← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

يا رسولَ اللهِ قد عُلِّمْنَا كيف نُسَلِّمُ عليك، فكيفَ نُصَلِّى عليك؟ قال: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). ورَوَى الأثرَمُ عن فَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو في صلاتِهِ لم يُمَجِّدْ رَبَّهُ، ولم يُصَلِّ على النَّبِيِّ ﷺ ، فقالَ النَّبِىُّ ﷺ : "عَجِلَ هَذَا". ثم دَعَاهُ النبيُّ ﷺ فقالَ: "إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بتَمْجِيدِ (٨) رَبِّهِ والثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النبيِّ ﷺ ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ". (٩) ولأنَّ الصَلاةَ عِبَادَةٌ شُرِطَ فيها (١٠) ذِكْرُ اللهِ تعالَى بِالشَّهَادَةِ، فشُرِطَ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ ، كالأذانِ. فأمَّا حديثُ ابْنِ مسعودٍ، فقالَ الدَّارَقُطْنِىُّ: الزِّيادَةُ فيهِ مِنْ كلامِ ابْنِ مسعودٍ (١١). فصل: وصِفَةُ الصلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ كما ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ، لِما ذكرْنا (١٢) مِن

стр. 737

حديثِ كَعْبِ بن عُجْرَة، وقد رَوَاهُ النَّسَائِىُّ كذلك، إلَّا أنَّهُ قالَ: "كَما صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وآلِ إبْرَاهِيمَ"، و"كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وآلِ إبْرَاهِيمَ". وفِي رِوَايَةٍ: "كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"، و"كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفى رِوَايَةِ [أبي مسعود] (١٣): "كَمَا صَلَّيْتَ [عَلَى إبْرَاهِيمَ، ] (١٤) وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ [عَلَى إبْراهيمَ] (١٤)؛ في العَالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٥). وعن أبِى حُمَيْدٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى أَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِه, كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى أَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ. كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". رَوَاهُ البخارِىُّ (١٦). والأَوْلَى أنْ يأتِىَ بِالصَّلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ على الصِّفَةِ التي ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ. لأنَّ ذلكَ في (١٧) حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، وهو أَصَحُّ حديثٍ رُوِىَ فيها. وعلى أيِّ صِفَةٍ أَتَى بالصلاةِ عليه مِمَّا وَرَدَ في الأَخْبَارِ، جَازَ، كقولِنَا في التَّشَهُّدِ، وظَاهِرُهُ أنَّه إذَا أخَلَّ بِلَفْظٍ سَاقِطٍ في بعضِ الأخبارِ، جازَ؛ لأنَّه لو كان واجبًا لما أَغْفَلَهُ النَّبِىُّ ﷺ . قال القاضي أبو يَعْلَى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أَنَّ الصلاةَ واجِبةٌ على النَّبِىِّ ﷺ حَسْبُ؛ لقولِهِ في خَبَرِ أبي زُرْعَة: الصلاةُ على النَّبِيِّ ﷺ أَمْرٌ، مَنْ تَرَكَهَا أعَادَ الصلاةَ، ولم يَذْكُر الصلاةَ على آلِه. وهذا مذهب الشافعىِّ. ولَهُمْ في وُجُوبِ الصّلاةِ على آلِه وَجْهَانِ. وقال بعضُ أصحابِنَا: تَجِبُ الصلاةُ على الوجهِ الذي في خَبَرِ كَعْبٍ؛ لأَنَّه أمَرَ بِه، والأَمْرُ يَقْتَضِى

стр. 738

الوجوبَ. والأَوَّلُ أوْلَى، والنَّبِىُّ ﷺ إنَّمَا أمَرَهُمْ بهذا حِينَ سَأَلُوهُ تَعْلِيمَهُم، ولم يَبْتَدِئْهم به. فصل: آلُ النَّبِيِّ ﷺ : أَتْبَاعُهُ على دينِه، كما قال اللَّه تعالَى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ (١٨). يَعْنِى أتْبَاعَه مِن أهْلِ دينِه. وقد جاءَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه سُئِلَ: مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ فقالَ: "كُلُّ تَقِىٍّ". أخْرَجَهُ تَمَّامٌ في "فوائدِه" (١٩). وقِيلَ آلُهُ: أهلُهُ، الهَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عن الهَمْزَةِ، كما يُقَالُ: أرَقْتُ الماءَ وهَرَقْتُهُ. فلو قال: وعلى أهْلِ مُحَمَّدٍ، مكانَ آلِ مُحَمَّدٍ، أجزأَهُ عندَ القاضي، وقال: مَعْنَاهُمَا واحِدٌ، ولذلكَ لو صُغِّرَ، قِيل: أُهَيْلٌ: قال. ومَعْنَاهما جميعًا أهلُ دينِه. وقال ابْنُ حامدٍ، وأبو حَفْصٍ: لا يُجْزِىءُ؛ لِما فيهِ مِن مُخَالَفَةِ لفظِ الأثرِ، وتَغْيِيرِ المعنى، فإِنَّ الأهلَ إنَّمَا يُعَبَّرُ به عن القَرَابَةِ، والآلَ يُعَبَّرُ بهِ عن الأتْبَاعِ في الدِّينِ. فصل: وأمَّا تَفْسِيرُ التَّحِيَّاتِ، فرُوِىَ عن ابْنِ عباسٍ، قال (٢٠): التَّحِيَّةُ العظمةُ، والصَّلواتُ الصلواتُ الخَمْسِ، والطَّيِّبَاتُ الأعمالُ الصالحةُ. وقال أبو عمرٍو (٢١): التَّحِيَّاتُ المُلْكُ. وأنْشَدُوا (٢٢): وَلَكُلُّ مَا نَالَ الفَتَى ... قَدْ نِلْتُهُ إلَّا التَّحِيَّهْ وقالَ بعضُ أهلِ اللُّغَةِ: التَّحِيَّةُ البقاءُ. واسْتَشْهَدَ بهذَا البَيْتِ. وقال ابْنُ الأنْبارِىِّ (٢٣): التَّحِيَّاتُ السَّلَامُ، والصَّلَوَاتُ الرَّحْمَةُ، والطَّيِّبَاتُ من الكلامِ.

стр. 739

فصل: والسُّنَّةُ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يكنْ يَجْهَرُ به، إذْ لو جَهَرَ بهِ لَنُقِلَ كما نُقِلَتِ القراءةُ. وقال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: مِنَ السُّنَّةِ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ. رَوَاهُ أبو داوُد (٢٤). ولِأنَّهُ ذِكْرٌ غيرُ القراءَةِ لا ينْتَقِلُ به مِنْ رُكْنٍ إلى رُكْنٍ، فاسْتُحِبَّ إخْفاؤُه، كالتَّسْبِيحِ، ولا نعلَمُ في هذا خِلافًا. فصل: ولا يَجُوزُ لِمنْ قَدَرَ على العربِيَّةِ التَّشَهُّدُ والصلاةُ على النَّبِيِّ ﷺ بغَيْرِها؛ لِما ذَكَرْنا في التَّكْبِيرِ. فإنْ عجزَ عن العربيَّةِ تَشَهَّدَ بلِسَانِهِ، كقَوْلِنا في التَّكْبِيرِ، ويجِىءُ على قَوْلِ القَاضى أنْ لا يَتَشَهَّدَ، وحُكْمُهُ حُكْمُ الأَخْرَسِ. ومَن قَدَرَ على تَعَلُّمِ التَّشَهُّدِ والصَّلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ لزِمَهُ ذلك؛ لأنَّه منْ فُرُوضِ الأعْيانِ، فَلَزِمَهُ كالقراءَةِ. فإنْ صلَّى قبلَ تَعَلُّمِهِ مع إمْكَانِه، لم تَصِحَّ صلاتُه. وإنْ خافَ فَوَاتَ الوقتِ، أو عَجَزَ عن تَعَلُّمِهِ، أتَى بِمَا يُمْكِنُه منه، وأجْزَأَه؛ للضَّرُورَةِ. وإنْ لمْ يُحْسِنْ شيئًا بالكُلِّيَّةِ، سَقَطَ كُلُّه. فصل: وَالسُّنَّةُ تَرْتِيبُ التَّشَهُّدِ، وتَقْدِيمُهُ على الصلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ ، فإنْ لم يَفْعَلْ، وأتَى به مُنَكَّسًا مِن غيرِ تَغْيِيرِ شيءٍ مِنْ مَعانِيه، ولا إخْلَالٍ بِشىءٍ مِن الواجبِ فيه، ففيه وَجْهَانِ: أحَدُهما يُجْزِئُه. ذكَرَهُ القاضي. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ المَعْنَى، وقد حَصَلَ، فَصَحَّ كما لو رَتَّبَه. والثانى لا يصِحُّ؛ لأنَّه أَخَلَّ بالتَّرْتِيبِ في ذِكْرٍ وَرَدَ الشرعُ بهِ مُرَتَّبًا، فلم يَصِحَّ كالأذانِ. ١٧٩ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ أنْ يَتَعَوَّذَ مِنْ أرْبَعٍ. فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، أعُوذُ باللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، أَعُوذُ باللهِ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، أعُوذُ باللهِ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ .) وذلكَ لِما رَوَى أبَو هُرَيْرةَ، قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يدْعُو (١): "اللَّهُمَّ إنِّي

стр. 740

أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولمُسْلِمٍ: "إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ أَرْبَعٍ". وذَكَرَه (٢). ١٨٠ - مسألة؛ قال: (وإنْ دَعَا في تَشَهُّدِهِ بمَا ذُكِرَ في الأَخْبَارِ فَلَا بَأْسَ) وجُمْلَتُهُ أنَّ الدعاءَ في الصَّلاةِ بِما وَرَدَتْ بهِ الأَخبارُ جائِزٌ. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللَّه: إنَّ هؤلاءِ يقولون: لا يَدْعُو في المكتوبةِ إلَّا بما في القرآنِ. فَنَفَضَ يدهُ كالمُغْضَبِ، وقال: مَنْ يَقِفُ على هذا، وقد تَوَاتَرَتِ الأحادِيثُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بِخِلَافِ ما قالُوا! قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إذا جَلَسَ في الرَّابِعَةِ يَدْعُو بعدَ التَّشَهُّدِ بما شاء؟ قالَ: بِما شَاءَ لا أدْرِى، ولكنْ يَدْعُو بما يَعْرِفُ وبما جاءَ. فقُلْتُ: على حديثِ عمرِو بنِ سَعْدٍ، قالَ: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ، يقولُ: إذا جَلَسَ أحَدُكُمْ في صَلاتِهِ، وذَكَرَ التَّشَهُّدَ، ثم لْيَقُلْ: "اللَّهُمَّ إنَّى أَسْأَلُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ ومَا لَمْ أَعْلَمْ. اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، رَبَّنا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا

стр. 741

اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا، وكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ، رَبَّنَا وآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ، إنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ". رَوَاهُ الأثرَمُ. وعن عبدِ اللهِ قَالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنا التَّشَهُّدَ، كما يُعَلِّمُنا السورةَ مِنَ القُرْآنِ، قالَ: وعَلَّمَنَا أنْ نقولَ: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، واهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وأخْرِجْنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَاصْرِفْ عَنَّا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا في أَبْصَارِنَا وأَسْمَاعِنَا وقُلُوبِنَا وأَزْوَاجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ (١)، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِيهَا، وأَتِمَّهَا (٢) عَلَيْنَا"، رَوَاهُ أبو داوُد (٣). وعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق رَضِىَ اللهُ عنه أنَّهُ قالَ لرسولِ اللهِ ﷺ : علِّمْنِى دُعَاءً أدْعُو بِهِ فِي صلاتِى. قال: "قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِى ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِى مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِى، إنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ" مُتَّفَقٌ عليه. (٤). وعن أبِى هُرَيْرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ: "مَا تَقُولُ في الصَّلَاةِ؟ " قال: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللهَ الجَنَّةَ، وأعوذُ بهِ مِنَ النَّارِ، أما واللهِ ما أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ (٥)، ولا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ. فقال: "حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ". رَوَاهُ أبو داوُد (٦). وفي حديثِ جَابِرٍ، أَنَّ

стр. 742

النَّبِىَّ ﷺ عَلَّمَهُم التَّشَهُّدَ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ: "أَسْأَلُ اللهَ الجَنَّةَ، وأَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ" (٧). وقولُ الْخِرَقِىِّ: بِما ذُكِرَ في الأَخْبَارِ. يَعْنِى أخبارَ النَّبِيِّ ﷺ وأصحابِه والسَّلَفِ، رَحْمَةُ اللهِ عليهمْ؛ فإِنَّ أحمدَ ذَهَبَ إلى حديثِ ابْنِ مسعودٍ في الدُّعاءِ، وهوَ مَوْقُوفٌ عليه، وقال: يَدْعُو بما جَاءَ وبما يَعْرِفُ. ولم يُقَيِّدْهُ بِما جاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ . وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سَمِعْتُ أبِى يقولُ في سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ كما صُنْتَ وَجْهِى عن السُّجودِ لغَيْرِكَ فَصُنْ وجهِى عن المَسْأَلَةِ لِغَيْرِكَ. وقال: كان عبدُ الرَّحمنِ يقولُه في سُجودِه. وقال: سَمِعْتُ الثورِيَّ يقولُه في سُجودِه. فصل: ولا يجُوزُ أنْ يَدْعُوَ في صلاتِه بما يَقْصِدُ بهِ مِنْ مَلاذِّ الدُّنْيَا وشَهوَاتِها، بِما يُشْبِهُ كلامَ الآدَمِيِّينَ وأمانِيهمْ، مثْل: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِى جاريَةً حَسْنَاءَ، ودارًا قَوْرَاءَ (٨)، وطعامًا طيِّبًا، وبُسْتَانًا أَنيقًا. وقال الشافعيُّ: يَدْعُو بِما أحَبَّ؛ لقولِهِ ﷺ ، في حديثِ ابْنِ مسعودٍ، في التَّشَهُّدِ: "ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أعجَبَهُ إلَيْهِ". مُتَّفَقٌ عليهِ (٩). ولِمُسْلِمٍ: "ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ المَسْأَلَةِ مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ" (٩). وفِي حديثِ أبِى هريرةَ: "إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ أَرْبَعٍ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ" (١٠). ولَنا، قولُهُ ﷺ : "إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كلامِ النَّاسِ (١١)، إنَّمَا هِىَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وقِرَاءَةُ القُرْآنِ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١٢). وهذا مِنَ كَلَامِ الآدَمِيِّينَ، ولأنَّه كلامُ آدَمِىٍّ يتَخاطَبُ (١٣) بِمِثْلِهِ، أَشْبَهَ

стр. 743

تَشْمِيتَ العاطِسِ، وَرَدَّ السلامِ، والخَبَرُ محمولٌ على أنَّه يَتَخَيَّرُ من (١٤) الدعاءِ المَأْثُورِ وما أشْبَهَهُ. فصل: فأمَّا الدُّعاءُ بِما يَتَقَرَّبُ بهِ إلى اللَّه ممَّا ليس بمأْثُورٍ، ولا يَقْصِدُ به مَلاذَّ الدُّنْيَا، فَظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ وجماعةٍ مِن أصحابِنا أنَّه لا يجُوزُ، ويَحْتَمِلُه كلامُ أحمدَ؛ لقولِهِ (١٥): ولكنْ يَدْعُو بما جاءَ وبما يَعْرِفُ. وحكى عنهُ ابْنُ المُنْذِرِ، أنه قال: لا بأسَ أنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ بِجَمِيعِ حَوائِجِهِ؛ مِن حوائِجِ دُنْيَاهُ وآخِرَتِه. وهذا هو الصَّحيحُ، إنْ شاء اللَّه تعالى؛ لِظَوَاهِرِ الأحادِيثِ، فإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ"، وقَوْلُهُ: "ثُمَّ يَدْعُو (١٦) لِنَفْسِه بِمَا بَدَا لَهُ". وقَوْلُه: "ثُمَّ يَدْعُو (١٦) بَعْدُ بِمَا شَاءَ". وَرُوِىَ عن أنَسٍ، قال: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْم إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ: عَلِّمْنِى دُعَاءً أَدعُو بِهِ في صلاتِى. فقالَ: "احْمَدِى اللهَ عَشْرا، وسَبِّحِى اللهَ عَشْرا، ثُمَّ سَلِى مَا شِئْتِ". يَقُولُ: "نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ". رَوَاهُ الأثْرَمُ، ولأنَّ أصْحابَ النبيِّ ﷺ كانُوا يَدْعُونَ في صلاتِهم بما لم يَتَعَلَّمُوه، فلم يُنْكِرْ عليهم النَّبِىُّ ﷺ ، ولهذا لمَّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلرَّجُلِ: "مَا تَقُولُ فِي صَلَاتِكَ؟ " قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثم أسألُ اللهَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بهِ مِن النَّارِ. فَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ ﷺ في دُعَائِه ذلك مِنْ غَيْرِ أنْ يكونَ عَلَّمَهُ إِيَّاه، ولَمَّا قَالَ النبيُّ ﷺ : "أمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ" (١٧). لم يُعَيِّنْ لهم ما يَدْعُونَ به، فيَدُلُّ (١٨) على أنه أباحَ لهم كُلَّ الدُّعَاءِ، إلَّا ما خرجَ منه بالدَّلِيلِ في الفَصْلِ الذي قبلَ هذا، وقد رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها كانتْ إذا قرأَتْ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا

стр. 744

عَذَابَ السَّمُومِ﴾ (١٩). قالتْ: مُنَّ عَلَيْنَا، وقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٠). وعن جُبَيْر بن نُفَيْرٍ (٢١)، أنَّهُ سَمِعَ أبَا الدَّرْدَاءِ، وهو يقولُ في آخِرِ صلاتِهِ، وقد فَرَغَ مِن التَّشهُّدِ: أعُوذُ باللهِ مِن النِّفَاقِ. ولأَنَّهُ دُعَاءٌ يَتَقَرَّبُ به إلى اللهِ تعالى، فأَشْبَهَ الدُّعَاءَ المَأْثُورَ. فصل: وهل يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ لإِنْسانٍ بِعَيْنِهِ في صلاتِهِ؟ على رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهما يجوزُ. قال المَيْمُونِىُّ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يقولُ لابْنِ الشَّافِعىِّ (٢٢): أنا أدْعُو لقومٍ مُنْذُ سِنِينَ في صَلاتِى؛ أبوك أحَدُهم. وقد رُوِىَ ذلك عن عَلِىٍّ، وأبى الدَّرْدَاءِ، واخْتَارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في قُنوتِه: "اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ، وعَيَّاشَ بنَ أبى رَبيعَةَ، وسَلَمةَ بنَ هِشَامٍ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ" (٢٣). ولأنَّه دُعاءٌ لبعضِ المُؤمنين. فأشْبَهَ ما لو قال: "رَبّ اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ". والأُخْرَى

стр. 745

لا يَجُوزُ. وكَرِهَهُ عطاءٌ والنَّخَعِىُّ؛ لشَبَهِهِ بكلامِ الآدَمِيِّينَ، ولأنَّه دُعَاءٌ لِمُعَيَّنٍ، فلم يَجُزْ، كتَشْمِيتِ العاطِسِ، وقد دلَّ على المَنْعِ مِن تَشْمِيتِ العاطِسِ حديثُ مُعَاوِيَةَ بن الحَكَم السُّلَمِىِّ (٢٤). فصل: ويُسْتَحَبُّ للمُصَلِّى نَافِلَةً إذا مَرَّتْ بهِ آيَةُ رَحْمَةٍ أنْ يَسْألَها، أو آيةُ عذابٍ أنْ يَسْتَعِيذَ منها؛ لما رَوَى حُذَيْفَةُ، أنه صَلَّى مع النَّبِيِّ ﷺ ، فكانَ يقولُ في ركوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّىَ العَظِيمُ، وفى سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى"، وما مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ عندَهَا وسألَ، ولا بآيَةِ عذابٍ إلا وقفَ عندَها فَتَعَوَّذَ (٢٥). رَوَاهُ أبو داوُد (٢٦). وعن عَوْفِ بنِ مالكٍ، قال: قُمْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةً، فقامَ فقرأَ سورةَ البَقَرَةِ، لا يَمُرُّ بآيةِ رَحْمَةٍ إلا وَقَفَ فسأَلَ، ولا يَمُرُّ بآيَةِ عذابٍ إلَّا وقفَ فَتَعَوَّذَ. قال: ثم ركع بِقَدْرِ قِيَامِهِ، يقولُ في رُكوعِهِ: "سُبْحَانَ ذى الجَبَرُوتِ والمَلَكُوتِ. والكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ". رَوَاهُ أبو داوُد (٢٧). ولا يُسْتَحَبُّ

стр. 746

ذلك في الفَرِيضَةِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبِىِّ ﷺ في فَرِيضَةٍ، مع كَثْرَةِ مَنْ وصَفَ قراءَتَه فيها. فصل: ويُسْتَحَبُّ للْإِمامِ أنْ يُرَتِّلَ القراءَةَ والتَّسْبِيحَ والتَّشَهُّدَ بقَدْرِ ما يَرَى أنَّ مَنْ خَلْفَهُ ممَّن يَثْقُلُ لسَانُهُ قد أتَى عليه، وأنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ رُكوعِهِ وسُجودِهِ، قَدْرَ ما يَرَى أنَّ الكَبِيرَ والصَّغِيرَ والثَّقِيلَ قد أتَى عليه. فإِنْ خَالَفَ وأتى بقَدْرِ ما عليهِ، كُرِهَ وأجْزَأَه. ولا يُسْتَحَبُّ له التَّطْوِيلُ كثيرًا، فَيَشُق على (٢٨) مَنْ خلْفَه؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ" (٢٩). وأَمَّا المُنْفَرِدُ فلهُ الإِطالَةُ في ذلك كُلِّهِ، ما لم يُخْرِجْهُ إلى حالٍ يَخَافُ السَّهْوَ، فَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عليه، فقدْ رُوِىَ عن عَمَّارٍ، أنَّه صَلَّى صلاةً أوْجَزَ فيها، فقِيل له في ذلك، فقال: أنا أُبَادِرُ الوَسْوَاسَ. ويُسْتَحَبُّ للْإِمَامِ إذَا عَرَضَ في الصلاةِ عارِضٌ لبَعْضِ المأمومِينَ، يَقْتَضِى خُرُوجَهُ، أنْ يُخَفِّفَ؛ فقد جاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ فَأَتَجَوَّزُ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ". رَوَاهُ أبو داوُد (٣٠). ١٨١ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمينِهِ، فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ. وعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ .) وجُمْلَتُهُ أنَّه إذا فَرَغَ مِنْ صلاتِهِ، وأرادَ الخُرُوجَ منها، سَلَّمَ عن يَمِينِهِ وعَنْ يَسَارِهِ، وهذا التَّسْلِيمُ واجبٌ لا يَقُومُ غيرُه مَقامَهُ. وبِهذا قالَ مالكٌ، والشافعيُّ.

стр. 747

وقال أبو حنيفةَ: لا يَتَعَيَّنُ السلامُ للْخُرُوجِ مِن الصلاةِ، بلْ إذَا خرَجَ بِما يُنَافِى الصلاةَ مِنْ عَمَلٍ أو حَدَثٍ أو غيرِ ذلك، جازَ، إلَّا أنَّ السلامَ مَسْنُونٌ، وليس بواجِبٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُعَلِّمْهُ المُسِىءَ في صلاتِه، ولو وَجَبَ لأمَرَهُ به، لأنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجةِ، ولأنَّ إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ غيرُ واجِبَةٍ، فكذلكَ الأُخْرَى. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" (١) ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كانَ يُسَلِّمُ مِنْ صلاتِهِ (٢)، ويُديمُ ذلكَ ولَا يُخِلُّ بهِ، وقد قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى" (٣). ولأنَّ الحَدَثَ يُنَافِى الصلاةَ، فلا يَجِبُ فيها، وحديثُ الأعْرابِىِّ أجَبْنَا عنه فيما مَضَى. فصل: ويُشْرَعُ أنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ عن يَمِينِه ويَسَارِه. رُوِىَ ذلك عن أبي بكرٍ الصَّدِّيق، وعلىٍّ، وعمَّارٍ، وابْنِ مسعودٍ، رضىَ اللهُ عنهم. وبه قال نافِعُ بنُ عبدِ الحَارِثِ (٤)، وعَلْقَمَة، وأبو عبدِ الرحمنِ السُّلَمِىُّ (٥)، وعطاءٌ، والشعبىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وقالَ ابْنُ عمر، وأنَسٌ، وسَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ (٦)، وعائشةُ، والحسنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالكٌ، وَالأوزَاعِىُّ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً. وقال عَمَّارُ بنُ أبى

стр. 748

عَمَّارٍ (٧): كانَ مسجِدُ الأنصارِ يُسلِّمون فيهِ تَسْليمتَيْن، وكانَ مسجِدُ المُهاجِرينَ يُسَلِّمُونَ فيه تَسْلِيمَةً. [ولِمَا رَوَتْ] (٨) عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِه. وعن سَلَمةَ بن الأكْوَعِ قالَ: "رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى (٩) فَسَلَّمَ مَرَّةً (١٠) واحدَةً"، رَواهُما ابْنُ ماجَه (١١). ولأنَّ التَّسْلِيمَةَ الأُولَى قد خرجَ بها مِن الصلاةِ، فلم يُشْرَعْ ما بعدَها كالثَّالثة (١٢). ولَنا، ما رَوَى ابنُ مسعودٍ، قال: رأيتُ النَّبِىَّ ﷺ يُسَلِّمُ حتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، عن يَمِينِهِ ويَسَارِهِ. وعن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: "إنَّمَا يَكْفِى أحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وشِمَالِهِ". رَواهما مُسْلِمٌ (١٣). وفى لفظٍ لحديثِ ابْنِ مسعودٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُسَلِّمُ عن يَمِينِهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ"، وعن يَسَارِهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ". قَالَ التِّرْمِذِىُّ: حديثُ ابْنِ مسعودٍ حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. وحديثُ عائشةَ يَرْوِيهِ

стр. 749

زُهَيْرُ بنُ مُحَمَّدٍ (١٤). وقال البُخَارِىُّ: يَرْوِى مَنَاكِيرَ (١٥)، وقال أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ: هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وسأل الأثْرَمُ أحمدَ عن هذا الحديثِ؟ فقال: (١٦) يقولُ هشامٌ (١٧): كَان يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً يُسْمِعُنَا. قيل له: إنهم مُخْتَلِفُونَ فيه عن هشامٍ، وبَعْضُهُم يقول: تَسْلِيمًا. وبعضُهم يقولُ: تَسْلِيمَةً. قال: هذا أجْودُ. فقد بَيَّنَ أحمدُ أنَّ معنَى الحديثِ يَرْجِعُ إلى أنَّه يُسْمِعُهم التَّسْلِيمَةَ الواحدَةَ، ومَنْ رَوَى: تَسْلِيمًا. فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّه يَقَعُ على الواحِدَةِ والثِّنْتَيْنِ. على أنَّ أحادِيثَنا تَتَضَمَّنُ زِيَادَةً على أحادِيثِهِم، والزِّيَادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. ويَجُوزُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَ الأمْرَيْنِ؛ لِيُبَيِّنَ الجائِزَ والمَسْنُونَ، ولأَنَّ الصلاةَ عِبَادةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وإحْلَالٍ، فجازَ أنْ يكونَ لها تَحَلُّلَانِ كالحَجِّ. فصل: والواجبُ تَسْلِيمَةٌ واحِدَةٌ، والثانِيَةُ سُنَّةٌ. قال ابْنُ المنذِرِ: أجْمعَ كلُّ منْ أحْفَظُ عنه مِنْ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ صلاةَ مَن اقْتَصَرَ على تَسْلِيمَةٍ واحِدَةٍ، جائِزَةٌ. وقال القاضي فيه روَاية أُخْرَى، أن الثانيةَ واجِبَةٌ. وقال: هي أصَحُّ؛ لحديثِ جابرِ بنِ سَمُرَةَ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَفْعَلُها ويُدَاوِمُ عليها، ولأنَّها عبَادَةٌ لها تَحَلُّلَانِ، فكانا واجِبَيْنِ، كَتَحَلُّلَىِ الحَجِّ، ولأنَّها إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ، فكانت واجِبَةً كالأُولَى. والصَّحِيحُ ما ذكرْناهُ. وليس نَصُّ (١٨) أحمدَ بصَرِيحٍ بوجوبِ التَّسْلِيمَتَيْنِ، إنَّما قال: التَّسْلِيمَتَانِ أصَحُّ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وحديثُ ابْنِ مسعودٍ وغيرِهِ أذهبُ إليه. ويجُوزُ أنْ يَذهبَ إليهِ في المَشْرُوعِيَّةِ والاستحبابِ، دُونَ

стр. 750

الإِيجَابِ كما ذهبَ إلى ذلك غيرُه، وقد دَلَّ عليهِ قولُهُ في روَايةِ مُهَنَّا: أعْجَبُ إلَىَّ التَّسْلِيمَتَانِ. ولأنَّ عائشةَ، وسَلَمةَ بنَ الأكْوَعِ، وسَهْلَ بنَ سعدٍ (١٩)، قد رَوَوْا: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحدَةً، وكان المُهَاجِرُونَ يُسَلِّمُونَ تسليْمَةً واحدةً ففِيما (٢٠) ذكَرْنَاهُ جَمْعٌ بين الأخْبارِ وأقْوالِ الصحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فِي أنْ يكونَ المَشْرُوعُ والمَسْنُونُ تَسْلِيمَتَيْنِ، والواجبُ واحدَةً، وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا الإِجماعُ الذي حَكَاهُ ابْنُ المنذِرِ، فلا مَعْدِلَ عنه، وفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ يُحْمَلُ على المَشْرُوعِيَّةِ والسُّنَّةِ؛ فإنَّ أكْثَرَ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ في الصلاةِ مَسْنُونَةٌ غيرُ واجِبَةٍ، فلا يَمْنَعُ حَمْلُ فِعْلِهِ لهذِهِ التَّسْلِيمَة على السُّنَّةِ عندَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عليها، واللهُ أعْلَمُ. ولأَنَّ التَّسْلِيمَةَ الواحدةَ يخْرُجُ بها مِن الصلاةِ، فلم يَجبْ عليهِ شيءٌ آخرُ فيها، ولأنَّ هذه صلاةٌ، فَتُجْزِئُه فيها تَسْلِيمَةٌ واحدَةٌ، [ولِأَنَّ هذه وَاحِدَةٌ] (٢١) كصلاةِ الجِنَازَةِ والنافِلَةِ. وأمَّا قولُهُ في حديثِ جَابِرٍ: "إنَّمَا يَكْفِى أَحَدَكُمْ" فإِنَّهُ يَعْنِى في إصَابَةِ السُّنَّةِ؛ بدلِيلِ أنَّه قالَ: "أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أخِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وشِمَالِهِ". وكُلُّ هذا غيرُ واجبٍ. وهذا الخلافُ الذي ذَكَرْنَاه في الصلاةِ المفرُوضَةِ، أمَّا صلاةُ الجِنَازَةِ، والنَّافِلَةِ، وسجودُ التِّلَاوَةِ، فلا خوفَ في أنَّه يَخْرُجُ منها بتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ. قال القاضي: هذا رِوَايَةً وَاحِدَةً. نَصَّ عليهِ أحمدُ في صلاةِ الجنازةِ وسجودِ التِّلَاوَةِ؛ ولِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لم يُسَلِّمُوا في صلاةِ الجنازةِ إلَّا تَسْلِيمَةً واحدةً. واللهُ أعْلمُ. فصل: والسُّنَّةُ أنْ يقولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ. لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُسَلِّمُ كذلك، في رِوَايَةِ ابْنِ مسعودٍ، وجابر بنِ سَمُرَةَ، وغيرِهِما. وقد رَوَى وائِلُ

стр. 751

ابْنُ حُجْرٍ، قال: "صلَّيْتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ فكانَ يُسَلِّمُ عن يَمِينِهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وَبرَكَاتُهُ". وعَنْ شِمَالِهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ". رَوَاه أبو داوُد (٢٢)، فإنْ قَالَ ذلكَ فحسنٌ، والأَوَّلُ أحسنُ؛ لِأنَّ رُوَاتَهُ أكثَرُ، وطُرُقَهُ أصَحُّ. فإنْ قال: السلامُ عليْكُمْ. ولم يَزِدْ. فَظَاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّهُ يُجْزِئُهُ. [قال القاضي: و] (٢٣) نصَّ عليهِ أحمدُ في صلاةِ الجِنَازَةِ. وهو مذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" (٢٤). والتَّسْليمُ (٢٥) يَحْصُلُ بهذا القَوْلِ. وقد رُوِىَ عن سعدٍ، قال: كُنْتُ أَرَى رسولَ اللهِ ﷺ يُسَلِّمُ عن يَمِينِهِ وشِمَالِهِ، حتَّى أرَى بَيْاضَ خَدِّهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ". رَوَاهُ أبو داوُد (٢٦)، ورَوَى عبدُ اللهِ بْنُ زيدٍ نحوَه عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وعن عَلِيٍّ، رضِىَ اللهُ عنه، أَنَّهُ كانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. رَوَاهُمَا سعيدٌ (٢٧). ولِأَنَّ ذكْرَ الرَّحْمَةِ تَكْرِيرٌ للثَّنَاءِ، فلم يَجِبْ. كقولِه: "وَبَرَكَاتُهُ"، وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الأصَحُّ أنَّه لا يُجْزِئُهُ؛ لأنَّ الصحِيحَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كانَ يقولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ" (٢٨) ولأنَّه سَلَامٌ في الصلاةِ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ، فلم يَجُزْ بِدُونِها،

стр. 752

كالسَّلامِ (٢٩) على النَّبِيِّ ﷺ في التَّشَهُّدِ. فصل: فإنْ نَكَّسَ السلام فقال: عليْكُم السلامُ. لم يُجْزِهِ. قالَ القاضي: فيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُجْزِىءُ. وهو قَوْلُ الشافعىِّ؛ لِأن المَقْصُودَ يَحْصُلُ، وليس هو (٣٠) بقُرْآنٍ يُعْتَبَرُ فيه (٣١) النَّظْمُ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَه مُرَتَّبًا، وأمَرَ به كذلك. وقال لأبي تَمِيمَةَ (٣٢): "لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ. فَإنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ المَوْتى". رَوَاهُ أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٣٣)، ولأنهُ ذِكْرٌ يُؤْتَى بهِ في أحدِ طرفَىِ الصلاةِ، فلم يَجُزْ مُنَكَّسًا، كالتَّكْبِيرِ. فصل: فإنْ قال: سلامٌ عَلَيْكُمْ: [مُنَكَّرًا مُنَوَّنًا، ففيه] (٣٤) وَجْهَانِ: أحدُهما، يُجْزِئُه. وهو مذْهَبُ الشافعىِّ؛ [لأنَّ التَّنوِينَ قامَ مَقَامَ الألفِ واللامِ، و] (٣٥) لأنَّ أكثرَ ما وَرَدَ في القُرْآنِ من السَّلامِ بغَيْرِ ألِفٍ ولَامٍ، كقولِه تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ (٣٦). وقَوْلِه: ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٣٧). وقولِه: ﴿وقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٣٨). ولِأنَّا أجَزْنا التَّشَهُّدَ بِتَشَهُّدِ ابْنِ عبَّاسٍ وأبى موسى، وفيهما: "سَلَامٌ عَلَيْكَ"، بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ، والتَّسْلِيمَتَانِ واحدٌ.

стр. 753

والآخَرُ، لا يُجْزِئُه (٣٩)؛ لأنَّه يُغَيِّرُ [صِيغَةَ السَّلامِ الوَارِدِ] (٤٠). ويُخِلُّ [بحرفٍ يقْتضِى الاسْتغْراق، فيتغيَّر المعنى، فلم يُجْزِئْ، كما لو أثْبت الّلام في التَّكْبير] (٤١). وقال [أبو الحسنِ] (٤٢) الآمِدِيُّ: لا فَرْقَ بين [أنْ يُنَوَّنَ التَّسْليمَ أو لا يُنَوِّنَه] (٤٣)؛ لأنَّ حذْفَ التَّنْوِينِ لا يُخِلُّ بالمَعْنَى؛ بدَلِيلِ ما لو وَقَفَ عليه. فصل: ويُسَنُّ أنْ يَلْتَفِتَ عن يمينِهِ في التَّسْلِيمَةِ الأُولَى، وعن يَسَارِه في الثَّانِيَةِ، كما جَاءَتِ السُّنَّةُ، [في حديثِ] (٤٤) ابن مسعودٍ، [وسعد، ووائِل، وجابر بن سَمُرَةَ، وغيرهم. وقال الإِمام أحمدُ: ثَبَتَ عندَنا، مِن غيرِ وَجْهٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه كان يُسَلِّم عن يَمِينِه وعن يسَاره حتى يُرَى بَياضُ خَدَّيْه] (٤٥). ويكون الْتِفَاتُه في الثانيةِ (٤٦) أوْفَى؛ لِمَا رَوَى [يحيَى بنُ مُحَمَّدٍ بنِ صاعِدٍ، بإسْنَادِهِ عنْ] (٤٧) عمارٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عن يَمِينِهِ، حتى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وإذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْمِن والأَيْسَرِ. ورواه أبو بكرٍ (٤٨)، بإسْنَادِهِ عن ابنِ مسعودٍ، [عن النَّبِيِّ ﷺ ] (٤٩). قالَ ابنُ عَقِيلٍ:

стр. 754

يبْتَدِىءُ بقولِه: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ" إلَى القِبْلَةِ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ (٥٠) عَنْ يَمِينِهِ ويَسَارِهِ، [في قوله: "ورحْمةُ اللهِ"] (٥١)؛ لقَوْلِ عائشةَ: كان النَّبِيُّ ﷺ يُسَلِّمُ تلْقَاءَ وجهِهِ (٥٢). معناهُ [أنَّ ابْتَداءَه بالتَّسْليمِ تِلْقاءَ وَجْهِه والْتِفاتهِ في أثْناء سلامهِ] (٥٣) فصل: رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀ [أنَّهُ يَجْهَرُ بالتَّسْلِيمَةِ الأُولَى، وتَكُونُ] (٥٤) الثَّانِيةُ [أَخْفَى مِنَ الأُولَى، يَعْنِى بذلِكَ في حَقِّ الإِمامِ. قالَ صَالِحُ بنُ عَلِيٍّ] (٥٥): سُئِلَ أحمدُ: أَيُّ التَّسْلِيمَتَيْنِ أَرْفَعُ؟ قال؛ الأُولَى. [وفِي لفظٍ قال، قال أبو عبدِ اللهِ: التَّسْلِيمَةُ الأولَى أَرْفَعُ مِنَ الأُخْرَى. قالَ القَاضِى أبو الحسيْنِ] (٥٥): واخْتارَ [هذه الرِّوايَةَ] (٥٦) أبو بَكْرٍ الخَلَّالُ، وأبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ. وحَمَلَ أحمدُ حديثَ عائشةَ. أنَّه كان يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحدَةً، على أنَّهُ كانَ يَجْهَرُ بواحدةٍ، فتُسْمَعُ منه. والمعْنَى في ذلك، أنَّ الجَهْرَ في غيرِ القراءَةِ إنَّمَا شُرعَ (٥٧) للإِعلامِ بالانْتِقالِ مِن رُكْنٍ إلى غيره (٥٨)، وقد حَصَلَ العِلْمُ بالجَهْرِ بِالتَّسْلِيمَةِ الأُولَى، فلا [حاجةَ إلى] (٥٩) الجَهْرِ بغيرِها. وكان ابن حامدٍ [يَرى الجَهْرَ بالثَّانية وإخْفاءَ الأولى؛ لِئَلَّا يُسابقَه المأْمومُ في السَّلامِ] (٦٠).

стр. 755

فصل: [ ويُسْتحَبُّ حَذْف السَّلامِ، وهو ألَّا يُمَدَّ بطُولِه] (٦١)، وقد رَوَى أبو داوُد، والتِّرْمِذِىُّ، بِإسْنَادِهِمَا، عن أبي هُرَيْرةَ، ﵁، قال: "حذْفُ السلامِ سُنَّةٌ" (٦٢). قال ابْنُ المبارَكِ: مَعْناهُ أنْ لا يَمُدَّهُ مَدًّا. قال أحمدُ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهذا الذي يَسْتَحِبُّهُ أهلُ العِلْمِ. قال إبراهِيمُ النَّخَعِىُّ: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، والسلامُ جَزْمٌ. وقد رُوِىَ أنَّ مَعْنَى هذا الحديثِ إخْفَاءُ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ. والصحيحُ الأوَّلُ؛ لأَنَّ الحَذْفَ إسْقَاطُ بعضِ الشىءِ، والجَزْمُ قَطْعٌ له، فيَتَّفِقُ معناهُما، والإِخْفَاءُ بِخلَافِهِ، ويَخْتَصُّ ببعضِ السَّلامِ دُونَ جُمْلَتِهِ، قال أحمدُ [ابنُ الأثْرَم] (٦٣): [سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ] (٦٤) أحمد بن حَنْبَلٍ، يقُولُ: حذفُ السلامِ سُنَّةٌ، وهو أنْ لا يُطَوِّلَ بهِ صوتَهُ. وطَوَّلَ أبو عبدِ اللهِ صوتَهُ. فصل: ويَنْوِى بسلامِهِ الخُرُوجَ مِن الصلاةِ. فَانْ لم يَنْوِ؛ فقالَ ابنُ حامدٍ: [تَبْطُلُ صَلَاتُهُ] (٦٥). وهو ظَاهِرُ مذهبِ (٦٦) الشافعىِّ؛ لأنه نُطْقٌ فِي أَحَدِ طَرَفَىِ الصلاةِ؛ [فافْتَقَر إلى] (٦٧) النِّيَّةِ، كالتَّكْبِيرِ (٦٨). والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، ﵀، أنَّه لا تَبْطُلُ صلاتُه. وهو الصحيحُ؛ لأَنَّ نِيَّةَ الصلاةِ قد شَمِلَتْ جميعَ

стр. 756

الصَّلاةِ، والسلامُ مِن جُمْلَتِها، ولأنَّه لو وَجَبَتِ النِّيَّةُ في السلامِ لوجَبَ تَعْيِينُها، كتَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، ولأنَّها عبَادَةٌ، فلم تَجِب النِّيَّةُ للْخُرُوجِ منها، كَسَائِرِ العبادَاتِ، وقِيَاسُ الطَّرَفِ الأخِيرِ على الطَّرَفِ الأوَّلِ غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ النِّيَّةَ اعْتُبِرَتْ في الطَّرَفِ الأوَّلِ، ليَنْسَحِبَ حُكْمُها على بقِيَّةِ الأجزاءِ، بخِلَافِ الأخِيرِ، ولذلكَ أُفْرِقَ الطَّرَفَانِ في سَائِرِ العباداتِ. قال بعضُ أصحابِنا: يَنْوِى بالتَّسْلِيمَتَيْنِ معًا الخروجَ مِن الصلاةِ. فإنْ نَوَى مع ذلك الرَّدَّ على المَلَكَيْنِ، وعلى مَنْ خَلْفَهُ إنْ كانَ إمامًا، أو على [الإِمامَ و] (٦٩) مَنْ معهُ إنْ كان مَأْمومًا، فلا بأْسَ. نَصَّ عليهِ أحمدُ، فقالَ: يُسَلِّمُ في الصلاةِ، ويَنْوِى بسَلَامِه الرَّدَّ على الإِمامِ؛ لِما رَوَى مُسْلِمٌ، عن جابرِ بنِ سَمُرَة، قالَ: كُنَّا إذا صَلَّيْنَا مع النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا (٧٠): السَّلَامُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فنظَرَ إلينَا رسُولُ اللهِ ﷺ فقالَ: "مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْديكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ (٧١)! إذَا سَلَّمَ أحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُومِىءُ بيَدِهِ"، وفى لَفْظٍ: "إنَّمَا يَكْفِى أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ" [رواهُ مُسْلِمٌ. وفى لَفْظٍ] (٧٢)، قال: أمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ أنْ نَرُدَّ على الإِمَامِ، وأنْ يُسَلِّمَ بعضُنَا على بعضٍ. [رَواهُ أبو داود] (٧٣). وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ يُسَنُّ التَّسْلِيمُ (٧٤) على مَنْ معه [مِن المُصَلِّينَ] (٧٥)، وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ وأبي حَنِيفَة. وقالَ أبو حَفْصِ بْنُ المُسْلِمِ، مِنْ

стр. 757

أَصْحَابِنَا: يَنْوِى بالأُوَلى الخُرُوجَ مِنَ الصلاةِ. ويَنْوِى بالثانِيَةِ السلامَ على الحَفَظَةِ وَالمأْمومِينَ، إنْ كانَ إمامًا، والرَّدَّ على الإِمامِ والحَفَظَةِ، إنْ كانَ مأمُومًا. وقالَ ابنُ حامدٍ: إنْ نَوَى (٧٦) في السلامِ [الرَّدَّ على الملائكة أو غيرِهم من الناسِ] (٧٧) مع نيَّةِ الخُرُوجِ مِن الصلاةِ، فهل تَبْطُلُ صلاتُهُ؟ على وجهيْنِ. [أحدُهما تَبْطُل؛ لأنَّه نَوَى السَّلامَ على آدَمِىٍّ، أشْبَهَ ما لو سلَّم على مَن لا يُصَلِّى معه] (٧٧) والصحيحُ ما ذَكَرْنَاه؛ فإنَّ أحمدَ، ﵀، قال في روايَةِ يعقُوبَ: يُسَلِّمُ للصلاةِ، ويَنْوِى في سلامِهِ الرَّدَّ على الإِمامِ. روَاهَا أبو بكرٍ الخَلَالُّ في "كتابِه". وقال في روَايَةِ إسحاقَ ابن هانِئ (٧٨): إذا نَوَى بتَسْلِيمِهِ الرَّدَّ على الحَفَظَةِ أجْزأهُ (٧٩). وقال أيضًا: يَنْوِى بسَلَامِهِ (٨٠) الخُرُوجَ مِن الصلاةِ. [قِيلَ لَه] (٨١): فإنْ نَوَى الملكَيْنِ، ومَنْ خلفَهُ؟ قالَ: لا بأسَ، والخُرُوجَ مِن الصلاةِ نَخْتَارُ. [وقد ذَكَرْنَا مِن الحديثِ ما يَدُلُّ على مَشْرُوعِيَّةِ ذلكَ، واللهُ أعْلَمُ]. (٨١) فصل: ويُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللهِ تعالى، وَالدُّعَاءُ عَقِيبَ صَلاتهِ (٨٢)، ويُسْتَحَبُّ مِنْ ذلكَ ما وَرَدَ بهِ الأثرُ، مثلَ ما رَوَى المُغِيرَةُ، قال: كانَ النَّبِىُّ ﷺ يقولُ في دُبُر كلِّ صلاةٍ مكتُوبَةٍ: "لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ (٨٣) مِنْكَ الْجَدُّ". مُتَّفَقٌ عليهِ (٨٤). وقال ثوْبانُ: كانَ رسولُ اللهِ

стр. 758

- ﷺ إذا انْصَرَفَ مِنْ صلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثلاثًا، وقالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَاذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ" قَالَ الأوزاعِىُّ: يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨٥). وقال أبو هُرَيْرَة: جاءَ الفُقَرَاءُ إِلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالُوا: ذَهَبَ أهلُ الدُّثُورِ مِنَ الأمْوَالِ بالدَّرَجَاتِ العُلَى والنَّعِيمِ المُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى، ويصُومُونَ كما نَصُومُ، ولهم فَضْلُ أَمْوالٍ (٨٦)، يَحجُّونَ بها ويَعْتَمِرُونَ، ويَتَصَدَّقُونَ؟ فقالَ: "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ إنْ أَخَذْتُمْ بهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ ولَمْ يُدْرِكْكُمْ أحَدٌ بَعْدَكُمْ، وكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؟ تُسَبِّحُونَ وتُحَمِّدُونَ وتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ". فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا. فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، ونُحَمِّدُ ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، ونُكَبِّرُ أرْبَعًا وثَلَاثِينَ. فَرَجَعْتُ إليه، فقال: "يَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمدُ لِلَّهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلّهنَّ ثَلَاثٌ وثَلَاثُونَ" قال أحمدُ، (٨٧) فِي رِوَايَةِ أبي داوُد: يَقُولُ هَكَذَا ولَا يَقْطَعُهُ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمدُ لِلَّهِ وَلَا إلهَ إلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ. فإنْ عَدَل إلى غَيْرِهِ جَازَ؛ لأَنَّهُ قد رُوِىَ عن

стр. 759

النَّبِيِّ ﷺ غيرُه. [رَوَاهُ البخارِيُّ (٨٨). وَرَوَى مُسْلِمٌ والنَّسَائِىُّ] (٨٩) عن عبدِ اللَّه (٩٠) بنِ الزبيرِ، أنَّهُ حَدَّثَ علَى المِنْبَرِ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: "لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِىِّ العَظِيمِ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَالفَضْلُ وَالثَّنَاءُ الحَسَنُ (٩١)، لَا إلهَ إلَّا اللهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ". وَكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُهَلِّلُ بهِنَّ في دُبُرِ الصلاةِ (٩٢). وعن سعدٍ، أنَّهُ كانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هؤلاءِ الكَلِماتِ، ويقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ (٩٣) دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ [أنْ أُرَدَّ إلى] (٩٤) أَرْذَلِ العُمْرِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ القَبْرِ". مِنَ الصِّحاحِ، قالَ ابنُ عباسٍ: إنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حين يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِن المَكْتُوبَةِ كان على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ . فقال ابنُ عباسٍ: كنتُ أَعْلَمُ إذا

стр. 760

[انْصَرَفَ النَّاسُ] (٩٥) بذلكَ إذا سَمِعْتُه. رَوَاهُ البخارِىُّ (٩٦). فصل: إذا كانَ مع الإِمامِ رجَالٌ ونِسَاءٌ، فالمُسْتَحَبُّ أنْ يَثْبُتَ هو والرِّجَالُ بقَدْرِ ما يَرَى أَنَّهُنَّ قد انْصَرَفْنَ، ويقُمْنَ هُنَّ عقِيبَ تَسْلِيمِه. قالَتْ أُمُّ سَلَمَة: إنَّ النِّسَاءَ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ كُنَّ إذا سَلَّمْنَ (٩٧) مِن المَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وثبتَ رسولُ اللهِ ﷺ ومَنْ صلَّى مِن الرِّجَالِ ما شاءَ اللهُ، فإذَا قامَ رسولُ اللهِ ﷺ قامَ الرِّجَالُ. قال التِّرْمِذِىُّ (٩٨) فَنرَى، وَاللهُ أَعْلَمُ، [أنَّ ذلك] (٩٩) لِكَىْ يَبْعُدَ (١٠٠) مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ. رَوَاهُ البخارِىُّ (١٠١). ولأنَّ الإِخْلَالَ بذلِكَ مِنْ [أحَدِ الفَرِيقَيْنِ] (١٠٢) يُفْضِى إلى اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بالنِّسَاءِ، فإِنْ لم يَكُنْ معه نِسَاءٌ [لم يُطِلِ] (١٠٣)

стр. 761

الجُلُوسَ؛ لما رَوَتْ عائشةُ، رضِىَ اللهُ عنها، قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا سَلَّمَ لم يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ ما يقولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَاذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ"، رَوَاهُ ابْنُ ماجه (١٠٤). وعن البَرَاءِ، قال: رَمَقْتُ رسولَ ﷺ ، فوجَدْتُ قِيامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بعد رُكُوعِهِ فَسَجْدَتَهُ فجَلْسَتَهُ بين السَّجْدَتَيْنِ؛ فجَلْسَتَهُ ما (١٠٥) بين التَّسْلِيمِ والانْصِرافِ (١٠٦) قريبًا مِن السَّوَاءِ [مُتَّفَقٌ عليه (١٠٧)، إِلَّا أنَّ البُخَارِىَّ قال: ما خَلَا القيامَ والقُعُودَ قَرِيبًا مِن السَّواءِ] (١٠٨). فإنْ لم يَقُمْ [فالمُسْتَحَبُّ أنْ يَنْحَرِفَ] (١٠٩) عن قِبْلَتِهِ، [ولا يَلْبَثُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ؛ لأنَّه رُبَّمَا أفْضَى بهِ إلى الشَّكِّ، هل فَرَغَ مِن صلاتِه، أو لا؟ ، وقد رَوَى البُخَارِىُّ بإسْنَادِهِ] (١١٠) عن سَمُرَةَ، قالَ: كانَ رسولُ اللَّه ﷺ إذا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ علينا بوَجْهِهِ (١١١). وعن يَزيدَ بن الأسْوَدِ، قال: صَلَّيْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ

стр. 762

الفجرَ، فلمَّا سَلَّمَ انْحَرَفَ. وعن علِيٍّ، أنَّهُ صَلَّى بِقَوْمٍ العصرَ، ثُمَّ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلى القِبْلَةِ، فاسْتَقْبَلَ القومَ. [روَاهما الأثْرَمُ] (١١٢) [وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: لأَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ على رَضْفَةٍ (١١٣) خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَجْلِسَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حين يُسَلِّمُ ولا يَنْحَرِفُ. وقالَ إبْراهِيمُ: إذا سَلَّمَ الإِمامُ ثم اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَاحْصِبُوهُ.] (١١٤) قال الأثْرَمُ: رَأَيْتُ أبا عبدِ اللهِ إذا سَلَّمَ يَلْتَفِتُ ويتَرَبَّعُ (١١٥) وقالَ أبو داوُد: رَأَيْتُهُ إذا كانَ إمامًا فَسَلَّمَ انْحَرَفَ عن يَمِينِهِ. ورَوَى [مُسْلِمٌ وأبو داوُد في "السُّنَنِ"، عن] (١١٦) جابرِ بنِ سَمُرَةَ، قالَ: كان النَّبِىُّ ﷺ إذَا صَلَّى الفَجْرَ يَتَربَّعُ (١١٧) في مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشمسُ حَسَنًا (١١٨). [وفى لَفْظ: كان إذا صلى الفجرَ جَلس في مُصَلَّاهُ حتى تطْلُعَ الشَّمْسُ. وعن سَعْدٍ، قال: كنتُ أَرَى رسولَ اللهِ ﷺ لا يقومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الذي يُصلِّى فيه الصُّبْحَ حتَّى تطلُع الشَّمْسُ، فإذا طلَعتْ قام. روَاهما مُسْلِمٌ] (١١٩)، [وسُئِلَ أحمدُ عن تَفْسِيرِ حديثِ النَّبِيِّ ﷺ : "كَانَ لَا يَجْلِسُ بعد التَّسْلِيمِ إلَّا قَدْرَ ما يَقُولُ: اللَّهُمَّ أنت السلامُ (١٢٠) ". يَعْنى في مَقْعَدِهِ حتى يَنْحَرِفَ، قال: لا أَدْرِى. ورَوَى الأَثْرَمُ هذه الأحادِيثَ التي ذكَرْناها.] (١٢١)

стр. 763

فصل (١٢٢): ويُسْتَحَبُّ لِلمأْمُومِينَ أنْ لا يقُومُوا (١٢٣) قَبْلَ الإِمامِ، لِئَلَّا يذكُرَ سَهْوًا فيَسْجُدَ، وقد قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : "إنِّى إمَامُكُمْ، فَلَا تُبَادِرُونِى بالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بالقِيَامِ وَلَا بِالانْصِرَافِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، [والنَّسَائِىُّ، ولَفْظُ مُسْلِمٍ: "فَلَا تَسْبِقُونِى] (١٢٤) ". فإنْ خالَفَ الإِمامُ السُّنَّة في إطَالَةِ الجُلُوسِ [مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ] (١٢٤) أو انْحَرَفَ، فلا بأسَ أنْ يَقُومَ المأمومُ ويَتْرُكَهُ (١٢٥). فصل: ويَنْصَرِفُ حيثُ شاءَ عن يمِينٍ وشِمَالٍ؛ لقول ابْن مسعودٍ: لا يَجْعَلُ أحَدُكُمْ للشَّيْطَانِ حظًّا مِنْ صلاتِهِ، يَرَى أنَّ (١٢٦) حَقًّا عليهِ أَلَّا يَنْصَرِفَ إلا عن يَمِينِهِ، لقد رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ أكْثَرَ (١٢٧) ما يَنْصَرِفُ عن شِمَالِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٢٨). وعن [قَبِيصَةَ بنِ هُلْبٍ عن أبيهِ] (١٢٩)، أنه صَلَّى مع النَّبِيِّ ﷺ ، فكَانَ يَنْصَرِفُ عن شِقَّيْهِ. رَوَاهُمَا أبو داوُد وابْنُ ماجه (١٣٠). فصل: [ويُكْرَهُ أنْ] (١٣١) يَتَطَوَّعُ الإِمامُ في [مَوْضِع صلاتِهِ] (١٣٢) المكتوبَةِ

стр. 764

[نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: ] (١٣٣) كذا قال عَلىُّ بنُ أبِى طالب، ﵁. قالَ أحمدُ (١٣٤): ومَنْ صلَّى وَرَاءَ الإِمامِ فلا بأسَ أنْ يتَطَوَّعَ مكانَهُ، فعلَ ذلكَ ابْنُ عمرَ. وبهذا قال إسحاقُ (١٣٥). ورُوِىَ (١٣٦) عن المُغِيرَة [بن شُعْبَة] (١٣٧): أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: "لَا يَتَطوَّعُ الإِمَامُ في مَكانِه (١٣٨) الَّذِى يُصَلِّى فِيهِ بِالنَّاسِ" [رَواهُ أبو داود، بإسْنادِه (١٣٩)، إلَّا أنَّ أحمدَ قال: لا أعْرِفُ ذلك عن غيرِ عليٍّ]. (١٤٠). ١٨٢ - مسألة؛ قال: (وَالرَّجُلُ وَالمَرْأةُ في ذَلِكَ سَوَاءٌ، إلَّا أنَّ المَرْأَةَ تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً، أَوْ تَسْدِلُ رِجْلَيْهَا فَتْجْعَلُهُمَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا) الأصلُ أنْ يَثْبُتَ في حَقِّ المرأَةِ مِنْ أحكامِ الصلاةِ ما يَثْبُتُ (١) لِلرِّجَالِ؛ لأنَّ الخِطَابَ يَشْملُهما (٢)، غيرَ أَنَّهَا خَالَفَتْهُ في تَرْكِ التَّجَافِى، لأنها عَوْرَةٌ، فاسْتُحِبَّ لها جَمْعُ نَفْسِهَا، ليكونَ أسْتَرَ لها، فإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أنْ يَبْدُوَ منها شيءٌ حالَ التَّجَافِى. وكذلك (٣) في الافْتِرَاشِ، قالَ أحمدُ: والسَّدْلُ أعجَبُ إلىَّ. واخْتَارَهُ الخَلَّالُ. قال

стр. 765

عَلِىٌّ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ: إذا صَلَّتِ المرأةُ فلْتَحْتَفِزْ (٤) ولتَضُمَّ فَخِذَيْها. وعن ابْنِ عمرَ، ﵄، أنَّه كانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أنْ يَتَرَبَّعْنَ في الصَّلاةِ. ١٨٣ - مسألة؛ قال: (وَالمَأمُومُ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الإِمَامِ فَلَا يَقْرَأُ بِالحَمْدِ، وَلَا بِغَيْرِهَا، لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). ولِما رَوَى أبو هُريرةَ، ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَالِى أُنَازَعُ القُرْآنَ؟ "، قالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ أنْ يَقْرأُوا فيمَا جَهَرَ فيهِ النَّبِىُّ ﷺ (٢)). وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَأْمُومَ إذا كانَ يَسْمَعُ قراءَةَ الإِمَامِ، لم تَجِبْ عليهِ القراءةُ، ولا تُسْتَحَبُّ [عند إمَامِنَا، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، وابنِ عُيَيْنَةَ] (٣)، وَابْنِ المبارَكِ، وإسحاقَ [وأصْحاب الرَّأْىِ] (٤). [وهذا أحَدُ] (٥) قَوْلَىِ الشَّافعىِّ، [ونحوُهُ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وأبِى سَلَمة بن عبدِ الرحمنِ، وسعيدِ بن جُبَيْر، وحماعَةٍ مِن السَّلَفِ] (٦). والقولُ الآخَرُ للشَّافعىِّ، قال: (٧) يَقْرَأُ

стр. 766

[فيما جَهَرَ فيهِ الإِمامُ] (٨). ونحوُهُ عن اللَّيْثِ، والأوْزَاعِيِّ (٩)، وَابْنِ عَوْنٍ (١٠)، ومَكْحُولٍ، وأبي ثَوْرٍ، لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وعن عُبادةَ بن الصَّامِتِ، قالَ: كُنَّا خَلْفَ رسولِ اللهِ ﷺ في صلاةِ الفجرِ، فَقَرَأَ، فَثَقُلَتْ عليهِ القِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قالَ: "لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ " قُلْنَا: نَعَمْ يَا رسَوُلَ اللهِ قَالَ: "فلَا (١٢) تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، فإنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا". رَوَاهُ الأثْرَمُ، وأبو داوُد (١٣). ورُوِيَ عن أَبِي هُرَيْرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَهِىَ خِدَاجٌ (١٤)، فهى خِدَاجٌ، فهى خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ". قال الرَّاوِى (١٥): يَا أبا هُرَيْرَةَ، إنِّي أَكُونُ أَحْيانا وراءَ الإِمَامِ؟ قال: فَغَمَزَ ذِرَاعِى، وقالَ: اقْرَأْ بِهَا في نَفْسِكَ يَا فَارِسِيّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، [وأبو داوُد] (١٦). ولأنَّها رُكْنٌ

стр. 767

[مِن أرْكان] (١٧) الصلاةِ فلم تَسْقُطْ عن المَأْمُومِ [، كسائِر أرْكانِها] (١٨)، ولأَنَّ مَنْ لزمَهُ القِيَامُ لزمَتْهُ القراءَةُ [إذَا قَدَر عليها، ] (١٩) كالإِمامِ والمُنْفَرِدِ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال أحمدُ: فالنَّاسُ على أنَّ هذا في الصلاة. قال (٢٠) سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وإبْرَاهِيمُ، ومحمد بنُ كَعْبٍ، والزُّهْرِيُّ: إنَّها نَزَلَتْ في شأْنِ الصلاةِ. وقال زيدُ بْنُ أسْلَم، وأبو العَاليَةِ: كانوا يَقْرَأُونَ خَلْفَ الإِمامِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقالَ أحمدُ، في رِوَايَةِ أبي داوُد: أجْمعَ النَّاسُ على أنَّ هذهِ الآيةَ في الصلاةِ. [ولأنَّه عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ بعُمُومِهِ الصلاةَ] (٢١)، ورَوَى أبو هُرَيْرَة، رضِىَ اللهُ عنهُ، قال، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا". [رَوَاهُ مُسْلِمٌ. والحديثُ الذي رَوَاهُ الْخِرَقِيُّ رَوَاهُ مالكٌ، عن] (٢٢) ابْنِ شِهَابٍ (٢٣) عن [ابنِ أُكَيْمَةَ] (٢٤)

стр. 768

اللَّيْثِيِّ، عن أبِى هريرةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صلاةٍ (٢٥) فقالَ: "هَلْ قَرَأَ مَعِى أحَدٌ مِنْكُمْ؟ " فقالَ رَجُلٌ: نعَمْ يا رسولَ اللهِ، قالَ: "مالى أُنَازَعُ القُرْآنَ". قال (٢٦): فانْتَهَى النَّاسُ عن القراءَةِ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فيما جَهَرَ فيهِ [مِن الصَّلَواتِ] (٢٧)، حين سَمِعُوا ذلك (٢٨) مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ . أخرجهُ مالكٌ في "المُوَطَّإِ"، [وأبو داوُد، والتِّرْمِذِىُّ، وقالَ: حديثٌ] (٢٩) حسنٌ، ورَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣٠) بلفظٍ آخَرَ، قالَ: صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ صلاةً، فلَمَّا قضاهَا قالَ: "هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعِى (٣١) بِشَىْءٍ مِنَ القُرآنِ؟ " فقال رَجُلٌ مِن القومِ: أنا يا رسولَ اللهِ، فقال: "إنِّي (٣٢) أَقُولُ: مَالِى أُنَازَعُ القُرْآنَ؟ إذَا أَسْرَرْتُ بِقِرَاءَتِى فَاقْرأُوا، وَإذَا جَهَرْتُ بِقِرَاءَتِى فَلَا يَقْرَأَنَّ مَعِىَ أحَدٌ". ولأنَّه (٣٣) إجماعٌ، قال أحمدُ: ما سَمِعْنا أحَدًا مِنْ أهلِ الإِسْلامِ يقولُ: إنَّ الإِمامَ إذا جَهَرَ بالقِرَاءَةِ لا تُجْزِىءُ صلاةُ مَنْ خلْفَهُ إذا لم يَقْرَأْ. وقال: هذا النَّبِيُّ ﷺ وأصحابُه والتَّابِعُون، وهذا مالكٌ في أهلِ الحجازِ، وهذا الثَّوْرِيُّ في أهلِ العِرَاقِ، وهذا الأوْزَاعِيُّ في أهلِ الشَّامِ، وهذا اللَّيْثُ في أهلِ مِصْرَ، ما قالُوا لِرَجُلٍ صلَّى [خَلْفَ الإِمامِ] (٣٤)، وقَرَأَ إمَامُه، ولم يَقْرَأْ هو: صلاتَهُ باطِلَةٌ. وَلأنَّها قِرَاءَةٌ لا تَجِبُ على المَسْبُوقِ، فلا (٣٥)

стр. 769

تَجِبُ على غيرِهِ، [كقراءةِ السُّورة، يُحَقِّقُه أنَّها لو وجَبتْ على غير المسْبُوقِ لوجبتْ على المسْبوقِ، كسائرِ أرْكان الصَّلاةِ.] (٣٦) فأمَّا حديثُ عُبادَةَ الصَّحِيحُ، فهو مَحْمُولٌ على غيرِ المأْمُومِ، وكذلِكَ حديثُ أبى هُرَيْرَةَ، وقد جاءَ مُصَرَّحًا به رَوَاهُ الخَلَّالُ، بإسْنَادِه عن جابرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَهِىَ خِدَاجٌ، إلَّا [أنْ تَكُونَ] (٣٧) وَرَاءَ الإِمَامِ" [وقد رُوِىَ أيضًا موقُوفًا عن جابرٍ] (٣٧). وقولُ أبي هريرةَ: اقْرَأْ بِهَا في نَفْسِكَ. مِنْ كلامِهِ، [وقد خالَفَهُ جابرٌ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وغيرُهما، ثم يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ: اقْرَأْ بها في سَكَتَاتِ الإِمامِ، أو فِي حَالِ إسْرَارِهِ] (٣٨). [ورِوَايتُه عن النَّبِيَّ ﷺ ] (٣٩): "إذَا قَرَأَ الإِمَامُ فَأَنْصِتُوا" (٤٠) [أوْلَى مِن قَوْلِه وأصَحُّ، وقد خالَفه تسْعةٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ عليٌّ، وابنُ عبَّاس، وابنُ مسعود، وزيد بنُ ثابت، وأبو سعيد، وحُذَيْفةُ، وعُقْبةُ بنُ عامر (٤١)، وابنُ عمر، وجابر، وابنُ الزُّبَيْر. وقال ابنُ مسعود: وَدَدْتُ أنَّ الذي قد قَرأَ خَلْفَ الإِمامِ مُلِىءَ فُوهُ تُرابًا. ثم يَحْتَمِلُ أنه أراد إقْراءَها في سَكَتاتِ الإِمامِ، أو في حال إسْرارِه] (٤٢). وحديثُ عبادة الآخَرُ، لم يَرْوِهِ غيرُ ابْنِ

стр. 770

إسحاقَ (٤٣). [كذلك قالَهُ الإِمامُ أحمدُ. وقد رَوَاهُ أبو داوُد عن مَكْحُولٍ عن] (٤٤) نافِعِ (٤٥) بنِ محمودِ بنِ الرَّبِيع الأَنْصَارِيّ (٤٤). وهو أدنَى حَالًا مِنَ ابْنِ إسحاقَ. فإِنَّهُ غيرُ معرُوفٍ [مِنْ أهلِ الحديثِ] (٤٤)، وقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بالمَسْبُوقِ. فصل: قال أبو داوُد: قِيلَ لِأحمدَ، ﵀: فإنَّهُ - يَعْنِى المأمومَ - قَرأَ بفاتحةِ الكِتَابِ، ثم سَمِعَ قِرَاءةَ الإِمام؟ قال: يَقْطَعُ إذا سَمِعَ قِراءَةَ الإِمامِ، ويُنْصِتُ للقراءَةِ. وإنما قالَ ذلكَ [اتِّبَاعًا لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، ولِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا"] (٤٦) فصل: (٤٧) ومَنْ لَا يُسَنُّ لَهُ القِرَاءَةُ، وَهُوَ المَأْمُومُ في حَالِ جَهْرِ إِمَامِهِ، لا يَسْتَفْتِحُ ولا يَسْتَعِيذُ؛ لأنَّ الاسْتِعَاذَةَ إنَّما شُرعَتْ مِنْ أجْلِ القِرَاءَةِ، فإِذَا سَقَطَ الأَصْلُ سَقَطَ التَّبَعُ، وإذا سَقَطَتِ القِرَاءَةُ المَذْكُورَةُ كَيْلَا يَشْتَغِلَ عن اسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الإِمَامِ، فالاسْتِفْتاحُ أوْلَى، وَلِأَنَّ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يَتَنَاوَلُ كُلَّ شَيْءٍ يَشْغَلُ عَنِ السَّمَاعِ والإِنْصَاتِ، مِنَ الاسْتِفْتَاحِ وغَيْرِه، وإنْ سَكَتَ قَدْرًا يَتَّسِعُ لِلاسْتِفْتَاحِ، فَفِيه رِوَايَتَانِ: إحْداهُما، يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ؛ لِأنَّهُ أمْكَن الاسْتِفْتَاحُ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ عن الإِنْصَاتِ، ولَمْ يَسْتَعِذْ لِعَدَمِ القِرَاءَةِ في حَقِّهِ.

стр. 771

والثَّانِيةُ لَا يَسْتَفْتِحُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُه عنْ قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ، وهى أَهَمُّ منه. قال ابْنُ مَنْصُور: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: سُئِلَ - يعني سُفْيانَ - أَيَسْتَعِيذُ الإِنْسَانُ خَلْفَ الإِمَامِ؟ قال: إنَّمَا يَسْتَعِيذُ مَنْ يَقْرَأُ. قال أحمدُ: صَدَقَ. وأمَّا مَنْ يُسَنُّ لَهُ القِرَاءَةُ وَهُوَ المَأْمُومُ فِي صَلَاةِ الإِسْرَارِ، فإنَّهُ يَسْتَفْتِحُ ويَسْتَعِيذُ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إنْ كان مِمَّنْ يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمامِ تَعَوَّذَ، وإذا كان مِمَّنْ لا يَقْرَأُ فلا، قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٤٨). ١٨٤ - مسألة؛ قال: (الاسْتِحْبَابُ، أَنْ يَقْرَأَ في سَكَتَاتِ الإِمَامِ، وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ) هذا قولُ [كثِيرٍ مِن] (١) أهلِ العِلْمِ، [كان ابن مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وهشامُ بنُ عامرٍ (٢) يقْرأُونَ ورَاءَ الإِمامِ فيما أسَرَّ به. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إذا جَهَرَ فلا تَقْرَأْ، وإذا خافتَ فاقْرَأْ]. (٣) ورُوِىَ نحوُ (٤) ذَلِكَ عن [عبد اللَّه بن عمر، وعُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتْبةَ (٥)، ومُجاهد، والحسن، والشَّعْبيّ، و] (٦) سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وسَعيدِ بنِ جُبَيْر، [والقاسمِ بْنِ محمدٍ] (٧)، ونافِعِ بنِ جُبَيْر (٨)، والحَكَمِ، والزُّهْرِيِّ (٩).

стр. 772

وقالَ أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ: للْإِمَامِ سَكْتَتَانِ، فاغْتَنِمُوا (١٠) فيهما القراءَةَ بفاتحةِ الكِتَابِ، إذا دَخَلَ في الصلاةِ، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وقالَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ: أما أنا فأغْتَنِمُ مِن الإمَامِ اثْنَتَيْنِ، إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فأَقْرَأُ عندها، وحينَ يَخْتِمُ السورةَ، فأقرَأُ قبل أنْ يَرْكَعَ. (١١) وقالتْ طائفةٌ: لا يَقْرأُ خلفَ الإِمام في الجَهْر ولا الإِسْرار. فروَى سعيدٌ، في "سُنَنِه": حدَّثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن عمر بن محمد بن زيد، عن مَن حدَّثه: تسْعة مِن أصْحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ، كانوا لا يقرأون خلفَ الإِمام فيما جهَر، ولا فيما لا يجْهَر؛ عليّ، وابنِ عبَّاس، وابن مسعود، وأبو سعيد، وزيد بن ثابت، وعُقْبة بنُ عامر، وجابر، وابنُ عمر، وحُذَيْفة بن يَمانٍ. وقال إبراهيم النَّخَعِيُّ: إنَّما أحْدثَ الناسُ القراءة خلفَ الإمام زمانَ المُخْتار (١٢)؛ لأنَّه كان يُصلِّى بهم صلاةَ النَّهار، ولا يُصلِّى بهم صلاةَ اللَّيْلِ، فاتَّهمُوه، فقرأُوا خلفَه. وقال ابن سِيرِين: لا أعلمُ مِن السُّنَّةِ القراءةَ خلفَ الإِمام. وقال ابنُ مسعود، والأسْودُ: وَدَدْتُ أنَّ مَن قرأَ خلفَ الإِمام مُلِىءَ فُوهُ تُرابًا. وكره إبراهيم القراءةَ خلفَ الإِمام. وقال: يكْفِيكَ قراءةُ الإِمام. وهذا قولُ الثَّوْرِيّ، وابنِ عُيَيْنةَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لِمَا روَى جابر،

стр. 773

قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِراءَةُ الْإِمامُ لَهُ قِرَاءَةٌ" (١٣). ولأنَّه مَأْمومٌ، فلا يقرأُ، كحالةِ الجَهْر. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَإِذَا أسْرَرْتُ بقِرَاءَتِى فاقْرَأُوا". رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ (١٤). وقولُه (١٥) في اللَّفْظِ الآخَرِ: فانْتَهَى النَّاسُ أَن يقْرَأُوا فيما جهَر فيه النَّبِيُّ ﷺ . وأمَّا خبرُ جابر، فالصَّحيحُ أنَّه مُرْسَلٌ عن عبد اللَّه بن شَدَّاد، عن النَّبِيِّ ﷺ ، كذلك رَواه الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، وغيرُهما، وبالقياس علَى حالةِ الجَهْرِ لا يصحُّ؛ لأنَّه أُمِرَ بالإِنْصاتِ إلى قراءةِ الإِمام، فإذا أَسَرَّ لم يَسْمَع المأمومُ شيئًا يُنصِتُ إليه، ولأنَّ الإِسْماعَ لم يَقُمْ مَقامَ القراءةِ، ولم يُوجَدْ ها هنا، فإذا ثبت هذا فإنَّه يَقْرأُ في سَكَتاتِ الإِمامِ حالةَ الجَهْرِ بالفاتحةِ، ويَقْرأُ في حالِ الإِسْرارِ بالفاتحة وسورةٍ، كالإِمام والمُنْفَرِدِ. فصل: (١٦) فإنْ لم [يسْمع الإِمامَ في حالِ الجَهْرِ؛ لِبُعْدِهِ] (١٧)، قَرَأَ. نَصَّ عليه الإِمامُ (١٨). قِيلَ لَه أَليس قد قال اللهُ تعَالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾؟ قال: هذا إلى أيِّ شيءٍ يستمعُ؟ وقال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبي عبد اللَّه: فيوم الجُمعةِ؟ قال: إذا لم يسمعْ قراءةَ الإِمام ونَغَمتَه قَرَأَ، فأمَّا إذا سمِعَ فَلْيُنْصِتْ. قِيلَ له: فالْأطْرَشُ؟ قال: لا أدْرِى (١٩)، وهذا يُنْظَرُ فيه، فإن كان بعيدًا قَرأَ أيضًا، وإن كان قريبًا قرأَ في نفسِه، بحيثُ لا يشْغَلُ مَن إلى جانِبَيْهِ عن

стр. 774

الاسْتماع؛ لأنَّه في معنَى البعيدِ، ولاتُسَنُّ له القراءةُ، مع تَخْلِيطِه علَى مَن يقْرُبُ إليه؛ لِئَلَّا تَمْنَعَه من الاسْتماع والإِنْصاتِ. وإن سمع هَمْهَمةَ الإمام ولم يفْهمْ، فقال، في روايةِ الجماعة: لا يقْرأُ؛ لأنَّه يسمعُ قراءةَ الإِمامِ. وقال، في روايةِ عبد اللَّه: يقْرأُ إذا سمعَ الحرفَ بعدَ الحرفِ. فصل: (٢٠) وإذا قَرَأَ بعضَ الفاتحةِ في سَكْتَةِ الإِمام، ثم قرأَ الإِمامُ، أنْصَتَ (٢١) له، [وقطَع قراءتَهُ] (٢٢)، ثم قرأَ بقيَّة الفاتحةِ في السَّكْتةِ الأُخْرَى، [صَحَّ ولم تنْقَطِعْ قراءتُه، لأنَّه مَشْروعٌ، فأشْبَهَ السُّكوتَ اليَسِيرَ، ولأنَّ ذلك لو قَطَعَ القراءة] (٢٣) لم يسْتَفِدْ فائدةً، فإنَّه لا يقْرأُ في الثانيةِ زيادةً علَى ما قرأهُ في الأُولَى. ١٨٥ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ) [هذا قوْلُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، على ما حَكَيْنَا في التي قبلَها، وبه يقولُ الزُّهْرِيُّ، والأسْود، وإبراهيم، وسعيد بن جُبَيْر، والثَّوْرِيُّ] (١)، وابْنُ عُيَيْنَة، ومالكٌ، [وأصْحابُ الرَّأْىِ] (٢)، وإسحاقُ. وقالَ الشافعيُّ، وداوُد: يَجِبُ؛ لعُمومِ (٣)

стр. 775

الأخْبارِ السَّابقةِ ورُوِىَ عن عمر بن الخطَّاب رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لا تجُوزُ صلاةٌ إلَّا بفاتحة الكتابِ وشىءٍ معها. فقال له رجلٌ: يا أميرَ المؤمنين، أرأيتَ إن كنتُ خَلْفَ الإِمامِ؟ فقال: اقْرأْ في نفسِك. وقال الحسنُ: اقْرأْ في كلِّ صلاةٍ بأُمِّ الكتابِ في نفسِك، خلْفَ الإِمام. ولأنَّه مُصَلٍّ لا يسمعُ القراءةَ، فوجبتْ عليه، كالمُنْفَرِدِ. ولنا قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِراءَتُهُ لَهُ قراءَةٌ". رَواهُ الحسنُ بنُ صالح، عن لبيبِ بن أبي سُلَيْم، وجابرٌ، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النَّبِيِّ ﷺ ، ورُوِىَ من طُرُقٍ خمسةٍ سوَى هذا، ورُوِىَ أيضًا عن ابن عمر، وابن عباس، وعلىٍّ، وعِمْران بن حُصَيْن، وأبي الدَّرْداء، عن النَّبِيِّ ﷺ . أخْرَجَهُنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ (٤). ورواه عبدُ اللَّه بن شدَّاد، عن النبي ﷺ ، أخْرجَه الإِمامُ أحمد (٥)، وسعيد بن منصور، وغيرُهما، وأخْبارهم قد سبق جوابُها. وقولُ عمر مَحْمولٌ على الكمال؛ بدليل قولِه: وشىءٍ معها. والإِجماعُ لا يجبُ شيءٌ سوى الفاتحةِ، ولو ثبتَ أنَّه أراد الاشْتراطَ فقد خالفه كثيرٌ من الصحابةِ. ورُوِىَ عن علىّ، ﵇، أنَّه قال: ليس على الفِطرْةِ مَن قرأ خلفَ الإِمام. وقال ابنُ مسعود: وَدَدْتُ أنَّ مَن قرأَ خلفَ الإِمام مُلِىءَ فُوهُ تُرابًا. ولأنَّ القراءةَ لو وجبتْ عَلى المأموم لوجبتْ على المَسْبوق، كسائرِ الأرْكانِ، ولأنَّه مأمومٌ فلم يجبْ عليه القراءةُ، كحالةِ الجَهْرِ، ولا يصحُّ قياسُ المأموم على المُنْفَرِدِ؛ لأنَّ المنفردَ ليس له
следующие страницы →