← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

١٧٩٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا اسْتَثْنَى فِى الطَّلَاقِ والْعَتَاقِ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀، أنَّه تَوَقَّفَ عَنِ الْجَوَابِ. وقَدْ قَطَعَ فِى مَوْضِعٍ، أَنَّهُ لَا يَنْفَعُه الِاسْتِثْنَاءُ) يعنى إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالِقٌ، إِنْ شاءَ اللَّه. أو لِعَبْدِه: أنتَ حُرٌّ، إِنْ شاءَ اللَّهُ. فقد تَوَقَّفَ أحمدُ فى الجوابِ؛ لاخْتِلافِ النّاسِ فيها، وتَعارُضِ الأَدِلَّةِ، وفى موضِعٍ قَطَعَ أنَّه لا يَنْفَعُه الاسْتِثناءُ فيهما. قال، فى روايَةِ إسحاقِ بنِ منصورٍ، وحَنْبَلٍ: مَن حَلَفَ، فقال: إِنْ شاءَ اللَّه. لم يَحْنَثْ، وليس له استِثْناءٌ فى الطلاق والعَتَاقِ. قال حَنْبَلٌ: قال (١): لأنَّهُما ليسا من الأيْمانِ. وبه قال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والحسنُ، وقَتادَةُ. وقال طاوُسٌ، وحَمَّادٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يجوزُ الاسْتِثْناءُ فيهما؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ" (٢). ولأنَّه عَلَّقَ الطَّلاقَ والْعَتاقَ بشَرْطٍ لم يَتَحَقَّقْ وُجودهُ، فلم يَقَعَا، كما لو عَلَّقَه بمشيئَةِ زَيْدٍ، ولم تَتَحَقَّقْ مَشيئَتُه (٣). ولَنا، أنَّه أَوْقَعَ الطَّلاقَ والعَتاقَ فى مَحَلٍّ قابِلٍ، فوَقَعَ، كما لو لم يَسْتَثْنِ، والحديثُ إنَّما تَناوَلَ الأيْمان، وليس هذا بيَمِينٍ، إنَّما هو تَعْلِيقٌ على شَرْطٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: إنَّما وَرَد التوقيفُ بالاسْتِثْناء فى اليَمِينِ باللَّهِ تعالَى، وقولُ المتقدِّمين: الأَيمانُ بالطَّلاقِ والْعَتاقِ. إنّما جاء (٤) على الاتِّساعِ والتَّقْرِيبِ، ولا يَمِينَ فى الحَقِيقَةِ إلَّا باللَّه تعالى، وهذا طَلاقٌ وعَتاقٌ. وقد ذكَرْنا هذه المَسْأَلَةَ فى الطَّلاقِ بأَبْسَط من هذا (٥). ١٧٩٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ، فَهِىَ طَالِقٌ. لَمْ تَطْلُقْ إِنْ تَزَوَّجَ بِهَا. وإِنْ قَالَ: إِنْ مَلَكْتُ فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ. فَمَلَكَهُ صَارَ حُرًّا) اخْتَلَفَت الرِّوايةُ عن أحمدَ فى هاتَيْنِ المَسْأَلَتَيْنِ، فعنه: لا يقَعُ طلاقٌ، ولا عِتْقٌ. رُوِىَ

стр. 7177

هذا عن ابن عبَّاسٍ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وعُرْوَةُ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، وسَوَّارُ القاضِى، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ الْمُنْذِرِ. ورَواهُ التِّرْمِذِىُّ عن علِىٍّ، وجابِرِ بنِ عبدِ اللَّه، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعلىِّ بنِ الحسينِ، وشُرَيْحٍ، وغيرِ واحدٍ من فُقَهاءِ التابعين، قال: وهو قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، ولَا طَلَاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ". قال التِّرْمِذِىُّ (١): وهذا حَدِيثٌ حسَنٌ، وهو أحْسَنُ ما رُوِىَ فى هذا البابِ. وعن عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لَا طَلاقَ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وإِنْ عَيَّنَها". روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (٢). ورَوَى أبو بكرٍ فى "الشَّافِى"، عن الخَلَّالِ، عن الرَّمادِىِّ، عن عبدِ الرَّزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن النَّزَّالِ بنِ سَبْرَةَ، عن عَلِىّ بنِ أبى طالِبٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ" (٣). قال أحمدُ: هذا عن النَّبِىِّ ﷺ وعِدَّةٍ (٤) من الصَّحابَةِ. ولأَنَّ مَنْ لا يقعُ طلاقُه وعِتْقُه بالمُباشَرَةِ، لم تَنْعَقِدْ له صِفةٌ، كالمجنونِ، ولأَنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا فى عصرِهم، فيكونُ إجْماعًا. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ عن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ فى العِتْقِ، ولا يَصِحُّ فى الطَّلاقِ. قال، فى رِوايَةِ أبى طالبٍ: إذا قال: إِنْ اشْتَرَيْتُ هذا الغلامَ فهو حُرٌّ. فاشْتَراهُ عَتَقَ (٥)، وإِنْ قال: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ فهى طالِقٌ. فهذا غيرُ الطَّلاقِ، هذا حَقٌّ للَّهِ تعالى، والطلاقُ (٦) يَمِينٌ، ليس هو للَّهِ تعالَى، ولا فيه قُرْبَةٌ إلى اللَّه تعالى. قال أبو بَكْرٍ، فى كتاب "الشافى": لا يَخْتَلِفُ قولُ أبى عبد اللَّه، أنَّ الطَّلاقَ إذا وَقَعَ قبلَ النِّكاحِ لا يَقَعُ، وأنَّ العَتاقَ يقَعُ، إلَّا ما رَوَى محمد بنُ

стр. 7178

الحسنِ بنِ هارونَ فى العِتْقِ، أنَّه لا يَقَعُ، وما أُراه إلَّا غَلَطًا، كذلك سَمِعْتُ الخَلَّالَ يقولُ، فإنْ كان حَفِظَ فهو قولٌ آخَرُ. والفَرْقُ بينهما، أَنَّ ناذِرَ العِتْقِ يَلْزَمُه الوَفاءُ به، وأنَّ ناذِرَ الطَّلاقِ لا يَلْزَمُه الوَفاءُ به، فكما افْتَرَقَا فى النَّذْرِ، جازَ أَنْ يفْتَرِقَا فى اليَمِينِ، ولأنَّه لو قال لأَمَتِه: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ. فإنَّه يصِحُّ، وهو تَعْلِيقٌ للحُرِّيَّةِ على المِلْكِ. وعن أحمدَ، ﵀، ما يَدُلُّ على وقُوعِ الطَّلاقِ والعِتْقِ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأَنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُه على الأَخْطارِ، فصَحَّ تعْليقُه على حُدوثِ المِلْكِ، كالوَصِيَّةِ والنَّذْرِ واليَمِينِ. وقال مالِكٌ: إِنْ خَصَّ جنسًا من الأَجْناسِ، أو عبدًا بعَيْنِه، عَتَقَ إذا مَلَكَه، وإِنْ قال: كُلُّ عَبْدٍ أَمْلِكُه فهو حُرٌّ. لم يصِحَّ. والأَوَّلُ أصَحُّ، إِنْ شاءَ اللَّه تعالى؛ لأَنَّه تَعْلِيقٌ للطَّلاقِ والعَتاقِ قبلَ المِلْكِ، فأشْبَهَ ما لو قال لأَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ دَخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالِقٌ. أو لأَمَةِ غيرِه: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فأَنتِ حُرَّةٌ. ثم تَزَوَّجَ الأَجْنَبِيَّةَ، ومَلَكَ الأَمَةَ، ودَخَلتا الدَّارَ، فإنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ، ولا تَعْتِقُ الأَمَةُ، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه. ١٨٠٠ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لا يَنْكِحَ فُلَانَةَ، أَوْ: لَا اشْتَرَيْتُ فُلَانَةَ فَنَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا، أَوِ اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ) وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال لعَبْدِه: إِنْ زَوَّجْتُكَ، أو بِعْتُكَ، فأَنْتَ حُرٌّ. فزَوَّجَه تَزْوِيجًا فاسِدًا، لم يَعْتِقْ، وإِنْ باعَه بَيْعًا فاسِدًا يُمْلَكُ به، حَنِثَ؛ لأنَّ البيعَ الفاسِدَ عِنْدَه يثْبُتُ به المِلْكُ، إذا اتَّصَلَ به القَبْضُ. ولَنا، أَنَّ اسمَ البَيْعِ يَنْصَرِفُ إلى الصَّحِيحِ؛ بدليلِ (١) قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢). وأَكْثَرُ ألْفاظِه فى البَيْعِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى الصَّحِيحِ، فلا يَحْنَثُ بما دُونه، كما فى النِّكاحِ، وكالصلاةِ، وغيرِهما، وما ذَكَرُوه من ثُبوتِ المِلْكِ به لا نُسَلِّمُه. وقال ابنُ أبى موسى: لا يَحْنَثُ بالنِّكاحِ الفاسِدِ. وهل يَحْنَثُ بالبَيْعِ الفاسِدِ؟ على رِوَايتَيْن. ليقال أبو الخَطَّاب: إِنْ نَكَحَها نِكاحًا مُخْتلَفًا فيه، مثل أَنْ يَتَزَوَّجَها بلا وَلِىٍّ ولا شُهودٍ، أو باعَ فى وقتِ النِّداءِ، فعلى وَجْهَيْن. وقال ابنُ أبى موسى: إِنْ تَزَوَّجَها تَزْويجًا مُخْتَلَفًا فيه، أو مَلَكَ مِلْكًا مُخْتلَفًا فيه،

стр. 7179

حَنِثَ فيهما جميعًا. ولَنا، أنَّه نِكاحٌ فاسِدٌ، وبَيْعٌ فاسِدٌ، فلم يَحْنَثْ بهما، كالمُتَّفَقِ على فَسادِهما. فصل: والماضِى والمُسْتَقْبَلُ سواءٌ فى هذا. وقال محمدُ بنُ الحسن: إذا حَلَفَ لا تَزَوَّجْتُ، ولا بِعْتُ، وما صَلَّيْتُ. وكان قد فَعَلَه فاسِدًا، حَنِثَ، لأَنَّ الماضِىَ لا يُقْصَدُ منه إلَّا الاسْمُ، والاسمُ يَتَناوَلُه، والمُسْتقْبَلُ بخِلافِه، فإنَّه يُرادُ بالنِّكاحِ والبيعِ المِلْكُ، وبالصَّلاةِ القُرْبَةُ. ولَنا، أَنَّ ما لا يَتنَاوَلُة الاسْمُ فى المُسْتقبَلِ، لا يتناوَلُه فى الماضِى، كالإيجابِ، كغيرِ المُسَمَّى، وما ذكَره (٣) لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الاسْمَ لا يتناوَلُه إلَّا الشَّرْعِىُّ، ولا يحْصُلُ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَبِيعُ، فباعَ بَيْعًا فيه الخِيارُ، حَنِثَ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يثْبُتُ فى مُدَّةِ الخِيارِ، فأشْبَهَ البَيْعَ الفاسِدَ. ولَنا، أنَّه بَيْعٌ صحيحٌ شَرْعِىٌّ، فيَحْنَثُ به، كالبيعِ اللَّازمِ، وما ذَكرَه (٣) لا يَصِحُّ، فإنَّ بَيْعَ الخِيارِ يثْبُتُ المِلْكُ به بعدَ انْقِضاءِ الخِيَارِ بالاتِّفاقِ، وهو سَبَبٌ له، ولا نُسَلِّمُ أَنَّ المِلْكَ لا يثْبُتُ فى مُدَّةِ الخِيارِ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَبِيعُ، أو لا يُزَوِّجُ، فأؤْجَبَ البَيْعَ والنِّكاحَ، ولم يقْبَلِ المُتَزوِّجُ والمُشْتَرِى، لم يَحْنَثْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعِىُّ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ البيعَ والنكاحَ عَقْدان لا يَتِمَّان إلَّا بالقَبولِ، فلم يقَع الاسْمُ على الإِيجابِ بدُونِه، فلم يحْنَثْ به. وإِنْ حَلَفَ لا يَهَبُ، ولا يُعِيرُ، فأوْجَبَ ذلك، ولم يقْبَل الآخَرُ، فقال القاضى: يَحْنَثُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وابنِ سُرَيْجٍ؛ لأنَّ الهِبَةَ والعارِيَّةَ لا عِوَضَ فيهما، فكان مُسَمَّاهما الإِيجابُ، والقَبُولُ شَرْط لنَقْلِ المِلْكِ، وليس هو من السَّبَبِ، فيَحْنَثُ بمُجَرَّدِ الإِيجابِ فيهما، كالوصِيَّةِ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ بمُجَرَّدِ الإِيجابِ؛ لأنَّه عَقْدٌ لا يَتِمُّ إلا بالقَبُولِ، فلم يَحْنَثْ، فيه بمُجَرَّدِ الإِيجابِ، كالنكاحِ والبيعِ. فأمَّا الوَصِيَّةُ والهَدِيَّةُ والصَّدَقَةُ، فقال أبو الخَطَّاب: يَحْنَثُ فيها بمُجرَّدِ الإِيجابِ. ولا أعلمُ قولَ الشافِعِىِّ

стр. 7180

فيها، إلَّا أَنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يُخالِفُ فى الوَصِيَّةِ والهَدِيَّةِ، لأَنَّ الاسْمَ يقَعُ عليهما بدونِ القَبُولِ، ولهذا لمَّا قال اللَّهُ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٤). إنَّما أرادَ الإيجابَ دونَ القَبُولِ، ولأنَّ الوَصِيَّةَ صحيحةٌ قبلَ موتِ المُوصِى، ولا قبولَ لها (٥) حِينَئذٍ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ، حَنِثَ بمُجَرَّدِ الإِيجابِ والقَبُولِ الصَّحيحِ. لا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ ذلك يحْصُلُ به المُسَمَّى الشَّرْعِىُّ، فتناوَله يَمِينُه. وإِنْ حَلَفَ ليَتَزَوَّجَنّ، بَرَّ بذلك، سَواءٌ كانتْ له امرأةٌ أو لم يكُنْ، وسواءٌ تزوَّجَ (٦) نَظِيرَتَها أو دُونَها أو أَعْلى منها، إلَّا أَنْ يحْتالَ على حلِّ يَمِينه بتَزْوِيجٍ لا يُحَصِّلُ مَقْصُودَها، مثل أَنْ يُواطِئَ امرأَتَه (٧) على نِكاحٍ لا يَغِيظُها به، لِيَبَرَّ فى يَمِينِه، فلا يَبَرُّ بهذا. وقال أصحابُنا: إذا حَلَفَ ليتَزوَّجَنَّ على امْرَأَتِه، لا يَبَرُّ حتى يَتَزَوَّجَ نَظيرَتَها، ويدْخُلَ بها. وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّه قَصَدَ غَيْظَ زَوْجَتِه، ولا يَحْصُلُ إلَّا بذلك. ولَنا، أنَّه تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا صَحِيحًا، فبَرَّ به، كما لو تَزَوَّجَ نَظِيرَتَها ودَخَلَ بها. وقولُهم: إِنَّ الغَيْظَ لا يحْصُلُ إلا بتَزْوِيجِ نَظِيرَتِها، والدُّخُولِ بها (٨). غيرُ مُسَلَّمٍ؛ فإِنَّ الغَيْظَ يحْصُلُ بمُجَرَّدِ الخِطْبَةِ، وإِنْ حصَلَ بما ذَكرُوه زِيادةٌ فى الغَيْظِ، فلا تَلْزَمُه الزّيادَةُ على الغَيْظِ الذى يحْصُلُ بما تَناوَلَتْهُ يَمِينُه، [كما أنَّه لا يَلْزَمُه نِكاحُ اثْنَتَيْن ولا ثَلاثٍ، ولا أعْلَى من نَظِيرَتِها، والذى تَناوَلَتْهُ يَمِينُه] (٩) مُجَرَّدُ التَّزْوِيجِ، ولذلك لو حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ على امْرَأتِه، حَنِثَ بهذا، فكَذلك يحْصُلُ البِرُّ به؛ لأنَّ المُسَمَّى واحدٌ، فما تَناوَلَه فى (٨) النَّفْى تَناوَلَه فى الإِثْباتِ، وإنَّما لا يَبَرُّ إذا تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا لا يحْصُلُ بِه الغَيْظُ، كما ذَكَرْناه من الصُّورَةِ ونَظائِرِها؛ لأنَّ مَبْنَى الأَيْمانِ على الْمَقاصِدِ والنِّيَّاتِ، ولم يحْصُلْ مَقْصُودُه، ولأَنَّ التَّزْويجَ ههُنا يحْصُلُ حِيلَةً على التَّخَلُّصِ من يَمِينِه بما لا يُحَصِّلُ

стр. 7181

مَقْصُودَها، فلم تُقْبَلْ منه حِيلَتُه. وقد نصَّ أحمدُ على هذا، فقال: إذا حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ على امرأَتِه، فتَزَوَّجَ بعَجُوزٍ أو زِنْجِيَّةٍ، لا يَبَرُّ؛ لأنَّه أرادَ أَنْ يُغِيرَها ويَغُمَّها، وبهذا لا تَغارُ ولا تَغْتَمُّ. فعلَّلَه أحمدُ بما لا يَغِيظُ به (١٠) الزَّوجةَ، ولم يعْتَبِرْ أَنْ تكونَ نَظِيرَتَها؛ لأَنَّ الغَيْظَ لا يتوَقَّفُ على ذلك، ولو قَدَّر أنّ تَزَوُّجَ (١١) العَجُوزِ يَغِيظُها والزِّنْجِيَّةِ، لَبَرَّ به، وإنَّما ذَكَرَه أحمدُ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَغِيظُها؛ لأنَّها تَعْلَمُ أنَّه إنَّما فَعَلَ ذلك حِيلَةً لئلَّا يَغِيظَها، ويَبَرَّ به. فصل: إذا حَلَفَ: لا تَسَرَّيْتُ. فَوَطِئَ جارِيَتَه، حَنِثَ. ذَكَرَه أبو الخَطَّاب. وقال القاضِى: لا يَحْنَثُ حتى يَطَأ فيُنْزِلَ، فَحْلًا كان أو خَصِيًّا. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ حتى يُحْصِنَها ويَحْجُبَها عن الناسِ؛ لأنَّ التَّسَرِّىَ مَأْخوذٌ من السِّرِّ. ولأصْحابِ الشافِعِىّ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ كهذه. ولَنا، أَنَّ التَّسَرِّىَ مَأْخُوذ من السِّرِّ، وهو الوَطْءُ؛ لأنَّه يكونُ فى السِّرِّ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (١٢). وقال الشاعر (١٣): فلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّها لِلْغِنَى ... ولَنْ تُسْلِمُوها لإِزْهادِهَا وقال آخرُ (١٤): أَلَا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ القومِ أنَّنِى ... كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنُ السِّرَّ أمْثالى ولأنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بالوَطْءِ لم يُعْتَبرْ فيه الإِنْزالُ ولا التَّحْصِينُ، كسائِرِ الأَحْكامِ. فصل: إذا حَلَفَ لا يَهَبُ له، فأَهْدَى إليه، أو أعْمَره (١٥)، حَنِثَ؛ لأنَّ ذلك من أنْواعِ الهِبَةِ، وإِنْ أعطاهُ من الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ، أو نَذْر أو كَفَّارَة، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ للَّه تعالَى عليه، يَجبُ إخْراجُه، فليس هو بِهِبَةٍ منه، وإِنْ تَصَدَّقَ عليه تَطَوُّعًا، فقال القاضِى: يَحْنَثُ. وهو مَذْهَبُ الشافِعِىّ. وقال أبو الخَطَّاب: لا يَحْنَثُ. وهو قَوْلُ

стр. 7182

أصحابِ الرَّأْىِ؛ لأَنَّهما يَخْتَلِفان اسْمًا وحُكْمًا، بدليلِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "هُوَ عَلَيْها صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةً" (١٦). وكانت الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً عليه، والهَدِيَّةُ حَلالٌ له، وكان يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ ولا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، ومع هذا الاخْتِلافِ لا يَحْنَثُ فى أحَدِهما بفِعْلِ الآخَرِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه تَبَرَّعَ بِعَيْن فى الحياةِ، فحَنِثَ به، كالهَدِيَّة، ولأَنَّ الصَّدَقَةَ تُسمَّى هِبَةً، فلو تَصَدَّقَ بدِرْهَمٍ، قيل: وَهَبَ دِرْهمًا، وَتَبَرَّعَ بِدِرْهَمٍ. واخْتِلافُ التَّسْمِيَةِ لكَوْنِ الصَّدَقَةِ نوعًا من الهِبَةِ، فيخْتَصُّ باسمٍ دُونَها، كاخْتِصاصِ الهَدِيَّةِ والعُمْرَى باسْمَيْن، ولم يُخْرِجْهُما ذلك عن كَوْنِهما هِبَةً، وكذلك اخْتِلافُ الأَحْكامِ، فإنَّه قد يثْبُتُ للنَّوْعِ ما لا يثْبُتُ للجِنْسِ، كما يثْبُتُ للآدَمِىّ من الأَحْكامِ ما لا يثْبُتُ لمُطْلَقِ الحيوانِ. وإِنْ وَصَّى له، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكٌ فى الحياةِ، والوَصِيَّةُ إنَّما تُمْلَكُ بالقَبُولِ بعدَ الموتِ. وإِنْ أعارَه، لم يحْنَثْ؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكُ الأَعْيانِ، وليس فى العارِيَّةِ تَمْلِيكُ عَيْنٍ، ولأَنَّ المُسْتعِيرَ لا يَمْلِكُ المَنْفعَةَ، وإنَّما يَسْتَبِيحُها، ولهذا يَمْلِكُ المُعِيرُ الرُّجوعَ فيها، ولا يَمْلِكُ المُسْتعيرُ إجارَتَها، ولا إعارَتَها. هذا قولُ القاضِى، ومذهبُ الشافِعِىِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ؛ لأنَّ العارِيَّةَ هِبَةُ المَنْفَعَةِ. والأَوَّلُ أَصَحُّ. وإِنْ أضافَه، لم يَحْنَث، لأنَّه لم يُمَلكْه شيئًا، وإنَّما أباحَه، ولهذا لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بغيرِ الأَكْلِ. وإِنْ باعَه وحَاباهُ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ يَمْلِكُ الشَّفِيعُ أخْذَ جميعِ المَبِيعِ، ولو كان هِبَةً أو بعضُه هِبَةً، لم يَمْلِكْ أَخْذَه كُلَّه. وقال أبو الخَطَّاب: يَحْنَثُ، فى أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأَنَّه تَرَكَ (١٧) له بعضَ المَبِيعِ بغيرِ ثَمَنٍ، أو وَهَبَه بعضَ الثَّمَنِ. وإِنْ وَقَفَ عليه، فقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ؛ لأنَّه تَبَرَّعَ له بعَيْنٍ فى الْحياةِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يُمْلَكُ، فى رِوايَةٍ. وإِنْ حَلَفَ لا يَتَصَدّقُ عليه، فوَهَبَ له، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الصَّدَقَةَ نَوعٌ من الهِبَةِ، ولا يَحْنَثُ الحالِفُ على نوعٍ بفعلِ نَوْعٍ آخر، ولا يثْبُتُ للجِنْسِ حُكْمُ النَّوْعِ، ولهذا حَرُمَت الصَّدَقَةُ على النَّبِىِّ ﷺ ، ولم تَحْرُمِ الهِبَةُ ولا الهدِيَّةُ. وإِنْ حَلَفَ لا يَهَبُ له شيئًا، فأَسْقَطَ عنه دَيْنًا، لم يَحْنَثْ، إِلَّا أَنْ ينْوِىَ؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ، وليس له إِلَّا دَيْنٌ فى ذِمَّتِه.

стр. 7183

١٨٠١ - مسألة؛ قال: (ولَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْتَرِىَ فُلَانًا، أَوْ لَا يَضْرِبَهُ (١)، فَوَكَّلَ فِى الشِّراءِ والضَّرْبِ، حَنِثَ) وجُمْلَتُه أَنَّ مَنْ حَلَفَ أن (٢) لا يفْعَلَ شيئًا، فَوكَّلَ مَنْ فَعَلَه، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ مُباشَرَتَه بنَفْسِه. ونحوُ هذا قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ بِيَمِينِه أَنْ لا يَسْتَنِيبَ فى فِعْلِه، أو يكونَ مِمَّنْ لم تَجْرِ عادَتُه بمُباشَرَتِه؛ لأنَّ إطلاقَ إضافَةِ الفِعْلِ يَقْتَضِى مُباشَرَتَه، بدَليلِ أنَّه لو وَكَّلَه فى البَيْعِ لم يَجُزْ للوَكيلِ تَوْكيلُ غيرِه. وإِنْ حَلَفَ (٣) لا يبيعُ ولا يضرِبُ، فأَمَرَ مَنْ فَعَلَه، فإنْ كان ممَّن يَتَولَّى ذلك بَنْفِسه، لم يَحْنَث، وإِنْ كان ممَّنْ لا يَتَوَلَّاه، كالسُّلْطانِ، ففيه قَوْلان. وإِنْ حَلَفَ لا يَحْلِقُ رَأْسَه، فأَمَر مَنْ حَلَقَه، فقيل: له فيه قَوْلان. وقيل: يَحْنَثُ، قولًا واحدًا. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إِنْ حَلَفَ لا يَبِيعُ، فوكَّلَ مَنْ باعَ، لم يَحْنَثْ، وإِنْ حَلَفَ لا يَضْرِبُ، ولَا يَتَزَوَّجُ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَه، حَنِث. ولَنا، أَنَّ الفِعْلَ يُطْلَقُ على مَنْ وَكَّلَ فيه، وأَمَرَ به، فيَحْنَثُ (٤) به، كما لو كان ممَّنْ لا يَتَوَّلاه بنَفْسِه، وكما لو حَلَفَ لا يَحْلِقُ رَأْسَه، فأَمَر مَنْ حَلَقَه، أو لا يَضْرِبُ، فوكَّلَ مَنْ ضَرَبَ عندَ أبى حنيفَةَ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٥). وقال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٦). وكان هذا مُتناوِلًا للاسْتِنابَةِ فيه. ولأنَّ المحْلوفَ عليه وُجِدَ من نائِبِه، فحَنِثَ به، كما لو حَلَفَ لا يَدْخُلُ دارًا، فأمَرَ من حَمَلَه إليها. وقَوْلُهم: إِنَّ إضافَةَ الفِعْلِ إليه تَقْتَضِى المُباشَرَةَ بمَنْعِه. ولا نُسَلِّمُ أنَّه إذا وَكَّلَ فى فِعْل يمتَنِعُ على الوكيلِ التَّوْكِيلُ فيه، وإن (٧) سَلَّمنا، فلأَنَّ التَّوْكيلَ يُقْصَدُ فيه (٨) الأمانةُ والحِذْقُ، والناسُ يَخْتَلِفُون فيهما، فإذا عَيَّنَ واحدًا، لم تَجُزْ مُخالَفَةُ

стр. 7184

تَعْيِينِه، بخلافِ اليَمِينِ. فأمَّا إِنْ نَوَى بيَمِينِه المُباشَرَةَ للمَحْلوفِ عليه، أو كان سبَبُ يَمِينه يَقْتَضِيها، أو قرينَةُ حالِه، تَخَصَّصَ بها؛ لأَنَّ إطْلاقَه يُقَيَّدُ بنيَّتِه، أو بما دَلَّ عليها، فأشْبَهَ ما لو صَرَّحَ به بلَفْظِه. وإِنْ حَلَفَ ليَشْتَرِيَنَّ، أو لِيَبيعَنَّ، أو ليَضْرِبَنَّ، فوكَّلَ مَنْ فعلَ ذلك، بَرَّ؛ لما ذكرْنا فى طَرَفِ النَّفْىِ، ولذلك لمَّا قال رسولُ اللَّه ﷺ : "رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ" (٩). تناوَل مَنْ حُلِقَ رَأْسُه بأَمْرِه. فصل: وإِنْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ زَوْجَتَه، أو لا يُطَلِّقُها، فَوَكَّلَ مَنْ طَلَّقَها، أو قال لها: طَلِّقِى نَفْسَكِ. فَطَلَّقَها، أو قال لها (١٠): اخْتارِى، أو أمْرُكِ بِيَدِك. فَطَلَّقَتْ نَفْسَها، بَرَّ، وحَنِثَ. والخِلافُ فيه على ما تَقَدَّمَ. وإِنْ قال: أنْتِ طالِقٌ إِنْ شِئْتِ، أو إِنْ قمْتِ. فشاءَتْ، أو قامَتْ، حَنِثَ. بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الطَّلاقَ منه، وإنَّما هى حَقَّقَتْ شَرْطَه. فصل: وإن حَلَفَ لا يَضْرِبُ امْرَأتَه، فلَطمَها، أو لَكَمَها، أو ضَرَبَها بعَصًا أو غيرِها (١١)، حَنِثَ. بغيرِ خِلافٍ. وإِنْ عَضَّها، أو خَنَقَها، أو جَزَّ شَعْرَها جَزَّا يُؤْلِمُها، قاصِدًا للإِضرارِ بها، حَنِثَ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ ذلك لا يُسَمَّى ضَرْبًا، فلا يَحْنَثُ به، كما لو شَتَمَها شَتْمًا آلمَها. وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يدُلُّ على هذا؛ فإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عنه، فى مَن قال لا مْرَأَتِه: إِنْ لم أضْرِبْكِ اليومَ، فأَنْتِ طالِقٌ. فعَضَّها، أو قَرَصَها، أو أَمْسَكَ شَعْرَها، فهو على ما نَوَى من ذلك. قال القاضى: فظاهِرُ هذا أنَّه لم يُدْخِلْه فى إِطْلاقِ اسمِ الضَّرْبِ. ولَنا، أَنَّ هذا فى العُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لكَفِّ الأَذَى المُؤْلمِ للجسمِ، فيَدْخُلُ فيه كُلُّ ما اخْتَلَفْنا فيه، ولهذا يُقال: تَضارَبا. إذا فَعَلَ كُلُّ واحِدٍ منهما هذا بصاحِبِه، وإِنْ لم يكُنْ معهما آلة، وفارق الشَّتْمَ؛ فإنَّه لا يُؤْلِمُ الجِسْمَ، وإنّما يُؤْلمُ القَلْبَ.

стр. 7185

١٨٠٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقٍ، أَوْ طَلَاقٍ، أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا، حَنِثَ) وبهذا قال مُجاهِدٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وهو المشهورُ عن الشافِعِىِّ. وقال عَطاءٌ، وعَمْرُو بنُ دينارٍ، وابنُ أبى نَجِيحٍ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَحْنَثُ. وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ؛ لأنَّ الناسِىَ لا يُكَلَّفُ حالَ نِسْيانِه، فلا يَلْزَمُه الحِنْثُ، كالحَلِفِ (١) باللَّه تعالى. ولَنا، أَنَّ هذا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ آدَمِىٍّ، فتَعَلَّقَ الحُكْم بِه مع النِّسْيانِ، كالإِتْلافِ، ولأنَّه حُكْمٌ عُلِّقَ على شَرْطٍ، فيُوجَدُ بوجْدانِ شَرْطِه، كالمَنْعِ من الصَّلاةِ بعدَ العَصْرِ، وقد سَبَقَت هذه المسألَةُ (٢). ١٨٠٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَلَفَ، فَتَأَوَّلَ فِى يَمينِهِ، فَلَهُ تَأْوِيلُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، وإِنْ كانَ ظَالِمًا، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ، لِمَا رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَمينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُكَ (١) ") مَعْنَى التَّأْوِيل، أَنْ يقصدَ بكلامِه مُحْتَمِلًا يُخالِفُ ظاهِرَه، نحو أَنْ يَحْلِفَ أنَّه أخى، يقْصِدُ أُخُوَّةَ الإِسْلامِ، أو المُشابَهَةَ، أو يَعْنِى بالسَّقْفِ والبِناءِ السماءَ، وبالبساطِ والفِراش الأَرْضَ، وبالأَوْتادِ الجبالَ، وباللِّباسِ الليلَ، أو يقولَ: ما رَأَيْتُ فلانًا. يعنى ما ضَرَبْتُ رِئَتَه. ولا ذَكَرْتُه. يُريِدُ ما قَطَعْتُ ذَكَرَه. أو يقولَ: جَوارِىَّ أحْرارٌ. يعنى سُفُنَه. ونسائِى طَوالِقُ. يعنى نِساءَه (٢) الأقارِبَ منه. أوٍ يقولَ: ما كاتَبْتُ فلانًا، ولا عَرَفْتُه، ولا أعْلَمْتُه، ولا سَأَلْتُه حاجَةً، ولا أَكَلْتُ له دَجاجَةً، ولا فَرُّوجَةً، ولا شَرِبْتُ له ماءً، ولا فى بَيْتِى فَرْشٌ ولا حَصِيرٌ، ولا بارِيةٌ. وينْوِى بالمُكاتَبَةِ مُكاتَبَةَ الرَّقِيقِ، وبالتَّعْريفِ جَعْلَه عَريفًا، وبالإعْلامِ جَعْلَه أَعلَمَ الشَّفَةِ، والحاجَةُ شَجَرَةٌ صَغِيرَةٌ، والدَّجاجَةُ الكُبَّةُ من الغَزْلِ، والفَرُّوجَةُ الدُّرَّاعَةُ، والفَرْشُ صِغارُ الإِبلِ، والحَصِيرُ الْحَبِسُ (٣)، والبَاريِةُ

стр. 7186

السِّكِّينُ التى يُبْرَى بها. أو يقولَ: ما لِفلانٍ عنْدِى وَدِيعَةٌ، ولا شىءٌ. يعنى بـ "ما" "الذى". أو يقولَ: ما فلانٌ ههُنا. ويعنى مَوْضِعًا بعَيْنِه. أو يقولَ: واللَّه ما أَكَلْتُ من هذا شَيْئًا، ولا أَخذْتُ منه. يعنى الباقِى بعَد أخْذِه وأَكْلِه. فهذا وأَشْباهُه ممَّا يَسْبِقُ إلى فَهْمِ السامِعِ خِلافُه، إذا عناه بيَمِينِه، فهو تَأْويلٌ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ. ولا يخلُو حالُ الحالِفِ المتأوِّلِ، من ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحدُها؛ أَنْ يكونَ مَظْلُومًا، مثل مَنْ يَسْتَحْلِفُه ظالِمٌ على شىءٍ، لو صَدَقَه لظَلَمَه، أو ظَلَم غَيْرَه، أو نالَ مُسْلِمًا منه ضَرَرٌ. فهذا له تَأْوِيلُه. قال مُهَنَّا: سَأَلْتُ أحمدَ، عن رَجُلٍ له امْرَأَتانِ، اسمُ كُلِّ واحِدَةٍ منهما فاطِمَةُ، فماتَتْ واحِدَةٌ منهما، فحَلَفَ بطلاقِ فاطِمَةَ، وَنَوَى التى ماتَتْ؟ قال: إِنْ كان المُسْتَحْلِفُ له ظالمًا، فالنِّيَّةُ نِيَّةُ صاحِبِ الطَّلاقِ، وإِنْ كان المُطَلِّقُ هو الظالِمَ، فالنِّيَّةُ نِيَّةُ الذى اسْتَحْلَفَ. وقد رَوَى أبو داودَ، بإسْنادِه عن سُوَيْد بنِ حَنْظَلَةَ، قال: خَرَجْنَا نُرِيدُ رسولَ اللَّه ﷺ ، ومَعَنا واثِلُ بنُ حُجْرٍ، فأخَذَه عَدُوٌّ له، فتَحَرَّجَ القومُ أَنْ يَحْلِفُوا، فحَلَفْتُ أنَّه أخى، فخلَّى سَبِيلَه، فأَتَيْنا رسولَ اللَّه ﷺ ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقال: "أَنْتَ أَبَرُّهُمٍ وأَصْدَقُهم، الْمُسْلِمُ أخُو الْمُسْلِمِ" (٤). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّ فِى الْمَعارِيض لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ" (٥). يعنى سَعَةَ الْمَعارِيض التى يُوهِمُ بها السَّامِعَ غيرَ ما عَناهُ. قال محمدُ بنُ سِيرِينَ: الكلامُ أوْسَعُ منِ أَنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ. يعنى لا يَحْتاجُ أَنْ يكْذِبَ؛ لكَثْرَةِ الْمَعاريضِ، وخَصَّ الظَّرِيف بذلك؛ يعنى به الكَيِّسَ الفَطِنَ، فإنَّه يفْطِنُ للتَّأْوِيلِ، فلا حاجَةَ به إلى الكَذِبِ. الحالُ (٦) الثانِى، أَنْ يكونَ الحالِفُ ظالمًا، كالذى يَسْتَحْلِفُه الحاكِمُ على حَقٍّ عِنْدَه، فهذا يَنْصَرِفُ يَمِينُه إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ الذى عَناهُ المُسْتَحْلِفُ، ولا ينْفَعُ الحالِفَ تأويلُه. وبهذا قال الشافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ فإِنَّ أبا هُرَيْرَة قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يَمِينُكَ عَلَى ما يُصَدِّقُكَ بِهِ صاحِبُكَ". روَاه مسلمٌ، وأبو داود (٧).

стр. 7187

وعن أبى هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "الْيَمِينُ عَلى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ". روَاه مسلمٌ (٨). وقالت عائِشَةُ: "الْيَمِينُ عَلَى مَا وَقَعَ لِلْمَحْلوفِ لَهُ" (٩). ولأنَّه لو ساغَ التَّأْويلُ، لَبطلَ المَعْنَى المُبْتَغَى باليَمِينِ، إذْ (١٠) مَقْصودُها تَخْويفُ الحالِفِ ليَرْتَدِعَ عن الجُحودِ، خوفًا من عاقبَةِ اليَمينِ الكاذِبَةِ، فمتَى ساغَ التَّأْوِيلُ له، انْتَفَى ذلك، وصارَ التَّأْوِيلُ وَسِيلةً إلى جَحْدِ الحُقوقِ، ولا نعلَمُ فى هذا خِلافًا. قال إبراهيم، فى رجلٍ اسْتَحْلَفَه السلطانُ بالطَّلاقِ على شىءٍ، فوَرَّكَ (١١) فى يَمِينِه إلى شىءٍ آخَرَ: أَجْزَأَ عنه، وإِنْ كان ظالِمًا لم يُجْزِئْ عنه التَّوْرِيكُ (١٢). الجالُ الثالِثُ، لم يكُنْ ظالمًا ولا مَظْلُومًا، فظاهِرُ كلامِ أحمد، أَنَّ له تَأْوِيلَه، [فإنَّه رُوِىَ] (١٣) أَنَّ مُهَنَّا كان عندَه، هو والْمَرُّوذِىُّ وجماعَةٌ، فجاءَ رجلٌ يطْلُب الْمَرُّوذِىَّ، ولم يُرِدِ الْمَرُّوذِىُّ أَنْ يكلِّمَه، فوَضَعَ مُهَنَّا أُصْبُعَه فى كَفِّه، وقال: ليس الْمَرُّوذِىُّ ههُنا، وما يَصْنَعُ الْمَرُّوذِىُّ ههُنا! يُرِيد: ليس هو فى كَفِّه. ولم يُنْكِرْ ذلك أبو عبدِ اللَّه. ورُوِىَ أَنَّ مُهَنَّا قال له: إنِّى أُريدُ الخُروجَ -يعنى السَّفرَ إلى بلدِه- وأُحِبُّ أَنْ تُسْمِعَنِى الجُزءَ الفُلانِىَّ. فأسْمَعَه إيَّاهُ، ثم رآهُ بعدَ ذلك، فقال: أَلمْ تَقُلْ إنَّك تُرِيدُ الخروجَ؟ فقال له مُهَنَّا: قلتُ لَكَ: إنِّى أريدُ الخروجَ الآنَ؟ فلم يُنْكِرْ عليه. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. ولا نَعْلَم فى هذا خلافًا. رَوَى سعيدٌ، عن جَرِيرٍ، عن المُغِيرَةِ، قال: كان إذا طَلَبَ إنسانٌ إبراهيمَ (١٤)، ولم يُرِدْ إبراهيمُ أَنْ يَلْقاهُ (١٥)، خَرَجَتْ إليه الخادِمُ،

стр. 7188

فقالتْ: اطْلُبُوه فى المَسْجِد. وقال له رجلٌ: إنِّى ذكَرْتُ رجُلًا بشىءٍ، فكيف لى أَنْ أَعْتَذِرَ إليه؟ قال: قُلْ له: واللَّهِ إنَّ اللَّهَ يعلَمُ ما قُلْتُ من ذلك من شَىءٍ. وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يَمْزَحُ، ولا يقولُ إِلَّا حَقًّا (١٦)، ومُزاحُه أَنْ يُوهِمَ السَّامِعَ بكلامِه غيرَ ما عَناهُ، وهو التَّأْويلُ، فقال لِعَجوزٍ: "لا تَدْخُلُ الجَنَّةَ عجُوزٌ" (١٧). يعنى أَنَّ اللَّه يُنْشِئُهُنَّ أَبْكارًا عُرُبًا أَتْرابًا. وقال أَنَس: إن رجُلًا جاءَ إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّه، احْمِلْنِى. فقال رسولُ اللَّه: "إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ" (١٨). قال: وما أَصْنَعُ بوَلَدِ النَّاقَةِ؟ قال: "وهَلْ تَلِدُ الإِبلَ إِلَّا النُّوقُ؟ ". روَاه أبو داود (١٩). وقال لامْرَأَةٍ وقد ذَكَرَت له زَوْجَها: "أهُوَ الذِى فِى عَيْنِهِ بَيَاضٌ". فقالتْ: يا رَسُولَ اللَّه، إنَّه لَصَحِيحُ العَيْنِ (٢٠). وأرادَ النبىُّ ﷺ بالبياضِ (٢١) الذى حولَ الحَدَق. وقال لرجُلٍ احْتَضَنَه مِن ورائِه: "مَنْ يَشْتَرِى (٢٢) العَبْدَ؟ ". فقال: يا رسولَ اللَّهَ، تَجِدُنِى إذًا كاسِدًا. قال: "لكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْت بِكاسِدٍ" (٢٣). وهذا كُلُّه من التأوِيلِ والْمَعاريضِ، وقد سَمّاه النَّبِىُّ ﷺ حَقًّا، فقال: "لَا أَقُولُ إلا حَقًّا" (١٦). ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ، أنَّه خرجَ من عند زيادٍ، وقد حَضَرَه الموتُ، فقيل له: كيف تَرَكْتَ الأَمِيرَ؟ قال: ترَكْتُه يأمرُ ويَنْهَى. فلمَّا ماتَ قيل له: كيف قُلْتَ ذلك؟ قال: تَرَكْتُه يأمُر بالصَّبْرِ، ويَنْهَى عن البُكاءِ والجَزَعِ. ويُرْوَى عن شَقِيقٍ، أَنَّ رجُلًا خطبَ امرأَةً، وتحتَه أُخْرَى، فقالُوا: لا نُزوِّجُك حتى تُطَلِّقَ امْرَأَتَك. فقال: اشْهَدُوا أَنِّى قد طَلَّقْتُ ثلاثًا. فَزَوَّجُوه، فأقامَ على امْرَأَتِه، فقالُوا: قد طَلَّقْتَ

стр. 7189

ثلاثًا. [قال: أَلَمْ تَعْلَمُوا أنَّه كان لى ثلاثُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقْتُهُنَّ؟ قالُوا: بَلَى. قال قد طَلَّقْتُ ثلاثًا] (٢٤). فقالُوا: ما هذا أَرَدْنا. فذكرَ ذلك شَقِيقٌ لعُثمانَ (٢٥)، فجعَله (٢٦) نِيَّتَه. ويُرْوَى (٢٧) عن الشَّعْبِىِّ، أنَّه كان فى مَجْلِسٍ، فنَظَرَ إليه رَجُلٌ ظَنَّ أنَّه طلَبَ منه التَّعْريفَ به (٢٨)، والثَّناءَ عليه، فقال الشَّعْبِىُّ: إِنَّ له بيتًا وشَرَفًا. فقيل للشَّعْبِىِّ بعدَ ما ذَهَبَ الرجُلُ: أَتَعْرِفه؟ قال: لا، ولكِنَّه نظرَ إلىَّ. قيل: فكيف أَثْنَيْتَ عليه؟ قال: شَرَفُه (٢٩) أذُناه، وبَيْتُه الذى يَسْكُنُه. ورُوِىَ أَنَّ رَجُلًا أُخِذَ على شَرابٍ، فقيل له: مَنْ أَنْتَ؟ فقال (٣٠): أَنا ابنُ الذى لا يُنْزِلُ الدَّهْرُ قِدْرَه ... وإِنْ نَزَلَتْ يومًا فسوف تَعُودُ (٣١) تَرَى الناسَ أَفْواجًا على بابِ دارِه ... فمِنْهُم قِيامٌ حَوْلَها وقُعُودُ فظَنُّوه شَرِيفًا، فخلَّوْا (٣٢) سَبِيلَه، [ثم سألُوا] (٣٣) عنه، فإذا هو ابنُ الباقِلَّانِىِّ. وأخَذَ الخوارِجُ (٣٤) رافضِيًّا، فقالُوا له: تَبْرَّأْ من عثمانَ وعلىٍّ. فقال: أنا مِن علىٍّ، ومن عثمانَ بَرِىءٌ. فهذا وشِبْهُه هو التأويلُ الذى لا يُعْذَرُ به الظَّالِمُ، ويَسُوغُ لغَيْرِه مَظْلومًا كان أو غيرَ مَظْلُوِمٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يقولُ ذلك فى المُزاحِ من غيرِ حاجَةٍ به إليه. فصل: والمُسْتحيلُ نَوْعان؛ أحدُهما، مُسْتَحِيلٌ عادَةً، كصُعودِ السماءِ، والطَّيَرانِ، وقطعِ المسافَةِ البعيدَةِ فى مُدَّةٍ قليلَةٍ، فإذا حَلَفَ على فِعْلِه، انْعَقَدَت يَمِينُه.

стр. 7190

ذكرَه القاضِى، وأبو الخَطَّاب؛ لأنَّه يُتصَوَّرُ وُجودُه، فإذا حَلَفَ عليه، انْعَقَدَت يَمِينُه، ولَزِمَتْه الكَفَّارَةُ فى الحالِ؛ لأنَّه مَأْيُوسٌ من البِرِّ فيها، فوَجَبَت الكَفَّارَةُ، كما لو حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امرأتَه فماتت. والثانى، المُسْتَحِيلُ عَقْلًا، كرَدِّ أَمْسِ، وشُرْبِ الماءِ الذى فى الكُوزِ ولا ماءَ فيه. فقال أبو الخَطَّاب: لا تَنْعَقِدُ يَمِينُه، ولا تَجِبُ بها كَفَّارَةٌ. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لأنَّها يَمِينٌ قارَنَها ما يَحُلُّها، فلم تَنْعَقِدْ، كيَمِينِ الغَمُوس، أو يَمِينٌ على غيرِ مُتَصَوَّرٍ، فأشْبَهَتْ يَمِينَ الغَمُوسِ، وهذا لأنَّ اليَمِينَ إنَّما تنعَقِدُ على مُتَصَوَّرٍ، أو مُتَوَهَّم التَّصَوُّرِ، وليس ههُنا واحدٌ منهما. وقال القاضى: تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ فى الحالِ. وهذا قولُ أبى يوسفَ، والشافِعِىِّ؛ لأنَّه حَلَفَ على فعلِ نفْسِه فى المُسْتقْبَلِ، ولم يفْعَلْ، كما لو حَلَفَ ليطَلِّقَنَّ امرأتَه، فماتَتْ قبلَ طَلاقِها، وبالقِياسِ على المُسْتَحيلِ عادةً، ولا فَرْقَ بين أَنْ يعْلَمَ اسْتحالَتَه أو لا يَعْلَمَ، مثل أَنْ يَحْلِفَ ليَشْرَبَنَّ الماءَ الذى فى الكُوزِ ولا ماءَ فيه، فالحُكْمُ واحِدٌ فى مَن عَلِمَ أنَّه لا ماءَ فيه، ومَنْ لا يَعْلَمُ. وإِنْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فلانًا، وهو مَيِّتٌ، فهو (٣٥) كالمُسْتَحِيلِ عادةً؛ لأنَّه يُتَصوَّرُ أَنْ يُحْييَهُ اللَّهُ فيَقْتلَه، وتَنْعَقِدُ يَمِينُه على قولِ أصْحابِنا. وإِنْ حلَفَ لأقْتُلَنَّ المَيِّتَ. يعنى فى حالِ مَوْتِه، فهو مُسْتحِيلٌ عَقْلًا، فيكونُ فيه من الخلافِ ما قد ذَكَرْناه. فصل: فإنْ قال: واللَّهِ ليَفْعَلَنّ فلانٌ كذا، أو لا يَفْعَلُ. أو حَلَفَ على حاضِرٍ، فقال: واللَّهِ لتَفْعَلَنَّ كذا. فأَحْنَثَه، ولم يَفْعَلْ، فالكَفَّارَةُ على الحالِفِ. كذا قال ابنُ عمرَ، وأهلُ المدينةِ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والأوْزَاعِىُّ، وأهلُ العراقِ، والشافِعِىُّ؛ لأنَّ الحالِفَ هو الحانِثُ، فكانت الكَفَّارَةُ عليه، كما لو كان هو الفاعِلَ لما يُحْنِثُه، ولأنَّ سبَبَ الكَفَّارَةِ إمَّا اليَمِينُ، أو (٣٦) الحِنْثُ، أو هما، وأىُّ ذلك قُدِّرَ، فهو مَوْجُودٌ فى الحالِفِ. وإِنْ قال: أسْأَلُك باللَّهِ لتَفْعَلَنّ. وأرادَ اليَمِينَ، فهى كالتى قبلَها. وإِنْ أرادَ الشَّفاعَةَ إليه باللَّهِ، فليس بيَمِينٍ، ولا كَفَّارَةَ على واحِدٍ منهما. وإِنْ قال: باللَّهِ لتَفعَلَنَّ. فهى يَمِين؛ لأَنَّه أجابَ بجوابِ القَسَمِ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ ما يَصْرِفُها. وإِنْ قال: باللَّهِ أفْعَلُ. فليستْ يَمِينًا؛ لأنَّه لم يُجِبْها

стр. 7191

بجَوابِ القَسَمِ، ولذلك لا يصْلُحُ أَنْ يقولَ: واللَّهِ أفْعَلُ. ولا: باللَّه أفْعَلُ. وإنّما صَلَحَ ذلك فى التَّاءِ؛ لأنَّها لا [تَخْتَصُّ القسَمَ] (٣٧)، فيَدُلُّ على أنَّه سُؤالٌ، فلا تَجِبُ به كفّارَةٌ (٣٨). فصل: وثَبَتَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ بإبْرارِ القَسَمِ (٣٩). روَاه البُخارِىُّ (٤٠). وهذا، واللَّهُ أعلمُ، على سبيلِ النَّدْبِ، لا على سبيلِ الإِيجابِ؛ بدليلِ أَنَّ أبا بكرٍ قال: أَقْسَمْتُ عليكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، لَتُخْبِرَنِّى بما أصَبْتُ ممّا أخْطَأَتُ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تُقْسِمْ يَا أبَا بَكْرٍ". ولم يُخْبِرْه (٤١). ولو وجَبَ عليه إبْرارُه لأَخْبَرَه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يجبَ عليه إبْرارُه، إذا لم يكُنْ فيه ضَرَرٌ، ويكونُ امْتِناعُ النَّبِىّ ﷺ مِنْ إبْرارِ أبى بكْرٍ لِمَا عَلِمَ مِن الضَّرَرِ فيه. وإِنْ أجابَهُ إلى صُورَةِ ما أقْسَمَ عليه دونَ مَعْناه، عندَ تعذُّرِ المَعْنَى، فحَسَنٌ؛ فإنَّه رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّ العَبَّاسَ جاءَهُ برَجُلٍ لِيُبايِعَه على الهِجْرَةِ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ". فقال (٤٢) العباسُ: أَقْسَمْتُ عليك يا رسولَ اللَّه لَتُبايعَنَّه. فوضَعَ النَّبِىُّ ﷺ يدَهُ فى يَدِه، وقال: "أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّى، ولَا هِجْرَةَ" (٤٣). فأجابَه إلى صُورَةِ المُبايعَةِ، دُونَ ما قَصَدَ بيَمِينِه.

стр. 7192

فصل: ويُسْتَحَبُّ إجابَةُ مَن سَأَلَ باللَّهِ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، ومَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، ومَنْ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ، ومَنْ أَتَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فإنْ لَمْ تَجدُوا، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ". وَعن أبِى ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ثَلاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ، وثَلاثَةٌ يُبْغِضُهُم اللَّهُ؛ أمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ؛ فَرَجُلٌ سأَلَ قَوْمًا، فسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ، ولَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهُم، فَتَخَلَّفَ رجُلٌ بأَعْقابِهِمْ، فأعْطاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ والَّذِى أعْطاهُ، وقَوْمٌ سارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إلَيْهمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِى ويَتْلُوا آيَاتِى، ورَجُلٌ كَانَ فِى سَرِيَّةٍ، فَلَقُوا العَدُوَّ فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ، والثَّلاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ؛ الشَّيْخُ الزَّانِى، والْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، والْغَنِىُّ الظَّلُومُ". روَاهما النَّسائِىُّ (٤٤). فصل: إذا قال: حَلَفْتُ. ولم يكُنْ حَلَفَ، فقال أحمدُ: هى كِذْبَةٌ، ليس عليه يَمِينٌ. وعنه: عليه الكَفَّارَةُ؛ لأنّه أقرَّ على نفْسِه. والأَوَّلُ هو المذهبُ؛ لأنَّه حُكْمٌ (٤٥) فيما بينَه وبينَ اللَّه تعالى، فإذا كذَبَ فى الخَبرِ به، لم يلزَمْه حُكْمُه، كما لو قال: ما صَلَّيْتُ. وقد صَلَّى. ولو قال: علىَّ يَمِينٌ. ونَوَى الْخَبرَ، فهى كالتى قَبْلَها، وإِنْ نَوَى القَسَمَ، فقال أبو الخَطَّاب: هى يَمِينٌ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافِعِىُّ: ليس بيَمِينٍ؛ لأنَّه لم يأْتِ باسْمِ اللَّه تعالَى المُعَظَّمِ، ولا صِفَتِه، فلم يكُنْ يَمِينًا، كما لو قال: حَلَفْتُ. وهذا أصَحُّ، إِنْ شاءَ اللَّهُ؛ فإِنَّ هذه ليست صِيغَةَ اليَمِينِ والقَسَمِ، وإنَّما هى صِيغَةُ الخَبَرِ، فلا

стр. 7193

يكونُ بها حَالِفًا، وإِنْ قُدِّرَ ثُبوتُ حُكْمِها، لَزِمَه أقلُّ ما يتَناوَلَه (٤٦) الاسْمُ، وهو يمِينٌ مَّا، وليست كُلُّ يَمِين مُوجِبةً للكَفَّارَةِ، فلا يَلْزَمُه شىءٌ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه كِنايَةٌ عن اليَمِينِ، وقد نَوَى بها اليَمِينَ، فتكونُ يَمِينًا، كالصَّرِيحِ. فصل: وإذا حَلَفَ على تَرْكِ شىءٍ، أو حَرَّمَه، لم يَصِرْ مُحرَّمًا. وقال أبو حنيفةَ: يصيرُ مُحَرَّمًا؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٤٧). وقولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤٨) ولأنَّ الحِنْثَ يَتَضَمَّنُ هَتْكَ حُرْمَةِ الاسْمِ المُعَظَّمِ (٤٩)، فيكونُ حرامًا، ولأنَّه إذا حَرَّمَه، فقد حَرَّمَ الحلالَ، فيَحْرُمُ، كما لو حَرَّمَ زَوْجَتَه. ولَنا، أنَّه إذا أرادَ التَّكْفِيرَ، فله فِعْلُ المَحْلوفِ عليه، وحِلُّ فِعْلِه مع كونِه مُحَرَّمًا تَناقُضٌ وتَضادٌ، والعَجَبُ أَنَّ أبا حَنِيفَةَ لا يُجَوِّزُ التَّكْفِيرَ إِلَّا بعدَ الحِنْثِ، وقد فَرَضَ اللَّه تعالى تَحِلَّة اليَمِينِ، فعلى قَوْلِه، يَلْزَمُ كونُ المُحَرَّمِ مَفْرُوضًا، أو مِن ضَرُورَةِ المَفْرُوضِ؛ لأنَّه لا يَصِلُ إلى التَّحِلَّةِ إِلَّا بفِعْلِ المَحْلُوفِ عليه، وهو عِنْدَه مُحَرَّمٌ، وهذا غيرُ جائِزٍ، ولأنَّه لو كانَ مُحَرَّمًا، لَوَجَبَ تَقْديمُ الكَفَّارَةِ عليه (٥٠)، كالظِّهارِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ" (٥١). فأمَرَ بفِعْلِ المَحْلوفِ عليه، ولو كان مُحَرَّمًا، لم يَأْمُرْ (٥٢) به. وسَمَّاه خَيْرًا، والمُحرَّمُ ليس بخيرٍ، وأمَّا الآيَةُ، فإنَّما أرادَ بها قولَه: هو علىَّ حرامٌ. أو مَنْعَ نفسِه منه، وذلك يُسَمَّى تَحْرِيمًا، قال اللَّه تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ (٥٣). وقال: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ (٥٤). ولم يَثْبُتْ فيه التَّحْرِيمُ حَقِيقَةً ولا شَرْعًا.

стр. 7194

باب (١) الكَفَّارات الأَصْلُ فى كفّارَةِ اليَمِينِ، الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غيْرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ" (٣). فى أخْبارٍ سِوَى هذا. وأجمعَ المسلِمُون على مَشْرُوعِيَّةِ الكَفَّارَةِ فى الْيَمِينِ باللَّهِ تعالى. ١٨٠٤ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، ﵀: (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْه بِالْحِنْثِ كَفَّارَةُ يَمينٍ، فَهُوَ مُخيَّرٌ؛ إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ مُسْلِمينَ أَحْرَارًا، كِبارًا كَانُوا أَوْ صِغارًا، إِذَا أَكَلُوا الطَّعَامَ) أجْمَع أهلُ العلمِ، على أَنّ الحانِثَ فى يَمِينِه بالْخِيارِ؛ إِنْ شاءَ أَطْعَمَ، وإِنْ شاءَ كَسَا، وإِنْ شاءَ أَعْتَقَ، أَىُّ ذلك فَعَلَ أَجْزَأَه؛ لأَنَّ اللَّه تعالى عَطَفَ بعضَ هذه الْخِصالِ على بعضٍ بحَرْفِ "أو"، وهو للتَّخْيِير. قال ابنُ عبَّاسٍ: ما كان فى كتابِ اللَّه ﴿أَوْ﴾ فهو مُخَيَّرٌ فيه، وما كان ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ فالأوَّلُ الأوَّلُ. ذكَره الإمامُ أحمدُ فى "التفسير". والواجِبُ فى الإِطْعامِ إطعامُ عَشَرَةِ مساكِينَ؛ لنَصِّ اللَّهِ تعالى على عَدَدِهم، إِلَّا أَنْ لا يَجِدَ عَشَرَةَ مساكِينَ (١)، فيأْتى ذِكْرُه (٢)، إِنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. ويُعْتَبَرُ فى المَدْفوعِ إليهم أَرْبَعَةُ

стр. 7195

أوْصافٍ؛ أَنْ يكونُوا مَساكِينَ، وهم الصِّنْفانِ اللَّذانِ تُدْفَعُ إليهم الزَّكَاةُ، المَذْكُورَانِ فى أَوَّلِ أصْنافِها (٣)، فى قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٤). والفُقَراءُ مَساكِينُ وزِيادَةٌ؛ لكَوْنِ الفقيرِ أشَدَّ حاجَةً من المِسْكينِ، على ما قَرَّرْناهُ (٥)، ولأنَّ الفَقْرَ والمَسْكَنَةَ فى غيرِ الزَّكاةِ شىءٌ واحِدٌ؛ لأنَّهُما جَمِيعًا اسمٌ للحاجَةِ إلى ما لابُدَّ منه فى الكِفايَةِ، ولذلك لو وَصَّى للفُقَراءِ، أو وَقَفَ عليهم، أو للمساكِينِ، لَكانَ ذلك لهما (٦) جميعًا، وإنَّما جُعِلَا صِنْفَيْنِ فى الزَّكَاةِ، وفُرِّقَ بينهما؛ لأنَّ اللَّه تعالى ذكرَ الصِّنْفَيْن جميعًا باسْمَيْن، فاحْتِيجَ إلى التَّفْرِيقِ بينهما، فأمَّا فى غيرِ الزَّكاةِ، فكُلُّ واحِدٍ من الاسْمَيْنِ يُعَبَّرُ به عن الصِّنْفَيْنِ؛ لأَنَّ جِهَةَ اسْتِحْقاقِهِم واحِدَةٌ، وهى الحاجَةُ إلى ما تَتِمُّ به الكِفايَةُ، ولا يجوزُ صَرْفُها إلى غيرِهم، سواءٌ كان مِن أصْنافِ الزّكاةِ، أو لم يَكُنْ؛ لأَنَّ اللَّه تعالى أمَرَ بها للمَساكِينِ، وخَصَّهم بها، فلا تُدْفَعُ إلى غيرِهم، ولأنَّ القَدْرَ المَدْفوعَ إلى كلِّ واحدٍ من الكَفَّارةِ قَدْرٌ يَسِيرٌ، يُرادُ به دَفْعُ حاجَةِ يَوْمِه فى مُؤْنَتِه، وغيرُهم من الأَصْنافِ لا تَنْدَفِعُ حاجَتُهم بهذا؛ لكَثْرَةِ حاجَتِهم، وإذا صَرَفُوا ما يَأْخُذُونَه فى حاجَتِهم، صَرَفُوه إلى غيرِ ما شُرِعَ له. الثانى، أَنْ يكونُوا أحْرارًا، فلا يُجْزِئُ دَفْعُها إلى عَبْدٍ (٧)، ولا مُكاتَبٍ، ولا أُمِّ وَلَدٍ. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ. واختارَ الشريفُ أبو جعفر جَوازَ دَفْعِها إلى مُكاتَبِ نفسِه وغيرِه. وقال أبو الخَطَّاب: يتَخرَّجُ جَوازُ دَفْعِها إليه، بناءً على جَوازِ إعْتاقِه فى كَفَّارَتِه؛ لأنَّه يأْخُذُ من الزكاةِ لحاجَتِه، فأشْبَهَ المِسْكِينَ. ولَنا، أَنَّ اللَّه تعالَى عَدَّه صِنْفًا فى الزَّكاةِ غيرَ صِنْفِ الْمَساكينِ، ولا هو فى مَعْنى المساكِينِ؛ لأنَّ حاجَتَهُ مِن (٨) غيرِ جِنْسِ حاجَتِهم، فيَدُلُّ (٩) على أنَّه ليس بمِسْكين، والكفَّارَةُ إنَّما هى للمساكينِ؛ بدليلِ الآيَةِ، ولأَنَّ المِسْكينَ يُدْفَعُ إليه لتتمَّ كفايَتُه، والمُكاتَبُ إنَّما يأْخذُ لِفَكاكِ رَقَبَتِه، أمَّا

стр. 7196

كِفايَتُه فإنَّها حاصِلَةٌ بكَسْبِه ومالِه، فإنْ لم يكُنْ له كسبٌ ولا مالٌ، عَجَّزه سَيِّدُه، ورجَعَ إليه، واسْتَغْنى بإنْفاقِه، ويُخالِفُ (١٠) الزَّكاةَ؛ فإنَّها تُصْرَفُ إلى الغَنِىِّ، والكَفَّارَةُ بخلافِها. الثالث، أَنْ يكونُوا مسلمين، ولا يجوزُ صَرْفُها إلى كافِرٍ، ذِمِّيًّا كان أو حَرْبِيًّا. وبذلك قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافِعِىُّ، وإِسْحاقُ، وأبو عُبَيْد. وقال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يجوزُ دَفْعُها إلى الذِّمِّىِّ؛ لدُخولِه فى اسْمِ المساكينِ، فيدْخُلُ فى عُمومِ الآيةِ، ولأنَّه مِسْكينٌ من أهلِ دارِ الإِسْلامِ، فأَجْزَأَ الدَّفْعُ إِليه من الكَفَّارَةِ، كالمسلمِ. ورُوِىَ نحوُ هذا عن الشَّعْبِىِّ. وخَرجَه أبو الخَطَّاب وَجْهًا فى المذهب؛ بِناءً على جوازِ إعْتاقِه فى الكَفَّارَةِ. وقال الثَّوْرِىُّ: يُعْطِيهم إِنْ لم يَجِدْ غيْرَهم. ولَنا، أنَّهُم كُفَّارٌ، فلم يَجُزْ إعْطاؤُهم، كمُسْتَأْمنِى أهلِ الحربِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بهذا، فَنَقِيسُ. الرابعُ، أَنْ يكونُوا قد أَكلُوا الطَّعامَ، فإنْ كان طِفْلًا لم يَطْعَمْ، لم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه، فى ظاهِرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ، وقوْلِ القاضِى. وهو ظاهِرُ قولِ مالكٍ؛ فإنَّه قال: يجوزُ الدَّفْعُ إلى الفَطِيمِ. وهذا (١١) إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ. والرِّوايَةُ الثانية، يجوزُ دَفْعُها إلى الصَّغيرِ الذى لم يَطْعَمْ، ويَقْبِضُ للصَّغِيرِ وَلِيُّه. وهذا (١١) الذى ذَكَرَه أبو الخَطَّاب (١٢) المَذْهبُ. وهو مذهبُ الشافِعِىّ، وأصحابِ الرَّأْى. قال أبو الخَطَّاب: وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّه حُرٌّ مُسْلِمٌ مُحْتاجٌ، فأَشْبَهَ الكبيرَ، ولأَنَّ أكْلَه للكَفَّارَةِ ليس بشَرْطٍ، وهذا يصْرِفُ الكفَّارَةَ إلى ما يحْتاجُ إليه، ممَّا تَتِمُّ به (١٣) كِفايَتُه، فأشْبَهَ الكبيرَ. ولَنا، قولُه تعالَى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. وهذا يَقْتَضِى أَكْلَهُم له، فإذا لم تُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ [أكْلِهم، يجبُ اعْتبارُ] (١٤) إمْكانِه ومَظِنَّتِه، ولا تَتَحَقَّقُ مَظِنَّتُه فى مَن لا يأكُلُ، ولأنَّهُ لو كانْ المَقْصُودُ دَفْعَ حاجةٍ (١٥)، لَجازَ دَفْع القِيمَةِ، ولم يتَعيَّنِ الإطعامُ، وهذا يُقَيِّدُ ما ذَكَرُوه. فإذا اجْتَمَعَت هذه الأَوْصافُ الأَرْبَعَةُ فى واحدٍ، جازَ الدَّفْعُ إليه، سَواءٌ كان

стр. 7197

صغيرًا أو كبيرًا، مَحْجُورًا عليه أو غيرَ مَحْجُورٍ عليه، إِلَّا أَنَّ مَنْ لا حَجْرَ عليه يقْبِضُ لِنَفْسِه، أو يَقْبِضُ له وَكِيلُه، والمَحْجورُ عليه كالصَّغيرِ والمجنونِ، يقْبِضُ له وَلِيُّه. ١٨٠٥ - مسألة؛ قال: (لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ دَقيقٍ، أو رِطْلانِ خُبْزًا، أو مُدَّانِ تَمْرًا أو شَعِيرًا) أمَّا مِقْدارُ ما يُعْطاهُ (١) كُلُّ مِسْكِينٍ وجِنْسُه، فقد ذكَره (٢) فى بابِ الظِّهارِ (٣). ونَصَّ الخِرَقِىُّ على أنَّه يُجْزِئُ الدَّقيقُ والخبزُ. ونَصَّ أحمدُ عليه أيضًا. ورُوِىَ عنه، لا يُجْزِئُ الخُبْزُ. وهو قولُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ، وقالا (٤): لا يجزئُ دقيقٌ ولا سَوِيقٌ؛ لأَنَّه خرَجَ عن حالَةِ الكمالِ والادِّخارِ، ولا يُجْزِئُ فى الزَّكاةِ، فلم يُجْزِئُ فى الكَفَّارَةِ، كالقِيمَةِ. ولَنا؛ قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٥). وهذا قد أَطعَمَهم من أَوْسَطِ ما يُطْعِمُ أَهلَه، فوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَه. روَى الإِمامُ أحمدُ، فى كتابِ "التفسيرِ"، بإسْنادِهِ عن ابنِ عمرَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: الخُبْزُ واللَّبَنُ. وفى رِوايَةٍ عنه، قال: مِنْ أَوْسَطِ [ما نُطْعِمُ أهْلينَا] (٦): الخبزُ والتَّمْرُ، والخُبْزُ والزَّيْتُ، والخُبْزُ والسَّمْنُ. وقال أبو رَزِين (٧): ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: خُبْزٌ وزَيْتٌ وخَلٌّ. وقال الأَسْوَدُ بنُ يَزِيدَ: الخبزُ والتَّمْرُ. وعن عَلِىّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: الخُبْزُ والتَّمْرُ، الخبزُ والسمنُ، الخبزُ واللّحمُ. وعن ابنِ سِيرِينَ، قال: كانُوا يقولون: أفضَلُه الخبزُ واللحمُ، وأوسَطُه الخبزُ والسَّمْنُ، وأخَسُّهُ الخبزُ والتَّمْرُ. وقال عَبِيدةُ: الخُبْزُ والزَّيْتُ. وسألَ رجلٌ شُرَيحًا: ما أوسطُ طعامِ أهْلِى؟ فقال شُرَيْحٌ: إِنَّ الخبزَ والخَلَّ والزَّيْتَ لَطيِّبٌ (٨). فقال له الرَّجلُ (٩): أفرأيْتَ الْخُبزَ واللَّحمَ؟

стр. 7198

قال: أرْفَعُ طَعامِ أهلِكَ، أو طعامِ (١٠) الناسِ؟ وعن علىٍّ، والحسن، والشَّعْبِىِّ، وقَتادَةَ، ومالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ: يُغَدِّيهم أو يُعَشِّيهم. وهذا اتِّفاقٌ على تَفْسيرِ ما فى الآيةِ بالخُبْزِ، ولأنَّه أطْعَمَ المساكِينَ من أوْسَطِ طَعامِ أهْلِه، فأَجْزَأَهُ، كما لو أعْطاه حَبًّا، ويُفارِقُ الزَّكاةَ من وَجْهَيْن؛ أحدهما، أَنَّ الواجِبَ عليه عُشْرُ الحبِّ وعُشْرُ الحبِّ حَبٌّ، فاعْتُبِرَ الواجبُ، وههُنا الواجِبُ الإِطْعامُ، والخبزُ أَقْرَبُ إليه. والثانى، أَنَّ دَفْعَ الزَّكاةِ يُرادُ للاقْتِياتِ فى جميعِ العامِ، فيَحْتاجُ إلى ادِّخارِه، فاعْتُبِرَ أَنْ يكونَ على صِفَةٍ تُمْكِنُ (١١) ادِّخارَه عامًا، والكَفَّارَةُ تُرادُ لدَفْعِ حاجَةِ يومِه، ولهذا تَقَدَّرَت بما الغالبُ أنَّه يَكْفِيه ليومِه (١٢)، والخبزُ أقْرَبُ إلى ذلك؛ لأنَّه قد كَفاهُ مُؤْنَةَ طَحْنِه وخَبْزِه. إذا تقرَّرَ هذا، فإنَّه إِنْ أَعْطَى المِسْكينَ (١٣) رِطْلَى خُبْزٍ بالعِرَاقِىِّ، أجْزَأَه؛ لأنَّه لا يكونُ من أقلَّ من مُدٍّ، وقُدِّرَ ذلك بالرِّطْلِ الدِّمَشْقِىِّ الذى هو سِتُّمائة دِرْهَمٍ، خمسُ أواقٍ وسُبعُ أوقِيَّةٍ، وإِنْ طَحَنَ مُدًّا، وخَبَزَه، [ودفع خُبْزَه] (١٤)، أَجْزأَهُ. نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك إِنْ (١٥) دَفَعَ دقيقَ الْمُدِّ إلى السكينِ، أَجزَأَهُ. وإِنْ دفَعَ الدَّقِيقَ من غيرِ تَقْديرِ حِنْطَتِه، فقال أحمدُ: يُجْزِئُه بالوَزْنِ رِطْلٌ وثلُثُ، ولا يُجْزِئُه إخْراجُ مُدِّ دقيقٍ بالكَيْلِ؛ لأنَّه يَرُوعُ (١٦) بالطَّحْنِ، فيُحَصِّلُ (١٧) فى مُدِّ دقيقِ الحَبِّ (١٨) أقلَّ من مُدِّ الحَبِّ. وإِنْ زادَ فى الدَّقيقِ عن مُدٍّ، بحيثُ يُعْلَمُ أنَّه قَدْرُ مُدِّ حِنْطَةٍ، جازَ. وقولُ الْخِرَقِىِّ (١٩): مُدٌّ من دقيقٍ. يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ إخْراجَه بالوَزْنِ، كما ذكرَ أحمدُ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ مُدًّا من الحِنْطَةِ، طَحَنَه ثم أخْرَجَ دَقيقَه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ إخْراجَ ما يَعْلَمُ أَنَّ حَبَّه مُدٌّ؛ لما ذكرْنا. ويجبُ أَنْ يُحْمَلَ قولُه فى الدَّقيقِ

стр. 7199

والخُبزِ على دقيقِ الحِنْطَةِ، وخُبْزِها، فإنْ أعْطى من الشَّعِيرِ، لم يُجْزِئْه إِلَّا ضِعْفُ ذلك، كما لا يُجْزِئُ مِن حَبِّها إِلَّا ضِعْفُ ما يُجْزِئُ من حَبِّ البُرِّ. فصل: والأَفْضَلُ إخْراجُ الحَبِّ؛ لأنَّ فيه خُروجًا من الْخِلافِ. قال أحمدُ: التَّمْرُ أعْجَبُ إلَىَّ، والدقيقُ ضعيفٌ، والتمرُ أحبُّ إلىَّ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ إخْراجُ الخُبْزِ أفْضلَ؛ لأنَّه أَنْفَعُ للمسكينِ (٢٠)، وأَقَلُّ كُلْفَةً، وأَقْرَبُ إلى حُصولِ المَقْصودِ منه [بعَيْنِه، فإِنَّ] (٢١) الظاهِرَ أَنَّ المسكينَ يأْكُلُه، ويَسْتَغْنِى به (٢٢) يومَه ذلك، والحَبُّ يَعْجِزُ عن طَحْنِه وعَجْنِه، فالظاهِرُ أنَّه يحْتاجُ إلى بَيْعِه، ثم يَشْتَرِى بثَمَنِه خُبْزًا، فيتكَلَّفُ حَمْلَ كُلْفَةِ البَيْعِ والشِّراءِ، وغَبْنَ البائعِ والمُشْتَرِى له، وتَأْخُّرَ حُصولِ النَّفْعِ به، وربما لم يحْصُلْ له بثَمَنِه من الخبزِ ما يَكْفِيه لِيَوْمِه، فيَفُوتُ المقْصودُ مع حُصولِ الضَّررِ. فصل: ويَجِبُ أَنْ يكونَ المُخْرَجُ فى الكَفَّارَةِ سالمًا من العَيْبِ، فلا يكونُ الحَبُّ مُسَوَّسًا، ولا مُتَغَيِّرًا طعمُه، ولا فيه زُؤَانٌ (٢٣) أو تُرابٌ يحْتاجُ إلى تَنْقِيَتِهِ (٢٤)، وكذلك دَقيقُه وخُبْزُه؛ لأنَّه مُخْرَجٌ فى حَقِّ اللَّه تعالى، عمَّا وَجَبَ فى الذِّمَّةِ، فلم يَجُزْ أَنْ يكونَ مَعِيبًا، كالشَّاةِ فى الزَّكاةِ. ١٨٠٦ - مسألة؛ قال: (ولَوْ أَعْطَاهُمْ مَكَانَ الطَّعَامِ أَضْعَاف قِيمَتِهِ وَرِقًا، لَمْ يُجْزِهِ) وجُمْلَتُه أنَّه لا يُجْزِئُ فى الكَفَّارَةِ إخراجُ قِيمَةِ الطعامِ، ولا الكِسْوَةِ، فى قولِ إمامِنا ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وهو ظاهِرُ قولِ مَن سَمَّيْنا قولَهم فى تَفْسيرِ الآيَةِ، فى المَسْأَلَةِ التى قَبْلَها. وهو الظاهِرُ (١) من قولِ عمرَ بنِ الخطاب، وابنِ عَبَّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىِّ. وأجازَهُ الأَوْزاعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأَنَّ

стр. 7200

المَقْصُودَ دَفْعُ حاجَةِ المساكينِ (٢)، وهو يحْصُلُ بالْقِيمَةِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٣). وهذا ظاهِرٌ فى عَيْنِ الطعامِ والكِسْوَةِ، فلا يحْصُلُ التَّكْفِيرُ بغيرِه؛ لأنَّه لم يُؤَدِّ الواجِبَ إذا لم يُؤَدِّ ما أَمَرَه اللَّه بأَدائِه، ولأَنَّ اللَّه تَعالى خَيَّرَ بَين ثلاثَةِ أشْياءَ، ولو جازَتِ القِيمَةُ لم ينْحَصِرِ التَّخْيِيرُ فى الثَّلاثَةِ، ولأَنَّه لو أُرِيدَت الْقِيمَةُ، لم يكُنْ للتَّخْيِيرِ مَعْنًى؛ لأَنَّ قِيمةَ الطعامِ إِنْ ساوَتْ قيمَةَ الكِسْوَةِ، فهما شىءٌ واحِدٌ، فكيفَ يُخَيَّرُ بينهما؟ وإِنْ زادَت قِيمةُ أَحَدِهما على الآخَرِ، فكيف يُخَيَّرُ بين شَىءٍ وبعضِه؟ ثم يَنْبَغِى أنَّه إذا أعْطاهُ فى الكِسْوَةِ ما يُساوِى إطْعامَه أَنْ يُجْزِئَه، وهو خلافُ الآيَةِ، وكذلك لو غَلَتْ قِيمَةُ الطعامِ، فصارَ نِصْفُ المُدِّ يُساوى كِسْوةَ المِسْكِينِ، يَنْبَغِى أَنْ يُجْزِئَه نِصْفُ المُدِّ، وهو خلافُ الآيَةِ، ولأنَّه أَحَدُ ما يكفّرُ به، فيتعَيَّن (٤) ما وَرَدَ به النّصُّ كالعِتْقِ، أو فلا تُجْزِئُ فيه القِيمَةُ كالعِتْقِ، فعَلَى هذا، لو أعْطاهُم أضْعافَ قِيمَةِ الطعامِ، لا يُجْزِئُه؛ لأَنَّه لم يُؤَدِّ الواجِبَ، فلا يخْرُجُ عن عُهْدَتِه. ١٨٠٧ - مسألة؛ قال: (ويُعْطِى مِنْ أقَارِبِهِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِن زكَاةِ مَالِهِ) وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. ولا نعلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ حَقُّ مالٍ يجِبُ للَّه تعالَى، فجَرَى مَجْرَى الزَّكاةِ، فى مَن يدْفَعُ إليه من أقارِبِه، ومَنْ لا يدْفَعُ إليه (١). وقد سَبَقَ ذلك فى بابِ الزَّكاةِ (٢). فصل: وكُلُّ مَنْ يُمْنَعُ مِن (٣) الزكاة مِن الغَنِىِّ، والكافِرِ، والرَّقيقِ، يُمْنَعُ أَخْذَ الكفَّارَةِ. وهل يُمْنَعُ منها بنو هاشِمٍ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يُمْنَعونَ منها؛ لأنَّها صَدَقَةٌ واجِبَةٌ، فمُنِعُوا منها؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "إِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ" (٤). وقِياسًا على

стр. 7201

الزَّكاةِ. والثانى، لا يُمْنَعُونَ؛ لأنَّها لم تَجِبْ بأصْلِ الشَّرعِ، فأشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. ١٨٠٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ لَمْ يُصِبْ إِلَّا مِسْكِينًا وَاحِدًا، رَدَّدَ عَلَيْه فِى كُلِّ يَوْمٍ تَتِمَّةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ) وجُمْلته أَنَّ المُكَفِّرَ لا يَخْلُو من أَنْ يَجِدَ المساكين بكَمالِ عَدَدِهم، أو لا يَجِدَهم، فإنْ وَجَدَهُم، لم يُجْزِئْه إطْعامُ أَقَلَّ من عَشَرَةٍ فى كَفَّارَةِ اليَمِينِ، ولا أقلَّ من سِتِّين فى كفّارَةِ الظِّهارِ وكفّارَةِ الجِماعِ فى رمضان. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وأجازَ الأوْزَاعِىُّ دَفْعَها إلى واحِدٍ. وقال أبو عُبَيْدٍ: إِنْ خَصَّ بها أهلَ بَيْتٍ شَدِيدِى الحاجَةِ، جازَ؛ بدليلِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال للمُجامِعِ فى رمضانَ، حينَ أَخبَرَهُ بشِدَّةِ حاجَتِه وحاجَةِ أَهلِه: "أَطْعِمْهُ عِيالَكَ" (١). ولأنَّه دَفَعَ حَقَّ اللَّهِ تعالَى إلى مَنْ هو مِنْ أهلِ الاسْتِحْقاقِ، فأَجْزَأَهُ، كما لو دَفَعَ زكاتَه إلى واحِدٍ. وقال أصحابُ الرَّأْى: يجوزُ أَنْ يُردِّدَها على مسكينٍ واحِدٍ فى عَشَرَةِ أيامٍ، إِنْ كانَتْ كفَّارَةَ يَمِينٍ، أو فى (٢) سِتِّين إِنْ كان الواجبُ إطعامَ سِتِّين مِسْكينًا، ولا يجوزُ دَفْعُها إليه فى يومٍ واحِدٍ. وحَكاه أبو الخَطَّاب رِوايَةً عن أَحمدَ؛ لأنَّه فى كُلِّ يومٍ قد أطْعَمَ مِسكينًا ما يجِبُ للمسكينِ، فأَجزَأَ، كما لو أعْطى غَيْرَه، ولأنَّه لو أطعَمَ هذا المِسْكِينَ من كَفَّارَةٍ أُخْرَى، أجْزَأَهُ، فكذلك إذا أطْعَمه من هذه الكَفَّارَةِ. ولَنا، قَوْلُ اللَّه تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٣). ومَنْ أَطْعَمَ واحِدًا، فما أَطعَمَ عَشَرَةً، فما امْتَثَل الأَمْرَ، فلا يُجْزِئُه، ولأنَّ اللَّه تعالى جَعَلَ كفَّارَتَه إطْعامَ عَشَرَةِ مَساكِينَ، فإذا لم يُطْعِمْ عَشَرَة، فما أَتَى بالكَفَّارَةِ، ولأَنَّ مَن لم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه فى اليومِ الأَوَّلِ، لم يَجُزْ فى اليومِ الثانِى، مع اتِّفاقِ الحالِ، كالوَلَدِ، فأمَّا الواقِعُ على (٤) أهلِه، فإنَّما أسْقَطَ اللَّهُ تعالى الكَفَّارَةَ عنه، لِعَجْزِه عنها، فإنَّه لا خِلافَ فى أَنَّ الإنْسانَ لا يَأْكُلُ كَفَّارَةَ نَفْسِه، ولا يُطْعِمُها عائِلَتَه، وقد أُمِرَ بذلك. الحالُ الثانِى، العاجِزُ عن عَدَدِ المساكِينِ كُلِّهم، فإنَّه يُرددُ على المَوْجُودِين مهم فى كُلِّ يومٍ حتى تَتِمَّ عَشَرَةً، فإنْ لم يَجِدْ إِلَّا واحِدًا، رَدَّدَ عليه

стр. 7202

تَتِمَّةَ عَشَرَةِ أيامٍ، وإِنْ وَجَدَ اثْنَيْن، رَدّدَ عليهما خَمْسَةَ أيامٍ، وعلى هذا. ونحوُ هذا قولُ (٥) الثَّوْرِىِّ. وهو اخْتِيارُ أكثرِ الأَصْحابِ. وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أخْرَى، لا يُجْزِئُه إِلَّا كمالُ العَدَدِ. وهو مذهبُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ، لما ذكرْنا فى حالِ القُدْرَةِ. ولَنا، أَنَّ تَرْديدَ الإِطْعامِ فى عَشَرَةِ أيَّامٍ، فى مَعْنَى إطعامِ عَشَرَةٍ؛ لأنَّه يَدْفَعُ الحاجَةَ فى عَشَرَةِ أيَّامٍ، فأشْبَهَ ما لو أطعَمَ فى كلِّ يومٍ واحِدًا، والشىءُ بمَعْناه يقومُ مَقامَه بصُورَته عندَ تعذُّرِها، ولهذا شُرِعَتْ الأبْدالُ، لقيامِها مَقامَ المُبْدَلاتِ فى المَعْنَى، ولا يُجْتَزَأُ بها مع القُدْرَةِ على المُبْدَلات، كذا ههُنا. فصل: وإِنْ أَطْعَمَ كُلَّ يومٍ مِسْكِينًا، حتى أكْمَلَ العَشَرَةَ، أجْزَأَه، بلا خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الواجبَ إطعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، وقد أَطْعَمَهُمْ. وإِنْ دَفَعَها إلى مَنْ يَظُنُّه مِسْكِينًا، فبانَ غَنِيًّا، ففى ذلك وَجْهانِ، بِناءً على الرِّوايَتَيْنِ فى دفْعِ الزَّكاةِ إليه؛ أحدُهما، لا يُجْزِئُه. وهو قَوْلُ الشافِعِىِّ، وأبى يوسفَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُطْعِم المساكينَ، فلم يُجْزِئْه، كما لو عَلِمَ. والثانى، يُجْزِئُه. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأنَّه دَفَعَها إلى مَن يَظُنُّه مِسْكِينًا، وظاهِرُهُ المَسْكَنَةُ، فأَجْزَأَه، كما لو لم يَعْلَمْ حالَه، وهذا لأنَّ الفَقْرَ يَخْفى، وتَشُقُّ [معرِفَةُ حَقِيقَتِه] (٦)، قال اللَّه تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ (٧). فوَجَبَ أَنْ يَكتَفِىَ بظُهورِه وظَنِّه، وكذلك لمَّا سَأَلَ الرَجُلانِ النَّبِىَّ ﷺ مِنَ الصَّدَقَةِ، قال: "إِنْ شِئْتُما أَعْطَيْتُكُما مِنْهَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، ولَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ" (٨). وإِنْ بانَ كافِرًا أو عَبْدًا، لم يُجْزِئْه، وَجْهًا واحِدًا، كقَوْلِنا فى الزَّكاةِ؛ لأَنَّ ذلك لا يكادُ يَخْفَى، وليس هو فى مَظنَّةِ الْخَفاءِ، فإنْ كان الدافِعُ الإِمامَ، فأَخْطَأَ فى الفَقْرِ، لم يَضْمَنْ، وإِنْ أَخْطَأَ فى الحُرِّيَّةِ والإِسْلامِ، فهل يضْمَنُ؟ على وَجْهَيْن (٩)؛ بِناءً على خَطَأَهِ فى الْحَدِّ.

стр. 7203

فصل: إذا أَطعَمَ مِسْكينًا فى يومٍ واحِدٍ من كَفَّارَتَيْنِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما؛ يُجْزِئُه؛ لأَنَّه أَطْعَمَ عن كُلِّ كَفَّارَةٍ عَشَرَةَ مَساكِينَ، فأَجْزَأَه، كما لو أَطْعَمَه فى يَوْمَيْنِ، ولأَنَّ مَنْ جاز له أَنْ يأخُذَ من اثْنَيْنِ، جازَ أَنْ يأخُذَ من واحِدٍ، كالقَدْرِ الذى يجوزُ له أَخْذُه من الزَّكاةِ. والثانِى، لا يُجْزِئُه إِلَّا عن واحِدَةٍ (١٠). وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ؛ لأنَّه أَعْطَى مِسْكِينًا فى يومٍ طعامَ اثْنَيْن، فلم يُجْزِئْه إِلَّا عن واحِدةٍ (١٠)، كما لو كان مِن (١١) كَفَّارَةٍ واحِدَةٍ. وإِنْ [أطْعَمَه اثْنانِ] (١٢) من كَفَّارَتَيْن فى يومٍ واحِدٍ، جازَ. ولا نعْلَمُ فى جَوازِه خِلافًا. وكذلك إِنْ أطعَمَ [واحِدٌ واحِدًا] (١٣) من كَفَّارَتَيْنِ فى يَوْمين، جازَ أيضًا، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. فلو كان على واحِدٍ عشرُ كَفَّاراتٍ، وعندَه عَشَرَةُ مساكِينَ، يُطْعِمُهم كُلَّ يومٍ كَفَّارَةً يُفَرِّقُها عليهم، جازَ؛ لأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به (١٤)، فخرجَ عن عُهْدَتِه، وبَيانُ أنَّه أتَى بما أُمِرَ، أنَّه أطْعمَ عن كُل كَفَّارَةٍ عَشَرَةَ مساكِينَ من أَوْسَطِ ما يُطْعِمُ أَهْلَه، والحُكْمُ فى الكِسْوَةِ كالحُكْمِ فى الطَّعامِ، على ما فَصَّلْنا. ١٨٠٩ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ شَاءَ كسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ؛ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّىَ فِيه، ولِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ) لا خِلافَ فى أَنَّ الكِسْوَةَ أحدُ أصْنافِ الكَفّارَةِ (١)؛ لِنَصِّ اللَّهِ تعالَى عليها فى كتابِه بقولِه تَعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٢). ولا تَدْخُلُ فى كَفَّارَة غيرِ كَفّارَةِ الْيَمِينِ، ولا يُجْزِئُه أقلُّ مِن كِسْوَةِ عَشَرَةِ مَساكينَ (٣)؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٢). وتتقَدَّرُ الكِسْوَةُ بما تُجْزِئُ الصلاةُ

стр. 7204

فيه؛ فإنْ كان رجُلًا، فثَوْبٌ تُجْزِئُه الصلاةُ فيه، وإِنْ كانت امْرَأةً، فَدِرْعٌ وخِمارٌ. وبهذا قال مالِكٌ. ومِمَّنْ قال: لا تُجْزِئُه السَّراوِيلُ. الأوْزَاعِىُّ، وأبو يوسفَ. وقال إبراهيمُ: ثَوْبٌ جامِعٌ. وقال الحسنُ: كُلُّ مِسْكِينٍ حُلَّةٌ، إزارٌ ورِداء. وقال ابنُ عمرَ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يُجْزِئُه ثوْبٌ ثَوْبٌ. ولم يُفَرِّقُوا بينَ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ. ورُوِىَ (٤) عن الحسنِ، قال: تُجْزِئُ العمامَةُ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: عَباءَةٌ وعِمامَةٌ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُجْزِئُ أقلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، مِن سَراويلَ، أو إزارٍ، أو رِداءٍ، أو مِقْنَعَةٍ، أو عِمامةٍ، وفى القَلَنْسُوَةِ وَجْهان. واحْتَجُّوا بأنَّ ذلك يقعُ عليه اسمُ الكِسْوَةِ، فأجْزأَ، كالذى تجوزُ الصلاةُ فيه. ولَنا، أَنَّ الكِسْوَةَ أَحَدُ أنْواعِ الكَفَّارَةِ، فلم يجُزْ فيه ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، كالإِطْعامِ والإِعْتاقِ، ولأَنَّ التَّكْفيرَ عِبادَةٌ تُعْتَبَرُ فيها الكِسْوَةُ، فلم يَجُزْ فيها أقلُّ ممَّا ذَكَرْناه، كالصَّلاةِ، ولأنَّه مَصْروفٌ إلى المساكِينِ فى الكفَّارَة، فيتقَدَّرُ، كالإِطْعامِ، ولأنَّ اللَّابسَ ما لا يَسْتُرُ عَوْرَتَه (٥) يُسَمَّى عُرْيانًا، لا مُكْتَسِيًا، وكذلك لاِبسُ السَّراويلِ وَحْدَه، أَو مِئْزَرٍ، يُسَمَّى عُرْيانًا، فلا يُجْزِئُه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا كَسَا امْرأَةً، أعْطاها دِرْعًا وخِمارًا؛ لأنَّه أقَل ما يَسْتُرُ عَوْرَتَها، وتُجْزِئُها الصلاةُ فيه، وإِنْ أعْطاها ثوبًا واسِعًا، يُمْكِنُها أَنْ تَسْتُرَ بِه بَدَنَها ورَأْسَها، أجْزَأَه ذلك. وإِنْ كَسَا الرَّجُلَ أجْزَأَهُ قميصٌ، أو ثوبٌ يُمْكِنُه أَنْ يَسْتُرَ به (٦) عَوْرَتَه، ويجْعلَ على عاتِقِه منه شيئًا، أو ثَوْبَيْنِ يَأْتَزِرُ بأَحَدِهما، ويَرْتَدِى (٧) بالآخَرِ. ولا يُجْزِئُه مِئْزَرٌ وحدَه؛ ولا سَرَاوِيلُ (٨) وحدَه، لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لَا يُصَلِّى أحَدُكُم فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِه مِنْهُ شَىْءٌ" (٩). فصل: ويجوزُ أَنْ يَكْسُوَهُم من جميعِ أصْنافِ الكِسْوَةِ، من القُطْنِ، والكَتَّانِ،

стр. 7205

والصُّوفِ، والشَّعَرِ، والوَبَرِ، والْخَزِّ، والحريرِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمَرَ بكِسْوَتِهم ولم يَعْتَبِرْ (١٠) جِنْسَها (١١)، فأىُّ جِنْسٍ كَساهُم منه، خرَجَ به عن العُهْدَةِ؛ لوُجودِ الكِسْوَةِ المأْمُورِ بها. ويجوزُ أَنْ يكسُوَهُم لبيِسًا أو جَدِيدًا، إِلَّا أن يكونَ ممَّا قد بَلِىَ وذَهَبَتْ مَنْفَعَتُه، فلا يُجْزِئُ؛ لأنَّه مَعِيبٌ، كالحَبِّ المَعِيبِ، والرَّقَبَةِ إذا بطَلَتْ مَنْفَعَتُها. وسواءٌ كان ما أَعْطَاهُم مَصْبُوغًا أو غيرَ مَصْبُوغٍ، أو خَامًا أو مَقْصُورًا (١٢)؛ لأنَّه تحْصُلُ به (١٣) الكِسْوَةُ المأْمورُ بِها، والحِكْمَةُ المَقْصُودَةُ منها. فصل: والذين تُجْزِئُ كسْوَتُهم، هم المساكينُ الذين يُجْزِئُ إطْعامُهم؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. فينْصَرِفُ الضَّمِيرُ إليهم. وقد تَقَدَّمَ الكلامُ فى المساكِينِ وأوْصَافِهم (١٤). ١٨١٠ - مسألة؛ قال: (وإِنْ شاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، قَدْ صَلَّتْ وصَامَتْ؛ لأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ، وتَكُونُ سَلِيمَةً، لَيْسَ فِيهَا نَقْصٌ يَضُرُّ بالْعَمَلِ) وجُمْلَتُه أَنَّ إعْتاقَ الرَّقَبَةِ أحَدُ خِصالِ الكفَّارَةِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لنَصِّ اللَّه تعالى عليه، بقولهِ: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١). ويُعْتَبَرُ فى الرَّقَبَةِ ثلاثةُ أوْصافٍ؛ أحدُها، أَنْ تكونَ مُؤْمِنَةً. فى ظاهِرِ المَذْهَبِ. وهو قولُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ. وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُجْزِئُ. وهو قولُ عَطاءٍ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿تَحْرِيرُ (٢) رَقَبَةٍ﴾. وهذا مُطْلَقٌ، فتَدْخُلُ فيه الكافِرَةُ: ولَنا، أنَّه تَحْرِيرٌ فى كَفَّارَةٍ، فلا تُجْزِئُ فيه الكافِرَةُ، ككفَّارَةِ القَتْلِ، والجامِعُ بينهما، أَنَّ الإِعْتاقَ يَتَضَمَّنُ

стр. 7206

تَفْريغَ العَبْدِ المُسْلِمِ لِعبادَةِ رَبِّه، وتَكْمِيلَ أحْكامِه وعِبادَتِه وجِهادِه، ومعونَةَ المسلمين (٣)، فناسَبَ ذلك شَرْعُ إعْتاقِه فى الكفّارَةِ، تَحْصِيلًا لهذه المصالِحِ، والحُكْمُ مَقْرونٌ بها فى كَفَّارَةِ القَتْلِ المنْصوصِ على الإِيمانِ فيها، فيُعلَّلُ بها، ويَتَعَدَّى ذلك (٤) إلى كُلِّ تَحْرِيرٍ فى كَفَّارَةٍ، فيَخْتَصُّ بالمُؤْمِنَةِ، لاخْتِصاصِها بهذه الحِكْمَةِ. وأمَّا المُطْلَقُ الذى احْتَجُّوا بِه، فإنَّه يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ فى كفَّارَةِ القَتْلِ، كما حُمِلَ مُطْلَقُ قولِه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٥). على المُقَيَّدِ فى قولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٦). وإِنْ لم يُحْمَلْ عليه من جِهَةِ اللُّغَةِ، حُمِلَ عليه من جهَةِ الْقِياسِ. الثانِى، أَنْ تكونَ قَدْ صَلَّتْ وصامَتْ. وهذا قولُ الشعبِىِّ، ومالِكٍ، وإسحاقَ. قال القاضى: لا يُجْزِئُ مَنْ له دونَ السَّبْعِ؛ لأنَّه لا تَصِحُّ منه العباداتُ، فى ظاهِرِ كلامِ أحمدَ. وظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّ (٧) المُعْتبَرَ الفِعْلُ دونَ السِّنِّ، فمَنْ صَلَّىْ وصامَ ممَّنْ له عقلٌ يعْرفُ الصلاةَ والصِّيامَ، ويتَحَقَّقُ منه الإِتْيانُ به بنِيَّتِه وأرْكانِه، فإنَّه يُجْزِئُ فى الكفَّارَةِ [وإِنْ كان صغيرًا، وإن (٨) لم يُوجَدَا منه، لم يُجْزِئُ فى الكفَّارَةِ] (٩) وإِنْ كان كبيرًا. وقال أبو بكر، وغيرُه من أصْحابنا: يجوزُ إعْتاقُ الطِّفلِ فى الكَفَّارَةِ. وهو قولُ الحسنِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِىِّ، والشافعِىِّ، وابنِ المُنْذِر؛ لأنَّ المرادَ بالإِيمانِ ههُنا الإِسْلامُ، بدليلِ إعْتاقِ الفاسِقِ. قال الثَّوْرِىُّ: المسلمون كُلُّهم مؤمنون عندَنا فى الأَحْكامِ، ولا نَدْرِى ما هم عندَ اللَّه. ولهذا تعلَّقَ حكمُ القَتْلِ بكُلِّ مسلِمٍ، بقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ (١٠). والصَّبىُّ محكومٌ بإسْلامِه، يَرِثُه المسلمون ويَرِثُهم، ويُدْفَنُ فى مَقابِرِ المسلمين، ويُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه، وإِنْ سُبِىَ مُنْفَرِدًا عن أبَوْيِه أَجْزَأَ (١١) عِتْقُه؛ لأنَّه

стр. 7207

محكومٌ بإسْلامِه، وكذلك إِنْ سُبِى مع أَحَدِ أبَوَيْه، ولو كان أحدُ أبَوَى الطِّفْلِ مُسْلِمًا والآخَرُ كافِرًا، أجْزَأَ إعْتاقُه؛ لأَنَّه مَحْكومٌ بإسْلامِه. وقال القاضِى، فى موْضِعٍ: يُجْزِئُ إعتاقُ الصَّغِيرِ (١٢) فى جَميعِ الكفَّاراتِ، إِلَّا كَفَّارَةَ القَتْلِ، فإنَّها على رِوايَتَيْن. وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: ما كان فى القُرآنِ من رَقَبَةٍ مُومِنَةٍ، فلا يُجْزِئُ إِلَّا ما صامَ وصَلَّى، وما كان فى القُرآنِ رقَبَةً ليستْ بِمُؤْمِنَة، فالصَّبِىُّ يُجْزِئُ. ونحوُ هذا قَوْلُ الحسنِ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىّ، أَنَّ الواجِبَ رَقَبَةٌ مؤمِنَةٌ، والايمانُ قولٌ وعمَلٌ، فما لم تحْصُل الصَّلاةُ والصِّيامُ، لم يحْصُل العَمَلُ. وقال مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، فى قولِه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قالوا (١٣): قد صَلَّتْ. ونحوُ هذا قولُ الحسنِ، وإبراهيمَ. وقال مكحولٌ: إذا وُلِدَ المولودُ فهو نَسَمَةٌ، فإذا تَقَلَّبَ ظَهْرًا لبَطْنٍ فهو رَقَبَةٌ، فإذا صَلَّى فهو مُؤْمِنَةٌ. ولأنَّ الطفْلَ لا تصِحُّ منه عبادَةٌ؛ لفَقْدِ التَّكْليفِ، فلم يُجْزِئُ فى الكفَّارَةِ، كالمَجْنُونِ، ولأنَّ الصِّبَا نَقْصٌ يسْتحِقُّ به النَّفَقَةَ على القريبِ، أشْبَهَ الزَّمانةَ (١٤). والقوُل الآخَرُ أقرَبُ إلى الصِّحَّةِ، إِنْ شاءَ اللَّه تعالى؛ لأنَّ الإِيمان الإسلامُ، وهو حاصِلٌ فى حَقِّ الصَّغيرِ، ويدلُّ على هذا، أَنَّ مُعاوِيَةَ بنَ الحَكَمِ السُّلَمِىِّ، أتَى النَّبِىَّ ﷺ بجارَيةٍ، فقال لها: "أين اللَّهُ؟ ". قالتْ: فى السَّماءِ. قال: "مَنْ أنَا؟ ". قالت: أَنْتَ رسولُ اللَّه. قال: "أعْتِقْها، فَإنَّها مُؤْمِنةٌ". رواه مُسْلِم (١٥). وفى حديثٍ عنٍ أبى هُرَيْرَةَ، ان رَجُلًا أتَى النَّبىَّ ﷺ بجارِيَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ، فقال: يارسولَ اللَّه: إِنَّ علىَّ رَقَبَةً. فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "أيْنَ اللَّهُ؟ " فأشارَتْ بِرأْسِها إلى السَّماءِ. قال: "مَنْ أنَا؟ ". فأشارَتْ إلى رسولِ اللَّه وإلى السماءِ. أى: أنتَ رسولُ اللَّه. قال: "أَعتِقْهَا؟ [فَإنَّهَا مُؤْمِنَةٌ"] (١٦). فحكَمَ لها بالإيمانِ بهذا القَوْل. فصل: ولا يُجْزِئُ إعْتاقُ الجَنِينِ. فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبه يقول (١٧) أبو حنيفةَ،

стр. 7208

والشافِعِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ؛ لأنَّه آدَمِىٌ مَمْلوكٌ، فصَحَّ إعْتاقُه عن الرَقَبَةِ، كالمَوْلودِ. ولَنا، أنَّه لم تَثْبُتْ له أحكامُ الدُّنْيا بعدُ؛ فإنّه لا يَمْلِكُ إِلَّا (١٨) بالإِرْثِ والوَصِيَّةِ، ولا يُشْترَط لهما كَوْنُه آدَمِيًا، لكونِه ثَبَتَ له ذلك وهو نُطْفَةٌ أو عَلَقَةٌ، وليس بآدَمِىٍّ فى تلك الحالِ. الثالِثُ، أَنْ لا يكونَ بها نَقْصٌ يَضُرُّ بالعَمَلِ. وقد شَرَحْنا ذلِك فى الظِّهارِ (١٩). ويُجْزِئُ الصَّبِىُّ وإِنْ كان عاجِزًا عن العملِ؛ لأَنَّ ذلك ماضٍ إلى زَوالٍ، وصاحِبُه صائِرٌ (٢٠) إلى الكمالِ. ولا يُجْزِئُ المجنونُ؛ لأنَّ نَقْصَه لا غايَةَ لزوالِه مَعْلُومَةً، فأشْبَهَ الزَّمِنَ. فصل: فإنْ أعْتَقَ غائبًا تُعْلَمُ حَياتُه، وتَجِئُ أخْبارُه، صَحَّ، وأجزَأ (٢١) عن الكفّارَةِ، كالحاضِرِ. وإِنْ شُكَّ فى حَياتِه، وانْقَطَعَ خَبَرُه، لم يُحْكَمْ بالإِجْزاءِ فيه؛ لأنَّ الأَصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِه، ولا تَبْرأُ بالشَّكِّ، وهذا العَبْدُ مَشْكوكٌ [فى وُجودِه، فيُشَكُّ] (٢٢) فى إعتاقِه. فإنْ قيل: الأَصْلُ حَياتُه. قُلْنا: إِلَّا أنَّه قد عُلِمَ أَنَّ الموتَ لابُدَّ منه، وقد وُجِدَت دِلالَةٌ عليه، وهو انْقطاعُ أخْبارِه، فإنْ تَبَيَّنَ بعدَ هذا كَوْنُه حَيًّا، تَبَيَّنَّا صِحَّةَ عِتْقِه، وبَراءَةَ الذِّمَّةِ من الكَفَّارَةِ، وإلَّا فلا. فصل: وإِنْ أَعْتَقَ غيرُه عنه بغيرِ أمْرِه (٢٣)، لم يَقَعْ عن المُعْتَقِ عنه، إذا كان حَيًّا، ووَلاؤُه للمُعْتِقِ، ولا يُجْزِئُ عن كفَّارَتِه، وإِنْ نَوَى ذلك. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. وحُكِىَ عن مالِكٍ، أنَّه إذا أعْتَقَ عن واجبٍ على غيرِه بغيرِ أمرِه، صَحَّ؛ لأنَّه قَضَى عنه واجِبًا فصَحَّ، كما لو قَضَى عنه دَيْنًا. ولَنا، أنَّه عِبادَةٌ من (٢٤) شرْطِها النِّيَّةُ، فلم يصِحَّ أداؤُها عَمَّنْ وَجَبَت عليه بغيرِ أمْرِه، مع كَوْنِه من أهلِ الأمْرِ، كالحجِّ، ولأنَّه أحَدُ

стр. 7209

خِصالِ الكَفَّارَةِ، فلم يصِحَّ عن المُكفِّرِ بغيرِ أمْرِه، كالصِّيامِ. وهكذا الخلافُ فيما إذا كفَّرَ عنه بإطْعامٍ أو كِسْوةٍ. ولا يجوزُ أَنْ يَنُوبَ عنه فى الصِّيامِ بإذْنِه، ولا بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّه عبادَةُ بَدَنِيَّة، فلا تَدْخُلُها النِّيابَةُ. فأمَّا إِنْ أعتقَ عنه بأَمْرِه، نَظَرْتَ؛ فإنْ جعلَ له عِوَضًا، صَحَّ العِتْقُ عن المُعْتَقِ عنه، وله ولاؤُه، وأجْزأَ عن كَفَّارَتِه، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه. وبه يقولُ أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وغيرُهم؛ لأنَّه حَصَلَ العتقُ عنه بمالِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَراه وكَّلَ البائِعَ فى إعْتاقِه عنه، وإِنْ لم يشترطْ عِوَضًا، ففيه رِوايَتَان؛ إحداهُما، يقَعُ العِتْقُ عن المُعْتَقِ عنه، ويُجْزِئُ فى كَفَّارَتِه (٢٥). وهو قولُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ؛ لأنَّه أعْتقَ عنه (٢٦) بأمْرِه، فصَحَّ، كما لو شرطَ عِوَضًا. والأُخْرَى، لا يُجْزِئُ، ووَلاؤُه للمُعْتِقِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ العِتْقَ بِعِوَضٍ كالبَيْعِ (٢٧)، وبغيرِ عِوَضٍ كالهِبَةِ، ومن شَرْط الهِبَةِ القَبْضُ، ولم يحْصُلْ، فلم يَقَعْ عن المَوْهُوبِ له، وفارَقَ البيعَ، فإنَّه لا يُشْترَطُ فيه القَبْضُ. فإنْ كان المُعْتَقُ عنه مَيِّتًا، نَظَرْتَ؛ فإنْ وَصَّى (٢٨) بالعِتْقِ، صَحَّ؛ لأنَّه بأَمْرِه، وإِنْ لم يُوَصِّ بِه، فأعْتَقَ عنه أجْنَبِىٌّ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس بنائِبٍ عنه، وإِنْ أعْتَقَ عنه وأرِثُه، فإنْ لم يكُنْ عليه واجِبٌ، لم يَصِحَّ العِتْقُ عنه، ووَقَعَ (٢٧) عن (٢٩) المُعْتِقِ، وإِنْ كانَ عليه عِتْقٌ واجِبٌ، صَحَّ العِتْقُ عنه؛ لأنَّه نائِبٌ عنه (٣٠) فى مالِه وأداءِ واجِباتِه. فإنْ كانت عليه كَفَّارَةُ يَمينٍ، فكَسَا عنه أو أَطعَمَ عنه (٣١)، جازَ، وإِنْ أعْتَقَ عنه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَيِّنٍ، فجرَى مَجْرَى التَّطَوُّعِ. والثانِى، يُجْزِئُ، لأنَّ العِتْقَ يقَعُ واجِبًا، لأنَّ الوُجُوبَ [يتَعَيَّنُ فيه] (٣٢) بالفِعْلِ، فأشْبَهَ المُعَيَّنَ من العِتْقِ،

стр. 7210

ولأنَّه أحَدُ خِصالِ كَفَّارَةِ اليَمِينِ، فجازَ أَنْ يَفْعَلَه عنه، كالإِطْعامِ والكِسْوَةِ. ولو قال مَنْ عليه الكَفَّارَةُ: أطْعِمْ عن (٣٣) كَفَّارَتِى. أو: اكْسُ. ففعَلَ، صَحَّ، رِوايَةً واحدةً، سواءٌ ضَمِنَ له عِوَضًا، أو لم يَضْمَنْ له عِوَضًا. ١٨١١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَأَعْتَقَهَا فِى الْكَفَّارَةِ، عَتَقَتْ، ولَمْ تُجْزِئْهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ) وهذا مذهبُ الشافعِىِّ. ورُوِىَ عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ ما يَدُلُّ عليه؛ وذلك لأنَّه إذا اشْتَراها بشَرْط العِتْقِ، فالظَّاهِرُ أَنَّ البائِعَ نَقَصَه من الثَّمَنِ لأجْلِ هذا الشَّرْطِ، فكَأنَّه أخَذَ عن العِتْقِ عِوَضًا، فلم تُجْزِئْه عن الكَفَّارَةِ. قال أحمدُ: إِنْ كانتْ رَقَبَةً واجِبَةً، لم تُجْزِئْه؛ لأنَّها ليست رَقبةً سليمةً، ولأنَّ عِتْقَها مُستَحَقٌّ (١) بسَبَب آخَرَ، وهو الشَّرْطُ، فلم تُجْزِئْه، كما لو اشْتَرَى قريبَه، ينْوِى (٢) بشرائِه العِتْقَ عن الكَفَّارَةِ، أو قال: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فأَنْتَ حُرٌّ. ثم نَوَى عندَ دخُولِه أنَّه عن كَفَّارَتِه. فصل: ولو قال له رجُلٌ: أعْتِقْ عَبْدَك عن كَفَّارَتِك، ولك عَشَرَةُ دنانِيرَ. ففعلَ، لم يُجْزِئْه عن الكَفَّارَةِ؛ لأنَّ الرَّقَبةَ لم تقَعْ خالِصَةً عن الكَفَّارَةِ. وذكَر (٣) القاضى أَنَّ (٤) العِتْقَ كلَّه يقَعُ عن باذِلِ العِوَضِ، وله ولاؤُه. وهذا فيه نَظَرٌ؛ فإِنَّ المُعْتِقَ لم يَعْتِقْه عن باذلِ (٥) العِوَض، ولا رَضِىَ بإعْتاقِه عنه، ولا باذِلُ العِوَض طَلَبَ ذلك، والصَّحِيحُ أَنَّ إعْتاقَهُ عن (٦) المُعْتِقِ، والولاءُ له. وقد ذكر الخِرَقِىُّ أنَّه إذا قال: أعْتِقْه، والثَّمَنُ علىَّ. فالثَّمَنُ عليه، والوَلاءُ للمُعْتِقِ. فإنْ رَدَّ العَشَرَةَ على باذِلِها، ليكونَ العتْقُ عن الكفّارَةِ، [لم يُجْزِئُ عنها؛ لأنَّ العِتْقَ إذا وَقَع على صِفَةٍ، لم ينْتَقِلْ عنها. وإن قصَد العِتْقَ عن الكَفَّارةِ] (٧) وحدَها،

стр. 7211

وعَزَمَ (٨) على رَدِّ العَشَرَةِ، أو رَدَّ العَشَرَةَ قبلَ العِتْقِ، وأعْتَقَه (٩) عن كَفَّارَتِه (١٠)، أَجْزَأَه. فصل: وإذا اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوِى إعْتاقَه عن كَفَّارَتِه، فوَجَدَ به عَيْبًا لا يَمْنَع من الإِجْزاءِ فى الكَفَّارَةِ، فأَخَذَ أرْشَه، ثم أعْتَقَ العبدَ عن (١١) كَفّارَتِه، أَجْزَأَه، وكان الأَرْشُ له؛ لأَنَّ العِتْقَ إنَّما وَقَعَ على العبدِ الْمَعِيبِ دُونَ الأَرْشِ. وإِنْ أَعْتَقَه قبلَ العِلْمِ بالعَيْبِ، ثم ظَهَرَ على العَيْبِ، فأَخذَ أَرْشَه، فهو له أيضًا، كما لو أخَذَه قبلَ إعْتاقِه. وعنه، أنَّه يصْرِفُ ذلك (١٢) الأَرْشَ فى الرِّقابِ؛ لأنَّه أعْتَقَه مُعْتَقِدًا أنَّه سَلِيمٌ، فكان بمَنْزِلَةِ العِوَض عن حَقِّ اللَّهِ تعالَى، فكان (١٣) الأَرْشُ مَصْرُوفًا (١٤) فى حَقِّ اللَّه تعالى، كما لو باعَهُ كان الأَرْشُ للمُشْتَرِى. وإِنْ عَلِمَ العَيْبَ، ولم يأْخُذْ أرْشَه حتى أعْتَقَه، كان الأَرْشُ للمُعْتِقِ؛ لأنَّه أَعْتَقَه مَعِيبًا عالِمًا بعَيْبِه، فلم يلزَمْهُ أَرْشٌ (١٥)، كما لو باعَه لمن (١٦) يعْلَمُ عَيْبَه. ١٨١٢ - مسألة؛ قال: (ولَوِ (١) اشْتَرَى بَعْضَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهُ، يَنْوِى بِشِرَائِهِ الْكَفَّارَةَ، عَتَقَ، ولَمْ يُجْزِئْهُ) وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يُجْزِئُه اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه يُجْزِئُ عن كفَّارَةِ البائِعِ، فأجْزَأ عن كَفَّارَةِ المُشْتَرِى، كغيرِه. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢). والتَّحْرِيرُ فِعْلُ العِتْقِ، ولم يحْصُلِ العِتْقُ ههُنا بتَحْريرٍ منه، ولا

стр. 7212

إعْتاقٍ، فلم يكُنْ مُمْتَثِلًا للأَمْرِ (٣)، ولأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، فلم يُجْزِئْه، كما لو وَرِثَه يَنْوِى به العِتْقَ عن كَفَّارَتِه، أو كأُمِّ (٤) الوَلَدِ، ويُخالِفُ المُشْترِى البائِعَ من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أَنَّ البائِعَ يَعْتِقُه والمُشْتَرِىَ لم يَعْتِقْه، إنَّما يَعْتِقُ بإعْتاقِ الشَّرْعِ، فهو (٥) عن غيرِ اخْتيارٍ منه. والثانى، أَنَّ البائِعَ لا يسْتَحِقُّ عليه إعْتاقَه، والمُشْتَرِىَ بخِلافِه. فصل: إذا مَلَكَ نصفَ عبدٍ، فأعْتَقَه غن كَفَّارَتِه، عَتَقَ، وسَرَى إلى باقيهِ إِنْ كان مُوسِرًا بقِيمَةِ باقِيه، ولم يُجْزِئْه عن كَفّارَتِه، فى قولِ أبى بكرٍ الخَلَّالِ (٦)، وصاحبِه، وحَكاه عن أحمدَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ عِتْقَ نَصِيبِ شَرِيكِه لم يحْصُلْ بإعْتاقِه، إنَّما حصَلَ بالسِّرايَةِ، وهى غيرُ فِعْلِه، وإنَّما هى من آثارِ فِعْلِه، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى مَن يَعْتِقُ عليه يَنْوِى به الكَفّارَةَ، يُحقِّقُ هذا، أنَّه لم يُباشِرْ بالإعْتاقِ إِلَّا نَصِيبَه، فسَرَى إلى غيرِه، ولو خَصَّ نَصِيبَ غيرِه بالإِعْتاقِ، لم يَعْتِقْ منه شىءٌ، ولأنَّه إنَّما يَمْلِكُ (٧) إعْتاقَ نَصِيبِه، لا نَصِيبَ غيرِه. وقال القاضى: قال غيرُهما من أصحابِنا: يُجْزِئُه إذا نَوَى إعْتاقَ جَمِيعِه عن كَفَّارَتِه. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه أعْتَقَ عَبْدًا كامِلَ الرِّقِّ، سليمَ الخَلْقِ، غيرَ مُسْتَحِقِّ العِتْق، ناوِيًا به الكَفَّارَةَ، فأَجْزَأَه، كما لو كان الجميعُ مِلْكَه. والأوّلُ أصَحُّ، إِنْ شاءَ اللَّه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه أعْتَقَ العبدَ كلَّه، وإنَّما أعتَقَ نِصْفَه، وعَتَقَ الباقِى عليه، فأشْبَهَ شِراءَ قَرِيبِه، ولأن إعْتاقَ باقِيه مُسْتَحَقٌّ بالسِّرايَةِ، فهو كالقريبِ، فعلى هذا: هل يُجْزِئُه عِتْقُ نصفِه الذى هو مِلْكُه، ويَعْتِقُ نصْفًا آخَرَ، فتكْمُلُ الكَفَّارَةُ؟ يَنْبَنِى على ما إذا أعْتَقَ نِصْفَىْ عَبْدَيْن، وسَنَذْكُرُه إِنْ شاءَ اللَّه تعالى. وإِنْ نَوَى عِتْقَ نَصِيبه عن الكَفَّارَةِ، ولم يَنْوِ ذلك فى نَصِيبِ شَريكِه، لم يُجْزِئْه نَصِيبُ شريكِه، وفى نَصِيبِ (٨) نفسِه ما سَنَذْكُرُه، إِنْ شاءَ اللَّه تعالى. ولو كان مُعْسِرًا، فأعْتقَ نَصِيبَه عن كفَّارَتِه، فكذلك، فإنْ مَلَكَ باقِيَه،

стр. 7213

فأعْتَقَه عن الكَفَّارَةِ، أَجْزَأَه ذلك، وإِنْ أرادَ صِيامَ شهرٍ، وإطعامَ ثلاثين مِسْكِينًا، لم يُجْزِئْه، كما لو أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ فى كَفَّارَةِ اليَمِينِ، وأطْعَمَ خَمْسَةَ مَساكينَ أو كساهُم، لم يُجْزِئْه. فصل: وإِنْ كان العَبْدُ كلُّه له، فأعْتَقَ جُزْءًا منه مُعَيَّنًا، أو مُشاعًا، عَتَقَ جميعُه. فإنْ كان نَوَى به الكَفَّارَةَ، أجْزَأَ عنه؛ لأنَّ إعْتاقَ بعض العَبْدِ إعْتاقٌ لجميعِه، وإِنْ نَوَى إعْتاقَ الجُزْءِ الذى باشَر بالإعْتاقِ عن الكَفَّارَةِ دونَ غَيْرِه، لم يُجْزِئْه عِتْقُ غيرِه. وهل يُحْتَسَبُ بما نَوَى به الكَفَّارَةَ؟ على وَجْهَيْن. فصل: وإذا (٩) قال: إِنْ مَلَكْتُ فُلانًا، فهو حُرٌّ. وقُلْنا: يَصِحُّ هذا التَّعْلِيقُ. فاشْتراهُ يَنْوِى العِتْقَ عن كَفَّارَتِه، عَتَقَ، ولم يُجْزِئْه عن الكَفَّارَةِ، ويُخَرَّجُ فيه من الخلافِ مثلُ ما فى شراءِ قَرِيبِه. واللَّهُ أعلمُ. ١٨١٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا تُجْزِئُ فِى الْكَفَّارَةِ أُمُّ وَلَدٍ) هذا ظاهِرُ المذهبِ. وبه قال الأَوزاعِىُّ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أَحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تُجْزِئُ. ويُرْوَى ذلك عن الحسنِ، وطاوُسٍ، والنَّخَعِىِّ، وعثمانَ الْبَتِّىِّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١). ومُعْتِقُها قد حَرَّرَها. ولَنا، أَنَّ عِتْقَها يُسْتَحَقُّ بسبَبٍ آخَرَ، فلم تُجْزِئُ عنه، كما لو اشْتَرَى قَرِيبَه، أو عَبْدًا بشَرْطِ العِتْقِ فأَعْتَقَه، وكما لو قال لعَبْدِه: أنتَ حُرٌّ إِنْ أُدْخِلْتَ الدَّارَ. ثم نَوَى عِتْقَه عن كَفَّارَتِه عندَ دُخولِه. والآية مُخصوصَةٌ بما ذكرْناه، فنَقِيسُ عليه ما اخْتَلَفْنا فيه. فصل: ووَلَدُ (٢) أمِّ الوَلَدِ الذى وَلَدَتْه بعدَ كَوْنِها أُمَّ وَلَدٍ، حُكْمُه حُكْمُها فيما ذكرْناه؛ لأنَّ حُكْمَه حُكمُها فى العِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدها.

стр. 7214

١٨١٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا مُكَاتَبٌ قَدْ أدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا) رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، فى المُكاتَب ثلاثُ رواياتٍ، إحْداهُنَّ، يُجْزِئُ مُطْلقًا. اخْتارَهُ أبو بكرٍ. وهو مذْهَبُ أبى ثَوْرٍ، لأَنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ يجوزُ بَيْعُه، فأجْزَأَ عِتْقُه، كالمُدبَّرِ، ولأنَّه رَقَبَةٌ، فتدْخُلُ (١) فى مطلقِ قولِه سبحانَه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢). والثانِيَةُ، لا يُجْزِئُ مُطْلَقًا. وهو قولُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسبَبٍ آخَرَ، ولهذا لا يَمْلِكُ إبْطالَ كِتابَتِه، فأشْبَهَ أُمَّ الوَلَدِ. والثالثةُ، إِنْ أدَّى مِن كتابَتِه شيئًا لم يُجْزِئْه، وإلَّا أَجْزَأَه. وبهذا قال اللَّيْثُ، والأَوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ. قال القاضِى: هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه إذا أدَّى شيئًا فقد حصلَ العِوَضُ عن بَعْضِه، فلم يُجْزِئُ، كما لو أعْتَقَ بعضَ رَقَبَةٍ، وإذا لم يُود، فقد أعْتَقَ رقبةً كامِلَةً مُؤمِنَةً سالِمَةَ الخلقِ تامَّةَ المِلْكِ، لم يَحْصُلْ عن شىءٍ منها عِوَضٌ، فأَجزَأ عِتْقُها، كالمُدَبَّرِ. ولو أعْتَقَ عبدًا على مالٍ، يأْخُذُه (٣) من العبدِ، لم يُجْزِئُ عن كفَّارَتِه، فى قولِهم جميعًا. ١٨١٥ - مسألة؛ قال: (وَيُجْزِئُ (١) المُدَبَّرُ) وهذا قولُ طاوُسٍ، والشافعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال [مالكٌ، و] (٢) الأوْزَاعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسبَبٍ آخَرَ، فأشْبَهَ أمَّ الوَلَدِ، [ولأنَّ بَيْعَه عندَهم غيرُ (٣) جائِزٍ، فأشْبَهَ أُمَّ الولد] (٤). ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٥). وقد حرَّرَ رقَبَةً، ولأنَّهُ عَبْدٌ كامِلُ المَنْفَعَةِ، يجوزُ بَيْعُه، ولم يحْصُلْ عن شىءٍ منه عِوَضٌ، فجازَ عِتْقُه، كالْقِنِّ، والدليلُ على جَوازِ بَيْعِه، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ باعَ

стр. 7215

مُدَبَّرًا (٦). وسَنَذْكُرُ حَدِيثَه فى بابِه، إِنْ شاءَ اللَّهُ تعالى، ولأنَّ التدْبِيرَ إمَّا أَنْ يكونَ وَصِيَّةً، أو عِتْقًا بصِفَةٍ، وأيًّا مّا كان، فلا يُمْنَعُ التَّكْفِيرُ بإعتاقِه قبلَ وُجودِ الصِّفَةِ، والصِّفَةُ ههنا الموتُ، ولم يُوجَدْ. ١٨١٦ - مسألة؛ قال: (والْخَصِىُّ) لا نَعْلَمُ فى إجْزاءِ الخَصِىِّ خِلافًا، سواءٌ كان مَقْطوعًا أو مَشْلُولًا أو مَوْجُوِءًا؛ لأَنَّ ذلك نَقْصٌ لا يضُرُّ بالعَمَلِ، ولا يُؤَثِّرُ فيه، بل رُبَّما زادَت بذلِك قِيمَتُه، [وانْدَفعَ عنه] (١) ضرَرُ شَهْوَتِه، فأجْزأَ، كالفَحْلِ. ١٨١٧ - مسألة؛ قال: (وَوَلَدُ الزِّنَى) هذا قولُ لأكثرِ أهلِ العِلْمِ، رُوِىَ ذلك فى فَضالَةَ بنِ عُبَيْدٍ، وأبى هُرَيْرَةَ. وبه قال ابنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وطاوُسٌ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن عَطاءٍ، والشَّعَبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والأَوْزَاعِىِّ، وحَمَّادٍ، أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَوَى عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه (١) قال: "وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ". قال أبو هُرَيْرَةَ: لأَنْ أُمَتِّعَ (٢) بسَوْطٍ فى سبيلِ اللَّهِ، أحَبُّ إلَىَّ مِنْه. روَاه أبو داود (٣). ولَنا، دُخُولُه فى مُطْلَقِ قولِه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤). ولأنَّه مملوكٌ مسلمٌ كامِلُ العَمَلِ، لم يَعْتَضْ عن شىءٍ منه، ولا اسْتَحقَّ عِتْقَه بسبَبٍ آخَرَ، فأَجْزَأَ عِتْقُه، كولَدِ الرَّشْدَةِ (٥). فأمَّا الأحاديثُ الوارِدَةُ فى ذَمِّه، فاخْتَلَفَ أهلُ العِلْمِ فى تَفْسيرِها؛ فقال الطَّحاوِىُّ (٦): وَلَدُ
следующие страницы →