← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

وخَصْلًا (٦). ويُسَمَّى ذلك الفَرْع. والقَرْطَسَة، يُقال: قَرْطَسَ. إذا أصابَ. أو حَوابِى. وهو ما وَقَع بينَ يَدَى الغَرَضِ، ثم وثَبَ إليه. ومنه يُقال: حَبَا الصَّبِىُّ. أو خَواصِر. وهو ما كان (٧) فى أحَدِ جانِبَى الغرَض، ومنه قيل: الخاصِرَةُ. لأنَّها فى جانب الإِنسانِ. أو خَوارِق. وهو ما خَرَقَ الغرَضَ، ثم وقَعَ بين يَدَيْه. أو خَواسِق. وهو ما فَتَحَ (٨) الغرضَ، وثَبَتَ فيه. أو مَوارِق. وهو ما أنفَذَ (٩) الغرضَ، ووَقَعَ من وَرائِه. أو خَوازِم. وهو ما خَزَمَ جانِبَ الغرَضِ. وإِنْ شَرَطا الْخَواسِقَ والْحَوابِىَ معًا، صَحَّ. الخامِسُ، قَدْرُ الغرَضِ، والغرضُ هو ما يُقْصَدُ إصابَتُه من قِرْطاسٍ أو وَرَقٍ أو جلدٍ أو خشبٍ أو قَرْعٍ أو غيرِه، ويُسَمَّى غرَضًا؛ لأَنَّه يُقْصَدُ، ويُسَمَّى شارةً وشَنًا. قال الأزْهَرِىُّ: ما نُصِبَ فى الهدَفِ فهو القِرْطاسُ، وما نُصِبَ فى الهواءِ فهو الغَرَضُ (١٠). ويجبُ أَنْ يكونَ قدرُه معلومًا بالمشاهَدَةِ، أو بتقديرِه بشِبْرٍ أو شِبْرَيْن، بحَسَبِ الاتِّفاقِ، فإنَّ الإصابَةَ تخْتلفُ باخْتِلافِ سعَتِه وضِيقِهِ. السادِسُ، معرِفَةُ المسافَةِ؛ إمَّا بالمشاهَدَةِ، أو بالذَّرْعانِ، فيقول: مائة ذِرَاعٍ، أو مائَتَى ذِرَاعٍ؛ لأنَّ الإصابَةَ تَخْتَلِفُ بقُرْبِها وبُعْدِها، ومهما اتَّفَقا عليه جازَ، إلَّا أَنْ يجْعَلَا مسافةً بعيدةً تَتَعَذَّرُ الإِصابَةُ فى مِثْلِها، وهو ما زادَ على ثلاثمائة ذِرَاعٍ، فلا يصِحُّ؛ لأنَّ الغرضَ يفُوت بذلك، وقد قيل: إنَّه ما رمَى إلى أرْبعِمائَةِ ذِراعٍ إلَّا عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ الْجُهَنِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. السابعُ، تعْيِينُ الرُّماةِ، فلا يصِحُّ مع الإِبْهامِ؛ لأنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةٌ حِذْقِ الرَّامِى بعَيْنه، لا معرفَةُ حِذْقِ رامٍ فى الجملَةِ. ولو عقدَ اثنانِ نِضالًا على أَنَّ (١١) مع كلِّ واحدٍ منهما ثلاثةً، لم يَجُزْ؛ لذلك. ولا يُشْتَرطُ تَعْيِينُ القَوْس والسِّهامِ، ولو عَينَّهَا لم تَتَعَيَّنْ؛ لأنَّ القصدَ مَعْرِفَةُ الحِذْقِ، وهذا لا يخْتلِفُ إلَّا بالرَّامِى (١٢)، لا باخْتلافِ القَوْس والسِّهامِ. وفى الرِّهانِ يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الحيوانِ الذى يُسابَقُ

стр. 7107

به، ولا يُعْتبَرُ تَعْيِينُ الرَّاكِبِ؛ لأنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةُ عَدْوِ الفَرَسِ، لا حِذْقِ الراكِب. وكلُّ ما يُعْتَبرُ تَعْيينُه، إذا تَلِفَ انْفَسَخَ العقدُ، ولم يقُمْ غيرُه مَقامَه؛ لأنَّ العَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِه، فانْفَسَخَ بِتَلَفِ العَيْنِ، ولأنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةُ حِذْقِ الرَّامِى، أو عَدْوِ الفرَسِ، وقد فاتَتْ مَعْرِفَةُ ذلك بمَوْتِه، ولا يُعْرَفُ حِذْقُه من غيرِه. وما لا يَتَعَيَّنُ، يجوزُ إبْدالُه لعُذْرٍ وغيرِه، وإذا تَلِفَ، قامَ غيرُه مَقامَه. فإنْ شَرَطا أَنْ لا يَرْمِىَ بغيرِ هذه (١٣) القَوْسِ، ولا بغيرِ هذا السَّهْمِ، أو لا يركبَ غيرَ هذا الراكِبِ. فهذه شُروطٌ فاسِدَةٌ؛ لأنها تُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، أشْبَهت ما (١٤) إذا شرطَ إصابَة بإصابَتَيْنِ. الثامِنُ، أَنْ تكونَ المُسابَقَةُ فى الإِصابَةِ. ولو قالا: السَّبَقَ لأَبْعَدِنا رَمْيًا، لم يجُزْ؛ لأنَّ الغرَضَ من الرَّمْى الإصابَةُ، لا بُعْدُ المسافَةِ، فإنَّ المقصودَ من الرَّمْى إمَّا قَتْلُ العَدُوِّ، أو جَرْحُه، أو الصَّيْدُ، أو نحوُ ذلك، وكلُّ هذا إنَّما يحْصُلُ من الإِصابَةِ، لا من الإبْعادِ. فصل: والمناضَلَةُ على ثَلَاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، تُسَمَّى المُبادَرَةَ، وهو أَنْ يقولا: مَنْ سَبَقَ إلى خَمْسِ إصاباتٍ من عشرينٍ رَمْيَةً فهو السابِقُ. فأيُّهما سبَقَ إليها مع تَساوِيهِما فى الرِّشْقِ، فقد سَبَقَ. فإذا رَمَيا عشرةً عشرةً، فأصابَ أحدُهما خمسًا، ولم يُصِبْ الآخرُ خَمْسًا، فالمُصِيبُ خَمْسًا هو السابِقُ؛ لأنَّه قد سَبَقَ إلى خَمْسٍ (١٥)، وسواءٌ أصابَ الآخرُ أرْبَعًا، أو ما دُونَها، أو لم يُصِبْ شيئًا، ولا حاجَةَ إلى إتْمامِ الرِّشْقِ؛ لأنَّ السَّبْقَ قد حصلَ بسَبْقِه إلى ما شَرَطَا (١٦) السَّبْقَ إليه. وإِنْ أصابَ كل واحِدٍ منهما من العَشَرَةِ (١٧) خَمْسًا، فلا سابِقَ فيهما، ولا يُكْمِلان الرِّشْقَ؛ لأنَّ جميعَ الإِصابَةِ المشْرُوطَةِ قد حصَلتْ، واسْتَوَيا فيها. فإنْ رَمَى أحدُهما عَشْرًا فأصابَ خمْسًا، ورمَى الآخَرُ تِسْعًا فأصابَ أربعًا، لم يُحْكَمْ بالسَّبْقِ ولا بعَدَمِه، حتى يَرْمِىَ العاشِرَ، فإنْ أَخْطَأَ به، فقد سَبَقَ الأوَّلُ، وإِنْ أصابَ به، فلا سابِقَ فيهما. وإِنْ لم يكُنْ أصابَ من التِّسْعَةِ إلَّا ثلاثًا، فقد

стр. 7108

سَبَقَه الأوَّلُ، ولا يَحْتاجُ إلى رَمْى العاشِرِ؛ لأنّ أكثرَ ما يَحْتَمِلُ أنَّه يُصِيبُ به، ولا يُخْرِجُه ذلك عن كَوْنِه مَسْبوقًا. الضَّرْبُ الثانِى، أَنْ يُقوَلا (١٨): أيُّنا فَضَلَ صاحِبَه بإصابَةٍ أو إصابَتَيْن أو ثلاثٍ من عِشْرِين رَمْيَةً (١٩)، فقد سبَقَ. ويُسَمَّى مُفاضَلَةً ومُحاطَّةً؛ لأنَّ ما تَساوَيا فيه من الإِصابَةِ مَحْطوطٌ غيرُ مُعْتَدٍّ به. ويلزَمُ إكمالُ الرِّشْقِ إذا كان فى إتْمامِه فائِدَةٌ، فإذا قالا: أيُّنا فَضَلَ صاحِبَه بثلاثٍ، فهو سابِقٌ. فرَمَيا اثْنَتَىْ عشرةَ رَمْيَةً، فأصابَها أحدُهما، وأَخْطَأها الآخَرُ كُلَّها، لم يَلْزَمْ إتْمامُ الرِّشْقِ؛ لأنَّ أكثرَ ما يَحْتَمِلُ أَنْ يُصِيبَ الآخرُ الثمانِىَ الباقِيَةَ، ويُخْطئهَا الأَوَّلُ، ولا يَخْرُجُ الأوَّلُ بهذا عن كَوْنِه سابقًا. وإِنْ كان الأوَّلُ إنما أصابَ من الاثْنَتَى عشرةَ عَشرًا، لَزِمَهما أَنْ يَرْمِيَا الثالِثَةَ عشرةَ، فإنْ أصاباها، أو أَخْطآ، أو أصابَها الأَوَّلُ وَحْدَه. فقد سَبَقَ، ولا يَحْتاجُ إلى إتْمامِ الرِّشْقِ. وإِنْ أصابَها الآخرُ، وأَخْطَأَها الأَوَّلُ، فعليهما أَنْ يَرْمِيَا الرابعَةَ عشرةَ، والحكم فيها وفيما بعدَها، كالحُكْمِ فى الثالِثَةِ عشرةَ، وأنَّه مَتَى أصاباها، أوَ أخْطآ، أو أصابَها الأوّلُ، فقد سَبَقَ، ولا يَرْميان ما بعدَها. وإِنْ أصابَها (٢٠) الآخرُ وَحْدَه، رَمَيا ما بَعْدَها. وهكذا كُلُّ مَوْضِعٍ كان فى إتْمامِ الرِّشْقِ فائِدَةٌ لأحَدِهما، لَزِمَ إتْمامُه، وإِنْ يئس من الفائِدَة، لم يلزمْ إتمامُه، فإذا بَقِىَ من العَدَدِ ما يُمْكِنُ أَنْ يَسْبِقَ أحدُهما به صاحِبَه، أو يُسْقِطَ أحدُهما به سَبْقَ صاحِبِه، لَزِمَ الإتْمامُ، وإلَّا فلا، فإذا كان السَّبْقُ يحْصُلُ بثلاثِ إصاباتٍ من عشرين، فرَمَيَا ثمانِىَ عشرةَ، فأخْطآها، أو أصاباها، أو تَساوَيا فى الإِصابَةِ فيها، لم يَلْزَمِ الإِتْمامُ (٢١)؛ لأنَّ أكثرَ ما يَحْتَمِلُ أَنْ يُصيبَ أحَدُهما هاتَيْن الرَّمْيَتَيْن، ويُخْطِئَهما الآخَرُ، ولا يَحْصُلُ السَّبْقُ بذلك. وكذلك إنْ فَضَلَ (٢٢) أحَدُهما الآخَرَ بخَمْس إصاباتٍ فما زادَ، لم يَلْزَمِ الإِتْمامُ؛ لأنَّ إصابةَ الآخَرِ بالسَّهْمَيْن الباقِيَيْن لا يُخْرِجُ الآخَرَ عن كَوْنِه فاضلًا بثلاثِ إصاباتٍ، وإِنْ لم يفْضُلْه إلَّا بأرْبَعٍ، رَمَيا السَّهمَ الآخِرَ، فإنْ أصابَه المَفْضُولُ وَحْدَه، فعليهما رَمْىُ الآخِرِ، فإنْ أصابَه المفْضُولُ أيضًا، سَقَطَ سَبْقُ الأَوَّلِ، وإِنْ أَخْطآ فى

стр. 7109

أحَدِ السَّهْمَيْنِ، أو أصَابَ الأَوّلُ فى أحَدِهما، فهو سابِقٌ. فصل: الثالثُ أَنْ يقُولا: أَيُّنا أصابَ خمسًا من عشرينَ، فهو سابِقٌ. فمتى أصابَ أحدُهما خمسًا من العشرين، ولم يُصِبْها الآخَرُ، فالأوَّلُ سابِقٌ، وإِنْ أصابَ كلُّ واحِدٍ منهما خَمْسَا، أو لم يُصِبْ واحدٌ منهما خَمْسًا، فلا سابِقَ فيهما. وهذه فى مَعْنَى المُحاطَّةِ، فى أنَّه يَلْزَمُ إتْمامُ الرَّشْقِ ما كان فى إتْمامِه فائِدَةٌ، وإِنْ (٢٣) خَلَا عن الفائِدَةِ، لم يَلْزَمْ إتْمامُه. ومَتَى أصابَ كلُّ واحِدٍ منهما خَمْسًا، لم يَلْزَمْ إتْمامُه، ولم يكُنْ فيهما سابِقٌ. وإِنْ رَمَيا سِتَّ عشرةَ رَمْيَةً، ولم يُصِبْ واحِدٌ منهما شيئًا، لم يَلْزَمْ إتْمامُه، ولا سابِقَ فيهما؛ لأنَّ أكثرَ ما يَحْتَمِلُ أَنْ يُصِيبَ أحدُهما الأرْبَعَةَ كلَّها، ولا يحْصُلُ السَّبْقُ بذلك. واخْتَلَفَ أصحابُنا، فقال أبو الخَطَّاب: لابُدَّ من معرِفَةِ الرَّمْى، هل هو مُبادَرَةٌ أو مُحاطَّةٌ أو مُفاضَلَةٌ؟ لأنَّ غَرَضَ الرُّماةِ يخْتلِفُ؛ فمنهم مَنْ تَكْثُرُ إصابَتُه فى الابْتِداءِ دونَ الانْتِهاءِ، ومنهم مَن هو بالعَكْسِ، فوَجَبَ بيانُ ذلك، لِيَعْلَمَ ما دَخَلَ فيه. وظاهِرُ كلامِ القاضِى، أنَّه لا يُحْتاجُ إلى اشْتراطِ ذلك؛ لأنَّ مُقْتَضَى النِّضالِ المُبادَرَةُ، وأن مَنْ بادَرَ إلى الإِصابَةِ فهو السَّابِقُ؛ فإنَّه إذا شرطَ أَنَّ السَّبْقَ لمَنْ أصابَ خَمْسَةً من عشرين، فسَبَقَ إليها واحِدٌ، فقد وُجِدَ الشَّرْطُ. ولأصحابِ الشافِعِىِّ وَجْهان، كهذَيْن. فصل: فإنْ شَرَطَا إصابَةَ موضِعٍ من الهَدَفِ، على أَنْ يُسْقِطَ ما قَرُبَ من إصابَةِ أحدِهما ما بَعُدَ من إصابَةِ الآخَرِ، ففعَلَ، ثم فضَلَ أحدُهما الآخَرَ بما شَرَطاهُ، كان سابِقًا. ذَكَرَهُ القاضِى. وهو مذهبُ الشافِعِى؛ لأنَّ هذا نوعٌ من المُحاطَّةِ، فإذا أصابَ أحَدُهما مَوْضِعًا بَيْنَه وبينَ الغَرَض شِبْرٌ، وأصابَ الآخرُ مَوْضِعًا بينَه وبينَ الغَرَض أقَلُّ من شِبْرٍ، أسقَط الأوَّلَ، وإِنْ أصابَ الأوّلُ الغَرَضَ، أسْقَطَ الثانِىَ، فإنْ أصابَ الثانِى الدائِرَةَ التى فى الغَرَضِ، لم يُسْقِطْ به الأوَّلَ؛ لأنَّ الغَرَضَ كلَّه (٢٤) موضِعٌ للإصابَةِ (٢٥)، فلا يفضُلُ

стр. 7110

أحدُهُما صاحِبَه إذا أصاباهُ جميعًا، إلَّا أَنْ يشْترطَا (٢٦) ذلك. وإِنْ شَرَطَا أَنْ يَحْسِبَ كلُّ واحدٍ منهما (٢٧) خاسِقَه بإصابَتَيْن، جازَ؛ لأنَّ أحدَهُما لم يفْضُلْ صاحِبَه فى شىءٍ، فقد اسْتَوَيا. فصل: والسُّنَّةُ أَنْ يكونَ لهما غَرَضان يَرْمِيان أحَدَهما، ثم يَمْضِيان إليه، فَيَأْخُذان السِّهامَ يَرْمِيان الآخَرَ؛ لأنَّ هذا كان فِعْلَ أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "مَا بَيْنَ الغَرَضَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ" (٢٨). وقال إبراهيمُ التَّيْمِىُّ: رأيتُ حذيفَةَ يشتدُّ بين الهَدَفَيْنِ يقول: أنابِها، [أنابِها] (٢٩). فى قميصٍ. وعن ابنِ عمَرَ مثلُ ذلك (٣٠). والهدَفُ ما يُنْصَبُ الغَرَضُ عليه، إمَّا تُرابٌ مجموعٌ، وإما حائِطٌ. ويُرْوَى [أَنَّ أصحابَ رسولِ اللَّه ﷺ ] (٣١) كانُوا يشتدُّون بينِ الأغْراضِ، يضْحَكُ بعضُهم إلى بَعْضٍ، فإذا جاءَ الليلُ كانُوا رُهْبانًا. فإنْ جَعَلُوا غَرَضًا واحدًا، جازَ؛ لأنَّ المقصودَ يحْصُلُ به، وهو عادَةُ أهْلِ عَصْرِنَا. ولابُدَّ فى المُناضَلَةِ أَنْ يبتَدِئ أحدُهما بالرَّمْىِ؛ لأنَّهما لو رَمَيَا معًا، أفْضَى إلى الاخْتلافِ، ولم يُعْرَف المُصِيبُ منهما. فإنْ كان المُخْرِجُ أجْنَبِيًّا، قُدِّمَ مَنْ يخْتارُه منهما، فإنْ لم يخْتَرْ وتَشاحَّا، أُقْرِعَ بينهما، وأيُّهما كان أحَقَّ بالتَّقديم فبدَرَه الآخرُ فرَمَى، لم يُعْتَدّ له بسَهْمِه، أصابَ أو أخطأَ. وإذا بدأَ أَحدُهُما فى وجْهٍ، بَدَأَ الآخَرُ فى الثانِى، تَعْدِيلًا بينهما. وإِنْ شَرَطَا البداءةَ لأحَدِهما فى كلِّ الوُجُوهِ، لم يصِحَّ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ المُناضَلَةِ على المُساواةِ، وهذا تَفاضُلٌ، فإنْ فُعِلَ ذلك من غيرِ شَرْطٍ باتِّفاقٍ منهما، جازَ؛ لأنَّ الْبَداءةَ لا أَثَرَ لها فى الإِصابَةِ، ولا فى تَجْويدِ (٣٢) الرَّمْى، وإِنْ شُرِطَ (٣٣) أَنْ يَبْدَأَ كلُّ واحِدٍ منهما من وَجْهَيْن مُتوالِيَيْن، جازَ؛ لتَساوِيهمَا.

стр. 7111

ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ اشْتراطُ البَداءَةِ فى كل موضِعٍ ذكَرْنا غيرَ لازمٍ، ولا يؤثِّرُ فى العَقْدِ؛ لأنَّه لا أثَرَ له فى تَجْوِيد رَمْى، ولا كثرةِ إصابَةٍ، كثيرٌ من الرُّماةِ يختارُ التَّأَخُّرَ على (٣٤) البِدالَةِ، فيكونُ وجودُ هذا الشَّرطِ كعَدَمِه. وإذا رَمَى البادِى بسَهْمٍ، رَمَى الثانِى بسَهْمٍ كذلك، حتى يَقْضِيَا رَمْيَهما؛ لأنَّ إطلاقَ المناضلَةِ يَقْتَضِى المُراسلَةَ، ولأنَّ ذلك أقرَبُ إلى التَّساوِى، وأنجَزُ للرمْى؛ لأنَّ أحَدَهما يُصْلِحُ قَوْسَه ويَعْدِلُ سَهْمَه، حتى يَرْمِىَ الآخَرُ. وإِنْ رَمَيا [بسَهْمَيْن سَهْمَيْن] (٣٥)، فحَسَنٌ، وهو العادَةُ بينَ الرُّماةِ فيما رَأَيْنا. وإِنْ اشْتَرَطا أَنْ يَرمِىَ أَحَدُهما رِشْقَه (٣٦)، ثُم يَرْمِىَ الآخَرُ، أو يَرْمِىَ أحدُهما عَدَدًا، ثم يَرْمِىَ الآخرُ مثلَه، جازَ؛ لأنَّ هذا لا يُوثرُ فى مَقْصودِ المناضلَةِ، وإِنْ خالَفَ مُقْتَضَى الإطْلاقِ، كما يجوزُ أَنْ يشْتَرِطَ فى البَيْعِ ما لا يَقْتَضِيه الإطْلاقُ من النقودِ والخِيارِ والأجَلِ، لَمَّا كان غيرَ مانِعٍ من المَقْصودٍ. فصل: وإِنْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَا أرْشاقًا كثيرةً، جاز؛ لأنَّه إذا جازَ على القليلِ، جازَ على الكثيرِ، ولابُدَّ أَنْ تكونَ معلومةً. ثم إنْ شَرَطا أَنْ يَرْمِيَا منها كلَّ يومٍ قَدْرًا اتَّفَقَا عليه، جازَ؛ لأنَّ الغرَضَ فى هذا صحيحٌ، فإنَّهما أو أحدَهما قد يضْعُفُ عن الرَّمْى كُلِّه مع حِذْقِه. وإِنْ أطلَقَا العقدَ، جازَ، وحُمِلَ على التَّعْجِيل والحُلولِ، كسائِرِ العقودِ، فيَرْمِيان من أوَّلِ النَّهارِ إلى آخرِه، إلَّا أَنْ يَعْرِضَ عُذْرٌ يَمْنَعُ من مَرَضى، أو ريحٍ (٣٧) تُشَوِّشُ السِّهامَ، أو لحاجَتِه إلى طعامٍ أو شَرابٍ أو صلاةٍ أو قَضاءِ حاجَةٍ؛ لأنَّ هذه مُسْتَثْناةٌ بالعُرْفِ، وكذلك المَطرُ فإنَّه (٣٨) يُرْخِى الوتَرَ، ويُفْسِدُ الرِّيشَ (٣٩)، وإذا جاءَ اللَّيْلُ تَرَكاه؛ لأنَّ العادَةَ تَرْكُ الرَّمْى بالليلِ، فحُمِلَ العقدُ عليه مع الإطْلاقِ، إلَّا أَنْ يشتَرِطَا الرَّمْىَ ليلًا، فيأخذَ أحدُهما صاحِبَه بذلك. فإنْ كانَت الليلةُ مقمِرَةً منيرَةً، اكْتُفِىَ بذلك، وإلَّا رَمَيَا فى ضَوْءِ شَمْعَةٍ

стр. 7112

أو مِشْعَلٍ. وإِنْ عَرَضَ عارضٌ يَمْنَعُ الرَّمْىَ، كما ذَكَرْناه، أو كُسِرَ قَوْسٌ، أو قُطِعَ وَتَرٌ، أو انْكَسَرَ السَّهْمُ (٤٠)، جازَ إبْدَالُه. فإنْ لم يُمْكِنْ، أُخِّرَ الرَّمْىُ (٤١) حتى يزُولَ العارِضُ. فصل: فإنْ أرادَ أحَدُهما التَّطْوِيلَ، والتَّشاغُلَ عن الرَّمْىِ بما لا حاجَةَ إليه، من مَسْحِ القَوْسى والوَتَرِ، ونحوِ ذلك، إرادَةَ التَّطْوِيلِ على صاحِبِه، لعلَّه يَنْسَى القَصْدَ الذى أصابَ به، أو يفْتُرُ، مُنِعَ من ذلك، وطُولِبَ بالرَّمْى، ولا يُدْهَشُ بالاسْتِعْجالِ بالكُليَّةِ، بحيث يُمْنَعُ مِن تَحَرِّى الإصابة. ويُمْنَعُ كُلُّ واحِدٍ منهما من الكلامِ الذى يَغِيظُ به صاحِبَه، مثل أَنْ يَرْتَجِزَ، ويَفْتَخِرَ، ويَتَبَجَّجَ بالإصابَةِ، ويُعَنِّفَ صاحِبَه على الخطأ، أو يُظهِرَ (٤٢) أنَّه يُعَلِّمُه. وهكذا الحاضِرُ معهما، مثلُ الأميرِ والشاهِدَيْن وغيرِهِم، يُكْرَه لهم مَدْحُ المُصِيبِ، وزَهْزَهَتُه، وتَعْنِيفُ المُخطِئ وزَجْرُه؛ لأنَّ فيه كسْرَ قَلْبِ أحدِهما وغَيْظَه. فصل: وإذا تَشاحَّا فى موضعِ الوُقوفِ، فإنْ كان ما طَلَبَهُ أحدُهما أَوْلَى، مثلَ أن يكونَ فى أحدِ المَوْقِفَيْن يسْتَقْبِلُ الشمسَ، أو رِيحًا يُؤذِيه اسْتِقْبالُها، ونحو ذلك، والآخَرُ يَستدبِرُها، قُدِّمَ قولُ مَنْ طلَبَ اسْتِدْبارَها؛ لأنَّه العُرْفُ، إلا أَنْ يكونَ فى شَرْطِهِما استقبالُ ذلك، فالشرطُ أمْلَكُ، كما قُلْنا فى الرَّمْى ليالًا. وإِنْ كان المَوْقِفان سواءً، كان ذلك إلى الذى به (٤٣) البداءَة، فيَتْبَعُهُ الآخرُ، فإذا كان فى الوَجْهِ الثانِى، وقفَ الثانى (٤٤) حيث شاءَ، ويتْبَعُهُ الأولُ. فصل: ويجوزُ عقدُ النِّضالِ على جماعَةٍ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّ على أصحابٍ له يَنْتَضِلُونَ، فقال: "ارْمُوا، وأنَا مَعَ ابنِ الأَدْرَعِ". [فأَمْسَكَ الآخَرون، وقالوا: كيفَ نَرْمِى وأنتَ مع ابنِ الأدرعِ؟ ] (٤٥) قال: "ارْمُوا، وأَنا مَعَكُم كُلكُمْ". روَاه

стр. 7113

البُخارِىُّ (٤٦). ولأنَّه إذا جازَ أَنْ يكونا اثْنَيْن، جازَ أَنْ يكونُوا (٤٧) جَماعَتَيْن؛ لأنَّ المقصودَ مَعْرِفَةُ الحِذْقِ، وهذا يحْصُلُ فى الجَماعَتَيْن، فجازَ، كما فى سِبَاقِ الخيلِ. وقد ثَبَتَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَبَّقَ بين الخيلِ المُضْمَرةِ، وسَبَّقَ بين الخيلِ التى لم تُضْمَرْ (٤٨). وعلى هذا يكونُ كلُّ حِزْبٍ بمنزلةِ واحدٍ. فإنْ عقدَ النضالَ جماعةٌ ليتفاضَلُوا (٤٩) حِزْبَين. فذَكَرَ القاضِى، أنَّه يجوزُ. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يجوزَ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ، وقبلَ التَّفاضُلِ لم يَتَعَيَّن مَنْ فى كُلِّ واحدٍ من الحِزْبَيْن. فعلى هذا، إذا (٥٠) تَفَاضَلُوا، عَقَدُوا النِّضالَ بعدَه. وعلى قولِ القاضِى، يجوزُ العَقْدُ قبل التَّفاضُلِ. ولا يجوزُ أَنْ يَقْتَسِمُوا بالقُرْعَةِ؛ لأنَّها ربما وَقَعَت على الحُذَّاقِ (٥١) فى أحدِ الحِزْبَيْنِ، والكَوادنِ (٥٢) فى الآخَرِ، فيَبْطُلُ مَقْصودُ النِّضالِ، بل يكونُ لكلِّ حزْب رئيسٌ، يخْتارُ (٥٣) أحدُهما واحدًا، ثم يخْتارُ الآخَرُ واحدًا كذلك، حتى يَتَفاضَلُوا جميعًا، ولا يجوزُ أَنْ يُجْعَلَ الْخيارُ إلى أحدِهما فى الجميعِ، ولا أَنْ يخْتارَ جميعَ حِزْبِه أولًا؛ لأنَّه يخْتارُ الحُذَّاقَ كُلَّهم فى حِزْبِه. ولا يجوزُ أَنْ يجعلَ رئيسَ الحِزْبَيْنِ واحِدًا؛ لأنَّه يَمِيلُ إلى حِزْبه، فتلحَقُه التُّهْمَةُ. ولا يجوزُ أَنْ يخْتارَ كل واحد من الرَّئِيسَيْن أكثرَ من واحدٍ واحِدٍ (٥٤)؛ لأنَّه أبْعَدُ من التَّساوِى. وإذا اخْتَلَفَا فى الْمُبْتدِئ

стр. 7114

بالخِيار منهما (٥٥)، أُقْرِعَ بينهما. ولو قال أحدُهما: أنا أخْتارُ أوَّلًا، وأُخْرِجُ السَّبَقَ، أو يُخْرِجُه أصحابِى. لم يَجُزْ؛ لأنَّ السَّبَقَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بالسَّبْقِ، لا فى مُقابَلَةِ تَفَضُّلِ أحدِهما بشىءٍ. فصل: وإذا أخرجَ أحدُ الزَّعِيمَيْن السَّبَقَ من عندِه، فسَبقَ حِزْبُه، لم يكُنْ على حِزْبِه شىءٌ؛ لأنَّه جَعَلَه على نفسِه دُونَهم. وإِنْ شَرَطَهُ (٥٦) عليهم، فهو عليهم بالسَّوِيَّةِ، ويكونُ للحزْبِ (٥٧) الآخَرِ بالسَّوِيَّةِ، [مَن أصابَ منهم ومَنْ لم يُصِبْ، فى أحدِ الوَجْهَيْن، كما أنَّه على الحِزْبِ الآخَرِ بالسَّوِيَّةِ] (٥٨). وفى الوَجْهِ الآخَرِ، يُقْسَم بينهم على قَدْرِ الإِصابَةِ. وليس لمن لم يُصِبْ منهم شىءٌ؛ لأَنَّ اسْتِحْقاقَهُ بالإِصابَةِ، فكان على قَدْرِها، واخْتَصَّ بمن وُجِدَت منه، بخلافِ المَسْبُوقِين فإنَّه وَجَبَ عليهم؛ لالْتِزَامِهم له، وقد اسْتَوَوْا فى ذلك. فصل: ومتى كان النِّضالُ بينَ حِزْبَيْنٍ، اشْتُرِطَ كونُ الرِّشْقِ يُمْكِنُ قَسْمُه بينهم بغير كَسْرٍ، ويتَساوَما (٥٩) فيه، فإنْ كانُوا ثلاثةً، وجَبَ أَنْ يكونَ له ثُلُثٌ، وإن كانُوا أربعَةً، وجبَ أن يكونَ له ربعٌ، وكذلك ما زادَ؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ كذلك، بَقِىَ سهمٌ أو أكثْرُ بينهم (٦٠)، لا يُمْكِنُ الجماعةَ الاشْتراكُ فيه. فصل: وإذا كانُوا حِزْبَيْن، فدخلَ معهم رجُلٌ لا يَعْرِفُونَه فى أحدِ الحِزْبَيْنِ، وكان يُحْسِنُ الرَّمْىَ، جازَ، وإِنْ كان لا يُحْسِنُه، بَطَلَ العقدُ فيه، وأُخْرِجَ من الحِزْبِ الآخَرِ مَن جُعِلَ بإزائِه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ يُجْعَلُ فى مُقابَلَتِه آخَرُ، أو يخْتارُ أحدُ الزَّعِيمَيْن واحدًا، ويخْتارُ الآخَرُ آخَرَ فى مُقابَلَتِه. وهل يبْطُلُ فى الباقِين؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فإنْ قُلْنا: لا يبْطُلُ. فلكلِّ حِزْبٍ الخِيارُ لِتَبَعُّض (٦١) الصفْقَةِ فى حَقِّهم. وإن

стр. 7115

بانَ رامِيًا، لكنَّه قليلُ الإِصابَةِ، فقال حِزْبُه: ظننَّاه كثيرَ الإِصابَةِ، أو لم نعلمْ حالَه، أو بانَ كثيرَ الإِصابَةِ. فقال الحزبُ الآخرُ: ظَنَنَّاه قليلَ الإِصابَةِ. لم يُسْمَعْ ذلك منهم، وكان كمَنْ عَرَفُوه؛ لأنَّ شرطَ دُخولِه [فى العقْدِ أن يكون] (٦٢) من أهلِ الصَّنْعَةِ دونَ الحِذْقِ، كما لو اشْتَرَى عبدًا على أنَّه كاتِبٌ، فبان حاذِقًا أو ناقِصًا فيها، لم يُؤَثِّرْ. فصل: ولا يجوزُ أَنْ يقولُوا: نُقْرِعُ، فمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُه، فهو السَّابِقُ. ولا أن مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُه، فالسَّبَقَ عليه. ولا أَنْ يقولُوا: نَرْمِى، فأيُّنا أصابَ فالسَّبَقَ على الآخَرِ، لأنَّه عِوَضٌ فى عَقْدٍ، فلا يُسْتَحَقُّ بالقُرْعَةِ ولا بالإِصابَةِ. وإِنْ شرطُوا أَنْ يكونَ فلانٌ مُقَدَّمَ حزْبٍ، وفلانٌ مُقَدَّمَ الآخَرِ (٦٣)، ثم فلانٌ ثانيًا من الحِزْبِ الأَوَّلِ، وفلانٌ ثانيًا من الحِزْبِ الثانى، كان فاسِدًا؛ لأنَّ تَقْدِيمَ كُلِّ واحِدٍ من الحِزْبِ يكونُ إلى زَعِيمِه، وليس للحِزْبِ الآخَرِ مُشارَكَتُه فى ذلك، فإذا شَرَطُوه كان فاسِدًا. فصل: وإذا تَناضلَ اثنان، وأخْرَجَ أحدُهما السَّبَقَ، فقال أَجْنَبِىٌّ: أنا شَرِيكُك فى الغُنْمِ والغُرْمِ، إنْ نَضَلَك فنِصْفُ السَّبَقَ عَلَىَّ، وإِنْ نَضَلْتَه فنِصْفُه لى. لم يجُزْ. وكذلك لو كانَ المُتناضِلون ثلاثةً فيهما (٦٤) مُحَلِّلٌ، فقال رابعٌ للمُسْتَبِقَيْن: أنا شريكَكُما فى الغنمِ والغُرْمِ. كان باطِلًا؛ لأنَّ الغُنْمَ والغُرْمَ إنَّما يكونَ من المُناضلِ، فأما مَنْ لا يَرْمِى، فلا يكونُ له غُنْمٌ ولا غُرْمٌ. ولو شَرَطا فى النِّضالِ أَنَّه إذا جلسَ المُسْتَبقُ كان عليه السَّبَقُ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ السَّبَقَ على النِّضالِ، وهذا الشَّرْطُ يخالِفُ مُقْتَضَى النِّضالِ، فكان فاسِدًا. فصل: ولو فَضَلَ أحدُ المتناضِلَيْن صاحِبَه، فقال المَفْضَولُ: اطْرَحْ فَضْلَك، وأُعْطِيك دينارًا. لم يَجُزْ؛ لأنَّ المقصودَ مَعْرِفَةُ الحِذْقِ، وذلك يَمْنَعُ منه. وإِنْ فَسَخَا العقدَ، وعَقَدَا عقدًا آخَرَ، جازَ. وإِنْ لم يفْسَخاه، ولكن رَمَيَا تَمامَ الرِّشْقِ، فتَمَّت الإصابَةُ له مع ما أَسْقَطَه، اسْتَحَقَّ السَّبَقَ، ورَدَّ الدِّينارَ إنْ كان أخَذَهُ. فصل: إذا كان شَرْطُهما حَواصِلَ، وهى الإِصابَةُ المُطْلقَةُ، اعْتُدَّ بها كيفما

стр. 7116

وُجِدَتْ، بِشَرْطِ أَنْ يُصِيبَ بنَصْلِ السَّهْمِ، فإنْ أصابَ بعَرْضِه، أو بفُوقِه، نحو أَنْ ينْقَلِبَ السَّهْمُ بين يَدَى الغَرَضِ، فيصيبَ فُوقُه الغَرَضَ، لم يُعْتَدَّ به؛ لأنَّ هذا من سَيِّئ الخطأ. وإِنْ انْقَطعَ السَّهمُ قِطْعتَيْن، فأصابَتْ القطعةُ الأُخْرَى، لم يُحْتَسَبْ به. فإن كان الغَرَضُ جِلْدًا خِيطَ عليه شَنْبَرٌ كَشَنْبَرِ المُنْخُلِ، وجَعَلا له عُرًى وخُيوطًا تُعَلَّقُ به فى العُرَى، فأصابَ الشَّنْبَرَ أو العُرَى، نَظَرْتَ فى شرطِهِما (٦٥)؛ فإنْ شُرِطَ إصابَةُ الغَرَض، اعْتُدَّ له؛ لأنَّ ذلك من الغَرَضِ، فأمَّا الْمَعالِيقُ، وهى الخيوطُ، فلا يُعْتَدُّ له بإصابَتِها على كِلَا الشَّرْطَيْنِ؛ لأنَّها ليستْ من الجِلْدَةِ، ولا من الغرَض، فأشْبَهَ إصابَةَ الهَدَفِ. فصل: وإِنْ أطارَت الرِّيحُ الغَرَضَ، فوقَعَ السَّهْمُ فى مَوْضِعِه، فإنْ كان شَرْطُهما حَواصِلَ، احْتُسِبَ له به؛ لِعلْمِنا أنَّه لو كان الغرَضُ فى مَوْضِعِه أصابَه. وإِنْ كان شَرْطُهما خَواسِقَ، فقال القاضِى: ينظَرُ؛ فإن كان (٦٦) صلابَةُ الهدَفِ كصَلابَةِ الغَرَضِ، فثَبتَ فى الهَدفِ، احْتُسِبَ له بِه؛ لأنَّه لو بَقىَ مَكانَه لثَبتَ فيه، كثُبوتِه فى الهدَفِ، وإِنْ لم يثْبُتْ فيه مع التَّساوِى، لم يُحْتَسَبْ. وإِنْ كان الهدفُ أصْلَبَ فلم يثْبُتْ فيه، أو كان رخْوًا، لم يُحْتَسَبِ السَّهْمُ له ولا عليه؛ لأَنَّنا لا نعلمُ هل كان يثْبُتُ فى الغرَض لو بَقِىَ مَكانَه أَوْ لَا؟ وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. وقال أبو الخَطاب: إنْ كان شَرْطُهما خَواسِقَ، لم يُحْتَسَبْ له بالسَّهْمِ الذى وقَعَ فى مَوْضِعِه، ولا عليه؛ لأنَّنا لا نَدْرِى هل يثْبُتُ فى الغَرَضِ لو كان مَوْجُودًا أَوْ لَا؟ وإِنْ وقَعَ السَّهْمُ فى غيرِ مَوْضِعِ الغَرَضِ، احْتُسِبَ به على رَامِيه؛ لأنَّه خَطأٌ، ولو وقعَ فى الغَرَضِ فى المَوْضِعِ الذى طارَ إليه، حُسِبَ عليه أيْضًا، لا له إلَّا أَنْ يكونا اتَّفَقَا على رَمْيِه فى المَوْضِعِ الذى طارَ إليه. وكذلك الحُكْمُ إذا ألقَت الرِّيحُ الغَرَضَ (٦٧) على وجْهِه. فصل: وإذا رَمَى فأخْطَأَ لعارِضٍ؛ من كسْرِ قَوْسٍ، أو قَطْعِ وَتَرٍ، أو حَيَوانٍ اعْتَرضَ بين يَدَيْه، أو ريحٍ شَدِيدَةٍ تَرُدُّ السَّهْمَ عَرْضًا، لم يُحْتَسَبْ (٦٨) عليه بذلك السَّهْمِ؛ لأنَّ

стр. 7117

خَطَأَهُ للعارِضِ، لا لسُوءِ رَمْيِه. قال القاضِى: ولو أصابَ، لم يُحْتَسَبْ [له؛ لأنَّه إذا لم يُحْتَسَبْ عليه لم يُحْتَسَبْ له] (٦٩)، ولأنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدةَ؛ يجوزُ أَنْ تَصْرفَ الرَّمْىَ الشَّدِيدَ فيُخْطئَ، يجوزُ أَنْ تصْرِفَ السَّهْمَ المُخْطِئَ عن خَطَئِه فيقعَ مُصِيبًا، فتكونَ إصابَتُه بالرِّيحِ، لا بحِذْقِ رَمْيِه. فأما إنْ وقعَ السَّهْمُ فى حائلٍ بينه وبين الغرَضِ، فَمَرَقَه، وأصابَ الغَرَضَ، حُسِبَ له؛ لأنَّ إصابَتَه لِسَدادِ رَمْيِه، ومُرُوقَه لقُوَّتِه، فهو أوْلَى من غيرِه. وإِنْ كانت الرِّيحُ لَيِّنَةً خفيفةً، لا تَرُدُّ السَّهْمَ عادَةً، لم يُمْنَعْ؛ لأنَّ الجوَّ لا يخْلُو من ريحٍ، ولأَنَّ الرِّيحَ اللَّيِّنةَ لا تُؤَثِّرُ إلا فى الرَّمْى الرِّخْوِ الذى لا يُنْتفَعُ بِه. فصل: وإِنْ كان شَرْطُهما خَواسِقَ، والخاسِقُ: ما ثقبَ الغَرَضَ، وثَبتَ فيه. فمتى أصابَ الغَرَضَ بنَصْلِه، وثَبَتَ فيه، حُسِبَ له، وإِنْ خَدَشَه ولم يَثْقُبْه، لم يُحْتَسَبْ له، وحُسِبَ (٧٠) عليه، وإِنْ مَرَقَ منه، احْتُسِبَ له به؛ لأنَّ ذلك لِقُوَّةِ رَمْيِه، فهو أبلَغُ من الخاسِقِ، وإِنْ خَرَقَه، وهو أَنْ يثْقُبَهُ، ويقَعَ بين يَدَيْه، ففيه وَجْهان، أحدُهما، يُحْتَسَبُ له؛ لأنَّه ثَقَبَ ثَقْبًا يصْلُحُ للخَسْقِ، وإنَّما لم يثْبُتِ السَّهْمُ لسبَبٍ آخَرَ، من سَعَةِ الثَّقْبِ أو غيرِه. والثانى، لا يُحْتَسَبُ له؛ لأنَّ شَرْطَهما الْخَوَاسقُ، والخاسِقُ ما ثَبتَ، وثُبوتُه يكونُ لِحِذْقِ (٧١) الرَّامِى، وقَصْدِه برَمْيِه ما اتَّفَقَا عليه. فإنْ كان امْتِناعُ السَّهمِ من الثُّبوتِ لمُصادَفَتِه ما يَمْنَعُ الثُّبوتَ؛ من حَصاةٍ، أو حجرٍ، أو عَظْمٍ، أو أرضٍ غَليظَةٍ، ففيه الوَجْهان، إلَّا أنَّه إذا لم يُحْتَسَبْ له، لم يُعَدَّ عليه؛ لأنَّ العارِضَ مَنَعَه من الثُّبوتِ، فأشْبَهَ ما لوْ مَنَعَه عارِضٌ من الإِصابَةِ. وإِنْ اخْتَلَفا فى وُجودِ العارِض، نَظَرْتَ، فإنْ عُلِمَ مَوْضِعُ الثَّقْبِ باتِّفاقِهِما، أو بِبَيِّنةٍ، نُظِرَ فى الموضعِ، فإنْ لم يكُنْ فيه ما يَمْنَعُ، فالقَوْلُ قولُ المُنْكِرِ، وإِنْ كان فيه ما يَمْنَعُ، فالقَولُ قولُ المُدَّعِى، ولا يَمِينَ؛ لأنَّ الحالَ تَشْهَدُ بصِدْقِ ما ادَّعاهُ. وإِنْ لم يَعْلَما مَوْضِعَ الثَّقبِ، إلَّا أنَّهُما اتَّفَقَا على أنَّه خَرَقَ الغَرَضَ، ولم يكُنْ وراءَه شىءٌ يَمْنَعُ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ بغيرِ يَمِينٍ أيضًا؛ لأنَّه لا مانِعَ. وإِنْ كان وراءَه ما يَمْنَعُ،

стр. 7118

وادَّعَى المُصابُ عليه أَنَّه لم يكُنِ السَّهْمُ فى مَوْضِعٍ وراءَه ما يَمْنَعُ، فالقَوْلُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الإِصابَةِ مع احْتمالِ ما يقولُه المصيبُ. وإِنْ أنْكَرَ أَنْ يكونَ خَرَقَ أيضًا، فالقولُ أيضًا قولُه مع يَمِينه، لما ذَكَرْناه. فصل: وإِنْ شَرَطَا خَاسِقًا، فَوَقَعَ السَّهْمُ فى ثَقْبٍ فى الغرَضِ، أو مَوْضِع بالٍ، فنَقَبَه وثَبَتَ فى الهدَفِ مُعَلَّقًا فى الغَرَضِ، نَظَرْتَ، فإنْ كان الهدفُ صُلْبًا (٧٢) كصَلابَةِ الغَرَضِ، فثَبَتَ فيه، حُسِبَ له؛ لأنَّه عُلِمَ أَنَّ الغَرَضَ لو كان صحيحًا لَثَبَتَ فيه، وإِنْ كان الهدفُ تُرابًا أُهِيلَ، لم يُحْتَسَبْ له ولا عليه؛ لأنَّنَا لا نَعْلَمُ هل كان يثْبُتُ فى الغَرَضِ لو أصابَ مَوْضِعًا منه قويًّا أَوْ لَا. وإِنْ صادَفَ السَّهْمَ فى ثَقْبٍ فى الغَرَض قد ثَبتَ فى الهدَفِ مع قطعَةٍ من الغَرَضِ، فقال الرَّامِى: خَسَقْتُ، وهذه الجلدةُ قطَعَها سَهْمِى لِشِدَّةِ الرَّمْيَةِ. فأنكرَ صاحِبُه، وقال: بل هى كانت مقطوعَةً. فإنْ عُلِمَ أَنَّ الغَرَضَ كان صحيحًا، فالقولُ قولُ الرَّامِى، وإِنْ اخْتَلَفا، فذكرَ القاضِى أنَّها كالتى قبْلَها؛ إنْ كان الهدفُ رِخْوًا لم يُعْتَدَّ به، وإِنْ كان قويًّا صُلْبًا، اعْتُدَّ به. وإِنْ وَقَعَ سَهْمُه فى سَهْمٍ ثابِتٍ [فى الغرَض] (٧٣)، اعْتُدَّ له به، وإن كان شَرْطُهما خَواسِقَ، لم يُحْتَسَبْ له (٧٤) ولا عليه؛ لأنَّنا لا نعلَمُ يَمينًا أَنَّه لَوْلا فُوقُ السَّهْمِ الثَّابِتِ لَخَسَقَ. وإن أصابَ السَّهْمُ، ثم سَبَحَ عنه، فخَسَقَ، احْتُسِبَ له به. فصل: إذا قال رجُلٌ لآخَرَ: ارْمِ هذا السَّهْمَ، فإنْ أصبْتَ به، فلكَ دِرْهَمٌ. صَحَّ، وكان جَعالَةً؛ لأنَّه بذَلَ مالًا (٧٥) فى فِعْلٍ له فيه غَرَضٌ صحيحٌ، ولم يكُنْ هذا نِضالًا؛ لأنَّ النِّضالَ يكونُ بينَ اثْنَيْن أو جماعَةٍ على أَنْ يرمُوا جَمِيعًا، ويكونُ الجُعْلُ لبَعْضِهم إذا كان سابِقًا. وإِنْ قال: إنْ أصَبْت به فلكَ دِرْهَمٌ، وإِنْ أخْطَأْتَ فعليكَ دِرْهَم. لم يصِحَّ؛ لأنَّه

стр. 7119

قِمارٌ (٧٦). وإِنْ قال: ارْمِ عشرةَ أَسْهُمٍ، فإنْ كان صوابُك أكثرَ من خَطئكَ، فلكَ دِرْهَمٌ. صَحَّ؛ لأنَّه جعلَ الجُعْلَ فى مُقابَلَةِ الإِصابَةِ المعلومَةِ، فإنَّ أكثرَ العشرةِ أقلُّه سِتَّةٌ، وليس ذلك مجهولًا (٧٧)؛ لأنَّه بالأَقَلِّ يسْتَحِقُ الجُعْلَ. وإِنْ قال: إنْ كان صَوابُك أكثرَ، فلكَ بكلِّ سَهْمٍ أصَبْتَ بِه (٧٨) دِرْهَمٌ. [صحَّ. وكذلك إنْ قال: ارْمِ عشرةً، ولكَ بِكلِّ سهمٍ أصَبْتَ به منها دِرْهَمٌ] (٧٩). أو قال: فلكَ بكلِّ سهمٍ زائِدٍ على النِّصْفِ من المُصيباتِ دِرْهَمٌ. لأنَّ الجُعْلَ معلومٌ بتَقْديرِه بالإصابَةِ، فأشْبَهَ ما لو قال: اسْتَقِ لى من هذا البِئْرِ، ولك بكُلِّ دَلْوٍ تَمْرَةٌ. أو قال: مَنْ رَدَّ عبدًا من عَبِيدِى، فله بكلِّ عبْدٍ دِرْهَمٌ. وإِنْ قال: وإِنْ كان خَطَؤُك أكثرَ، فعليكَ دِرْهَمٌ. أو نحوَ هذا، لم يجُزْ؛ لأنَّه قِمارٌ. وإِنْ قال: ارْمِ عشرةً، فإنْ أَخْطَأْتَها فعليك دِرْهَمٌ. أو نحوَ هذا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الجُعْلَ يكونُ فى مُقابَلَةِ عملٍ، ولم يُوجَدْ من المُقابِلِ (٨٠) عملٌ يَسْتَحِقُّ به شيئًا. ولو قال الرَّامِى لأَجْنَبِىٍّ: إنْ أخْطَأْتَ، فلكَ دِرْهَمٌ. لم يصِحَّ؛ لذلك. فصل: وإذا عَقَدَا (٨١) النِّضالَ، ولم يَذْكُرَا قَوْسًا، فظاهِرُ كلامِ القاضِى، أنَّه يصِحُّ، ويَسْتَوِيانِ فى القَوْسِ، إمَّا العَرَبِيَّة وإمَّا العَجَمِيَّة، وقال غيرُه: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَا نَوْعَ القَوْسِ الذى يَرْمِيانِ عليه فِى الابْتِداءِ؛ لأنَّ إطْلاقَه ربما أفضَى إلى الاخْتلافِ، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ عنه بالتَّعْيِينِ للنَّوْعِ، فيجِبُ ذلك. وإِنْ اتَّفَقَا على أنَّهما يَرْميانِ بالنُّشَّابِ فى الابْتِداءِ، صَحَّ، ويَنْصَرِفُ إلى الرَّمْى (٨٢) بالقَوْسِ الأَعجَمِيَّةِ؛ لأنَّ سِهامَها هو المُسَمَّى بالنُّشَّابِ، وسهامَ العربيَّة يُسَمَّى نَبْلًا. فإنْ عَيِّنَ نَوْعًا من القِسِىِّ، لم يجُزِ العُدولُ عنها إلى غيرِها؛ لأنَّ أحدَهما قد يكونُ أحْذَقَ بالرَّمْىِ بأحَدِ النَّوْعَيْنِ دونَ الآخَرِ.

стр. 7120

وإِنْ عَيَّنا قَوْسًا بعَيْنِها، لم تَتَعَيَّنْ؛ لأنَّها قد تَنْكَسِرُ، ويحتْاجُ إلى إبْدالِها؛ لأنَّ الحِذْقَ لا يخْتلِفُ باخْتلافِ عَيْنِ القَوْسِ، بخلافِ النَّوعِ. وإِنْ تَناضَلَا على أَنْ يَرْمِىَ أحدُهما بالعربيَّةِ، والآخَرُ بالفارِسِيَّةِ، أو أحدُهما بقَوْسِ الزُّنْبُورِ، والآخَرُ بقوْسِ الجَرْخِ (٨٣)، أو قوْسِ الحُسْبانِ، وهو قَوْسٌ سِهامُه قِصارٌ، يُجْعَلُ فى مَجْرًى مثلِ القَصَبةِ، ثم يُرْمَى بها، ففيه (٨٤) وَجْهان؛ أحدُهما، يَصِحُّ. وهو قولُ القاضِى، ومذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّهما نَوْعًا جِنْسٍ، فصَحَّت المُسابَقَةُ مع اخْتلافِهما، كالخيلِ والإِبلِ. [والثانِى، لا تَصِحُّ المسابَقَةُ مع اختلافِهِما؛ لأنَّهما يَخْتَلِفان فى الإِصابَةِ، فجرَى مجرَى المسابَقَةِ بين جِنْسَيْن. وكذلك الحكْمُ فى المسابَقةِ بين نَوْعَى الخيلِ والإِبلِ] (٨٥). فصل: وظاهرُ كلامِ أحمدَ إباحَةُ الرَّمْى بالقَوْس الفارِسِيَّة. ونَصَّ على جَوازِ المُسابَقَةِ بها. وقال أبو بكر بنُ [أبى] (٨٦) جَعْفر: يُكْرَه؛ لأنَّه رُوِىَ (٨٧) عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه رَأى مع رجلٍ قَوْسًا فارِسِيَّة، فقال: "ألْقِها، فَإنَّها مَلْعُونةٌ، ولكِنْ عَلَيْكُمْ بِالقِسِىِّ العَرَبِيَّةِ، وبِرِمَاحِ الْقَنَا، فَبِهَا يُؤيِّدُ اللَّهُ الدِّينَ، وبِهَا يُمَكِّنُ اللَّهُ لَكُمْ فى الأَرْضِ". روَاه الأَثْرَمُ (٨٨). ولَنا، انعقادُ الإِجْماعِ على الرَّمْىِ بها، وإباحَةِ حَمْلِها، فإنَّ ذلك جازَ فى أكْثَرٍ الأعْصارِ، وهى التى يحْصُلُ الجهادُ بها فى عَصْرِنا وأكثرِ الأعْصارِ المتقدِّمَةِ. وأمّا الخبرُ، فيحْتَمِلُ أنَّه لَعَنَها لأَنَّ حَمَلَتَها فى ذلك العَصْرِ العَجَمُ، ولم يكونُوا أسْلَمُوا بعدُ، ومَنَعَ العربَ من حَمْلِها لعَدَمِ مَعْرِفَتِهم بها، ولهذا أمَرَ بِرِماحِ الْقَنَا، ولو حَمَلَ إنسانٌ رُمْحًا غيرَها لم يكُنْ مَذْمُومًا. وحكى أحمدُ، أَنَّ قَوْمًا اسْتَدَلُّوا على القِسِىِّ الفارِسِيَّةِ بقَوْلِ اللَّه تعالى:

стр. 7121

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٨٩). يَعْنِى أَنَّ هذا ممَّا اسْتطاعَهُ مِن القُوَّةِ، فيَدْخُلُ فى عُمومِ الآيَةِ. ١٧٧٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ إِذا أُرْسْلَ الْفُرْسَانُ أَنْ يَجْنُبَ أحَدُهُمَا إلَى فَرَسِه فَرَسًا، يُحَرِّضُه عَلَى العَدوِ، [ولَا يَصِيحُ بِهِ وقْتَ] (١) سِبَاقِهِ؛ لمَا رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "لَا جَنَبَ وَلَا جَلَبَ".) معنى الْجَنَبِ، أَنْ يَجْنُبَ المُسابِقُ إلى فَرَسِه فَرَسًا لا راكِبَ عليه، يُحرِّضُ التى (٢) تَحْتَه على العَدْوِ، ويَحُثُّه عليه. هذا ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ. وقال القاضِى: مَعْنَاهُ أَنْ يَجْنُبَ فرسًا يتحوَّلُ عندَ الغايَةِ عليه، لكَوْنِها أقَلُّ كَلالًا وإعْياءً. قال ابنُ الْمُنْذِرِ: كذا قيلَ، ولا أحْسَبُ هذا يَصِحُّ؛ لأنَّ الفَرَسَ التى يُسابِقُ بها (٣) لابُدَّ من تَعْيِينها، فإنْ كانَت التى يَتَحَوَّلُ عنها، فما حصَلَ السَّبْقُ بها، وإِنْ كانَتْ التى يتَحوَّلُ إليْها، فما حصَلَت المُسابَقَةُ بِها فى جميعِ الحَلْبَةِ، ومِنْ شَرْطِ السِّباقِ ذلك، ولأنَّ (٤) هذا متى احْتاجَ إلى التحَوُّلِ والاشْتِغالِ به، فربما سُبِقَ باشْتِغاله، لا بِسُرْعةِ (٥) غيرِه، ولأنَّ المقصودَ معرِفَةُ عَدْوِ الفَرَس فى الحَلْبَةِ كُلِّها، فمتى كان إنَّما يَركَبُه فى آخِرِ الحَلْبَةِ، فما حصَلَ المقْصودُ. وأمَّا الْجَلَبُ، فهو أَنْ يتْبَعَ الرجلُ فَرَسَه، يركضُ خَلْفَه، ويَجْلِبُ عليه، ويَصِيحُ وراءَه، يَسْتَحِثُّه بذلِك على العَدْوِ. هكذا فَسَّرَه مالِكٌ (٦). وقال قَتَادَةُ: الجَلَبُ والجَنَبُ فى الرِّهانِ (٦). ورُوِىَ عن أبى عُبَيْدٍ كقولِ مالِكٍ. وحُكِىَ عنه، أَنَّ مَعْنَى الجَلَبِ أَنْ يَحْشُرَ

стр. 7122

السَّاعِى أهلَ الماشِيَةِ ليَصْدُقَهم، قال: فلا يفْعَلْ، لِيَأتِهم على مِيَاهِهِم فيَصْدُقَهم (٧). والتفسيرُ الأَوَّلُ هو الصَّحِيحُ؛ لما رَوَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْن، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا جَلَبَ، ولَا جَنَبَ فِى الرِّهَانِ". روَاه أبو داود (٨). وفى حديثِ علىٍّ فى السِّباقِ فى (٩) آخرِه: "ولَا جَلَبَ، ولَا جَنَبَ، ولَا شِغَارَ فِى الإِسْلَامِ" (١٠). ويُرْوَى عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ أجْلَبَ عَلَى الْخَيْلِ يَوْمَ الرهَانِ، فَلَيْسَ مِنَّا" (١١).

стр. 7123

كتاب الأَيْمان الأَصْلُ فى مَشْرُوعِيَّتها وثبوتِ حُكْمِها، الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ. أمَّا الكتابُ، فقولُ اللَّه سُبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١). الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٢). وأمرَ نبيَّه ﷺ بالحَلِفِ فى ثلَاثةِ مواضِعَ، فقال: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّى إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٤). والثالث: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٥). وأمَّا السنَّةُ: فقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنِّى وَاللَّهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أوتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ وتَحَلَّلْتُهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٦). وكان أكثرُ قَسَمِ رسولِ اللَّه ﷺ : "وَمُصَرِّفِ القُلُوبِ، ومُقَلِّبِ الْقُلُوب" (٧). ثَبَت هذا عن رسولِ اللَّه ﷺ ، فى آىٍ وأخْبارٍ سِوَى هذَيْن كثيرٍ. وأَجْمَعَت الأُمَّةُ على مَشْرُوعِيَّةِ اليمينِ، وثُبوتِ أحْكامِها. ووَضْعُها فى الأصْلِ لتَوْكيدِ المَحْلوفِ عليه.

стр. 7124

فصل: وتصِحُّ من كُلِّ مُكلَّفٍ مُخْتارٍ قاصِدٍ إلى اليمينِ، ولا تصحُّ من غيرِ مُكَلَّفٍ، كالصبىِّ والمجنونِ والنائمِ؛ لقولِه ﵇: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ" (٨). ولأنَّه قولٌ يتعَلَّقُ به وُجوبُ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ من غير مُكَلَّفٍ [كالإِقْرارِ. وفى السَّكْرانِ وَجْهان؛ بناءً على أنَّه هل هو مُكَلَّفٌ] (٩)، أو غيرُ مُكلَّفٍ؟ ولا تَنْعَقِدُ يَمِينُ مُكْرَهٍ. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: تَنْعقِدُ؛ لأَنَّها يَمِينُ مُكلَّفٍ، فانْعَقَدَت، كيَمِينِ المُخْتارِ. ولَنا، ما رَوَى أبو أُمامَةَ، وواثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ" (١٠). ولأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يصِحَّ، ككلمَةِ الكُفْرِ. فصل: وتَصِحُّ اليمينُ من الكافِرِ، وتَلْزَمُه الكفَّارَةُ بالحِنْثِ، سواءٌ حَنَثَ فى كُفْرِه أو بعدَ إسْلامِه. وبه قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ إذا حَنَثَ بعدَ إسْلامِه. وقال الثوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا يَنْعَقِدُ يَمِينُه؛ لأنَّه ليس بمُكَلَّفٍ. ولَنا، أنّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، نَذَرَ فى الجاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ فى المسجدِ الحرامِ، فأمَرَه النَّبِىُّ ﷺ بالوفاءِ بنَذْره (١١). ولأَنَّه من أهلِ القَسَمِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ (١٢). ولا نُسَلِّمُ أنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، وإنَّما تسْقطُ عنه العباداتُ بإسْلامِه؛ لأنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ ما قبلَه، فأمَّا ما الْتَزَمَه (١٣) بنَذْرِه أو يَمِينه، فَيَنْبَغِى أَنْ يَبْقَى حُكْمُه فى حَقِّه؛ لأنَّه (١٤) من جِهَتِه. فصل: ولا يجوزُ الحَلِفُ بغيرِ اللَّه تعالى، وصِفاتِه، نحو أَنْ يحلفَ بأَبِيهِ، أو الكَعْبَةِ، أو صَحابِىٍّ، أو إمامٍ. قال الشافِعِىُّ: أخْشَى أَنْ يكونَ مَعْصِيَةً. قال ابنُ عبد البَرِّ: وهذا أصلٌ مجمعٌ عليه. وقيل: يجوزُ ذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى أقْسَمَ بمَخْلُوقاتِه، فقال:

стр. 7125

﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (١٥). ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ (١٦). ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ (١٧). وقال النَّبِىُّ ﷺ للأَعْرابِىّ السائِلِ له (١٨) عن الصلاةِ: "أفْلَحَ، وأبيهِ، إنْ صَدَق" (١٩). وقال فى حديث أبى العشراء: " وَأَبيكَ لَوْ طَعَنْتَ فِى فَخِذِهَا لأَجْزَأَكَ" (٢٠). ولَنا، ما رَوَى عمرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَدرَكَه وهو يَحْلِفُ بأبِيه، فقال: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أو ليَصْمُتْ". قال عمرُ: فما حَلَفْت بها بعدَ ذلك، ذاكرًا ولا آثِرًا. مُتَّفَقٌ عليه (٢١). يعنى ولا حَاكِيًا لها عن غيرِى. وعن ابنِ عمر، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ بغَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ أشْرَكَ". قال الترمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ (٢١). ورُوِى عن النَّبىِّ ﷺ ، قال: "مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ والْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلهَ إلَّا اللَّهُ" (٢٢). ورُوِىَ عنِ النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَما قَالَ". مُتَّفقٌ عليه (٢٣).

стр. 7126

وفى لفظٍ: "مَنْ حَلَفَ (٢٤) أنَّه بَرِىءٌ مِنَ الإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ كَذَبَ، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الإِسْلَامِ سَالِمًا". روَاه أبو داود (٢٥). فأمّا قَسَمُ اللَّهِ بمَصْنُوعاتِه، فإنَّما أقْسَمَ به دَلالةً على قُدْرتِه وعَظمَتِه، وللَّهِ تعالى أَنْ يُقْسِمَ بما شاءَ مِن خَلْقِه، ولا وَجْهَ للقياس على إقْسامِه. وقد قيل: إنَّ (٢٦) فى إقْسامِه إضمارَ القسمِ بربِّ هذه المخلوقاتِ، فقولُه: ﴿وَالضُّحَى﴾ (٢٧). أى وربِّ الضُّحَى. وأمَّا قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "أفلَحَ، وأبيهِ، [إنْ صَدَقَ] (٢٨) ". فقال ابنُ عبدِ الْبَرِّ: هذه اللفظة غيرُ مَحْفُوظَةٍ من وَجْهٍ صحيحٍ، فقد روَاه مالِكٌ وغيرُه من الحُفَّاظِ فلم يقولُوها فيه. وحديثُ أبى العشراءِ، قد قال أحمدُ: لو كانَ يثْبُتُ. يعنى أَنَّه لم يَثْبُتْ، ولهذا لم يَعْمَلْ به الفُقَهاءُ فى إباحَةِ الذَّبْحِ فى الفَخِذِ. ثم لو ثَبَتَ، فالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْىَ بعدَه؛ لأنَّ عمرَ قد كان يحْلِفُ بها كما حَلَفَ بها النَّبِىُّ ﷺ ، ثم نُهِىَ عن الحَلِفِ بها، ولم يرِدْ بعدَ (٢٩) النَّهْى إباحَةٌ، ولذلك قال عمرُ، وهو يَرْوِى الحديثَ بعدَ مَوْتِ النَّبِىِّ ﷺ : فما حَلَفْتُ بها ذاكِرًا، ولا آثِرًا. ثم إنْ لم يكنْ الحَلِفُ بغيرِ اللَّه مُحَرّمًا فهو مكرُوهٌ، فإنْ حلفَ فلْيَسْتَغْفِر اللَّهَ تعالى، أو ليَذْكُرِ اللَّهَ تعالى، كما قال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ باللَّاتِ والْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ". لأنَّ الحَلِفَ بغيرِ اللَّه سَيِّئَةٌ، والحَسَنَةُ تَمْحُو السَّيِّئَةَ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٣٠). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً، فاتبِعْها حَسَنَةً تَمْحُهَا" (٣١). ولأنَّ مَن حَلَفَ بغيرِ اللَّه، فقد عَظَّمَ غيرَ اللَّه تَعْظِيما يُشْبِهُ تَعْظيمَ الرَّبِّ ﵎، ولهذا سُمِّى شِرْكًا؛ لكَوْنِه أشرَكَ غيرَ اللَّهِ مع اللَّه تعالَى فى تَعْظيمِه بالقَسَمِ به، فيقولُ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ. تَوْحِيدًا للَّه تعالى، وبَراءَةً من الشِّرْكِ. وقال الشافِعِىُّ: مَن حلَفَ بغير اللَّه تعالى، فلْيَقُلْ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.

стр. 7127

فصل: ويُكْرَهُ الإِفراطُ فى الحَلِفِ باللَّه تعالَى، لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٣٢). وهذا ذَمٌّ له يَقْتَضِى كَراهَةَ فِعْلِه. فإنْ لم يخرجْ إلى حَدِّ الإِفْراطِ، فليس بمَكْرُوهٍ، إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ به ما يُوجِبُ كراهَتَه. ومن الناس مَنْ قال (٣٣): الأيْمانُ كُلُّها مَكْروهَةٌ؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٣٤). ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يحْلِفُ كثيرًا، وقد كان يَحْلِفُ فى الحديثِ الواحِدِ أيمانًا كثيرةً، ورُبَّما كرَّرَ اليمينَ الواحِدةَ ثلاثًا، فإنَّه قال فى خُطْبةِ الكُسوفِ: "وَاللَّهِ يا أُمَّةَ محمَّدٍ، مَا مِنْ (٣٥) أحَدٍ أغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِىَ عَبْدُهُ، أو تَزْنِىَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ محمّدٍ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُم قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثيرًا" (٣٦). ولَقِيَتْه امرأةٌ من الأنْصارِ، معها أولادُها، فقال: " وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، إنَّكُم لأحَبُّ النَّاسِ إلَىَّ". ثَلاثَ مَرَّاتٍ (٣٧). وقال: "وَاللَّهِ لأَغزُوَنَّ قُرَيْشًا، واللَّه لأَغْزُوَنّ قُرَيْشًا، وَاللَّهِ لأَغزُوَنَّ قُرْيَشًا" (٣٨). ولو كان هذا مكروهًا، لَكانَ النَّبِىُّ ﷺ أبعدَ الناسِ منه. ولأنَّ الحَلِفَ باللَّهِ تعظيمٌ له، وربَّما ضَمَّ إلى يَمِينه وَصْفَ اللَّه تعالَى بتَعْظيمِه وتوْحِيدِه، فيكونُ مُثابًا على ذلك. وقد رُوِىَ أَنَّ رجُلًا حَلَفَ على شىءٍ، قال: واللَّهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، ما فَعَلْتُ كذا. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "أما إنَّه قَدْ كَذَبَ، ولكِنْ (٣٩) غُفِرَ لَهُ بتَوْحِيدِه" (٤٠). وأَمَّا الإِفْراطُ فى الحَلِفِ، فإنَّما كُرِهَ؛ لأنَّه لا يكادُ يخلُو من الكَذِبِ. واللَّهُ أعلم. فأمَّا قولُه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً

стр. 7128

لِأَيْمَانِكُمْ﴾. فمَعْناه لا تجْعَلُوا أيْمانَكم باللَّهِ مانِعَةً لكم من البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ الناس، وهو أَنْ يَحْلِفَ باللَّهِ أَنْ لا يفْعَلَ بِرًّا ولا تَقْوَى ولا يُصْلِحَ بيْنَ الناسِ، ثم يمتَنِعَ من فعْلِه، لِيَبَرَّ فى يَمِينِه، ولا يَحْنَثَ فيها، فنُهُوا عن المُضِىِّ فيها. قال أحمدُ، وذكرَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ بإسْنادِه، فى قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾: الرجلُ يحْلِفُ أَنْ لا يَصِلَ قرابَتَه، وقد جعلَ اللَّه له مَخْرَجًا فى التَّكْفِيرِ، فأمَرَه أَنْ لا يعْتَلَّ باللَّهِ، وَليُكَفِّرْ (٤١)، ولْيَبَرَّ (٤٢). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لأَنْ يَسْتَلِجَّ (٤٣) أحَدُكُمْ فِى يَمِينِه، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّه مِنْ أَنْ يُؤدِّىَ الْكَفَّارَةَ الَّتى فرَضَ اللَّه عَلَيْهِ". مُتّفَقٌ عليه (٤٤). وقال النبىُّ ﷺ : "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ". وقال: "إنِّى وَاللَّهِ لَا أَحْلِف عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا أتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وتَحَلّلْتُهَا". مُتَّفَقٌ عليهما (٤٥). وإِنْ كان النَّهْىُ عادَ إلى اليَمِينِ، فالمَنْهِىُّ عنه الحَلِفُ على تَرْكِ البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ الناس، لا على كُلِّ يَمِينٍ، فلا حُجَّةَ فيها لهم إذًا. فصل: والأَيْمانُ تنْقَسِمُ خمسةَ أَقْسامٍ؛ أحدُها، واجِبٌ، وهى التى يُنْجى بها إنسانًا مَعْصُومًا من هَلَكَةٍ، كما رُوِىَ عن سُوَيد بنِ حَنْظَلَةَ، قال: خَرَجْنا نُرِيدُ النَّبِىَّ ﷺ ، ومَعَنا وائلُ بنُ حُجْرٍ، فأخَذَه عَدُوٌّ له، فتحَرَّجَ القومُ أن يحْلِفُوا، وحَلَفْتُ أَنا أنَّه أخِى، فذَكَرْتُ ذلك للنَّبِىِّ ﷺ ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "صَدَقْتَ، الْمُسْلِمُ أخُو الْمُسْلِمِ".

стр. 7129

روَاه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ (٤٦). فهذا ومثلُه واجِبٌ لأنَّ إنْجاءَ المَعْصُومِ واجبٌ، وقد تَعَيَّن فى اليَمِينِ، فيجبُ، وكذلك إنْجاءُ نفْسِه، مثل أَنْ تَتَوجَّهَ عليه أيْمانُ القَسامَةِ فى دَعْوَى القتلِ عليه، وهو بَرِىءٌ. الثانى، مَنْدُوبٌ، وهو الحَلِفُ الذى تَتَعَلَّقُ به مصلحَةٌ؛ من إصْلاحٍ بينَ مُتَخاصِمَيْن، أو إزالَةِ حِقْدٍ من قلبِ مسلمٍ عن الحالِفِ أو غيرِه، أو دَفْعِ شَرٍّ، فهذا مندوبٌ؛ لأنَّ فِعْلَ هذه الأمورِ مَنْدوبٌ إليه، واليَمِينَ مُفْضِيَةٌ إليه. وإِنْ حَلَفَ على فِعْلِ طاعَةٍ، أو تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، أنَّه مندوب إليه. وهو قولُ بعضِ أصحابِنا، وأصحابِ الشافِعِىِّ؛ لأَنَّ ذلك يدْعوه إلى فِعْلِ الطاعاتِ، وتَرْكِ الْمَعاصِى. والثانِى، ليس بمندوبٍ إليه؛ لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصحابَه لم يكونُوا يَفْعَلُون ذلك فى الأكثرِ الأَغْلَبِ، ولا حَثَّ (٤٧) النَّبِىُّ ﷺ أحدًا عليه، ولا نَدَبَه إليه، ولو كان ذلك طاعَةً لم يُخِلُّوا به، ولأَنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى النَّذْرِ، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن النَّذْرِ، وقال: "إِنَّه لَا يَأْتِى بِخَيْرٍ، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٨). الثالثُ، المباحُ، مثل الحَلِفِ على فعل مباحٍ أو تركِه، والحَلِفِ على الخَبَرِ بشىءٍ وهو صادِقٌ فيه، أو يظنُّ أنَّه فيه صادِقٌ، فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤٩). ومن صُورِ

стр. 7130

اللَّغْوِ أَنْ يَحْلِفَ على شىءٍ يظنُّه كما حَلَفَ عليه (٥٠)، ويَبِينُ بخِلافِه. فأمَّا الحَلِفُ على الحُقوقِ عندَ الحاكِمِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، أَنَّ تَرْكَه أوْلَى من فِعْلِه، فيكونُ مكروهًا. ذكرَ ذلك أصحابُنا، وأصْحابُ الشافِعِىِّ؛ لما رُوِىَ أَنَّ عثمانَ والمِقْدادَ تَحاكَما إلى عمرَ، فى مالٍ اسْتَقْرَضَه المقدادُ، فجعلَ عمرُ اليَمِينَ على المِقْدادِ، فرَدَّها على عثمانَ، فقال عمرُ: لقد أنْصَفَكَ. فأخذَ عثمانُ ما أعْطاهُ المِقْدادُ، ولم يحلِفْ، فقال: خِفْتُ أَنْ يُوافِقَ قَدَرٌ بَلَاءً، فيُقالَ: بيَمِينِ عثمانَ (٥١). والثانى، أنَّه مُباحٌ، فِعْلُه كَتَرْكِه؛ لأنَّ اللَّه تعالَى أمرَ نَبِيَّهُ بالحَلِفِ على الحقِّ فى ثلاثَةِ مَواضِعَ. وروَى محمَّدُ بنُ كَعبٍ القُرَظِىُّ، أَنَّ عمرَ قال على المِنْبَرِ، وفى يَدِه عَصًا: يا أيّها الناسُ، لا تمْنَعَنَّكمُ (٥٢) اليمينُ من حُقُوقِكُم، فوَالذِى نَفْسِى بِيَدِه، إنَّ فى يدى لَعَصًا. ورَوَى عمرُ بنُ شَبَّةَ، فى كتابِ "قُضاةِ البَصْرَةِ"، بإسنادِه عن الشَّعْبِىِّ، أَنَّ عمرَ وأُبَيًّا احْتكَما (٥٣) إلى زيدٍ فى نَخْلٍ ادَّعاهُ أُبَىٌّ، فتَوَجَّهَت اليَمينُ على عمرَ، فقال زيدٌ: أعْفِ أميرَ المُؤْمِنين. فقال عمرُ: ولِمَ يُعْفِى أميرَ المؤمنين؟ إنْ عَرَفْتُ شيئًا اسْتَحْقَقْتُه (٥٤) بيمِينى، وإلَّا تَرَكْتُه، واللَّه الذى لَا إلهَ إِلَّا هو، إنَّ النَّخْلَ لنَخْلِى، وما لأُبَىٍّ فيه حَقٌّ. فلمَّا خَرَجَا وهبَ النَّخْلَ لأبَىٍّ، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين: هَلَّا كان هذا قبلٍ اليَمينِ؟ فقال: خِفْتُ أَنْ لا أحْلِفَ، فلا يَحْلِفُ الناسُ على حُقوقِهم بَعْدِى، فيكونَ سُنَّةً (٥٥). ولأنَّه حَلِفُ صِدْقٍ على حَقٍّ، فأشْبَهَ الحَلِفَ عندَ غيرِ الحاكِم. الرابعُ، المَكْرُوهُ، وهو الحَلِفُ على فعلِ مَكْرُوهٍ، أو تَرْكِ مَنْدُوب. قال اللَّه تعالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. ورُوِىَ أَنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حَلَفَ لا يُنْفِقُ على مِسْطَحٍ بعدَ الذى قال لعائِشَةَ ما قال، وكان من جُمْلَةِ أهلِ الإِفْكِ الذين تَكَلَّمُوا فى عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، فأَنْزَلَ اللَّه تعالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِى الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 7131

وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ (٥٦) وقيل: المرادُ بِقَوْلِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ أى لا يَمْتَنِعْ. ولأنَّ اليمينَ على ذلك مانِعَةٌ من فِعْلِ الطَّاعَةِ، أو حامِلَةٌ على فِعْلِ المَكْروهِ، فتكونُ مكروهَةً. فإن قيل: لو كانت مكروهَةً لأنْكَرَ النَّبِىُّ ﷺ على الأعْرابِىِّ الذى سَأَلَه عن الصلواتِ، فقال: هل علىَّ غيرُها؟ فقال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". فقال: والذى بَعَثَكَ بالحَقِّ، لا أزيدُ عليها ولا أنْقُصُ منها. ولم يُنْكِرْ عليه النبىُّ ﷺ ، بل قال: "أَفْلَحَ الرجلُ إنْ صدَقَ" (٥٧). قُلْنا: لا يلزَمُ هذا، فإنَّ اليمينَ على تَرْكِها، لا تَزِيدُ على تَرْكِها، ولو تَرَكَها لم يُنْكِرْه عليه، ويَكْفِى فى ذلك بَيانُ أَنَّ ما تَرَكَه تَطَوُّعٌ، وقد بَيَّنَه له النَّبِىُّ ﷺ بقولِه: "إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". ولأَنَّ هذه اليَمِينَ إنْ تَضَمَّنَت تركَ المَنْدوبِ، فقد تَناوَلَت فِعْلَ الواجِبِ، والمُحافظَةَ عليه كلِّه، بحيث لا يَنْقُصُ منه شيئًا، وهذا فى الفَضْلِ يزيدُ على ما قابَلَه من تَرْكِ التَّطَوُّعِ، فيتَرَجَّحُ جانِبُ الإِثْباتِ بها على تَرْكِها، فيكونُ من قَبِيلِ المَنْدوبِ، فكيفَ يُنْكَرُ! ولأَنَّ فى الإِقرارِ على هذه اليَمِينِ بَيانَ حُكْمٍ مُحتْاجٍ إليه، وهو بيَانُ أَنَّ تَرْكَ التَّطَوُّعِ غيرُ مُؤاخَذٍ به، ولو أنكَرَ على الحالِفِ [على ذلك] (٥٨)، لَحَصلَ ضِدُّ هذا، وتَوَهَّمَ كثيرٌ من الناسِ لُحوقَ الإِثْمِ بِتَرْكِه (٥٩)، فيَفُوتُ الغَرَضُ. ومن قِسْمِ المكْرُوهِ الحَلِفُ فى البَيْعِ والشِّراءِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "الحَلِفُ مُنْفِقٌ للسِّلْعَةِ، مُمْحِقٌ للبَرَكَةِ". روَاه ابنُ ماجَه (٦٠). القسمُ الخامِسُ، المُحَرَّمُ، وهو الحَلِفُ الكاذِبُ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالَى ذَمَّهُ بقَوْلِه

стр. 7132

تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٦١). ولأَنَّ الكَذِبَ حَرامٌ، فإذا كان مَحْلوفًا عليه، كان أشَدَّ فى التَّحْريمِ. وإِنْ أبْطَلَ به حَقًّا، أو اقْتَطَعَ به مالَ مَعْصُومٍ، كان أشَدَّ؛ فإنَّه رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فاجِرَةً، يقتَطِعُ بها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِىَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ". [مُتَّفَقٌ عليه] (٦٢). وأَنْزَلَ اللَّه فى ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣). ومن هذا القِسْم الحَلِفُ على فعلِ مَعْصِيَةٍ، أو تَرْكِ وَاجِبٍ؛ فإنَّ المحلوفَ عليه حَرامٌ، فكانَ الحَلِفُ حَرامًا؛ لأنَّه وسيلَةٌ إليه، والوَسِيلَةُ تأخذُ حُكْمَ المُتوَسَّلِ إليه. فصل: ومتى كانت اليَمِينُ على فِعْلِ واجِبٍ، أو تَرْكِ مُحَرَّمٍ، كان حَلُّها مُحرَّمًا؛ لأنَّ حَلَّها بفعلِ المُحَرّمِ، وهو مُحَرَّمٌ. وإِنْ كانت على فِعْلِ مندوبٍ، أو تَرْكِ مَكْروهٍ، فحَلُّها مكروهٌ. وإِنْ كانت على فعلِ (٦٤) مُباحٍ، فحَلُّها مُباحٌ. فإنْ قيلَ: فكيفَ يكونُ حَلُّها مُباحًا، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٦٥)؟ قُلْنا: هذا فى الأَيْمانِ فى العُهودِ والْمَواثيقِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا

стр. 7133

تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ إلى قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ (٦٦). والعَهْدُ يجِبُ الوَفاءُ به بغيرِ يَمِينٍ، فمع اليَمِينِ أولَى؛ فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦٧). ولهذا نَهَى عن نَقْض اليَمِينِ، والنَّهْىُ يقْتَضِى التَّحْريمَ، وذمَّهم عليه، وضَربَ لهم مثلَ التى نقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوةٍ أَنْكاثًا، ولا خِلافَ فى أَنَّ الحَلَّ المُخْتلَفَ فيه لا يدْخُلُه شىءٌ من هذا. وإِنْ كانت على فعْلِ مَكْروهٍ، أو تَرْكِ مَنْدوبٍ، فحَلُّها مَنْدوبٌ إليه، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ". وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنِّى وَاللَّهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وتَحَلَّلْتُهَا". وإِنْ كانت اليَمِينُ على فِعْلِ مُحرَّمٍ، أو تَرْكِ واجبٍ، فحَلُّها واجِبٌ؛ لأنَّ حَلَّها بفِعْلِ الواجبِ، فعلُ الواجِبِ واجِبٌ. ١٧٧٨ - مسألة؛ قال: (ومَنْ حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فلَمْ يَفْعَلْه، أَوْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَه، فعَلَيْه الْكفَّارَةُ) لا خلافَ فى هذا عندَ فُقهاءِ الأَمْصارِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: اليَمِينُ التى فيها الكَفَّارَةُ بإجْماعِ المسلمين، هى التى على المُسْتَقْبَلِ مِن الأَفْعالِ. وذَهَبَت طائِفَةٌ إلى أنّ الحِنْثَ متى كان طاعَةً، لم يُوجِبْ كَفَّارَةً. وقال قومٌ: مَنْ حَلَفَ على فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، فكَفّارَتُها تَرْكُها. وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: اللَّغْوُ أَنْ يحلِفَ الرَّجُلُ فيما (١) لا يَنْبَغِى له. يعنى فلا كَفَّارَةَ عليه فى الحِنْثِ. وقد رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا فِى مَعْصِيَةِ اللَّه، ولَا فِى قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ومَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرأى غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَدَعْها، ولْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خيرٌ، فإنَّ تَرْكَها كَفّارَةٌ". روَاه أبو داود (٢). ولأنَّ الكفارَةَ إنما تجِبُ لرَفْعِ الإِثْمِ، ولا إِثْمَ فى

стр. 7134

الطاعَةِ. ولأنَّ اليمينَ كالنَّذْرِ، ولا نَذْرَ فى مَعْصِيَةِ اللَّه تعالى. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ" (٣). وقال: "إنِّى وَاللَّهِ، إِنْ شاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فأَرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، كفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى". أخْرَجَه البُخارِىُّ (٣). وحَديثُهم لا يُعارِضُ حَدِيثَنا؛ لأَنَّ حَدِيثَنا أصَحُّ منه وأَثْبَتُ. ثم إنَّه يَحْتَمِلُ أَنَّ تَرْكَها كَفّارَةٌ لإِثْمِ الحَلِفِ، والكَفَّارَةُ المُخْتلَفُ فيها كَفَّارَةُ المُخالَفَةِ. وقولُهم: إِنَّ الحِنْثَ طاعَةٌ. قُلْنا: فالْيَمِينُ غيرُ طاعَةٍ، فتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ؛ للمُخالَفَةِ، ولتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّه تعالَى إِذَا حَلَفَ به ولم يَبَرَّ يَمِينَه. إِذَا ثَبَتَ هذا، نَظَرْنا فى يَمِينه، فإنْ كانتْ على تَرْكِ شىءٍ ففَعَلَه، حنِثَ، ووَجَبَت الكفَّارَةُ. وإِنْ كانَت على فِعْلِ شىءٍ فلم يَفْعَلْه، وكانت يَمِينُه مُؤَقَّتةً بلَفْظِه، أو نِيَّتِه، أو قَرِينةِ حالِه، ففاتَ الوَقْتُ، حَنِثَ، وكفَّرَ. وإِنْ كانت مُطْلَقَةً، لم يَحْنَثْ إلَّا بفَواتِ وَقْتِ الإِمْكانِ؛ لأنَّه ما دامَ فى الوقتِ والفعلُ ممكنٌ، فيَحْتَمِلُ أَنْ يفْعَلَ فلا يَحْنَثُ؛ ولهذا قال عمرُ للنَّبىِّ ﷺ : ألمْ تُخْبِرْنَا أنَّا نَأْتِى الْبَيْتَ، ونَطُوف (٤) به؟ [قال: "فَأَخْبَرْتُك أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ " قال: لا. قال: "فَإِنَّك آتِيه ومُطَوِّفٌ (٥) بِهِ"] (٦). وقد قال اللَّهُ تعالَى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٧). وهو حَقٌّ، ولم يأْتِ بَعْدُ. ١٧٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ فَعَلَهُ ناسيًا، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِغيْرِ الطَّلَاق وَالْعَتَاقِ) وجملةُ ذلك أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لا يَفْعَلَ شيئًا، ففَعَلَه ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه. نَقَلَه عن أحمد الجماعَةُ، إلَّا فى الطَّلاق والْعَتاقِ، فإنَّه يحْنَثُ. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ. واخْتارَهُ الخَلَّالُ وصاحِبُه. وهو قولُ أبى عُبَيْدٍ. وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه لا يحْنَثُ فى الطَّلاقِ

стр. 7135

والْعَتاقِ أيضًا (١)، وهذا قولُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بنِ دينار، وابنِ أبى نُجَيْحٍ، وإسْحاقَ، قالوا: لا حِنْثَ على النَّاسِى فى طَلاقٍ ولا غيرِه وهو ظاهِرُ مذْهَبِ الشافِعِىِّ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَنِ الْخَطَأِ، والنِّسْيَانِ، ومَا اسْتُكْرهُوا عَلَيْهِ" (٣). ولأَنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالَفَةِ، فلم يَحْدُثْ (٤)، كالنَّائِم والْمَجْنونِ. ولأنَّه أَحَدُ طرَفَى الْيَمِينِ، فاعْتُبِرَ فيه (٥) القَصْدُ، كحالَةِ الابْتِداءِ بها. وعن أحمد، رِوايَةٌ أُخْرَى، أَنَّه يحْنَثُ فى الجميعِ، وتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ فى اليَمِينِ المُكَفَّرةِ. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، ومالِك، وأصْحابِ الرَّأْى، والقولُ الثانِى للشافِعِىّ؛ لأنَّه فَعَلَ ما حَلَفَ عليه قاصِدًا لفِعْلِه، فلَزِمَه الحِنْثُ، كالذَّاكِرِ، وكما لو كانت اليَمِينُ بالطَّلاقِ والْعَتاقِ. ولَنا، على انَّ الكفَّارَةَ لا تَجبُ فى اليمينِ المُكَفَّرةِ، ما تَقَدَّمَ، ولأَنَّها تَجِبُ لرَفْعِ الإثْمِ، ولا إثْمَ على النَّاسِى. وأمَّا الطَّلاقُ والْعَتاقُ، فهو مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ، فيقَعُ بوُجودِ شَرْطِه من غيرِ قصْدٍ. كما لو قال: أنْتِ طالِقٌ، إنْ طَلَعَت الشمسُ، أو قدِمَ الحاجُّ. فصل: وإِنْ فَعَلَه غيرَ عالمٍ بالمَحْلُوفِ عليه، كرَجُلٍ حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فلانًا، فسَلَّمَ عليه يَحْسَبُه أجْنَبِيًّا، أو حَلَفَ أَنَّه لا يُفارِقُ غَرِيمَه حتّى يَسْتَوْفِىَ حَقَّه، فأَعْطاهُ قَدْرَ حَقِّه، ففارَقَه ظَنًّا منه أَنَّه قد بَرَّ، فوجَدَ ما أخَذَه رَدِيئًا، أو حَلَفَ: لا بِعْتُ لزَيْدٍ ثَوْبًا. فوكَّلَ زيدٌ مَنْ يَدْفَعُه إلى مَنْ يَبِيعُه، فدَفَعَه إلى الحالِفِ، فباعَهُ من غيرِ علمِه، فهو كالنَّاسِى؛ لأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالَفَةِ، أشْبَهَ النَّاسِىَ. فصل: والمُكْرَهُ على الفِعْلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ [إلى مُلْجَأٍ إليه] (٦)، مثل مَنْ يحلفُ لا

стр. 7136

يدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها. أو لا يخْرُجُ منها، فأُخْرِج مَحْمُولًا، أو مَدْفُوعًا بغيرِ اخْتِيارِه، ولم يُمْكِنْه الامْتِنَاعُ. فهذا لا يحْنَثُ فى قولِ أكثَرِهم. وبه قال أصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِك: إنْ دَخَلَ مَرْبُوطًا، لم يحْنَثْ. وذلك لأنَّه لم يفْعَلِ الدُّخولَ والخُروجَ، فلم يحْنَثْ، كما لو لم يُوجَدْ ذلك. [وأمَّا إنْ أُكْرِهَ] (٧) بالضَّربِ والتَّهْديد بالقَتْلِ ونحوِه، فقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوايتان، كالنَّاسِى. وللشّافِعِىِّ قَوْلان. وقال مالِك، وأبو حنيفةَ: يَحْنَثُ؛ لأنَّ الكَفّارَةَ لا تسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، فوَجَبَ مع الإِكْراهِ والنِّسْيانِ، ككَفَّارَةِ الصَّيْدِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "عُفِىَ لأمَّتِى عَنِ الْخَطَأِ، والنِّسْيَانِ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٨). ولأنَّه نَوْعُ إكْراهٍ، فلم يحْنَثْ به، كما لو حُمِلَ ولم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، ولأَنَّ الفعلَ لا يُنْسَبُ إليه، فأشْبَهَ مَن لم يَفْعَلْه، ولا نُسَلِّمُ الكفارَةَ فى الصَّيْدِ، بل إنَّما تَجِبُ على المُكْرَه. واللَّهُ أعلمُ. ١٧٨٠ - مسألة؛ قال: (ومَنْ حَلَفَ عَلَى شَىْءٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّه كَاذِبٌ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْه، لِأَنَّ الَّذِى أَتَى بِهِ أعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ) هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ، نَقَلَه الجماعَةُ عن أحمد. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم؛ ابنُ مسعود، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومالِكٌ، والأوزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الحديثِ، وأصحابُ الرَّأْىِ من أهلِ الكوفَةِ. وهذه الْيَمِينُ تُسَمَّى يَمِينَ الغَمُوس؛ لأنها تَغْمِسُ صاحِبَها فى الإِثْمِ. قال ابنُ مسعودٍ: كُنَّا نَعُدُّ من اليمينِ التى لا كَفَّارَةَ لها، اليَمِينَ الغَمُوسَ (١). وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: هى من الكبائرِ، وهى أعظمُ من أن تُكَفَّرَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أَنَّ فيها الكَفّارَةَ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاء، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ، والْبَتِّىِّ. وهو قولُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه وُجِدَت منه اليَمِينُ باللَّه تعالَى، والمُخالَفَةُ مع القَصْدِ، فلَزمَتْه الكفَّارَةُ، كالمُسْتَقْبَلَةِ. ولَنا، أَنَّها يَمِينٌ غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا تُوجِبُ الكَفَّارَةُ، كاللَّغْوِ، أو يَمِينٌ على ماضٍ، فأشْبَهتِ اللَّغْوَ، وبيانُ

стр. 7137

كَوْنِها غيرَ مُنْعَقِدَةٍ، أَنَّها لا تُوجِبُ بِرًّا، ولا يُمْكِنُ فيها، ولأنَّه قارَنَها ما يُنافِيها، وهو الحنثُ، فلم تَنْعَقِدْ، كالنِّكاحِ الذى قارَنَه الرَّضاعُ، ولأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَرْفَعُ إثْمَها، فلا تُشرَعُ (٢) فيها، ودليلُ ذلك أنَّها كبيرَةٌ، فإنَّه يُرْوَى عن النَّبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مِنَ الْكَبائِرِ الْإشْرَاكُ بِاللَّه، وعُقوقُ الْوَالِدَيْن، وقتْلُ النَّفْس، والْيَمِينُ الْغَمُوسُ". روَاه البُخارِىُّ (٣)، ورُوِىَ فيه: "خَمْسٌ مِنَ الْكَبائِرِ لا (٤) كَفَّارَةَ لَهُنَّ؛ الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، والْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وبَهْتُ المُؤْمِنِ، وقَتْلُ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ يَقْتَطِعُ بِها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" (٥). ولا يصِحُّ القِياسُ على المُسْتَقْبَلةِ، لأَنّها يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، يُمْكِنُ حلُّها والبِرُّ فيها، وهذه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا حَلَّ لها. وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينهِ، ولْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ" (٦). يدلُّ على أَنَّ الكَفّارَةَ إنَّما تَجِبُ بالحَلِفِ على فِعْلٍ يفْعَله فيما يستَقْبلُه. قالَه ابنُ المُنْذِرِ. ١٧٨١ - مسألة؛ قال: (والْكَفَّارَةُ إِنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ حَلَفَ يُرِيدُ عقْد الْيَمِينِ) وجُمْلته أَنَّ الْيَمِينَ التى تَمُرُّ على لسانِه فى عُرْضِ حَدِيثِه، من غيرِ قَصْدٍ إليها، لا كَفَّارَةَ فيها، فى قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ لأَنَّها من لَغْوِ اليَمِينِ. نقلَ عبدُ اللَّه، عن أبيه، أنَّه قال: اللَّغْوُ عِنْدِى أَنْ يَحْلِفَ على الْيَمِينِ، يَرَى أنَّها كذلك، والرَّجُلُ يحْلِفُ فلا يَعْقِدُ قَلْبَه على شىءٍ. وممَّنْ قال: إنّ اللَّغْوَ اليَمِينُ التى لا يَعْقِدُ عليها قَلْبَه؛ عمرُ، وعائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ

стр. 7138

عنهما. وبه قال عَطاءٌ، والقاسِمُ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِىُّ، والشَّافِعِىُّ؛ لما رُوِىَ عن عَطاءٍ، قال: قالت عائِشَةُ: إِنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال، يَعْنِى اللَّغْو فى اليَمِينِ: "هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِى بَيْتِهِ: لَا وَاللَّهِ. وبَلَى (١) وَاللَّهِ". أخْرَجَه أبو داود (٢). قال: ورواه الزُّهْرِىُّ، وعبدُ المَلِكِ بنُ أبى سُلَيمان، ومالِكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عَطاءٍ، عن عائِشَةَ مَوْقُوفًا. ورَوَى الزُّهْرِىُّ، أن عُرْوةَ حَدَّثَه، عن عائِشَةَ، قالتْ: أيمانُ اللَّغْوِ، ما كان فى المِرَاءِ، والهَزْلِ، والْمُزاحَةِ، والحديثِ الذى لا يُعْقَدُ عليه القلبُ، وأيْمانُ الكَفّارَةِ كُلُّ يَمِينٍ حلَفَ عليها على وَجْهٍ من الأمْرِ، فى غضَبٍ أو غيرِه، ليفْعَلَنَّ، أو ليَتْرُكَنَّ، فذلك عَقْدُ الأَيْمانِ التى فَرَضَ اللَّه تعالَى فيها الكَفّارَةَ (٣) ولأنَّ اللَّغْوَ فى كلامِ العرَبِ الكلامُ غيرُ المعقودِ عليه. وهذا كذلك. وممَّنْ قال: لا كَفَّارَةَ فى هذا؛ ابنُ عبّاسٍ، وأبو هُرَيْرةَ، وأبو مالِكٌ، وزُرارَةُ بن أوْفَى (٤)، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ. وهو قولُ مَن قال: إنَّه من لَغْوِ الْيَمِينِ. ولا نعلمُ فى هذا خِلافًا. ووَجْهُ ذلك قولُ اللَّه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٥). فجَعَلَ الكَفّارَةَ للْيَمِينِ التى يُؤاخَذُ بها، ونَفَى المُؤاخَذَةَ باللَّغْوِ، فلَزِمَ (٦) انْتِفاءُ الكفَّارَةِ، ولأنَّ المُؤاخَذَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ مَعْناها إيجابَ الكَفَّارَةِ، بدليلِ أَنّها تَجبُ فى الأيْمانِ التى لا مَأْثَمَ فيها، وإذا كانت المُؤَاخَذَةُ إيجابَ الكَفَّارَةِ، فقد نَفاها فى اللَّغْوِ، فلا تَجِبُ، ولأن قولُ مَن سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا فى عَصْرِهم، فكان إجماعًا، ولأَنَّ قولَ عائِشَةَ فى تفسيرِ اللَّغْوِ، وبَيانِ الأَيْمانِ التى فيها الكَفَّارَةُ، خَرَجَ منها تفسيرًا لكلامِ اللَّهِ تعالى، وتَفْسِيرُ الصَّحابِىِّ مَقْبولٌ.

стр. 7139

١٧٨٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَىْءٍ يَظُنُّهُ كَمَا حَلَفَ، [فَلَمْ يَكُنْ] (١)، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ) أكثَرُ أهلِ العلمِ على أَنَّ هذه اليَمِينَ لا كَفَّارَةَ فيها. قالَه ابنُ المُنْذِر. يُرْوَى هذا عن ابنِ عَباسٍ، وأبى هُريرةَ، وأبى مالِكٍ، وزُرَارةَ بنِ أوْفَى، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، ومالِكٍ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ. وممَّن قال: هذا لَغْوُ اليَمينِ. مجاهِد، وسليمانُ بنُ يَسارٍ، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه. وأكثرُ أهلِ العِلْمِ على أَنَّ لَغْوَ اليَمينِ لا كَفَّارَةَ فيه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ المسلمون على هذا. وقد حُكِىَ عن النَّخَعِىِّ فى الْيَمِينِ على شىءٍ يظُنُّه حَقًّا، فيَتَبينُ بخِلافِه، أنَّه من لَغْوِ اليَمِينِ، [وفيه الكَفَّارَةُ. وهو أحدُ قَوْلَى الشافِعِىِّ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أَنَّ فيه الكَفَّارَةَ، وليس من لغْوِ الْيَمِينِ] (٢)؛ لأَنَّ اليمينَ باللَّه تعالَى وُجدَت مع المُخالَفَةِ، فأوْجَبَت الكَفَّارَةَ، كالْيَمِينِ على مُسْتَقْبَل ولَنا، قَوْلُ اللَّه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣). وهذه منه، ولأَنَّها يمينٌ غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلم تجِبْ فيها كَفَّارَةٌ، كيَمِينِ الغَمُوس، ولأنه غيرُ قاصِدٍ (٤) للمُخالَفَةِ، فأشْبَهَ ما لو حَنَثَ ناسِيًا. وفى الجُمْلَةِ، لا كفَّارَةَ فى يَمِينٍ على ماضٍ؛ لأنَّها تَنْقَسِمُ ثلاثةَ أَقْسامٍ؛ ما هو صادِقٌ فيه، فلا كَفَّارَةَ فيه إجْماعًا. وما تَعَمَّدَ الكَذِبَ فيه، فهو يَمِينُ الغَمُوسِ، لا كَفَّارَةَ فيها؛ لأنها أعْظَمُ من أَنْ تكونَ فيها (٥) كَفَّارَةٌ. وما يَظُنُّه حَقًّا، فيَتَبيَّنُ بخِلافِه، فلا كَفّارَةَ فيه؛ لأنَّه من لَغْوِ الْيَمِينِ. فأمَّا اليَمِينُ على المُسْتقْبَلِ، فما عقدَ عليه قَلْبَه، وقصَدَ اليَمِينَ عليه، ثم خالَفَ، فعليه الكَفَّارَةُ، وما لم يعْقِدْ عليه قَلْبَه، ولم يقْصِدِ اليَمِينَ عليه، وإنَّما جَرَت على لِسَانِه، فهو من لَغْوِ اليَمِينِ. وكلامُ عائِشَةَ يدُلُّ على هذا، فإنَّها قالتْ: أيمانُ اللَّغْوِ؛ ما كانَ فى المِراءِ والمُزَاحَةِ، والهَزْلِ، والحديثِ الذى لا يُعْقَدُ عليه القلبُ، وأيمانُ الكَفّارَةِ؛ كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ عليها على وَجْهٍ من الأمرِ، فى غَضَبٍ أو

стр. 7140

غيرِه، ليَفْعَلنَّ أو ليَتْرُكَنَّ، فذلك عَقْدُ الأَيْمانِ (٦) التى فَرَضَ اللَّهُ فيها الكَفَّارَةَ (٧). وقال الثَّوْرِىُّ، فى "جامِعِه": الأيْمانُ أربَعَةٌ؛ يَمِينَانِ يُكَفَّران، وهو أَنْ يقولَ الرَّجلُ: واللَّه لا أفْعَلُ. فيَفْعَلُ. أو يقولَ: واللَّه لأَفْعَلَنَّ. ثم لا يَفْعَلُ. ويَمينان لا يُكَفَّران، أَنْ يقولَ: واللَّه ما فَعَلْتُ. وقد فَعَلَ، أو يقولَ: واللَّهِ لقد فعلتُ. وما فَعَلَ. ١٧٨٣ - مسألة؛ قال: (والْيَمِينُ المُكَفَّرَةُ، أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ ، أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أسْمَائِهِ) . أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أن مَنْ حَلَفَ باللَّه ، فقال: واللَّهِ، أو باللَّه، أو تاللَّه. فحنَثَ، أَنَّ عليه الكَفَّارَةَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وكان مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، يقولُون: مَنْ حَلَفَ باسمٍ من أسماءِ اللَّه تعالَى، فحنَثَ، فعليه (١) الكَفَّارَةُ. ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا إذا كان من أسْماءِ اللَّه ، التى لا يُسَمَّى بها سِواهُ. وأسماءُ اللَّه تنْقَسِمُ ثلاثَةَ أقسامٍ؛ أحدُها، ما لا يُسَمَّى به (٢) غَيْرُه، نحو قولِه: واللَّهِ، والرَّحْمنِ، والأَوَّلِ الذى ليس قبلَه شىءٌ، والآخِرِ الذى ليس بعدَهُ شىءٌ، ورَبِّ العالمين، ومالِكِ يومِ الدِّين، ورَبِّ السَّمَواتِ والأَرْض، والحَىِّ الذى لا يَمُوتُ. ونحو هذا، فالحَلِفُ بهذا يمينٌ بكُلِّ حالٍ. والثانى، ما يُسَمَّى به غيرُ اللَّه تعالَى مجازًا، وإطْلاقُه يَنْصَرِفُ إلى اللَّهِ سُبْحانه، مثل؛ الخالِقُ، والرَّازِقُ، والرَّب، والرَّحِيمُ، والقادِرُ، والقاهِرُ، والمَلِك، والجبارُ. ونحوه، فهذا يُسمَّى به غيرُ اللَّه مَجازًا؛ بدليلِ قولِ اللَّه تعالَى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ (٣). ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (٤). وقوله: ﴿ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ﴾ (٥). و ﴿اذْكُرْنِى عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٦). ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (٦).

стр. 7141

وقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (٧). وقال: ﴿بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٨). فهذا إنْ نَوَى به اسمَ اللَّه تعالَى، أو أطلقَ، كان يَمِينًا؛ لأنَّه بإطْلاقِه يَنْصَرِفُ إليه. وإِنْ نَوَى به غيرَ (٩) اللَّهِ تعالَى، لم يكُنْ يَمِينًا؛ لأنَّه يُسْتَعْمَلُ فى غيرِه، فينْصَرفُ بالنِّيَّةِ إلى ما نَواه. وهذا مذهَبُ الشافِعِىِّ. شقال طَلْحةُ العَاقُولِىُّ (١٠): إذا قال: والربِّ، والخالِقِ والرَّازِقِ. كان يَمِينًا على كُلِّ حالٍ، كالأوَّلِ؛ لأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ مع التَّعْريفِ بلامِ التّعْريِف إلّا فى اسْمِ اللَّهِ، فأشْبَهَتِ القِسْمَ الأَوَّلَ. الثالِثُ، ما يُسَمَّى به اللَّه تعالَى وغيرُه، ولا يَنْصَرِفُ إليه بإطْلاقِه، كالحَىِّ، والعالِمِ، والمَوْجودِ، والمُؤْمِنِ، والكريمِ، والشَّاكرِ. فهذا إنْ قَصَدَ به الْيَمِينَ باسمِ اللَّه تعالَى كان يَمِينًا، وإِنْ أطلقَ، أو قَصَدَ غيرَ اللَّه تعالَى، لم يكُنْ يَمِينًا، فيخْتَلِفُ هذا القِسْمُ والذى قَبْلَه فى حالَةِ الإِطْلاقِ، ففى الأَوَّلِ يكونُ يَمِينًا، وفى الثانى لا يكونُ يَمِينًا. وقال القاضِى، والشافِعِىُّ، فى هذا القِسْم: لا يكونُ يَمِينًا، وإِنْ قَصَدَ به اسمَ اللَّهِ تعالَى؛ لأنَّ اليَمينَ إنما تَنْعَقِدُ لحُرْمَةِ الاسمِ، فمع الاشْتِراكِ لا تكون له حُرْمَةٌ، والنِّيَّةُ المُجَرَّدةُ لا تَنْعَقِدُ بها الْيَمِينُ. ولَنا، أنَّهُ اقسَمَ باسْمِ اللَّهِ تعالَى، قاصِدًا به الحَلِفَ به، فكان يَمِينًا مُكَفَّرَةً، كالقِسْمِ الذى قبلَه. وقولُهم: إِنَّ النِّيَّةَ المُجَرَّدَةَ لا تَنْعَقِدُ بها الْيَمِينُ. نقولُ به، وما انْعَقَدَ بالنِّيَّةِ المُجَرَّدَةِ إنَّما انْعَقَدَ بالاسْمِ المُحْتَمِلِ، المُرادِ به اسمَ اللَّه تعالَى، فإنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ إلى أحَدِ مُحْتَمَلاِته، فيصيرُ كالمُصرَّحِ به، كالكناياتِ وغيرِها، ولهذا لو نَوَى بالقِسْمِ الذى قَبْلَه غيرَ اللَّهِ تعالى، لم يكُنْ يَمِينًا، لنِيَّتِه. فصل: والقَسَمُ بصِفَاتِ اللَّه تعالى، كالقَسَمِ بأسمائِه. وصِفَاتُه تَنْقَسمُ أيضًا ثلَاثَةَ أقسامٍ؛ أَحَدُها، ما هو صفاتٌ لذاتِ اللَّه تعالَى، لا يَحْتَمِلُ غيرَها، كعِزَّة اللَّهِ تعالَى، وعَظَمَتِه، وجَلالِه، وكِبْريائِه، وكَلامِه. فهذه تَنْعَقِدُ بها الْيَمِينُ فى قولِهم جميعًا. وبه

стр. 7142

يقولُ الشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرّأى؛ لأنَّ هذْه من صِفَاتِ ذاتِه، لم يزلْ مَوْصُوفًا بها، وقد وَرَدَ الأثَرُ بالقَسَمِ بِبَعْضِها، فرُوِىَ أَنَّ النارَ تقولُ: "قَطْ قَطْ (١١)، وعِزَّتِكَ". روَاه البُخارىُّ (١٢). والذى يخْرُجُ من النارِ يقول: "وعِزَّتِك، لَا أَسْأَلُك غَيْرَها" (١٣). وفى كتاب اللَّه تعالَى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٤). الثانى، ما هو صِفةٌ للذَّاتِ، ويُعَبَّرُ به عن غيْرِها مَجازًا، كعِلْمِ اللَّه وقُدْرَتِه، فهذه صِفَةٌ للذَّاتِ لم يَزلْ مَوْصُوفًا بها، وقد تُسْتَعْمَلُ فى المعْلومِ والمَقْدُورِ اتِّساعًا، كقولِهم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا عِلْمَك فينا. ويقالُ: اللَّهُمَّ قد أَرَيْتَنا قُدْرَتَك، فأَرِنَا عَفْوَكَ. ويُقالُ: انْظُرْ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ. أى مَقْدُورِه. فمتى أَقْسَمَ بهذا، كان يَمِينًا. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: وعِلْمِ اللَّه. لا يكونُ يَمِينًا؛ لأَنَّه يَحْتَمِلُ المعلومَ. ولَنا، أَنَّ العِلْمَ من صفاتِ اللَّه تعالَى، فكانت اليَمينُ به يَمِينًا مُوجِبَةً للكفَّارَةِ، كالعَظَمَةِ، والعِزَّةِ، والقُدْرَةِ، ويَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه بالقُدْرَةِ، فإنَّهم قَد سَلَّمُوها، وهى قَرِينَتُها. فأمَّا إنْ نَوَى القَسَمَ بالمَعْلُومِ، والمَقْدُورِ، احْتَملَ أَنْ لا يكونَ يَمِينًا. وهو قولُ أصحابِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه نَوَى بالاسمِ غيرَ صِفَةٍ للَّه، مع احتمالِ اللَّفْظِ ما نَواهُ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى القَسَمَ بمحلُوفٍ فى الأَسْماءِ التى يُسَمَّى (١٥) بها غيرُ اللَّهِ تعالى. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أَنَّ ذلك يكونُ يَمِينًا بكُلِّ حالٍ، ولا تُقْبَلُ منه نِيَّةُ غيرِ صِفَةِ اللَّه تعالَى. وهو قولُ أبى حنيفةَ فى القُدْرَةِ؛ لأَنَّ ذلك مَوْضوعٌ للصِّفَةِ، فلا يُقْبَلُ منه نِيَّةُ غيرِ الصِّفَةِ، كالعَظَمَةِ. وقد ذكرَ طَلْحَةُ العاقُولِىُّ، فى أسماءِ اللَّه تعالَى المُعَرَّفَةِ بلامِ

стр. 7143

التَّعْريفِ، كالخالقِ والرَّازِقِ، أَنَّها تكونُ يَمِينًا بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّها لا تَنْصَرِفُ إلَّا إلى اسْمِ اللَّه، كذا هذا. الثالثُ، ما لا يَنْصَرِفُ بإطْلاقِه إلى صِفَةِ اللَّه تعالى، لكنْ يَنْصَرِفُ بإضافَتِه إلى اللَّه سُبْحانَه لَفْظًا أو نِيَّةً، كالعَهْدِ، والميثاقِ، والأمانَةِ، ونحوِه. فهذا لا يكونُ يَمِينًا مُكَفَّرَةً إلَّا بإضافَتِه أو نِيَّتِه. وسَنَذْكُرُ ذلك فيما بعدُ، إنْ شاءَ اللَّه تعالى. فصل: وإِنْ قال: وحَقِّ اللَّه. فهى يَمِينٌ مُكَفَّرَة. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا كَفَّارَةَ لها؛ لأنَّ حَقَّ اللَّهِ طاعَتُه ومَفْرُوضاتُه، وليستْ صِفَةً له. ولَنا، أَنَّ للَّهِ حُقوقًا يَسْتَحِقُّها لِنَفْسِه؛ من البقاءِ، والعَظَمَةِ، والجَلالِ، والعِزَّةِ، وقد اقْتَرَنَ عُرْفُ الاسْتِعْمالِ بالحَلِفِ بهذه الصِّفَةِ، فتَنْصَرِفُ إلى صِفَةِ اللَّه تعالَى، كقَوْلِه: وقُدْرَةِ اللَّهِ. وإِنْ نَوَى بذلك القَسَمَ بمَخلُوقٍ، فالقَوْلُ فيه كالقَوْلِ فى الحَلِفِ بالعلْمِ والقُدْرَةِ، إلَّا أَنَّ احْتِمالَ المَخْلُوقِ بهذا اللَّفْظِ أظْهَرُ. فصل: وإِنْ قال: لَعَمْرُ اللَّهِ. فهى يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافِعِىُّ: إنْ قَصَدَ الْيَمِينَ، فهى يَمِينٌ، وإلَّا فلا. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّها إنَّما تكونُ يَمِينًا بتَقديرِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، فكأنَّه قال: لعَمْرُ اللَّهِ ما أُقْسِمُ به. فيكونُ مَجازًا، والْمَجازُ لا ينْصَرِفُ إليه الإطْلاقُ. ولَنا، أنَّه أقسَمَ بصِفَةٍ مِن صِفَاتِ ذاتِ اللَّه، فكان يَمِينًا مُوجِبًا للكَفَّارَةِ، كالحَلِفِ ببَقاءِ اللَّهِ تعالى، فإنَّ مَعْنَى ذلك الحَلِفُ بِبَقاءِ اللَّه تعالَى وحَياتِه. ويُقال: العُمْرُ والعَمْرُ واحِدٌ. وقيل: مَعْناه وحَقِّ اللَّهِ. وقد ثَبَتَ له عرفُ الشَّرْعِ والاسْتعمالِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١٦). وقال النَّابِغَةُ (١٧): فَلَا لعَمْرُ الَّذِى قَدْ زُرْتَه حِجَجًا ... وما أُريِقَ على الأَنْصابِ مِنْ جَسَدِ (١٨)

стр. 7144

وقال آخرُ: إذا رَضِيَتْ كِرامُ بَنِى قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِى رِضَاهَا (١٩) وقال آخرُ: ولكِنْ لعَمْرُ اللَّهِ ما طَلَّ مُسْلِمًا ... كَغُرِّ الثَّنايا واضِحاتِ الْمَلاغِمِ (٢٠) وهذا فى الشِّعْرِ والكلامِ كثيرٌ. وأمَّا احْتِياجُه إلى التَّقْديرِ، فلا يَضُرُّ (٢١)؛ فإنَّ اللَّفْظَ إذا اشْتَهرَ فى العُرْفِ، صارَ من الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، يجبُ حَمْلُه عليه عندَ الإِطلاقِ دُونَ مَوْضُوعِه الأَصْلِىِّ، على ما عُرِفَ من سائِرِ الأَسْماءِ العُرْفِيَّة، ومتى احْتاجَ اللَّفْظُ إلى التَّقْديرِ، وجَبَ التَّقْديرُ له، ولم يجُزِ اطِّراحُه، ولهذا يُفْهَمُ مُرادُ المُتَكَلِّمِ به من غيرِ اطِّلاعٍ على نِيَّةِ قائِلِه وقَصْدِه، كما يُفْهَمُ أَنَّ مُرادَ المتكَلِّمِ بهذا من المتقدِّمِينَ القَسَمُ، [ويُفْهَمُ من القَسَمِ بغيرِ حَرْفِ القَسَم فى أشْعارِهم القَسَمُ فى مثلِ قولِه (٢٢): * فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قاعِدًا] (٢٣) * ويُفْهَمُ من القَسَمِ الذى حُذِفَ فى جوابه حَرْفُ "لا"، أنَّه مُقَدَّرٌ مُرادٌ، كهذا البَيْت، ويُفْهَم من قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢٤). ﴿وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (٢٥). التَّقْدِيرُ (٢٦)، فكذا ههُنا. وإِنْ قال: عَمْرَكَ اللَّه كما فى قولِه (٢٧): أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللَّهَ كيفَ يَلْتَقِيانِ (٢٨)

стр. 7145

فقد قيل: هو مِثْلُ قولِه: نَشَدْتُكَ اللَّه. ولهذا يُنْصَبُ اسمُ اللَّه تعالى فيه. وإِنْ قال: لعَمْرِى، أو لعَمْرُك، أو عَمْرُك. فليس بيَمِينٍ، فى قولِ أكثَرِهم. وقال الحسنُ، فى قولِه: لعَمْرِى: عليه الكَفَّارَةُ. ولَنا، أنَّه أقْسَمَ بحياةِ مَخْلوقٍ، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَةٌ، كما لو قال: وحَياتِى. وذلك لأنَّ هذا اللفظَ يكونُ قَسَمًا بحَياةِ الذى أُضِيفَ إليه العَمْرُ، فإنَّ التَّقْديرَ، لَعَمْرُكَ قَسَمِى، أو ما أُقْسِمُ به، والعَمْرُ: الحياةُ أو البقاءُ. فصل: وإِنْ قال: وأَيْمُ اللَّهِ، أو أَيْمُنُ اللَّهِ (٢٩). فهى يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ، والخِلافُ فيه كالذى ذَكَرْناهُ فى الفصلِ الذى قبلَه. وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يُقْسِمُ به، وانْضَمَّ إليه عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، فوَجَب أَنْ يُصْرَفَ إليه. واخْتُلِفَ فى اشْتِقاقِه، فقيل: هو جَمْعُ يَمِينٍ، وحُذِفَت النُّونُ فيه فى البعض تخْفيفًا لكَثْرَةِ الاسْتِعْمال. وقيل: هو مِن اليَمِينِ، فكأنَّه قال: ويَمِينُ اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ. وأَلِفُه ألفُ وَصْلٍ. فصل: وحُروفُ القَسَمِ ثلاثَةٌ؛ الباءُ، وهى الأَصْلُ، وتدْخُلُ على المُظْهَرِ والمُضْمَرِ جميعًا. والواوُ، وهى بدَل من الباء، وتدخُلُ على المُظْهَرِ دونَ المُضْمَرِ لذلك، وهى أكثرُ اسْتعمالًا، وبها جاءَتْ أكْثَرُ الأَقْسامِ فى الكتابِ والسُّنَّةِ؛ وإنّما كانَت الباءُ الأَصْلَ، لأنَّها الحرفُ الذى تَصِلُ به الأَفْعالُ القاصِرَةُ عن التَّعَدِّى إلى مَفْعُولاتِها، والتقديرُ فى القَسَمِ، أُقْسِم باللَّهِ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٣٠). والتاءُ بَدَلٌ من الواوِ، وتَخْتَصُّ باسمٍ واحِدٍ من أسماءِ اللَّهِ تعالى، وهو اللَّهُ، ولا تَدْخُلُ على غيرِه، فيُقالُ: تاللَّهِ. ولو قال: تالرَّحْمنِ، أو تَالرَّحِيمِ. لم يكُنْ قَسَمًا. فإذا أَقْسَمَ بأحَدِ هذه الحروفِ الثلَاثَةِ فى مَوْضِعِه، كان قَسَمًا صحيحًا؛ لأنَّه مَوْضوعٌ له. وقد جاءَ فى كتابِ اللَّه تعالى، وكلامِ العَرَبِ، قال اللَّه تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (٣١). ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (٣٢). ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٣٣). ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ
следующие страницы →