← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

وقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (٧). وقال: ﴿بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٨). فهذا إنْ نَوَى به اسمَ اللَّه تعالَى، أو أطلقَ، كان يَمِينًا؛ لأنَّه بإطْلاقِه يَنْصَرِفُ إليه. وإِنْ نَوَى به غيرَ (٩) اللَّهِ تعالَى، لم يكُنْ يَمِينًا؛ لأنَّه يُسْتَعْمَلُ فى غيرِه، فينْصَرفُ بالنِّيَّةِ إلى ما نَواه. وهذا مذهَبُ الشافِعِىِّ. شقال طَلْحةُ العَاقُولِىُّ (١٠): إذا قال: والربِّ، والخالِقِ والرَّازِقِ. كان يَمِينًا على كُلِّ حالٍ، كالأوَّلِ؛ لأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ مع التَّعْريفِ بلامِ التّعْريِف إلّا فى اسْمِ اللَّهِ، فأشْبَهَتِ القِسْمَ الأَوَّلَ. الثالِثُ، ما يُسَمَّى به اللَّه تعالَى وغيرُه، ولا يَنْصَرِفُ إليه بإطْلاقِه، كالحَىِّ، والعالِمِ، والمَوْجودِ، والمُؤْمِنِ، والكريمِ، والشَّاكرِ. فهذا إنْ قَصَدَ به الْيَمِينَ باسمِ اللَّه تعالَى كان يَمِينًا، وإِنْ أطلقَ، أو قَصَدَ غيرَ اللَّه تعالَى، لم يكُنْ يَمِينًا، فيخْتَلِفُ هذا القِسْمُ والذى قَبْلَه فى حالَةِ الإِطْلاقِ، ففى الأَوَّلِ يكونُ يَمِينًا، وفى الثانى لا يكونُ يَمِينًا. وقال القاضِى، والشافِعِىُّ، فى هذا القِسْم: لا يكونُ يَمِينًا، وإِنْ قَصَدَ به اسمَ اللَّهِ تعالَى؛ لأنَّ اليَمينَ إنما تَنْعَقِدُ لحُرْمَةِ الاسمِ، فمع الاشْتِراكِ لا تكون له حُرْمَةٌ، والنِّيَّةُ المُجَرَّدةُ لا تَنْعَقِدُ بها الْيَمِينُ. ولَنا، أنَّهُ اقسَمَ باسْمِ اللَّهِ تعالَى، قاصِدًا به الحَلِفَ به، فكان يَمِينًا مُكَفَّرَةً، كالقِسْمِ الذى قبلَه. وقولُهم: إِنَّ النِّيَّةَ المُجَرَّدَةَ لا تَنْعَقِدُ بها الْيَمِينُ. نقولُ به، وما انْعَقَدَ بالنِّيَّةِ المُجَرَّدَةِ إنَّما انْعَقَدَ بالاسْمِ المُحْتَمِلِ، المُرادِ به اسمَ اللَّه تعالَى، فإنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ إلى أحَدِ مُحْتَمَلاِته، فيصيرُ كالمُصرَّحِ به، كالكناياتِ وغيرِها، ولهذا لو نَوَى بالقِسْمِ الذى قَبْلَه غيرَ اللَّهِ تعالى، لم يكُنْ يَمِينًا، لنِيَّتِه. فصل: والقَسَمُ بصِفَاتِ اللَّه تعالى، كالقَسَمِ بأسمائِه. وصِفَاتُه تَنْقَسمُ أيضًا ثلَاثَةَ أقسامٍ؛ أَحَدُها، ما هو صفاتٌ لذاتِ اللَّه تعالَى، لا يَحْتَمِلُ غيرَها، كعِزَّة اللَّهِ تعالَى، وعَظَمَتِه، وجَلالِه، وكِبْريائِه، وكَلامِه. فهذه تَنْعَقِدُ بها الْيَمِينُ فى قولِهم جميعًا. وبه

стр. 7142

يقولُ الشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرّأى؛ لأنَّ هذْه من صِفَاتِ ذاتِه، لم يزلْ مَوْصُوفًا بها، وقد وَرَدَ الأثَرُ بالقَسَمِ بِبَعْضِها، فرُوِىَ أَنَّ النارَ تقولُ: "قَطْ قَطْ (١١)، وعِزَّتِكَ". روَاه البُخارىُّ (١٢). والذى يخْرُجُ من النارِ يقول: "وعِزَّتِك، لَا أَسْأَلُك غَيْرَها" (١٣). وفى كتاب اللَّه تعالَى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٤). الثانى، ما هو صِفةٌ للذَّاتِ، ويُعَبَّرُ به عن غيْرِها مَجازًا، كعِلْمِ اللَّه وقُدْرَتِه، فهذه صِفَةٌ للذَّاتِ لم يَزلْ مَوْصُوفًا بها، وقد تُسْتَعْمَلُ فى المعْلومِ والمَقْدُورِ اتِّساعًا، كقولِهم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا عِلْمَك فينا. ويقالُ: اللَّهُمَّ قد أَرَيْتَنا قُدْرَتَك، فأَرِنَا عَفْوَكَ. ويُقالُ: انْظُرْ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ. أى مَقْدُورِه. فمتى أَقْسَمَ بهذا، كان يَمِينًا. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: وعِلْمِ اللَّه. لا يكونُ يَمِينًا؛ لأَنَّه يَحْتَمِلُ المعلومَ. ولَنا، أَنَّ العِلْمَ من صفاتِ اللَّه تعالَى، فكانت اليَمينُ به يَمِينًا مُوجِبَةً للكفَّارَةِ، كالعَظَمَةِ، والعِزَّةِ، والقُدْرَةِ، ويَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه بالقُدْرَةِ، فإنَّهم قَد سَلَّمُوها، وهى قَرِينَتُها. فأمَّا إنْ نَوَى القَسَمَ بالمَعْلُومِ، والمَقْدُورِ، احْتَملَ أَنْ لا يكونَ يَمِينًا. وهو قولُ أصحابِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه نَوَى بالاسمِ غيرَ صِفَةٍ للَّه، مع احتمالِ اللَّفْظِ ما نَواهُ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى القَسَمَ بمحلُوفٍ فى الأَسْماءِ التى يُسَمَّى (١٥) بها غيرُ اللَّهِ تعالى. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أَنَّ ذلك يكونُ يَمِينًا بكُلِّ حالٍ، ولا تُقْبَلُ منه نِيَّةُ غيرِ صِفَةِ اللَّه تعالَى. وهو قولُ أبى حنيفةَ فى القُدْرَةِ؛ لأَنَّ ذلك مَوْضوعٌ للصِّفَةِ، فلا يُقْبَلُ منه نِيَّةُ غيرِ الصِّفَةِ، كالعَظَمَةِ. وقد ذكرَ طَلْحَةُ العاقُولِىُّ، فى أسماءِ اللَّه تعالَى المُعَرَّفَةِ بلامِ

стр. 7143

التَّعْريفِ، كالخالقِ والرَّازِقِ، أَنَّها تكونُ يَمِينًا بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّها لا تَنْصَرِفُ إلَّا إلى اسْمِ اللَّه، كذا هذا. الثالثُ، ما لا يَنْصَرِفُ بإطْلاقِه إلى صِفَةِ اللَّه تعالى، لكنْ يَنْصَرِفُ بإضافَتِه إلى اللَّه سُبْحانَه لَفْظًا أو نِيَّةً، كالعَهْدِ، والميثاقِ، والأمانَةِ، ونحوِه. فهذا لا يكونُ يَمِينًا مُكَفَّرَةً إلَّا بإضافَتِه أو نِيَّتِه. وسَنَذْكُرُ ذلك فيما بعدُ، إنْ شاءَ اللَّه تعالى. فصل: وإِنْ قال: وحَقِّ اللَّه. فهى يَمِينٌ مُكَفَّرَة. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا كَفَّارَةَ لها؛ لأنَّ حَقَّ اللَّهِ طاعَتُه ومَفْرُوضاتُه، وليستْ صِفَةً له. ولَنا، أَنَّ للَّهِ حُقوقًا يَسْتَحِقُّها لِنَفْسِه؛ من البقاءِ، والعَظَمَةِ، والجَلالِ، والعِزَّةِ، وقد اقْتَرَنَ عُرْفُ الاسْتِعْمالِ بالحَلِفِ بهذه الصِّفَةِ، فتَنْصَرِفُ إلى صِفَةِ اللَّه تعالَى، كقَوْلِه: وقُدْرَةِ اللَّهِ. وإِنْ نَوَى بذلك القَسَمَ بمَخلُوقٍ، فالقَوْلُ فيه كالقَوْلِ فى الحَلِفِ بالعلْمِ والقُدْرَةِ، إلَّا أَنَّ احْتِمالَ المَخْلُوقِ بهذا اللَّفْظِ أظْهَرُ. فصل: وإِنْ قال: لَعَمْرُ اللَّهِ. فهى يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافِعِىُّ: إنْ قَصَدَ الْيَمِينَ، فهى يَمِينٌ، وإلَّا فلا. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّها إنَّما تكونُ يَمِينًا بتَقديرِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، فكأنَّه قال: لعَمْرُ اللَّهِ ما أُقْسِمُ به. فيكونُ مَجازًا، والْمَجازُ لا ينْصَرِفُ إليه الإطْلاقُ. ولَنا، أنَّه أقسَمَ بصِفَةٍ مِن صِفَاتِ ذاتِ اللَّه، فكان يَمِينًا مُوجِبًا للكَفَّارَةِ، كالحَلِفِ ببَقاءِ اللَّهِ تعالى، فإنَّ مَعْنَى ذلك الحَلِفُ بِبَقاءِ اللَّه تعالَى وحَياتِه. ويُقال: العُمْرُ والعَمْرُ واحِدٌ. وقيل: مَعْناه وحَقِّ اللَّهِ. وقد ثَبَتَ له عرفُ الشَّرْعِ والاسْتعمالِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١٦). وقال النَّابِغَةُ (١٧): فَلَا لعَمْرُ الَّذِى قَدْ زُرْتَه حِجَجًا ... وما أُريِقَ على الأَنْصابِ مِنْ جَسَدِ (١٨)

стр. 7144

وقال آخرُ: إذا رَضِيَتْ كِرامُ بَنِى قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِى رِضَاهَا (١٩) وقال آخرُ: ولكِنْ لعَمْرُ اللَّهِ ما طَلَّ مُسْلِمًا ... كَغُرِّ الثَّنايا واضِحاتِ الْمَلاغِمِ (٢٠) وهذا فى الشِّعْرِ والكلامِ كثيرٌ. وأمَّا احْتِياجُه إلى التَّقْديرِ، فلا يَضُرُّ (٢١)؛ فإنَّ اللَّفْظَ إذا اشْتَهرَ فى العُرْفِ، صارَ من الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، يجبُ حَمْلُه عليه عندَ الإِطلاقِ دُونَ مَوْضُوعِه الأَصْلِىِّ، على ما عُرِفَ من سائِرِ الأَسْماءِ العُرْفِيَّة، ومتى احْتاجَ اللَّفْظُ إلى التَّقْديرِ، وجَبَ التَّقْديرُ له، ولم يجُزِ اطِّراحُه، ولهذا يُفْهَمُ مُرادُ المُتَكَلِّمِ به من غيرِ اطِّلاعٍ على نِيَّةِ قائِلِه وقَصْدِه، كما يُفْهَمُ أَنَّ مُرادَ المتكَلِّمِ بهذا من المتقدِّمِينَ القَسَمُ، [ويُفْهَمُ من القَسَمِ بغيرِ حَرْفِ القَسَم فى أشْعارِهم القَسَمُ فى مثلِ قولِه (٢٢): * فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قاعِدًا] (٢٣) * ويُفْهَمُ من القَسَمِ الذى حُذِفَ فى جوابه حَرْفُ "لا"، أنَّه مُقَدَّرٌ مُرادٌ، كهذا البَيْت، ويُفْهَم من قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢٤). ﴿وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (٢٥). التَّقْدِيرُ (٢٦)، فكذا ههُنا. وإِنْ قال: عَمْرَكَ اللَّه كما فى قولِه (٢٧): أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللَّهَ كيفَ يَلْتَقِيانِ (٢٨)

стр. 7145

فقد قيل: هو مِثْلُ قولِه: نَشَدْتُكَ اللَّه. ولهذا يُنْصَبُ اسمُ اللَّه تعالى فيه. وإِنْ قال: لعَمْرِى، أو لعَمْرُك، أو عَمْرُك. فليس بيَمِينٍ، فى قولِ أكثَرِهم. وقال الحسنُ، فى قولِه: لعَمْرِى: عليه الكَفَّارَةُ. ولَنا، أنَّه أقْسَمَ بحياةِ مَخْلوقٍ، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَةٌ، كما لو قال: وحَياتِى. وذلك لأنَّ هذا اللفظَ يكونُ قَسَمًا بحَياةِ الذى أُضِيفَ إليه العَمْرُ، فإنَّ التَّقْديرَ، لَعَمْرُكَ قَسَمِى، أو ما أُقْسِمُ به، والعَمْرُ: الحياةُ أو البقاءُ. فصل: وإِنْ قال: وأَيْمُ اللَّهِ، أو أَيْمُنُ اللَّهِ (٢٩). فهى يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ، والخِلافُ فيه كالذى ذَكَرْناهُ فى الفصلِ الذى قبلَه. وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يُقْسِمُ به، وانْضَمَّ إليه عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، فوَجَب أَنْ يُصْرَفَ إليه. واخْتُلِفَ فى اشْتِقاقِه، فقيل: هو جَمْعُ يَمِينٍ، وحُذِفَت النُّونُ فيه فى البعض تخْفيفًا لكَثْرَةِ الاسْتِعْمال. وقيل: هو مِن اليَمِينِ، فكأنَّه قال: ويَمِينُ اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ. وأَلِفُه ألفُ وَصْلٍ. فصل: وحُروفُ القَسَمِ ثلاثَةٌ؛ الباءُ، وهى الأَصْلُ، وتدْخُلُ على المُظْهَرِ والمُضْمَرِ جميعًا. والواوُ، وهى بدَل من الباء، وتدخُلُ على المُظْهَرِ دونَ المُضْمَرِ لذلك، وهى أكثرُ اسْتعمالًا، وبها جاءَتْ أكْثَرُ الأَقْسامِ فى الكتابِ والسُّنَّةِ؛ وإنّما كانَت الباءُ الأَصْلَ، لأنَّها الحرفُ الذى تَصِلُ به الأَفْعالُ القاصِرَةُ عن التَّعَدِّى إلى مَفْعُولاتِها، والتقديرُ فى القَسَمِ، أُقْسِم باللَّهِ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٣٠). والتاءُ بَدَلٌ من الواوِ، وتَخْتَصُّ باسمٍ واحِدٍ من أسماءِ اللَّهِ تعالى، وهو اللَّهُ، ولا تَدْخُلُ على غيرِه، فيُقالُ: تاللَّهِ. ولو قال: تالرَّحْمنِ، أو تَالرَّحِيمِ. لم يكُنْ قَسَمًا. فإذا أَقْسَمَ بأحَدِ هذه الحروفِ الثلَاثَةِ فى مَوْضِعِه، كان قَسَمًا صحيحًا؛ لأنَّه مَوْضوعٌ له. وقد جاءَ فى كتابِ اللَّه تعالى، وكلامِ العَرَبِ، قال اللَّه تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (٣١). ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (٣٢). ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٣٣). ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ

стр. 7146

عَلِمْتُمْ﴾ (٣٤). ﴿تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٣٥). وقال الشاعرُ (٣٦). تَاللَّهِ يَبْقَى على الأَيَّامِ ذُو حِيَدٍ ... بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والْآسُ (٣٧) فإنْ قال: ما أرَدْتُ به القَسَمَ. لم يقبلْ منه؛ لأنَّه أتَى باللَّفْظِ الصَّريحِ فى القَسَمِ، واقْتَرَنَتْ به قَرِينَةٌ دالَّةٌ عليه، وهو الجوابُ بجَوابِ القَسَمِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ منه فى قولِه: تاللَّهِ لأقُومَنَّ. إذا قال: أردْتُ أَنَّ قِيامِى بِمَعُونَةِ اللَّه وفَضْلِه. لأنَّه فسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه. ولا يُقْبَلُ فى الحَرْفَيْنِ الآخَرَيْنِ، لعَدَمِ الاحْتِمالِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يُقْبَلَ بحالٍ؛ لأنَّه أجابَ بجوابِ القَسَمِ، فيُمْنَعُ صَرْفُه إلى غيرِه. فصل: وإِنْ أَقْسَمَ بغيرِ حَرْفِ القَسَمِ، فقال: اللَّه لأَقُومَنَّ. بالجَرِّ أو النصْبِ، كان يَمِيِنًا. وقال الشافِعِىُّ: لا يكونُ يَمِينًا، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ؛ لأنَّ ذِكْرَهُ (٣٨) اسْمَ اللَّهِ تعالى بغيرِ حَرفِ القَسَمِ، ليس بصَرِيحٍ فى القَسَمِ، فلا يَنْصَرِفُ (٣٩) إليه إلَّا بالنِّيَّةِ. ولَنا، أنَّه سائِغٌ فى العَربِيَّةِ، وقد وَرَدَ به عُرْفُ الاسْتعمالِ فى الشَّرْعِ، فرُوِىَ أَنَّ عبدَ اللَّه بن مَسْعودٍ أخْبَرَ النّبِىَّ ﷺ ، أنَّه قَتَلَ أبا جَهْلٍ، فقال: "آللَّهِ إِنَّكَ قَتَلْتَه؟ " لا. قال: اللَّه إنِّى قَتَلْتُه. ذَكَره

стр. 7147

البُخارِىُّ (٤٠). وقال لِرُكَانةَ بن عبد يَزِيدَ: "آللَّهِ ما أرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟ " قال: اللَّه ما أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً (٤١). وقال امرؤُ القَيْسِ: * فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّه أَبْرَحُ قاعِدًا * وقال أيضًا (٤٢). * فَقالَتْ يَمِينَ اللَّهِ مالَكَ حِيلَةٌ * وقد اقْتَرَنَت به قَرِينَتان تَدُلَّان عليه؛ إحداهُما؛ الجوابُ بجَوابِ القَسَمِ. والثانِى، النُّصْبُ والجَرُّ فى اسمِ اللَّه تعالى؛ فوجَبَ (٤٣) أَنْ تكونَ يمينًا، كما لو قال: واللَّهِ. وإِنْ قال: اللَّهُ لأَفْعَلَن. بالرّفْعِ، [ونَوَى الْيَمِينَ، فهى يَمِينٌ، لكِنَّه قَدْ لَحَنَ، فهو كما لو قال: واللَّهُ. بالرَّفْعِ] (٤٤). وإِنْ لم يَنْوِ الْيَمِينَ، فقال أبو الخَطَّاب: يكونُ يَمِينًا؛ لأنَّ قَرينَةَ الجوابِ بجَوابِ القَسَمِ كافِيَة، والعامِّىُّ لا يَعْرِفُ الإِعْرابَ فيأْتِى به، إلَّا أَنْ يكونَ من أهلِ العربِيَّةِ، فإنَّ عُدولَه عن إعْرابِ القَسَمِ دليلٌ على أنَّه لم يُرِدْه. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يكونَ قَسَمًا فى حَقِّ العامِّىِّ؛ لأنَّه ليس بقَسَمٍ فى حَقِّ أهلِ العربِيَّةِ، فلم يكُنْ قَسَمًا فى حَقِّ (٤٥) غيرِهم، كما لو لم يُجِبْه بجوابِ القَسَمِ. فصل: ويُجابُ القَسَمُ بأَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ؛ حرفان للنَّفْى، وهما "ما" و"لا"، وحَرْفان للإثبات، وهما "إنْ" و"اللَّام" المفْتُوحَة. وتقومُ "إن" المكسورَةُ، مَقامَ "ما" (٤٦) النافِيَة، مثل قولِه: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ (٤٧). وإِنْ قال:

стр. 7148

واللَّهِ أَفْعَلُ. بغَيْرِ حَرْفٍ، فالمحذوفُ ههُنا "لا"، وتكونُ يَمِينُه على النَّفْى؛ لأَنَّ مَوْضُوعَه فى العَرَبِيَّة كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أى لا تَفْتَؤُ. وقال الشاعر: * تاللَّهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حيدٍ * وقال آخر: * فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قاعِدًا * أى: لا أبْرَحُ. فصل: فإنْ قال: لاهَا اللَّهِ. ونوَى الْيَمِينَ. فهى (٤٨) يمينٌ؛ لما رُوِىَ أَنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال فى سَلَبِ قتيل (٤٩) أبى قَتادَةَ: لَاها اللَّهِ، إذا تَعْمَدُ إلى أَسَدٍ من أُسْدِ اللَّه، يُقاتِلُ عن اللَّهِ وعن (٥٠) رسولِه، فيُعْطيك سَلَبه! فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "صَدَقَ" (٥١). وإِنْ لم ينْوِ الْيَمِينَ، فالظَّاهِرُ أنَّه لا يكونُ يَمِينًا؛ لأنَّه لم يقتَرِنْ به عُرْفٌ ولا نِيَّةٌ، ولا فى جَوابِه حَرْف يدُلُّ على القَسَمِ. وهذا مذهَبُ الشافِعِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. ١٧٨٤ - مسألة؛ قال: (أَوْ بآيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ) وجُمْلته أَنَّ الحَلِفَ بالقُرْآنِ، أو بآيةٍ منه، أو بكلامِ اللَّهِ، يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، تَجِبُ الكَفَّارَةُ بالحِنْثِ فيها. وبهذا قال ابنُ مَسْعُودٍ، والحسنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وعامَّةُ أهلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: ليس بيَمِينٍ، ولا تَجبُ به كَفَّارَةٌ، فمنهم مَن زَعَمَ أنَّه مَخْلوقٌ، ومنهم مَنْ قال: لا يُعْهَدُ اليَمِينُ به. ولَنا، أَنَّ القُرآَنَ كلامُ اللَّهِ، وصِفَةٌ من صِفاتِ ذاتِه، فتَنْعَقِدُ اليَمينُ بِه، كما لو قال: وجَلالِ اللَّهِ، وعَظَمَتِه. وقولُهم: هو مخلوقٌ. قُلْنا: هذا كلامُ المعتَزِلَةِ، وإنَّما الخِلافُ مع

стр. 7149

الفقهاءِ، وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ" (١). وقال ابنُ عبّاسٍ فى قولِه تعالَى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ﴾ (٢). أى: غيرَ مخلُوقٍ (٣). وأما قَوْلُهم: لا يُعْهَدُ اليَمِينُ به. فيَلْزَمُهم قولُهم: وكبرياءِ اللَّهِ، وعَظَمَتِه، وجَلالِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنّ الحَلِفَ بآيَةٍ منه كالحَلِفِ بجَمِيعِه؛ لأنَّها من كلامِ اللَّه تعالى. فصل: وإِنْ حَلَفَ بالمُصْحَفِ، انْعَقدَت يَمِينُه. وكان قتادَةُ يَحْلِفُ بالمُصْحَفِ. ولم يَكرَهْ ذلك إمامُنا، وإسحاقُ؛ لأنَّ الحالِفَ بالمُصْحَفِ إنَّما قَصَدَ الحَلِفَ بالمكتوبِ فيه، وهو القرآنُ، فإنَّه بَيْنَ دَفَّتَى المُصْحَفِ بإجْماعِ المسلمين. ١٧٨٥ - مسألة؛ قال: (بِصَدَقَةِ (١) مِلْكِه (٢)، أو بِالْحَجِّ) وجُمْلته أَنَّه إذا أَخْرَجَ النَّذْرَ مَخْرَجَ اليَمِينِ، بِأَنْ يمْنَعَ نَفْسَه أو غَيْرَه بِه شيئًا، أو يَحُثَّ به على شىءٍ، مثل أَنْ يقولَ: إنْ كَلَّمْتُ زيدًا، فللَّهِ عَلَىّ الحَجُّ، أو صَدَقَةُ مالٍ، أو صومُ سَنَةٍ. فهذا يَمِينٌ، حُكْمُه أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الوفاء بما حَلَفَ عليه، فلا يَلْزَمُه شىءٌ، وبين أَنْ يحْنَث، فيتخَيَّرُ بين فِعْلِ المَنْذُورِ، وبين كَفَّارَةِ يَمِينٍ، ويُسَمَّى نَذْرَ اللَّجاج والغَضَبِ، ولا يَتَعَيَّنُ عليه الوَفاءُ بِه، وإنَّما يلْزَمُ نَذْرُ التَبرُّرِ، وسنذكُرُه فى بابِه إن شاءَ اللَّه. وهذا قولُ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، [وابنِ عُمَرَ] (٣)، وعائِشَةَ، وحَفْصَةَ، وزينبَ بنتِ أبى سَلَمَةَ. وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، وعِكرِمَةُ، والقاسِمُ، والحسنُ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، وعبدُ اللَّه (٤) بنُ شَرِيك، والشافِعِىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ،

стр. 7150

وابنُ المُنْذِرِ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: لا شىءَ فى الحَلِفِ بالحجِّ. وعن الشَّعْبِىِّ، والحارِثِ العُكْلِىِّ، وحَمَّادٍ، والحَكَمِ: لا شىء فى الحَلِفِ بصَدَقَةِ مالِه؛ لأنَّ الكفَّارَةَ إنَّما تَلْزَمُ بالحَلِفِ باللَّهِ تعالى، لِحُرْمَةِ الاسْمِ، وهذا ما حَلَفَ باسمِ اللَّهِ، ولا يجبُ ما سَمَّاه؛ لأنَّه لم يُخْرِجْه مَخْرَجَ القُرْبَةِ، وإنَّما الْتَزَمَه على طريقِ العُقوبَةِ، فلم يَلْزَمْه. وقال أبو حنيفةَ، ومالِك: يَلْزَمُه الوفاءُ بنَذْرِه؛ لأنَّه نَذْرٌ فيَلْزَمُه الوَفاءُ به، كنَذْرِ التَّبَرُّرِ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن الشَّعْبِىِّ. ولَنا، ما رَوَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْن، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا نَذْرَ فى غَضَبٍ، وكَفَّارَتُه كَفّارَةُ يَمِينٍ". روَاه سعيدُ بنُ مَنْصورٍ، والجُوزجانِىُّ، فى "المُتَرْجَمِ" (٥). وعن عائِشَةَ، أنّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ بالْمَشْىِ، أو الْهَدْىِ، أو جَعْلِ مَالِهِ فِى سَبِيلِ اللَّه، أَوْ فِى الْمَسَاكِينِ، أو فِى رِتَاجِ الْكَعْبَةِ (٦)، فَكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ الْيَمِينِ" (٧). ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنَا من الصَّحابَةِ، ولا مُخالِفَ لهم فى عَصْرِهم، ولأَنَّه يمَينٌ، فيَدْخُلُ فى عُمومِ قولِه تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٨). ودَليلُ أنَّهُ يمينٌ، أنَّه يُسَمَّى بذلك، ويُسمَّى قائِلُه حالِفًا، وفارَق نَذْرَ التَّبَرُّرِ؛ لكَوْنِه قَصَدَ به التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تعالى والبِرَّ، ولم يُخْرِجْه مَخْرَجَ اليَمِينِ؛ وههُنا خرَجَ مَخْرَجَ اليَمِينِ، ولم يقْصِدْ به قُرْبَةً ولا بِرًّا، فأشْبَهَ الْيَمِينَ من وَجْهٍ والنَّذْرَ من وجْهٍ، فخُيِّر بينَ الوفاءِ به وبين الكَفّارَة. وعن أحمد، رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّه تَتَعَيَّنُ الكَفّارَةُ، ولا يُجْزِئُه الوَفاءُ بِنَذْرِه. وهو قولٌ لبَعْضِ أصحابِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه يَمِينٌ. والأَوّلُ أوْلَى؛ لأنَّه إنَّما الْتَزمَ فِعْلَ ما نَذَرَه، فلا يَلْزَمُه أكثرُ منه، كنَذْرِ التَّبَرُّرِ. وفارَق الْيَمِينَ باللَّه تعالى؛ لأَنَّه أَقْسَمَ بالاسْمِ المُحْتَرَمِ (٩)، فإذا خالفَ لزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ، تَعْظِيمًا للاسْمِ، بخلافِ هذا.

стр. 7151

١٧٨٦ - مسألة؛ قال: (أَوْ بالْعَهْدِ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا حَلَفَ بالعَهْدِ، أو قال: وعَهْدِ اللَّهِ، وكَفالَتِه. فذلك يَمِينٌ، يجبُ تَكْفِيرُها إذا حَنِثَ فيها. وبهذا قال الحسنُ، وطاوسٌ، والشَّعْبِىُّ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، وقَتادَةُ، والحكَمُ، والأوْزَاعِىُّ، ومالِكٌ. وحَلَفَت عائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، بالعَهْدِ أَنْ لا تُكَلِّمَ ابنَ الزُّبَيْرِ، فَلمَّا كَلَّمَتْه أعْتَقَت أرْبَعِينَ رَقَبَةً، وكانتْ إذا ذَكَرته [تَبْكِى] (١)، وتقول: واعَهْداهُ (٢). قال أحمد: العَهْدُ شديدٌ فى عَشَرَةِ مَواضِعَ فى (٣) كتابِ اللَّه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٤). ويتقرَّبُ إلى اللَّهِ تعالَى إذا حَلَفَ بالعَهْدِ [ثم حَنِثَ، بم] (٥) اسْتَطاعَ. وعائِشَة أَعْتَقَت أربَعِينَ رَقَبَةً، ثم تَبْكِى حَتّى تَبُلَّ خِمارَها، وتقول: واعَهْدَاهُ. وقال عَطاءٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: لا يكونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِىَ. وقال الشافِعِىُّ: لا يكونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِىَ اليَمِينَ بعَهْدِ اللَّهِ، الذى (٦) هو صِفَتُه. وقال أبو حنيفةَ: ليس بيَمِينٍ. ولَعَلَّهم ذَهَبُوا إلى أَنَّ العَهْدَ مِنْ صفاتِ الفِعْلِ، فلا يكونُ الحَلِفُ به يَمِينًا، كما لو قال: وخلْقِ اللَّهِ. وقد وافَقنا أبو حنيفةَ فى أنَّه إذا قال: عَلَىَّ عَهْدُ اللَّهِ ومِيثاقُه لأَفْعَلَنَّ. ثم حَنِثَ، أنَّه يَلْزَمُه الكَفَّارَةُ. ولَنا، أَنَّ عَهْدَ اللَّه يَحْتَمِلُ كلامَه الذى أمَرَنا به ونَهانا، كَقَوْلِه تعالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ (٦). وكلامُه قَديمٌ صِفَةٌ له، ويَحْتَمِلُ أنَّه اسْتِحْقاقُه لما تَعَبَّدَنا بِه، وقد ثَبَتَ له عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، فيَجِبُ أَنْ يكونَ يَمِينًا بإطْلاقِه، كما لو قال: وكلامِ اللَّهِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إنْ قال: عَلَىَّ عَهْدُ اللَّهِ ومِيثاقه لأَفْعَلَنَّ. أو قال: وعَهْدِ اللَّهِ ومِيثَاقِه لأَفْعَلَنَّ. فهو يَمِينٌ، وإِنْ قال: والعَهْدُ والميثاقُ لأَفْعَلَنَّ. ونَوَى عَهْدَ اللَّهِ، كان يَمِينًا؛ لأنَّه نَوَى الحَلِفَ بصِفَةٍ من صفاتِ اللَّه

стр. 7152

تعالى. وإِنْ أطلقَ، فقال القاضى: فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، يكونُ يَمِينًا؛ لأَنَّ لامَ التَّعْرِيِف إنْ كانَتْ للعَهْدِ، يَجِبُ أَنْ تَنْصَرِفَ إلى عَهْدِ اللَّه؛ لأنَّه الذى عُهدَت اليَمِينُ بِه، وإِنْ كانت للاسْتِغْراقِ، دَخَلَ فيه ذلك. والثانِيَةُ، لا يَكونُ يَمِينًا؛ لأَنَّه يَحْتَمِلُ غيرَ ما وَجَبَت بِه الكَفَّارَةُ، ولم يَصْرِفْه إلى ذلك بِنِيَّتِه، فلا تَجِبُ الكَفّارَةُ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُها. ١٧٨٧ - مسألة؛ قال: (أو بالخُرُوجِ مِنَ الإِسْلَامِ) اخْتَلَفَت الرِّوايَةُ عن أحمدَ، فى الحالِفِ (١) بالخُروجِ من الإِسلامِ، مثل أَنْ يقول: هو يَهُودِىٌّ، أو نَصْرانِىٌّ، أو مَجُوسِىٌّ، إنْ فَعَلَ كَذَا، كذا (٢). أو: هو بَرِىءٌ مِنَ الإِسْلامِ، أو مِنْ رسولِ اللَّه ﷺ ، أو مِنَ القُرَآنِ، إنْ فَعَلَ. أو قال (٣): هو يَعْبُدُ الصَّلِيبَ، أو يَعْبُدُك، أو يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، إنْ فَعَلَ. أو نحوَ هذا، فعنْ أحمد: عليه الكَفَّارَةُ إذا حَنِثَ. يُرْوَى هذا عن [عطاءٍ، و] (٤) طاوسٍ، والحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ويُرْوَى ذلك عن زَيْدِ بنِ ثابِتٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ: لا كَفَّارَةَ عليه. وهو قولُ مالِك، والشافِعِىّ، واللَّيْثِ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ باسمِ اللَّهِ، ولا صِفَتِه، فلم تَلْزَمْه كفَّارَةٌ، كما لو قال: عَصَيْتُ اللَّهَ فيما أمَرَنِى. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ فى الرِّوايَة الأُولَى على النَّدْبِ، دونَ الإِيجابِ؛ لأنَّه قال، فى رِوايَةِ حَنْبَلٍ: إذا قال: أكفُرُ باللَّهِ، أو أشْرِكُ باللَّهِ. فأحَبُّ إلىَّ أن يُكَفِّرَ كَفَّارةَ يَمِينٍ إذا حَنِثَ. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، ما رُوِىَ عن الزُّهْرِىِّ، عن خارِجَةَ بنِ زيدٍ، عن أبيه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يقول: هو يَهودِىٌّ، أو نَصْرانِىٌّ، أو مَجُوسِىٌّ، أو بَرِىءٌ من الإِسْلامِ. فى اليَمِينِ يَحْلِفُ بها، فيَحْنَث فى هذه الأَشْياءِ، فقال: "عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". أَخْرَجَه أبو بكْرٍ (٥). ولأَنَّ البراءَةَ من هذه الأَشياءِ تُوجِبُ الكُفْرَ

стр. 7153

باللَّهِ، فكان الحَلِفُ يَمِينًا، كالحَلِفِ باللَّهِ تعالى. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ أصَحُّ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى، فإنَّ الوُجوبَ من الشارِعِ، ولم يَرِدْ فى هذه الْيَمِينِ نَصٌّ، ولا هى فى قِياس المَنْصُوصِ، فإنَّ الكَفَّارَةَ إنَّما وَجَبَت فى الحَلِفِ باسْمِ اللَّه تَعْظِيمًا لاسْمِه، وإظْهارًا لشَرَفِه وعَظَمَتِه، ولا تَتَحَقَّقُ التَّسْويَةُ. فصل: وإِنْ قال: هو يَسْتَحِلُّ الخمرَ والزِّنَى إنْ فعلَ. ثم حَنِثَ، أو قال: هو يسْتَحِلُّ تَرْكَ الصَّلاةِ أو الصِّيامِ أو الزكاةِ. فهو كالحَلِفِ بالبَراءَةِ من الإِسْلامِ؛ لأَنَّ اسْتِحْلالَ ذلك يُوجِبُ الكفْرَ، وإِنْ قال: عَصَيْتُ اللَّه فيما أمَرَنِى، أو فى كُلِّ ما افْتَرَضَ عَلىَّ، أو مَحَوْتُ المُصْحَفَ، أو أنا أسْرِقُ، أو أقْتُلُ النَفْسَ التى حَرَّمَ اللَّه إنْ فَعَلْتُ. وحَنِث، لم تَلْزَمْه كَفّارَةٌ؛ لأنَّ هذا دونَ الشِّرْكِ، وإن قال: أَخْزاهُ اللَّهُ، أو أَقْطَعَ يَدَه، أو لَعَنه اللَّهُ (٦)، إنْ فَعَلَ. ثم حَنِثَ، فلا كَفّارَةَ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ (٧). وبهذا قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال طاوُسٌ، واللَّيْثُ: عليه كَفّارَةٌ. وبه قال الأوْزَاعِىُّ إذا قال: عليه لَعْنَةُ اللَّهِ. ولَنا، أَنَّ هذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ، فأشْبَهَ ما لو قال: مَحَوْتُ المُصْحَفَ. وإِنْ قال: لا يَرانِى اللَّهُ فى موضِعِ كذا إنْ فعلتُ. وحَنِثَ. فقال القاضى: عليه الكَفَّارَةُ (٨). وذكرَ أَنَّ أحمدَ نَصَّ عليه. والصَّحِيح أَنَّ هذا لا كَفّارَةَ فيه؛ لأنَّ إيجابَها فى هذا ومثلِه تَحَكُّمٌ بغيرِ نَصٍّ، ولا قياسٍ صَحِيحٍ. فصل: ولا يجوزُ الحَلِفُ بالْبَراءَةٍ من الإِسْلامِ، لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ قَالَ: إنِّى بَرِىءٌ مِنَ الإِسْلَامِ. فإنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وإِنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَعُدْ إلَى الإِسْلَامِ سَالِمًا". روَاه أبو داود (٩). ١٧٨٨ - مسألة؛ قال: (أو بِتَحْرِيمِ مَمْلُوكِهِ، أَوْ شَىْءٍ مِنْ مَالِهِ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا قال: هذا حَرامٌ علىَّ إنْ فَعَلْتُ. فعَلَ، أو قال: ما أحَلَّ اللَّهُ علىَّ حرامٌ

стр. 7154

إنْ فَعَلْتُ. ثم فَعَلَ، فهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ تَرَكَ ما حَرَّمَه على نفسِه، وإِنْ شاءَ كَفَّرَ. وإِنْ قال: هذا الطعامُ حَرامٌ علىَّ. فهو كالحَلِفِ على تَرْكِه. ويُرْوَى نحوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، والحسنِ، وجابرِ بنِ زيدٍ، وقَتادَةَ، وإسْحاقَ، وأهلِ العراقِ. وقال سعيدُ بنُ جُبَيْر، فى مَن قال: الحِلُّ عَلَىَّ حَرامٌ: يَمِينٌ من الأَيْمانِ، يُكَفِّرُها. وقال الحسنُ: هى يَمِينٌ، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ طَلاقَ (١) امرأتِهِ. وعن إبراهيمَ مثلُه. وعنه: إنْ نَوَى طَلاقًا، وإلَّا فليس بشىءٍ. وعن الضَّحَّاك، أَنَّ أبا بكرٍ وعمرَ وابنَ مسعودٍ قالُوا: الحرامُ يَمِينُ طلاقٍ (٢). وقال طاوُسٌ: هو ما نَوَى. وقال مالِكٌ، والشافِعِىُّ: ليس بيَمِينٍ، ولا شىءَ عليه؛ لأنَّه قَصَدَ تَغْيِيرَ المشْرُوعِ، فَلَغا ما قَصَدَه، كما لو قال: هذه رَبيبَتِى. ولَنا، قولُ اللَّه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣). سَمَّى تَحْريمَ ما أَحَلَّ اللَّهُ يَمِينًا، وفَرَضَ له تَحِلَّةً، وهى الكَفّارَةُ. وقالت عائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، كان النَّبِىُّ ﷺ يَمْكُثُ عندَ زَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ، ويَشْرَبُ عِنْدَها عَسَلًا، فتَواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ، أَنَّ أَيَّتَنًا دَخَلَ عليها النَّبِىُّ ﷺ ، فَلْتَقُلْ: إنى أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغافِيرَ (٤). فدَخَلَ على إحْدانا، فقالَتْ له ذلك، فقال: "لَا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، ولَنْ أَعُودَ لَهُ". فنزَلتْ (٥): ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ (٦). مُتَّفَقٌ عليه (٧)، فإنْ قيل: إنّما نَزَلَت الآيةُ فى تَحْريمِ مارِيَةَ

стр. 7155

القِبْطِيَّة، كذلك قال الحسنُ، وقَتادَةُ (٨). قُلنا: ما ذَكَرْناه أَصَحُّ؛ فإنَّه مُتَّفَقٌ عليه، وقولُ عائِشَةَ صاحِبَةِ القِصَّةِ الحاضِرَةِ للتَّنْزيلِ، المشاهِدَةِ للحالِ، أَوْلَى، والحسنُ وقَتادَةُ لو سَمِعَا قولَ عائِشَةَ، لم يَعْدِلا به شيئًا، ولم يَصِيرَا إلى غيرِه، فكيفَ يُصارُ إلى قَوْلِهما، ويُترَكُ قَوْلُها! وقد رُوِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عُمَرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه جَعَلَ تحْريمَ الحلالِ يَمِينًا (٩). ولو ثَبَتَ أَنَّ الآيةَ نزلَتْ فى تَحْريمِ ماريِةَ، كان حُجَّة لنا؛ لأَنَّها من الحلالِ الذى حَرَّمَ، وليستْ زَوْجَةً، فوجوبُ الكَفَّارَةِ بِتَحْرِيمها يَقْتضِى وجُوبَه فى كُلِّ حلالٍ حُرِّمَ، بالقياس عليها؛ لأَنّه حَرَّمَ الحلالَ فأوْجَبَ الكفّارَةَ، كتَحْرِيمِ الأَمَةِ والزَّوْجَةِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بِتَحْرِيمِها. وإذا قال: هذه رَبِيبَتِى. يقْصِدُ تَحْرِيمَها، فهو ظِهارٌ. ١٧٨٩ - مسألة؛ قال: (أو يَقُولُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ، أَوْ أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أو أعْزِمُ بِاللَّهِ) هذا قولُ عامَّةِ الفُقهاءِ، لا نعلَمُ فيه خِلافًا، وسواء نَوَى اليَمِينَ، أو أطلَقَ؛ لأنَّه لو قال: باللَّه. ولم يقُلْ: أُقْسِمُ، ولا أشْهَدُ، ولم يذكُرِ الفِعْلَ، كان يَمِينًا، وإنَّما كان يَمِينًا بتَقْديرِ الفِعْلِ قَبْلَه؛ لأنَّ الباءَ تَتَعَلَّقُ بفعلٍ مُقَدَّرٍ، على ما ذَكَرْناه، فإذا أَظْهَرَ الفِعْلَ، ونَطَقَ بالمُقدَّرِ، كان أوْلَى بثُبُوتِ حُكْمِه، وقد ثَبَتَ له عُرْفُ الاسْتِعْمال، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ (٢). وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). ويقولُ المُلاعِنُ فى لِعَانِه: أَشْهَدُ باللَّه إنِّى لَمِنَ الصَّادِقِين. وتقولُ المَرْأَةُ: أشْهَدُ باللَّه إنه لَمِنَ الكاذِبِينَ. وأنشَدَ أعرابِىٌّ عمرَ: * أُقْسِمُ باللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ (٤) *

стр. 7156

وكَذَلِك الحُكْم إِنْ ذَكَرَ الفِعْلَ بلَفْظِ الماضِى، فقال: أقْسَمْتُ باللَّهِ، أو شَهِدْتُ باللَّهِ. قال عبدُ اللَّه بنُ رَواحَةَ: * أَقْسَمْتُ باللَّه لتَنْزِلِنَّهْ (٥) * وإِنْ أرادَ بقولِه: أَقْسَمْتُ باللَّهِ. الخبرَ عن قَسَمٍ ماضٍ، أو بقولِه: أُقْسِمُ باللَّهِ. الخَبَرَ (٦) عن قَسَمٍ يَأْتِى بهِ، فلا كَفَّارَةَ عليه. وإنِ ادَّعَى إِرادَةَ ذلك، قُبِلَ منه. وقال القاضِى: لا يُقبَل فى الحكمِ. وهو قولُ بعض أصحابِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه خِلافُ الظّاهِرِ. ولَنا، أَنَّ هذا حُكْم فيما بَيْنَه وبينَ اللَّه تعالى، فإذا عَلِمَ مِن نَفْسِه أنَّه نَوَى شيئًا وأرادَه (٧)، مع احْتمالِ اللفْظِ إيَّاه، لم تَلْزَمْه كَفّارَةُ شىءٍ (٦). وإِنْ قالَ: شَهِدْتُ باللَّهِ أنِّى آمَنْتُ باللَّهِ. فليس بِيَمِينٍ. وإِنْ قال: أعْزِمُ باللَّهِ. يقْصِدُ الْيَمِينَ، فهو يَمِينٌ. وإِنْ أَطْلَقَ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىّ أنَّه يَمِينٌ. وهو قولُ ابنِ حامِدٍ. وقال أبو بكرٍ: ليس بيَمِينٍ. وهو قولُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه لم يثْبُتْ له عُرْفُ الشَّرْعِ، ولا الاسْتعمالُ، وظاهِرُه غيرُ اليَمِينِ؛ لأنَّ مَعْناهُ أقْصِدُ باللَّهِ لأَفْعَلَنَّ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه يَحْتَمِلُ اليَمِينَ، وقد اقتَرَنَ به ما يَدُلُّ عليه، وهو جَوابُه بجَوابِ القَسَمِ، فيكونُ يَمِينًا. فأمَّا إنْ نَوَى بقولِه غيرَ الْيَمِينِ، لم يكُنْ يَمِينًا. فصل: وإِنْ قال: أَحْلِفُ باللَّهِ، أو أُولِى باللَّه، أو حَلَفْتُ باللَّهِ، أو آلَيْتُ باللَّهِ، أو ألِيَّةً باللَّهِ، أو حَلِفًا باللَّه، أو قَسَمًا باللَّه. فهو يَمِينٌ، سَواءٌ نَوَى به اليَمِينَ أو أَطْلَقَ؛ لما ذَكَرْناه فى: أُقْسِمُ باللَّه. وحُكْمُهُ حُكْمُه فى تَفْصِيلِه؛ لأَنَّ الإِيلاءَ والحَلِفَ [فى القَسَمِ] (٨) واحدٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. وقال سعدُ بن مُعاذٍ: أَحْلِفُ باللَّهِ، لقد جاءَكُم أُسَيْدٌ بغيرِ الوَجْهِ الذى ذَهَبَ بِه. وقال الشاعر (٩): أُولِى برَبِّ الرَّاقِصاتِ إلى مِنًى ... ومَطارِحِ الأكْوارِ حيثُ تَبِيتُ

стр. 7157

وقال ابنُ دُرَيْد: ألِيَّةً باليَعْمَلاتِ تَرْتَمِى ... بِها النَّجاءُ بَيْنَ أَجْوازِ الفَلَا (١٠) وقال: بَلْ قَسَمًا بالشُّمِّ مِنْ يَعْرُبَ هَلْ ... لمُقْسِمٍ مِنْ بَعْدِ هذا مُنْتَهَى (١١) فصل: فإنْ قال: أَقْسَمْتُ، أو آلَيْتُ، أو حَلَفْتُ، أو شَهِدْتُ لأَفْعلنَّ. ولم يذْكُرْ باللَّهِ، فعن أحمدَ رِوايتان؛ إحْداهُما، أنَّها يَمينٌ، سواءٌ نَوَى اليَمِينَ أو أَطلَقَ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، وأصْحابِه. وعن أحمدَ، إنْ نَوَى اليَمِينَ باللَّهِ كان يَمِينًا، وإلَّا فلا. وهو قولُ مالِكٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ باللَّهِ تعالى وبغيرِه، فلم تكُنْ يَمِينًا حتى يَصْرِفَه بِنِيَّتِهِ إلى ما تجِبُ به الكَفَّارَةُ. وقال الشّافِعِىُّ: ليس بيَمِينٍ وإِنْ نَوَى. ورُوِىَ نحوُ ذلِك عن عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنّها عَرِيَتْ عن اسمِ اللَّهِ وصِفَتِهِ، فلم تكُنْ يَمِينًا، كما لو قال: أَقْسَمْتُ بالبَيْتِ. وَلنا، أنَّه قد ثَبَتَ لها عُرْفُ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ، فإنَّ أبا بكرٍ قال: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ يا رسولَ اللَّهِ، لَتُخْبِرَنِّى بما أَصَبْتُ ممَّا أَخْطَأْتُ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ". روَاه أبو داود (١٢). وقال العَبّاسُ للنَّبِىِّ ﷺ : أَقْسَمْتُ عليكَ يا رسولَ اللَّه، لَتُبايِعَنَّه. فبايَعَه النَّبِىُّ ﷺ ، وقال: "أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّى، ولَا هِجْرَةَ" (١٣). وفى كتاب اللَّه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ

стр. 7158

اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (١٤). فَسَمَّاها يَمِينًا، وسَمَّاها رَسولُ اللَّه ﷺ قَسَمًا وقالت عاتِكَةُ بنتُ عبدِ المطَّلب، عَمَّةُ رسولَ اللَّه ﷺ (١٥): حَلَفْتُ لَئِنْ عَادُوا لنَصْطَلِمَنَّهُمْ ... لجاءُوا تَرَدَّى حَجْرَتَيْها الْمَقانِبُ وقالت عاتِكَةُ بِنتُ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيْل (١٦): فَآلَيْتُ لا تَنْفَكُّ عَيْنِى خَزِينةً ... عَلَيْكَ ولا يَنْفَكُّ جِلْدِىَ أَغْبَرَا وقولُهم: يَحْتَمِلُ القَسَمَ بغيرِ اللَّهِ. قُلْنا: إنَّما يُحْمَلُ على القَسَمِ المشْروعِ، ولهذا لم يكُنْ هذا مَكْرُوهًا، ولو حُمِلَ على القَسَمِ بغيرِ اللَّه، كان مَكْرُوهًا، ولو كان مَكْرُوهًا لم يفْعَلْه أبو بكرٍ بينَ يَدَىِ النَّبِىِّ ﷺ ، ولا أَبَرَّ النَّبِىُّ ﷺ قَسَمَ العبَّاسِ حينَ أَقْسَمَ عليه. فصل: وإِنْ قال: أعْزِمُ، أو عَزَمْتُ. لم يكُنْ قَسَمًا، نَوَى به القَسَمَ أو لم يَنْوِ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ لهذا اللَّفْظِ عُرْفٌ فى شَرْعٍ ولا اسْتعمالٍ، [ولا هو مَوْضوعٌ (١٧) للقَسَمِ، ولا فيه دلالَةٌ عليه، وكذلك لو قال: أسْتَعِينُ باللَّهِ، أو اعتَصِمُ باللَّهِ، أو أَتَوَكّلُ على اللَّهِ، أو عَلِمَ اللَّهُ، أو عَزَّ اللَّه، أو (١٨) تبارَكَ اللَّهُ. ونحو هذا، لم يكُنْ يَمِينًا، نَوَى أو لم يَنْوِ؛ لأنَّه ليس بِمَوْضُوعٍ للقَسَمِ لُغَةً، ولا ثبتَ له عُرْفٌ فى شَرْعٍ ولا اسْتِعْمالٍ] (١٩)، فلم يجِبْ به شىءٌ، كما لو قال: سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إله إلَّا اللَّه، واللَّهُ أَكْبَرُ. ١٧٩٠ - مسألة؛ قال: (أو بِأَمانَةِ اللَّهِ) قال القاضِى: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ فى أَنَّ الحَلِفَ بأمانةِ اللَّهِ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافِعِىُّ: لا تَنْعَقِدُ اليمينُ بها، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ الحَلِفَ بصِفَةِ اللَّهِ تعالى؛ لأَنَّ الأمانَةَ تُطْلَقُ على الفرائِض والوَدائِعِ والحُقوقِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى

стр. 7159

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (١). وقال تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢). يَعْنِى الودائِعَ والحقُوقَ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "أَدِّ الأَمَانَةَ إلى مَنْ ائْتَمَنَكَ، ولَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" (٣). وإذَا كان اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا، لم يُصْرَفْ إلى أحَدِ مُحْتَمِلَيْهِ (٤) إلَّا بنِيَّتِه أو دليلٍ صارِفٍ إليه. ولَنا، أَنَّ أمانةَ اللَّهِ صِفَةٌ له، بدليلِ وُجوبِ الكَفَّارَةِ على مَن حَلَفَ بها إذا نَوَى، ويجبُ حَمْلُها على ذلك عندَ الإِطْلاقِ، لوُجوهٍ؛ أحَدُها، أَنَّ حَمْلَها على غيرِ ذلك صَرْفٌ ليَمِينِ (٥) المسلمِ إلى المَعْصِيَةِ، أو المَكْرُوهِ؛ لكَوْنِه قَسَمًا بمَخْلوقٍ، والظَّاهِرُ من حالِ المُسْلِمِ خِلَافُه. والثانى، أَنَّ القَسَمَ فى العادةِ يكونُ بالمُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ دونَ غيرِه، وصِفَةُ اللَّهِ تعالَى أَعْظَمُ حُرْمَةً وقَدْرًا. والثالِثُ، أَنَّ ما ذَكَرُوه من الفَرائِضِ والوَدائِعِ لم يُعْهَدِ القسَمُ بِها، ولا يُسْتَحْسَن ذلك لوْ صرّحَ به، فكذلك لا يُقْسَمُ بما هو عِبارةٌ عنه. الرابعُ، أَنَّ أمانةَ اللَّهِ المُضافَةَ إليه، هى صِفَتُه، وغيرُها يُذْكَرُ غيرَ مُضافٍ إليه، كما ذُكِرَ فى الآياتِ والْخَبَرِ. الخامِسُ، أَنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فى كُلِّ أمانَةٍ للَّهِ (٦)؛ لأَنَّ اسْمَ الجِنْسِ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، أفادَ (٧) الاسْتِغْراقَ، فيدخُلُ فيه أمانَةُ اللَّهِ التى هى صِفَتُه، فتَنْعَقِدُ اليَمِينُ بها مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ، كما لو نَواها. فصل: فإنْ قال: والأمانةِ لا فَعَلْتُ. ونَوَى الحَلِفَ بأمانَةِ اللَّه، فهى (٨) يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ مُوجِبَةٌ للكفَّارَةِ. وإِنْ أَطلَقَ، فَعَلَى رِوايَتَيْن؛ إِحْداهُما؛ يكونُ يَمِينًا؛ لما ذَكَرْنا من الوُجُوهِ. والثانِيَةُ، لا يكونُ يَمِينًا؛ لأنَّه لم يُضِفْها إلى اللَّه تعالَى، فيَحْتَمِلُ غيرَ ذلك. قال أبو الخَطَّاب: كذلك إذا قال: والعَهْدِ، والميثاقِ، والجَبَرُوتِ، والعَظَمَةِ،

стр. 7160

والأماناتِ. فإنْ نَوَى يَمِينًا كانتْ (٩) يَمِينًا، وإلَّا فلا. وقد ذَكَرْنا فى الأَمانةِ رِوايَتَيْن، فيُخَرَّجُ فى سائِرِ ما ذَكَرُوه وَجْهان، قِياسًا عليها. فصل: ويُكْرَهُ الحَلِفُ بالأمانةِ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّه قال: "مَن حَلَفَ بِالأَمانَةِ، فَلَيْسَ مِنَّا". روَاه أبو داود (١٠). ورُوِىَ عن زيادِ بن حُدَيْرٍ: أَنَّ رجُلًا حَلَفَ عندَه بالأَمانَةِ، فجعلَ يَبْكِى بُكاءً شديدًا، فقال له الرجلُ: هل كان هذا يُكْرَهُ؟ قال: نعم، كان عمرُ يَنْهَى عن الحَلِفِ بالأَمانَةِ أَشَدَّ النَّهْى. فصل: ولا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ بالحَلِفِ بمَخْلوقٍ؛ كالكعبةِ، والأنْبياءِ، وسائرِ المخلوقاتِ، ولا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بالحِنْثِ فيها. هذا ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ. وقولُ (١١) أكثرِ الفُقهاءِ. وقال أصحابُنا: الحَلِفُ برسولِ اللَّه ﷺ يَمِينٌ مُوجِبَة للكَفَّارَةِ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: إذا حَلَفَ بحَقِّ رسولِ اللَّه ﷺ ، فحَنِثَ، فعليه الكَفَّارَةُ. قال أصحابُنا: لأنَّه أحدُ شَرْطَى الشَّهادَةِ، فالحَلِفُ به مُوجِبٌ للكَفَّارَةِ، كالحَلِفِ باسْمِ اللَّه تعالى. وَوَجْه الأَوّلِ، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا، فلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أو ليَصْمُتْ" (١٢). ولأنَّه حلِفٌ بغيرِ اللَّهِ، فلم يُوجِب الكفَّارَةَ، كسائرِ الأَنبياءِ، ولأنَّه مخلوقٌ، فلم تجِب الكَفَّارَةُ بالحَلِفِ به (١٣)، كإبراهيمَ ﵇، ولأَنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا فى مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولا يصِحُّ قياسُ اسمِ غيرِ اللَّهِ على اسْمِه؛ لعَدَمِ الشَّبَهِ، وانْتِفاءِ المُماثَلَةِ. وكلامُ أحمد فى هذا يُحْمَلُ على الاسْتِحْبابِ دونَ الإِيجابِ. ١٧٩١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ بِهذِهِ الْأَشْياءِ كُلِّها عَلَى شَىْءٍ وَاحِدٍ، فحَنِثَ، فَعَلَيْه كَفَّارَةٌ وَاحِدةٌ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا حَلَفَ بجميعِ هذه الأشياءِ التى ذَكَرَها الخِرَقِىُّ، وما يقومُ مَقامَها، أو

стр. 7161

كرَّرَ اليَمِينَ على شىءٍ واحدٍ، مثل إن قال: واللَّهِ لأَغْزُوَنّ قُرَيْشًا، واللَّهِ لأَغزُوَنّ قُرَيْشًا، واللَّهِ لأَغْزُوَنّ قُرَيشًا. فحَنِثَ، فليس عليه إِلَّا كَفَارةٌ واحِدةٌ. رُوِىَ نحوُ هذا عن ابنِ عمرَ (١). وبه قال الحسَنُ، وعُرْوَةُ، وإسحاقُ. ورُوِىَ أيضًا عن عَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادٍ، والأَوْزَاعِىِّ. وقال أبو عُبَيْد، فى مَن قال: علىَّ عَهْدُ اللَّه ومِيثاقُه وكَفالَتُه. ثم حَنِثَ: فعليه ثلاثُ كَفَّاراتٍ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: عليه لِكُلِّ (٢) يَمِينٍ كَفّارَةٌ، إلَّا أَنْ يُريدَ التَّأْكيدَ والتَّفْهِيمَ. ونحوُه عن الثَّوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وعن الشافِعِىِّ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن. وعن عمرِو بنِ دينارٍ، إنْ كان فى مَجْلِسٍ واحدٍ كقَوْلِنا، وإِنْ كان فى مجالِسَ كَقَوْلِهم. واحْتَجُّوا بأنَّ أسْبابَ الكَفَّاراتِ تَكَرَّرَتْ، فتَتكَرَّرُ (٣) الكفّاراتُ، كالقَتْلِ لآدَمِىٍّ، أو صَيْدِ (٤) حَرَمِىٍّ. ولأنَّ الْيَمِينَ الثَّانِيةَ مثلُ الأولَى، فتَقْتَضِى ما تَقْتَضِيه. ولَنا، أنَّه حِنْثٌ واحِدٌ أوجَبَ جِنْسًا واحدًا من الكَفَّاراتِ، فلم يجبْ بِه أكثرُ من كَفَّارَةٍ، كما لو قصدَ التَّأْكِيدَ والتَّفْهيمَ. وقولُهم: إنَّها أَسْبابٌ تَكَرَّرَتْ. لا نُسَلِّمُ (٥)؛ فإنّ السَّبَبَ الحِنْثُ، وهو واحِدٌ، وإِنْ سَلَّمْنا، فيَنْتقِضُ بما إذا كُرِّرَ (٦) الوَطْءُ فى رمضانَ فى أيَّامٍ، وبالحُدودِ إذا تكَرَّرَت أسْبابُها، فإنَّها كفَّاراتٌ، وبما إذا قصدَ التَّأْكيدَ، ولا يصِحُّ القياسُ على الصَّيْدِ الْحَرَمِىِّ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ بدلٌ، ولذلك تَزْدادُ بكِبَرِ الصَّيْدِ، وتَتَقَدَّرُ بقَدْرِه، فهى كدِيَةِ القتيلِ، ولا على كَفَّارَةِ قَتْلِ الآدَمِىِّ، لأَنَّها أُجْرِيَت مُجْرَى البَدَلِ أيضًا لِحَقِّ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّه لمَّا أتْلَفَ آدَمِيًّا عابدًا للَّه تعالى، ناسَبَ أَنْ يُوجِدَ عبدًا يَقُومُ مَقامَه فى العبادَةِ، فلما عَجَزَ عن الإِيجادِ، لَزِمَه إعْتاقُ رَقَبَةٍ؛ لأَنَّ العِتْقَ إيجادٌ للعَبْدِ بتَخْلِيصِه من رِقِّ العُبودِيَّةِ وشُغْلِها، إلى فَراغِ البالِ للعبادَةِ بالحُرِّيَّةِ التى حصَلَت بالاعْتاقِ. ثم الفَرْقُ ظاهِرٌ، وهو أَنَّ السَّبَبَ ههُنا تكرَّرَ بكَمالِه وشُروطِه، وفى محلِّ النِّزاعِ لم يُوجَدْ ذلك؛ لأَنَّ الحِنْثَ إمَّا أَنْ

стр. 7162

يكونَ هو السَّبَبَ، أو جُزءًا منه، أو شَرْطًا له، بدليلِ تَوَقُّفِ الحُكْمِ على وُجودِه، وأيًّا مَّا كان، فلم يَتَكَرَّرْ، فلم يجُزِ الإِلْحاقُ ثَمَّ، وإِنْ صَحَّ القياسُ، فقِياسُ كَفَّارَةِ اليَمِينِ على مِثْلِها، أوْلَى من قياسِها على القَتْلِ؛ لبُعْدِ ما بينهما. فصل: وإذا حَلَفَ يَمِينًا واحِدَةً على أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فقال: واللَّهِ لا أَكَلْتُ، ولا شَرِبْتُ، ولا لَبِسْتُ. فحَنِثَ فى الجميعِ، فكفَّارَةٌ واحِدَةٌ. لا أعلمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ اليَمِينَ واحِدَةٌ، والحِنْثَ واحِدٌ، فإنَّه بِفِعْلِ واحِدٍ من المَحْلُوفِ عليه يحْنَثُ، وتَنْحَلُّ اليَمِينُ. وإِنْ حَلَفَ أَيْمانًا غلى أجْناسٍ، فقال: واللَّهِ لا أَكَلْتُ، واللَّهِ لا شَرِبْتُ، واللَّهِ لا لَبِسْتُ. فحَنِثَ فى واحِدَةٍ منها، فعليه كفّارَةٌ، فإنْ أَخْرَجَها ثم حَنِثَ فى يَمِينٍ أُخْرَى، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى. لا نعلمُ فى هذا أيضًا خِلافًا؛ لأنَّ الحِنْثَ فى الثانية تَجبُ به الكفَّارَةُ بعدَ أَنْ كَفَّرَ عن الأُولَى، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ فى رمضانَ فكَفَّرَ، ثم وَطِئَ مَرًّة أُخْرَى. وإِنْ حَنِثَ فى الجميعِ قبلَ التَّكْفيرِ، فعليه فى كُلِّ يَمِينٍ كفارَةٌ. هذا ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ. وروَاه الْمَرُّوذِىُّ عن أحمدَ. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. وقال أبو بكرٍ: تُجْزِئُه كَفّارَةٌ واحِدَةٌ. وروَاها ابنُ منصورٍ عن أحمدَ. قال القاضى: وهى الصَّحِيحَةُ. وقال أبو بكرٍ: ما نَقَلَه الْمَرُّوذِىُّ عن أحمدَ قولٌ لأَبى عبدِ اللَّه، ومذهبُه أَنَّ كَفَّارَةً واحِدَة تُجْزِئُه. وهو قولُ إسحاقَ؛ لأنَّها كَفَّاراتٌ من جِنْسٍ، فتَداخَلَت، كالحُدودِ من جِنْسٍ، وإِنْ اخْتَلَفَتْ مَحالُّها، بأَنْ يَسْرِقَ من جماعَةٍ، أو يَزْنِىَ بِنِساءٍ. ولَنا، أنَّهُن أَيمانٌ لا يَحْنَثُ فى إِحْداهُنَّ بالحِنْثِ فى الأُخْرَى، فلم تتكَفَّرْ إحداهما بكَفَّارَةِ الأُخْرَى، كما لو كَفَّر عن إِحداهما قبلَ الحِنْثِ فى الأُخْرَى، وكالأَيْمانِ المُخْتَلِفَة الكَفَّارَة، وبهذا فارقَ الأيْمانَ على شىءٍ واحِدٍ؛ فإنَّه متى حَنِثَ فى إحداهما كان حانِثًا فى الأُخْرَى، فلمَّا (٧) كان الحِنْثُ واحِدًا، كانت الكَفَّارَةُ واحِدَةً، وههُنا تَعَدَّدَ الحِنْثُ، فَتَعَدَّدَت الكَفَّاراتُ، وفارقَ (٨) الحُدودَ؛ فإنَّها وَجَبَت للزَّجْرِ، وتَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، بخلافِ مَسْأَلَتِنا، ولأَنَّ الحُدودَ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فالمُوالاةُ بينها رُبَّما أَفْضَتْ إلى التَّلَفِ، فاجْتُزِئَ بأَحَدِها، وههُنا الواجِبُ إخْراجُ مالٍ يَسِيرٍ، أو صيامُ ثلاثَةِ أيّامٍ، فلا يَلْزَمُ الضَّرَرُ الكثيرُ بالمُوالاةِ فيه، ولا يُخْشَى منه التَّلَفُ

стр. 7163

١٧٩٢ - مسألة؛ قال: (وَلَو حَلَفَ عَلَى شَىْءٍ وَاحِدٍ بِيَمِينَيْنِ مُخْتَلِفَىِ الكَفَّارَةِ، لَزِمَتْه فِى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْيمِينَيْن كَفّارَتُهَا) هذا مِثْلُ الحَلِفِ باللَّهِ وبالظِّهارِ، وبعِتْقِ عَبْدِه، فإذا حَنِثَ، فعليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وكفَّارَةُ ظِهارٍ، ويَعْتِقُ العَبْدُ؛ لأنَّ تداخُل الأَحْكامِ إنَّما يَكُونُ مع اتِّحادِ الجِنْسِ، كالحُدُودِ من جنسٍ، والكَفَّاراتُ ههُنا أَجْناسٌ، وأسْبابُها مُخْتَلِفَةٌ، فلم تَتَداخَلْ، كحَدِّ (١) الزِّنَى والسَّرِقَةِ والقَذْفِ والشُّرْبِ. ١٧٩٣ - مسألة؛ قال: (ومَنْ حَلَفَ بِحَقِّ القُرْآنِ، لَزِمَتْهُ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) نَصَّ على هذا أحمدُ. وهو قولُ ابنِ مَسْعودٍ، والحسنِ. وعنه، أَنَّ الواجبَ كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ. وهو قياسُ المذهبِ. [وهو مذهبُ] (١) الشافِعِىِّ، وأَبِى عُبَيْدٍ، لأَنَّ الحَلِفَ بصِفَاتِ اللَّه كُلِّها، وتَكَرُّرَ اليَمِينِ باللَّهِ سبحانَه، لا يُوجِبُ أكثرَ من كَفّارَةٍ واحِدَةٍ (٢)، فالحَلِفُ بصِفَة واحِدَةٍ من صِفَاتِه أَولَى أَنْ تُجْزِئَه كَفّارَةٌ واحِدَةٌ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، ما رَوَى مُجاهِدٌ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنَ الْقُرآنِ، فَعَلَيْهِ بكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ صَبَرَ، فَمَنْ شَاءَ بَرَّ، ومَنْ شَاءَ فَجَرَ". روَاه الأثْرَمُ (٣). ولأنَّ ابنَ مسعودٍ قال: عليه بكُلِّ آيةٍ كفّارَةُ يَمينٍ (٤). ولم نَعْرِفْ مُخالِفًا له فى الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا. قال أحمد: وما أَعْلَمُ شيئًا يدفَعُه. ويَحْتَمِلُ أَنَّ كلامَ أحمدَ، فى كلِّ آيةٍ كَفّارَةٌ، على الاسْتِحْبابِ لمَنْ قَدَرَ عليه، فإنَّه قال: عليه بكُلِّ آيةٍ كَفّارَةٌ، فإنْ لم يُمْكِنْه فكفَّارَةٌ واحِدَةٌ. وردُّه إلى واحِدَةٍ عندَ العَجْزِ، دليلٌ على أَنَّ ما زادَ عليها غيرُ واجِبٍ. وكلامُ ابنِ

стр. 7164

مسعودٍ أيضًا يُحْمَلُ على الاخْتِيارِ، والاحْتِياطِ لكلامِ اللَّهِ، والمُبالغةِ فى تَعْظيمِه، كما أَنَّ عائِشَةَ أعتَقَت أرْبَعِين رَقَبَةً حين حَلَفَت بالعَهْدِ، وليس ذلك بواجبٍ، ولا يجبُ أكثرُ مِن كَفَّارَةٍ؛ لقولِ اللَّه تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٥). وهذه يَمِينٌ، فتدْخلُ فى عُمومِ الأَيْمانِ المُعَقَّدَةِ (٦)، ولأَنَّها يَمينٌ واحِدَةٌ، فلم تُوجِبْ كفَّاراتٍ، كسائِرِ الأيْمانِ، ولأَنَّ إيجابَ كفَّاراتٍ بعَدَدِ الآياتِ يُفْضِى إلى المَنْعِ من البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ النَّاسِ؛ لأنَّ مَنْ عَلِمَ أنَّه بِحِنْثِه تَلْزَمُه هذه الكَفَّاراتُ كلُّها، يَتْرُكُ (٧) المحلوفَ عليه كائِنًا ما كان، وقد يكون بِرًّا وتَقْوًى وإِصْلاحًا، فتَمْنَعُه يَمِينُه (٨) منه، وقد نَهَى اللَّهُ تعالى عنه بقولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٩). وإِنْ قُلنا بِوُجُوبِ كَفَّاراتٍ بعَدَدِ الآياتِ، فلم يُطِقْ ذلك (٨)، أَجْزَأَتْه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ. نصَّ عليه أحمدُ. ١٧٩٤ - مسألة؛ قال: (وعَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ، فِى مَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِه رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، كَفارَةُ يَمِينٍ، والْأُخْرَى، يَذْبَحُ كَبْشًا) اخْتَلَفَت الرِّوايَةُ فى مَن حَلَفَ بنَحْرِ وَلَدِه، نحوَ أَنْ يقول: إن فَعَلْتُ كذا، فللَّهِ علىَّ أَنْ أَذْبَح وَلَدِى. أو يقولَ: وَلَدِى نَحِيرٌ إنْ فَعَلْتُ كذا. أو نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِه مُطْلَقًا، غيرَ مُعَلّقٍ بشَرْطٍ. فعن أحمدَ، عليه كَفّارَةُ يَمِينٍ. وهذا قياسُ المذهبِ؛ لأَنَّ هذا نذْرُ مَعْصِيَةٍ، أو نذْرُ لَجاجٍ، وكِلاهما يُوصا الكَفَّارَةَ. وهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ؛ فإنَّه رُوِىَ عنه أنَّه قال لامْرَأَةٍ نذَرَتْ أَنْ تَذْبَحَ ابْنَها: لا تَنْحَرِى ابْنَكِ، وكَفِّرِى عن يَمِينكِ (١). والرِّوايةُ الثانِيَةُ،

стр. 7165

كَفَّارتُه ذَبْحُ كَبْشٍ، ويُطْعِمُه المساكينَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عبّاسٍ (٢) أيضًا؛ لأَنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الوَلَدِ جُعِلَ فى الشَّرْعِ كنذْرِ ذَبْحِ شاةٍ، بدليلِ أنَّ اللَّه تعالى أمرَ إبراهيمَ بذَبْحِ ولَدهِ، وكان أمْرًا بذَبْحِ شاةٍ، وشَرْعُ مَنْ قَبْلنا شرْعٌ لنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه، ودليلُ أنَّه أُمِرَ بذبْحِ شاةٍ، أَنَّ اللَّه تعالَى لا يأْمُرُ بالفَحْشاءِ ولا بالْمَعاصِى، وذَبْحُ الوَلَدِ من كَبائِرِ المعاصِى. قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٣). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "أكْبَرُ الْكَبَائِرِ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قِيلَ: ثم أىٌّ؟ قال: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؟ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ" (٤). وقال الشافِعِىُّ: ليس هذا بشىءٍ، ولا يَجِبُ به شىءٌ؛ لأنَّه نَذْرُ مَعْصِيةٍ لا يَجِبُ الوفاءُ به، ولا يجوزُ، ولا تَجِبُ به كَفّارَةٌ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ" (٥). ولقولِه ﵇: "ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِىَ اللَّه، فَلَا يَعْصِهِ" (٦). ولَنا، قولُه ﵇] (٧): "لا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةٍ، وكَفُّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِينٍ" (٨). ولأنَّ النَّذْرَ حُكْمُه حكمُ اليَمِينِ، بدليلِ قولِه ﵇: "النَّذرُ حَلْفَةٌ، وكَفَّارَتُه كفّارَةُ يمينٍ" (٩). فيكونُ بمنزِلَةِ من حَلَفَ ليَذْبَحَنَّ وَلَدَهَ. وقولُهم: إِنَّ النَّذْرَ لِذَبْحِ الوَلَدِ كنايَةٌ عن ذَبْحِ كبْشٍ. لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ إبراهيمَ لو كان مأْمُورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، لم يكُن الكَبْشُ فِداءً، ولا كان مُصَدِّقًا للرُّؤْيَا قبلَ ذَبْحِ الكَبْشِ،

стр. 7166

وإنَّما أُمِرَ بذَبْحِ ابنِه ابْتِلاءً، ثم فُدِىَ بالكَبْشِ، وهذا أمرٌ اخْتَصَّ بإبراهيمَ ﵇، لا يتعَدَّاه إلى غيرِه، لحِكْمَةٍ عَلِمَها اللَّه تعالى فيه. ثم لو كان إبراهيمُ مأمورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، فقد ورَدَ شَرعُنا بخِلَافِه، فإنَّ نذْرَ ذَبْحِ الابنِ ليس بقرْبَةٍ فى شَرْعِنا، ولا مُباحٍ، بل هو مَعْصِيَةٌ، فتكونُ كَفَّارَتُه ككفَّارَةِ سائِرِ نُذورِ الْمَعاصِى. فصل: وإِنْ نذَرَ ذَبْحَ نَفْسِه، أو أَجْنَبِىٍّ، ففيه أيضًا عن أحمدَ رِوايتَان، وعن ابنِ عَبَّاسٍ أيضًا فيه رِوايتان، نقلَ ابنُ مَنْصورٍ عن أحمدَ، فى مَن نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَه إذا حَنِثَ: يَذْبَحُ شاةً. وكذلك إذا (١٠) نذرَ ذبحَ أجْنَبِىٍّ؛ لأنَّه رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، فى الذى قال: أنا أَنْحَرُ فُلانًا. فقال: عليه ذَبْحُ (١١) كبْشٍ. ولأنّه نَذَرَ ذَبْحَ آدَمِىٍّ، فكان عليه ذَبْحُ كَبْشٍ، كنَذْرِ ذَبْحِ ابْنِه. والثانِيَةُ، عليه كَفّارَةُ يَمِينٍ؛ لأنَّه نذْرُ مَعْصِيَةٍ، فكان مُوجَبُه كَفَّارةً، لما ذكرْنا فيما تقدَّم. ورَوَى الْجُوزَجَانِىُّ، بإسْنادِه عن الأوْزَاعِىِّ، قال: حَدَّثَنِى أبو عُبَيْدٍ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى ابنِ عمرَ، فقال: إنِّى نَذَرْتُ أن أنحَرَ نَفسِى. قال: فتَجَهَّمَه ابنُ عمرَ، وأفَّفَ منه، ثم أتَى ابنَ عبَّاسٍ، فقال له: أهْدِ مائَةَ بَدَنَةٍ. ثم أتَى عبدَ الرحمن بنَ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، فقال له: أرَأَيْتَ لو نذَرْتَ أَنْ لا تُكَلِّمَ أباكَ أو أخاكَ؟ إنّما هذه خُطْوةٌ من خُطُواتِ الشَّيْطان، اسْتَغْفِر اللَّه، وتُبْ إليه، ثم رَجَعَ إلى ابنِ عَبَّاسٍ فأَخْبَرَه، فقال: أصابَ عبدُ الرحمن. ورَجَعَ ابنُ عبَّاسٍ عن قولِه. والصحيحُ فى هذا، أنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، حُكْمُه حُكْم نَذْرِ (١٢) سائِرِ المعاصِى لا غيرُ. فصل: قال أحمدُ، فى امْرأةٍ نَذَرَت نَحْرَ وَلَدِها، ولها ثلاثَةُ أولادٍ: تَذْبَحُ عن كُلِّ واحِدٍ كَبْشًا، وتكفِّرُ يَمِينَها. وهذا على قولِه: إِنَّ كَفّارَةَ نَذرِ ذَبْحِ الوَلَدِ ذَبْحُ كبْشٍ. جعلَ عن كُلِّ واحِدٍ كَبْشًا؛ لأنَّ لفظَ الواحِدِ إذا أُضِيفَ اقْتَضَى التَّعْميمَ، فكان عن كُلِّ واحِدٍ كبشٌ. فإنْ عَنَتْ بنَذْرِها واحِدًا فإنَّما عليها كبشٌ واحِدٌ، بدليلِ أَنَّ إبراهيمَ ﵇، لمَّا أُمِرَ بذَبْحِ ابنِه (١٣) الواحِد، فُدِىَ بكبْشٍ واحِدٍ، ولم يفْدَ غيرُ مَن أُمِرَ بذَبْحِه مِن أوْلادِه، كذا ههُنا، وعبد المُطَّلِبِ لمَّا نَذَرَ ذَبْحَ ابنٍ من بَنِيه إن بَلَغُوا عَشَرَةً، لم يَفْدِ

стр. 7167

منهم إلَّا واحدًا. وسواءٌ نَذَرتْه مُعَيَّنًا، أو عَنَتْ واحدًا غيرَ مُعَيَّنٍ، فأمَّا قولُ أحمدَ: وتكفِّرُ يَمِينَها. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أَنَّ ذَبْحَ الكِباشِ كفَّارَةُ يَمِينها. ويَحْتَمِلُ أنَّه كان مع نَذْرِها يَمِينٌ. وأمَّا على الرِّوايَة الأُخْرَى، تُجْزِئها كَفَّارَة يَمِينٍ، على ما سَبَقَ. ١٧٩٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقِ مَا يَمْلِكُ، فحَنِثَ، عَتَقَ عَلَيْه كُلُّ مَا يَمْلِكُ مِن عَبِيدهِ، وَإِمَائِهِ، ومُكاتَبِيهِ، ومُدَبَّرِيهِ، وَأُمَّهَاتِ أوْلَادِهِ، وشِقْصٍ يَمْلِكُهُ مِنْ (١) مَمْلُوكِهِ) معناه إذا قال: إنْ فَعَلْتُ كذا، فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لى حُرٌّ أو عَتِيقٌ، أو فكُلُّ ما أَملِكُ حُرٌّ. فإنَّ هذا إذا حَنِثَ عَتَقَ مَمالِيكُه، ولم تُغْنِ عنه كَفّارَةٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابْنِ عبَّاسٍ. وبه قال ابنُ أبى ليلَى، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافِعىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعائِشَةَ، وأبى سلمَةَ، وحَفْصَةَ، وزينبَ بنتِ أبى سَلَمَةَ، والحسنِ، وأبى ثَوْرٍ: تُجْزِئُه كَفّارَةُ يَمِينٍ. لأَنَّها يَمِينٌ، فتَدْخُلُ فى عُمومِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٢). ورُوىَ عن أبى رافِعٍ، قال: قالتْ مَوْلاتِى لَيْلَى بنتُ العَجْماء: كُلُّ مَمْلُوكٍ لها مُحَرَّرٌ، كلُّ مالٍ لها هَدْىٌ، وهى يَهُودِيَّةٌ وهى نَصْرانِيَّةٌ إنْ لم تُفَرِّقْ بينَكَ وبين امْرأَتِك. قال: فأَتَيْتُ زَيْنَبَ بنتَ أمِّ سَلَمَةَ، ثم أتَيْتُ حَفْصَةَ. إلى أَنْ قال: ثم أتَيْتُ ابنَ عمرَ، فجاءَ معى إليها، فقامَ على البابِ فسَلَّم، فقال: أَمنْ حِجارَةٍ أَنْتِ أم من حَدِيدٍ؟ أَفْتَتْكِ زَيْنَبُ، وأَفتَتْكِ أمُّ المؤْمِنِينَ، كَفِّرِى عن يَمِينِك، وخَلِّى بينَ الرَّجُلِ [وبينَ امْرأَتِه] (٣). رَواه الأثْرَمُ، والجُوزَجانِىُّ مُطَوَّلًا (٤). ولَنا، أَنَّه عَلَّقَ العِتْقَ على شَرْطٍ، وهوْ قابِلٌ للتَعْلِيقِ، فيَقَعُ بوُجودِ شَرْطِه، كالطَّلاقِ، والآيَةُ مخصوصَةٌ بالطَّلاقِ، والعِتْقُ فى مَعْناه، ولأنَّ العِتْقَ ليس بيَمِينٍ فى الحقيقَةِ، إنَّما هو تَعْلِيقٌ على شَرْطٍ، فأشْبَهَ الطَّلاقَ. فأمَّا حديثُ أبى رافِعٍ، قال أحمدُ:

стр. 7168

قال فيه: كَفِّرِى يَمِينَكِ، وأَعْتِقِى جارِيَتَكِ. وهذه زيادَةٌ يجِبُ قبُولُها. ويَحْتَمِلُ أنَّها لم يكُنْ لها مملوكٌ سِوَاها. فصل: فأمَّا إنْ قال: إنْ فَعَلْتُ، فللَّهِ علىَّ أَنْ أعْتِقَ (٥) عَبْدِى أو أُحَرِّرَه. أو نحو هذا، لم يَعْتِقْ بحِنْثِه، وكفَّرَ كفَّارَةَ يَمِينٍ، على ما ذكَرْنا فى (٦) نَذْرِ اللَّجاجِ (٧)؛ لأنَّ هذا لم يُعَلِّقِ العِتْقَ (٨)، إنَّما حلَفَ على تَعْلِيقِ العِتْقِ بشَرْطٍ، بخلافِ الذى قبلَه. فصل: وإذا حَنِثَ، عَتَقَ عليه عَبِيدُه، وإماؤُه، ومُدَبَّرُوه، وأُمَّهاتُ أولادِه، ومُكاتَبُوه، والأشْقاصُ التى يَمْلِكُها من العَبِيدِ والإماءِ. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، والْمُزَنِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرى، لا يَعْتِقُ الشِّقْصُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَه. ولعلّه ذَهَبَ إلى أَنَّ الشِّقْصَ لا يقَعُ عليه اسمُ العَبْدِ. وقال أبو حنيفةَ، وصاحِبَاه، وإسْحاقُ: لا يَعْتِقُ المُكاتَبُ. وهو قولُ الشافِعِىِّ؛ لأنّه خارِجٌ عن مِلْكِ سَيِّدِه وتَصَرُّفِه، فلم يدْخُلْ فى اسمِ مَماليكِه، كالحُرِّ. وقال الرَّبِيعُ: سَماعِى من الشافِعىِّ، أنَّه يَعْتِقُ. ولَنا، أنَّه مَمْلُوكُه، فيَعْتِقُ، كالمُدَبَّرِ؛ ودليلُ كَوْنِه مَمْلوكَه، قولُه ﵇: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْه دِرْهَمٌ" (٩). وقولُه لعائشةَ: "اشْتَرِى بَرِيرَةَ، وأَعْتِقِيهَا" (١٠). وكانت مُكاتبَةً، ولا يصحُّ شِراءُ غيرِ الْمَملوكِ ولا عِتْقُه، ولأنَّه يصِحُّ إعْتاقُه بالإجْماعِ، وأحكامُه أحكامُ العَبِيدِ، ولأنّه مملوكٌ، فلا بُدَّ له من مالِكٍ، ولأنَّه يصِحُّ إعْتاقُه بالمُباشَرَةِ، فدخَلَ فى العِتْقِ بالتَّعْليقِ، كسائِرِ عَبِيدِه. وأمَّا الشِّقْصُ، فإنَّه مَمْلوكٌ له، قابلٌ للتَّحْرِيرِ، فيدْخُلُ فى عُمومِ لَفْظِه. فصل: فإنْ قال: عبدُ فلانٍ حُرٌّ، إنْ دَخَلْتُ الدارَ. ثم دَخَلَها، لم يَعْتِقِ العبدُ، بغيرِ خلافٍ؛ لأَنّه لا يَعْتِقُ بإعْتاقِه ناجِزًا، فلا يَعْتِقُ بالتَّعْليقِ أوْلَى. وهل تَلْزَمُه كفّارَةٌ (١١)؟

стр. 7169

فيه عن أحمدَ رِوَايتان، ذَكَرَهما ابنُ أبى موسى؛ إحداهُما؛ عليه كَفّارَةٌ؛ لأنَّه حَلَفَ بالعِتْقِ فيما لا يقعُ بالحِنْثِ، فلَزِمَتْه كفارَةٌ، كما لو قال: للَّهِ علىَّ أَنْ أعْتِقَ فُلانًا. والثانِيَةُ، لا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه حَلَفَ بإخْراجِ مالِ غَيْرِه، فلم يَلْزَمْه شىءٌ، كما لو قال. مالُ فلانٍ صدَقَةٌ، إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ. ولأنَّه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ على صِفَةٍ، فلم تَجِبْ به كَفَّارَةٌ، كسائِرِ التَّعْليقِ. وأمَّا إذا قال: للَّهِ عَلَىَّ أَنْ أَعْتِقَ عَبْدًا. فإنَّه نذْرٌ، فأوجَبَ الكفَّارَةَ؛ لكَوْنِ النَّذْرِ كاليَمِينِ، وليس كذلك ههنا، فإنَّه إنَّما عَلَّقَ العِتْقَ على صِفَةٍ، فوُجودُ الصِّفَةِ أثَّرَ فى جَعْلِ المُعلَّقِ كالمُنْجَزِ، ولو نَجَزَ العِتْقُ لم يَلْزمْهُ شىءٌ، فكذلك ههُنا. فصل: فإنْ قال: إنْ فَعَلْتُ كذا، فمالُ فلانٍ صَدَقَةٌ، أو فَعَلَى فلانٍ حِجَّةٌ، أو فمالُ فلانٍ حَرامٌ عليهْ، أو هو بَرِىءٌ من الإِسْلامِ. وأشْباهَ هذا، فليس ذلك بيَمِينٍ، ولا تَجِبُ به كفَّارَةٌ. ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لم يَرِدِ الشَّرعُ فيه بكفَّارةٍ، ولا هو فى معنى ما وَرَدَ الشَّرْعُ به. ١٧٩٦ - مسألة؛ قال: (ومَنْ حَلَفَ فَهُوَ مُخيَّرٌ فى الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وبَعْدَهُ، وسَوَاءٌ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ صَوْمًا، أَوْ غَيْرَهُ، إِلَّا فِى الظِّهَارِ والْحَرَامِ، فَعَلَيْه الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ) الظِّهارُ والحرامُ شىءٌ واحِدٌ، وإنَّما عَصَفَ أحدَهما على الآخَرِ لاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، ولا خِلافَ بينَ العُلَماءِ، فيما عَلِمْناه، فى وُجوبِ تَقْديمِ كَفَّارَتِه على الوَطْءِ، والأَصْلُ فيه قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). فأمَّا كَفّارَةُ سائِرِ الأَيْمانِ، فإنَّها تجوزُ قبلَ الحِنْثِ وبعدَه، صَوْمًا كانَتْ أو غيرَه، فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبه قال مالِكٌ. وممَّنْ رُوِىَ عنه جَوازُ تقديِم التَّكْفِيرِ عمرُ بنُ الخطّابِ، وابنُه، وابنُ عَبّاسٍ، وسَلْمانُ الفارِسِىُّ، ومَسْلَمَةُ بنُ مَخْلَدٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرينَ، وربيعةُ، والأَوزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو خَيْثَمَةَ، وسليمانُ بنُ داود. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا تُجْزِئُ الكَفّارَةُ قبلَ الحِنْثِ؛ لأَنَّه تكفيرٌ

стр. 7170

قبلَ وُجودِ سَبَبه، فأشْبَهَ ما لو كفَّرَ قبلَ اليَمِينِ، ودليلُ ذلك أنَّ سبَبَ التَّكْفيرِ الحِنْثُ، إذْ (٢) هو هَتْكُ الاسمِ [المُعظَّمِ المُحْترَمِ] (٣)، ولم يُوجَدْ. وقال الشافِعىُّ كقَوْلِنا فى الإِعْتاقِ والإطْعامِ والكِسْوَةِ، وكقولِهم فى الصِّيامِ، من أجْلِ أنَّه عبادَةٌ بدَنِيَّةٌ. فلم يَجُزْ فِعْلُه قبلَ وُجوبِه لغيرِ (٤) مَشَقَّةٍ، كالصَّلاةِ. ولَنا، ما رَوَى عبدُ الرّحمنِ بنُ سَمُرَةَ، قال: قال لى رسولُ اللَّه ﷺ : "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ". روَاه أبو داود (٥). وفى لفظٍ: "وائْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ" روَاه البُخارِىُّ، والأَثْرَمُ (٥). وروَى أبو هُرَيْرَةَ، وأبو الدَّرْداءِ، وعَدِىُّ بنُ حاتِمٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ [نحوَ ذلك. روَاه الأَثْرَمُ. وعن أبى موسى، عن النَّبِىِّ ﷺ ] (٦) أنَّه قال: "إنِّى إنْ شاءَ اللَّهُ لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَرْتُ عَنْ يَمِينِى، وأَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ". أو "أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى". روَاه البُخارِىُّ (٥). ولأنَّه كفَّرَ بعدَ وُجودِ السَّبَبِ، فأَجْزَأَ، كما لو كفَّرَ بعدَ الجَرْحِ، وقبلَ الزُّهوقِ، والسَّبَبُ هو اليَمِينُ، بدليل قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٧). وقولِه سُبْحانَه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٨). وقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى". "وكَفِّرْ عَنْ (٩) يَمِينِكَ". وتَسْمِيةِ الكَفَّارَةِ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ، وبهذا ينفصلُ عَمَّا ذَكَرُوه، فإنَّ الحِنْثَ شَرْطٌ وليس بسَبَبٍ، وتَعْجيلُ حَقِّ المالِ بعدَ وُجودِ سبَبِه قبلَ (١٠) وُجودِ شَرْطِه جائِزٌ، بدليلِ تَعْجيلِ الزَّكاةِ بعدَ وُجودِ النِّصابِ وقبلَ (١١) الحَوْلِ، وكفَّارَةِ القَتْلِ بعدَ

стр. 7171

الجَرْحِ وقبلَ الزُّهُوقِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: العَجبُ من أصْحابِ أبى حنيفةَ، أجازُوا تَقْديمَ الزَّكاةِ من غيرِ أَنْ يَرْوُوا فيها مثلَ هذه الآثارِ الوارِدَةِ فى تَقْديمِ الكَفَّارَةِ، ويأبَون تقديمَ الكفَّارَةِ مع كَثْرةِ الرِّوايَةِ الوارِدَةِ فيها، والحُجَّةُ فى السُّنَّةِ، ومَنْ خالَفَها مَحْجُوجٌ بها. فأمَّا أصْحابُ الشافعِىِّ فهم مَحْجُوجُون بالأَحادِيثِ، مع أنَّهم قد احْتَجُّوا بها فى البَعْضِ، وخالَفُوها فى البعض، وفَرَّقُوا بينَ ما جَمَعَ بينَه النَّصُّ. ولأنَّ الصِّيامَ نَوْعُ تَكْفيرٍ، فجازَ قبلَ الحِنْثِ، كالتَّكْفيرِ بالمالِ، وقياسُ الكَفَّارَةِ على الكفّارَةِ، أوْلَى من قياسِها على الصّلاةِ المَفْروضَةِ بأصْلِ الوَضْعِ. فصل: فأمَّا التَّكْفيرُ قبلَ اليَمِينِ، فلا يجوزُ عندَ أَحَدٍ من العُلَماءِ؛ لأنَّه تَقْديمٌ للحُكْمِ قبلَ سَبَبِه، فلم يَجُزْ، كتَقْديمِ الزَّكاةِ قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، وكَفَّارَةِ القَتْلِ قبل الجَرْحِ. فصل: والتَّكْفيرُ قبلَ الحِنْثِ وبعدَه سَواءٌ فى الفَضِيلَةِ. وقال ابنُ أبى موسى: بعدَه أَفْضَلُ عندَ أحمدَ. وهو قولُ الشافعِىِّ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، لما فيه من الْخُروجِ منِ الخِلافِ، وحُصولِ اليَقِينِ ببَراءَةِ الذِّمَّةِ. ولَنا، أَنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ فيه، فيها التقديمُ مرَّةً والتَّأْخِيرُ أُخْرَى، وهذا دليلُ التَّسْوِيَةِ، ولأنَّه تَعْجِيلُ مالٍ يجوزُ تَعْجِيلُه قبلَ وُجوبِه، فلم يكُنِ التَّأْخِيرُ أفضلَ، كتَعْجيلِ الزَّكاةِ وكفَّارَةِ القَتْلِ، وما ذكَرُوه مُعارَضٌ بِتَعْجِيلِ (١٢) النَّفْعِ للفقراءِ، والتَّبَرُّعِ بما لم يَجِبْ عليه، وعلى أَنَّ الخِلافَ المُخالِفَ للنُّصوصِ لا يُوجِبُ تَفْضِيلَ المُجْمَعِ عليه، كتَرْكِ الجَمْعِ بين الصَّلاتَيْن. فصل: وإِنْ كان الحِنْثُ فى اليَمِينِ مَحْظورًا، فعجَّلَ الكَفَّارةَ قبْلَه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تُجْزِئُه؛ لأنَّه عجَّلَ الكفَّارَةَ بعدَ سَبَبِها، فأجْزَأَتْه، كما لو كان الحِنْثُ مُباحًا. والثانِى، لا تُجْزِئُه؛ لأنَّ التَّعْجِيلَ رُخْصَةٌ، فلا يُسْتَباحُ بالمَعْصِيَةِ، كالقَصْرِ فى سَفَرِ المعْصِيَةِ، والحديثُ لم يتناولِ المَعْصِيَةَ، فإنَّه قال: "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ". وهذا لم يَرَ غيرَها خيرًا منها. ولأَصْحابِ الشافِعِىِّ فى هذا وَجْهان، كما ذَكَرْنا.

стр. 7172

١٧٩٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وإِنْ شَاءَ تَرَك، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إِذَا لَم يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْناءِ والْيَمِينِ كَلامٌ) وجملةُ ذلك أَنَّ الحالِفَ إذا قال: إنْ شاءَ اللَّهُ. مع يَمِينِه، فهذا يُسَمَّى اسْتِثْناءً، فإنَّ ابنَ عمرَ رَوَى عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَدِ اسْتَثْنَى". روَاه أبو داود (١). وأَجْمَعَ العلماءُ على تَسْمِيَتِه اسْتِثْناءً، وأنَّه متى اسْتَثْنَى فى يَمِينِه لم يَحْنَثْ فيها، والأصلُ فى ذلك قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ". روَاه التِّرْمِذِىُّ (٢). ورَوَى أبو داود: "مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى، فإنْ شَاءَ رَجَعَ (٣)، وإِنْ شاءَ تَرَكَ (٤) ". ولأنَّه متى قال: لأَفْعَلَنَّ إنْ شاءَ اللَّهُ. فقد عَلِمْنا أنَّه متى شاءَ اللَّهُ فَعَلَ، ومتى لم يَفْعَلْ لم يَشَأ اللَّهُ ذلك، فإنَّ ما شاءَ اللَّه كان، وما لم يَشَأ لم يَكُنْ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُشْتَرَطُ أَنْ يكونَ الاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا باليَمِينِ، بحيثُ لا يَفْصِل بينهما كلامٌ أَجنَبِىٌّ، ولا يسْكُتُ بينَهما سُكوتًا يُمْكِنُه الكلامُ فيه، فأمَّا السُّكوتُ لِانْقِطاعِ نَفَسِه أو صَوْتِه، أو عِىٍّ، أو عارِضٍ، من عَطْسَةٍ، أو شىءٍ غيرِها، فلا يمْنَعُ صِحَّةَ الاسْتِثْناءِ، وثُبوتَ حُكْمِه. وبهذا قال مالِكٌ، والشافعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى". وهذا يَقْتَضِى كَوْنَه عَقِيبَه، ولأنَّ الاسْتِثْناءَ من تَمامِ الكلامِ، فاعْتُبِرَ اتِّصالُه به، كالشَّرْطِ وجَوَابِه (٥)، وخَبَرِ المُبْتَدأ، والاسْتِثْناءِ بإلَّا، ولأنَّ الحالِفَ إذا سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ يَمِينِه، وانْعَقَدَت مُوجِبَةً لحُكْمِها، وبعدَ ثُبُوتِه لا يُمْكِنُ دَفْعُه ولا تَغْيِيرُه. قال أحمدُ: حَدِيثُ النَّبِىِّ ﷺ لعَبْدِ الرحمن بنِ سَمُرَةَ: "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ

стр. 7173

يَمِينِكَ" (٦). ولَم يقُلْ: فاسْتَثْنِ. ولو جازَ الاسْتِثْناءُ فى كُلِّ حالٍ، لم يَحْنَثْ حانِثٌ به. وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يجوزُ الاسْتِثْناءُ إذا لم يَطُل ال فَصْلُ بينَهما. قال، فى رِوايَةِ الْمَرُّوذِىِّ: حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا". ثم سَكَتَ، ثم قال: "إنْ شاءَ اللَّهُ" (٧). إنَّما هو استثناءٌ بالقُرْبِ، ولم يخْلِطْ كلامَه بغَيْرِه. ونَقلَ عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ مثلَ هذا، وزاد قال: ولا أقولُ فيه بقَوْلِ هؤلاء. يَعْنِى مَنْ لم يَرَ (٨) ذلك إلَّا مُتَّصِلًا. ويَحْتَمِلُ كلامُ الْخِرَقِىِّ هذا؛ لأنَّه قال: إذا لم يكُنْ بينَ الْيَمِينِ والاسْتِثْناءِ كلامٌ. ولم يَشْتَرِط اتِّصَالَ الكلامِ وعدمَ السُّكوتِ. وهذا قولُ الأوْزَاعِىِّ، قال فى رَجُلٍ حَلَفَ: لا أفْعَل كذا وكذا. ثم سَكَتَ ساعَةً لا يتكَلَّمُ، ولا يُحدِّث نفسَه بالاسْتِثْناءِ، فقال (٩) له إنسانٌ: قُلْ: إنْ شاءَ اللَّه. فقال: إنْ شاءَ اللَّه. أيُكَفِّرُ يَمِينَه؟ قال: أراه قد اسْتَثْنَى. وقال قَتادَةُ: له أَنْ يَسْتَثْنِىَ قبلَ أَنْ يقومَ أو يتَكَلَّمَ. ووَجْهُ ذلك، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَثْنَى بعدَ سُكوتِه، إذْ قال: "وَاللَّهِ لأَغزُوَنَّ قُرَيْشًا". ثم سكَتَ، ثم قال: "إنْ شَاءَ اللَّهُ". احْتَجَّ به أحمدُ، وروَاه أبو داود، وزادَ: قال الوليدُ بنُ مُسْلِمٍ: ثم لم يَغْزُهم. ويُشْترَطُ، على هذه الرِّوايَةِ، أَنْ لا يُطِيلَ الفَصْلَ بينَهما، ولا يَتَكَلَّمَ بينهما بكلامٍ أجْنَبِىٍّ. وحَكَى ابنُ أبى موسى، عن بعضِ أصْحابِنا، أنَّه قال: يصِحُّ الاسْتِثْناءُ ما دامَ فى المجلِسِ. وحُكِىَ ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ. وعن عَطاءٍ أنَّه قال: قَدْرُ حَلْبِ النَّاقَةِ الغَرُوزَةِ (١٠). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ له أَنْ يَسْتَثْنِىَ بعدَ حِينٍ (١١). وهو قولُ مُجاهِدٍ. وهذا القولُ لا يَصِحُّ؛ لما ذكَرْناه، وتَقْديرُه بمجلِسٍ أو غيرِه لا يصْلُحُ؛ لأنَّ التَّقْديراتِ بابُها التَّوْقِيفُ، فلا يُصارُ إليها بالتَّحَكُّمِ. فصل: ويُشْتَرطُ أَنْ يَسْتَثْنِىَ بلسانِه، ولا ينفَعُه الاسْتِثْناءُ بالقَلْبِ. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ،

стр. 7174

والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ، وابنُ الْمُنْذِرِ، ولا نعلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ". والقولُ هو النُّطْقُ، ولأنَّ اليَمِينَ الا تَنْعَقِدُ بالنِّيَّةِ، فكذلك الاسْتِثْناءُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ: إنْ كان مَظْلومًا فاسْتَثْنَى فى نَفْسِه، رَجَوْتُ أن يجوزَ، إذا خافَ على نفسِه. فهذا فى حَقِّ الخائِفِ على نفْسِه؛ لأنَّ يَمِينَه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، أو لأَنَّه بمنزلَةِ المُتأوِّلِ، وأمَّا فى حَقِّ غيرِه فلا. فصل: واشْتَرطَ القاضِى أَنْ يقْصِدَ الاسْتِثْناءَ، فلو أرادَ الجَزْمَ، فسبَقَ لسانُه إلى الاسْتِثْناءِ من غيرِ قَصْدٍ، أو كانَتْ عادَتُه جارِيَةً بالاسْتِثْناءِ، فجَرَى لِسانُه [إلى الاسْتِثْناءِ] (١٢) من غيرِ قَصْدٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ اليَمِينَ لمَّا لم ينعَقِدْ من غيرِ قَصْدٍ، فكذلك الاسْتِثْناءُ. وهذا مذهبُ الشافعِىِّ. وذَكر بعضُهم، أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ حتى يَقْصِدَه مع ابْتداءِ يَمِينِه، فلو حَلَفَ غيرَ قاصِدٍ للاسْتِثْناءِ، ثم عَرَضَ له بعدَ فَراغِه من اليَمِينِ فاسْتَثْنَى، لم يَنْفَعْه. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا يُخالِفُ عمومَ الخَبرِ، فإنَّه قال: "مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ". ولأنّ لفظَ الاسْتِثْناء يكونُ عَقِيبَ يَمِينِه، [فكذلك نِيَّتُه] (١٣). فصل: ويَصِحُّ الاسْتِثْناءُ فى كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ، كاليَمِينِ باللَّهِ تعالى، والظِّهار، والنَّذْرِ. قال ابنُ أبى موسى: مَنْ اسْتَثْنَى فى يَمِينٍ تَدْخُلُها كفّارَةٌ، فله ثَنْيَاهُ (١٤)، لأَنَّها أيْمانٌ مُكفَّرَة، فدَخَلَها الاسْتِثْناءُ، كاليَمِينِ باللَّه تعالى، فلو قال: أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى. أو: أنتِ علىَّ حَرامٌ، إنْ شاءَ اللَّه. أو: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فأنْتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى، إنْ شاءَ اللَّه. أو: للَّهِ علىَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بمائَةِ دِرْهَمٍ، إنْ شاءَ اللَّهُ. لم يَلْزَمْه شىءٌ؛ لأنَّها أيْمانٌ، فتدْخُلُ فى عُمومِ قولِه: "مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ". فصل: فإنْ قال: واللَّهِ لأَشْرَبَنَّ اليومَ، إلَّا أَنْ يشاءَ اللَّه. أو: لا أشْرَبُ، إلَّا أَنْ يشاءَ

стр. 7175

اللَّهُ. لم يَحْنَثْ بالشُّرْبِ ولا بِتَرْكِه؛ لما ذَكَرْنا فى الإِثْباتِ. ولا فَرْقَ بينَ تَقْديمِ الاسْتِثْناءِ وتأخِيرِهِ فى هذا كُلِّه، فإذا قال: واللَّهِ، إنْ شاءَ اللَّه، لا أَشْرَبُ اليومَ. أو: لأَشْرَبَنَّ اليومَ (١٥). فَفَعَلَ أو تَرَكَ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ تقديمَ الشَّرْطِ وتَأْخِيرَه سواءٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (١٦). فصل: وإِنْ قال: واللَّهِ لأَشْرَبَنَّ اليَوْمَ، إنْ شاءَ زَيْدٌ. فشاءَ زَيْدٌ، لَزِمَه الشُّرْبُ، فإنْ تَرَكَه حتى مَضَى اليومُ حَنِثَ، وإِنْ لم يَشَأ زَيْدٌ، لم يَلْزَمْه يَمِينٌ، فإنْ لم تُعْلَمْ مَشِيئَتُه لغَيْبَةٍ أو جُنونٍ أو موتٍ، انْحَلَّت اليَمِينُ؛ لأَنَّه لم يُوجَدِ الشَّرْطُ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا أشْرَبُ، إلَّا أَنْ يشاءَ زيدٌ. فقد مَنَعَ نَفْسَه الشُّرْبَ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ مَشِيئَةُ زيدٍ، فإنْ شاءَ فله الشُّرْبُ، وإِنْ لم يَشَأْ لم يشْرَبْ، وإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئتُه لِغَيْبَةٍ أو موتٍ أو جُنونٍ، لم يَشْرَبْ، وإِنْ شَرِبَ حَنِث؛ لأنَّه مَنَعَ نَفْسَه إلَّا أَنْ تُوجَدَ المَشِيئَةُ، فلم يكُنْ له أَنْ يشْرَبَ قبلَ وجُودِها. وإِنْ قال: واللَّهِ لأَشْرَبَنَّ، إلَّا أَنْ يشاءَ زَيدٌ. فقد ألْزَمَ نَفْسَه الشُّرْبَ إلَّا أَنْ يشاءَ زيدٌ أَنْ لا يشْرَبَ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ ضِدُّ المُسْتَثْنَى منه، والمُسْتَثْنَى منه (١٧) إيجابٌ لشُرْبِه بيَمِينِه، فإنْ شَرِبَ قبلَ مَشِيئَةِ زيدٍ بَرَّ. وإِنْ قال زيدٌ: قد شِئْتُ [أَنْ لا] (١٨) يَشْرَبَ. انْحَلَّت اليمينُ، لأَنّها مُعَلَّقَةٌ بعَدَمِ مَشِيئَتِه لِتَرْكِ الشربِ، ولم تتقدَّمْ، فلم يُوجَدْ شَرْطُها. وإِنْ قال: قد شِئْتُ أَنْ يشْرَبَ. أو: ما شِئْتُ أَنْ لا يشْرَبَ. لم تنْحَلَّ اليَمِينُ؛ لأنَّ هذه المشيئَةَ غيرُ المُسْتَثْناةِ، فإنْ خَفِيَت مَشِيئَتُه، لَزِمَه الشُّرْبُ؛ لأنّه علَّقَ وُجوبَ الشُّرْبِ بعَدَمِ المَشِيئَةِ، وهى مَعْدُومَةٌ بحُكْمِ الأَصْلِ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا أشْرَبُ اليومَ، إنْ شاءَ زيدٌ. فقال زَيْدٌ: قد شِئْتُ أَنْ لا تَشْرَبَ. فشَرِبَ حَنِثَ، وإِنْ شَرِبَ قبلَ مَشِيئَتِه، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ الامتناعَ من الشُّرْبِ مُعلَّقٌ بمَشِيئَتِه، ولم تثْبُتْ مَشِيئَتُه، فلم يثْبُت الامْتِناعُ، بخلافِ التى قبلَها. وإِنْ خَفِيَت مَشِيئَتُه، فهى فى حُكْمِ المَعْدومَةِ. والمشِيئَةُ فى هذه المواضِعِ أَنْ يقولَ بلسانِه.

стр. 7176

١٧٩٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا اسْتَثْنَى فِى الطَّلَاقِ والْعَتَاقِ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀، أنَّه تَوَقَّفَ عَنِ الْجَوَابِ. وقَدْ قَطَعَ فِى مَوْضِعٍ، أَنَّهُ لَا يَنْفَعُه الِاسْتِثْنَاءُ) يعنى إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالِقٌ، إِنْ شاءَ اللَّه. أو لِعَبْدِه: أنتَ حُرٌّ، إِنْ شاءَ اللَّهُ. فقد تَوَقَّفَ أحمدُ فى الجوابِ؛ لاخْتِلافِ النّاسِ فيها، وتَعارُضِ الأَدِلَّةِ، وفى موضِعٍ قَطَعَ أنَّه لا يَنْفَعُه الاسْتِثناءُ فيهما. قال، فى روايَةِ إسحاقِ بنِ منصورٍ، وحَنْبَلٍ: مَن حَلَفَ، فقال: إِنْ شاءَ اللَّه. لم يَحْنَثْ، وليس له استِثْناءٌ فى الطلاق والعَتَاقِ. قال حَنْبَلٌ: قال (١): لأنَّهُما ليسا من الأيْمانِ. وبه قال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والحسنُ، وقَتادَةُ. وقال طاوُسٌ، وحَمَّادٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يجوزُ الاسْتِثْناءُ فيهما؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ" (٢). ولأنَّه عَلَّقَ الطَّلاقَ والْعَتاقَ بشَرْطٍ لم يَتَحَقَّقْ وُجودهُ، فلم يَقَعَا، كما لو عَلَّقَه بمشيئَةِ زَيْدٍ، ولم تَتَحَقَّقْ مَشيئَتُه (٣). ولَنا، أنَّه أَوْقَعَ الطَّلاقَ والعَتاقَ فى مَحَلٍّ قابِلٍ، فوَقَعَ، كما لو لم يَسْتَثْنِ، والحديثُ إنَّما تَناوَلَ الأيْمان، وليس هذا بيَمِينٍ، إنَّما هو تَعْلِيقٌ على شَرْطٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: إنَّما وَرَد التوقيفُ بالاسْتِثْناء فى اليَمِينِ باللَّهِ تعالَى، وقولُ المتقدِّمين: الأَيمانُ بالطَّلاقِ والْعَتاقِ. إنّما جاء (٤) على الاتِّساعِ والتَّقْرِيبِ، ولا يَمِينَ فى الحَقِيقَةِ إلَّا باللَّه تعالى، وهذا طَلاقٌ وعَتاقٌ. وقد ذكَرْنا هذه المَسْأَلَةَ فى الطَّلاقِ بأَبْسَط من هذا (٥). ١٧٩٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ، فَهِىَ طَالِقٌ. لَمْ تَطْلُقْ إِنْ تَزَوَّجَ بِهَا. وإِنْ قَالَ: إِنْ مَلَكْتُ فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ. فَمَلَكَهُ صَارَ حُرًّا) اخْتَلَفَت الرِّوايةُ عن أحمدَ فى هاتَيْنِ المَسْأَلَتَيْنِ، فعنه: لا يقَعُ طلاقٌ، ولا عِتْقٌ. رُوِىَ

стр. 7177

هذا عن ابن عبَّاسٍ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وعُرْوَةُ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، وسَوَّارُ القاضِى، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ الْمُنْذِرِ. ورَواهُ التِّرْمِذِىُّ عن علِىٍّ، وجابِرِ بنِ عبدِ اللَّه، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعلىِّ بنِ الحسينِ، وشُرَيْحٍ، وغيرِ واحدٍ من فُقَهاءِ التابعين، قال: وهو قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، ولَا طَلَاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ". قال التِّرْمِذِىُّ (١): وهذا حَدِيثٌ حسَنٌ، وهو أحْسَنُ ما رُوِىَ فى هذا البابِ. وعن عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لَا طَلاقَ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وإِنْ عَيَّنَها". روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (٢). ورَوَى أبو بكرٍ فى "الشَّافِى"، عن الخَلَّالِ، عن الرَّمادِىِّ، عن عبدِ الرَّزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن النَّزَّالِ بنِ سَبْرَةَ، عن عَلِىّ بنِ أبى طالِبٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ" (٣). قال أحمدُ: هذا عن النَّبِىِّ ﷺ وعِدَّةٍ (٤) من الصَّحابَةِ. ولأَنَّ مَنْ لا يقعُ طلاقُه وعِتْقُه بالمُباشَرَةِ، لم تَنْعَقِدْ له صِفةٌ، كالمجنونِ، ولأَنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا فى عصرِهم، فيكونُ إجْماعًا. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ عن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ فى العِتْقِ، ولا يَصِحُّ فى الطَّلاقِ. قال، فى رِوايَةِ أبى طالبٍ: إذا قال: إِنْ اشْتَرَيْتُ هذا الغلامَ فهو حُرٌّ. فاشْتَراهُ عَتَقَ (٥)، وإِنْ قال: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ فهى طالِقٌ. فهذا غيرُ الطَّلاقِ، هذا حَقٌّ للَّهِ تعالى، والطلاقُ (٦) يَمِينٌ، ليس هو للَّهِ تعالَى، ولا فيه قُرْبَةٌ إلى اللَّه تعالى. قال أبو بَكْرٍ، فى كتاب "الشافى": لا يَخْتَلِفُ قولُ أبى عبد اللَّه، أنَّ الطَّلاقَ إذا وَقَعَ قبلَ النِّكاحِ لا يَقَعُ، وأنَّ العَتاقَ يقَعُ، إلَّا ما رَوَى محمد بنُ

стр. 7178

الحسنِ بنِ هارونَ فى العِتْقِ، أنَّه لا يَقَعُ، وما أُراه إلَّا غَلَطًا، كذلك سَمِعْتُ الخَلَّالَ يقولُ، فإنْ كان حَفِظَ فهو قولٌ آخَرُ. والفَرْقُ بينهما، أَنَّ ناذِرَ العِتْقِ يَلْزَمُه الوَفاءُ به، وأنَّ ناذِرَ الطَّلاقِ لا يَلْزَمُه الوَفاءُ به، فكما افْتَرَقَا فى النَّذْرِ، جازَ أَنْ يفْتَرِقَا فى اليَمِينِ، ولأنَّه لو قال لأَمَتِه: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ. فإنَّه يصِحُّ، وهو تَعْلِيقٌ للحُرِّيَّةِ على المِلْكِ. وعن أحمدَ، ﵀، ما يَدُلُّ على وقُوعِ الطَّلاقِ والعِتْقِ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأَنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُه على الأَخْطارِ، فصَحَّ تعْليقُه على حُدوثِ المِلْكِ، كالوَصِيَّةِ والنَّذْرِ واليَمِينِ. وقال مالِكٌ: إِنْ خَصَّ جنسًا من الأَجْناسِ، أو عبدًا بعَيْنِه، عَتَقَ إذا مَلَكَه، وإِنْ قال: كُلُّ عَبْدٍ أَمْلِكُه فهو حُرٌّ. لم يصِحَّ. والأَوَّلُ أصَحُّ، إِنْ شاءَ اللَّه تعالى؛ لأَنَّه تَعْلِيقٌ للطَّلاقِ والعَتاقِ قبلَ المِلْكِ، فأشْبَهَ ما لو قال لأَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ دَخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالِقٌ. أو لأَمَةِ غيرِه: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فأَنتِ حُرَّةٌ. ثم تَزَوَّجَ الأَجْنَبِيَّةَ، ومَلَكَ الأَمَةَ، ودَخَلتا الدَّارَ، فإنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ، ولا تَعْتِقُ الأَمَةُ، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه. ١٨٠٠ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لا يَنْكِحَ فُلَانَةَ، أَوْ: لَا اشْتَرَيْتُ فُلَانَةَ فَنَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا، أَوِ اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ) وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال لعَبْدِه: إِنْ زَوَّجْتُكَ، أو بِعْتُكَ، فأَنْتَ حُرٌّ. فزَوَّجَه تَزْوِيجًا فاسِدًا، لم يَعْتِقْ، وإِنْ باعَه بَيْعًا فاسِدًا يُمْلَكُ به، حَنِثَ؛ لأنَّ البيعَ الفاسِدَ عِنْدَه يثْبُتُ به المِلْكُ، إذا اتَّصَلَ به القَبْضُ. ولَنا، أَنَّ اسمَ البَيْعِ يَنْصَرِفُ إلى الصَّحِيحِ؛ بدليلِ (١) قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢). وأَكْثَرُ ألْفاظِه فى البَيْعِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى الصَّحِيحِ، فلا يَحْنَثُ بما دُونه، كما فى النِّكاحِ، وكالصلاةِ، وغيرِهما، وما ذَكَرُوه من ثُبوتِ المِلْكِ به لا نُسَلِّمُه. وقال ابنُ أبى موسى: لا يَحْنَثُ بالنِّكاحِ الفاسِدِ. وهل يَحْنَثُ بالبَيْعِ الفاسِدِ؟ على رِوَايتَيْن. ليقال أبو الخَطَّاب: إِنْ نَكَحَها نِكاحًا مُخْتلَفًا فيه، مثل أَنْ يَتَزَوَّجَها بلا وَلِىٍّ ولا شُهودٍ، أو باعَ فى وقتِ النِّداءِ، فعلى وَجْهَيْن. وقال ابنُ أبى موسى: إِنْ تَزَوَّجَها تَزْويجًا مُخْتَلَفًا فيه، أو مَلَكَ مِلْكًا مُخْتلَفًا فيه،

стр. 7179

حَنِثَ فيهما جميعًا. ولَنا، أنَّه نِكاحٌ فاسِدٌ، وبَيْعٌ فاسِدٌ، فلم يَحْنَثْ بهما، كالمُتَّفَقِ على فَسادِهما. فصل: والماضِى والمُسْتَقْبَلُ سواءٌ فى هذا. وقال محمدُ بنُ الحسن: إذا حَلَفَ لا تَزَوَّجْتُ، ولا بِعْتُ، وما صَلَّيْتُ. وكان قد فَعَلَه فاسِدًا، حَنِثَ، لأَنَّ الماضِىَ لا يُقْصَدُ منه إلَّا الاسْمُ، والاسمُ يَتَناوَلُه، والمُسْتقْبَلُ بخِلافِه، فإنَّه يُرادُ بالنِّكاحِ والبيعِ المِلْكُ، وبالصَّلاةِ القُرْبَةُ. ولَنا، أَنَّ ما لا يَتنَاوَلُة الاسْمُ فى المُسْتقبَلِ، لا يتناوَلُه فى الماضِى، كالإيجابِ، كغيرِ المُسَمَّى، وما ذكَره (٣) لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الاسْمَ لا يتناوَلُه إلَّا الشَّرْعِىُّ، ولا يحْصُلُ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَبِيعُ، فباعَ بَيْعًا فيه الخِيارُ، حَنِثَ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يثْبُتُ فى مُدَّةِ الخِيارِ، فأشْبَهَ البَيْعَ الفاسِدَ. ولَنا، أنَّه بَيْعٌ صحيحٌ شَرْعِىٌّ، فيَحْنَثُ به، كالبيعِ اللَّازمِ، وما ذَكرَه (٣) لا يَصِحُّ، فإنَّ بَيْعَ الخِيارِ يثْبُتُ المِلْكُ به بعدَ انْقِضاءِ الخِيَارِ بالاتِّفاقِ، وهو سَبَبٌ له، ولا نُسَلِّمُ أَنَّ المِلْكَ لا يثْبُتُ فى مُدَّةِ الخِيارِ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَبِيعُ، أو لا يُزَوِّجُ، فأؤْجَبَ البَيْعَ والنِّكاحَ، ولم يقْبَلِ المُتَزوِّجُ والمُشْتَرِى، لم يَحْنَثْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعِىُّ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ البيعَ والنكاحَ عَقْدان لا يَتِمَّان إلَّا بالقَبولِ، فلم يقَع الاسْمُ على الإِيجابِ بدُونِه، فلم يحْنَثْ به. وإِنْ حَلَفَ لا يَهَبُ، ولا يُعِيرُ، فأوْجَبَ ذلك، ولم يقْبَل الآخَرُ، فقال القاضى: يَحْنَثُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وابنِ سُرَيْجٍ؛ لأنَّ الهِبَةَ والعارِيَّةَ لا عِوَضَ فيهما، فكان مُسَمَّاهما الإِيجابُ، والقَبُولُ شَرْط لنَقْلِ المِلْكِ، وليس هو من السَّبَبِ، فيَحْنَثُ بمُجَرَّدِ الإِيجابِ فيهما، كالوصِيَّةِ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ بمُجَرَّدِ الإِيجابِ؛ لأنَّه عَقْدٌ لا يَتِمُّ إلا بالقَبُولِ، فلم يَحْنَثْ، فيه بمُجَرَّدِ الإِيجابِ، كالنكاحِ والبيعِ. فأمَّا الوَصِيَّةُ والهَدِيَّةُ والصَّدَقَةُ، فقال أبو الخَطَّاب: يَحْنَثُ فيها بمُجرَّدِ الإِيجابِ. ولا أعلمُ قولَ الشافِعِىِّ

стр. 7180

فيها، إلَّا أَنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يُخالِفُ فى الوَصِيَّةِ والهَدِيَّةِ، لأَنَّ الاسْمَ يقَعُ عليهما بدونِ القَبُولِ، ولهذا لمَّا قال اللَّهُ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٤). إنَّما أرادَ الإيجابَ دونَ القَبُولِ، ولأنَّ الوَصِيَّةَ صحيحةٌ قبلَ موتِ المُوصِى، ولا قبولَ لها (٥) حِينَئذٍ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ، حَنِثَ بمُجَرَّدِ الإِيجابِ والقَبُولِ الصَّحيحِ. لا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ ذلك يحْصُلُ به المُسَمَّى الشَّرْعِىُّ، فتناوَله يَمِينُه. وإِنْ حَلَفَ ليَتَزَوَّجَنّ، بَرَّ بذلك، سَواءٌ كانتْ له امرأةٌ أو لم يكُنْ، وسواءٌ تزوَّجَ (٦) نَظِيرَتَها أو دُونَها أو أَعْلى منها، إلَّا أَنْ يحْتالَ على حلِّ يَمِينه بتَزْوِيجٍ لا يُحَصِّلُ مَقْصُودَها، مثل أَنْ يُواطِئَ امرأَتَه (٧) على نِكاحٍ لا يَغِيظُها به، لِيَبَرَّ فى يَمِينِه، فلا يَبَرُّ بهذا. وقال أصحابُنا: إذا حَلَفَ ليتَزوَّجَنَّ على امْرَأَتِه، لا يَبَرُّ حتى يَتَزَوَّجَ نَظيرَتَها، ويدْخُلَ بها. وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّه قَصَدَ غَيْظَ زَوْجَتِه، ولا يَحْصُلُ إلَّا بذلك. ولَنا، أنَّه تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا صَحِيحًا، فبَرَّ به، كما لو تَزَوَّجَ نَظِيرَتَها ودَخَلَ بها. وقولُهم: إِنَّ الغَيْظَ لا يحْصُلُ إلا بتَزْوِيجِ نَظِيرَتِها، والدُّخُولِ بها (٨). غيرُ مُسَلَّمٍ؛ فإِنَّ الغَيْظَ يحْصُلُ بمُجَرَّدِ الخِطْبَةِ، وإِنْ حصَلَ بما ذَكرُوه زِيادةٌ فى الغَيْظِ، فلا تَلْزَمُه الزّيادَةُ على الغَيْظِ الذى يحْصُلُ بما تَناوَلَتْهُ يَمِينُه، [كما أنَّه لا يَلْزَمُه نِكاحُ اثْنَتَيْن ولا ثَلاثٍ، ولا أعْلَى من نَظِيرَتِها، والذى تَناوَلَتْهُ يَمِينُه] (٩) مُجَرَّدُ التَّزْوِيجِ، ولذلك لو حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ على امْرَأتِه، حَنِثَ بهذا، فكَذلك يحْصُلُ البِرُّ به؛ لأنَّ المُسَمَّى واحدٌ، فما تَناوَلَه فى (٨) النَّفْى تَناوَلَه فى الإِثْباتِ، وإنَّما لا يَبَرُّ إذا تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا لا يحْصُلُ بِه الغَيْظُ، كما ذَكَرْناه من الصُّورَةِ ونَظائِرِها؛ لأنَّ مَبْنَى الأَيْمانِ على الْمَقاصِدِ والنِّيَّاتِ، ولم يحْصُلْ مَقْصُودُه، ولأَنَّ التَّزْويجَ ههُنا يحْصُلُ حِيلَةً على التَّخَلُّصِ من يَمِينِه بما لا يُحَصِّلُ
следующие страницы →