← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

أنَّه لو ماتَ. وعنه، رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، ما أصلُه الماءُ كالخَلِّ التَّمْرِىِّ، يَدْفَعُ النجاسَةَ عن نفسِه إذا كَثُرَ، وما ليس أصلُه الماءَ، لا يَدْفَعُ عن نفسِه. قال الْمَرُّوذِىُّ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّه: فإنْ وَقَعَتِ النَّجاسَةُ فى خَلٍّ أو دِبْسٍ؟ فقال: أمَّا الْخَلُّ فأصلُه الماءُ، يَعُودُ إلى أَنْ يكونَ ماءً إذا حُمِلَ عليه. وقال ابن مسعودٍ، فى فَأْرةٍ وقَعَتْ فى سَمْنٍ: إنَّما حَرُمَ من المَيْتَةِ لَحْمُها ودَمُها (٣). ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه سُئِلَ عن فَأْرَةٍ وقَعتْ (٤) فى سَمْنٍ؟ فقال: "إِنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا (٥) ومَا حَوْلَهَا، فَأَلْقُوه، وإِنْ كَان مَائِعًا، فَلَا تَقْرَبُوه" (٦). ولأنَّ غيرَ الماءِ ليس بطَهُورٍ، فلا يَدْفَعُ النَّجاسَةَ عن نَفْسِه، وحُكْمُ الجامِدِ قد ذَكَرْناه فيما تَقَدَّم. واخْتَلَفَت الرِّوايَةُ فى الاسْتِصْباحِ بالزَّيْتِ النَّجِسِ، فأكثرُ الرِّواياتِ إباحَتُه؛ لأنَّ ابنَ عمرَ أمَرَ أَنْ يُسْتَصْبَحَ به. ويجوزُ أَنْ تُطْلَى به سَفِينَةٌ. وهذا قولُ الشافِعِىِّ. وعن أحمدَ، لا يَجوزُ الاسْتِصْباحُ به. وهو قولُ ابنِ الْمُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ عن شُحومِ المَيْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجلودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها النَّاسُ؟ فقال: "لَا، هُوَ حَرَامٌ" (٧). وهذا فى مَعْناهُ. ولَنا، أنَّه زَيْتٌ أَمْكَنَ الانْتِفاعُ به من غيرِ ضرَرٍ، فجازَ، كالطاهِرِ. وقد جاءَ عن النَّبِىِّ ﷺ فى العَجِينِ الذى عُجِنَ بماءٍ من آبارِ ثَمُودَ، أنَّه نَهاهُم عن أكلِه، وأمرَهُم أَنْ يَعْلِفُوه النَّوَاضِحَ (٨). وهذا الزَّيتُ ليس بِمَيْتَةٍ، ولا هو من شُحومِها، فيتناوَلُه الخبرُ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَسْتَصْبِحُ به على وَجْهٍ لا يَمَسُّه، ولا تَتَعَدَّى نجاسَتُه إليه؛ إمَّا أَنْ يجعلَ الزَّيْتَ فى إبْرِيقٍ له بُلْبُلَةٌ، ويَصُبَّ منه فى المِصْباحِ، ولا يَمَسَّه، وإمَّا أَنْ يَدَعَ على رأسِ الْجَرَّةِ التى فيها الزَّيْتُ سِرَاجًا مَثْقُوبًا، أو قِنْدِيلًا فيه ثَقْبٌ، ويُطَيِّنَه على رأسِ إناءِ الزَّيْتِ، أو يُشَمِّعَه، وكلّما نقَصَ زَيْتُ السِّراجِ

стр. 7037

صَبَّ فيه ماءً، بحيثُ يرتَفعُ الزَّيْتُ، فيَمْلأُ السِّراجَ، وما أشْبَهَ هذا، ولم يَرَ أبو عبد اللَّه أن تُدْهَنَ بها الجلودُ، وقال: يُجْعَلُ منه الأسْقِيَةُ والقِرَبُ. ونُقِلَ عن ابنِ (٩) عمرَ، أنَّه تُدْهَنُ به الجلودُ. وعَجِبَ أحمدُ من هذا، وقال: إنَّ فى هذا لَعَجَبًا، شىءٌ يُلْبَسُ يُطَيَّبُ بشىءٍ فيه مَيْتَةٌ! فعَلَى قولِ أحمدَ، كُلُّ انْتِفاع يُفْضِى إلى تَنْجِيسِ إنسانٍ لا يجوزُ، وإِنْ لم يُفْضِ إلى ذلك جازَ. فأمَّا أكْلُه فلا إشْكالَ فى تَحْرِيمِه؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَقْرَبُوهُ". ولأنَّ النَّجِسَ خَبِيثٌ، وقد حَرَّمَ اللَّهُ الْخَبَائِثَ. وأما بَيْعُه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ﵀، تَحْرِيمُه؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : " [إنَّ اللَّه إذَا حَرَّمَ] (١٠) شَيْئًا، حَرَّمَ ثَمَنَهُ". وقال أبو موسى: لُتُّوهُ بالسَّوِيقِ وبِيعُوه، ولا تَبِيعُوه من مُسْلمٍ، وَبيِّنُوهُ. وحَكَى أبو الخطاب عن أحمد روايةً، أَنَّه يُباعُ لكافِرٍ بشرطِ أَنْ يعلمَ بِنَجاسَتِه؛ لأنَّ الكفارَ يعتقدُون حلّه، ويستبيحُون أَكْلَه. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، وبَاعُوهَا، وأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وكَوْنُهم يَعْتَقِدُون حِلَّه، لا يُجَوِّزُ لنا بَيْعَه لهم كالخمرِ والخِنْزيرِ. فصل: فأمَّا شُحومُ المَيْتَةِ، وشَحْمُ الخِنْزِيرِ، فلا يجوز الانْتِفاعُ به باسْتِصْباحٍ ولا غيرِه، ولا أَنْ تُطْلَى بها (١٢) السُّفُنُ ولا الجلودُ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ والْخِنْزِيرَ والْأَصْنَامَ". قالوا: يا رسولَ اللَّه، شُحومُ المَيْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، ويُدْهَنُ بها الجُلودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها (٩) الناسُ؟ قال: "لَا، هِىَ حَرَامٌ". مُتَّفَقٌ عليه (١٣). فصل: إذا اسْتُصْبِحَ بالزَّيْتِ النَّجِسِ، فدُخانُه نَجِسٌ؛ لأنَّه جُزْءٌ يسْتحِيلُ (١٤) منه،

стр. 7038

والاسْتِحالَةُ لا تُطَهِّرُ. فإنْ عَلِقَ بشىءٍ، وكان يسيرًا، عُفِىَ عنه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فأشْبَهَ دَمَ الْبَراغِيثِ، وإن كان كثيرًا، لم يُعْفَ عنه. فصل: سُئِلَ أحمدُ عن خَبَّازٍ خَبَزَ خُبْزًا، فباعَ منه، ثم نظَرَ فى الماءِ الذى عَجَنَ مِنْه، فإذا فيه فَأْرَةٌ؟ فقال: لا يَبِيعُ الخبزَ من أحَدٍ، وإِنْ باعَه اسْتَردَّه، فإنْ لم يَعْرِفْ صاحِبَه، تَصَدَّقَ بثَمَنِه، ويُطْعِمُه من الدَّوابِّ ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه، ولا يُطْعَمُ لما (١٥) يُؤكَلُ، إلا أَنْ يكونَ إذا أطْعَمَه لم يُذْبَحْ حتى يكونَ له ثلاثةُ أيَّامٍ. على معنى الجَلَّالةِ. قيل له: أليس قال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ (١٦) " (١٧)؟ . قال: ليس هذا بمنزلةِ الْمَيِّتِ، إنَّمَا اشْتَبَه عليه. قيل له: فهو بمَنْزلَةِ كَسْبِ الحَجَّام، يُطْعَمُ النَّاضِحَ والرَّقِيقَ؟ قال: هذا أشدُّ عِنْدِى، لا يُطْعَمُ الرَّقِيقَ، لكن يُعْلِفُه (١٨) البهائِمَ. قيل له: أيْش (١٩) الحُجَّةُ؟ قال: حَدَّثَنا عبدُ الصَّمَدِ، عن صَخْرٍ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ قَوْمًا اخْتَبَزُوا مِن آبار الذين مُسِخُوا، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "أَطْعِمُوهُ النَّوَاضِحَ". فصل: قال أحمدُ: لا أرى أَنْ يُطْعِمَ كلبَه المعلَّم الْمَيْتةَ، ولا الطَّيرَ المُعلَّمَ؛ لأنَّه يضْرِبُه على الْمَيتَةِ، فإنْ أَكَلَ الكلبُ، فلا أرى صاحِبَه حَرِجًا (٢٠). ولعلَّ أحمدَ كَرِهَ أَنْ يكونَ الكلبُ المُعلَّمُ إذا صادَ وقتلَ أكلَ منه، لِتَضْرِيَتِه بإطعامِه المَيْتَةَ. ولم يكْرَهْ مالِكٌ إطعامَ كلبِه وطيرِه الْمَيتَةَ؛ لأنَّه غيرُ مَأْكولٍ، إذا كان لا يشْرَبُ فى إنائِه. فصل: قال أحمد: أكرْهُ أكلَ الطِّينِ، ولا يَصِحُّ فيه حَدِيثٌ، إلَّا أنَّه يَضُرُّ بالبَدَنِ، ويُقال: إنَّه رَدِئٌ، وتَرْكُه خَيْرٌ من أكله. وإنَّما كَرِهَه أحمدُ لأجْلِ مَضَرَّتِه. فإنْ كان منه ما يُتَدَاوَى به، كالطينِ الأَرْمَنِىِّ، فلا يُكْرَه، وإِنْ كان ممَّا لا مَضَرَّةَ فيه ولا نَفْعٌ، كالشىءِ

стр. 7039

اليسيرِ، جازَ أكلُه؛ لأنَّ الأَصْلَ الإِباحَةُ، والمَعْنَى الذى لأَجْلِه كُرِه ما يضُرُّ (٢١) مُنْتَفٍ ههُنا، فلم يُكْرَه. فصل: ويُكْرَهُ أَكْلُ البَصَلِ، والثُّومِ والكُرّاثِ، والفُجْلِ، وكُلِّ ذِى رائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، من أجلِ رائِحَتِه، سَواءٌ أرادَ دُخولَ المسْجِدِ أو لم يُرِدْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ". روَاه ابنُ ماجَه (٢٢). وإِنْ أكَلَه لم يَقْرَبْ من المسجدِ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا". وفى روايةٍ: "فَلَا يَقْربنا فِى مَسَاجِدِنَا". روَاه التِّرْمِذِىُّ (٢٣)، وقال: حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ. وليس أكلُها مُحَرَّمًا؛ لما رَوَى أبو أَيُّوبَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ إليه بطعام لم يَأْكُلْ منه النَّبِىُّ ﷺ ، فذكر ذلك له، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "فِيهِ الثُّومُ". فقال: يا رسولَ اللَّه، أَحَرامٌ هو؟ قال: "لَا، ولكِنَّنِى أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ". قال التِّرمِذِىُّ (٢٤): هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورُوِىَ (٢٥) أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لعلىٍّ: "كُلِ الثُّومَ، فَلوْلَا أَنَّ [المَلَكَ يَأْتِينى] (٢٦) لأَكَلْتُهُ" (٢٧). وإنَّما منعَ أكلها لئلَّا يُؤْذِىَ الناسَ برائِحَتِه، ولذلك نُهىَ عن قُرْبانِ المساجِد، فإنْ أَتَى المساجدَ كُرِهَ له ذلك، ولم يَحْرُمْ عليه؛ لما رَوَى الْمُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: أكَلْتُ ثُومًا، وأتَيْتُ مُصَلَّى رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد سُبِقْتُ برَكْعَةٍ، فلمَّا دَخَلْتُ المسجدَ، وَجَدَ رسولُ اللَّه ﷺ رِيحَ الثُّومِ، فلما قَضَى صلاتَه، قال: "مَنْ أَكَلَ

стр. 7040

مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبْنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا". فجِئْتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه: لِتُعْطِنِى يدَكَ. قال: فأَدْخَلْتُ يدَه فى كُمِّ قَمِيصِى إلى صَدْرِى، فإذا أنا مَعْصُوبُ الصَّدْرِ، فقال: "إنَّ لَكَ عُذْرًا". روَاه أبو داودَ (٢٨). وقد رُوِىَ عن أحمد، أنَّه يأْثَمُ؛ لأنَّ ظاهِرَ النَّهْى التَّحْرِيمُ، ولأنَّ أَذَى المسلمينَ حَرامٌ، وهذا فيه أَذاهُم. فصل: ويُكْرَهُ أكلُ الغُدَّةِ، وأذُنِ القلبِ (٢٩)؛ لما رُوِىَ عن مُجاهدٍ، قال: كَرِهَ رسولُ اللَّه ﷺ مِن الشَّاةِ سِتًّا. وذَكَرَ هذَيْن (٣٠). ولأن النَّفْسَ تعافُهما وتَسْتَخْبثُهما، ولا أظُنُّ أحمدَ كَرِهَهُما إلَّا لذلك، لا للخَبَرِ؛ لأَنَّه قال فيه: هذا حَدِيثٌ منكرٌ. ولأنَّ فى الخَبَرِ ذكرُ الطِّحالِ (٣١)، وقد قال أحمدُ: لا بَأْسَ بِه، ولا أَكْرَهُ منه شيئًا. فصل: وقيلَ لأبى عبدِ اللَّه: الجُبْن؟ قال: يُؤْكَلُ من كلٍّ. وسُئِلَ عن الجُبْنِ الذى يَصْنَعُه الْمَجُوس؟ فقال ما أدْرِى، إلَّا أَنَّ أصَحّ حَدِيثٍ فيه حَدِيثُ الأعْمَش، عن أبى وائِلٍ، عن عَمْرو بن شُرَحْبِيلٍ، قال: سُئِلَ عمرُ عن الْجُبنِ، وقيل له: يُعْمَلُ فيه الإِنْفحَةُ المَيِّتَةُ. فقال: سَمُّوا أنتم، وكُلُوا. روَاه أبو مُعاوِية، عن الأَعْمَشِ (٣٢). وقال: ألَيْسَ الجُبْنُ الذى نَأْكُلُه عامَّتُه يَصْنَعُه الْمَجُوسُ؟ فصل: ولا يجوزُ أَنْ يَشْتَرىَ الجَوْزَ الذى يتَقامَرُ به الصِّبيانُ، ولا البَيْضَ الذى يتَقامَرُون به يومَ العِمِدِ؛ لأنَّهُم يَأْخُذُونَه بغَيرِ حَقٍّ. فصل: قال أحمدُ: والضِّيافةُ على كلِّ المسلمين، كلُّ مَن نزل عليه ضيفٌ كان عليه أَنْ

стр. 7041

يُضِيفَه. قيل: إنْ ضَافَ الرجُلَ ضَيفٌ كافرٌ يُضِيفُه؟ قال: قال النَّبِىُّ ﷺ : "لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ على كلِّ مُسْلِمٍ" (٣٣). وهذا الحديثُ بَيِّن، ولما أضافَ المشركَ دَلَّ على أَنَّ المسلمَ والمُشْرِكَ يُضافُ، وأنا أراه كذلك. والضِّيافَةُ معناها معنى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ على المسلمِ والكافِرِ. واليومُ والليلةُ حَقٌّ واجِبٌ. وقال الشافِعِىُّ: ذلك مُسْتَحَبٌّ، وليس بواجِبٍ؛ لأنَّه غيرُ مُضْطَرٍّ إلى طعامِه، فلم يجبْ عليه بَذْلُه، كما لو لم يُضِفْه. ولَنا، ما رَوَى الْمِقدامُ أبو كَرِيمةَ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ، فإنْ أصْبَحَ بفِنَائِهِ، فَهُوَ دَيْنٌ علَيْهِ، إِنْ شَاءَ اقْتَضَى، وإِنْ شَاءَ تَرَكَ". حديث صحيح (٣٤). وفى لفظٍ: "أيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا، فأصبَحَ الضَّيفُ مَحْرُومًا، فَإِنَّ نَصْرَهُ عَلَى كُلِّ مُسْلمٍ حَقٌّ، يأخذُ بِحَقِّه مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ". روَاه أبو داودَ (٣٥). والواجبُ يومٌ ولَيْلَة، والكمالُ ثلاثةُ أيَّامٍ؛ لما رَوَى أبو شُرَيْحٍ الخُزاعِىُّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الضِّيافَةُ ثلاثَةُ أيامٍ، وجائِزَتُه يومٌ ولَيْلَةٌ، ولَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يقيمَ عِنْدَ أخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ". قالوا: يا رسولَ اللَّه، كيف يُؤْثِمُهُ؟ قال: "يقيمُ عِنْدَهُ، ولَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَقْرِيهِ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٦). قال أحمدُ: "جائِزَتُه يومٌ وليلَةٌ" كأنَّه أوْكَدُ من سائِرِ الثلاثةِ، ولم يُرِدْ يومًا وليلةً سِوَى الثلاثَةِ؛ لأنَّه يصيرُ أربعةَ أيام، وقد قال: "وَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ".

стр. 7042

فإن امْتَنَعَ من إضافَتِه، فللضَّيْفِ بقَدْرِ ضِيافَتِه. قال أحمدُ: له أَنْ يُطالِبَهم بحَقِّه الذى جَعَلَه له النَّبِىُّ ﷺ ، ولا يأخُذُ شيئا إلَّا بِعِلْمِ أهْلِه. وعنه، رِوايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ له أَنْ (٣٧) يأخُذَ ما يَكْفِيه بغيرِ إذْنِهم؛ لما رَوَى عُقْبةُ بنُ عامِرٍ، قال: قُلْنا: يا رسولَ اللَّه، إنَّك تَبْعَثُنا، فنَنْزِلُ بقومٍ لا يَقْرُونَنا. قال: "إذَا نَزَلْتُم بِقَوْمٍ، فَأمرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِى لِلضَّيْفِ، فَاقْبَلُوا، فإنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِى يَنْبَغِى لَهُمْ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٨). وقال أحمدُ، فى تفسيرِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ" (٣٩). يعنى أَنْ يأخُذَ من أرضهمِ وزَرْعِهم وضَرْعِهم بقَدْرِ ما يكْفِيه، بغيرِ إذْنِهم. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أخْرَى، أَنَّ الضيافَةَ على أهلِ القُرَى دُونَ أهْلِ الأَمْصارِ. قال الأثْرَمُ: سمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن الضِّيافَةِ، أىَّ شىءٍ تَذْهَبُ فيها؟ قال: هى مُؤكَّدَةٌ، وكأنَّها على أهلِ الطُّرُقِ (٤٠) والقُرَى الذين يَمُرُّ بِهم الناسُ أوْكَدُ، فأمَّا مِثْلُنا الآنَ، فكأنَّه ليس مِثْلَ أولئك. فصل: قال المَرُّوذِىُّ: سَألْتُ أبا عبدِ اللَّه، قُلْتُ: تَكْرَهُ الخُبْزَ الكِبارَ؟ قال: نعم، أَكْرَهَهُ، ليس فيه بَرَكَةٌ، إنَّما البَرَكَةُ فى الصِّغارِ. وقال: مُرْهُم أَنْ لا يَخْبِزُوا كبارًا. قال: ورَأَيْتُ (٤١) أبا عبدِ اللَّه يغْسِلُ يَدَيْهِ قبلَ الطعامِ وبعدَه، وإِنْ كانَ على وُضوءٍ. وقال مُهَنَّا: وذَكَرْتُ (٤٢) ليحيى بنِ مَعِين حَدِيثَ قَيْس بنِ الرَّبِيعِ، عن أبى هاشِمٍ، عن زَاذَانَ، عن سَلْمانَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ

стр. 7043

وبَعْدَهُ" (٤٣). فقال لى يحيى: ما أَحْسَنَ الوضوءَ قَبْلَه وبَعْدَه. وذكرتُ الحديثَ لأحمدَ فقال: ما حَدَّثَ بهذا (٤٤) إلَّا قَيْسُ بنُ الرَّبِيعِ، وهو مُنْكَرُ الحَدِيث. قلتُ: بَلَغَنِى عن يحيَى بنِ سعيدٍ قال: كان سفيانُ يكرَهُ غَسْلَ اليَدِ عندَ الطعامِ، لِمَ كَرِهَ (٤٥) سفيانُ ذلك؟ قال: لأنَّه من زِىِّ العَجَمِ. قلتُ: بَلَغَنِى عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: كان سفيانُ يكْرَهُ أَنْ يكونَ تحتَ القَصْعَةِ الرَّغيفُ، لِمَ كَرِهَه سفيانُ؟ قال: كَرِهَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الطعامُ. قلتُ: تَكْرَهُه أنْتَ؟ قال: نَعَمْ. وروى عن عُقَيْل، قال: حَضَرْتُ مع ابنِ شِهابٍ وَلِيمةً، فَفَرَشُوا المائِدَةَ بالخُبْزِ، فقال: لا تَتَّخِذُوا الخبزَ بِساطًا. وقال المَرُّوذِىُّ: قلتُ لأَبِى عبد اللَّه: إنَّ أبا مَعْمَرٍ قال: إنَّ أبا أسامَةَ قَدَّمَ إليهم خُبْزًا، فكَسَرَهُ. قال: هذا لِئَلَّا تَعْرِفُوا كم تَأْكُلُون. وقيل لأبِى عبدِ اللَّه: يُكْرَهُ الأكلُ مُتَّكِئًا؟ قال: أليس قال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا آكُلُ مُتَّكِئًا". روَاه أبو داود (٤٦). وعن شعيبِ [بنِ عبدِ اللَّه] (٤٧) بن عمرٍو، عن أبِيه، قال: ما رُئِىَ رسولُ اللَّه أن يأكُلُ مُتَّكِئًا قَطّ. روَاه أبو داود (٤٨). وعَن ابنِ عمرَ قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ أَنْ يأْكُلَ الرجلُ وهو مُنْبَطِحٌ. روَاه أبو داودَ (٤٩). فصل: وتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عندَ الطَّعامِ، وحَمْدُ اللَّه عندَ آخِرِه؛ لما روَى عمرُ بن أبى سَلَمَةَ (٥٠)، قال: أكلْتُ مع النَّبِىِّ ﷺ ، فجالَتْ يَدى فى القَصْعَةِ، فقال: "سَمِّ

стр. 7044

اللَّهَ، وكلْ بِيَمِينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ". قال فما زَالَت أَكْلَتِى بعد. [مُتَّفَقٌ عليه، و] (٥١) رواه ابن ماجه بمَعْناه، وأبو داود (٥٢). ورَوَى الإمامُ أحمدُ (٥٣)، بإسْنادِه عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: لا أعلَمُه إلَّا عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "للطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلُ مَا لِلصَّائِمِ الصَّابِرِ". قال أحمد: مَعْناهُ إذا أكَلَ وشَرِبَ، يشْكُرُ اللَّه ويَحْمَدُه على ما رَزَقَه. وعن عائِشَةَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إِذَا أَكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، [فَإِنْ نَسِىَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ] (٥٤) فِى أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وآخِرَهُ". روَاه أبو داودَ (٥٥). وعن مُعاذِ بن أَنَسٍ، عن رسولِ اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أَكَلَ طَعَامًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى [أَطعَمَنِى هذا، ورَزَقَنِيهِ، مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّى وَلَا قُوَّةٍ. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ". وعن أبى سَعِيدٍ، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ ، إِذا أَكَلَ طَعامًا قال: "الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى] (٥٤) أطْعَمَنَا، وسَقَانَا، وجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ". وعن أبى أمامَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان إذا رُفِعَ طَعامُه، أو ما بَيْن يَدَيْه، قال: "الْحَمْدُ للَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِىٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ". روَاهُنَّ ابنُ ماجَه (٥٦). فصل: ويَأْكُلُ بِيَميِنِه، ويَشْرَبُ بها، لما رَوَى ابنُ عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَميِنِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَميِنِهِ؛ فَإنَّ الشيطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، ويَشْرَبُ بِشِمَالِهِ". روَاه مسلمٌ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه (٥٧). ويستحَبُّ الأكلُ بثلاثِ أصابعَ؛ لما روَى كعبُ بن مالكٍ، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يأْكُلُ بثلاثِ

стр. 7045

أصابعَ، ولا يَمْسَحُ يَدَه حَتى يَلْعَقَها. روَاه الإِمامُ أحمدُ (٥٨). وذُكِرَ له حديثٌ تَرْوِيه ابْنةُ الزُّهْرِىِّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يأكُلُ بكَفِّه كُلِّها (٥٨)، فلم يُصَحِّحْه، ولم يَرَ إلَّا ثلاثَ أصابعَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه أَكَلَ خَبِيصًا (٥٩) بكفِّه كُلِّها. ورُوِىَ عن عبدِ اللَّه بنِ بُرَيْدَةَ، أنَّه كان يَنْهَى بَناتَه أَنْ يأْكُلْنَ بثلاثِ أصابعَ، وقال: لا تَشَبَّهْنَ بالرِّجالِ. فصل: قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ، عن حديثِ عائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بالسِّكِّينِ؛ فَإنَّ ذلك صَنِيعُ (٦٠) الْأَعاجِمِ" (٦١). فقال: ليس بصحيح، لا نَعْرِفُ هذا. وقال: حَدِيثُ عَمرِو بن أُمَيّةَ الضَّمْرِىِّ (٦٢) خلافُ هذا، كان النَّبِىُّ ﷺ يَحْتَزُّ من لَحْمِ الشَّاةِ، فقام إلى الصلاةِ، وطَرَحَ السِّكِّينَ (٦٣). وحَدِيثُ مِسْعَرٍ، عن جامِعِ بنِ شَدَّادٍ، عن المُغِيرَة اليَشْكُرِىِّ، عن المُغِيرَة بن شُعْبَةَ: ضِفْتُ برسولِ اللَّه ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ فأمَرَ بِجَنْبٍ فشُوِىَ، ثم أخَذَ الشَّفْرةَ، فجعلَ يحُزُّ، فجاءَ بلالٌ يُؤذِنُه بالصلاةِ، فأَلْقَى الشَّفْرَةَ (٦٤). قال: وسألتُ أحمدَ، عن حديثِ أبى جُحَيْفَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّه قال: "اكْفُفْ جُشَاءَكَ يَا أبا جُحَيْفَةَ، فإنَّ أكْثَرَكُمْ شِبَعًا الْيَوْمَ أكْثَرُكُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٦٥). فقال هو ويحيى جميعًا: ليس بصحيحٍ. فصل: ورُوِىَ عن ابنِ عبّاسٍ قال: لم يكُنْ رسولُ اللَّه ﷺ ينْفُخُ فى طعامٍ ولا شَرابٍ، ولا يتنفَّسُ فى الإناءِ (٦٦). وعن أنسٍ، قال: ما أَكَلَ النَّبِىُّ ﷺ على خِوَانٍ ولا فى سُكُرَّجَةٍ (٦٧). قال قتادَةُ: فعلامَ كانُوا يأْكُلُون؟ قال: على السُّفَرِ (٦٦). وعن عائِشَةَ،

стр. 7046

أَنَّ النبِىَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُقامَ عن (٦٨) الطعامِ حتى يُرْفَعَ. وعن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ، فَلَا يَقُومُ (٦٩) رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ المائِدَةُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ وإِنْ شَبعَ حَتَّى يَفْرَغَ الْقَوْمُ، ولْيُعْذِرْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ، فَيَقْبِضُ يَدَهُ، وعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِى الطَّعَامِ حَاجَةٌ". وعن نُبَيْشَةَ، قال: قال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ فى قَصْعَةٍ، فلَحَسَها، اسْتَغفَرَتْ لَهُ القَصْعَةُ" (٧٠). وعن جابِرٍ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَمْسَحْ أَحَدُكُمْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَها، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِى فِى أَىِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ". روَاهُنَّ ابنُ ماجَه (٧١). فصل: وسُئِلَ أبو عبد اللَّه عن غَسْلِ اليدِ بالنُّخالَةِ (٧٢)؟ فقال: لا بَأسَ به، نحنُ نَفْعَلُه. وسُئِلَ عن الرَّجُلِ يأْتِى القومَ، وهم على طَعامٍ، فَجْأَة لم يُدْعَ إليه، فلمَّا دَخَلَ إليهم دَعَوْهُ، هل يَأْكُلُ؟ قال: نعم، وما بَأْسٌ. وسُئِلَ عن حديثِ النَّبِىِّ ﷺ ، أَنّه ادَّخَرَ لأَهْلِه قُوتَ سَنَةٍ (٧٣). هو صحيحٌ؟ قالا: نعم، ولكِنَّهم يختلِفُون فى لَفْظِه.

стр. 7047

فصل: عن أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ جاءَ إلى سعدِ بن عُبادَةَ، فجاءَ بخُبْزٍ وزَيْتٍ، فأَكَلَ، ثم قال النَّبِىُّ ﷺ : "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وصَلَّتْ عليْكُمُ الْمَلَائِكَةُ". وعن جابرٍ، قال: صَنَعَ أبو الْهَيْثَمِ بنُ التَّيِّهانِ للنَّبِىِّ ﷺ طعامًا، فدَعَا النَّبِىَّ ﷺ وأَصْحابَه، فلمَّا فَرَغُوا قال: "أَثِيبُوا أَخَاكُمْ". قالُوا: يا رسولَ اللَّه، وما إِثابَتُه؟ قال: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُخِلَ بَيْتُهُ، فأُكِلَ طَعَامُه، وشُرِبَ شَرَابُه، فَدَعَوْا لَه، فَذَلِكَ إِثَابَتُهُ". روَاهما (٧٤) أبو داودَ (٧٥). واللَّهُ أعلمُ.

стр. 7048

كتاب الأضَاحِى الأَصْلُ فى مَشْرُوعِيَّةِ الأُضْحِيَةِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ. أمَّا الكتابُ، فقولُ اللَّه سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١). قال بعضُ أهْلٍ التَّفْسيرِ: المُرادُ به الأُضْحِيَةُ بعدَ صلاةِ العِيدِ. وأمَّا السُّنَّةُ، فما رَوَى أنَسٌ، قال: ضَحَّى النَّبِىُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُما بِيَدِه، وسَمَّى، وكَبَّرَ، ووَضَعَ رِجْلَه على صِفَاحِهِما. مُتَّفَقٌ عليه (٢). والأَمْلَحُ: الذى فيه بياضٌ وسوادٌ، وبياضُه أغْلَبُ. قالَه الكِسَائِىُّ. وقال ابنُ الأعرابِىّ: هو النَّقِىُّ البياضِ. قال الشاعِرُ (٣): حتى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِناعًا أشْيَبَا أَمْلَحَ لا لَذًّا ولا مُحَبَّبَا وأجْمَعَ المسلمون على مَشْرُوعِيَّةِ الأُضْحِيَةِ. ١٧٤٨ - مسألة؛ قال: (والأُضْحِيَةُ سُنَّةٌ، لَا يُسْتَحَبُّ ترْكُهَا لِمَنْ يَقْدِرُ (١) عَلَيْهَا) أكثَرُ أهلِ العِلْمِ يَرَوْنَ الأُضْحِيَة سُنَّةً مؤكَّدَةً غيرَ واجِبَةٍ. رُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وبلال، وأبى مسعودٍ البَدْرِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال سُوَيْدُ بنُ غَفَلةَ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَلْقَمَةُ، والأَسْوَدُ، وعَطاءٌ، والشافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال رَبِيعةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ: هى واجِبَةٌ؛ لما رَوَى أبو هُريرَةَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَنْ كَانَ لَهُ سَعةٌ، ولَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ

стр. 7049

مُصَلَّانَا" (٢). وعن مِخْنَفِ بن سُلَيْم، أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: "يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ عَلَى كُلِّ أهْلِ بَيْتٍ، فِى كُلِّ عَامٍ، أُضْحَاةً وعَتِيرَة" (٣). ولَنا، ما رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٤)، بإسْنادِه عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ قال: "ثَلاثٌ كُتِبَتْ عَلَىَّ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطوُّعٌ". وفى رِوايةٍ: "الْوَتْرُ، والنَّحْرُ، ورَكْعَتَا الفَجْرِ". ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "مَنْ أرَادَ أَنْ يُضَحِّىَ، فدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ ولَا بَشَرتِهِ شَيْئًا". رواه مُسْلِمٌ (٥). عَلَّقَه على الإِرادَةِ، والواجِبُ. لا يُعَلَّقُ على الإِرادَةِ، ولأنَّها ذَبِيحَةٌ لم يَجِب تَفرِيقُ لحمِها، فلم تكُن واجبةً، كالعَقِيقَةِ، فأمَّا حَدِيثُهم فقد ضَعَّفَه أصْحابُ الحديثِ، ثم نَحْمِلُه على تأْكيدِ الاسْتِحْبابِ، كما قال: "غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" (٦). وقال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا" (٧). وقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى اليتيمِ: يُضَحِّى عنه ولِيُّه إذا كان مُوسِرًا. وهذا على سبيلِ التَّوْسِعَةِ فى يومِ العيدِ، لا على سبيلِ الإيجابِ. فصل: والأُضْحِيَةُ أفْضَلُ من الصَّدقَةِ بقِيمَتِها. نَصَّ عليه أحمدُ. وبهذا قال رَبِيعةُ، وأبو الزِّنادِ. ورُوِىَ عن بلال، أنَّه قال: ما أبالِى أَنْ لا أُضَحِّىَ إلَّا بدِيكٍ، ولأنْ أَضَعَهُ فى يَتِيمٍ

стр. 7050

قد تَرِبَ فُوهُ، فهو أَحَبُّ إلىَّ من أَنْ أُضَحِّىَ (٨). وبهذا قال الشَّعْبِىُّ وأبو ثورٍ. وقالت عائِشةُ: لأنْ أتصَدَّقَ بخاتَمِى هذا أَحَبُّ إلىَّ من أَنْ أُهْدِىَّ إلى البيتِ ألْفًا. ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ضَحَّى والخلفاءَ بعدَه، ولو عَلِمُوا أن الصَّدَقَةَ أفْضَلُ، لعَدَلُوا إلَيْها. ورَوَتْ عائِشَةُ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَا عَمِلَ ابنُ آدمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أحبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ إراقَةِ دَمٍ، وإنَّه لَيُؤتَى يَوْمَ الْقِيامَةِ بِقُرُونِهَا وأظْلَافِهَا وأشْعارِهَا، وإنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ قَبْلَ أَنْ يقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا". روَاه ابنُ ماجَه (٩). ولأنَّ إيثارَ الصَّدَقَةِ على الأُضْحِيَةِ يُفْضِى إلى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّها رسولُ اللَّه ﷺ . فأمَّا قولُ عائِشَةَ، فهو فى الهَدْى دُونَ الأُضْحِيَةِ، وليس الخلافُ فيه. ١٧٤٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّىَ، فَدخلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ ولَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا) ظاهِرُ هذا تَحْرِيمُ قَصِّ الشَّعَرِ. وهو قولُ بعضِ أصحابِنا. وحكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ وإسحاقَ وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ. وقال القاضِى، وجماعَةٌ من أصحابِنا: هو مكروهٌ، غيرُ مُحرَّمٍ. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِى، لقولِ عائشةَ: كُنْتُ أفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْى رسولِ اللَّه ﷺ ، ثم يُقَلّدُها بيَدِه، ثم يَبْعَث بها، ولا يَحْرُمُ عليه شىءٌ أحَلَّه اللَّه له، حتَّى ينْحَرَ الهَدْىَ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وقال أبو حنيفةَ: لا يُكْرَه ذلك؛ لأنَّه لا يَحْرُمُ عليه الوَطْءُ واللِّبَاسُ، فلا يُكْرَهُ له حَلْقُ الشَّعَرِ، وتَقْليمُ الأظْفارِ، كما لو لم يُرِدْ أَنْ يُضَحِّىَ. ولَنا، ما رَوَت أمُّ سَلَمَةَ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأرَادَ أحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّىَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ ولَا مِنْ أظْفارِهِ شَيْئًا، حَتَّى يُضَحِّىَ". روَاه مُسْلِم (٢). ومُقْتَضَى

стр. 7051

النَّهْى التَّحْريمُ، وهذا يردُّ القِياسَ ويُبْطِلُه (٣)، وحديثُهم عامٌّ، وهذا خاصٌّ يَجِبُ تَقْدِيمُه، وتَنْزيلُ (٤) العامِّ على [ما عَدا ما] (٥) تناوَلُه الحديثُ الخاصُّ، ولأنَّه يَجِبُ حَمْلُ حَدِيثهم على غيرِ مَحلِّ النِّزاعِ لوجُوهٍ؛ منها أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يكُنْ ليَفْعَلَ ما نَهَى عنه وإِنْ كان مَكْرُوهًا، قال اللَّه تعالى إخْبارًا عن شُعَيْبٍ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٦). ولأنَّ أقَلَّ أحْوالِ النَّهْى أَنْ يكونَ مكروهًا، ولم يكن النَّبِىُّ ﷺ لِيَفْعلَه، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ ما فَعَلَه فى حديث عائِشةَ على غيرِه، ولأنَّ عائشةَ إنَّما (٧) تعلَمُ ظاهِرًا ما يُباشِرُها (٨) به من المُباشَرَةِ، أو ما يَفْعَلُه دائِما، كاللِّباسِ والطِّيبِ، فأمَّا ما يفْعَلُه نادِرًا، كقَصِّ الشَّعَرِ، وقَلْمِ الأَظْفارِ، ممَّا لا يَفْعَلُه فى الأَيَّامِ إلَّا مَرَّةً، فالظاهِرُ أنها لم تُرِدْهُ بِخَبَرِها (٩)، وإن احْتَمَلَ إرادَتَها ايَّاه، فهو احْتِمالٌ بعيدٌ، وما كانَ هكذا، فاحْتِمالُ تَخْصِيصِه قريبٌ، فيكْفِى فيه أَدْنَى دَليلٍ، وخَبَرُنا دليلٌ قَوِىٌّ، فكان أَولَى بالتَّخْصِيصِ، ولأنَّ عائِشَةَ تُخْبِرُ عن [فِعْلِه و] (١٠) أمَّ سَلَمَةَ عن قولِه، والقَوْلُ يُقَدَّمُ على [الفِعْلِ؛ لاحْتمالِ] (١١) أَنْ يكونَ فعلُه خاصًّا له. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يتْرُكُ قَطْعَ الشَّعَرِ وتَقْلِيمَ الأظفارِ، فإنْ فَعَلَ اسْتَغْفَرَ اللَّه تعالَى. ولا فِدْيَةَ فيه إجْماعًا، سواءٌ فَعَلَه عَمْدًا أو نِسْيانًا (١٢). ١٧٥٠ - مسألة؛ قال: (وتُجْزِئُ الْبَدَنةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وكَذلِكَ الْبَقَرَةُ) وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ (١) مسعودٍ، وابنِ

стр. 7052

عَباسٍ، وعائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، وسالمٌ، والحسنُ، وعمرُو بن ديْنارٍ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن عمرَ، أَنَّه قال: لا تُجْزِئُ نَفْسٌ واحِدَةٌ عن سَبْعَةٍ. ونحوُه قولُ مالِكٍ. قال أحمدُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا إلَّا يُرَخِّصُ فى ذلك، إلَّا ابن عمرَ. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ الْجَزُورَ عن عشرةٍ، والبقَرَةَ عن سبعةٍ. وبه قال إسحاقُ؛ لما رَوَى رافِعٌ، أنّ النَّبِىَّ ﷺ قسَم فعَدَلَ عشرةُ من الغَنَمِ ببَعِيرٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللَّه ﷺ فى سَفَرٍ، فحَضَرَ الأضْحَى، فاشْتَرَكْنا فى الْجَزُورِ عن عشرةٍ، والبقرةِ عن سبعةٍ. روَاه ابنُ ماجَه (٣). ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، قال: نَحَرْنا بالحُدَيْبِيَةِ مع النَّبىِّ ﷺ [البَدَنَةَ عن سبعةٍ، والبقرةَ عن سبعةٍ (٤). وقال أيضًا: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مع رسولِ اللَّه ﷺ ] (٥)، فَنَذْبَحُ البقرةَ

стр. 7053

عن سبعةٍ، نَشْتَرِكُ فيها. روَاه مُسْلِم (٦). وهذان أصَحُّ (٧) من حَديثِهم. وأمَّا حَدِيثُ رافِعٍ، فهو فى القِسْمَةِ، لا فى الأُضْحِيَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فسواءٌ كان المشتركون من أهلِ بيتٍ، أو لم يكونُوا، مُفْترِضين أو مُتطوِّعين، أو كان بعضُهم يُرِيد القُرْبةَ وبعضُهم يريدُ اللَّحْمَ؛ لأنَّ كُلَّ إنسانٍ منهم إنَّما يُجْزِئُ عنه نَصيبُه، فلا تَضُرُّه نِيَّةُ غيرِه فى غيرِه (٨). فصل: ولا بَأْسَ أَنْ يذْبَحَ الرجلُ عن أهلِ بَيْتِه شاةً واحِدَةً، أو بقرَةً (٩) أو بَدَنَةً. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ وأبى هُرَيْرَةَ. قال صالِح: قلتُ لأبِى: يُضَحَّى بالشاةِ عن أهلِ البيتِ؟ قال: نعم، لا بأسَ، قد ذَبَحَ النَّبِىُّ ﷺ كَبْشَيْن، فقَرَّبَ أحَدَهما، فقال: "بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ هذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وأهْلِ بَيْتِهِ". وقرَّبَ الآخَرَ، فقال: "بسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ هذَا مِنْكَ ولَكَ، عَمَّنْ وَحَّدَكَ مِنْ أُمَّتِى" (١٠). وحُكِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّه كان يُضَحِّى بالشَّاةِ، فتَجِىءُ ابْنَتُه، فتقولُ: عَنِّى؛ فيقولُ: وعَنْكِ (١١). وكَرِهَ ذلك الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ الشَّاةَ لا تُجْزِئُ عن أكثرَ مِن واحِدٍ، فإذا اشْتَرَكَ فيها اثْنانِ، لم تُجْزِ عنهما، كالأجْنَبِيَّيْن. ولَنا، ما رَوَى مُسْلِمٌ (١٢)، بإسنادِه عن عائِشَةَ، أَنَّ النبىَّ ﷺ أُتِىَ بِكَبْشٍ ليُضَحِّىَ به، فأضْجَعَهُ، ثم ذَبَحَهُ، ثم قال: "بسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ". وعن جابِرٍ، قال: ذَبَحَ رسولُ اللَّه ﷺ يومَ الذَّبْحِ كَبْشَيْن [أقْرَنَيْن أمْلَحَيْن مَوْجُوءَيْن] (١٣)، فلما وَجَّهَهُما

стр. 7054

قال: "وَجَّهْتُ وَجْهِىَ للّذِى فطرَ السَّمواتِ والأرْضَ، على مِلَّةِ إبراهيمَ حَنِيفًا (١٤)، وما أنا من المُشْركِين، إِنَّ صَلَاتِى ونُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِىَ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبذَلِكَ أُمِرْتُ وَأنا مِن المُسْلِمِين، اللَّهُمَّ مِنْكَ ولَكَ، عن محمَّدٍ وأمَّتِه، بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكَبَرُ". ثمّ ذَبَحَ. روَاه أبو داودَ (١٥). ورَوَى ابنُ ماجَه (١٦)، عن أبى أيُّوبَ، قال: كان الرجلُ فى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ يُضَحِّى عنه بالشَّاةِ وعن أهلِ بَيْتِه، فيأْكُلُونَ، ويُطْعِمُونَ الناسَ. حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. فصل: وأَفْضَلُ الأضاحِى البَدَنَةُ، ثم البَقَرَةُ، ثم الشَّاةُ، ثم شِرْكٌ فى [بَدَنَةٍ، ثم شِرْكٌ فى] (١٧) بقرةٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: الأفْضَلُ الجَذَعُ من الضَّأْنِ، ثم البقرةُ، ثم البَدَنَةُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ضَحَّى بكَبْشَيْنِ، ولا يفْعَل إلَّا الأفْضَلَ، ولو علم اللَّهُ خيرًا منه لفدَى به إسحاقَ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ فى الجُمُعَةِ: "مَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا، ومَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قرَّبَ دَجَاجَةً، ومَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأنَّما قرَّبَ بَيْضَةً" (١٨). ولأنَّه ذَبْحٌ يتقَرَّبُ به إلى اللَّهِ تعالى، فكانت البَدَنَةُ فيه أفْضَلَ، كالهَدْى فإنَّه قد سَلَّمَه، ولأنَّها أكثرُ ثَمَنًا ولحمًا وأنفَعُ، فأمَّا التَّضْحِيَةُ بالكَبْشِ؛ فلأنَّه أفضلُ أجْناسِ الغَنَمِ، وكذلك حُصولُ الفداءِ به أفْضَلُ، والشَّاةُ أفضلُ من شِرْكٍ فى بَدَنَةٍ؛ لأنَّ إراقَةَ الدَّمِ مَقْصودَةٌ فى الأُضْحِيَةِ، والمُنْفَرِدُ يتقرَّبُ بإراقَتِه كُلِّه. والكَبْشُ أفْضَلُ الغَنَمِ؛ لأنَّه أُضْحِيَةُ النَّبِىِّ ﷺ ، وهو أطْيَبُ لَحْمًا. وذكرَ القاضِى، أَنَّ جَذَعَ الضَّأْنِ أفْضلُ من ثَنِيِّ المَعْزِ؛ لذلك، ولأنّه يُرْوَى عن النَّبِىِّ

стр. 7055

- ﷺ ، أنَّه قال: "نِعْمَ الأُضْحِيَةُ الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ" (١٩). وهو حَدِيثٌ غريبٌ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ الثَّنِىَّ أَفْضَلُ؛ لأَنَّ (٢٠) النَّبِىَّ ﷺ قال (٢١): "لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فَإِنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ، فاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ". روَاه مُسْلِمٌ، وأبو داودَ (٢٢). وهذا يدُلُّ على فضلِ الثَّنِىِّ على الجَذَعِ؛ لكَوْنِه جَعَلَ الثَّنِىَّ أصْلًا والجَذَعَ بَدَلًا، لا ينتقلُ إليه إلَّا عندَ عَدَمِ الثَّنِىِّ. فصل: ويُسَنُّ اسْتِسْمانُ الأُضْحِيَةِ واسْتِحْسانُها؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢٣). قال ابنُ عبَّاسٍ: تَعْظِيمُها اسْتِسْمانُها واسْتِعْظامُها واسْتِحْسانُها (٢٤). ولأنَّ ذلك أعظمُ لأجْرِها، أكثرُ لنَفْعِها. والأَفْضَلُ فى الأُضْحِيَةِ من الغنمِ فى لَوْنِها الْبَياضُ؛ لما رُوِىَ عن مَوْلاةِ أبى وَرَقةَ بن سعيدٍ، قالتْ: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "دَمُ عَفْرَاءَ، أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاويْن". روَاه أحمدُ بمعناه (٢٥). وقال أبو هُريْرَةَ: دَمُ بَيْضاءَ، أحَبُّ إلى اللَّهِ من دَمِ سَوْداوَيْن (٢٦). ولأَنّه لونُ أُضْحِيَةِ النَّبِىِّ ﷺ ، ثم ما كان أحْسنَ لَوْنًا، فهو أَفْضَلُ. ١٧٥١ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، والثَّنِىُّ مِنْ غَيْرِهِ) وبهذا قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال ابنُ عمرَ، والزُّهْرِىُّ: لا يُجْزِئُ الْجَذَعُ؛ لأنَّه لا يُجْزِئُ من غيرِ الضَّأنِ، فلا يُجْزِئُ

стр. 7056

منه كالْحَمَلِ، وعن عَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ، يُجْزِئُ (١) الجَذَعُ من جميعِ الأجْناس؛ لما رَوَى مُجاشِعٌ، مِنْ (٢) سُلَيْم، قال: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، يقول: "إِنَّ الْجَذَعَ يُوفِى مِمَّا يُوفِى مِنْهُ الثَّنِىُّ". روَاه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، [وابنُ ماجه (٤). ولأنه يُجْزئ من بعض الأجْناسِ، فأجْزَأ مِن جميعِها، كالثَّنِىِّ] (٣). ولَنا، على أَنَّ الجَذَعَ من الضَّأْنِ يُجْزِئُ، حديثُ مُجاشِع وأبى هُريرَةَ وغيرِهما، وعلى أَنَّ الجَذَعَةَ من غيرِها لا تُجْزِئُ، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تَذبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فَإِنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ، فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ" (٤). وقال أبو بُرْدَةَ بنُ نِيَار: عِنْدِى جَذَعَةٌ [مِن المَعْزِ] (٥)، أحَبُّ إلىَّ من شاتَيْنِ، فهل تُجْزِئ عَنِّى؟ قال: "نَعَمْ، ولَا تُجْزِئُ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ" (٦). مُتَّفَقٌ عليه. وحَديثُهم محمولٌ على الجَذَعِ من الضَّأْنِ؛ لما ذَكَرْنا. قال إبراهيمُ الْحَرْبِىُّ: إنَّما يُجْزِئ الجَذَعُ من الضَّأْنِ؛ لأنَّه يَنْزُو فَيلْقَحُ، فإذا كان من المَعْزِ لم يَلْقَحْ حتى يكون ثَنِيًّا. فصل: ولا يُجْزِئُ فى الأُضْحِيَةِ غيرُ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وإِنْ كان أحدُ أَبَوَيْه وحْشِيًّا، لم يُجْزِئُ أيضًا. وحُكِىَ عن الحسنِ بن صالحٍ، أَنَّ بقرَةَ الوَحْشِ تُجْزِئُ عن سبعةٍ، والظَّبْىَ عن واحدٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْى: وَلَدُ البَقَرِ الإِنْسِيَّة يُجْزِئُ، وإِنْ كان أبوه وحْشِيًّا. وقال أبو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ إذا كان مَنْسُوبًا إلى بَهِيمَةِ الأنْعامِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٧). وهى الإِبلُ والبَقَرُ والغَنَمُ. وعلى أصْحابِ الرأى، أنَّه مُتَوَلِّدٌ من بَيْنِ ما يُجْزِئُ وما لا يُجْزِئُ، فلم يُجْزِئُ، كما لو كانتْ الأُمُّ وَحْشِيَّةً. ١٧٥٢ - مسألة؛ قال: (وَالْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُر، ودَخَلَ فِى السَّابِعِ) قال أبو القاسِم: وسَمِعْتُ أبى يقولُ: سَألتُ بعضَ أهلِ البادِية: كيف تعرفونَ الضَّأْنَ

стр. 7057

إذا أَجْذَعَ؟ قالُوا (١): لا تزالُ الصُّوفَةُ قائِمَةً على ظَهْرِه ما دامَ حَمَلًا، فإذا نامَتْ الصُّوفَةُ على ظَهْرِه، عُلِمَ أنَّه قد أجْذَعَ. وثَنِىُّ المَعْزِ إذا تَمَّت له سَنَةٌ ودَخَلَ فى الثانِية، والبقرةُ إذا صارَ لها سنَتان ودَخَلَتْ فى الثالِثَةِ، والإِبلُ إذا [صار له] (٢) خمسُ سِنين ودخَل (٣) فى السادِسَة. قال الأَصْمَعِىُّ، وأبو زيادٍ الكلابِىُّ، وأبو زيد الأنصارِىُّ: إذا مَضَتِ السَّنَةُ الخامِسَةُ على البعيرِ، ودَخَلَ فى السادِسَةِ، وأَلْقَى ثَنِيَّتَهُ، فهو حينَئِذٍ ثَنِىٌّ، وَنرَى أنَّه (٤) إنَّما سُمِّىَ ثَنِيًّا لأنَّه أَلْقَى ثَنِيَّتَه. وأمَّا البقَرَةُ، فهى التى لها سَنَتان؛ [لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً". ومُسِنَّةُ البَقَرِ التى لها سَنَتان] (٥). وقال وَكِيعٌ: الجذَعُ من الضَّأْنِ يكونُ ابنَ سَبْعَةِ أو سِتَّةِ أشْهُرٍ. ١٧٥٣ - مسألة؛ قال: (ويُجْتَنَبُ فِى الضَّحَايَا الْعَوْراءٌ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، والْعَجْفَاءُ الَّتِى لَا تُنْقِى، والْعَرْجاءُ الْبيِّنُ عَرَجُهَا، والْمَرِيضةُ الَّتِى لا يُرْجَى بُرْؤُهَا، والْعَضبَاءُ، والعَضَبُ ذَهَابُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الأُ ذُنِ أو القَرْنِ (١)) أمُّا الْعُيوبُ الأَرْبَعَةُ الأُوَل، فَلَا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا فى أَنَّها تَمْنَعُ الإِجْزاءَ؛ لما رَوَى الْبَرَاءُ قال: قامَ فِينَا رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال: "أربَعٌ لَا تَجُوزُ فِى الأَضَاحِى؛ الْعَوْراءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، والْمَرِيضَةُ البيِّنُ مَرَضُها، والْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلَعُها (٢) والعجفاءُ الَّتِى لَا تُنْقِى". روَاه أبو داوُدَ، والنَّسائِىُّ (٣). ومعنى العَوْراء البَيِّن عَوَرُها، التى قد انْخَسَفت عَيْنُها، وذَهَبَت؛ لأنَّها قد ذَهَبَت عينُها، والعَيْنُ عضوٌ مُسْتَطابٌ، فإن كان على عَيْنِها بَياضٌ ولم تذْهَبْ، جازَت التَّضْحِيَةُ بها؛ لأنَّ عَورَها ليس ببَيِّنٍ، ولا ينْقُصُ ذلك لَحْمَها.

стр. 7058

والعَجْفاءُ المهزولَةُ التى لا تُنْقِى، هى التى لا مُخَّ (٤) فى عِظامِها، لِهُزالِها، والنِّقْيُ: المُخُّ، قال الشاعِرُ (٥): لَا تَشْكِينَ عَمَلًا ما أَنقَينْ (٦) ما دامَ مُخٌّ فى سُلامَى أو عَيْنْ فهذه لا تُجْزِئُ؛ لأنَّها لا لَحْمَ فيها، إنَّما هى عظامٌ مُجْتمِعَةٌ. وأمَّا العَرْجاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُها، فهى التى بها عَرَج فاحِشٌ، وذلك يمنَعُها من اللَّحاقِ بالغَنَمِ فَتَسْبقُها إلى الكَلَأ فيَرْعَيْنَه ولا تُدْركهُنَّ، فَيَنْقُصُ لحمُها، فإنْ كان عَرَجًا يَسِيرًا لا يُفْضِى بها إلى ذلك، أجزَأَتْ. وأمَّا المريضَةُ التى لا يُرْجَى بُرْؤها، فهى التى بها مرضٌ قد يُئِسَ من زَوالِه؛ لأنَّ ذلك يَنْقُصُ لَحْمَها وقِيمَتَها نقْصًا كبيرًا، والذى فى الحَديثِ المريضةُ الْبَيِّنُ مَرَضُها، وهى التى يبينُ (٧) أَثَرُه عليها؛ لأنَّ ذلك يَنْقُصُ لَحْمَها ويُفْسِدُه، وهو أصَحُّ. وذكرَ القاضِى أَنَّ المرادَ بالمريضَةِ الْجَرْباءُ؛ لأنَّ الجرَبَ يُفْسِدُ اللحمَ ويُهْزِلُ إذا كَثُرَ. وهذا قولُ أصحابِ الشافِعِىِّ. وهذا تَقْيِيدٌ للمُطْلَقِ، وتخْصيصٌ للعُمومِ بلاد ليلٍ، والمَعْنَى يَقْتَضِى العُمومَ كما يقتَضِيه اللَّفْظُ، فإنَّ كُلَّ (٨) المَرَضِ يُفْسِدُ اللحمَ ويَنْقُصُه، فلا مَعْنَى للتَّخْصِيصِ مع عُمومِ اللَّفْظِ والمَعْنَى. وأمَّا العَضَبُ، فهو ذهابُ أكثرَ من نِصْفِ الأُذُنِ أو القَرْنِ، وذلك يَمْنَعُ الإِجْزاءَ أيضًا. وبه قال النَّخَعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ: تُجْزِئُ مَكْسورةُ القَرْنِ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن علىٍّ، وعمَّارٍ، وابنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ. وقال مالِكٌ: إنْ كان قَرْنُها يَدْمَى، لم يَجُزْ، وإلَّا جازَ. وقال عَطاءٌ، ومالِكٌ: إذا ذَهَبَت الأُذُنُ كُلُّها، لم يَجُزْ، وإِنْ ذَهَبَ يَسِيرٌ، جازَ. واحْتَجُّوا بأنَّ قولَ النَّبِىِّ ﷺ : "أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِى الأَضَاحِى". يَدُلُّ على أَنَّ غيرَه يُجْزِئُ، ولأنَّ فى حديثِ الْبَراءِ، عن عُبَيْدِ بنِ فَيْروز، قال: قُلْتُ للْبَراءِ فإنِّى أكْرَهُ النَّقْصَ من (٩) القَرْنِ ومن الذَّنَبِ. فقال:

стр. 7059

أكْرَهْ لِنَفْسِك ما شِئْتَ، وإيَّاكَ أَنْ تُضَيِّقَ على الناسِ. ولأنَّ القصودَ اللَّحمُ، ولا يُؤَثِّرُ ذهابُ ذلك فيه ولَنا، ما رُوِىَ عن (١٠) علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُضَحَّى بأَعْضَبِ الأُذُنِ والقَرْنِ. قال قَتادَةُ: فسَأَلْتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّب، فقال: [نعم، العضَبُ] (١١) النِّصْفُ فأكثرُ (١٢) من ذلِك. رواه النَّسائِىُّ (١٣)، وابنُ ماجَه (١٤). وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أمرَنا رسولُ اللَّه ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ والأذُنَ. روَاه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ (١٥). وهذا منطوقٌ يُقَدَّمُ على الْمَفْهومِ. فصل: ولا تُجزِئُ العَمْياءُ؛ لأنَّ النَّهْىَ عن العَوْراءِ تَنْبِيهٌ على العَمْياءِ وإِنْ لم يكُنْ عَماها بَيِّنًا؛ لأنَّ العَمَى يَمْنَعُ مَشْيَها مع الغَنَمِ، ومُشارَكَتها فى العَلَفِ. ولا تُجْزِئُ ما قُطِعَ منها عُضْوٌ، كالأَلْيَةِ والأَطْباءِ (١٦)، لأنّ ابنَ عبَّاسٍ، قال: لا تجوزُ العَجْفاءُ، ولا الْجَدَّاءُ. قال أحمد: هى التى قد يَبِسَ ضَرْعُها. ولأنَّ ذلك أبْلَغُ فى الإِخلالِ بالمقْصُودِ من ذَهابِ شَحْمَةِ العَيْنِ. فصل: ويُجْزِئُ الْخَصِىُّ؛ لأنَّ النبِىَّ ﷺ ، ضَحَّى بكَبْشَيْن مَوْجُوءَيْن (١٤). والوَجْأُ رَضُّ الخُصيَتَيْن، وما قُطِعَت خُصْيَتاهُ أو شَلَّتا، فهو كالمَوْجُوءِ؛ لأنَّه فى مَعْناه، ولأنَّ الخِصاءَ إذْهابُ (١٧) عُضْوٍ غيرِ مُسْتَطابٍ، يَطِيبُ اللَّحْمُ بذَهابِه، ويكثرُ ويسمنُ. قال الشَّعْبِىُّ: ما زادَ فى لَحْمِه وشَحْمِه أكثرُ ممَّا ذهبَ منه. وبهذا قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نعلمُ فيه مُخالفًا.

стр. 7060

فصل: وتُجْزِئ الْجَمَّاءُ، وهى التى لم يُخْلَقْ لها قَرْنٌ، والصَّمْعاءُ، وهى الصَّغِيرَةُ الأُذُنِ، والبَتْراءُ، وهى التى لا ذَنَبَ لها، سواءٌ كان خِلْقَةً أو مَقْطوعًا. وممَّنْ لم يرَ بأْسًا بالبَتْراءِ ابنُ عمرَ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ. وكَرِهَ اللَّيْثُ أَنْ يُضَحَّى بالبَتْراءِ ما فوقَ الْقَصَبَةِ. وقال ابنُ حامِدٍ: لا تجوزُ التَّضْحِيَةُ بالجَمَّاءِ؛ لأنَّ ذهابَ أكثرَ من نِصْفِ القَرْنِ يَمْنَعُ، فذَهابُ جميعِه. أَوْلَى، ولأنَّ ما مَنَعَ منه العَوَرُ، مَنَعَ منه العَمَى، فكذلك ما مَنَع منه (١٨) العَضَبُ، يَمْنَعُ منه كَوْنُه أجَمَّ أوْلى. ولَنا، أَنَّ هذا نَقْصٌ لا يَنْقُصُ اللَّحْمَ، ولا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ، ولم يَرِدْ به نَهْىٌ، فوجَبَ أن يُجْزِئَ، وفارقَ العَضَبَ، فإنَّ النَّهْىَ عنه وارِد، وهو عَيْبٌ، فإنَّه ربما دَمِىَ (١٩) وآلمَ الشَّاةَ، فيكونُ كمرَضِها، ويُقَبِّحُ مَنْظَرَها، بخلافِ الأجَمِّ، فإنَّه حُسْنٌ فى الخِلْقَةِ ليس بمرضٍ ولا عَيْبٍ، إلَّا أن الأفْضَلَ ما كان كاملَ الخِلْقَةِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، ضَحَّى بكَبْشٍ أقْرَنَ فَحِيلٍ (٢٠). وقال: "خَيْرُ الأُضْحِيَةِ الْكَبْشُ الأَقْرَنُ" (٢١). وأمرَ باسْتِشْرافِ العينِ والأُذُنِ. فصل: وتُكْرَهُ المَشْقُوقَةُ الأُذُنِ، والمَثْقُوبَةُ، وما قُطِعَ شىءٌ منها؛ لما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أمَرَنَا رسولُ اللَّه ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ العينَ والأُذُنَ، ولا نُضَحِّىَ بمُقَابلةٍ، ولا مُدابِرَةٍ، ولا خَرْقاءَ، ولا شَرْقاءَ. قال زُهَيْرٌ: قلتُ لأَبِى إسحاقَ، ما المُقابلَة؟ قال: تُقْطَعُ طَرَفُ الأُذُنِ. قلتُ: فما المُدابِرَة؟ قال: تُقْطَعُ من مُؤَخَّرِ الأُذُنِ. قلتُ: فما الْخَرْقاءُ؟ قال: تُشَقُّ الأذُنُ. قلتُ: فما الشَّرْقاءُ؟ قال: تَشُقُّ

стр. 7061

أُذُنَها السِّمَةُ. روَاه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ. قال القاضِى: الْخَرْقاءُ التى انْثَقَبَت أذُنُها. وهذا نَهْىُ تَنْزِيهٍ، ويحْصُلُ الإجزاءُ بها، لا نعلَمُ فيه خلافًا، ولأنَّ اشْتِراطَ السَّلامَةِ من ذلك يشُقُّ، إذ لا يكادُ يُوجَدُ سالِمٌ من هذا كُلِّه. ١٧٥٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أَوْجَبَها سَليمَةً، فَعَابَتْ عِنْدهُ، ذَبَحَهَا، وكَانتْ أُضْحِيَةً) وجُمْلَتُه أنَّه إذا أوْجَبَ أُضْحِيَةً صحيحةً سليمةً من العيوبِ، ثم حَدَثَ بها عَيْبٌ يَمْنَع (١) الإِجْزاءَ، ذَبَحها، وأَجْزَأَته. رُوِىَ هذا عن عَطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافِعِىِّ، وإسحاقَ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: لا تُجْزِئُهُ؛ لأَنَّ الأُضْحِيَةَ عِنْدَهم واجِبَةٌ، فلا يَبْرأُ منها إلَّا بإراقَةِ دَمِها سَلِيمَةً، كما لو أَوجَبَها فى ذِمَّتِه، ثم عَيَّنَهَا، فعابَتْ. ولَنا، ما رَوَى أبو سعيدٍ، قال: ابْتَعْنا كَبْشًا نُضَحِّى به، فأصابَ الذِّئْبُ من ألْيَتِه، فسألْنا النَّبِىَّ ﷺ ، فأَمَرَنا أَنْ نُضَحِّىَ بِه. روَاه ابنُ ماجَه (٢). ولأنَّه عَيْبٌ حدثَ فى الأُضْحِيَةِ الواجبَةِ، فلم (٣) يَمْنعِ الإِجْزاءَ، كما لو حَدَث بها عَيْبٌ بمُعالَجَةِ الذَّبْحِ، ولا نُسَلِّمُ أَنَّها واجِبَةَ فى الذِّمَّةِ، وإنَّما تعلَّقَ الوجوبُ بعَيْنِها. [فأمَّا إن] (٤) تعيَّبَتْ بفِعْلِه، فعليه بَدَلُها. وبه قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفَةَ: إذا عالَجَ ذَبْحَها، فَقَلَعَت السِّكِّينُ عَيْنَها، أجْزَأت، اسْتِحْسانًا. ولَنا، أنَّه عيبٌ أحْدَثَه بها قبلَ ذَبْحِها، فلم تُجْزِئْه، كما لو كان قبلَ مُعالَجَةِ الذَّبْحِ. فصل: وإِنْ نَذَرَ أُضْحِيَةً فى ذِمَّتِه، ثم عَيَّنَهَا فى شاةٍ، تَعَيَّنتْ، فإنْ عابَتْ تلك الشَّاةُ قبلَ ذَبْحِها، لم تُجْزِئ؛ لأَنَّ ذِمَّتَه لا تَبْرَأُ إِلَّا بذَبْحِ شاةٍ سَلِيمَةٍ، كما لو (٥) نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ، أو

стр. 7062

كان عليه عِتْقُ رَقَبَةٍ فى كَفَّارَةٍ، فاشْتَراها، ثم عابَتْ عِنْدَه، لم تُجْزِئْه. وإِنْ قالَ: للَّهِ عَلَىَّ عِتْقُ هذا العَبْدِ. فعابَ، أَجْزَأَ عنه. فصل: وإذا أَتْلَفَ الأُضْحِيَةَ الواجِبَةَ، فعليه قِيمَتُها؛ لأنَّها من المُتقَوَّماتِ، وتُعْتَبَرُ القِيمةُ يومَ أَتْلَفَها، فإنْ غَلَتِ الغَنَمُ، فصارَ مثلُها خيرًا من قِيمَتِها، فقال أبو الخَطَّاب: يَلْزَمُه مِثْلُها؛ لأنَّه أكثرُ الأَمْرَيْن، ولأنَّه تعلَّقَ بها حَقُّ اللَّهِ تعالى فى ذَبْحِها، فوجَبَ عليه مِثْلُها، كما لو لم تَتَعَيَّبْ، بخلافِ الأجْنَبِىِّ (٦). وهذا مَذْهَبُ الشافِعِىِّ. وظاهِرُ قَوْلِ القاضِى، أنَّه (٧) لا يَلْزَمُه إلَّا الْقِيمَةُ يومَ إتْلافِها. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأَنَّه إتْلافٌ أوجَبَ القِيمَةَ، فلم يجِبْ أكثرُ من القِيمَةِ يومَ الإتْلافِ، كما لو أتلَفَها أجنَبِىٌّ، كسائِرِ المضمُوناتِ. فإنْ رَخُصَتِ الغَنَمُ، فزادَتْ قِيمَتُها على مثلِها، مثلَ أَنْ كانَت قيمَتُها عندَ إتْلافِها عشرةً، فصارَت قِيمَةُ مِثْلِها خمسةً، فعليه عشرةٌ، وَجْهًا واحدًا، فإنْ شاءَ اشْتَرَى بها أُضْحِيَةً واحدةً تُساوِى عشرةً، وإِنْ شاءَ اشْتَرَى اثْنَتَيْن، وإِنْ شاءَ اشْتَرَى أُضْحِيَةً واحِدةً، فإنْ فضلَ من العشرةِ ما لا يجىءُ به أُضْحِيَةٌ، اشْتَرَى به شِرْكًا فى بَدَنَةٍ، فإنْ لم يَتَّسِعْ لذلك، أو لم تُمْكِنْه المُشارَكَةُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يشتَرِى (٨) لحما، ويَتَصَدَّقُ به؛ لأنَّ الذَّبْحَ وتَفْرِقَةَ اللَّحْمِ مَقْصُودان، فإذا تَعَذَّرَ أحدُهما وَجَبَ الآخَرُ. والثانِى، يَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ؛ لأنَّه إذا لم يحْصُل له التَّقَرُّبُ بإراقَةِ الدَّمِ، كان اللحمُ وثمنُه سواءً. فإنْ كان المُتْلِفُ أجْنَبِيًّا، فعليه قيمَتُها يومَ أتْلَفَها، وَجْهًا واحدًا، ويلزمُه دَفْعُها إلى صاحِبِها، فإنْ زادَ على ثمنِ مثلِها، فحُكْمُه حكمُ ما لو أتلَفَها صاحِبُها، وإِنْ لم تبْلُغِ القِيمةُ ثمنَ أضْحِيَةٍ، فالحُكْمُ فيه على ما مضَى فيما زادَ على ثمنِ الأُضْحِيَةِ فى حَقِّ المُضَحِّى. فإنْ تَلِفَت الأُضْحِيَةُ فى يدِه بغيرٍ تَفْريطٍ، أو سُرِقَتْ، أو ضَلَّتْ، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّها أمانَةٌ فى يدِه، فلم يضْمَنها إذا لم يُفرِّطْ، كالوَدِيعَةِ. فصل: وإن اشْتَرَى أُضْحِيَةً، فلم يُوجِبْها حتى عَلِم بها عَيْبًا، فله رَدُّها إنْ شاءَ، وإِنْ

стр. 7063

شاءَ أخَذَ أرْشَها، ثم إنْ كان عيبُها يمنَعُ إجْزاءَها، لم يكُنْ له التَّضْحِيَةَ بها، وإلَّا فله أَنْ يُضَحِّىَ بها، والأرْشُ له. وإِنْ أوْجَبَها، ثم عَلِمَ أنَّها مَعِيبَةٌ، فذَكَرَ القاضِى أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ رَدِّها وأخْذِ أرشِها، فإنْ أخَذَ أرشَها، فحكمُه حكمُ الزائِدِ عن قيمَةِ الأُضْحِيَةِ، على ما ذَكَرْناه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ الأرْشُ له؛ لأنَّ إيجابَها إنَّما صادَفَها بدونِ هذا الذى أَخَذَ أرْشَه، فلم يتعلَّقِ الإيجابُ بالأَرْشِ، ولا بمُبْدَ لِه، فأشْبَهَ ما لو تَصَدَّقَ بها ثم أخَذَ أرْشَها. وعلى قولِ أبى الخَطَّاب: لا يملكُ رَدَّها؛ لأنَّه قد زالَ مِلْكُه عنها بإيجابِها، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى عَبْدًا مَعِيبًا فأعْتَقَه، ثم علِم عَيْبَه. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. فعلى هذا يَتَعَيَّنُ أخْذُ الأرْشِ. وفى كونِ الأرْشِ للمُشْترِى، ووُجوبِه فى التَّضْحِيَةِ، وجْهان، ثم نَنْظُرُ؛ فإنْ كان عَيْبُها لا يَمْنعُ إجْزاءَها، فقد صَحَّ إيجابُها، والتَّضْحِيَةُ بها، وإِنْ كان عَيْبُها يَمْنعُ إجْزاءَها، فحكمُه حكمُ ما لو أوجَبها عالِمًا بِعَيْبِها، على ما سَنَذْكُرُه فى موضِعِه، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. ١٧٥٥ - مسألة؛ قال: (وإنْ وَلَدَتْ، ذَبَحَ وَلَدَها مَعَها) وجُمْلَتُه أنَّه إذا عيَّنَ أُضْحِيَةً، فوَلَدَت، فولَدُها تابعٌ لها، حُكْمُه حُكْمُها، سواءٌ كان حَمْلًا حالَ (١) التَّعْيِينِ، أو حَدَث بعدَه. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وعن أبى حَنِيفَةَ، لا يَذْبَحُه، ويَدْفَعُه إلى المساكِين حَيًّا، وإِنْ ذَبَحَه، دَفَعَه إليهم مَذْبُوحًا، وأرْشَ ما نَقَصَه الذَّبْحُ؛ لأنَّه مِن نَمائِها، فيَلْزَمُه (٢) دَفْعُه إليهم على صِفَتِه، كصُوفِها وشَعَرِها. ولَنا، إن اسْتِحْقاقَ ولَدِها حُكْمٌ يثبتُ للولدِ بطريقِ السِّرايَةِ من الأم، فيثْبُتُ له ما يثْبُتُ (٣) لها، كوَلدِ أُمِّ الولَدِ والمُدَبَّرَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَذْبَحُه كما يَذْبَحُها؛ لأَنّه صارَ أُضْحِيَةً على وَجْهِ التَّبَعِ لأُمِّه، ولا يجوزُ ذَبْحُه قبلَ يومِ النَّحْرِ، ولا تأخيرُه عن أيَّامِه، كأُمه. وقد رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّ رجُلًا سَألَه، فقال: يا أمِيرَ المُؤمِنين، إنِّى اشْتَرَيْتُ هذه البَقَرَةَ لأُضَحِّىَ بها، وإنَّها وَضَعَت هذا العِجْلَ؟ فقال علىٌّ: لا تَحْلِبْها إلَّا فُضُلًا عن تَيْسِيرِ

стр. 7064

ولَدِها، فإذا كان يومُ الأَضْحَى، فاذْبَحْها ووَلَدَها عن سَبْعَةٍ. روَاه سعيدُ بنُ منصورٍ (٤)، عن أبى الأَحْوَصِ، عن زُهَيْرٍ العَبْسِىِّ، عن المُغِيرةِ بن حذف، عن علىٍّ. فصل: ولا يشْرَبُ من لَبَنِها إلَّا الفاضِلَ عن ولَدِها، فإنْ لم يفْضُلْ عنه شىءٌ، أو كان الحَلْبُ يضُرُّ بها، أو يَنْقُصُ لَحْمَها، لم يكُنْ له أخْذُه، وإِنْ لم يكُنْ كذلك، فله أَخْذُه والانْتِفاعُ به. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْلِبُها، ويرُشُّ على الضِّرْعِ الماءَ حتى ينْقَطِعَ اللَّبَنُ، فإن احْتَلَبَها، تَصَدَّقَ به؛ لأنَّ اللَّبَنَ مُتوِّلدٌ من الأُضْحِيَةِ الواجِبَة، فلم يَجُزْ للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كالولَدِ. ولَنا، قولُ عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا تَحْلِبْها إلَّا فُضُلًا عن تَيْسِيرِ ولَدِها. ولأنَّه انْتِفاعٌ لا [يضُرُّ بها ولا بولدِه] (٥)، فأشْبَهَ الرُّكُوبَ، ويفارِقُ الولدَ، فإنَّه يُمْكِنُ إيصالُه إلى مَحِلِّه، أمَّا اللَّبَنُ، فإنْ حَلَبَهُ وَتَرَكَه فسدَ، وإِنْ لم يحْلِبْه، تَعَقَّدَ الضَّرعُ، وأَضَرَّ بها، فجُوِّزَ له شُرْبُه، وإِنْ تَصَدَّقَ به كان أَفْضَلَ. وإِنْ احْتَلَبَ ما يضرُّ بها أو بولَدِها، لم يجُزْ له، وعليه أَنْ يَتَصَدَّقَ به. فإنْ قيلَ: فصوفُها وشَعَرُها وَوَبَرُها إذا جَزَّهُ، تَصَدَّقَ بِه، ولم ينتفعْ به، فلم أجَزْتُم له الانْتِفاعَ باللَّبَنِ؟ قُلْنا: الفرقُ بينهما من وَجْهَيْن، أحدُهما، أنّ لَبَنَها يتولَّدُ من غذائِها وعَلَفِها، وهو القائِمُ به، فجازَ صَرْفُه إليه، كما أنّ المُرْتَهِنَ إذا علفَ الرَّهْنَ كان له أَنْ يحلِبَ، ويَرْكَبَ، وليس له أَنْ يأْخُذَ الصُّوفَ ولا الشَّعَرَ. الثانى، أَنَّ الصُّوفَ والشَّعَرَ ينتفَعُ به على الدَّوامِ، فجرَى مَجْرَى جِلْدِها وأَجْزائِها، واللَّبَنُ يُشْرَبُ ويُؤْكَلُ شيئًا فشيئا، فجَرَى مَجْرَى مَنافِعِها ورُكوبِها، ولأنَّ اللَّبَنَ يتجدَّدُ كُلَّ يومٍ، والصُّوفَ والشَّعَرَ عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ دائِمَةٌ فى جَمِيع الحَوْلِ. فصل: وأمَّا صُوفُها، فإنْ كان جَزُّه أَنْفَعَ لها، مثل أَنْ يكونَ فى زمَنِ الرَّبيعِ، تَخِفُّ بجَزِّه وتَسْمَنُ، جازَ جَزُّه، ويتَصَدَّقُ به، وإِنْ كان لا يضُرُّ بها، لقُرْب مُدَّةِ الذَّبْحِ، أو كان بقاؤُه أنْفَعَ لها، لكَوْنِه يقيها الْحَرَّ والبَرْدَ، لم يجُزْ له أخْذُه، كما أنَّه ليس له أَخْذُ بعضِ أجْزائِها.

стр. 7065

١٧٥٦ - مسألة؛ قال: (وَإِيَجابُهَا أَنْ يَقُولَ: هِىَ أُضْحِيَةٌ) وجُمْلَةُ ذلك أَنَّ الذى تَجِبُ به الأُضْحِيَةُ، وتتَعَيَّنُ به، هو القولُ دونَ النِّيَّةِ. وهذا مَنْصوصُ الشافِعِىِّ. وقال مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ: إذا اشْتَرَى شاةً أو غيرَها بنِيَّةِ الأُضْحِيَةِ، صارَت (١) أُضْحِيَةً؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بشراءِ الأُضْحِيَةِ (٢)، فإذا اشْتَراها بالنِّيَّةِ وقَعَت عنها، كالوَكيلِ. ولَنا، أنَّه إزالَةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فلا تُؤثِّرُ فيه النِّيَّةُ المُقارِنةُ للشِّراءِ، كالعِتْقِ والوَقْفِ، ويفارقُ البيْعَ، فإنَّه لا يُمْكِنُه جَعْلُه لِمُوَكِّلِهِ بعدَ إيقاعِه، وههُنا بعدَ الشِّراءِ يُمْكِنُه جَعْلُها أُضْحِيَةً. فأمَّا إذا قالَ: هذه أُضْحِيَة. صارت واجِبَةً، كما يَعْتِقُ العبدُ بقولِ سَيِّدِه: هذا حُرٌّ. ولو أَنَّه قَلَّدَها أو أشعَرَها يَنْوِى به جَعْلَها أُضْحِيَةً، لم تَصِرْ أُضْحِيَةً حتى يَنْطِقَ به؛ لما ذَكَرْنا. ١٧٥٧ - مسألة؛ قال: (ولَوْ أَوْجَبَهَا ناقِصَةً، ذَبَحَهَا، ولَمْ تُجْزِئْهُ) يَعْنِى إذا كانت ناقِصَةً يَمْنَعُ الإِجْزاء، فأَوْجَبَها، وَجَبَ عليه ذَبْحُها؛ لأنَّ إيجابَها كالنَّذْرِ لِذَبْحِها، فيَلْزَمُه الوفاءُ به، ولأنَّ إيجابَها كنَذْرِ هَدْىٍ من غيرِ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ، فإنَّه يَلْزَمُه الوفاءُ به، ولا تُجْزِئُه عن الأُضْحِيَةِ الشَّرعِيَّةِ، ولا تكونُ أُضْحِيَةً، لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أربعٌ لَا تُجْزِئُ فى الأَضَاحِى" (١). ولكِنَّه يَذْبَحُها، ويُثابُ على ما يتصدَّقُ به منها، كما يُثابُ على الصَّدَقَةِ بما لا يصْلُحُ أَنْ يكونَ هَدْيًا، وكما لو أعْتَقَ عن كفَّارتِه. عبدًا لا يُجْزِئُ فى الكَفَّارَةِ، إلا أَنَّه ههُنا لا يَلْزَمُه بَدَلُها؛ لأنَّ الأُضْحِيَةَ فى الأصْلِ غيرُ واجِبَةٍ، ولم يُوجَدْ منه ما يُوجِبُها. وإِنْ كانَت الأُضْحِيَةُ واجِبَةً عليه، مثل مَنْ نَذَرَ أُضْحِيَةً فى ذِمَّتِه، أو أَتْلَفَ أُضْحِيَتَه التى أوْجَبَها، لم تُجْزِئْه هذه عمَّا فى ذِمَّتِه. وإِنْ زالَ عَيْبُها، كأنْ (٢) كانتْ عَجْفاءَ فزالَ عَجَفُها، أو مريضةً فبرَأَتْ، أو عَرْجاءَ فزالَ عَرَجُها، فقال القاضِى: قياسُ

стр. 7066

المَذْهَبِ أنَّها تُجْزِئُ. وقال أصحابُ الشافِعِىّ: لا تُجْزِئُ؛ لأنَّ الاعتبارَ بحالِ إيجابِها، ولأنَّ الزَيادَةَ فيها كانت للمساكِينِ، كما أَنَّ نَقْصَها بعدَ إيجابِها عليهم لا يَمْنَعُ (٣) كونَها أُضْحِيَةً. ولَنا، أَنَّ هذه أُضْحِيَةٌ يُجْزِئُ مثلُها، فتجْزِئُ كما لو لم يُوجِبْهاِ إلا بعدَ زَوالِ عَيْنِها. ١٧٥٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا تُبَاعُ أُضْحِيَةُ الْمَيِّت فى دَينهِ، ويَأْكُلُهَا وَرَثَتُهُ) يعنى إذا أوْجَبَ أُضْحِيَةً، ثم ماتَ، لم يَجُزْ بَيْعُها وإِنْ كان على المَيِّتِ دَيْنٌ لا وفاءَ له. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، ويُشْبِهُ مذهبَ الشافِعِىِّ. وقال الأوْزَاعِىُّ: إنْ تَرَكَ دَيْنًا لا وَفاءَ له إلَّا منها، بِيعَتْ فيه. وقال مالِكٌ: إنْ تشاجَرَ الورَثَةُ فيها باعُوها. ولَنا، أنَّه تَعَيَّنَ ذَبْحُها، فلم يصِحَّ بَيْعُها فى دَيْنِه، كما لو كان حَيًّا (١). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ ورَثَتَه يقومُون مَقامَه فى الأَكْلِ والصَّدَقَةِ والهَدِيَّة؛ لأَنَّهم يقومُون مَقامَ مَوْرُوثِهم فيما له وعليه. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ، هل تجوزُ التَّضْحِيَةُ عن اليَتيِم من مالِه؟ فرُوِىَ أنَّه ليس للوَلِىِّ ذلك؛ لأنَّه إخْراجُ شىءٍ من ما لِه بغيرِ عِوَض، فلم يَجُزْ، كالصَّدَقَةِ والهَدِيَّةِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. ورُوِىَ أَنَّ للوَلِى أَنْ يُضَحِّىَ عنه إذا كان مُوسِرًا. وهذا قولُ أبى حَنِيفَةَ، ومالِكٍ. قال مالِكٌ: إذا كان له ثلاثُون دينارًا، يُضَحِّى عنه بالشَّاةِ، بالنِّصْفِ (٢) دينارٍ؛ لأنَّه إخْراجُ مالٍ يتَعَلَّقُ بيومِ العيدِ، فجازَ إخْراجُه من مالِ الْيَتيمِ، كَصَدَقَةِ الفِطْرِ. فعلى هذا، يكونُ إخْراجُها من مالِه على سبيلِ التَّوْسِعَةِ عليه، والتَّطْيِيبِ لقَلْبه، وإشْراكِه لأَمْثالِه فى مثلِ هذا اليومِ، كما يشْتَرِى له الثيابَ المُرْتَفِعَةَ (٣) للتَّجَمُّلِ، والطَّعامَ الطَّيِّبَ، ويُوَسِّعُ عليه فى النَّفَقَةِ وإِنْ لم يجبْ ذلك. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ فى الرِّوايَتَيْنِ على حالَيْن؛ فالموضِعُ الذى (٤) مَنَعَ التَّضْحِيَةَ، إذا كان اليَتيمُ طِفْلًا لا يعْقِلُ التَّضْحِيَةَ، ولا

стр. 7067

يفْرَحُ بها، ولا ينْكَسِرُ (٥) قَلْبُه بِتَرْكِها؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيها، فيُحَصِّلُ إخراجُ ثَمنِها تضييعَ مالٍ لا فائِدَةَ فيه، والوضِعُ الذى أجازَها، إذا كان اليتيمُ يَعْقِلُها، ويَنْجَبِرُ قَلْبُه بها، ويَنْكَسِرُ بِتَرْكِها؛ لحصولِ الفائِدَةِ منها، والضَّررِ بتَفْوِيتها. واسْتَدَلَّ أبو الخَطَّاب بقولِ أحمد: يُضَحِّى عنه. على وُجوبِ الأُضْحِيَةِ. والصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى، ما ذَكَرْناه. وعلى كُل حالٍ، متى ضَحَّى عن اليَتِيمِ، لم يَتَصَدَّقْ بشىءٍ منها، ويُوَفِّرُها لنَفْسِه؛ لأَنَّه لا يجوزُ الصَّدَقَةُ بشىءٍ من مالِ اليَتيمِ تَطَوُّعًا. ١٧٥٩ - مسألة؛ قال: (والاسْتِحْبابُ أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثَ أُضْحِيَتهِ، ويُهْدِىَ ثُلُثهَا، ويَتَصَدَّقَ بِثلُثِهَا، ولَوْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ) قال أَحْمَدُ: نحنُ نَذْهَبُ إلى حديثِ عبدِ اللَّه: يَأْكُلُ هو الثلُثَ، ويُطْعِمُ مَنْ أرادَ الثُّلُثَ، ويَتَصَدَّقُ على المساكِينِ بالثُّلُثِ. قال عَلْقَمَةُ: بَعَثَ مَعِى عبدُ اللَّهِ بِهَدِيَّة، فأَمَرَنِى أن آكُلَ ثُلُثًا، وأن أُرْسِلَ إلى أهلِ أخِيهِ (١) بثُلُثٍ، وأَنْ أَتَصَدَّقَ بثُلُثٍ. وعن ابنِ عمرَ قال: الضَّحايَا والهَدايَا ثُلُث لَكَ، وثُلُث لأَهْلِكَ، وثُلُثٌ للمساكِين. وهذا قولُ إسحاقَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافِعِى. وقال فى الآخرِ: يَجْعَلُها نِصْفَيْنِ، يَأْكُلُ نِصْفًا، ويَتَصَدَّقُ بنِصْفٍ؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢). وقال أصْحابُ الرَّأْى: ما كَثُرَ من الصَّدَقَةِ فهو أفضَلُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَهْدَى مائِةَ بَدَنَةٍ، وأَمَرَ من كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ، فجُعِلَت فى قِدْرٍ، فأَكَلَ هو وعلىٌّ من لحمِها، وحسِيَا من مَرَقِها (٣). ونَحَرَ خَمْسَ بَدَناتٍ أو سِتَّ بَدَناتٍ، وقال: "مَنْ شاءَ فَلْيَقْتَطِعْ". ولم يَأْكُلْ مِنْهن شَيْئًا (٤). ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ، فى صِفَةِ أُضْحِيَةِ النَّبِىِّ ﷺ قال: ويُطْعِمُ (٥)

стр. 7068

أهلَ بيته الثُّلُثَ، ويُطْعِمُ فقراءَ جيرانِه الثلُثَ، ويَتَصَدَّق على السُّؤَّالِ بالثُّلُثِ. رواه الحافِظُ أبو مُوسى الأصْبهانىُّ (٦)، فى الوَظائِفِ، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولأنَّه قولُ ابنِ مسعودٍ وابنِ عمَرَ، ولم نعرفْ (٧) لهما مُخالِفًا فى الصحابَةِ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٨). والقانِعُ: السائِلُ. يقالُ: قَنَعَ قُنوعًا. إذا سَأل. وقَنِعَ قَناعَةً، إذا رَضِىَ. قال الشاعِر (٩): لمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُه فيُغْنِى ... مَفاقِرَهُ أَعَفُّ مِنَ القُنُوعِ والمُعْتَرُّ: الذى يَعْتَرِيكَ. أى يَتَعَرَّضُ لَكَ لِتُطْعِمَه، ولا (١٠) يَسْأَل، فذَكَرَ ثلاثةَ أصْنافٍ، فيَنْبَغِى أن يُقْسَمَ بينهم أثْلاثًا. وأما الآيةُ التى احْتَجَّ بها أصْحابُ الشافِعِىِّ، فإنَّ اللَّه تعالى لم يُبَيِّنْ قدرَ المأْكولِ منها والمُتَصدَّقِ به، وقد نَبَّه عليه فى آيَتِنا، وفَسَّره النبىُّ ﷺ بفِعْلِه، وابنُ عمرَ بقَوْلِه، وابنُ مسعودٍ بأمرِه. وأمَّا خَبَرُ أصحابِ الرَّأْىِ، فهو فى الهَدْىِ، والهَدْىُ يكثُرُ، فلا يَتَمَكَّنُ الإنسانُ من قَسْمِه، وأخذِ ثُلثِه، فتَتَعَيَّنُ الصَّدَقَةُ بها، والأَمْرُ فى هذا واسِعٌ، فلو تصَدَّقَ بها كُلِّها أو بأكثْرِها جازَ، وإِنْ أكلَها كُلها إلَّا أُوقِيَّةً تصدَّقَ بها جازَ. وقال أصْحابُ الشافِعِىِّ: يجوزُ أكْلُها كُلُّها. ولَنا، أَنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. وقال: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. والأَمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: يجبُ الأكلُ منها، ولا تجوزُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِها؛ للأَمْرِ بالأَكْلِ منها. ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَحَرَ خَمْس بَدَناتٍ، ولم يأكُلْ منهنَّ شيئًا، وقال: "مَنْ شاءَ فَلْيَقْتَطِعْ". ولأَنَّها ذَبِيحةٌ يتقرَّب إلى اللَّه تعالى بها، فلم يجِبْ الأَكْلُ منها، كالعَقِيقَةِ، والأَمْرُ للاسْتِحْبابِ، أو للإِباحَةِ، كالأَمْرِ بالأَكْلِ من الثِّمارِ والزَّرعِ، والنَّظَرِ إليها.

стр. 7069

فصل: ويجوزُ ادِّخارُ لُحومِ الأَضاحِى فوقَ ثلاثٍ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. ولم يُجِزْه عَلِىٌّ، ولا ابنُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن ادِّخارِ لحومِ الأَضَاحِى فوقَ ثلاثٍ (١١). ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: "كُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنِ ادِّخارِ لُحُومِ الأضاحِى فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَامْسِكُوا مَا بَدَا لَكُم". روَاه مُسْلِمٌ (١٢). ورَوَت عائِشَةُ، رضِىَ اللَّهُ عنها، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إِنَّما نَهَيْتُكُم لِلدَّافَّةِ (١٣) الَّتِى دَفَّتْ، فَكُلُوا، وتزوَّدُوا، وتصَدَّقُوا، وادَّخِرُوا" (١٤). وقال أحمدُ: فيه أسانِيدُ صِحاحٌ. فأمَّا عليّ وابنُ عمرَ، فلم يَبْلُغْهُما تَرْخِيصُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد كانُوا سَمِعُوا النَّهْىَ، فرَوَوْا على ما سَمِعُوا. فصل: ويجوزُ أَنْ يُطْعِمَ منها كافِرًا. وبهذا قال الحسنُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: غيرُهم أحَبُّ إلينا. وكَرِه مالك واللَّيْثُ إعْطاءَ النَّصْرانِىّ جِلْدَ الأُضْحِيَةِ. ولَنا، أنَّه طعامٌ له أكْلُه، فجازَ إطْعامُه الذِّمِّىَّ (١٥)، كسائِرِ طعامِه، ولأنَّه صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ، فجازَ إطعامُها الذِّمِّىَّ والأَسِيرَ، كسائِرِ صَدَقَةِ التَّطوُّعِ. فأمَّا الصدَقَةُ الواجِبَةُ منها، فلا يُجْزِئُ دَفْعُها إلى كافِرٍ، لأنّها صَدَقَةٌ واجِبَةٌ، فأَشْبَهَت الزَّكاةَ، وكَفَّارَةَ الْيَمِينِ. ١٧٦٠ - مسألة؛ قال: (ولا يُعْطَى الجازِرُ بأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا) وبهذا قال [مالكٌ، و] (١) الشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورَخَّصَ الحسنُ، وعبدُ اللَّهِ

стр. 7070

ابن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ، فى إعْطائِه الجِلْدَ. ولَنا، ما رَوَى عَلِىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أَمَرَنِى رسولُ اللَّه ﷺ أَنْ أقومَ على بَدَنَةٍ، وأنْ أقْسِمَ جُلودَها وجِلَالَها (٢)، وأنْ لا أُعْطِىَ الجازِرَ منها شيئًا، وقال: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا". مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأن ما يَدْفَعُه إلى الجَزَّارِ أُجْرَةً عِوَضٌ عن (٤) عَمَلِه وجِزارَتِه، ولا تجوزُ المُعاوَضَةُ بشىءٍ منها. فأمَّا إنْ دَفَعَ إليه لفَقْرِه، أو على سبيلِ الهَدِيَّة، فلا بأسَ؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ للأَخْذِ، فهو كغيرِه، بل هو أولَى؛ لأنَّه باشَرَها، وتاقَتْ نَفْسُه إليها. ١٧٦١ - مسألة؛ قال: (ولَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بجِلْدِهَا، ولَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ، ولَا شَيْئًا مِنْهَا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا يجوزُ بَيْعُ شىءٍ من الأُضْحِيَةِ، لا لحمِها ولا جِلْدِها، واجبةً كانتْ أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّها تَعَيَّنَتَ بالذَّبْحِ. قال أحمد: لا يَبِيعُها، ولا يبِيعُ شيئًا منها. وقال: سبحانَ اللَّه، كيفَ يبيعُها، وقد جَعَلَها للَّه ﵎! وقال الْمَيْمُونِىُّ: قالُوا لأبى عبدِ اللَّه: فجِلْدُ الأُضْحِيَةِ يُعطاهُ السَّلَّاخُ؟ قال: لا (١). وحَكَى قولَ النَّبِىِّ ﷺ : لا يُعْط (٢) فى جِزارَتِها شيئًا منها (٣). ثم قال: إسنادُه جَيِّد. وبهذا قال أبو هُرَيْرَةَ. وهو مذهبُ الشافِعِىّ. ورَخَّصَ الحسنُ، والنَّخَعِىُّ فى الجلْدِ أَنْ يبيعَه ويَشْتَرِىَ به الغِرْبالَ والمُنْخُلَ وآلةَ البَيْتِ. ورُوِىَ نحوُ هذا عن الأوْزاعِىِّ؛ لأنَّه ينْتفِعُ به هو وغيرُه، فجرَى مَجْرَى تَفْريقِ لَحْمِها (٤). وقال أبو حنيفةَ: يبيعُ ما شاءَ منها، ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه يَبِيعُ الجلدَ، ويتصدَّقُ بثَمَنِه. وحكاه ابنُ المنذرِ عن أحمدَ وإسْحاقَ. ولَنا، أَمْرُ النَّبِىِّ ﷺ بقَسْمِ جُلُودِها وجِلَالِها، ونَهْيُه أَنْ يُعْطى الجازِرُ شيئًا منها. ولأنَّه جَعَلَه للَّه تعالى فلم يَجُزْ بَيْعُه،

стр. 7071

كالوَقْفِ، وما ذَكَرُوه (٥) فى شراءِ آلةِ البيتِ، يبْطُلُ باللَّحْمِ، لا يجوزُ بَيْعُه بآلةِ البيتِ وإِنْ كان يُنْتفَعُ به. فأمَّا جوازُ الانْتفاعِ بجلودِها وجِلالِها، فلا خِلافَ فيه؛ لأنَّه جُزْءٌ منها، فجازَ للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كاللَّحْمِ، وكان علقمةُ ومَسْروقٌ يدْبُغانِ جِلْدَ أضْحِيَتهما، ويُصَلِّيانِ عليه. ورَوَت عائِشَةُ، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّه، قد كانُوا يَنْتَفِعُون من ضَحاياهم، يَحْمِلُون مِنْها الوَدَكَ (٦)، ويَتَّخِذُونَ منها الأسْقِيَةَ. قال: "ومَا ذَاكَ؟ ". قالت: نَهَيْتَ عن إمْساكِ لُحومِ الأضاحِى بعدَ (٧) ثلاثٍ. قال: "إنَّما نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتى دَفَّتْ، فَكُلُوا، وتَزَوَّدُوا، وتَصَدَّقُوا". حديثٌ صَحِيحٌ، رواه مالِكٌ (٨)، عن عبدِ اللَّه بنِ أبى بكرٍ، عن عَمْرَةَ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها. ولأَنَّه انْتِفاعٌ به، فجازَ كلَحْمِها. ١٧٦٢ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ أَنْ يُيْدِلَ الأُضْحِيَةَ إِذَا أَوْجَبَهَا بخيْرٍ مِنْهَا) هذا المنْصوصُ عن أحمدَ. وبه قال عَطاءٌ، ومجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، ومالكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. واختارَ أبو الخَطَّاب أنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُها، ولا إبْدالُها؛ لأنَّ أحمدَ نَصَّ فى الهَدْى إذا عطِبَ، أنَّهُ يُجْزِئُ عنه، وفى الأُضْحِيَةِ (١) إذا هَلَكَتْ، أو ذَبَحَها فسُرِقَت، لا بَدَلَ عليه. ولو كانَ ملكُه ما زالَ عنها، لَزِمَه بَدَلُها فى هذه المسائِل. وهذا مذهبُ أبى يوسفَ، والشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه قد جَعَلَها للَّه تعالى، فلم يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فيها بالبَيْعِ والإبْدالِ، كالوَقْفِ. ولَنا، ما رُوِىَ، أن النَّبِىَّ ﷺ ساقَ مائةَ بدَنَةٍ (٢) فى حِجَّتِه، وقَدِمَ على من الْيَمَنِ، فأشْرَكَه فيها. روَاه مُسْلِم (٣). وهذا نوعٌ من الهِبَةِ أو بَيْعٌ، ولأنَّه عدَلَ عَنْ عَيْن وَجَبَت لِحَقِّ اللَّه تعالى إلى خيرٍ منها من جِنْسِها، فجازَ، كما لو وَجَبَتْ عليه بنتُ

стр. 7072

لَبُونٍ، فأَخْرَجَ حِقَّةً فى الزّكاةِ، فأمَّا بَيْعُها، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه لا يَجُوزُ. وقال القاضِى: يجوزُ أَنْ يَبِيعَها، ويَشْتَرِىَ خَيْرًا منها. وهو قولُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وأبى حَنِيفَةَ؛ لما ذكرْنا من حديثِ بُدْنِ النَّبِىِّ ﷺ ، وإشْراكِه فيها، ولأنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عنها، بدَلِيلِ جوازِ إبْدالِها، ولأَنَّها عَيْنٌ يجوزُ إبْدالُها، فجازَ بَيْعُها، كما قبلَ إيجابِها. ولَنا، أنَّه جَعَلَها للَّه تعالى، فلم يجُزْ بيعُها، كالوَقْفِ، وإنَّما جازَ إبْدالُها بجنْسِها؛ لأنَّه لم يَزُل الحَقُّ فيها عن جِنسِها، وإنَّما انْتَقَلَ إلى خيرٍ منها، فكأنَّه فى المَعْنَى ضَمُّ زيادَةٍ إليها، وقد جازَ إبْدَالُ المُصْحَفِ، ولم يجُزْ بَيْعُه. وأمَّا حَدِيثُ البُدْنِ (٤)، فالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَبِعْها، وإنَّما شَرَكَ عليًّا فى ثَوابها وأجْرِها. ويَحْتَمِلُ أَنَّ ذلك كان قبلَ إيجابِها. وقولُ الْخِرَقِىِّ: بخَيْرٍ منها. يدُلُّ على أنَّه لا يجُوزُ بِدُونِها، ولا خِلافَ فى هذا؛ لأنَّه تَفْوِيتُ جُزءٍ منها، فلم يجُزْ، كإتْلافِه. وأنَّه لا يجوزُ بمثلِها؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فى هذا. وقال القاضِى: فى إبدالِها بمِثْلِها احْتِمالان؛ أحدُهما، جَوازُه؛ لأنَّه لا ينْقُصُ مِمَّا وَجَبَ عليه شىء. ولَنا، أنَّه يُغَيِّرُ ما أَوْجَبَه لغيرِ فائِدَةٍ، فلم يجُزْ، كإبْدالِه بما دُونِها. ١٧٦٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَضى مِن نَهَارِ يَوْم الأَضْحَى مِقْدارُ صَلَاةِ الْعِيدِ وخُطْبَتِهِ، فَقَدْ حَلَّ الذَّبْحُ إِلَى آخِرِ يَوْمَيْن مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيق نَهارًا، ولَا يَجُوزُ لَيْلًا) الكلامُ فى وقتِ الذَّبْحِ فى ثلاثةِ أشياء؛ أوّلِه، وَآخِرِه، وعموم وَقْتِه أو خُصوصِه. أمَّا أوَّلُه، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىّ أنَّه إذا مَضَى من نهارِ يومِ العيدِ قَدْر تَحُلُّ فيه الصلاةُ، وقَدْرُ الصَّلاةِ والخُطْبَتَيْنِ تامَّتَيْنِ فى أَخَفِّ ما يكون، فقد دَخَلَ (١) وَقْتُ الذَّبْحِ، ولا يُعْتبَرُ نفسُ الصلاةِ، لا فَرْقَ فى هذا بينَ أهلِ المِصْرِ وغيرِهم. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ، وابنِ المُنذِرِ. وظاهِرُ كلامِ أحمد، أَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوازِ التَّضْحِيَة فى حَقِّ أَهْلِ المِصْرِ صلاةَ الإِمامِ وخُطْبَتَه. ورُوِىَ نحوُ هذا عن الحسنِ، والأَوْزَاعِىِّ، ومالِكٍ، وأبى حَنِيفَةَ، وإسْحاقَ؛ لما رَوَى جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللَّه البَجَلِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ فَلْيُعِدْ

стр. 7073

مَكَانَهَا أُخْرَى" (٢). وعن الْبَراءِ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، ونَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أصَابَ النُّسُكَ، ومَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ، فَلْيُعِدْ مَكانَها أُخْرَى". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لفْظٍ قال: "إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِى يَوْمِنَا هذَا الصَّلَاةُ، ثُم الذَّبْحُ، فمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَتِلْكَ شاةُ لَحْمٍ قَدَّمَها لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِى شَىْءٍ". فظاهِرُ (٤) هذا اعْتبارُ نَفْس الصلاةِ. وقال عَطاءٌ: وَقْتُها إذا طَلَعَت الشمسُ؛ لأنَّها عبادَةٌ يتعلَّقُ آخِرُها بالوَقْتِ، فتعلَّقَ أوّلُها بالوَقْتِ، كالصيامِ. وهذا وَجْهُ قولِ الْخِرَقِىّ ومَنْ وافَقَه. والصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى، أَنَّ وَقْتَها فى الموضِعِ الذى يُصلَّى فيه بعدَ الصَّلاةِ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ، والعمَلُ بظاهِرِه أَوْلَى. فأمَّا غيرُ أهلِ الأمْصارِ والقُرَى، فأوَّلُ وَقْتِها فى حَقِّهِم قَدْرُ الصَّلاةِ والخُطْبَةِ بعدَ حَلِّ (٥) الصلاةِ؛ لأنَّه لا صَلاةَ فى حَقِّهم تُعْتبَرُ، فَوَجَبَ الاعْتبارُ بقَدْرِها. وقال أبو حنيفةَ: أوَّل وَقْتِها فى حَقِّهم إذا طلعَ الفجرُ الثانِى؛ لأنَّه من يومِ النَّحْرِ، فكان وقْتُها (٦) منه كسائِرِ اليومِ. ولَنا، أنَّها عبادَةٌ وَقْتُها فى حَقِّ أهلِ الأمْصار (٧) بعدَ إشْراقِ الشمسِ، فلا تتقدَّمُ وَقْتَها فى حَقِّ غيرِهم، كصلاةِ العيدِ. وما ذَكَرُوه يبطلُ بأهلِ المِصْرِ (٨)، فإنْ لم يُصَلِّ الإِمامُ فى المِصْرِ، لم يجزِ الذَّبْحُ حتى تزولَ الشمسُ؛ لأنَّها

стр. 7074

حينئذٍ تسْقطُ، فكأنَّه قد صلَّى، وسواءٌ تَرَكَ الصَلاةَ عَمْدًا أو غيرَ عَمْدٍ، لعُذْرٍ أو غيرِه. فأمَّا الذَّبْحُ فى اليومَ الثانى، فيجوزُ (٩) فى أوَّلَ النهارِ؛ لأنَّ الصلاةَ فيه غيرُ واجِبَةٍ، ولأنَّ الوَقْتَ قد دخلَ فى اليومِ الأَوَّلِ، وهذا من أثْنائِه، فلا تُعْتبَرُ فيه صلاةٌ ولا غيرُها. وإِنْ صَلَّى الإِمامُ فى المُصَلَّى، واسْتَخْلَفَ مَنْ صَلَّى فى المسجدِ، فمتَى صَلَّوا فى أحدِ المَوْضِعَيْنِ جازَ الذبحُ؛ لوجودِ الصلاةِ التى يسْقُطُ بها الفَرْضُ عن سائِرِ الناسِ. فإنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ، أَجْزَأَ، فى ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّقَ المَنْعَ على فِعْلِ الصَّلاةِ، فلا يتعلَّقُ بغيرِه، ولأَنَّ الخطبَةَ غيرُ واجِبَةٍ. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ. الثانى، آخِرُ الوَقْتِ، وآخِرُه آخِرُ اليومِ الثانِى من أيامِ التَّشْرِيقِ، فتكونُ أيامُ النَّحْرِ ثلاثَةً؛ يومُ النَّحْرِ (١٠)، ويَوْمان بَعْدَه. وهذا قولُ عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عبّاسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأَنَسٍ. قال أحمد: أيَّام النَّحْرِ ثلاثَةٌ، كما غيرِ واحِدٍ من أصحاب رسولَ اللَّه ﷺ . وفى رِوايَةٍ، قال: خَمْسَةٌ من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ . ولم يذْكُرْ أَنَسًا. وهو قولُ مالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ. ورُوِىَ عن علىٍّ، آخِرُه آخِرُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ. وهو مذهبُ الشافِعِىّ، وقولُ عَطاءٍ، والحسنِ؛ لأَنَّه رُوِىَ عن جُبَيْر بنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "أَيَّامُ مِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ" (١١). ولأَنَّها أيَّامُ تكْبِيرٍ وإفْطارٍ، فكانت مَحَلًّا للنَّحْرِ كالأَوَّلَيْن. وقال ابنُ سِيرِينَ: لا تجوزُ إلَّا فى يومِ النَّحْرِ خاصَّةً؛ لأنَّها وَظِيفةُ (١٢) عِيدٍ، فلا تجوزُ إلَّا فى يومٍ واحدٍ، كأداءِ الفِطْرةِ يومَ الفِطر. وقال سعيدُ بن جُبَيْر، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ، كقولِ ابنِ سِيرِينَ فى أهلِ الأمْصارِ، وقَوْلِنا فى أهلِ مِنًى. وعن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، وعَطاءِ بنِ يَسارٍ: تجوزُ التَّضْحِيَةُ إلى هلالِ المُحَرَّمِ. وقال أبو أُمامةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ: كان الرجلُ من المسلمين يَشْتَرِى أُضْحِيَةً، فيُسَمِّنُها حتى يكونَ آخِرُ ذى الحِجَّةِ، فيُضَحِّىَ بها. رواه

стр. 7075

الإِمامُ أحمدُ، بإسْنادِه (١٣). وقال: هذا الحَدِيثُ عَجِيبٌ. وقال: أيَّامُ الأَضْحَى التى أجْمِعَ عليها ثلاثَةُ أيَّام. ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن ادِّخارِ لُحومِ الأَضاحِى فوقَ ثلاثٍ (١٤). ولا يجوزُ الذَّبْحُ فى وقتٍ لا يجوزُ ادِّخارُ الأُضْحِيَةِ إليه، ولأن اليومَ الرابعَ لا يجبُ الرَّمْىُ فيه، فلم تَجُزٍ التَّضْحِيَةُ فيه، كالذى بَعْدَه، ولأنه قولُ مَن سَمَّيْنا من الصحابَةِ، ولا مُخالِفَ لهم إلَّا رِوايَة عن عَلِىٍّ، وقد رُوِىَ عنه مثلُ مَذهَبِنا، حدِيثُهم إنَّما هو: "ومِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ". ليس فيه ذِكْرُ الأيَّامِ، والتَّكْبِيرُ أعمُّ من الذَّبْحِ، وكذلك الإِفْطارُ، بدَلِيلِ أوَّلِ يومِ النَّحْرِ، ويومُ عَرَفة يومُ تَكْبِيرٍ، ولا يجوزُ الذَّبْحُ فيه. الثالِثُ، فى زَمَنِ الذَّبْحِ، وهو النّهارُ دونَ اللَّيْلِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوايَةِ الأَثْرَمِ. وهو قولُ مالِكٍ. ورُوِىَ عن عَطاءٍ ما يَدُلُّ عليه. وحُكِىَ عن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أن الذَّبْحَ يجوزُ ليلًا. وهو اخْتِيارُ أصْحابِنا المُتَأَخِّرِين، وقولُ الشافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى حنيفةَ وأصحابه؛ لأنَّ الليلَ زَمَنٌ يصحُّ فيه الرَّمْىُ، فأشْبَهَ النهارَ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١٥). ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى عن الذَّبْحِ باللَّيْلِ (١٦). ولأنَّه ليلُ يومٍ يجوزُ الذَّبْحُ فيه، فأشْبَهَ ليلَةَ يومِ النَّحْرِ، ولأنَّ الليلَ تتعذَّرُ فيه تفرِقَهُ اللَّحْمِ فى الغالبِ، فلا يفرّقُ طَريًّا، فيفوتُ بعضُ المقصودِ؛ ولهذا قالُوا: يُكْرَهُ الذبحُ فيه. فعلَى هذا، إنْ ذَبَحَ ليلًا لم يُجْزِئْه عن الواجِبِ، وإِنْ كانتْ (١٧) تطوُّعًا فذَبَحَها، كانت شاةَ لَحْمٍ، ولم تكُنْ أُضْحِيَةً، فإنْ فَرَّقها، حَصَلَت القُرْبَةُ بِتَفْرِيقها، دونَ ذَبْحِها. فصل: إذا فاتَ وقتُ الذَّبْحِ، ذَبَحَ الواجِبَ قَضاءً، وصَنَعَ به ما يَصْنَعُ بالمَذْبوحِ فى وَقْتِه، وهو مُخَيَّرٌ فى التَّطَوُّعِ، فإنْ فَرَّقَ لَحْمَها كانت القُرْبَةُ بذلك دونَ الذَّبْحِ؛ لأنَّها شاةُ
следующие страницы →