُ الماءِ نَذبَحُه. فصل: قيل لأَبِى عبد اللَّه: يُكْرَه الْجِرِّىُّ (١٧)؟ قال: لا واللَّه، كيف لنا بالْجِرِّىِّ؟ ورَخَّص فيه علىٌّ، والحسنُ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وسائِرُ

стр. 7035

أهلِ العلمِ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: الجِرِّىُّ لا تأكُلُه اليهودُ (١٨). ووافَقَهم الرافِضَةُ، ومُخالَفَتُهم صَوابٌ. فصل: وعن أحمد فى السمكَةِ تُوجَدُ فى بطنِ سَمَكَةٍ أُخْرَى، أو حَوْصَلَةِ طائِرٍ، أو يُوجَدُ فى حوصَلَتِه جَرادٌ، فقال فى مَوْضِعٍ: كلُّ شىءٍ أُكِلَ مَرَّةً لا يُؤْكَل. وقال فى مَوْضِعٍ: الطَّافِى أشَدُّ من هذا، وقد رَخَّصَ فيه أبو بكرٍ رضِىَ اللَّهُ عنه (١٩). وهذا هو الصَّحِيحُ. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ فيما فى (٢٠) بطنِ السَّمَكَةِ، دونَ ما فى حَوْصَلَةِ الطَّائِرِ؛ لأنَّه كالرَّجِيعِ، ورَجِيع الطائِرِ عندَه نَجسٌ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتانِ ودَمانِ". ولأنَّه حيوانٌ طاهِرٌ فى مَحَلٍّ طاهِرٍ، لا تُعْتَبَرُ له ذَكاةٌ، فأبِيحَ، كالطَّافِى فى السَّمَكِ. وهكذا يُخَرَّجُ فى الشَّعِيرِ يُوجَدُ فى بَعْرِ الجملِ، أو خِثْى الْجَوامِيسِ (٢١)، ونحوِها. ١٧٤٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا وَقَعَتِ النَّجاسَةُ فِى مَائِعٍ، كَالدُّهْنِ وَمَا أَشْبَهَهُ، نَجُسَ، واسْتَصْبَحَ بِهِ إنْ أحَبَّ، ولَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ وَلَا ثَمَنُهُ) ظاهرُ هذا أَنَّ النَّجاسَةَ إذا وقَعتْ فى مائِعٍ (١) غيرِ الماءِ، نَجَّسَتْه وإِنْ كَثُرَ. وهذا ظاهِرُ المذهبِ. وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَنْجُسُ إذا كثُرَ. قال حَرْبٌ: سَأَلْتُ أحمدَ عن كلبٍ وَلَغَ فى سَمْنٍ أو زيتٍ؟ قال: إذا كان فى آنِيَةٍ كبيرَةٍ، مثل حُبٍّ (٢) أو نحوِه، رَجَوْتُ أَنْ لا يكونَ به بَأْسٌ، يُؤْكَل، وإذا كان فى آنِيَةٍ صغيرةٍ، فلا يُعْجِبُنِى أَنْ يُؤْكَلَ. وسُئِل عن كلبٍ وَقَعَ فى خَلٍّ أَكثرَ من قُلَّتَيْنِ، فخرَجَ منه وهو حَىٌّ؟ فقال: هذا أَسْهَلُ مِن

стр. 7036

أنَّه لو ماتَ. وعنه، رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، ما أصلُه الماءُ كالخَلِّ التَّمْرِىِّ، يَدْفَعُ النجاسَةَ عن نفسِه إذا كَثُرَ، وما ليس أصلُه الماءَ، لا يَدْفَعُ عن نفسِه. قال الْمَرُّوذِىُّ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّه: فإنْ وَقَعَتِ النَّجاسَةُ فى خَلٍّ أو دِبْسٍ؟ فقال: أمَّا الْخَلُّ فأصلُه الماءُ، يَعُودُ إلى أَنْ يكونَ ماءً إذا حُمِلَ عليه. وقال ابن مسعودٍ، فى فَأْرةٍ وقَعَتْ فى سَمْنٍ: إنَّما حَرُمَ من المَيْتَةِ لَحْمُها ودَمُها (٣). ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه سُئِلَ عن فَأْرَةٍ وقَعتْ (٤) فى سَمْنٍ؟ فقال: "إِنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا (٥) ومَا حَوْلَهَا، فَأَلْقُوه، وإِنْ كَان مَائِعًا، فَلَا تَقْرَبُوه" (٦). ولأنَّ غيرَ الماءِ ليس بطَهُورٍ، فلا يَدْفَعُ النَّجاسَةَ عن نَفْسِه، وحُكْمُ الجامِدِ قد ذَكَرْناه فيما تَقَدَّم. واخْتَلَفَت الرِّوايَةُ فى الاسْتِصْباحِ بالزَّيْتِ النَّجِسِ، فأكثرُ الرِّواياتِ إباحَتُه؛ لأنَّ ابنَ عمرَ أمَرَ أَنْ يُسْتَصْبَحَ به. ويجوزُ أَنْ تُطْلَى به سَفِينَةٌ. وهذا قولُ الشافِعِىِّ. وعن أحمدَ، لا يَجوزُ الاسْتِصْباحُ به. وهو قولُ ابنِ الْمُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ عن شُحومِ المَيْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجلودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها النَّاسُ؟ فقال: "لَا، هُوَ حَرَامٌ" (٧). وهذا فى مَعْناهُ. ولَنا، أنَّه زَيْتٌ أَمْكَنَ الانْتِفاعُ به من غيرِ ضرَرٍ، فجازَ، كالطاهِرِ. وقد جاءَ عن النَّبِىِّ ﷺ فى العَجِينِ الذى عُجِنَ بماءٍ من آبارِ ثَمُودَ، أنَّه نَهاهُم عن أكلِه، وأمرَهُم أَنْ يَعْلِفُوه النَّوَاضِحَ (٨). وهذا الزَّيتُ ليس بِمَيْتَةٍ، ولا هو من شُحومِها، فيتناوَلُه الخبرُ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَسْتَصْبِحُ به على وَجْهٍ لا يَمَسُّه، ولا تَتَعَدَّى نجاسَتُه إليه؛ إمَّا أَنْ يجعلَ الزَّيْتَ فى إبْرِيقٍ له بُلْبُلَةٌ، ويَصُبَّ منه فى المِصْباحِ، ولا يَمَسَّه، وإمَّا أَنْ يَدَعَ على رأسِ الْجَرَّةِ التى فيها الزَّيْتُ سِرَاجًا مَثْقُوبًا، أو قِنْدِيلًا فيه ثَقْبٌ، ويُطَيِّنَه على رأسِ إناءِ الزَّيْتِ، أو يُشَمِّعَه، وكلّما نقَصَ زَيْتُ السِّراجِ

стр. 7037

صَبَّ فيه ماءً، بحيثُ يرتَفعُ الزَّيْتُ، فيَمْلأُ السِّراجَ، وما أشْبَهَ هذا، ولم يَرَ أبو عبد اللَّه أن تُدْهَنَ بها الجلودُ، وقال: يُجْعَلُ منه الأسْقِيَةُ والقِرَبُ. ونُقِلَ عن ابنِ (٩) عمرَ، أنَّه تُدْهَنُ به الجلودُ. وعَجِبَ أحمدُ من هذا، وقال: إنَّ فى هذا لَعَجَبًا، شىءٌ يُلْبَسُ يُطَيَّبُ بشىءٍ فيه مَيْتَةٌ! فعَلَى قولِ أحمدَ، كُلُّ انْتِفاع يُفْضِى إلى تَنْجِيسِ إنسانٍ لا يجوزُ، وإِنْ لم يُفْضِ إلى ذلك جازَ. فأمَّا أكْلُه فلا إشْكالَ فى تَحْرِيمِه؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَقْرَبُوهُ". ولأنَّ النَّجِسَ خَبِيثٌ، وقد حَرَّمَ اللَّهُ الْخَبَائِثَ. وأما بَيْعُه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ﵀، تَحْرِيمُه؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : " [إنَّ اللَّه إذَا حَرَّمَ] (١٠) شَيْئًا، حَرَّمَ ثَمَنَهُ". وقال أبو موسى: لُتُّوهُ بالسَّوِيقِ وبِيعُوه، ولا تَبِيعُوه من مُسْلمٍ، وَبيِّنُوهُ. وحَكَى أبو الخطاب عن أحمد روايةً، أَنَّه يُباعُ لكافِرٍ بشرطِ أَنْ يعلمَ بِنَجاسَتِه؛ لأنَّ الكفارَ يعتقدُون حلّه، ويستبيحُون أَكْلَه. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، وبَاعُوهَا، وأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وكَوْنُهم يَعْتَقِدُون حِلَّه، لا يُجَوِّزُ لنا بَيْعَه لهم كالخمرِ والخِنْزيرِ. فصل: فأمَّا شُحومُ المَيْتَةِ، وشَحْمُ الخِنْزِيرِ، فلا يجوز الانْتِفاعُ به باسْتِصْباحٍ ولا غيرِه، ولا أَنْ تُطْلَى بها (١٢) السُّفُنُ ولا الجلودُ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ والْخِنْزِيرَ والْأَصْنَامَ". قالوا: يا رسولَ اللَّه، شُحومُ المَيْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، ويُدْهَنُ بها الجُلودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها (٩) الناسُ؟ قال: "لَا، هِىَ حَرَامٌ". مُتَّفَقٌ عليه (١٣). فصل: إذا اسْتُصْبِحَ بالزَّيْتِ النَّجِسِ، فدُخانُه نَجِسٌ؛ لأنَّه جُزْءٌ يسْتحِيلُ (١٤) منه،

стр. 7038

والاسْتِحالَةُ لا تُطَهِّرُ. فإنْ عَلِقَ بشىءٍ، وكان يسيرًا، عُفِىَ عنه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فأشْبَهَ دَمَ الْبَراغِيثِ، وإن كان كثيرًا، لم يُعْفَ عنه. فصل: سُئِلَ أحمدُ عن خَبَّازٍ خَبَزَ خُبْزًا، فباعَ منه، ثم نظَرَ فى الماءِ الذى عَجَنَ مِنْه، فإذا فيه فَأْرَةٌ؟ فقال: لا يَبِيعُ الخبزَ من أحَدٍ، وإِنْ باعَه اسْتَردَّه، فإنْ لم يَعْرِفْ صاحِبَه، تَصَدَّقَ بثَمَنِه، ويُطْعِمُه من الدَّوابِّ ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه، ولا يُطْعَمُ لما (١٥) يُؤكَلُ، إلا أَنْ يكونَ إذا أطْعَمَه لم يُذْبَحْ حتى يكونَ له ثلاثةُ أيَّامٍ. على معنى الجَلَّالةِ. قيل له: أليس قال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ (١٦) " (١٧)؟ . قال: ليس هذا بمنزلةِ الْمَيِّتِ، إنَّمَا اشْتَبَه عليه. قيل له: فهو بمَنْزلَةِ كَسْبِ الحَجَّام، يُطْعَمُ النَّاضِحَ والرَّقِيقَ؟ قال: هذا أشدُّ عِنْدِى، لا يُطْعَمُ الرَّقِيقَ، لكن يُعْلِفُه (١٨) البهائِمَ. قيل له: أيْش (١٩) الحُجَّةُ؟ قال: حَدَّثَنا عبدُ الصَّمَدِ، عن صَخْرٍ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ قَوْمًا اخْتَبَزُوا مِن آبار الذين مُسِخُوا، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "أَطْعِمُوهُ النَّوَاضِحَ". فصل: قال أحمدُ: لا أرى أَنْ يُطْعِمَ كلبَه المعلَّم الْمَيْتةَ، ولا الطَّيرَ المُعلَّمَ؛ لأنَّه يضْرِبُه على الْمَيتَةِ، فإنْ أَكَلَ الكلبُ، فلا أرى صاحِبَه حَرِجًا (٢٠). ولعلَّ أحمدَ كَرِهَ أَنْ يكونَ الكلبُ المُعلَّمُ إذا صادَ وقتلَ أكلَ منه، لِتَضْرِيَتِه بإطعامِه المَيْتَةَ. ولم يكْرَهْ مالِكٌ إطعامَ كلبِه وطيرِه الْمَيتَةَ؛ لأنَّه غيرُ مَأْكولٍ، إذا كان لا يشْرَبُ فى إنائِه. فصل: قال أحمد: أكرْهُ أكلَ الطِّينِ، ولا يَصِحُّ فيه حَدِيثٌ، إلَّا أنَّه يَضُرُّ بالبَدَنِ، ويُقال: إنَّه رَدِئٌ، وتَرْكُه خَيْرٌ من أكله. وإنَّما كَرِهَه أحمدُ لأجْلِ مَضَرَّتِه. فإنْ كان منه ما يُتَدَاوَى به، كالطينِ الأَرْمَنِىِّ، فلا يُكْرَه، وإِنْ كان ممَّا لا مَضَرَّةَ فيه ولا نَفْعٌ، كالشىءِ

стр. 7039

اليسيرِ، جازَ أكلُه؛ لأنَّ الأَصْلَ الإِباحَةُ، والمَعْنَى الذى لأَجْلِه كُرِه ما يضُرُّ (٢١) مُنْتَفٍ ههُنا، فلم يُكْرَه. فصل: ويُكْرَهُ أَكْلُ البَصَلِ، والثُّومِ والكُرّاثِ، والفُجْلِ، وكُلِّ ذِى رائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، من أجلِ رائِحَتِه، سَواءٌ أرادَ دُخولَ المسْجِدِ أو لم يُرِدْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ". روَاه ابنُ ماجَه (٢٢). وإِنْ أكَلَه لم يَقْرَبْ من المسجدِ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا". وفى روايةٍ: "فَلَا يَقْربنا فِى مَسَاجِدِنَا". روَاه التِّرْمِذِىُّ (٢٣)، وقال: حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ. وليس أكلُها مُحَرَّمًا؛ لما رَوَى أبو أَيُّوبَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ إليه بطعام لم يَأْكُلْ منه النَّبِىُّ ﷺ ، فذكر ذلك له، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "فِيهِ الثُّومُ". فقال: يا رسولَ اللَّه، أَحَرامٌ هو؟ قال: "لَا، ولكِنَّنِى أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ". قال التِّرمِذِىُّ (٢٤): هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورُوِىَ (٢٥) أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لعلىٍّ: "كُلِ الثُّومَ، فَلوْلَا أَنَّ [المَلَكَ يَأْتِينى] (٢٦) لأَكَلْتُهُ" (٢٧). وإنَّما منعَ أكلها لئلَّا يُؤْذِىَ الناسَ برائِحَتِه، ولذلك نُهىَ عن قُرْبانِ المساجِد، فإنْ أَتَى المساجدَ كُرِهَ له ذلك، ولم يَحْرُمْ عليه؛ لما رَوَى الْمُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: أكَلْتُ ثُومًا، وأتَيْتُ مُصَلَّى رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد سُبِقْتُ برَكْعَةٍ، فلمَّا دَخَلْتُ المسجدَ، وَجَدَ رسولُ اللَّه ﷺ رِيحَ الثُّومِ، فلما قَضَى صلاتَه، قال: "مَنْ أَكَلَ

стр. 7040

مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبْنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا". فجِئْتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه: لِتُعْطِنِى يدَكَ. قال: فأَدْخَلْتُ يدَه فى كُمِّ قَمِيصِى إلى صَدْرِى، فإذا أنا مَعْصُوبُ الصَّدْرِ، فقال: "إنَّ لَكَ عُذْرًا". روَاه أبو داودَ (٢٨). وقد رُوِىَ عن أحمد، أنَّه يأْثَمُ؛ لأنَّ ظاهِرَ النَّهْى التَّحْرِيمُ، ولأنَّ أَذَى المسلمينَ حَرامٌ، وهذا فيه أَذاهُم. فصل: ويُكْرَهُ أكلُ الغُدَّةِ، وأذُنِ القلبِ (٢٩)؛ لما رُوِىَ عن مُجاهدٍ، قال: كَرِهَ رسولُ اللَّه ﷺ مِن الشَّاةِ سِتًّا. وذَكَرَ هذَيْن (٣٠). ولأن النَّفْسَ تعافُهما وتَسْتَخْبثُهما، ولا أظُنُّ أحمدَ كَرِهَهُما إلَّا لذلك، لا للخَبَرِ؛ لأَنَّه قال فيه: هذا حَدِيثٌ منكرٌ. ولأنَّ فى الخَبَرِ ذكرُ الطِّحالِ (٣١)، وقد قال أحمدُ: لا بَأْسَ بِه، ولا أَكْرَهُ منه شيئًا. فصل: وقيلَ لأبى عبدِ اللَّه: الجُبْن؟ قال: يُؤْكَلُ من كلٍّ. وسُئِلَ عن الجُبْنِ الذى يَصْنَعُه الْمَجُوس؟ فقال ما أدْرِى، إلَّا أَنَّ أصَحّ حَدِيثٍ فيه حَدِيثُ الأعْمَش، عن أبى وائِلٍ، عن عَمْرو بن شُرَحْبِيلٍ، قال: سُئِلَ عمرُ عن الْجُبنِ، وقيل له: يُعْمَلُ فيه الإِنْفحَةُ المَيِّتَةُ. فقال: سَمُّوا أنتم، وكُلُوا. روَاه أبو مُعاوِية، عن الأَعْمَشِ (٣٢). وقال: ألَيْسَ الجُبْنُ الذى نَأْكُلُه عامَّتُه يَصْنَعُه الْمَجُوسُ؟ فصل: ولا يجوزُ أَنْ يَشْتَرىَ الجَوْزَ الذى يتَقامَرُ به الصِّبيانُ، ولا البَيْضَ الذى يتَقامَرُون به يومَ العِمِدِ؛ لأنَّهُم يَأْخُذُونَه بغَيرِ حَقٍّ. فصل: قال أحمدُ: والضِّيافةُ على كلِّ المسلمين، كلُّ مَن نزل عليه ضيفٌ كان عليه أَنْ
следующие страницы →