← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

كالوَقْفِ، وما ذَكَرُوه (٥) فى شراءِ آلةِ البيتِ، يبْطُلُ باللَّحْمِ، لا يجوزُ بَيْعُه بآلةِ البيتِ وإِنْ كان يُنْتفَعُ به. فأمَّا جوازُ الانْتفاعِ بجلودِها وجِلالِها، فلا خِلافَ فيه؛ لأنَّه جُزْءٌ منها، فجازَ للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كاللَّحْمِ، وكان علقمةُ ومَسْروقٌ يدْبُغانِ جِلْدَ أضْحِيَتهما، ويُصَلِّيانِ عليه. ورَوَت عائِشَةُ، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّه، قد كانُوا يَنْتَفِعُون من ضَحاياهم، يَحْمِلُون مِنْها الوَدَكَ (٦)، ويَتَّخِذُونَ منها الأسْقِيَةَ. قال: "ومَا ذَاكَ؟ ". قالت: نَهَيْتَ عن إمْساكِ لُحومِ الأضاحِى بعدَ (٧) ثلاثٍ. قال: "إنَّما نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتى دَفَّتْ، فَكُلُوا، وتَزَوَّدُوا، وتَصَدَّقُوا". حديثٌ صَحِيحٌ، رواه مالِكٌ (٨)، عن عبدِ اللَّه بنِ أبى بكرٍ، عن عَمْرَةَ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها. ولأَنَّه انْتِفاعٌ به، فجازَ كلَحْمِها. ١٧٦٢ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ أَنْ يُيْدِلَ الأُضْحِيَةَ إِذَا أَوْجَبَهَا بخيْرٍ مِنْهَا) هذا المنْصوصُ عن أحمدَ. وبه قال عَطاءٌ، ومجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، ومالكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. واختارَ أبو الخَطَّاب أنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُها، ولا إبْدالُها؛ لأنَّ أحمدَ نَصَّ فى الهَدْى إذا عطِبَ، أنَّهُ يُجْزِئُ عنه، وفى الأُضْحِيَةِ (١) إذا هَلَكَتْ، أو ذَبَحَها فسُرِقَت، لا بَدَلَ عليه. ولو كانَ ملكُه ما زالَ عنها، لَزِمَه بَدَلُها فى هذه المسائِل. وهذا مذهبُ أبى يوسفَ، والشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه قد جَعَلَها للَّه تعالى، فلم يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فيها بالبَيْعِ والإبْدالِ، كالوَقْفِ. ولَنا، ما رُوِىَ، أن النَّبِىَّ ﷺ ساقَ مائةَ بدَنَةٍ (٢) فى حِجَّتِه، وقَدِمَ على من الْيَمَنِ، فأشْرَكَه فيها. روَاه مُسْلِم (٣). وهذا نوعٌ من الهِبَةِ أو بَيْعٌ، ولأنَّه عدَلَ عَنْ عَيْن وَجَبَت لِحَقِّ اللَّه تعالى إلى خيرٍ منها من جِنْسِها، فجازَ، كما لو وَجَبَتْ عليه بنتُ

стр. 7072

لَبُونٍ، فأَخْرَجَ حِقَّةً فى الزّكاةِ، فأمَّا بَيْعُها، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه لا يَجُوزُ. وقال القاضِى: يجوزُ أَنْ يَبِيعَها، ويَشْتَرِىَ خَيْرًا منها. وهو قولُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وأبى حَنِيفَةَ؛ لما ذكرْنا من حديثِ بُدْنِ النَّبِىِّ ﷺ ، وإشْراكِه فيها، ولأنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عنها، بدَلِيلِ جوازِ إبْدالِها، ولأَنَّها عَيْنٌ يجوزُ إبْدالُها، فجازَ بَيْعُها، كما قبلَ إيجابِها. ولَنا، أنَّه جَعَلَها للَّه تعالى، فلم يجُزْ بيعُها، كالوَقْفِ، وإنَّما جازَ إبْدالُها بجنْسِها؛ لأنَّه لم يَزُل الحَقُّ فيها عن جِنسِها، وإنَّما انْتَقَلَ إلى خيرٍ منها، فكأنَّه فى المَعْنَى ضَمُّ زيادَةٍ إليها، وقد جازَ إبْدَالُ المُصْحَفِ، ولم يجُزْ بَيْعُه. وأمَّا حَدِيثُ البُدْنِ (٤)، فالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَبِعْها، وإنَّما شَرَكَ عليًّا فى ثَوابها وأجْرِها. ويَحْتَمِلُ أَنَّ ذلك كان قبلَ إيجابِها. وقولُ الْخِرَقِىِّ: بخَيْرٍ منها. يدُلُّ على أنَّه لا يجُوزُ بِدُونِها، ولا خِلافَ فى هذا؛ لأنَّه تَفْوِيتُ جُزءٍ منها، فلم يجُزْ، كإتْلافِه. وأنَّه لا يجوزُ بمثلِها؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فى هذا. وقال القاضِى: فى إبدالِها بمِثْلِها احْتِمالان؛ أحدُهما، جَوازُه؛ لأنَّه لا ينْقُصُ مِمَّا وَجَبَ عليه شىء. ولَنا، أنَّه يُغَيِّرُ ما أَوْجَبَه لغيرِ فائِدَةٍ، فلم يجُزْ، كإبْدالِه بما دُونِها. ١٧٦٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَضى مِن نَهَارِ يَوْم الأَضْحَى مِقْدارُ صَلَاةِ الْعِيدِ وخُطْبَتِهِ، فَقَدْ حَلَّ الذَّبْحُ إِلَى آخِرِ يَوْمَيْن مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيق نَهارًا، ولَا يَجُوزُ لَيْلًا) الكلامُ فى وقتِ الذَّبْحِ فى ثلاثةِ أشياء؛ أوّلِه، وَآخِرِه، وعموم وَقْتِه أو خُصوصِه. أمَّا أوَّلُه، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىّ أنَّه إذا مَضَى من نهارِ يومِ العيدِ قَدْر تَحُلُّ فيه الصلاةُ، وقَدْرُ الصَّلاةِ والخُطْبَتَيْنِ تامَّتَيْنِ فى أَخَفِّ ما يكون، فقد دَخَلَ (١) وَقْتُ الذَّبْحِ، ولا يُعْتبَرُ نفسُ الصلاةِ، لا فَرْقَ فى هذا بينَ أهلِ المِصْرِ وغيرِهم. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ، وابنِ المُنذِرِ. وظاهِرُ كلامِ أحمد، أَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوازِ التَّضْحِيَة فى حَقِّ أَهْلِ المِصْرِ صلاةَ الإِمامِ وخُطْبَتَه. ورُوِىَ نحوُ هذا عن الحسنِ، والأَوْزَاعِىِّ، ومالِكٍ، وأبى حَنِيفَةَ، وإسْحاقَ؛ لما رَوَى جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللَّه البَجَلِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ فَلْيُعِدْ

стр. 7073

مَكَانَهَا أُخْرَى" (٢). وعن الْبَراءِ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، ونَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أصَابَ النُّسُكَ، ومَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ، فَلْيُعِدْ مَكانَها أُخْرَى". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لفْظٍ قال: "إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِى يَوْمِنَا هذَا الصَّلَاةُ، ثُم الذَّبْحُ، فمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَتِلْكَ شاةُ لَحْمٍ قَدَّمَها لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِى شَىْءٍ". فظاهِرُ (٤) هذا اعْتبارُ نَفْس الصلاةِ. وقال عَطاءٌ: وَقْتُها إذا طَلَعَت الشمسُ؛ لأنَّها عبادَةٌ يتعلَّقُ آخِرُها بالوَقْتِ، فتعلَّقَ أوّلُها بالوَقْتِ، كالصيامِ. وهذا وَجْهُ قولِ الْخِرَقِىّ ومَنْ وافَقَه. والصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى، أَنَّ وَقْتَها فى الموضِعِ الذى يُصلَّى فيه بعدَ الصَّلاةِ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ، والعمَلُ بظاهِرِه أَوْلَى. فأمَّا غيرُ أهلِ الأمْصارِ والقُرَى، فأوَّلُ وَقْتِها فى حَقِّهِم قَدْرُ الصَّلاةِ والخُطْبَةِ بعدَ حَلِّ (٥) الصلاةِ؛ لأنَّه لا صَلاةَ فى حَقِّهم تُعْتبَرُ، فَوَجَبَ الاعْتبارُ بقَدْرِها. وقال أبو حنيفةَ: أوَّل وَقْتِها فى حَقِّهم إذا طلعَ الفجرُ الثانِى؛ لأنَّه من يومِ النَّحْرِ، فكان وقْتُها (٦) منه كسائِرِ اليومِ. ولَنا، أنَّها عبادَةٌ وَقْتُها فى حَقِّ أهلِ الأمْصار (٧) بعدَ إشْراقِ الشمسِ، فلا تتقدَّمُ وَقْتَها فى حَقِّ غيرِهم، كصلاةِ العيدِ. وما ذَكَرُوه يبطلُ بأهلِ المِصْرِ (٨)، فإنْ لم يُصَلِّ الإِمامُ فى المِصْرِ، لم يجزِ الذَّبْحُ حتى تزولَ الشمسُ؛ لأنَّها

стр. 7074

حينئذٍ تسْقطُ، فكأنَّه قد صلَّى، وسواءٌ تَرَكَ الصَلاةَ عَمْدًا أو غيرَ عَمْدٍ، لعُذْرٍ أو غيرِه. فأمَّا الذَّبْحُ فى اليومَ الثانى، فيجوزُ (٩) فى أوَّلَ النهارِ؛ لأنَّ الصلاةَ فيه غيرُ واجِبَةٍ، ولأنَّ الوَقْتَ قد دخلَ فى اليومِ الأَوَّلِ، وهذا من أثْنائِه، فلا تُعْتبَرُ فيه صلاةٌ ولا غيرُها. وإِنْ صَلَّى الإِمامُ فى المُصَلَّى، واسْتَخْلَفَ مَنْ صَلَّى فى المسجدِ، فمتَى صَلَّوا فى أحدِ المَوْضِعَيْنِ جازَ الذبحُ؛ لوجودِ الصلاةِ التى يسْقُطُ بها الفَرْضُ عن سائِرِ الناسِ. فإنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ، أَجْزَأَ، فى ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّقَ المَنْعَ على فِعْلِ الصَّلاةِ، فلا يتعلَّقُ بغيرِه، ولأَنَّ الخطبَةَ غيرُ واجِبَةٍ. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ. الثانى، آخِرُ الوَقْتِ، وآخِرُه آخِرُ اليومِ الثانِى من أيامِ التَّشْرِيقِ، فتكونُ أيامُ النَّحْرِ ثلاثَةً؛ يومُ النَّحْرِ (١٠)، ويَوْمان بَعْدَه. وهذا قولُ عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عبّاسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأَنَسٍ. قال أحمد: أيَّام النَّحْرِ ثلاثَةٌ، كما غيرِ واحِدٍ من أصحاب رسولَ اللَّه ﷺ . وفى رِوايَةٍ، قال: خَمْسَةٌ من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ . ولم يذْكُرْ أَنَسًا. وهو قولُ مالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ. ورُوِىَ عن علىٍّ، آخِرُه آخِرُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ. وهو مذهبُ الشافِعِىّ، وقولُ عَطاءٍ، والحسنِ؛ لأَنَّه رُوِىَ عن جُبَيْر بنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "أَيَّامُ مِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ" (١١). ولأَنَّها أيَّامُ تكْبِيرٍ وإفْطارٍ، فكانت مَحَلًّا للنَّحْرِ كالأَوَّلَيْن. وقال ابنُ سِيرِينَ: لا تجوزُ إلَّا فى يومِ النَّحْرِ خاصَّةً؛ لأنَّها وَظِيفةُ (١٢) عِيدٍ، فلا تجوزُ إلَّا فى يومٍ واحدٍ، كأداءِ الفِطْرةِ يومَ الفِطر. وقال سعيدُ بن جُبَيْر، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ، كقولِ ابنِ سِيرِينَ فى أهلِ الأمْصارِ، وقَوْلِنا فى أهلِ مِنًى. وعن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، وعَطاءِ بنِ يَسارٍ: تجوزُ التَّضْحِيَةُ إلى هلالِ المُحَرَّمِ. وقال أبو أُمامةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ: كان الرجلُ من المسلمين يَشْتَرِى أُضْحِيَةً، فيُسَمِّنُها حتى يكونَ آخِرُ ذى الحِجَّةِ، فيُضَحِّىَ بها. رواه

стр. 7075

الإِمامُ أحمدُ، بإسْنادِه (١٣). وقال: هذا الحَدِيثُ عَجِيبٌ. وقال: أيَّامُ الأَضْحَى التى أجْمِعَ عليها ثلاثَةُ أيَّام. ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن ادِّخارِ لُحومِ الأَضاحِى فوقَ ثلاثٍ (١٤). ولا يجوزُ الذَّبْحُ فى وقتٍ لا يجوزُ ادِّخارُ الأُضْحِيَةِ إليه، ولأن اليومَ الرابعَ لا يجبُ الرَّمْىُ فيه، فلم تَجُزٍ التَّضْحِيَةُ فيه، كالذى بَعْدَه، ولأنه قولُ مَن سَمَّيْنا من الصحابَةِ، ولا مُخالِفَ لهم إلَّا رِوايَة عن عَلِىٍّ، وقد رُوِىَ عنه مثلُ مَذهَبِنا، حدِيثُهم إنَّما هو: "ومِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ". ليس فيه ذِكْرُ الأيَّامِ، والتَّكْبِيرُ أعمُّ من الذَّبْحِ، وكذلك الإِفْطارُ، بدَلِيلِ أوَّلِ يومِ النَّحْرِ، ويومُ عَرَفة يومُ تَكْبِيرٍ، ولا يجوزُ الذَّبْحُ فيه. الثالِثُ، فى زَمَنِ الذَّبْحِ، وهو النّهارُ دونَ اللَّيْلِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوايَةِ الأَثْرَمِ. وهو قولُ مالِكٍ. ورُوِىَ عن عَطاءٍ ما يَدُلُّ عليه. وحُكِىَ عن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أن الذَّبْحَ يجوزُ ليلًا. وهو اخْتِيارُ أصْحابِنا المُتَأَخِّرِين، وقولُ الشافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى حنيفةَ وأصحابه؛ لأنَّ الليلَ زَمَنٌ يصحُّ فيه الرَّمْىُ، فأشْبَهَ النهارَ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١٥). ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى عن الذَّبْحِ باللَّيْلِ (١٦). ولأنَّه ليلُ يومٍ يجوزُ الذَّبْحُ فيه، فأشْبَهَ ليلَةَ يومِ النَّحْرِ، ولأنَّ الليلَ تتعذَّرُ فيه تفرِقَهُ اللَّحْمِ فى الغالبِ، فلا يفرّقُ طَريًّا، فيفوتُ بعضُ المقصودِ؛ ولهذا قالُوا: يُكْرَهُ الذبحُ فيه. فعلَى هذا، إنْ ذَبَحَ ليلًا لم يُجْزِئْه عن الواجِبِ، وإِنْ كانتْ (١٧) تطوُّعًا فذَبَحَها، كانت شاةَ لَحْمٍ، ولم تكُنْ أُضْحِيَةً، فإنْ فَرَّقها، حَصَلَت القُرْبَةُ بِتَفْرِيقها، دونَ ذَبْحِها. فصل: إذا فاتَ وقتُ الذَّبْحِ، ذَبَحَ الواجِبَ قَضاءً، وصَنَعَ به ما يَصْنَعُ بالمَذْبوحِ فى وَقْتِه، وهو مُخَيَّرٌ فى التَّطَوُّعِ، فإنْ فَرَّقَ لَحْمَها كانت القُرْبَةُ بذلك دونَ الذَّبْحِ؛ لأنَّها شاةُ

стр. 7076

لحمٍ، وليست أُضْحِيَةً، وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُسَلِّمُها إلى الفُقَراءِ، ولا يَذْبَحُها، فإنْ ذَبَحَها فرَّق لَحْمَها، وعليه أرشُ ما نَقَصَها الذَّبْحُ؛ لأنّ الذَّبْحَ قد سَقَطَ بفَواتِ وَقْتِه. ولَنا، أن الذَّبْحَ أحدُ مَقْصُودَى الأُضْحِيَةِ، فلا يسْقُطُ بفَواتِ وَقْتِه كتَفْرِقَةِ اللَّحمِ، وذلك أنَّه لو ذَبَحَها فى الأيَّامِ، ثم خَرَجَتْ قبلَ تَفْرِيقها، فرقَها بعدَ ذلك. ويُفارقُ الوُقُوف والرَّمْىَ، ولأنَّ الأضْحِيَةَ لا تسْقُطُ بفَواتِها، بخلافِ ذلك. فصل: وإذا وَجَبَت الأُضْحِيَةُ بإيجابِه لها، فضَلَّتْ أو سُرِقَت بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها أمانَةٌ فى يدِه، فإنْ عادَتْ إليه ذَبَحَها، سواءٌ كان فى زَمَنِ الذّبْحِ، أو فيما بعد، على ما ذَكَرْناه. ١٧٦٤ - مسألة؛ قَال: (فَإِنْ ذَبَحَ قبلَ ذَلِك لَمْ يُجْزِئْهُ، ولَزِمَهُ الْبَدلُ) وذلك لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى" (١). ولأنها نَسِيكةٌ واجِبَةٌ، ذَبَحَها قبلَ وَقْتِها، فَلَزِمَه بدلُها، كالهَدْى إذا ذَبَحَه قبلَ مَحِلِّه. ويَجِبُ أَنْ يكونَ بَدَلُها مثلَها أو خيرًا منها؛ لأنَّ ذَبْحَها قبلَ مَحِلِّها إتلافٌ لها. وكلامُ الخِرَقِىِّ، [ومَنْ أطْلَقَ من أصحابِنا] (٢)، محمولٌ على الأُضْحِيَةِ الواجِبَةِ بنَذْرٍ أو تَعْيِينٍ، فإنْ كانَتْ غيرَ واجبَةٍ بواحِدٍ من الأمرَيْنِ، فهى شاةُ لَحْمٍ، ولا بدَلَ عليه، إلا أَنْ يشاءَ؛ لأنَّه قَصَدَ التَّطَوُّعَ فأفْسَدَه، فلم يجبْ عليه بَدَلُه، كما لو خرجَ بصدَقَةِ تَطَوُّع فَدَفَعها إلى غيرِ مُسْتَحِقِّها، والحديثُ يُحْمَلُ على أحَدِ أَمْرَيْن؛ إمَّا النَّدْبِ، وإمَّا على التَّخْصِيص بمَنْ وَجَبَت عليه؛ بدَلِيلِ ما ذَكَرْنا. فأمَّا الشَّاةُ المَذْبوحَةُ، فهى شاةُ لحمٍ، كما وصَفَها النَّبِىُّ ﷺ (١)، ومَعْناه يصْنَعُ بها ما شاءَ، كشاةٍ ذَبَحَها لِلَحْمِهَا، لا لغيرِ ذلك، فإنَّ هذه إنْ كانت واجبةً، فقد لَزِمَهُ إبْدَالُها، وذَبْحُ ما يقومُ مَقامَها، فخرَجت هذه عن كَوْنِها واجِبَةً، كالهَدْى الواجب إذا عَطِبَ دُون مَحِلِّه، وإِنْ كان تَطَوُّعًا، فقد أَخْرَجَها بذَبْحِه

стр. 7077

إيَّاها قبلَ مَحِلِّها عن القُرْبَةِ، فبَقِيَت مُجَرَّدَ شاةِ لحمٍ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ حكمُها حُكْمَ الأُضْحِيَةِ، كالهَدْى إذا عَطِبَ؛ لا يخْرُجُ عن حكمِ الهَدْى على رِوايَةٍ، ويكونُ مَعْنَى قولِه: "شَاةُ لَحْمٍ". أى فى فَضْلِها وثوابِها خاصَّةً، دونَ ما يَصْنَعُ بها. ١٧٦٥ - مسألة؛ قال: (ولا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَها إِلَّا مُسْلِمٌ، وإِنْ ذَبَحَها بِيَدهِ كَانَ أَفْضَلَ) وجُمْلَتُه أنَّه يُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَذْبَحَ الأُضْحِيَةَ إلَّا مُسْلِمٌ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ، فلا يَليها غيرُ أهلِ القُرْبَةِ، وإن اسْتَنابَ ذِمِّيًّا فى ذبْحِها، جازَ مع الكراهَةِ. وهذا قولُ الشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن أحمدَ، لا يجوزُ أَنْ يذبَحَها إلَّا مُسْلِمٌ. وهذا (١) قولُ مالِكٍ. وممَّنْ كَرِهَ ذلك علىٌّ، وابنُ عبّاسٍ، وجابِرٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ. وقال جابِرٌ: لا يذْبَحُ النُّسُكَ إلَّا مُسْلِمٌ؛ لما رُوىَ فى حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ الطويلِ عن النَّبِىِّ ﷺ : "ولا يَذْبَحُ ضَحَايَاكُمْ إِلَّا طَاهِرٌ" (٢). ولأَنَّ الشحومَ تحْرُمُ علينا ممَّا يَذْبَحُونَه على رِوايَةٍ، فيكونُ ذلك بِمَنزلَةِ إتْلافِه. ولَنا، أن مَنْ جازَ له ذَبحُ غيرِ الأُضْحِيَةِ، جازَ له ذبحُ الأُضْحِيَةِ، كالمسلمِ، ويجوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الكافِرُ ما كانَ قُرْبَة للمسلمِ، كبناءِ المساجِدِ والقناطِرِ، ولا نُسَلِّمُ تَحْريمَ الشُّحومِ علينا بِذَبْحِهم، والحديثُ محمولٌ على الاسْتِحْبابِ، والمُسْتَحَبُّ أَنْ يذْبَحَها المسلمُ ليَخْرُجَ من الخلافِ. وإِنْ ذَبَحَها بِيَدِه كان أفضلَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ضَحَّى بكَبْشَيْن أقْرَنَيْنِ أمْلَحَيْن، ذَبَحَهُما بِيَدِه، وسَمَّى وكبَرَ، ووَضعَ رِجْلَه على صفاحِهِما (٣). ونَحَرَ البَدَناتِ السِّتَّ بِيَدِهِ (٤). ونحرَ فى (٥) البُدْنِ التى ساقَها فى حجَّتِه ثلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِه (٦). ولأنّ فِعْلَه قُرْبةٌ، وفعلُ القُرْبَةِ أوْلَى من اسْتِنابتِه فيها. فإن اسْتَنابَ فيها، جازَ؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ اسْتنابَ مَنْ نحرَ [ما بَقِىَ من] (٧) بُدْنِه بعدَ ثلاثٍ وسِتِّينَ (٦).

стр. 7078

وهذا لا خِلافَ (٨) فيه. ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ ذَبْحَها؛ لأنَّ فى حديثِ ابنِ عَبّاسٍ الطويلِ: "واحْضُرُوهَا إِذَا ذَبَحْتُمْ، فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَكُمْ عِنْدَ أوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا". ورُوِىَ أن النَّبِىَّ ﷺ قال لفاطِمَةَ: "احْضُرِى أُضْحِيَتَكِ، يُغْفَرْ لَكِ بأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا" (٩). ١٧٦٦ - مسألة؛ قال: (وَيقُولُ عِنْد الذَّبْح: بِسْمِ اللَّهِ، واللَّه أَكْبَرُ. وإِنْ نَسِىَ فَلَا يَضُرُّهُ) ثَبَتَ أنّ النَّبِىَّ ﷺ كان إذا ذَبَحَ قال: "بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أَكْبَرُ" (١) وفى حديثِ أنَسٍ: وسَمَّى وكبَّرَ (١). وكذلك كان يقول ابنُ عمرَ. وبه يقولُ أصحابُ الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ فى اسْتِحْبابِ هذا خِلافًا، ولا فى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُجْزِئَةٌ. وإِنْ نَسِىَ التَّسْمِيَةَ، أَجْزَأَه، على ما ذكرْنا فى الذَّبائحِ. وإِنْ زادَ فقال: اللهُمّ هذا مِنْكَ ولَكَ، اللهُمّ تَقَبَّلْ مِنِّى، أو مِنْ فلانٍ. فحَسَنٌ. وبه قال أكثرُ أهلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: يُكْرَه أَنْ يذْكُرَ اسمَ غيرِ اللَّه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٢). ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بكَبْشٍ (٣) لِيَذْبَحَه، فأَضْجَعَه، ثم قال: "اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ وأُمَّةِ محمّدٍ". ثُمّ ضَحَّى. روَاه مسلمٌ (٤). وفى حديثِ جابِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "اللهُمّ مِنْكَ ولَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللَّهِ، واللَّه أكْبَرُ". ثم ذَبَحَ (٥). وهذا نَصٌّ لا يُعَرَّجُ على خِلافِه. ١٧٦٧ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ عِنْد الذَّبْحِ عمَّنْ؛ لأَنَّ النِّيَّةَ تُجْزِئُ) لا أعلمُ خِلافًا فى أنّ النِّيَّةَ تُجْزِئُ، وإِنْ ذَكَرَ مَنْ يُضَحِّى عنه فحَسَنٌ، لما رَوَيْنَا من

стр. 7079

الحديثِ. قال الحسنُ: يقولُ: بسم اللَّه، واللَّه أَكْبَر، هذا مِنْكَ ولَكَ، تَقَبَّلْ من فلانٍ. وكَرِهَ أهلُ الرَّأْى هذا. وقد ذَكَرْناه فى التى قَبْلَها. فصل: وإِنْ عَيَّنَ أُضْحِيَةً، فذَبَحَها غيرُه بغيرِ إذْنِه، أَجْزَأَت عن صاحِبِها، ولا ضَمانَ على ذابِحِها. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال مالِك: هى شاةُ لحْمٍ، لصاحِبِها أرْشُها، وعليه بَدَلُها؛ لأنَّ الذَّبْحَ عبادَةٌ، فإذَا فَعَلَها غيرُ صاحِبِها عنه بغيرِ إذْنِه لم تقَعْ الْمَوقِعَ، كالزكاةِ. وقال الشافِعِىُّ: تُجْزِئ عن صاحِبِها، وله على ذابِحِها أرْشُ ما بين قِيمَتِها صحيحةً ومَذْبُوحةً؛ لأنَّ الذَّبْحَ أحدُ مَقْصُودَى الهَدْى، فإذا فَعَلَه فاعِلٌ بغيرِ إذْنِ المُضَحِّى، ضَمِنَه، كتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ. ولَنا، على مالِك، أنَّه فِعْلٌ لا يَفْتَقِرُ (١) إلى النِّيَّةِ، فإذا فعَلَه غيرُ الصاحِبِ أَجزأَ عنه، كغَسْلِ ثوبِه منْ النَّجاسَةِ. وعلى الشافِعِىِّ، أَنَّها أُضْحِيَةٌ أجْزَأَت عن صاحِبِها، ووَقَعَت مَوْقِعَها، فلم يضْمَنْ ذابِحُها، كما لو كان بإذْنٍ، ولأنَّه إراقَةُ دم تَعَيَّنَ إرَاقَتُه لحقِّ اللَّه تعالَى، فلم يضْمَنْ مُرِيقُه، كقاتِلِ المُرْتَدِّ بغيرِ إذنِ الإِمامِ، ولأَنّ الأرْشَ لو وجَبَ، فإنَّما يجبُ ما بينَ كَوْنِها مُسْتحَقَّةَ الذَّبْحِ فى هذه الأيامِ متعيِّنَةً له، وما [بين كونِها] (٢) مذبوحَةً، ولا قيمةَ لهذه الحياةِ، ولا تَفاوُتَ بين القِيمَتَيْنِ، فتعذّرَ وُجودُ الأرْشِ ووُجوبُه، ولأنَّه (٣) لو وجَبَ الأرْشُ لم يَخْلُ؛ إمَّا أَنْ يجبَ للمُضَحِّى، أو للفقراءِ، لا جائزٌ أَنْ يجبَ للفقراءِ؛ لأَنَّهم إنما يَسْتَحِقُّونها مَذْبوحَةً، ولو دَفَعها إليهم فى الحياةِ لم يَجُزْ، ولا جائزٌ أَنْ يجبَ له؛ لأنَّه لا يجوزُ أَنْ يأخُذَ بدلَ شىءٍ منها، كعُضْوٍ من أعضائِها، ولأنَّهم وافَقُونا فى أَنَّ الأرْشَ لا يُدْفَعُ إليه، فيتَعَذَّرُ إيجابُه، لعَدَمِ مُسْتَحِقِّه. فصل: وإذا (٤) نذرَ أُضْحِيَةً فى ذِمَّتِه، ثم ذَبَحها، فله أَنْ يأكُلَ منها. وقال القاضِى: من أصحابِنا مَنْ مَنَعَ الأَكْلَ منها. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمد، وبَناهُ على الهَدْى المَنْذُورِ. ولَنا، أَنَّ النَّذْرَ محمولٌ على المعهودِ، والمَعْهُودُ من الأُضْحِيَةِ الشَّرعِيَّةِ ذَبْحُها، والأَكْلُ

стр. 7080

منها، والنَّذْرُ لا يُغَيِّرُ من صِفَةِ المَنْذورِ إِلَّا الإيجابَ، وفارقَ الهَدْىَ الواجب بأَصْلِ الشَّرْعِ؛ لا يجوزُ الأَكْلُ منه، فالمنْذورُ محمولٌ عليه، بخلافِ الأُضْحِيَةِ. فصل: ولا يُضَحَّى عمَّا فى البطنِ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ. وبه قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِر. ولا نعلَمُ مُخالِفًا لهم. ولَيْسَ للعبدِ، والمُدَبَّرِ، والمُكاتَبِ، وأُمِّ الولدِ، أَنْ يُضَحُّوا إلَّا بإذْنِ سادَتِهم؛ لأَنَّهم مَمْنُوعُون من التَّصَرُّفِ بغيرِ إذْنِهِم، إلا المُكاتَبَ، فإنَّه ممنوعٌ من التَّبَرُّعِ، والأُضْحِيَةُ تَبرُّعٌ. وأمَّا مَنْ نِصْفُه حُرٌّ إذا ملك بجُزْئِه الحُرِّ شيئًا، فله أَنْ يُضَحِّىَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ له أَنْ يتبرَّعَ بغيرِ إذْنِه (٥). ١٧٦٨ - مسألة؛ قال: (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِك السَّبْعَةُ، فَيُضَحُّوا بِالْبَدَنَةِ والْبَقَرَةِ) وجُمْلته أَنَّه يجوزُ أَنْ يشْترِكَ فى التَّضْحِيَةِ بالبَدَنَةِ والبَقَرَةِ سبعةٌ، واجِبًا كان أو تَطوُّعًا، سواءٌ كانُوا كلُّهم مُتقرِّبِين، أو يُرِيدُ بعضُهم القُرْبَةَ وبعضُهم اللحمَ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: لا يجوزُ الاشْتِراكُ فى الهَدْىِ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ للمتقَرِّبينَ، ولا يجوزُ إذا كان بعضُهم غيرَ مُتَقَرِّبٍ؛ لأَنّ الذَّبْحَ واحدٌ، فلا يجوزُ أَنْ تخْتلَّ نِيَّةُ القُرْبَةِ فيه. ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، قال: أَمَرَنا رسولُ اللَّه ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فى الإِبلِ والبقرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فى بَدَنَةٍ. روَاه مُسْلِم (١). ولَنا، عَلَى أبى حَنِيفَةَ، أَنَّ الجُزْءَ المُجْزِئَ لا ينْقُصُ بإرادَةِ الشَّرِيكِ غيرَ القُرْبَةِ، فجازَ، كما لو اخْتَلَفَت جِهاتُ القُرَبِ، فأرادَ بعضُهم التَّضْحِيَة، وبعضُهم الفِدْيَةَ. فصل: ويجوزُ للمُشْتَركِين (٢) قِسْمةُ اللحم، ومَنَعَ منه أصحابُ الشافِعِىِّ فى وجْهٍ؛ بناءً على أنّ القِسْمَةَ بيعٌ، وبيعُ لَحْمِ الهَدْى والأُضْحِيَةِ غيرُ جائِزٍ. ولَنا، أنّ أمْرَ النَّبِىِّ ﷺ بالاشْتِراكِ، مع أنّ سُنَّةَ الهَدْى والأُضْحِيَةِ الأَكْلُ منها، دليلٌ على تَجْويزِ القِسْمَةِ، إذْ لا يَتَمَكَّنُ واحِدٌ منهم من الأَكْلِ إِلَّا [بعدَ القِسْمةِ] (٣)، وكذلك الصَّدَقَةُ والهَدِيةُ، ولا نُسَلِّمُ أن

стр. 7081

القِسْمَةَ بيعٌ، بل (٤) هى إفْرازُ حَقٍّ، على ما ذَكَرْناهُ فى بابِ القِسْمَةِ (٥). ١٧٦٩ - مسألة؛ قال: (والْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ، [عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ] (١). العَقِيقَةُ: الذَّبِيحَةُ التى تُذْبَحُ عن المولودِ، وقيل: هى الطَّعامُ الذى يُصْنَعُ ويُدْعَى إليه من أجلِ المولودِ. قال أبو عُبَيْدِ: الأَصْلُ فى العقيقَةِ الشَّعَرُ الذى على المَوْلودِ، وجمعُها عَقائِقُ، ومنها قولُ الشاعِر (٢): أَيَا هِنْدُ لا تنْكحِى بُوهَةً ... عليه عَقِيقَتُه أَحْسَبَا (٣) ثمّ إنَّ العرَبَ سمَّت الذَّبِيحَةَ عند حَلْقِ شعرِه عَقِيقَةً، على عادتِهم (٤) فى تَسْمِيَةِ الشىءِ باسمِ سبَبِه أو ما جاوَرَه، ثم اشتهرَ ذلك حتى صارَ من الأسماءِ العُرْفِيَّةِ، وصارَت الحقيقَةُ مَغْمورةً فيه، فلا يُفْهَمُ من العقيقَةِ عندَ الإِطْلاقِ إلَّا الذَّبِيحَةُ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: أَنْكرَ أحمدُ هذا التَّفْسيرَ، وقال: إنَّما العَقِيقَةُ الذَّبْحُ نفسُه. ووَجْهُه أن أصلَ العَقِّ القَطْعُ، ومنه عَقَّ والِدَيْه، إذا قَطَعَهما. والذبحُ قطْعُ الحُلْقوم (٥) والْمَرِىءِ والوَدَجَيْن. والعَقِيقَةُ سُنَّةٌ فى قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ عبّاسٍ، وابنُ عمرٍ، وعائِشَةُ، وفُقَهاءُ التَّابعين، وأئِمَّةُ الأَمْصارِ، إلَّا أصْحابَ الرأى، قالُوا: ليست سُنَّةٌ، وهى من أمْرِ الجاهِلِيَّة. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه سُئِلَ عن العَقِيقَةِ، فقال: "إِنَّ اللَّه تَعالَى لَا يُحِبُّ الْعُقُوقَ" (٦). فكأَنَّه كَرِهَ الاسمَ، وقال: "مَنْ وُلِدَ له مَوْلُودٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ، فَلْيَفْعَلْ". رَواه مالِكٌ فى

стр. 7082

"مُوَطَّئِهِ" (٧). وقال الحسنُ، وداودُ: هى واجِبَةٌ. ورُوِىَ عن بُرَيْدَةَ، أنّ الناسَ يُعْرَضُون عليها، كما يُعْرَضُون على الصلواتِ الخَمْس؛ لما رَوَى سَمُرَةُ بنُ جُنْدُب، أنّ النبىَّ ﷺ قال: "كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِه، ويُسَمَّى فِيهِ، وتحْلَقُ رَأْسُه" (٨). وعن أبى هريرةَ مثلُه (٩). قال أحمد: إسنادٌ (١٠) جَيِّدٌ، ورَوَى حَدِيثَ سَمُرة الأثْرَمُ، وأبو داودَ. وعن عائِشَةَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أَمَرَهم عن الغلامِ بشاتَيْنِ مُكافِئَتَيْن (١١)، وعن الجارِيَةِ بشاةٍ (١١). وظاهِر الأمْرِ الوجوبُ. ولَنا، على اسْتِحْبابِها هذه الأَحادِيثُ، وعن أمِّ كُرْزٍ الكَعْبِيَّة، قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكافِئتَانِ، وعَنِ الْجَارِيةِ شَاةٌ". وفى لفْظٍ: "عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ، وعَنِ الْجارِيَة شَاةٌ". روَاه أبو داود (١٢)، وفى روايَةٍ قال: "الْعَقِيقَةُ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ" (١٣). والإجْماعُ، قال

стр. 7083

أبو الزِّناد: العَقِيقَةُ من أمرِ الناسِ، كانُوا يكرهُون تَرْكَه. وقال أحمدُ: العَقِيقَةُ سُنَّةٌ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، قد عَقَّ عن الحسنِ والحسينِ، وفَعَلَه أصحابُه، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بعَقِيقَتِهِ". وهو إسْنادٌ جَيِّدٌ، يَرْوِيهِ أبو هُرَيْرةَ عن النَّبِىِّ ﷺ . وجَعَلَها أبو حنيفة من أمرِ الجاهِلِيَّةِ، وذلك لِقِلَّةِ عِلْمِه ومَعْرِفَتِه بالأَخبارِ (١٤). وأمَّا بَيانُ كونِها غيرَ واجِبَةٍ، فدَلِيلُه ما احْتَجَّ به أصحابُ الرَّأْىِ من الْخَبَرِ، وما رَوَوْه محمولٌ علِى تأكيدِ الاسْتِحبابِ، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ، ولأنَّها ذَبِيحَةٌ لسُرورٍ حادِثٍ، فلم تكُنْ واجِبَةً، كالوَلِيمَةِ والنَّقِيعَةِ (١٥). فصل: والعَقِيقَةُ أفْضَلُ من الصَّدَقَةِ بقيمَتِها. نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: إذا لم يكُنْ عندَه ما يَعُقُّ، فاسْتَقْرَضَ، رَجَوْتُ أَنْ يُخْلِفَ اللَّه عليه، إحْياءَ سُنَّةٍ. قال ابنُ الْمُنْذِر: صَدَقَ أحمدُ، إحياءُ السُّنَنَ واتِّباعُها أفْضَلُ، وقد وَرَدَ فيها من التَّأْكيدِ فى الأخْبارِ التى رَوَيْناها ما لم يَرِدْ فى غيرِها. ولأَنَّها ذَبِيحَةٌ أمرَ النَّبِىُّ ﷺ بها، فكانَتْ أوْلَى، كالوَلِيمةِ والأُضْحِيَةِ. ١٧٧٠ - مسألة؛ قال: (عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ، وعَنِ الْجَارَية شَاةٌ) هذا قولُ أكثرِ القائِلِين بها. وبه قال ابنُ عبّاسٍ، عائشةُ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وكان ابنُ عمرَ يقول: شاةٌ شاةٌ عن الغلامِ والجارَيةِ (١). لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه (٢) عَقَّ عن الحسنِ شاةً، وعن الحسينِ شاةً. روَاه أبو داود (٣). وكان الحسنُ، وقتادَةُ، لا يَرَيان عن الجارِيَةِ عَقِيقةً؛ لأنَّ العَقِيقَةَ شكرٌ للنِّعمَةِ الحاصِلَةِ بالولدِ، والجارِيَةُ لا

стр. 7084

يحْصُلُ بها سُرورٌ، فلا يُشْرَعُ لها عَقِيقَةٌ. ولَنا، حَديثُ عائِشَةَ، وأُمِّ كُرْزٍ (٤)، وهذا نَصٌّ، وما رَوَوْه مَحْمُولٌ على الجوازِ. إذا ثَبَتَ هذا، فالمُسْتَحَبُّ أَنْ تكونَ الشَّاتان مُتماثِلَتَيْن؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "شَاتَانِ مُكافِئَتَانِ" (٥). وفى رِواية "مِثْلَانِ". قال أحمدُ: يَعْنِى مُتماثِلَتَيْن؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "شَاتَانِ مُكافِئَتَانِ" (٥). وفى رِواية: "مِثْلَانِ". قال أحمدُ: يَعْنِى فى حديثِ أُمِّ كُرْزٍ، أنَّها سَمِعَت رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافئَتَانِ، وعَن الْجَارية شَاةٌ، ولَا بَأسَ أَنْ يَكُونَ (٦) ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا". روَاه سعيدٌ، وأبو داود (٧). والذَّكَرُ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ عقَّ عن الحسنِ والحسينِ بكَبْشٍ كَبْشٍ، وضَحَّى بكَبْشَيْنِ أقْرَنَيْن. والعقيقَةُ تَجْرِى مَجْرَى الأُضْحِيَةِ. والأَفْضَلُ فى لَوْنِها البَياضُ، على ما ذَكَرْنا فى الأُضْحِيَةِ؛ لأنَّها تُشْبِهُها. ويُسْتَحَبُّ اسْتِسْمانُها، واسْتِعْظامُها، واسْتِحْسانُها كذلك. وإِنْ خالفَ ذلك، أو عَقَّ بكَبْشٍ واحدٍ، أَجْزَأَ؛ لما رَوَيْنا من حديثِ الحسنِ والحسينِ. ١٧٧١ - مسألة؛ قال: (ويُذْبَحُ يَوْمَ السَّابِعِ) قال أصْحابُنا: السُّنَّةُ أَنْ تُذْبَحَ يومَ السابع، فإنْ فاتَ ففى [أربعَ عشرةَ] (١)، فإنْ فات فى أحَدٍ (٢) وَعِشْرِينَ. ويُرْوَى هذا عن عائِشَةَ. وبه قال إسْحاقُ. وعن مالِكٍ، فى الرجُلِ يُريدُ أَنْ يَعُقَّ عن ولَدِه، فقال: ما عَلِمْتُ هذا من أمرِ الناس، وما يُعْجِبُنِى. ولا نَعْلَمُ خِلافًا بين أهلِ العلمِ القائِلين بمَشْرُوعِيَّتها فى اسْتِحْبابِ ذَبْحِها يوم السابعِ. والأَصْلُ فيه حديثُ سَمُرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "كُلُّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعهِ، ويُسَمَّى فِيهِ، ويُحْلَقُ رَأْسُه" (٣). وأما كونُه فى أربعَ عشرةَ، ثم فى أحَدٍ وعِشْرِين، فالحُجَّة فيه قولُ عائِشَةَ رضِىَ اللَّه عنها، وهذا تَقْديرٌ، الظاهِرُ أنها لا تقولُه إلَّا تَوْقِيفًا. وإِنْ ذبحَ قبلَ

стр. 7085

ذلك، أو بعْدَه، أجْزَأَه؛ لأنَّ المقصودَ يحْصُلُ. وإِنْ تجاوَزَ أحدًا وعِشْرِين، احْتَمَلَ أَنْ يُسْتَحَبَّ فى كُلِّ سابعٍ، فيجعَلَه ثمانِيَةً وعشرِين، فإنْ لم يكُنْ، ففى خمسَةٍ وثلاثين، وعلى هذا، قياسًا على ما قبله، واحْتَمَلَ أَنْ يجوزَ فى كلِّ وقتٍ؛ لأنَّ هذا قضاءُ فائِتٍ، فلم يَتَوَقَّفْ، كقضاءِ الأُضْحِيَةِ وغيرِها. وإِنْ لم يَعُقَّ أصْلًا، فبلغ الغلامُ، وكَسِبَ، فلا عَقِيقَةَ عليه. وسُئِلَ أحمدُ عن هذه المسألةِ، فقال: ذلك على الوالِدِ. يعنى لا يَعُقُّ عن نفسِه؛ لأنَّ السُّنَّةَ فى حقِّ غيرِه. وقال عطاءٌ، والحسنُ: يعُقُّ عن نفسِه؛ لأنَّها مشروعَةٌ عنه (٤)، ولأنَّه مُرْتَهَنٌ بها، فيَنْبَغِى أَنْ يُشْرَعَ له فِكاكُ نفْسِه. ولَنا، أنَّها مَشْروعَةٌ فى حَقِّ الوالِدِ، فلا يَفْعَلُها غيرُه، كالأَجْنَبِىِّ، كصَدَقَةِ الفِطْرِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْلَقَ رأسُ الصَّبِىِّ يومَ السَّابع، ويُسَمَّى؛ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ. وإِنْ تَصَدَّقَ بزِنَةِ (٥) شَعْرِه فِضَّةً فحسَنٌ؛ لما رُوِىَ أَنَّ النّبِىَّ ﷺ قال لفاطِمَةَ، لمَّا وَلَدت الحسنَ: "احْلِقِى رَأْسَهُ، وتَصَدَّقِى بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّة عَلَى الْمَساكِينِ والأوْفَاضِ". يَعْنى أهلَ الصُّفَّةِ. روَاه الإمامُ أحمدُ (٦). ورَوَى سعيد، فى "سُنَنِه"، عن محمدِ بن علىٍّ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ عَقَّ عن الحسنِ والحسينِ بكَبْشٍ كَبْشٍ، وأنه تَصَدَّقَ بِوَزْنِ شُعورِهِما وَرِقًا، وأنَّ فاطِمةَ كانت إذا ولَدَتْ ولدًا، حَلَقَت شَعَرَه، وتَصَدَّقَت بوَزْنِه وَرِقًا (٧). وإِنْ سَمَّاهُ قبلَ السابعِ، جازَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وُلِدَ اللَّيلَةَ لى غلامٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسْمِ أبى إبْرَاهِيمَ" (٨). وسَمَّى الغلامَ الذى جاءَه به أنسُ بن مالِكٍ، فحَنَّكَه، وسَمَّاه عبدَ اللَّه (٩).

стр. 7086

ويُستَحَبُّ أَنْ يُحْسِنَ اسمَه؛ لأَنَّه رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِنَّكُم تُدْعَوْنَ يومَ القيامَةِ بِأسْمَائِكُمْ، وأسْماءِ آبائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أسْمَاءَكُمْ" (١٠). وقال ﷺ : "أَحَبُّ الْأَسْماءِ إِلَى اللَّهِ (١١) عَبْدُ اللَّهِ، وعَبْدُ الرَّحْمنِ". حديثٌ صحيحٌ (١٢). ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّه قال: أحَبُّ الأَسماءِ إلى اللَّهِ تعالَى، أسْماءُ الأَنْبِياء. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "تَسَمَّوْا (١٣) بِاسْمِى، ولَا تَكَنَّوا بِكُنْيَتى" (١٤). وفى رِوايةِ: "لا تَجْمَعُوا بينَ اسْمِى وكُنْيَتِى" (١٥). فصل: ويُكْرَه أَنْ يلطَّخَ رأسُه بِدَمٍ. كرِهَ ذلك أحمدُ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن الحسنِ، وقَتادَةَ، أَنَّه مُسْتَحَبٌّ؛ لما رُوِىَ فى حديثِ سَمُرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ قال: "الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بعَقِيقَتِه، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابعِ، ويُدْمَى" (١٦). روَاه هَمَّامٌ، عن قتادَةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعلمُ أحدًا قال هذا إلّا الحسنَ وقتادَةَ، وأَنْكَرَه سائِرُ أهلِ العلمِ، وكَرِهُوه؛ لأنّ (١٧) النَّبِىَّ ﷺ

стр. 7087

قال: "مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَتُه، فَهَريقُوا عَنْهُ دَمًا، وأَميطُوا عَنْهُ الأَذَى". روَاه أبو داودَ (١٨). وهذا يَقْتَضِى أَنْ لا يُمَسَّ بدَمٍ؛ لأنَّه أذًى. ورَوَى يَزِيدُ بنُ عبدٍ الْمُزَنِىُّ، عن أبيه، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "يُعَقُّ (١٩) عَنِ الْغُلَامِ، ولَا يُمَسُّ رَأْسُهُ بدَم". قال مُهَنَّا: ذكرت هذا الحديثَ لأحمدَ، فقال: ما أظْرَفَه. وروَاه ابنُ ماجَه (٢٠)، ولم يقلْ: عن أبِيه. ولأَنَّ هذا تَنْجِيسٌ له، فلا يُشْرَعُ، كلَطْخِه بغيرِه من النَّجاساتِ. وقال بُرَيْدَةُ: كُنّا فى الجاهِلِيَّةِ، إذا وُلِدَ لأَحَدِنا غُلامٌ، ذَبَحَ شاةً، ويُلَطِّخُ رأْسَه بدَمِها، فلما جاءَ الإِسلامُ، كنَّا نَذْبَحُ شاةً، ونَحْلِقُ رَأْسَه، ونُلَطِّخُه بزَعْفَران. روَاه أبو داودَ (٢١). فأمَّا رِوايَةُ من رَوَى: "ويُدْمَى". فقال أبو داودَ: "ويُسَمَّى" أصَحُّ. هكذا قال سَلَّامُ بن أبى مُطيعٍ، عن قتادةَ، وإياسُ بن دَغْفَلٍ، عن الحسَنِ، ووَهِمَ هَمَّامُ، فقال: "ويُدْمَى". قال أحمد: قال فيه ابنُ أبى عَرُوبة: "يُسَمَّى". وقال هَمَّامٌ: "يُدْمَى". وما أُراه إلَّا خَطَأً (٢٢). وقد قيل: هو تصْحِيفٌ من الرَّاوِى. ١٧٧٢ - مسألة؛ قال: (ويُجْتَنَبُ فِيهَا مِنَ العَيْبِ مَا يُجْتَنَبُ فِى الأُضْحِيَةِ) وجُمْلَتُه أَنَّ حكمَ العَقِيقَةِ حكمُ الأُضْحِيَةِ؛ فى سنِّها، وأنَّه يُمْنَعُ فيها من العَيْبِ ما يُمْنَعُ فيها، ويُسْتَحَبُّ فيها من الصِّفَةِ ما يُسْتَحَبُّ فيها. وكانت عائِشَةُ تقولُ: ائْتُونِى به أعْيَنَ أقْرَنَ. وقال عَطاءٌ: الذكرُ أحَبُّ إلىَّ من الأُنْثَى، والضَّأنُ أحبُّ إلىَّ (١) من المَعْزِ. فلا يُجْزِئُ فيها أَقَلُّ من الْجَذَعِ من الضَّأْنِ، والثَّنِىِّ من المَعْزِ، ولا تجوزُ فيا العَوْراءُ البَيِّنُ

стр. 7088

عَوَرُها، والعَرْجاءُ البَيِّنُ ظَلَعُها (٢)، والمريضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُها، والعَجْفاءُ التى لا تُنْقِى، والعَضْباءُ التى ذهَبَ أكثرُ من نصفِ أُذُنِها أو قَرْنِها. وتُكْرَهُ فيها الشَّرْقاءُ (٣)، والْخَرْقاءُ، والمُقابلَةُ، والمُدابرَةُ. ويُسْتَحَبُّ اسْتِشْرافُ العَيْنِ والأُذُنِ، كما ذكرْنا فى الأُضْحِيَةِ سواءً؛ لأنّها تُشْبِهُها، فتُقاسُ عليها. ١٧٧٣ - مسألة؛ قال: (وسَبِيلُهَا فِى الأَكْلِ وَالْهَدِيَّة والْصَّدقَةِ سَبِيلُهَا، إِلَّا (١) أَنَّهَا تُطْبَخُ أجْدَالًا) وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال ابنُ سِيرينَ: اصْنَعْ بلَحْمِها كيف شِئْتَ. وقال ابنُ جُرَيْج: تُطبخُ بماءٍ ومِلْحٍ، وتُهْدَى فى (٢) الجِيرانِ والصَّديقِ، ولا يُتَصَدَّقُ منها بشىءٍ. وسُئلَ أحمدُ عنها، فحكَى قولَ ابنِ سيرينَ. وهذا يدُلُّ على أَنَّه ذَهَبَ إليه. وسُئِلَ هل يَأْكُلُها كُلَّها (٢)؟ قال: لم أَقُلْ يأكُلُها كُلَّها، ولا يتصدَّقُ منها بشىءٍ. والأشْبَهُ قِياسُها على الأُضْحِيَةِ؛ لأنَّها نَسِيكَةٌ مشروعَةٌ غيرُ واجبَةٍ، فأشْبَهَتِ الأُضْحِيَةَ، ولأَنَّها أشْبَهَتْها (٣) فى صِفَتِها (٤) وسِنّها وقَدْرِها وشُروطِها، فأشبَهَتْها فى مَصْرِفِها. وإِنْ طَبَخَها، ودَعا إخْوانَه فأَكَلُوها، فحسَنٌ. ويُسْتَحَبّ أَنْ تُفْصَلَ أعْضاؤُها، ولا تُكْسَرَ عِظامُها؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالت: السُّنَّةُ شاتَانِ مُكافِئَتان عَنِ الْغُلامِ، وعن الجارِية شاةٌ، تُطبخُ جُدُولًا، ولا يُكْسَرُ عَظْم، ويأكُلُ، ويُطْعِمُ، وَيَتَصَدَّقُ، وذلك يومَ السابع (٥). قال أبو عُبَيدٍ الهَرَوِىُّ فى العَقِيقَةِ (٦): تُطْبَخُ جُدُولًا، لا يُكْسَرُ لها عظْم. أى عُضْوًا عضوًا، وهو

стр. 7089

الجَدْلُ، بالدَّالِ غيرِ المُعْجَمَةِ، والإِرْبُ، والشِّلْوُ، والعُضوُ، والوُصْلُ، كلُّه واحِدٌ. وإنَّما فُعِل بها ذلك؛ لأنَّها أوّلُ ذَبِيحَةٍ ذُبِحَت عن المولودِ، فاسْتُحِبَّ فيها ذلك تَفاؤُلًا بالسَّلامةِ. كذلك قالت عائِشَةُ. ورُوِىَ أيضًا عن عَطاءٍ، وابنِ جُرَيجٍ. وبه قال الشافِعِىُّ. فصل: قال أحمدُ: يباعُ الجلدُ والرأسُ والسِّقطُ، ويُتصدَّق به. وقد نَصَّ فى الأُضْحِيَةِ على خِلافِ هذا، وهو أقْيَسُ فى مَذْهَبِه؛ لأنّها ذَبِيحَة للَّهِ، فلا يُباعُ منها شىءٌ، كالهَدْىِ، ولأنَّه تُمْكِنُ الصَّدَقَةُ بذلك بعَيْنه، فلا حاجَةَ إلى بَيْعِه. وقال أبو الخَطَّاب: يَحْتَمِلُ أَنْ يُنْقَلَ حكمُ إحْداهما إلى الأُخْرَى، فيُخَرَّجُ فى المَسْأَلَتَيْنِ رِوايَتان، ويَحْتَمِلُ أَنْ يُفرَّقَ بينهما من حيثُ إنَّ الأُضْحِيَةَ ذَبِيحةٌ شُرِعَت (٧) يومَ النّحْرِ، [فأشْبَهت الهَدْىَ، والعَقِيقةَ شُرِعَتْ عندَ سُرورٍ حادِثٍ، وتَجدُّدِ نِعْمَةٍ] (٨)، فأشْبَهتِ الذَّبِيحَةَ فى الوَلِيمةِ، ولأَنَّ الذَّبِيحةَ ههُنا لم تخْرُجْ عن مِلْكِه، فكان له أَنْ يفعلَ بها ما شاءَ، من بَيْعٍ وغيرِه، والصَّدَّقَةُ بثَمَنِ ما يَبِيعُ (٩) منها بمنزِلَةِ الصَّدَقَةِ به فى فَضْلِها، وثَوابِها، وحصولِ النَّفْعِ به، فكانَ له ذلك. فصل: قال بعضُ أهلِ العِلْم: يُسْتَحَبُ للوالد أَنْ يُؤذِّنَ فى أُذُنِ ابْنِه حينَ يُولَدُ؛ لما رُوِىَ عن (١٠) عبدِ اللَّه بنِ رافعٍ، عن أمِّه، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أذَنَ فى أذُنِ الحسنِ حينَ وَلَدَتْه فاطِمَةُ (١١). وعن عمرَ بنِ عبد العزيز، أنَّه كان إذا وُلِدَ له مولودٌ، أخَذَه فى خِرْقَةٍ، فأذَّنَ فى أذُنِه اليُمْنَى، وأقامَ فى اليُسْرَى، وسَمّاه. ورَوَيْنا أَنَّ رَجُلًا قال لرجُلٍ عندَ الحسن يُهَنِّئُه بابنٍ له: ليَهْنِكَ الفارِسُ (١٢). فقال الحسنُ: وما يُدْريِكَ أنَّه فارِسٌ هو أو حمارٌ؟ فقال:

стр. 7090

كيفَ نقولُ؟ قال: قُلْ: بُورِكَ فى المَوْهُوبِ، وشَكَرْتَ الواهِبَ، وبلَغ أَشُدَّه، ورُزِقْتَ بِرَّهُ. ورُوِى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُحَنِّكُ أوْلادَ الأنْصارِ بالتَّمْرِ (١٣). ورَوَى أَنَسٌ قال: ذَهَبْتُ بعبدِ اللَّهِ بنِ أبى طَلْحَةَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، حينَ وُلِدَ قال: "هَلْ مَعَكْ تَمْرٌ؟ ". فناوَلْتُه تَمَراتٍ، فَلاكَهُنّ، ثم فَغَرَ فَاهُ ثم مَجَّهُ فيه، فجعلَ يَتَلمَّظُ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "حُبِّ (١٤) الأَنْصارِ التَّمْر". وسَمَّاه عبدَ اللَّه (١٥). فصل: قال أصحابُنا: لا تُسَنُّ الفَرَعَةُ ولا الْعَتِيرَةُ. وهو قولُ عُلَماءِ الأَمْصارِ سِوَى ابنِ سيرينَ، فإنَّه كان يذْبَحُ العَتِيرةَ فى رجب، ويَرْوِى فيها شيئًا. والفرَعَةُ والفرَعُ؛ بفتحِ الراءِ: أوّلُ ولَدِ الناقَةِ. كانُوا يَذْبَحُونَه لآلِهَتِهم فى الجاهِلِيَّةِ، فنُهُوا عنها. قال ذلك أبو عَمْرٍو الشَّيبانِىُّ. وقال أبو عُبَيْدٍ: العَتِيرَةُ هى الرَّجَبِيَّةُ، كان أهلُ الجاهِلِيَّة إذا طلبَ أحدُهم أمرًا، نذرَ أَنْ يذْبَحَ من غَنَمِه شاةً فى رَجب، وهى الْعَتائِرُ. والصحيحُ، إنْ شاءَ اللَّه تعالَى، أنَّهم كانُوا يَذْبَحُونها فى رَجب من غيرِ نَذْرٍ، جَعَلُوا ذلك سُنَّة فيما بَيْنَهم، كالأُضْحِيَةِ فى الأضْحَى، وكان منهم مَن ينْذُرُها كما قد تُنْذَرُ الأُضْحِيَةُ، بدليلِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ أُضْحَاةٌ وعَتِيرَةٌ" (١٦). وهذا الذى قالَه النَّبِىُّ ﷺ فى بَدْءِ الإِسلامِ تقريرٌ لما كان فى الجاهِلِيَّةِ، وهو يَقْتَضِى ثُبُوتَها بغيرِ نَذْرٍ، ثم نُسِخَ ذلك بعدُ. ولأنَّ العَتِيرَةَ لو كانت هى الْمَنْذُورَةَ لم تكُنْ مَنْسُوخَةً، فإِنَّ الإِنْسانَ لو نَذَرَ ذَبْحَ شاةٍ فى أىِّ وقتٍ كان، لَزِمَه الوَفاءُ بنَذْرِه. واللَّه أعلم. ورُوِىَ عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: أَمَرَنا

стр. 7091

رسولُ اللَّه ﷺ بالفَرَعَةِ، من كُلِّ خمسين (١٧) واحِدَةٌ (١٨). قال ابنُ المنذر: هذا حَدِيثٌ ثابِتٌ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لَا فَرَعَ، وَلا عَتِيرَةَ". مُتَّفَقٌ عليه (١٩). وهذا الحديث مُتَأَخِّرٌ عن الأمْرِ بها، فيكونُ ناسِخًا، ودليلُ تأخُّرِه أَمْران؛ أحدُهما، أَنَّ راوِيَه أبو هُرَيْرَةَ، وهو مُتأخِّرُ الإِسلامِ، فإنَّ إِسْلامَه فى سنةِ فتْحِ خَيْبَرَ، وهى السنةُ السابعةُ من الهجرةِ، والثانى، أَنَّ الفَرَعَ والْعَتِيرَةَ كان فِعْلُها أمْرًا مُتَقَدِّمًا على الإِسلامِ، فالظَّاهِرُ بَقاؤُهم عليه إلى حينِ نَسْخِه، واسْتمرارُ النَّسخِ من غيرِ رَفْعٍ له، ولو قَدَّرْنا تقدُّمَ النَّهْى على (٢٠) الأَمْر بها، لَكانَتْ قد نُسِخَت ثم نُسِخٍ ناسِخُها، وهذا خلافُ الظَّاهِر. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ المُرادَ بالخَبرِ نَفْيُ كَوْنِها سُنَّةً، لا تَحْرِيمُ فِعْلِها، ولا كراهَتُه، فلو ذَبَحَ إنسانٌ ذَبِيحَةً فى رَجَب، أو ذَبَحَ ولَدَ الناقَةِ لحاجَتِه إلى ذلك، أو للصَّدَقَةِ به وإطْعامِه، لم يكُنْ ذلك مكروهًا. واللَّهُ تعالى أعلمُ.

стр. 7092

كتاب السَّبْقِ والرَّمْى المسابَقَةُ جائِزَة بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ. أمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ سابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ المُضْمَرَةِ (١) من الْحَفْياءِ إلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وبين التى لم تُضْمَرْ من ثَنِيةِ الوَداعِ إلى مَسْجِدِ بنى زُريقٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). قال موسى بنُ عُقْبَةَ: من الحَفْيَاءِ إلى ثَنِية الوَداع سِتَّةُ أميالٍ أو سبعَةُ أميالٍ. وقال سفيانُ: من الثَّنِيَّةِ إلى مسجِدِ بنى زُريقٍ مِيلٌ أو نحوُه، وأَجْمَعَ المسلمون على جوازِ المُسابَقَةِ فى الجملةِ. والمُسابَقَةُ على ضَرْبَيْنِ؛ مُسابَقَة بغيرِ عِوَضٍ، ومُسابَقَةٌ بعِوَضٍ. فأمَّا المسابَقَةُ بغيرِ عِوَضٍ، فتجُوزُ مُطْلَقًا من غيرِ تَقْييدٍ بشىءٍ مُعَيَّنٍ، كالمسابَقَةِ على الأقْدامِ، والسُّفُنِ، والطُّيورِ، والبغالِ، والحُمُرِ (٣)، والفِيَلَةِ، والْمَزارِيقِ (٤)، والْمُصارَعَةِ (٥)، ورَفْعِ الحجَرِ، ليُعْرَفَ (٦) الأَشَدُّ، وغيرِ هذا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ

стр. 7093

كان فى سَفَرٍ مع عائِشَةَ، فسابَقَتْهُ على رِجْلِها، فَسَبَقتْه، قالت: فلمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ، سابَقْتُه، فسَبَقَنِى، فقال: "هذِهِ بِتِلْكَ". روَاه أبو داوُدَ (٧). وسابَقَ سَلَمةُ بنُ الأَكْوَعِ رجلًا من الأَنْصارِ بينَ يَدَى النَّبِىِّ ﷺ فى يوم ذِى قَرَدٍ (٨). وصارَعَ النبىُّ ﷺ رُكانَةَ، فصَرَعَه. روَاه التِّرْمِذِىُّ (٩). ومَرَّ بقومٍ يَرْبَعُون حَجَرًا -يعنى يَرْفعُونَه ليعرِفُوا الأشَدَّ منهم- فلم يُنْكِرْ عليهم (١٠). وسائِرُ المسابَقَةِ يُقاسُ على هذا. وأما الْمُسابَقَةُ بعِوضٍ، فلا تجوزُ إلَّا بينَ الخيلِ، والإِبلِ، والرَّمْى؛ لما سَنَذْكُرُه إنْ شاءَ اللَّه تعالَى. واخْتُصّت هذه الثّلَاثَةُ بتَجْويزِ العِوَض فيها؛ لأنَّها من آلاتِ الحربِ المأْمُورِ بتَعَلُّمِها، وإحْكامِها، والتفَوُّقِ فيها، وفى المسابَقَةِ بها مع العِوَضِ مبالَغَة فى الاجتهادِ فى النِّهايَةِ لها، والإِحْكامِ لها، وقد وَرَدَ الشَّرْعُ بالأَمْرِ بها، والتَّرغِيبِ فى فِعْلِها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١١). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْىُ، أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْىُ" (١٢). ورَوَى سعيدٌ، فى "سُنَنِه" (١٣) عن خالِدِ بن زَيْدٍ، قال: كُنْتُ رجُلًا رامِيًا، وكان عُقْبةُ بنُ

стр. 7094

عامِرٍ الجُهَنِىُّ يَمُرُّ بى فيقولُ: يا خالدُ، اخْرُجْ بنا نَرْمِى. فلَمَّا كان ذاتَ (١٤) يومٍ، أَبْطَأْتُ عنه، فقال: هَلُمَّ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُه من رسولِ اللَّه ﷺ ، سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إِنَّ اللَّه يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الجَنَّةَ؛ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فى صَنْعَتِهِ (١٥) الخَيْرَ، والرَّامِىَ بِهِ، ومُنْبِلَهُ، ارْمُوا وارْكَبُوا، وأَنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَىَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، ولَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلَّا ثَلَاثٌ؛ تَأدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، ومُلَاعَبَتُه أَهْلَهُ، ورَمْيُهُ بقَوْسِهِ ونَبْلِهِ، ومَنْ تَرَكَ الرَّمْىَ بَعْدَمَا عَلِمَهُ، رَغْبَةً عَنْهُ، فَإنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا". وعن مُجاهِدٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَحْضُرُ مِنْ لَهْوِكُمْ إِلَّا الرِّهَانَ والنِّضَالَ" (١٦). قال الأَزْهَرِىُّ: النِّضالُ فى الرَّمْىِ، والرِّهانُ فى الخيلِ، والسِّباقُ فيهما. قال مُجاهِد: وَرَأَيْتُ ابنَ عمرَ يشْتَدُّ بين الهَدَفَيْن، إذا أصابَ خصلةً قال: أنا بِها، أنا بِها (١٧). وعن حُذَيْفَةَ مِثْلُه. ١٧٧٤ - مسألة؛ قال: (والسَّبْقُ فى النَّصْلِ والْحَافِرِ والْخُفِّ لَا غَيْرُ) السَّبْقُ بسكونِ الباءِ، والسَّبَقَ (١) بفَتْحِها: الجُعْلُ الْمُخْرجُ فى المُسابقَةِ. والمرادُ بالنَّصْلِ ههُنا السَّهْمُ ذو النَّصْلِ، وبالحافرِ الفَرَسُ، وبالخُفِّ البعيرُ، عَبَّر عَن كُلِّ واحدٍ منها بجُزْءٍ منه يخْتَصُّ به. ومرادُ الْخِرَقِىِّ أَنَّ المُسابَقَةَ بعِوَضٍ لا تجُوزُ إلَّا فى هذه الثلاثَةِ. وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ. وقال أهلُ العراق: يجوزُ ذلك فى المُسابَقَةِ على الأقْدامِ، والمُصارَعَةِ؛ لورودِ الأَثَرِ بهما، فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ سابَقَ عائشةَ (٢)، وصارَعَ رُكانَةَ (٢).

стр. 7095

ولأَصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهان، كالمَذْهَبَيْنِ. وهم فى المُسابَقَةِ فى الطُّيورِ والسُّفُنِ وَجْهان، بِناءً على الوَجْهَيْنِ فى المُسابَقَةِ على الأقْدامِ والمُصارَعَةِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُريرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا سَبْقَ إِلَّا فِى نَصْلٍ، أو خُفٍّ، أو حَافِرٍ". روَاه أبو داوُدَ (٣). فنَفَى السَّبْقَ فى غيرِ هذه الثلاثَةِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُرادَ به نَفْىُ الجُعْلِ، أى لا يجوزُ الجُعْلُ إلَّا فى هذه الثلاثَةِ. ويَحْتَملُ أَنْ يُرادَ به نَفْيُ المُسابَقَةِ بعِوَضٍ، فإنَّه يتَعَيَّنُ حَمْلُ الخبرِ على أحَدِ الأَمْرَيْنِ، للإِجْماعِ على جوازِ المسابَقَةِ بغيرِ عِوَضٍ فى غيرِ (٤) هذه الثلاثة، وعلى كُلِّ تقديرٍ فالحديثُ حُجَّةٌ لنا. ولأنَّ غيرَ هذه الثلاثةِ لا يُحْتاجُ إليها فى الجهادِ (٥)، كالحاجَةِ إليها، فلم تجُزِ المُسابقَةُ عليها بعِوَضٍ، كالرَّمْى بالحِجارَةِ ورَفْعِها. إذا ثَبَتَ هذا، فالمُرادُ بالنَّصْلِ السِّهامُ من النُّشَّابِ والنَّبْلِ دونَ غيرِها (٦)، والحافِر الخيلُ وَحْدَها، والخُفِّ الإِبِلُ وَحْدَها. وقال أصحابُ الشافِعِىِّ: تجوزُ المُسابَقَةُ بكَلِّ ما له نَصْلٌ منِ الْمَزاريِقِ، وفى [الرُّمْحِ والسَّيْفِ] (٧) وَجْهان، وفى الفيل والبِغالِ والحميرِ وَجْهان؛ لأَنَّ للمَزاريِقِ والرِّماحِ والسيوفِ نَصْلًا، وللفِيَلَةِ (٨) خُفٌّ، وللبغالِ والحميرِ حَوافِرُ، فتدْخُلُ فى عُمومِ الخبرِ. ولَنا، أَنَّ هذه الحيواناتِ المُخْتَلَفَ فيها لا تصْلُحُ للكَرِّ والفَرِّ، ولا يُقاتَلُ عليها، ولا يُسْهَمُ لها، والفِيلُ لا يُقاتِلُ عليه أهلُ الإِسلامِ، والرِّماحُ والسُّيوفُ لا يُرْمَى بها، فلم تجُزِ المُسابَقَةُ عليها، كالبقَرِ والتِّراسِ (٩)، والخبرُ ليس بعامٍّ فيما تجوزُ المسابَقَةُ

стр. 7096

به؛ لأنَّه نَكِرةٌ فى إثْباتٍ، وإنّما هو عامٌّ فى نَفْى ما لا تجوزُ المسابَقَةُ به (١٠)، لكونِه نكرةً فى سياقِ النَّفْى، ثم لو كان عامًّا، لَحُمِلَ على ما عُهِدَت المسابقةُ عليه، وورَدَ (١١) الشَّرْعُ بالحَثِّ على تعَلُّمِه، وهو ما ذَكَرْناه. ١٧٧٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَرَادَا أَنْ يَسْتَبقَا، أخرَجَ أحَدُهُمَا، ولَمْ يُخرِجِ الآخَرُ، فَإِنْ سَبَقَ مَنْ أخْرَجَ، أحْرَزَ سَبْقَهُ، ولَمْ يأْخُذْ مِنَ الْمَسْبُوقِ شَيْئًا، وإِنْ سَبَقَ مَنْ لَمْ يُخْرِجْ، أحْرَزَ سَبْقَ صَاحِبِهِ) وجُمْلتُه أَنَّ المُسابَقَةَ إذا كانت بينَ اثْنَيْنِ أو حِزْبَيْنِ، لم تَخْلُ إمّا أَنْ يكونَ العِوَضُ منهما، أو من غيرِهما، [فإن كان مِن غيرِهما] (١) نَظَرْتَ، فإنْ كان من الإِمامِ جازَ، سواءٌ كان من مالِه، أو من بيت المالِ؛ لأنَّ فى ذلك مَصْلَحَةً وحَثًّا على تَعَلُّمِ الجهادِ، ونَفْعًا للمسلمين. وإن كان من (٢) غيرِ إمامٍ، جازَ له بَذْلُ العِوَض من مالِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: لا يجوزُ بَذْل العِوَض من غيرِ الإِمامِ؛ لأنَّ هذا ممَّا يُحْتاجُ إليه للجهادِ، فاخْتُصَّ به الإِمامُ، كتَوْلِيَةِ (٣) الولاياتِ وتَأْميرِ الأُمَراءِ. ولَنا، أنَّه بذْلٌ لمالِه فيما فيه مَصْلَحَةٌ وقُرْبَةٌ، فجازَ، كما لو اشْتَرَى به خيلًا وسِلاحًا. فأمّا إنْ كان منهما، اشْتُرِطَ كَوْنُ الجُعْلِ من أحدِهما دونَ الآخَرِ، فيقولُ: إنْ سبَقْتَنِى فلَكَ عشرةٌ، وإِنْ سَبَقْتُكَ فلا شىءَ عليك. فهذا جائِزٌ. وحُكِىَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يجوز؛ لأنَّه قِمَارٌ. ولَنا، أَنَّ أحَدَهما يَخْتَصُّ بالسَّبْقِ، فجازَ، كما لو أخرَجَه الإِمامُ. ولا يصِحُّ ما ذَكَرَه؛ لأَنَّ القِمارَ أَنْ (٤) لا يخْلُوَ كلُّ واحِدٍ منهما من أن يغنَمَ أو يغرَمَ، وههُنا لا خَطرَ على أحَدِهما، فلا يكونُ قِمارًا، فإذا سبقَ المُخْرِجُ أحْرَزَ سَبْقه، ولا شىءَ له على صاحِبِه، وإِنْ سَبَقَ الآخَرُ أخَذ (٥)

стр. 7097

سَبَقَ المُخْرِجِ فملَكَه، وكان كسائِرِ مالِه؛ لأنَّه عِوَضٌ فى الْجَعالَةِ، فيُمْلَكُ فيها، كالعِوَضِ المَجْعُولِ (٦) فى رَدِّ الضالَّةِ والآبِقِ. وإِنْ كان العِوَضُ فى الذِّمَّةِ، فهو دَيْنٌ يُقْضَى به عليه، ويُجْبَرُ على تَسْليمِه إن كان مُوسِرًا، وإِنْ أفْلَسَ، ضَرَبَ به مع الغُرَماء. فصل: والمُسابَقَةُ عقدٌ جائِزٌ. ذكَرَه ابنُ حامِدٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافِعِىِّ، وقال فى الآخَرِ: هو لازِمٌ إنْ كان العِوَضُ منهما، وجائِزٌ إذا كان من أحَدِهما أو من غيرِهما. وذكرَه القاضِى احْتِمالًا؛ لأنَّه عَقْدٌ من شَرْطِه أَنْ يكونَ العِوَضُ والمُعَوَّضُ معلومَيْن، فكان لازِمًا، كالإِجارَةِ. ولَنا، أَنَّه عَقْدٌ على مَا لَا تَتَحَقَّقُ القُدْرَةُ على تَسْليمِه، فكان جائِزًا، كرَدِّ الآبِقِ، فإنَّه عَقْدٌ على الإصابَةِ، ولا يدْخُلُ تحتَ قُدْرَتِه، وبهذا فارقَ الإِجارَةَ. فعلى هذا، لكُل واحِدٍ من المُتَعاقِدَيْن الفَسْخُ قبلَ الشُّروعِ فى المُسابَقَةِ، وإِنْ أرادَ أحَدُهما الزِّيادَةَ فيها أو النُّقْصانَ منها (٧)، [يلزمِ الآخرَ إجابَتُه] (٨)، فأمَّا بعدَ الشُّروعِ فى المُسابَقَةِ، فإنْ كان لم يظْهَرْ لأحدِهما فضلٌ على الآخَرِ، جازَ الفَسْخُ لكلِّ واحدٍ منهما، وإِنْ ظهرَ لأحَدِهما فضلٌ [على الآخَرِ] (٩)، مثلَ أَنْ يسْبِقَه بفرَسِه فى بعض المُسابَقَةِ، أو يُصِيبَ بسِهَامِه أكثرَ منه، فللْفاضِلِ الفَسْخُ، ولا يجوزُ للمَفْضُولِ؛ لأنَّه لو جازَ له ذلك لَفاتَ غَرَضُ المُسابقَةِ؛ لأنَّه متى بانَ له سَبْقُ صاحِبِه له فَسَخَها، وتركَ المسابقَةَ، فلا يحْصُلُ المقْصودُ. وقال أصحابُ الشافِعِىِّ: إذا قُلْنا: العقدُ جائِزٌ. ففى جوازِ الفَسْخِ من المَفْضُولِ وَجْهان. فصل: ويُشْتَرط أَنْ يكونَ العِوَضُ معلومًا؛ لأنَّه مالٌ فى عقدٍ، فكان معلومًا، كسائِرِ العُقودِ، ويكونُ معلومًا بالمُشاهَدَةِ، أو بالقَدْرِ والصِّفَةِ، على ما تقدَّمَ فى غير مَوْضعٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ حالًّا ومُؤجَّلًا، كالعِوَض فى البيعِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ بعضُه حالًّا وبعضُه مُؤجَّلًا، فلو قال: إنْ نَضَلْتَنِى فلك دينارٌ حالٌّ، وقفيزُ حِنْطَةٍ بعدَ شهرٍ. جازَ، وصَحَّ

стр. 7098

النِّضالُ؛ لأنَّ ما جازَ أن يكونَ حالًّا ومُؤجَّلًا، جازَ أَنْ يكونَ بعضُه حالًّا وبعضُه مُؤجَّلًا، كالثَّمَنِ، غيرَ أنَّه يُحْتاجُ إلى صِفَةِ الحِنْطَةِ بما تَصِيرُ به مَعْلُومَةً. فصل: فإنْ شرطَ أَنْ يُطْعِمَ السَّبَقَ أصْحابَه، فالشَّرْطُ فاسِدٌ؛ لأنَّه عِوَضٌ على (١٠) عملٍ، فلا يَسْتَحِقُّه غيرُ العامِل، كالعِوَضِ فى رَدِّ الآبِقِ، ولا يفْسُدُ العقدُ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافِعِىُّ: يفْسُدُ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا تَقِفُ صحَّتُه على تَسْمِيَةِ بَدَلٍ، فلم يفْسُدْ بالشَّرطِ الفاسِدِ، كالنِّكاحِ. وذكرَ القاضِى أَنَّ الشُّروطَ الفاسِدَةَ فى المُسابَقَةِ تنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ أحدُهما، ما يُخِلُّ بشَرْطِ (١١) صِحَّةِ العَقْدِ، نحو أَنْ يَعودَ إلى جَهالَةِ العِوَضِ، أو المسافَةِ، ونحوِهما، فيفْسُدُ العقدُ؛ لأنَّ العقدَ لا يصِحُّ مع فَواتِ شَرْطِه. والثانى، ما لا يُخِلُّ بشَرْطِ (١١) العقدِ، نحو أَنْ يشترطَ أَنْ يُطْعِمَ السبق أصْحابَه أو غيرَهم، أو يَشْرُطَ (١٢) أنَّه إذا نَضَلَ لا يَرْمِى أبدًا، أو لا يَرْمِى شهرًا، أو شَرَطَا أَنَّ لكلِّ واحِدٍ منهما أو لأَحَدِهما فسْخَ العَقْدِ متَى شاء بعدَ الشُّروعِ فى العمَلِ، وأشْباه هذا، فهذه شُروطٌ باطِلَةٌ فى نَفسِها، وفى العَقْدِ المُقْتَرِنِ بها وَجْهان؛ أحدُهما، صِحَّتُه؛ لأنَّ العقدَ تَمَّ بأركْانِه وشُروطِه، فإذا حُذِفَ الزَّائِدُ الفاسِدُ، بَقِىَ العَقْدُ صحيحًا. والثانى، يبطُلُ؛ لأنَّه بَذَلَ العِوَضَ لهذا الغَرَضِ، فإذا لم يحْصُلْ له غرَضُه لا يَلْزَمُه العِوَضُ. كلُّ مَوْضِعٍ فَسَدَت المُسابَقَةُ، فإنْ كان السَّابِقُ المُخْرِجَ، امْسَكَ سَبَقَه، وإن كان الآخرَ، فله أجْرُ عمَلِه؛ لأنَّه عملٌ بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فاسْتحَقَّ أجْرَ المِثْلِ، كالإِجارَةِ الفاسِدَةِ. فصل: وإذا كان الْمُخْرِجُ غيرَ المُتسابقَيْن، فقال لهما أو لجماعَةٍ: أيُّكُم سَبَقَ فله عشرةٌ. جازَ؛ لأنَّ [كُلَّ واحدٍ منهما] (١٣) يطْلبُ أَنْ يكونَ سابِقًا، فأيُّهم سَبَقَ، اسْتَحَقَّ العشرةَ، وإِنْ جاءُوا جميعًا، فلا شىءَ لواحدٍ منهم؛ لأنَّه لا سابِقَ فيهم. وإِنْ قال لاثْنَيْنِ: أيّكما سَبَقَ فلَه عشرة، وأيُّكما صَلَّى فلَه عشرة. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ فى طلبِ السبقِ، فلا يحْرِصُ عليه، لعَدَمِ فائِدَتِه فيه. وإِنْ قال: ومَنْ صَلَّى فلَه خمسةٌ، صَحَّ؛ لأنَّ كلَّ

стр. 7099

واحدٍ يطْلُبُ السَّبْقَ لفائِدَتِه فيه بزيادَةِ الجُعْلِ. وإن كانُوا أكْثَرَ من اثْنَيْن، فقال: مَنْ سَبَقَ فله عشرة، ومَن صَلَّى فله كذلك. صَحَّ؛ لأنّ كلَّ واحِدٍ منهم يطْلُبُ أَنْ يكونَ سابقًا أو مُصَلِّيًا، والمُصَلِّى هو الثانِى؛ لأنَّ رأسَه عندَ صَلَى الآخرِ، والصَّلَوان؛ هما العَظْمان النَّاتِئان (١٤) من جانِبَى الذَّنَب. وفى الأثرِ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: سَبَقَ أبو بكرٍ، وصَلَّى عمرُ، وخَبطنا فِتْنَةٌ (١٥)، وقال الشاعر (١٦): إنْ تُبْتَدَرْ غايَةٌ يومًا لِمَكْرُمَةٍ ... تَلْقَ السَّوابِقَ مِنَّا والمُصَلِّينَا فإنْ قال: للمُجَلِّى -وهو الأوَّلُ- مائةٌ، وللمُصَلِّى -وهو الثانِ- تِسْعون، وللتالِى -وهو الثالِث- ثمانون، وللنَّازِعِ -وهو الرابعُ- سَبْعون، وللمُرْتاحِ -وهو الخامِسُ- سِتُّون، وللْحَظِىِّ -وهو السادِسُ- خَمْسون، وللعاطِفِ -وهو السابعُ- أرْبَعُون، وللمُؤَمِّلِ -وهو الثامِنُ- ثلاثون، وللَّطِيمِ -وهو التاسِعُ- عِشْرون، وللسِّكِّيتِ -وهو العاشِرُ- عشرةٌ، وللفُسْكُلِ -وهو الآخِرُ- خمسةٌ. صَحَّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ يطْلُب السبقَ، فإذا فاتَه طلَبَ ما يلى السَّابقَ، والفُسْكُلُ اسمٌ للآخِرِ، ثم يُسْتَعْمَلُ هذا فى غيرِ المُسابَقَةِ بالخَيْلِ تَجَوُّزًا، كما رُوِىَ أَنَّ أسماءَ ابنةَ عُمَيْسٍ، كانت تَزَوَّجَتْ جعفرَ بنَ أبى طالبٍ، ووَلَدت له عبدَ اللَّه ومحمدًا وعَوْنًا، ثم تَزَوَّجَها أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، فولَدَت له محمدَ بنَ أبى بكرٍ، ثم تَزَوَّجَها علىُّ بنُ أبى طالب، فقالت له: إنَّ ثلاثة أنتَ آخِرُهم لأخْيارٌ. فقال لوَلدِها: فَسْكَلَتْنِى أُمُّكُم. وإِنْ جعلَ للمُصَلِّى أكثرَ من السابِقِ، أو مثلَه، أو جعلَ للتَّالِى أكثرَ من المُصَلِّى أو مثلَه، أو لم يجْعَلْ للمُصَلِّى شيئًا. لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى أَنْ لا يقْصِدَ السَّبْقَ، بل يقْصِدُ التَّأَخُّرَ، فيفوتُ المقصودُ. فصل: إذا قال لعشرةٍ: مَنْ سَبَقَ منكم فلَه عشرةٌ. صَحَّ. فإنْ جاءُوا معًا، فلا شىءَ لهم؛ لأنَّه لم يُوجَدِ الشَّرْطُ الذى يُسْتَحَقُّ به الجُعْلُ فى واحدٍ منهم. وإِنْ سَبَقَهم واحدٌ، فله

стр. 7100

العشرةُ؛ لوُجودِ الشَّرْطِ فيه. وإِنْ سبقَ اثنان، فلهما العشرةُ. وإِنْ سبقَ تسعةٌ، وتأَخَّرَ واحِدٌ، فالعشرةُ للتِّسْعَةِ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فيهم، فكان الجُعْلُ بينهم، كما لو قال: مَن ردَّ عبدِى الآبِقَ فله عشرةٌ. فردَّه تسْعَةٌ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ لكلِّ واحِدٍ من السَّابِقين عشرةٌ؛ لأنَّ كُل واحِدٍ منهم سابِقٌ، فيَسْتَحِقُّ الجُعْلَ بكَمالِه، كما لو قال: مَن رَدَّ عبدًا لى فله عشرةٌ. فردَّ كلُّ واحدٍ عبدًا. وفارقَ ما لو قال: مَنْ رَدَّ عبدِى. فردَّه تسعَةٌ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهم لم يَرُدَّه، إنما رَدُّه حصلَ من الكُلِّ. ويصيرُ هذا كما لو قال: مَنْ قتَلَ قتيلًا فله سَلَبُه. فإنْ قتلَ كلُّ واحدٍ واحدًا، فلكُلِّ واحدٍ سَلَبُ قَتِيله كامِلًا، وإِنْ قتلَ الجماعَةُ واحِدًا، فلجميعِهم سَلَبُ واحدٍ. وههُنا كلُّ واحِدٍ له سَبْقٌ مُفْرَدٌ، فكان له الجُعْلُ كامِلًا. فعلى هذا، لو قال: مَنْ سَبَقَ فله عشرةٌ، ومن صلَّى فله خمسةٌ، فسبقَ خمسةٌ، وصلَّى خمسَةٌ، فعلى الأَوَّلِ من الوَجْهَيْن، للسابِقين عشرةٌ، لكُلِّ واحدٍ منهم دِرْهمان، وللمُصَلِّين خمسةٌ، لكُلِّ واحدٍ منهم دِرْهَمٌ. وعلى الوَجْه الثانِى، لكُلِّ واحِدٍ من السابقين عشرةٌ، فيكون لهم خمسُون، ولكُلِّ واحِدٍ من المُصَلِّين خمسةٌ، فيكون لهم خمسة وعِشْرُونَ. ومَنْ قال بالوَجْهِ الأَوَّلِ، احْتَمَلَ على قولِه أَنْ لا يَصِحَّ العَقْدُ على هذا الوَجْهِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أَنْ يسْبِقَ تسعة، فيكونَ لهم عشرةٌ، لكُلِّ واحِدٍ دِرْهَمٌ وتُسْعٌ، ويُصَلِّىَ واحِدٌ، فيكونَ له خمسةٌ، فيصيرَ للمصلِّى من الجُعْلِ فوقَ ما للسابِقِ، فيفوتَ المقصودُ. ١٧٧٦ - مسألة؛ قال: (وإِنْ أَخْرَجَا (١) جَمِيعًا، لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُدخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا يُكَافِئُ فرَسُهُ (٢) فَرَسَيْهِمَا، أو بَعِيرُهُ بَعِيرَيْهِمَا، أو رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمَا، فَإِنْ سبَقَهُمَا أحْرَزَ سَبَقَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ السَّابِقُ أحَدهُمَا، أحْرَز سبَقَهُ، وأخَذَ سبَقَ صَاحِبِهِ، فَكَانَ كَسائِرِ مَالِهِ، ولَمْ يَأخذْ مِنَ المُحلِّل شَيْئًا) السَّبَقُ؛ بالفتحِ: الجُعْلُ الذى يُسابَقُ عليه، ويُسَمَّى الخَطَرَ والنَّدَبَ والقَرَعَ والرَّهْنَ. ويقال: سَبَقَ. إذا أخَذَ وإذا أعْطى. ومن الأضدادِ. ومَتَى اسْتَبَقَ الاثْنان

стр. 7101

والجُعْلُ منهما (٣)، فأخرَجَ كلُّ واحِدٍ منهما، لم يَجُزْ، وكان قِمارًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا يَخْلُو من أَنْ يغْنَمَ أو يغْرَمَ، وسواءٌ كان ما أَخْرَجاه مُتَساوِيًا، مثل أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ واحدٍ منهما عشرةً، أو مُتفاوِتًا مثل إنْ أخْرَجَ أحدُهما عشرةً والآخرُ خمسةً. ولو قال: إنْ سَبَقتَنِى فلَكَ علىَّ (٤) عشرةٌ، وإِنْ سَبَقْتُكَ فلى عليك قَفِيزٌ حِنْطَةً. [أو قال: إنْ سَبَقْتَنِى فلكَ علَىَّ عشرةٌ ولى عليكَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ (٥). لم يجزْ] (٦)؛ لما ذَكَرْناه. فإنْ أدْخَلَا بينهما مُحَلِّلًا، وهو ثالثٌ لم يُخْرِجْ شيئًا، جازَ. وبهذا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرّأْىِ. وحَكَى أشهبُ، عن مالِكٍ، أنَّه قال فى المُحَلِّلِ: لا أُحِبُّه. وعن جابِرِ بنِ زَيْدٍ، أنَّه قيلَ له: إن أصحابَ رسولِ اللَّه ﷺ كانُوا لا يَرَوْنَ بالدَّخِيلِ بأْسًا. قال: هُمْ أَعَفُّ من ذلك. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَن أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْن، وهُوَ لا يُؤْمَنُ (٧) أَنْ يَسْبِقَ، [فلَيْسَ بِقِمارٍ (٨)، ومن أدخَلَ فرَسًا بَيْنَ فرَسَيْنِ، وقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ] (٩) فهُوَ قَمارٌ". روَاه أبو داوُدَ (١٠). فجَعَلَه قِمارًا إذا أمِنَ أَنْ يَسْبِقَ؛ لأنَّه لا يخْلُو كُلُّ واحدٍ منهما من أَنْ يغْنَمَ أو يغْرَمَ، وإذا لم يُؤمَنْ (١١) أَنْ يسْبِقَ، لم يكُنْ قِمارًا؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يجوزُ أَنْ يخْلُوَ عن

стр. 7102

ذلِك. ويُشْتَرَطُ أَنْ يكونَ فرسُ المُحَلِّلِ مُكافِئًا لفَرَسَيْهِما، أو بعيرُه مُكافِئًا لبعِيرَيْهِما، ورَمْيُه لِرَمْيَيْهِما، فإنْ لم يكُنْ مُكافِئًا، مثل أن يكون فَرَساهما جَوادَيْن وفرسُه بَطِىءٌ، فهو قِمارٌ؛ للخَبرِ، ولأنَّه مَأْمونٌ سَبْقُه، فوُجودُه كعَدَمِه. وإِنْ كان مُكافِئًا لهما، جازَ. فإنْ جاءُوا كلُّهم الغايَةَ دَفْعَةً واحِدَةً، أحرزَ كلُّ واحِدٍ منهما سَبَقَ نفْسِه، ولا شىءَ للمُحِلِّ؛ لأنَّه لا سابِقَ فيهم، وكذلك إنْ سَبَقَ المُسْتَبِقان المُحَلِّلَ، وإن سَبَقَ المُحَلِّلُ وَحْدَه، أحْرَزَ السَبَقَيْن بالاتِّفاقِ، وإِنْ سبقَ أحدُ المُسْتَبِقَيْن وَحْدَه، أَحْرَزَ سَبَقَ نَفْسِه، وأخذَ سَبَقَ صاحِبه، ولم يأْخُذْ من المُحلِّلِ شيئًا، وإِنْ سَبَقَ أحدُ المُسْتَبِقَيْن والمُحَلِّلُ، أحْرَزَ السَّابِقُ مالَ نفْسِه، ويكون سَبَقُ المَسْبوقِ بين السابِقِ والمُحَلِّلِ نِصْفَيْن، وسواءٌ كان المُسْتَبِقُون (١٢) اثْنَيْن أو أكثرَ، حتى لو كانُوا مائَةً وبينهم مُحَلِّلٌ لا سَبَقَ منه، جازَ. وكذلك لو كان المُحَلِّلُ جماعةً، جازَ؛ لأَنَّه لا فَرْقَ بينَ الاثنين والجماعَةِ. وهذا كلُّه مذهبُ الشافِعِىِّ. فصل: ويُشْتَرَطُ فى المسابَقَةِ بالحيوانِ تَحْدِيدُ المسافَةِ، وأنْ يكونَ لابْتداءِ عَدْوِهما وآخرِه غايَةٌ لا يخْتلِفان فيها؛ لأنَّ الغرضَ معرِفَةُ أسْبَقِهما، ولا يُعْلَمُ ذلك إلَّا بِتَساوِيهما فى الغايَةِ، ولأنَّ أحدَهما قد يكونُ مُقَصِّرا فى أوَّلِ عَدْوِه، سَرِيعًا فى انْتِهائِه، وقد يكون بضِدِّ ذلك، فيَحْتاجُ إلى غايةٍ تجْمَعُ حالَيْه، ومن الخيلِ ما هو أصْبَرُ، والقارِحُ أصْبَرُ من غَيْرِه. وقد رَوَى ابنُ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سَبَّقَ بينَ الخيلِ، وفَضَّلَ القُرَّحَ فى الغايَةِ. روَاه أبو داودَ (١٣). وسَبَّق بينَ الخَيْلِ المُضْمَرةِ من الْحَفياءِ إلى ثَنِيَّة الوَداعِ، وذلك سِتَّةُ أميالٍ أو سَبْعَةٌ، وبين التى لم تُضْمَرْ من الثَّنِيَّةِ إلى مَسْجِدِ بنى زُرَيقٍ، وذلك مِيلٌ أو نحوُه (١٤). فإن اسْتَبَقا بغيرِ غاية، لِيُنْظَرَ أيُّهُما يقفُ أوَّلًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُؤدِّى إلى أَنْ لا يقِفَ أحدُهما حتى يَنْقَطِعَ فَرَسُه، ويتَعَذَّرَ الإِشْهادُ على السَّبْقِ فيه. ويُشْتَرَطُ فى المُسابَقَةِ إرسالُ الفَرَسَيْنِ أو

стр. 7103

البَعِيرَيْنِ دَفْعةً واحدةً، فإنْ أرسلَ أحَدَهما قبلَ الآخَرِ، لِيُعْلَمَ هل يُدْركُه الآخرُ أَوْ لا؟ لم يَجُزْ هذا فى المُسابَقَةِ بعِوَضٍ؛ لأَنَّه قد لا يُدْركُه مع كَوْنِه أسْرَعَ منه، لبُعْدِ المسافَةِ بينهما. ويكونُ عند أوَّلِ المسافَةِ مَنْ يشاهِدُ إرْسالَهما، ويُرتِّبُهما، وعندَ الغايَةِ مَنْ يضْبِطُ السَّابِقَ منهما؛ لئلَّا يَخْتَلِفا فى ذلك. ويحْصُلُ السَّبْقُ فى الخيلِ بالرأسِ إذا تماثَلَت الأَعْناقُ، فإنْ اخْتَلَفا فى طُولِ العُنُقِ (١٥)، أو كان ذلك فى الإِبلِ، اعْتُبِرَ السَّبْقُ بالكَتِفِ؛ لأَنَّ الاعْتبارَ بالرَّأْسِ مُتَعَذِّرٌ، فإنَّ طويلَ العُنُقِ لم قد يسْبِقُ رَأْسُه (١٦) الطولِ عُنُقِه، لا لِسُرْعَةِ عَدْوِهِ، وفى الإِبلِ ما يَرْفَعُ رأْسَه، وفيها ما يمُدُّ عُنُقَه، فربَّما سبَقَ رَأسُه لِمَدِّ عُنُقِه، لا لِسَبْقِه، فلذلك اعْتَبَرْنا الكَتِفَ، فإنْ سبقَ رأسُ قصيرِ العُنُقِ فهو سابِقٌ؛ لأنَّ من ضرورَةِ ذلك كوَنه سابقًا، وإِنْ سبَقَ طويلُ العُنُقِ بأكْثَر ممَّا بينهما فى طُولِ العُنُقِ، فقد سبَقَ، وإِنْ كان بقَدْرِه لم يَسْبِقْه، وإِنْ كان أقلَّ، فالآخَرُ السَّابِقُ. ونحوُ هذا كلِّه قولُ الشافِعِىِّ. وقال الثَّوْرِىُّ: إذا سبقَ أحدُهما بالأُذُن كان سابقًا. ولا يصِحُّ؛ لأنَّ أحدَهُما قد يرفعُ رأْسَه ويمدُّ الآخرُ عُنُقَه، فيَسْبِقُ (١٧) بأُذُنِه لذلك لا لِسَبْقِه. وإِنْ شَرَطا السَّبْقَ بأقْدامٍ معلومَةٍ، كثلاثَةٍ أو أكثرَ أو أقلَّ، لم يَصِحَّ. وقال بعضُ (١٨) أصحابِ الشافِعِىِّ: يَصِحُّ، ويَتَخاطَّان ذلك، كما فى الرَّمْى. وليس بصحيح؛ لأنَّ هذا لا يَنْضَبِطُ، ولا يَقِفُ الفَرَسان عنَد الغايَةِ، بحيثُ يُعْرَفُ مِساحَةُ ما بينهما. وقد رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (١٩)، بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لَعَلِىٍّ: "قَدْ جَعَلْتُ لَكَ هذِهِ السَّبْقَةَ بَيْنَ النَّاسِ". فخرجَ علىٌّ فدَعَا سُراقَةَ بنَ مالِك، فقال: يا سُراقَةُ، إنِّى قد جَعَلْتُ إليك ما جَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ فى عُنُقِى من هذه السَّبْقَةِ فى عُنُقِك، فإذا أتَيْتَ المِيطانَ (٢٠) -قال أبو عبد الرحمن المِيطانُ مُرْسِلها

стр. 7104

من الْغايَةِ- فصُفَّ الخيلَ، ثم نادِ: هل مِن (٢١) مُصْلِحٍ للجامٍ، أو حاملٍ لغُلامٍ، أو طَارحٍ لِجُلٍّ. فإذا لم يُجِبْك أحدٌ، فكبِّرْ ثلاثًا، ثم خَلِّها عند الثالثة، فيُسْعِدُ اللَّهُ بِسَبَقِه مَن شاءَ من خَلْقِه. وكان علىٌّ يقْعُدُ على مُنْتَهى الغايَة يخُطُّ خَطًّا، ويُقيمُ رَجُلَيْن مُتَقابِلَيْن عندَ طَرَفِ الخَطِّ طَرَفَيْه بينَ إبْهامَى أرْجُلِهما، وتَمُرُّ الخيلُ بين الرَّجُلَيْن، ويقولُ لهما: إذا خرجَ أحدُ الفَرَسَيْن على صاحِبِه بطَرَفِ أُذُنَيْهِ، أو أذُنٍ، أو عِذارٍ، فاجْعَلَا (٢٢) السَّبَقَةَ له، فإنْ شَكَكْتُما، فاجْعَلُوا سَبَقَهُما نِصْفَيْن، فإذا قَرَنْتُم ثِنتَيْن، فاجْعَلَا الغايةَ من غايَةِ أصغَرِ الثِّنْتَيْن، ولا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغَارَ الإِسلامِ. وهذا الأدبُ الذى ذَكَرَه فى هذا الحديث، فى ابتداءِ الإرسالِ وانتهاءِ الغايَةِ، من أحْسَنِ ما قيلَ فى هذا، وهو مَرْوِىٌّ عن [أميرِ المُؤْمِنينَ] (٢٣) علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى قَضِيَّةٍ أمَرَه (٢٤) بها رسولُ اللَّه ﷺ ، وفَوَّضَها إليه، فيَنْبَغِى أَنْ تُتَّبَع، ويُعْمَلَ بها. فصل: ويُشتَرَطُ فى الرِّهانِ أَنْ تكونَ الدَّابَّتان من جِنْسٍ واحدٍ، فإنْ كانَتا من جِنْسَيْن، كالفرَسِ والبعيرِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ البعيرَ لا يكادُ يَسْبِقُ الفرَسَ، فلا يحْصُلُ الغَرَضُ من هذه المُسابَقَةِ. وإِنْ كانتَا من نَوْعَيْن، كالعَرَبىّ والبِرْذَوْنِ، أو البُخْتِىِّ والعِرَابِىِّ، ففيه وجْهان، أحدُهما، لا يصِحُّ. ذكَرَه أبو الخَطَّاب؛ لأنَّ التَّفاوُتَ بينهما فى الجَرْى معلومٌ بحُكْمِ العادَةِ، فأشْبَها الجِنْسَيْن. والثانى: يَصِحُّ. ذَكَرَه القاضِى. وهو (٢٥) مذهَبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّهما من جِنْسٍ واحِدٍ، وقد يسْبِقُ كُلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ، والضَّابِطُ الجِنْسُ وقد وُجِدَ، ويكْفِى فى المَظِنّةِ احْتمالُ الحِكْمَةِ ولو على بُعْدٍ. فُصولٌ (١) فى المُناضَلَةِ: وهى المُسابَقَةُ فى الرَّمْى بالسِّهامِ، والمُناضَلَةُ، مَصْدَرُ ناضَلْتُه

стр. 7105

نِضالًا ومُناضَلَةً، وسُمِّىَ الرَّمْىُ نِضالًا؛ لأنَّ السَّهْمَ التَّامَّ يُسَمَّى نَضْلًا، فالرَّمْىُ به عملٌ بالنَّضْلِ، فسُمِّىَ نِضالًا ومُناضَلَةً، مثل قَاتَلْتُه قِتالًا ومُقاتَلَةً، وجادَلْتُه جِدالًا ومُجادَلةً. ويُشْتَرَطُ لِصِحَّتِه ثمانِيَةُ شُروطٍ؛ أحدُها، أَنْ يكون عددُ الرِّشْقِ معلومًا، والرِّشْقُ؛ بكسر الراءِ: عَدَدُ الرَّمْى. وأهلُ اللُّغَةِ يقولون: هو عبارَةٌ عمّا بينَ العِشْرِين والثَّلاثِين. والرَّشْقُ؛ بفَتْحِ الراءِ: الرَّمْىُ نَفْسُه، مصدرُ رَشَقْتُ رَشْقًا. أى رَمَيْتُ رَمْيًا. وإنّما اشْتُرِطَ عِلْمُه؛ لأنَّه لو كان مجهولًا أفْضَى (٢) إلى الخلافِ؛ لأَنَّ أحَدَهما يُرِيدُ القَطْعَ، والآخَرُ يُرِيدُ الزِّيادَةَ، فيَخْتَلِفان. الثانى، أَنْ يكونَ عددُ الإِصابَةِ معلومًا، فيقولان: الرِّشْقُ عشرون، والإِصابَةُ خمسةٌ أو ستَّةٌ، أو ما يتَّفِقان عليه منها، إلا أنَّه لا يجوزُ اشتراطُ إصابَةٍ نادِرَة، كإصابَةِ جميعِ الرِّشْقِ أو إصابَةِ تِسْعَة أَعشارِه، ونحوِ هذا؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هذا لا يُوجَدُ، فيَفُوتُ الغَرَضُ. الثالث، اسْتِواؤهما فى عدَدِ الرِّشْقِ والإِصابَةِ، وصِفَتِها، وسائِرِ أحْوالِ الرَّمْى. فإنْ جَعَلَا رِشْقَ أحَدِهما عشرةً، والآخَرِ عِشْرين، أو شَرَطَا أَنْ يُصيبَ أحدُهما خمسةً، والآخرُ ثلاثةً، أو شرَطَا إِصابَةَ أحَدِهما خَواسِقَ والآخر خَواصِلَ، أو شرطا أَنْ يحُطَّ أحدُهما من إصابَتِه سَهْمَيْن، أو يحُطَّ سَهْمَيْنِ من إصابَتِه بِسَهْمٍ من إصابَةِ صاحِبِه، أو شَرَطَا أَنْ يَرْمِىَ أحدُهما من بُعْدٍ والآخَرُ من قُرْبٍ، أو أَنْ يَرْمِىَ أحدُهما [وبينَ أصابِعِه سهمٌ، والآخرُ بينَ أصابعِه سَهْمان، أو أَنْ يَرْمِىَ أحدُهما] (٣) وعلى رأْسِه شىءٌ والآخَرُ خالٍ عن شاغلٍ، أو أَنْ يحُطَّ عن أحَدِهما واحِدًا من خَطَئِه لا له ولا عليه، وأشْباهَ هذا مِمَّا (٤) تفوتُ به المُساواةُ، لم يصِحٌ؛ لأنَّ موضُوعَها على المساواةِ، والغَرَضُ معرفَةُ الحِذْقِ، وزيادَةِ أحَدِهما على الآخَرِ فيه، ومع التفاضلِ لا يحْصُلُ، فإنَّه ربما أصابَ أحدُهما لكَثْرَةِ رَمْيِه لا لحِذْقِه، فاعْتُبِرَتِ المُساواةُ، كالمُسابَقَةِ بالحيوانِ (٥). الرابعُ، أَنْ يَصِفَا الإصابَةَ، فيقولان: خَواصل. وهو المُصِيبُ للغَرَض كيفما كان. قال الأزهَرِىُّ: يقال خَصَلْتُ مُناضِلِى خَصْلَةً

стр. 7106

وخَصْلًا (٦). ويُسَمَّى ذلك الفَرْع. والقَرْطَسَة، يُقال: قَرْطَسَ. إذا أصابَ. أو حَوابِى. وهو ما وَقَع بينَ يَدَى الغَرَضِ، ثم وثَبَ إليه. ومنه يُقال: حَبَا الصَّبِىُّ. أو خَواصِر. وهو ما كان (٧) فى أحَدِ جانِبَى الغرَض، ومنه قيل: الخاصِرَةُ. لأنَّها فى جانب الإِنسانِ. أو خَوارِق. وهو ما خَرَقَ الغرَضَ، ثم وقَعَ بين يَدَيْه. أو خَواسِق. وهو ما فَتَحَ (٨) الغرضَ، وثَبَتَ فيه. أو مَوارِق. وهو ما أنفَذَ (٩) الغرضَ، ووَقَعَ من وَرائِه. أو خَوازِم. وهو ما خَزَمَ جانِبَ الغرَضِ. وإِنْ شَرَطا الْخَواسِقَ والْحَوابِىَ معًا، صَحَّ. الخامِسُ، قَدْرُ الغرَضِ، والغرضُ هو ما يُقْصَدُ إصابَتُه من قِرْطاسٍ أو وَرَقٍ أو جلدٍ أو خشبٍ أو قَرْعٍ أو غيرِه، ويُسَمَّى غرَضًا؛ لأَنَّه يُقْصَدُ، ويُسَمَّى شارةً وشَنًا. قال الأزْهَرِىُّ: ما نُصِبَ فى الهدَفِ فهو القِرْطاسُ، وما نُصِبَ فى الهواءِ فهو الغَرَضُ (١٠). ويجبُ أَنْ يكونَ قدرُه معلومًا بالمشاهَدَةِ، أو بتقديرِه بشِبْرٍ أو شِبْرَيْن، بحَسَبِ الاتِّفاقِ، فإنَّ الإصابَةَ تخْتلفُ باخْتِلافِ سعَتِه وضِيقِهِ. السادِسُ، معرِفَةُ المسافَةِ؛ إمَّا بالمشاهَدَةِ، أو بالذَّرْعانِ، فيقول: مائة ذِرَاعٍ، أو مائَتَى ذِرَاعٍ؛ لأنَّ الإصابَةَ تَخْتَلِفُ بقُرْبِها وبُعْدِها، ومهما اتَّفَقا عليه جازَ، إلَّا أَنْ يجْعَلَا مسافةً بعيدةً تَتَعَذَّرُ الإِصابَةُ فى مِثْلِها، وهو ما زادَ على ثلاثمائة ذِرَاعٍ، فلا يصِحُّ؛ لأنَّ الغرضَ يفُوت بذلك، وقد قيل: إنَّه ما رمَى إلى أرْبعِمائَةِ ذِراعٍ إلَّا عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ الْجُهَنِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. السابعُ، تعْيِينُ الرُّماةِ، فلا يصِحُّ مع الإِبْهامِ؛ لأنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةٌ حِذْقِ الرَّامِى بعَيْنه، لا معرفَةُ حِذْقِ رامٍ فى الجملَةِ. ولو عقدَ اثنانِ نِضالًا على أَنَّ (١١) مع كلِّ واحدٍ منهما ثلاثةً، لم يَجُزْ؛ لذلك. ولا يُشْتَرطُ تَعْيِينُ القَوْس والسِّهامِ، ولو عَينَّهَا لم تَتَعَيَّنْ؛ لأنَّ القصدَ مَعْرِفَةُ الحِذْقِ، وهذا لا يخْتلِفُ إلَّا بالرَّامِى (١٢)، لا باخْتلافِ القَوْس والسِّهامِ. وفى الرِّهانِ يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الحيوانِ الذى يُسابَقُ

стр. 7107

به، ولا يُعْتبَرُ تَعْيِينُ الرَّاكِبِ؛ لأنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةُ عَدْوِ الفَرَسِ، لا حِذْقِ الراكِب. وكلُّ ما يُعْتَبرُ تَعْيينُه، إذا تَلِفَ انْفَسَخَ العقدُ، ولم يقُمْ غيرُه مَقامَه؛ لأنَّ العَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِه، فانْفَسَخَ بِتَلَفِ العَيْنِ، ولأنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةُ حِذْقِ الرَّامِى، أو عَدْوِ الفرَسِ، وقد فاتَتْ مَعْرِفَةُ ذلك بمَوْتِه، ولا يُعْرَفُ حِذْقُه من غيرِه. وما لا يَتَعَيَّنُ، يجوزُ إبْدالُه لعُذْرٍ وغيرِه، وإذا تَلِفَ، قامَ غيرُه مَقامَه. فإنْ شَرَطا أَنْ لا يَرْمِىَ بغيرِ هذه (١٣) القَوْسِ، ولا بغيرِ هذا السَّهْمِ، أو لا يركبَ غيرَ هذا الراكِبِ. فهذه شُروطٌ فاسِدَةٌ؛ لأنها تُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، أشْبَهت ما (١٤) إذا شرطَ إصابَة بإصابَتَيْنِ. الثامِنُ، أَنْ تكونَ المُسابَقَةُ فى الإِصابَةِ. ولو قالا: السَّبَقَ لأَبْعَدِنا رَمْيًا، لم يجُزْ؛ لأنَّ الغرَضَ من الرَّمْى الإصابَةُ، لا بُعْدُ المسافَةِ، فإنَّ المقصودَ من الرَّمْى إمَّا قَتْلُ العَدُوِّ، أو جَرْحُه، أو الصَّيْدُ، أو نحوُ ذلك، وكلُّ هذا إنَّما يحْصُلُ من الإِصابَةِ، لا من الإبْعادِ. فصل: والمناضَلَةُ على ثَلَاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، تُسَمَّى المُبادَرَةَ، وهو أَنْ يقولا: مَنْ سَبَقَ إلى خَمْسِ إصاباتٍ من عشرينٍ رَمْيَةً فهو السابِقُ. فأيُّهما سبَقَ إليها مع تَساوِيهِما فى الرِّشْقِ، فقد سَبَقَ. فإذا رَمَيا عشرةً عشرةً، فأصابَ أحدُهما خمسًا، ولم يُصِبْ الآخرُ خَمْسًا، فالمُصِيبُ خَمْسًا هو السابِقُ؛ لأنَّه قد سَبَقَ إلى خَمْسٍ (١٥)، وسواءٌ أصابَ الآخرُ أرْبَعًا، أو ما دُونَها، أو لم يُصِبْ شيئًا، ولا حاجَةَ إلى إتْمامِ الرِّشْقِ؛ لأنَّ السَّبْقَ قد حصلَ بسَبْقِه إلى ما شَرَطَا (١٦) السَّبْقَ إليه. وإِنْ أصابَ كل واحِدٍ منهما من العَشَرَةِ (١٧) خَمْسًا، فلا سابِقَ فيهما، ولا يُكْمِلان الرِّشْقَ؛ لأنَّ جميعَ الإِصابَةِ المشْرُوطَةِ قد حصَلتْ، واسْتَوَيا فيها. فإنْ رَمَى أحدُهما عَشْرًا فأصابَ خمْسًا، ورمَى الآخَرُ تِسْعًا فأصابَ أربعًا، لم يُحْكَمْ بالسَّبْقِ ولا بعَدَمِه، حتى يَرْمِىَ العاشِرَ، فإنْ أَخْطَأَ به، فقد سَبَقَ الأوَّلُ، وإِنْ أصابَ به، فلا سابِقَ فيهما. وإِنْ لم يكُنْ أصابَ من التِّسْعَةِ إلَّا ثلاثًا، فقد

стр. 7108

سَبَقَه الأوَّلُ، ولا يَحْتاجُ إلى رَمْى العاشِرِ؛ لأنّ أكثرَ ما يَحْتَمِلُ أنَّه يُصِيبُ به، ولا يُخْرِجُه ذلك عن كَوْنِه مَسْبوقًا. الضَّرْبُ الثانِى، أَنْ يُقوَلا (١٨): أيُّنا فَضَلَ صاحِبَه بإصابَةٍ أو إصابَتَيْن أو ثلاثٍ من عِشْرِين رَمْيَةً (١٩)، فقد سبَقَ. ويُسَمَّى مُفاضَلَةً ومُحاطَّةً؛ لأنَّ ما تَساوَيا فيه من الإِصابَةِ مَحْطوطٌ غيرُ مُعْتَدٍّ به. ويلزَمُ إكمالُ الرِّشْقِ إذا كان فى إتْمامِه فائِدَةٌ، فإذا قالا: أيُّنا فَضَلَ صاحِبَه بثلاثٍ، فهو سابِقٌ. فرَمَيا اثْنَتَىْ عشرةَ رَمْيَةً، فأصابَها أحدُهما، وأَخْطَأها الآخَرُ كُلَّها، لم يَلْزَمْ إتْمامُ الرِّشْقِ؛ لأنَّ أكثرَ ما يَحْتَمِلُ أَنْ يُصِيبَ الآخرُ الثمانِىَ الباقِيَةَ، ويُخْطئهَا الأَوَّلُ، ولا يَخْرُجُ الأوَّلُ بهذا عن كَوْنِه سابقًا. وإِنْ كان الأوَّلُ إنما أصابَ من الاثْنَتَى عشرةَ عَشرًا، لَزِمَهما أَنْ يَرْمِيَا الثالِثَةَ عشرةَ، فإنْ أصاباها، أو أَخْطآ، أو أصابَها الأَوَّلُ وَحْدَه. فقد سَبَقَ، ولا يَحْتاجُ إلى إتْمامِ الرِّشْقِ. وإِنْ أصابَها الآخرُ، وأَخْطَأَها الأَوَّلُ، فعليهما أَنْ يَرْمِيَا الرابعَةَ عشرةَ، والحكم فيها وفيما بعدَها، كالحُكْمِ فى الثالِثَةِ عشرةَ، وأنَّه مَتَى أصاباها، أوَ أخْطآ، أو أصابَها الأوّلُ، فقد سَبَقَ، ولا يَرْميان ما بعدَها. وإِنْ أصابَها (٢٠) الآخرُ وَحْدَه، رَمَيا ما بَعْدَها. وهكذا كُلُّ مَوْضِعٍ كان فى إتْمامِ الرِّشْقِ فائِدَةٌ لأحَدِهما، لَزِمَ إتْمامُه، وإِنْ يئس من الفائِدَة، لم يلزمْ إتمامُه، فإذا بَقِىَ من العَدَدِ ما يُمْكِنُ أَنْ يَسْبِقَ أحدُهما به صاحِبَه، أو يُسْقِطَ أحدُهما به سَبْقَ صاحِبِه، لَزِمَ الإتْمامُ، وإلَّا فلا، فإذا كان السَّبْقُ يحْصُلُ بثلاثِ إصاباتٍ من عشرين، فرَمَيَا ثمانِىَ عشرةَ، فأخْطآها، أو أصاباها، أو تَساوَيا فى الإِصابَةِ فيها، لم يَلْزَمِ الإِتْمامُ (٢١)؛ لأنَّ أكثرَ ما يَحْتَمِلُ أَنْ يُصيبَ أحَدُهما هاتَيْن الرَّمْيَتَيْن، ويُخْطِئَهما الآخَرُ، ولا يَحْصُلُ السَّبْقُ بذلك. وكذلك إنْ فَضَلَ (٢٢) أحَدُهما الآخَرَ بخَمْس إصاباتٍ فما زادَ، لم يَلْزَمِ الإِتْمامُ؛ لأنَّ إصابةَ الآخَرِ بالسَّهْمَيْن الباقِيَيْن لا يُخْرِجُ الآخَرَ عن كَوْنِه فاضلًا بثلاثِ إصاباتٍ، وإِنْ لم يفْضُلْه إلَّا بأرْبَعٍ، رَمَيا السَّهمَ الآخِرَ، فإنْ أصابَه المَفْضُولُ وَحْدَه، فعليهما رَمْىُ الآخِرِ، فإنْ أصابَه المفْضُولُ أيضًا، سَقَطَ سَبْقُ الأَوَّلِ، وإِنْ أَخْطآ فى

стр. 7109

أحَدِ السَّهْمَيْنِ، أو أصَابَ الأَوّلُ فى أحَدِهما، فهو سابِقٌ. فصل: الثالثُ أَنْ يقُولا: أَيُّنا أصابَ خمسًا من عشرينَ، فهو سابِقٌ. فمتى أصابَ أحدُهما خمسًا من العشرين، ولم يُصِبْها الآخَرُ، فالأوَّلُ سابِقٌ، وإِنْ أصابَ كلُّ واحِدٍ منهما خَمْسَا، أو لم يُصِبْ واحدٌ منهما خَمْسًا، فلا سابِقَ فيهما. وهذه فى مَعْنَى المُحاطَّةِ، فى أنَّه يَلْزَمُ إتْمامُ الرَّشْقِ ما كان فى إتْمامِه فائِدَةٌ، وإِنْ (٢٣) خَلَا عن الفائِدَةِ، لم يَلْزَمْ إتْمامُه. ومَتَى أصابَ كلُّ واحِدٍ منهما خَمْسًا، لم يَلْزَمْ إتْمامُه، ولم يكُنْ فيهما سابِقٌ. وإِنْ رَمَيا سِتَّ عشرةَ رَمْيَةً، ولم يُصِبْ واحِدٌ منهما شيئًا، لم يَلْزَمْ إتْمامُه، ولا سابِقَ فيهما؛ لأنَّ أكثرَ ما يَحْتَمِلُ أَنْ يُصِيبَ أحدُهما الأرْبَعَةَ كلَّها، ولا يحْصُلُ السَّبْقُ بذلك. واخْتَلَفَ أصحابُنا، فقال أبو الخَطَّاب: لابُدَّ من معرِفَةِ الرَّمْى، هل هو مُبادَرَةٌ أو مُحاطَّةٌ أو مُفاضَلَةٌ؟ لأنَّ غَرَضَ الرُّماةِ يخْتلِفُ؛ فمنهم مَنْ تَكْثُرُ إصابَتُه فى الابْتِداءِ دونَ الانْتِهاءِ، ومنهم مَن هو بالعَكْسِ، فوَجَبَ بيانُ ذلك، لِيَعْلَمَ ما دَخَلَ فيه. وظاهِرُ كلامِ القاضِى، أنَّه لا يُحْتاجُ إلى اشْتراطِ ذلك؛ لأنَّ مُقْتَضَى النِّضالِ المُبادَرَةُ، وأن مَنْ بادَرَ إلى الإِصابَةِ فهو السَّابِقُ؛ فإنَّه إذا شرطَ أَنَّ السَّبْقَ لمَنْ أصابَ خَمْسَةً من عشرين، فسَبَقَ إليها واحِدٌ، فقد وُجِدَ الشَّرْطُ. ولأصحابِ الشافِعِىِّ وَجْهان، كهذَيْن. فصل: فإنْ شَرَطَا إصابَةَ موضِعٍ من الهَدَفِ، على أَنْ يُسْقِطَ ما قَرُبَ من إصابَةِ أحدِهما ما بَعُدَ من إصابَةِ الآخَرِ، ففعَلَ، ثم فضَلَ أحدُهما الآخَرَ بما شَرَطاهُ، كان سابِقًا. ذَكَرَهُ القاضِى. وهو مذهبُ الشافِعِى؛ لأنَّ هذا نوعٌ من المُحاطَّةِ، فإذا أصابَ أحَدُهما مَوْضِعًا بَيْنَه وبينَ الغَرَض شِبْرٌ، وأصابَ الآخرُ مَوْضِعًا بينَه وبينَ الغَرَض أقَلُّ من شِبْرٍ، أسقَط الأوَّلَ، وإِنْ أصابَ الأوّلُ الغَرَضَ، أسْقَطَ الثانِىَ، فإنْ أصابَ الثانِى الدائِرَةَ التى فى الغَرَضِ، لم يُسْقِطْ به الأوَّلَ؛ لأنَّ الغَرَضَ كلَّه (٢٤) موضِعٌ للإصابَةِ (٢٥)، فلا يفضُلُ

стр. 7110

أحدُهُما صاحِبَه إذا أصاباهُ جميعًا، إلَّا أَنْ يشْترطَا (٢٦) ذلك. وإِنْ شَرَطَا أَنْ يَحْسِبَ كلُّ واحدٍ منهما (٢٧) خاسِقَه بإصابَتَيْن، جازَ؛ لأنَّ أحدَهُما لم يفْضُلْ صاحِبَه فى شىءٍ، فقد اسْتَوَيا. فصل: والسُّنَّةُ أَنْ يكونَ لهما غَرَضان يَرْمِيان أحَدَهما، ثم يَمْضِيان إليه، فَيَأْخُذان السِّهامَ يَرْمِيان الآخَرَ؛ لأنَّ هذا كان فِعْلَ أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "مَا بَيْنَ الغَرَضَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ" (٢٨). وقال إبراهيمُ التَّيْمِىُّ: رأيتُ حذيفَةَ يشتدُّ بين الهَدَفَيْنِ يقول: أنابِها، [أنابِها] (٢٩). فى قميصٍ. وعن ابنِ عمَرَ مثلُ ذلك (٣٠). والهدَفُ ما يُنْصَبُ الغَرَضُ عليه، إمَّا تُرابٌ مجموعٌ، وإما حائِطٌ. ويُرْوَى [أَنَّ أصحابَ رسولِ اللَّه ﷺ ] (٣١) كانُوا يشتدُّون بينِ الأغْراضِ، يضْحَكُ بعضُهم إلى بَعْضٍ، فإذا جاءَ الليلُ كانُوا رُهْبانًا. فإنْ جَعَلُوا غَرَضًا واحدًا، جازَ؛ لأنَّ المقصودَ يحْصُلُ به، وهو عادَةُ أهْلِ عَصْرِنَا. ولابُدَّ فى المُناضَلَةِ أَنْ يبتَدِئ أحدُهما بالرَّمْىِ؛ لأنَّهما لو رَمَيَا معًا، أفْضَى إلى الاخْتلافِ، ولم يُعْرَف المُصِيبُ منهما. فإنْ كان المُخْرِجُ أجْنَبِيًّا، قُدِّمَ مَنْ يخْتارُه منهما، فإنْ لم يخْتَرْ وتَشاحَّا، أُقْرِعَ بينهما، وأيُّهما كان أحَقَّ بالتَّقديم فبدَرَه الآخرُ فرَمَى، لم يُعْتَدّ له بسَهْمِه، أصابَ أو أخطأَ. وإذا بدأَ أَحدُهُما فى وجْهٍ، بَدَأَ الآخَرُ فى الثانِى، تَعْدِيلًا بينهما. وإِنْ شَرَطَا البداءةَ لأحَدِهما فى كلِّ الوُجُوهِ، لم يصِحَّ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ المُناضَلَةِ على المُساواةِ، وهذا تَفاضُلٌ، فإنْ فُعِلَ ذلك من غيرِ شَرْطٍ باتِّفاقٍ منهما، جازَ؛ لأنَّ الْبَداءةَ لا أَثَرَ لها فى الإِصابَةِ، ولا فى تَجْويدِ (٣٢) الرَّمْى، وإِنْ شُرِطَ (٣٣) أَنْ يَبْدَأَ كلُّ واحِدٍ منهما من وَجْهَيْن مُتوالِيَيْن، جازَ؛ لتَساوِيهمَا.
следующие страницы →