← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

وعَزَمَ (٨) على رَدِّ العَشَرَةِ، أو رَدَّ العَشَرَةَ قبلَ العِتْقِ، وأعْتَقَه (٩) عن كَفَّارَتِه (١٠)، أَجْزَأَه. فصل: وإذا اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوِى إعْتاقَه عن كَفَّارَتِه، فوَجَدَ به عَيْبًا لا يَمْنَع من الإِجْزاءِ فى الكَفَّارَةِ، فأَخَذَ أرْشَه، ثم أعْتَقَ العبدَ عن (١١) كَفّارَتِه، أَجْزَأَه، وكان الأَرْشُ له؛ لأَنَّ العِتْقَ إنَّما وَقَعَ على العبدِ الْمَعِيبِ دُونَ الأَرْشِ. وإِنْ أَعْتَقَه قبلَ العِلْمِ بالعَيْبِ، ثم ظَهَرَ على العَيْبِ، فأَخذَ أَرْشَه، فهو له أيضًا، كما لو أخَذَه قبلَ إعْتاقِه. وعنه، أنَّه يصْرِفُ ذلك (١٢) الأَرْشَ فى الرِّقابِ؛ لأنَّه أعْتَقَه مُعْتَقِدًا أنَّه سَلِيمٌ، فكان بمَنْزِلَةِ العِوَض عن حَقِّ اللَّهِ تعالَى، فكان (١٣) الأَرْشُ مَصْرُوفًا (١٤) فى حَقِّ اللَّه تعالى، كما لو باعَهُ كان الأَرْشُ للمُشْتَرِى. وإِنْ عَلِمَ العَيْبَ، ولم يأْخُذْ أرْشَه حتى أعْتَقَه، كان الأَرْشُ للمُعْتِقِ؛ لأنَّه أَعْتَقَه مَعِيبًا عالِمًا بعَيْبِه، فلم يلزَمْهُ أَرْشٌ (١٥)، كما لو باعَه لمن (١٦) يعْلَمُ عَيْبَه. ١٨١٢ - مسألة؛ قال: (ولَوِ (١) اشْتَرَى بَعْضَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهُ، يَنْوِى بِشِرَائِهِ الْكَفَّارَةَ، عَتَقَ، ولَمْ يُجْزِئْهُ) وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يُجْزِئُه اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه يُجْزِئُ عن كفَّارَةِ البائِعِ، فأجْزَأ عن كَفَّارَةِ المُشْتَرِى، كغيرِه. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢). والتَّحْرِيرُ فِعْلُ العِتْقِ، ولم يحْصُلِ العِتْقُ ههُنا بتَحْريرٍ منه، ولا

стр. 7212

إعْتاقٍ، فلم يكُنْ مُمْتَثِلًا للأَمْرِ (٣)، ولأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، فلم يُجْزِئْه، كما لو وَرِثَه يَنْوِى به العِتْقَ عن كَفَّارَتِه، أو كأُمِّ (٤) الوَلَدِ، ويُخالِفُ المُشْترِى البائِعَ من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أَنَّ البائِعَ يَعْتِقُه والمُشْتَرِىَ لم يَعْتِقْه، إنَّما يَعْتِقُ بإعْتاقِ الشَّرْعِ، فهو (٥) عن غيرِ اخْتيارٍ منه. والثانى، أَنَّ البائِعَ لا يسْتَحِقُّ عليه إعْتاقَه، والمُشْتَرِىَ بخِلافِه. فصل: إذا مَلَكَ نصفَ عبدٍ، فأعْتَقَه غن كَفَّارَتِه، عَتَقَ، وسَرَى إلى باقيهِ إِنْ كان مُوسِرًا بقِيمَةِ باقِيه، ولم يُجْزِئْه عن كَفّارَتِه، فى قولِ أبى بكرٍ الخَلَّالِ (٦)، وصاحبِه، وحَكاه عن أحمدَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ عِتْقَ نَصِيبِ شَرِيكِه لم يحْصُلْ بإعْتاقِه، إنَّما حصَلَ بالسِّرايَةِ، وهى غيرُ فِعْلِه، وإنَّما هى من آثارِ فِعْلِه، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى مَن يَعْتِقُ عليه يَنْوِى به الكَفّارَةَ، يُحقِّقُ هذا، أنَّه لم يُباشِرْ بالإعْتاقِ إِلَّا نَصِيبَه، فسَرَى إلى غيرِه، ولو خَصَّ نَصِيبَ غيرِه بالإِعْتاقِ، لم يَعْتِقْ منه شىءٌ، ولأنَّه إنَّما يَمْلِكُ (٧) إعْتاقَ نَصِيبِه، لا نَصِيبَ غيرِه. وقال القاضى: قال غيرُهما من أصحابِنا: يُجْزِئُه إذا نَوَى إعْتاقَ جَمِيعِه عن كَفَّارَتِه. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه أعْتَقَ عَبْدًا كامِلَ الرِّقِّ، سليمَ الخَلْقِ، غيرَ مُسْتَحِقِّ العِتْق، ناوِيًا به الكَفَّارَةَ، فأَجْزَأَه، كما لو كان الجميعُ مِلْكَه. والأوّلُ أصَحُّ، إِنْ شاءَ اللَّه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه أعْتَقَ العبدَ كلَّه، وإنَّما أعتَقَ نِصْفَه، وعَتَقَ الباقِى عليه، فأشْبَهَ شِراءَ قَرِيبِه، ولأن إعْتاقَ باقِيه مُسْتَحَقٌّ بالسِّرايَةِ، فهو كالقريبِ، فعلى هذا: هل يُجْزِئُه عِتْقُ نصفِه الذى هو مِلْكُه، ويَعْتِقُ نصْفًا آخَرَ، فتكْمُلُ الكَفَّارَةُ؟ يَنْبَنِى على ما إذا أعْتَقَ نِصْفَىْ عَبْدَيْن، وسَنَذْكُرُه إِنْ شاءَ اللَّه تعالى. وإِنْ نَوَى عِتْقَ نَصِيبه عن الكَفَّارَةِ، ولم يَنْوِ ذلك فى نَصِيبِ شَريكِه، لم يُجْزِئْه نَصِيبُ شريكِه، وفى نَصِيبِ (٨) نفسِه ما سَنَذْكُرُه، إِنْ شاءَ اللَّه تعالى. ولو كان مُعْسِرًا، فأعْتقَ نَصِيبَه عن كفَّارَتِه، فكذلك، فإنْ مَلَكَ باقِيَه،

стр. 7213

فأعْتَقَه عن الكَفَّارَةِ، أَجْزَأَه ذلك، وإِنْ أرادَ صِيامَ شهرٍ، وإطعامَ ثلاثين مِسْكِينًا، لم يُجْزِئْه، كما لو أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ فى كَفَّارَةِ اليَمِينِ، وأطْعَمَ خَمْسَةَ مَساكينَ أو كساهُم، لم يُجْزِئْه. فصل: وإِنْ كان العَبْدُ كلُّه له، فأعْتَقَ جُزْءًا منه مُعَيَّنًا، أو مُشاعًا، عَتَقَ جميعُه. فإنْ كان نَوَى به الكَفَّارَةَ، أجْزَأَ عنه؛ لأنَّ إعْتاقَ بعض العَبْدِ إعْتاقٌ لجميعِه، وإِنْ نَوَى إعْتاقَ الجُزْءِ الذى باشَر بالإعْتاقِ عن الكَفَّارَةِ دونَ غَيْرِه، لم يُجْزِئْه عِتْقُ غيرِه. وهل يُحْتَسَبُ بما نَوَى به الكَفَّارَةَ؟ على وَجْهَيْن. فصل: وإذا (٩) قال: إِنْ مَلَكْتُ فُلانًا، فهو حُرٌّ. وقُلْنا: يَصِحُّ هذا التَّعْلِيقُ. فاشْتراهُ يَنْوِى العِتْقَ عن كَفَّارَتِه، عَتَقَ، ولم يُجْزِئْه عن الكَفَّارَةِ، ويُخَرَّجُ فيه من الخلافِ مثلُ ما فى شراءِ قَرِيبِه. واللَّهُ أعلمُ. ١٨١٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا تُجْزِئُ فِى الْكَفَّارَةِ أُمُّ وَلَدٍ) هذا ظاهِرُ المذهبِ. وبه قال الأَوزاعِىُّ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أَحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تُجْزِئُ. ويُرْوَى ذلك عن الحسنِ، وطاوُسٍ، والنَّخَعِىِّ، وعثمانَ الْبَتِّىِّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١). ومُعْتِقُها قد حَرَّرَها. ولَنا، أَنَّ عِتْقَها يُسْتَحَقُّ بسبَبٍ آخَرَ، فلم تُجْزِئُ عنه، كما لو اشْتَرَى قَرِيبَه، أو عَبْدًا بشَرْطِ العِتْقِ فأَعْتَقَه، وكما لو قال لعَبْدِه: أنتَ حُرٌّ إِنْ أُدْخِلْتَ الدَّارَ. ثم نَوَى عِتْقَه عن كَفَّارَتِه عندَ دُخولِه. والآية مُخصوصَةٌ بما ذكرْناه، فنَقِيسُ عليه ما اخْتَلَفْنا فيه. فصل: ووَلَدُ (٢) أمِّ الوَلَدِ الذى وَلَدَتْه بعدَ كَوْنِها أُمَّ وَلَدٍ، حُكْمُه حُكْمُها فيما ذكرْناه؛ لأنَّ حُكْمَه حُكمُها فى العِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدها.

стр. 7214

١٨١٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا مُكَاتَبٌ قَدْ أدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا) رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، فى المُكاتَب ثلاثُ رواياتٍ، إحْداهُنَّ، يُجْزِئُ مُطْلقًا. اخْتارَهُ أبو بكرٍ. وهو مذْهَبُ أبى ثَوْرٍ، لأَنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ يجوزُ بَيْعُه، فأجْزَأَ عِتْقُه، كالمُدبَّرِ، ولأنَّه رَقَبَةٌ، فتدْخُلُ (١) فى مطلقِ قولِه سبحانَه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢). والثانِيَةُ، لا يُجْزِئُ مُطْلَقًا. وهو قولُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسبَبٍ آخَرَ، ولهذا لا يَمْلِكُ إبْطالَ كِتابَتِه، فأشْبَهَ أُمَّ الوَلَدِ. والثالثةُ، إِنْ أدَّى مِن كتابَتِه شيئًا لم يُجْزِئْه، وإلَّا أَجْزَأَه. وبهذا قال اللَّيْثُ، والأَوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ. قال القاضِى: هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه إذا أدَّى شيئًا فقد حصلَ العِوَضُ عن بَعْضِه، فلم يُجْزِئُ، كما لو أعْتَقَ بعضَ رَقَبَةٍ، وإذا لم يُود، فقد أعْتَقَ رقبةً كامِلَةً مُؤمِنَةً سالِمَةَ الخلقِ تامَّةَ المِلْكِ، لم يَحْصُلْ عن شىءٍ منها عِوَضٌ، فأَجزَأ عِتْقُها، كالمُدَبَّرِ. ولو أعْتَقَ عبدًا على مالٍ، يأْخُذُه (٣) من العبدِ، لم يُجْزِئُ عن كفَّارَتِه، فى قولِهم جميعًا. ١٨١٥ - مسألة؛ قال: (وَيُجْزِئُ (١) المُدَبَّرُ) وهذا قولُ طاوُسٍ، والشافعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال [مالكٌ، و] (٢) الأوْزَاعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسبَبٍ آخَرَ، فأشْبَهَ أمَّ الوَلَدِ، [ولأنَّ بَيْعَه عندَهم غيرُ (٣) جائِزٍ، فأشْبَهَ أُمَّ الولد] (٤). ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٥). وقد حرَّرَ رقَبَةً، ولأنَّهُ عَبْدٌ كامِلُ المَنْفَعَةِ، يجوزُ بَيْعُه، ولم يحْصُلْ عن شىءٍ منه عِوَضٌ، فجازَ عِتْقُه، كالْقِنِّ، والدليلُ على جَوازِ بَيْعِه، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ باعَ

стр. 7215

مُدَبَّرًا (٦). وسَنَذْكُرُ حَدِيثَه فى بابِه، إِنْ شاءَ اللَّهُ تعالى، ولأنَّ التدْبِيرَ إمَّا أَنْ يكونَ وَصِيَّةً، أو عِتْقًا بصِفَةٍ، وأيًّا مّا كان، فلا يُمْنَعُ التَّكْفِيرُ بإعتاقِه قبلَ وُجودِ الصِّفَةِ، والصِّفَةُ ههنا الموتُ، ولم يُوجَدْ. ١٨١٦ - مسألة؛ قال: (والْخَصِىُّ) لا نَعْلَمُ فى إجْزاءِ الخَصِىِّ خِلافًا، سواءٌ كان مَقْطوعًا أو مَشْلُولًا أو مَوْجُوِءًا؛ لأَنَّ ذلك نَقْصٌ لا يضُرُّ بالعَمَلِ، ولا يُؤَثِّرُ فيه، بل رُبَّما زادَت بذلِك قِيمَتُه، [وانْدَفعَ عنه] (١) ضرَرُ شَهْوَتِه، فأجْزأَ، كالفَحْلِ. ١٨١٧ - مسألة؛ قال: (وَوَلَدُ الزِّنَى) هذا قولُ لأكثرِ أهلِ العِلْمِ، رُوِىَ ذلك فى فَضالَةَ بنِ عُبَيْدٍ، وأبى هُرَيْرَةَ. وبه قال ابنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وطاوُسٌ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن عَطاءٍ، والشَّعَبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والأَوْزَاعِىِّ، وحَمَّادٍ، أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَوَى عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه (١) قال: "وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ". قال أبو هُرَيْرَةَ: لأَنْ أُمَتِّعَ (٢) بسَوْطٍ فى سبيلِ اللَّهِ، أحَبُّ إلَىَّ مِنْه. روَاه أبو داود (٣). ولَنا، دُخُولُه فى مُطْلَقِ قولِه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤). ولأنَّه مملوكٌ مسلمٌ كامِلُ العَمَلِ، لم يَعْتَضْ عن شىءٍ منه، ولا اسْتَحقَّ عِتْقَه بسبَبٍ آخَرَ، فأَجْزَأَ عِتْقُه، كولَدِ الرَّشْدَةِ (٥). فأمَّا الأحاديثُ الوارِدَةُ فى ذَمِّه، فاخْتَلَفَ أهلُ العِلْمِ فى تَفْسيرِها؛ فقال الطَّحاوِىُّ (٦): وَلَدُ

стр. 7216

الزِّنَى هو الملازِمُ للزِّنَى، كما يقالُ: ابنُ السبِيلِ المُلازِمُ لها، ووَلَدُ اللَّيْلِ الذى لا يَهابُ [السَّيْرَ فيه] (٧). وقال الخَطَّابِىُّ (٨)، عن بعضِ أهل العلمِ، قال: هو شَرُّ الثلَاثةِ أصْلًا وعُنْصُرًا ونَسَبًا؛ لأنَّه خُلِقَ من ماءِ الزِّنَى، وهو خَبِيثٌ. وأنكرَ قَوْمٌ هذا التَّفْسِيرَ، وقالُوا: ليس عليه مِنْ وِزْرِ والِدَيْه شىءٌ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٩). وفى الجملَةِ، هذا يرْجِعُ إلى أحْكامِ الآخِرَةِ، أمَّا أحْكامُ الدُّنْيا، فهو كغيرِه، فى صِحَّةِ إمامَتِه، وبَيْعِه، وعِتْقِه، وقبولِ شهادَتِه، فكذلك فى إجْزاءِ عِتْقِه عن الكَفَّارَةِ؛ لأنَّه من أحْكامَ الدُّنْيا. ١٨١٨ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ هذِهِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدًا، أَجْزَأَه صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ) يعنى إِنْ لم يَجِدْ إطْعامًا (١)، ولا كِسْوَةً، ولا عِتْقًا، انتقَل إلى صِيَامِ ثلاثَةِ أيَّامٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٢). وهذا لا خِلافَ فيه، إِلَّا فى اشْتراطِ التَّتابُعِ فى الصَّوْمِ، وظاهِرُ المذهبِ اشْتِراطُه، كذلك قال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ (٣) ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه (٤). وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ. وحَكَى ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ، رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يجوزُ تَفْرِيقُها. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْه؛ لأنَّ الأَمْرَ بالصَّوْمِ مُطْلَقٌ، فلا يجُوزُ تَقْيِيدُه إِلَّا بدليلٍ، ولأنّه [صِيامُ أيَّامٍ ثلاثةٍ] (٥)، فلم يجِبِ التَّتابُعُ

стр. 7217

فيه، كصِيَامِ المُتَمَتِّعِ ثلاثةَ أيامٍ فى الحجِّ. ولَنا، أَنَّ فى قِراءَةِ أُبَىٍّ، وعبدِ اللَّه بنِ مَسْعودٍ: "فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ مُتَتَابِعاتٍ". كذلك ذَكَرَهُ الإِمامُ أحمدُ، فى "التفسيرِ" عن جماعَةٍ، وهذا إِنْ كان قُرآنًا، فهو حجَّةٌ؛ لأنَّه كلامُ اللَّه الذى لا يَأتِيهِ الباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِه، وإِنْ لم يكُنْ قُرَآنًا، فهو رِوايَةٌ عن النَّبِىِّ ﷺ ، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يكونَا (٦) سَمِعاه من النَّبِىِّ ﷺ تفسيرًا فظنَّاه قُرآنًا، فثَبَتَتْ له رُتْبَةُ الخَبَرِ، ولا ينْقُصُ عن دَرَجَةِ تفسيرِ النَّبِىِّ ﷺ للآيَةِ، وعلى كِلا التَّقْدِيرَيْن، فهو حُجَّةٌ، [يجبُ المَصِيرُ] (٧) إليه، ولأنَّه صِيامٌ فى كَفَّارَةٍ، فوجَبَ فيه التَّتابعُ، ككَفَّارَةِ القَتْل والظِّهارِ، والمُطْلَقُ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ، على ما قَرَّرْنَاه فيما مَضَى. فعلَى هذا، إِنْ افطَرَتِ المرأةُ لمرَضٍ أو حَيْضٍ، أو الرجُلُ للمرَضِ (٨)، لم ينقَطِعِ التَّتابعُ. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وإسحاقُ. وقال أبو حنِيفةَ: ينقطعُ فيهما؛ لأنَّ التَّتابُعَ لم يُوجَدْ، وفواتُ الشَّرْطِ يَبْطُلُ به المَشْروطُ. وقال الشافِعِىُّ: ينْقَطِعُ فى المرَضِ، فى أحَدِ القَوْلَيْن، ولا يَنْقَطِعُ فى الحَيْضِ. ولَنا، أنَّه عُذْرٌ يُبِيحُ الفِطْرَ، أشْبَهَ الحَيْضَ فى كَفَّارَةِ القَتْلِ. ١٨١٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ كَانَ الْحَانِثُ عَبْدًا، لَمْ يُكَفِّرْ بِغيْرِ الصِّيامِ (١)) لا خلافَ فى أَنَّ العَبْدَ يُجْزِئُه الصِّيامُ فى الكَفَّارَةِ؛ لأنَّ ذلك فَرْضُ المُعْسِرِ من الأحْرارِ، وهو أحْسَنُ حالًا من العَبْدِ، فإنَّه يَمْلِكُ فى الجُمْلَةِ، ولأنَّ العَبْدَ داخِلٌ فى قولِه تَعالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٢). وإِنْ أذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِه فى التَّكْفِيرِ بالمالِ، لم يَلْزَمْه؛ لانَّه ليس بمالِكٍ لِمَا أُذِنَ له فيه. وظاهِرُ كلاِم الْخِرَقِىِّ، أنَّه لا يُجْزِئُه التَّكْفيرُ بغيرِ الصِّيامِ. وقال (٣) غيرُه من أصحابِنا، فيما إذا (٤) أَذِنَ له سَيِّدُه فى التَّكْفِيرِ

стр. 7218

بالمالِ، روايتان؛ إحداهُما، يجوزُ تَكْفِيرُه به (٥). والأُخْرَى، لا يجوزُ إِلَّا بالصِّيامِ. وقد ذَكَرنا عِلَلَ ذلك فى الظِّهارِ، والاخْتِلافَ فيه (٦). وذكرَ القاضِى، أَنَّ أصْلَ هذا عندَه الرِّوايتان فى مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْليكِ، إِنْ قُلْنا: يَمْلِكُ بالتَّمْليكِ. فمَلَّكه سيِّدُه، وأَذِنَ له بالتَّكْفيرِ بالمالِ، جازَ؛ لأنَّه مالِكٌ لما يُكَفِّرُ به، وإِنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ. ففَرْضُه الصِّيامُ؛ لأنَّه (٧) لا يَمْلِكُ شيئًا يُكفِّرُ به. وكذلك إِنْ قُلْنا: يَمْلِكُ. ولم يأذَنْ له سَيِّدُه [فى التَّكْفِيرِ بالمالِ] (٨)، ففَرْضُه الصيامُ، وإِنْ مَلَكَ؛ لأنَّه محجورٌ عليه، مَمْنُوع من التَّصَرُّفِ فيما فى يَدَيْه. قال: وأصحابُنا يجْعلون فى العَبْدِ رِوايَتَيْن مُطْلقًا، سواء قُلْتا: يَمْلِكُ. أو لا يملكُ. ثم على الرِّوايَةِ التى تُجِيزُ له التَّكْفِيرَ بالمالِ، له أَنْ يُطْعِمَ، وهل له أَنْ يعتِقَ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ العِتْقَ يَقْتَضِى الوَلاءَ والوِلايَةَ والإرْثَ، وليس ذلك للعَبْدِ، ولكن يُكَفِّرُ بالإطْعامِ. وهذا روايَةٌ عن مالِكٍ. وبه قال الشافِعِىُّ، على القولِ الذى يُجِيزُ له التَّكْفيرَ بالمالِ. والْثانية، له التَّكْفِيرُ بالعِتْقِ؛ لأنّ مَنْ صَحَّ تَكْفِيرُه بالمالِ، صَحَّ بالعِتْقِ، كالحُرِّ، ولأنَّه يَمْلِكُ العَبْدَ، فصَحَّ تَكْفيرُه بإعْتاقِه، كالحُرِّ. وقولُهم: إِنَّ العِتْقَ يَقْتَضِى الولاءَ والوِلايَةَ. لا نُسَلِّمُ ذلك فى العِتْقِ فى الكَفَّارَةِ، على ما أسْلَفْناه، وإِنْ سَلَّمْنا، فتخَلُّفُ بعض الأحْكامِ لا يَمْنَعُ ثُبوتَ المُقْتَضِى، فإِنَّ الحُكْمَ يتخَلَّفُ لتَخَلُّفِ (٩) سَبَبِه، لا لِتخَلُّفِ أحْكامِه، كما أنَّه يثْبُتُ لوُجودِ سَبَبِه، ولأنَّ تخَلُّفَ بعْض الأحْكامِ مع وجودِ المُقْتَضِى، إنَّما يكونُ لمانِع مَنَعَها، ويجوزُ أنْ يخْتَصَّ المنعُ بها دونَ غيرِها، ولهذا السَّببَ المُقْتَضِى لهذه الأحْكامِ لا يَمْنَعُ ثُبوتُه تَخَلُّفَها عنه فى الرَّقِيقِ، على أَنَّ الوَلاءَ يثْبُتُ بإعْتاقِ العَبْدِ، لكن لا يرِثُ به، كما لو اخْتَلفَ دِينَاهُما. وهذا اخْتيارُ أبى بَكْرٍ، وفرَّعَ عليه إذا أذِنَ له سَيِّدُه فأعْتَق نَفْسَه، ففيه قَوْلان؛ أحدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه (١٠) رَقَبةٌ تُجْزِئُ عن غيرِه، فأَجْزَأَتْ عن نَفسِه كغيرِه. والآخَرُ، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ الإِذْنَ له فى الإعْتاق ينْصَرِفُ إلى

стр. 7219

إعْتاقِ غيرِه. وهذا التَّعْلِيلُ يدُل على أَنَّ سَيِّدَه لو (١١) أذِنَ له فى إعْتاقِ نَفْسِه عن كَفَّارَتِه، جازَ، فأمَّا إِنْ أطلقَ الإِذْنَ فى الإِعْتاقِ، فليس له أَنْ يَعْتِقَ إِلَّا أقلَّ رَقَبَةٍ تُجْزِئُ عن الواجِبِ، وليس له إعْتاقُ نَفْسِه إذا كانَتْ أفضلَ مما يُجْزِئُ. وهذا من أبى بَكْرٍ يَقْتَضِى أنَّه لا يعْتَبِرُ فى التَّكْفيرِ أَنْ يُمَلِّكَهُ سَيِّدُه ما يُكَفِّرُ به؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ نفْسَه، بل متى أذِنَ له فى التَّكْفِيرِ بالإِعْتاقِ (١٢) أو الإِطعامِ، أَجْزَأَه؛ لأنَّه لو اعْتَبَرَ التَّمْليكَ، لَما صَحَّ له أَنْ يَعْتِقَ نَفْسَه، لأنَّه لا يَمْلِكُها، ولأنَّ التَّمْلِيكَ لا يكونُ إِلَّا فى مُعَيَّنٍ، فلا يصِحُّ أَنْ (١٣) يأذنَ فيه مُطْلَقًا. فصل: وإذا أعْتَقَ العبدُ عَبْدًا عن كَفَّارَتِه، بإذْنِ سَيِّدِه، وقُلْنا: إِنَّ الإِعْتاقَ فى الكفَّارَةِ يثْبُتُ به الوَلاءُ لمُعتِقِه. ثَبَتَ وَلاؤُه للعَبْدِ الذى أَعْتَقَه؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إنّما الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ" (١٤). ولا يَرِثُ؛ لأنَّه ليس من أهلِ الميراثِ، ولا يمْتَنِعُ (١٥) ثُبوتُ الوَلاءِ مع انْتفِاءِ الإِرْثِ، كما لو اخْتَلفَ دِينُهما، أو قتلَ المُعْتِقُ عَتِيقَه؛ فإنَّه لا يَرِثُه مع ثُبوتِ الوَلاءِ له (١٦) عليه. فإنْ عَتَقَ المُعْتِقُ (١٧)، وَرِثَ بالولاءِ؛ لزَوالِ المانِعِ، كما إذا كانا مُخْتَلِفَىِ الدِّين، فأسْلَمَ الكافِرُ منهما. ذكرَ هذا طلحَةُ العَاقُولِىّ. ومُقْتَضَى هذا أَنَّ سَيِّدَ العَبْدِ لا يَرِثُ عَتِيقَه فى حَياةِ عَبْدِه، كما لا يَرِثُ ولَدَ عَبْدِه، فإنْ أعتقَ عبدَهُ، ثم مات، ورِثَ السَّيِّدُ مَوْلَى عَبْدِه؛ لأنّه مَوْلَى مَوْلاه، كما أنَّه لو أعْتَقَ العبدَ، وله ولَدٌ عليه الولاءُ لمَوْلَى أُمِّه لَجَرَّ (١٨) وَلَاءَه، ويَرِثُه سَيِّدُه إذا ماتَ أَبُوه. فصل: وليس للسَّيِّدِ منعُ عَبْدِه من التَّكْفيرِ بالصِّيامِ، سواءٌ كان الحَلِفُ أو الحِنْثُ بإذْنِه أو بغيرِ إذْنِه، وسواء أضَرَّ به الصِّيامُ أو لم يَضُرَّ به. وقال الشافِعِىُّ: إِنْ حَنِثَ بغيرِ

стр. 7220

إذْنِه، والصَّوْمُ يضرُّ به، فله مَنْعُه؛ ولأنَّ السَّيِّدَ لم يأْذَنْ له فيما أَلْزَمَه نَفْسَه، ممَّا يَتَعَلَّقُ به ضَرَرٌ على السَّيِّدِ، فكان به مَنْعُه وتَحْلِيلُه، كما لو أَحْرَمَ بالحجِّ بغيرِ إذْنِه. ولَنا، أَنَّه صومٌ واجِبٌ لحَقِّ اللَّه تعالى، فلم يكُنْ لسَيِّدِه مَنْعُه منه، كصيامِ رمضانَ وقَضائِه، ويُفارِقُ الحجَّ؛ لأَنَّ ضَرَرَهُ كثيرٌ، لطُولِ مُدَّتِه، وغَيْبَتِه عن سَيِّدِه، وتَفْويتِ خِدْمَتِه، ولهذا مَلَكَ تحليلَ زَوْجَتِه منه، ولم يَمْلِكْ مَنْعَها صَوْمَ الكَفَّارَةِ. فأمَّا صومُ التَّطَوُّعِ، فإن كان فيه ضَرَرٌ عليه، فللسَّيِّدِ مَنْعُه منه؛ لأَنَّه يُفَوِّتُ حَقَّه بما ليس بواجِبٍ عليه، وإِنْ كان لا يَضُرُّ به، لم يكُنْ لسَيِّدِه مَنْعُه منه (١٩)؛ لأنَّه يَعْبُدُ رَبَّه بما لامَضَرَّةَ فيه، فأشْبَهَ ذِكْرَ اللَّه تعالَى، وصلاةَ النَّافِلةِ فى غيرِ وَقْتِ خِدْمَتِه، وللزَّوْجِ منعُ زَوْجَتِه منه فى كُلِّ حالٍ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّه من الاسْتِمْتاعِ، ويَمْنَعُه منه. ١٨٢٠ - مسألة؛ قال: (وَلَو حَنِثَ وهُوَ عَبْدٌ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ (١)، فعَلَيْهِ الصَّوْمُ، لا يُجْزِئُه غَيْرُهُ) ظاهِرُ هذا أَنَّ الاعْتبارَ فى الكَفَّارَاتِ بحالَةِ الحِنْثِ؛ لأنَّه وَقْتُ الوُجوبِ، وهو حِينَئِدٍ عَبْدٌ، فوَجَبَ عليه الصَّوْمُ، فلا يُجْزِئُه غيرُ ما وَجَبَ عليه. وقال القاضى: هذا فيه نَظَرٌ؛ فإِنَّ المنصوصَ أنَّه يُكَفِّرُ كفَّارَةَ عَبْدٍ؛ لأنَّه إنَّما يُكَفِّرُ ما (٢) وَجَبَ عليه يومَ حَنِثَ، ومَعْناه أنَّه لا يَلْزَمُه التَّكْفِيرُ بالمالِ، فإنْ كَفَّرَ به أجْزَأهُ. وهذا مَنْصوصُ (٣) الشافِعِىِّ، ومِن أصحابِه مَنْ قال كَقَوْلِ (٤) الْخِرَقِىِّ، وليس على الْخِرَقِىِّ حُجَّةٌ مِن كلامِ أحمدَ، بل هو حُجَّةٌ له؛ لقولِه: إنَّما يُكفِّرُ ما وجَبَ عليه. و"إنَّما" للحَصْرِ، تُثْبِتُ المذكورَ وتَنْفِى ما عَداهُ، ولم يجِبْ عليه إِلَّا الصَّومُ، فلا يُكَفِّرُ بغَيْرِه. ووَجْهُ ذلك، أنَّه حكمٌ تعَلَّقَ بالعَبْدِ فى رِقِّهِ، فلم يَتَغَيَّر بحُرِّيَّتِه، كالحَدِّ، وهذا على القولِ الذى لم يَجُزْ فيه للعَبْدِ التَّكْفِيرُ بالمالِ بإذْنِ

стр. 7221

سَيِّدِه، فأمَّا على القولِ الآخَرِ، فله التَّكْفيرُ به (٥) ههنا بطريقِ الأوْلَى؛ لأنَّه إذا جازَ له فى حالِ رِقِّه التَّكْفيرُ بالمالِ، ففى حالِ حُرِّيَّتِه أوْلَى، وإنما احْتاجَ إلى إذْنِ سَيِّدِه فى حالِ رِقِّه؛ لأنَّ المالَ لسَيِّدِه، أو لتَعَلُّق حَقِّه بمالِه، وبعدَ الحُرِّيَّةِ قد زالَ ذلك، فلا حاجَةَ إلى إذْنِه. وإِنْ قُلْنا: التَّكْفيرُ بأغلَظِ الأَحْوالِ. لم يكُنْ له التَّكْفيرُ بغيرِ المالِ إِنْ كان مُوسِرًا. وإِنْ حَلَفَ عَبْدٌ، وحَنِثَ وهو حُرٌّ، فحُكْمُه حكمُ الأحْرارِ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَجِبُ قبلَ الحِنْثِ، فما وَجَبَتْ إِلَّا وهو حُرٌّ. فصل: مَنْ نِصْفُه حُرٌّ، حُكْمُه فى التَّكْفيرِ حُكْمُ الحُرِّ الكامِلِ، فإذا مَلَكَ بجُزْئِهِ الحُرِّ مالًا يُكَفِّرُ به، لم يَجُزْ له الصِّيامُ، وله التَّكْفيرُ بأحَدِ الأمورِ الثلاثَةِ. وظاهِرُ مذهبِ الشافِعِىِّ، أَنَّ له التَّكفيرَ بالإِطْعامِ والكِسْوةِ دونَ الإِعْتاقِ؛ لأنَّه لا يثْبُتُ له الوَلاءُ. ومنهم من قال: لا يُجْزِئُه إلَّا الصيامُ؛ لأنَّه مَنْقُوصٌ بالرِّقِّ، أشْبَهَ الْقِنَّ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٦). وهذا واجِدٌ؛ لأنَّه يَمْلِكُ مِلْكًا تَامًّا، فأشْبَهَ الحُرَّ الكامِلَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يثْبُتُ له الوَلاءُ، ثم إِنَّ امْتِناعَ بعض أحْكامِه، لا يَمْنَعُ صِحَّتَه، كعِتْقِ المُسْلمِ رَقِيقَه الكافِرَ. ١٨٢١ - مسألة؛ قال: (ويُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ مَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ وقُوتِ عِيَالِهِ، يَوْمَهُ ولَيلَتَهُ، مِقْدارُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ) وجملةُ ذلك، أَنَّ كَفَّارَةَ اليَمِينِ تجْمَعُ تخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا، فيتخَيَّرُ بينَ الخِصالِ الثَّلاثِ، فإنْ لم يَجِدْها انتقَلَ إلى صيامِ ثلَاثةِ أيامٍ، ويُعْتَبَرُ أَنْ لا يَجِدَ (١) فاضِلًا عن قُوتِه وقُوتِ عِيالِه، يومَه وليلَتَه، قَدْرًا يُكَفِّرُ به. وهذا قولُ إسْحقَ. ونحوَه قال أبو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقال الشافِعِىُّ: مَنْ جازَ له الأخْذُ من الزَّكاةِ لحاجَتِه وفَقْرِه، أجْزَأَهُ الصِّيامُ؛ لأنَّه فقيرٌ. وعن (٢) النَّخَعِىِّ (٣): إذا كان مالِكًا لعشرين دِرْهمًا، فله الصِّيامُ. وقال عَطاءٌ

стр. 7222

الخُراسَانِىُّ: لا يصومُ مَنْ مَلَكَ عشرين (٤)، ولِمن يَمْلِكُ (٥) دُونَها الصيامُ. وقال سعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ: إذا لم يَمْلِكْ إِلَّا ثلاثَةَ دَراهِمَ، كَفَّرَ بها. وقال الحسنُ: دِرْهَمَيْن. وهذان القَوْلانِ نحوُ قَوْلِنا. ووَجْهُ ذلك، أَنَّ اللَّه تعالى اشْتَرَطَ للصِّيامِ أَنْ لا يَجِدَ، بِقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٦). ومَنْ وَجَدَ ما يَكْفِيه (٧) فاضِلًا عن قُوتِه وقُوتِ عيالِه، فهو واجِدٌ، فيَلْزَمُه (٨) التَّكْفيرُ بالمالِ، لظاهِرِ الآيَةِ، ولأنَّه حَقٌّ لا (٩) يزيدُ بزيادَةِ المالِ، فاعْتُبِرَ فيه الفاضِلُ عن قُوتِه وقُوتِ عِيالِه، يومَه ولَيْلَتَه، كصَدَقَةِ الفِطْر. فصل: فإن (١٠) مَلَكَ ما يُكَفِّرُ به، وعليه دَيْنٌ مثلُه، هو مُطالَبٌ به، فلا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ (١١)، والكَفَّارَةُ حَق للَّه تعالى، فإذا كان مُطالَبًا بالدَّيْنِ، وَجَبَ تَقْدِيمُه، كزكَاةِ الفِطر، فإنْ لم يكُنْ مُطالبًا بالدَّيْنِ، فكلامُ أحمدَ يَقْتَضِى رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، تَجِبُ الكَفَّارَةُ؛ لأنَّه لا يُعْتَبَرُ فيها قَدْرٌ من المالِ، فلم تَسْقُطْ بالدَّيْنِ، كزكاةِ الفِطر. والثانِيَةُ، لا تَجِبُ؛ لأنَّها حَقٌّ للَّهِ تعالى، يجبُ فى المالِ، فاسْقَطَها الدَّيْنُ، كزكاةِ المالِ. وهذا أصَحُّ؛ لأنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ أَوْلَى بالتَّقْدِيمِ، لشُحِّه، وحاجَتِه إليه، وفيه نَفْعٌ للْغَرِيمِ، وتَفْرِيغُ ذِمَّةِ المَدِينِ، وحَقُّ اللَّه تعالَى مَبْنِىٌّ على المُسامَحَةِ؛ لكَرَمِه وغِناهُ، ولأنَّ الكَفَّارَةَ بالمالِ لها بدَلٌ، ودَيْنُ الآدَمِىِّ لا بَدَلَ له، ويُفارِقُ صَدَقَةَ الفِطرْ، لكَوْنِها أُجْرِيَتْ مُجْرَى النَّفَقَةِ، ولهذا يَتَحَملُها الإِنْسانُ عن غيرِه، كالزَّوْجِ عن امْرَأَته وعائِلَتِه ورَقِيقِه، ولا بَدَلَ لها، بخلافِ الكَفَّارَةِ. فصل: فإنْ كان له مالٌ غائِبٌ، أو دَيْنٌ يَرْجُو وَفاءَه، لم يُكفِّرْ بالصِّيامِ. وهذا قولُ

стр. 7223

الشافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه الصيامُ؛ لأنَّه غيرُ واجِدٍ، فأَجْزَأَهُ الصيامُ، عَمَلًا بقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. وقياسًا على المُعْسِرِ، والدَّليل على أنَّه غيرُ واجِدٍ، أَنَّ المُتَمَتِّعَ لو عَدِمَ الهَدْىَ فى مَوْضِعِه، انْتَقَلَ إلى الصِّيامِ، ولو عَدِمَ الماءَ فى موضِعِه، انْتَقَلَ إلى التَّيَمُّمِ، ولو عَدِمَ المُظاهِرُ المالَ فى مَوْضِعِه، انْتقلَ إلى الصيامِ، والانْتِقالُ فى هذه المواضِعِ مَشْروطٌ بعَدَمِ الوِجْدانِ، ولأنّه غيرُ مُتَمَكِّنٍ من التَّكْفيرِ بالمالِ، أشْبَهَ هذه الأُصولَ. ولَنا، أَنَّه حَقُّ مالٍ يجبُ على وَجْهِ الطُّهْرةِ، فلم تَمْنَعِ الغَيْبَةُ وُجوبَه، كالزِّكاةِ، ولأنَّه غيرُ مُؤَقَّتٍ، ولا ضَرَرَ فى تأْخيرِه، فلم يسْقُطْ بغَيْبَتِه، كالزَّكاةِ، وفارقَ الهَدْىَ؛ فإِنَّ له وَقْتًا يفُوتُ بالتأخيرِ، والتَّيَمُّمُ يُفْضِى تأخِيرُه إلى فَوات الصَّلاةِ، وتأْخِيرُ كَفَّارَةِ الظِّهارِ يُفْضِى إلى تَرْكِ الوَطْءِ، وفيه ضَرَرٌ، بخلافِ مَسْأَلَتِنا، ولا نُسَلِّمُ عدمَ التَّمَكُّنِ، ولهذا صَحَّ بَيْعُ الغائِبِ، مع أَنَّ التَّمَكُّنَ من التَّسْليمِ شَرْطٌ. ١٨٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ لَهُ دَارٌ لَا غِنَى لَهُ عَنْ سُكْنَاهَا، أَوْ دَابَّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا، أو خَادِمٌ يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهِ، أَجْزَأَهُ الصِّيامُ فِى الْكَفَّارَةِ) وجُمْلَتُه أَنَّ الكَفَّارَةَ إنَّما تَجبُ فيما يفْضُلُ عن حاجَتِه الأَصْلِيَّةِ، والسُّكْنَى من الْحَوائجِ الأَصْلِيَّةِ، وكذلك الدَّابَّةُ التى يحْتاجُ إلى رُكوبِها؛ لكَوْنِه لا يُطِيقُ المَشْىَ فيما يحْتاج إليه، أو لم تَجْرِ عادَتُه (١) به، وكذلك الخادِمُ الذى يحْتاجُ إلى خِدْمَتِه لكَوْنِه ممَّنْ لا يخْدُمُ نفْسَه؛ لمرَضٍ، أو كِبَرٍ، أو لم تَجْرِ عادَتُه به، فهذه الثلاثَةُ من الْحَوائجِ الأصْلِيَّةِ لا تَمْنَعُ التَّكْفيرَ بالصيامِ، [ولا الأخْذَ من الزَّكاةِ والكَفَّارَة] (٢). وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: مَنْ مَلَكَ رَقَبَةً تُجْزِئُ فى الكَفَّارَةِ، لا يُجْزِئُه الصيامُ، وإِنْ كان مُحْتاجًا إليها لخِدْمَتِه؛ لأنَّه واجِدٌ لرَقَبَةٍ يَعْتِقُها، فيَلْزَمُه (٣) ذلك؛ لقولِه تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٤). فاشْتَرَطَ للصّيامِ أَنْ لا يَجِدَها. ولَنا، أنَّها

стр. 7224

مُسْتَغْرَقَةٌ بحاجَتِه (٥) الأَصْلِيَّةِ، فلم تَمْنَعْ جَوازَ الانْتِقَالِ، كالمَسْكَنِ والمَرْكُوبِ والطَّعامِ الذى هو محتاجٌ إليه، وما ذكرُوه يبْطُلُ بالطعام المُحْتاجِ إليه، وبما إذا وجدَ الماءَ وهو مُحْتاجٌ إليه للعَطَشِ، فإنَّه لا يَمْنَعُ الانتقالَ إلى التَّيَمُّمِ، ولأنَّ وِجْدانَ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ كوِجْدانِها، ولهذا لم يَجُزْ لمنْ وجَدَ ثَمَنَها الانْتقالُ إلى الصِّيامِ، ومع هذا، لو وجدَ ثَمَنَها الذى يحْتاجُ إليه، لم يَمْنَعْه الانْتِقالَ، كذا ههُنا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إِنْ كان فى شىءٍ من ذلك فَضْلٌ عن حاجَتِه، مثل مَنْ له دارٌ كبيرَةٌ تُساوِى أكثرَ من دارِ مِثْلِه، ودابَّةٌ فوقَ دابَّةِ مِثْلِه، وخادِمٌ فوقَ خادِمِ مثلِه، يُمْكِنُ أَنْ يُحَصِّلَ به قَدْرَ ما يحْتاجُ إليه، وتفْضُلَ فضلَةٌ يُكفِّرُ بها، فإنَّه يُباعُ منه الفاضِلُ عن كِفايَتِه، أو يُباعُ الجميعُ، ويبتاعُ له قَدْرُ ما يَحْتاجُ إليه (٦)، ويُكفِّرُ بالباقِى. وإِنْ تعَذَّرَ بيعُه، أو أمْكَنَ البيعُ ولم يُمْكِنْ شِراءُ ما يحْتاجُ إليه، تُرِكَ ذلك، وكان له الانْتِقالُ إلى الصِّيام؛ لأنَّه تعَذّرَ الجَمْعُ بينَ القيامِ بحاجَتِه والتَّكْفيرِ بالمالِ، فأشْبَهَ ما لو لم يكُنْ فيه فَضْلٌ. فصل: ومَنْ له عَقارٌ يَحْتاجُ إلى أُجْرَتِه لِمُؤنَتِه أو حَوائِجِه الأَصْلِيَّةِ، أو بِضاعَةٌ يخْتَلُّ رِبْحُها المُحْتاجُ إليه (٧) بالتَّكْفِيرِ منها، أو سائِمَةٌ يحْتاجُ إلى نَمائِها حاجَةً أصْلِيَّةً، أو أثاثٌ يحْتاجُ إليه، وأشْباهُ هذا، فله التَّكْفِيرُ بالصيامِ؛ لأنَّ ذلك مُسْتَغْرَقٌ لحاجَتِه الأَصْلِيّة، فأشْبَهَ (٨) المَعْدومَ (٩). ١٨٢٣ - مسألة؛ قال: (ويُجْزِئُه إِنْ أَطْعَمَ خمْسَةَ مَساكِينَ، وكَسَا خَمْسَةً) وجملتُه أنَّه إذا أطْعمَ بعضَ المساكِينِ، كسَا الباقِينَ، بحيث يَسْتَوْفِى العَدَدَ، أَجْزَأَهُ، فى قولِ إمامِنا، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافِعِىُّ: لا يُجْزِئُ (١)؛ لقولِ اللَّه

стр. 7225

تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٢). فوَجْهُ الدَّلالَةِ من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه جَعَلَ الكفَّارَةَ أحَدَ هذه الخِصالِ الثَّلَاثَةِ، ولم يأْتِ بواحِدٍ منها. الثانى، أَنَّ اقْتِصارَه (٣) على هذه الخِصالِ الثلاثِ دليلٌ على انْحِصارِ التَّكْفيرِ فيها، وما ذَكَرْتُمُوهِ خَصْلةٌ رابِعَةٌ، ولأنَّه نوعٌ من التَّكْفِيرٍ، فلم يُجْزِئْه تَبْعيضُه، كالعِتْقِ، ولأنَّه لَفَّقَ الكَفَّارَة من نَوْعَيْن، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ نِصْف عَبْدٍ وأطْعَم خَمْسَةً أو كَساهُم. ولَنا، أنَّه أخْرَجَ من المنْصوص عليه بِعَدِّه العدَدَ الواجِبَ، فأَجْزَأَ، كما لو أخْرَجَه من جِنْسٍ واحِدٍ، ولأنَّ كُلَّ واحِدٍ من النَّوْعَيْنِ يقومُ مقامَ صاحِبِه فى جميعِ العَدَدِ، فقامَ مَقامَه فى بعضِه، كالكَفَّارَتَيْن، وكالتَّيَمُّمِ لمَّا قامَ مقامَ الماءِ فى البدَنِ كلِّهِ فى الجنابَةِ، جازَ فى بعضِه فى طَهارَةِ الحَدَث، أو (٤) فيما إذا كان بعضُ بَدَنِه صحيحًا وبعضُه جَرِيحًا، وفيما إذا وجدَ من الماءِ ما يكْفِى بعضَ بَدَنِه، ولأنَّ مَعْنَى الطعامِ والكِسْوَةِ مُتقارِبٌ، إذِ القَصْدُ (٥) منهما (٦) سَدُّ الخَلَّةِ، ودَفْعُ الحاجَةِ، وقد اسْتَوَيا فى العَدَدِ، واعتبارِ المَسْكَنَةِ فى الدفوعِ إليه، وَتَنَوُّعِهما من حيث كَوْنُهما فى الإِطْعامِ سَدُّ الْجَوعَةِ، وفى الكِسْوَةِ سَتْرُ العَوْرَةِ، لا يَمْنعُ الإِجْزاءَ فى الكفَّارة المُلفَّقَةِ منهما، كما لو كان أحَدُ الفَرِيقَيْن (٧) مُحْتاجًا إلى سَتْرِ عَوْرَتِه.، والآخرُ إلى سَدِّ جَوْعَتِه (٨)، ولأنَّه قد خَرَجَ عن عُهْدَةِ الذين أَطْعَمَهم بالإِطْعامِ، ويَخْرُجُ عن عُهْدَةِ الذين كساهم بالكِسْوَةِ، بدليلِ أنَّه لا يَلْزَمُه بالإِنْفاقِ أكثرُ من إطْعامِ مَنْ بَقِىَ، ولا كِسْوَةُ أكثرَ مِمَّنْ (٩) بَقِىَ، وإذا خرَج عن عُهْدَةِ عَشَرَة مَساكِين، وجَبَ أَنْ يُجْزِئَه، كما لو اتَّفَقَ النَّوْعُ. وأمَّا الآيَةُ، فإنَّها تَدُلُّ

стр. 7226

بمَعْناها على ما ذَكَرْناهُ، [فإنَّها دَلَّتْ عَلَى أنَّه مُخَيَّرٌ فى كُلِّ فقيرٍ بينَ أَنْ يُطْعِمَه أو يَكْسُوَه، وهذا يَقْتَضِى ما ذَكَرْناه] (١٠)، ويصيرُ كما يَتَخَيَّرُ (١١) فى الصَّيْدِ الْحَرَمِىِّ بينَ أَنْ يَفْدِيَه بالنَّظِيرِ، أو يُقَوِّمَ النَّظِيرَ بدَراهِمَ، فيَشْتَرِىَ بها (١٢) طعامًا يَتَصَدَّقُ به، أو يصومَ عن كُلِّ مُدٍّ يومًا، فلو صامَ عن بعضِ الأمْدادِ، وأطْعَمَ بعضًا، [جاز، كذا] (١٣) ههُنا. وكذلك الدِّيَةُ، لمَّا كان مُخَيَّرًا بينَ إخْراجِ ألف دينارٍ، أو اثْنَىْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، لو أعْطَى البعضَ ذهبًا، والبَعْضَ دراهمَ، جازَ. وفارقَ ما إذا أعْتَقَ نصفَ عَبْدٍ، وأَطْعَمَ خمسةً أو كَسَاهم؛ [لأنَّ تنْصِيفَ العِتْقِ] (١٤) يُخِلُّ بالآخَرِ، لما سَنَذْكُرُه بعدَ هذا. فصل: وإِنْ أَطْعَمَ المسكينَ بعضَ الطَّعامِ، وكَساهُ بعضَ الكِسْوَةِ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّه ما أطْعَمَه الطَّعامَ الواجِبَ له، ولا كَساهُ الكِسْوَةَ الواجِبَةَ، فصارَ كمَنْ لم يُطْعِمْه شيئًا ولم يكْسُه. وإِنْ أطْعَمَ بعضَ المساكِينِ بُرًّا، وبعضَهم تَمْرًا، أو مِنْ جِنْسٍ آخرَ، أجْزَأَ. وقال الشافِعِىُّ: لا يُجْزِئُه. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. وقَدْ أطْعَمَهم مِنْ جِنْسِ ما يَجِبُ عليه، ولأنَّه لو كَسَا بعضَ المساكِينِ قُطْنًا، وبَعْضَهم كَتَّانًا، جازَ، مع اخْتلافِ النَّوْعِ، كذلك الإِطْعامُ. ١٨٢٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ (١) أعْتَقَ نِصْفَىْ عَبْدَيْنِ، أَوْ نِصْفَىْ أَمَتَيْنِ، أو نِصْفَ (٢) عَبْدٍ وأَمَةٍ، أَجْزَأَ عَنْهُ) قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: هذا قولُ أكْثَرِهم. يعنى أَكْثَرَ الفُقهاءِ. وقال أبو بكرٍ ابنُ جَعْفَرٍ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ من العِتْقِ تَكْمِيلُ الأَحْكامِ، ولا يحْصُلُ من إعْتاقِ نِصْفَيْن. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافِعِىِّ على ثلاثَةِ أوْجُهٍ؛ فمنهم من قال [كقَولِ الْخِرَقِىِّ، ومنهم من قالَ كقَوْلِ أبى بَكْرٍ، ومنهم مَن قال] (٣): إِنْ كانَ نِصْفُ الرَّقِيقِ حُرًّا،

стр. 7227

أجْزَأَ؛ لأنَّه يحْصُلُ تكميلُ الأحْكامِ، وإِنْ كان رَقِيقًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يحْصُلُ. ولَنا، أَنَّ الأشْقاصَ كالأشْخاصِ فيما لا يَمْنَعُ منه العَيْبُ اليَسِيرُ، دَلِيلُه الزَّكَاةُ، ونَعْنِى به إذا كان له نِصْفُ ثمانين شاةً مُشاعًا، وجَبَتِ الزَّكاةُ، كما لو مَلَكَ أرْبَعِين مُنْفَرِدَةً، وكالهدايا والضَّحايَا إذا اشْتَرَكُوا فيها. والأوْلَى أنَّه لا يُجْزِئُ إعْتاقُ نِصْفَيْنِ، إذا لم يكُنِ الباقِى منهما (٤) حُرًّا؛ لأنَّ إِطْلاقَ الرَّقَبَةِ إنَّما ينْصَرِفُ إلى إعْتاقِ الكامِلَةِ، ولا يحْصُلُ من الشِّقْصَيْنِ ما يَحْصُلُ من الرَّقَبَةِ الكامِلَةِ من تَكْميلِ (٥) الأَحْكامِ، وتخْليص الآدَمِىِّ من ضَرَرِ الرِّقِّ ونَقْصِه، فلا يَثْبُتُ به من الأَحكامِ ما يَثْبُتُ بإِعْتاقِ رَقَبَةٍ كامِلَةٍ، ويَمْتَنِعُ (٦) قياسُ الشِّقْصَيْنِ على الرَّقَبَةِ الكامِلَةِ، ولهذا لو أمرَ إنْسانًا بشِرَاءِ رَقَبَةٍ أو بَيْعِها، أو بإهداءِ حيوانٍ أو بالصَّدَقَةِ به، لم يكُنْ له أَنْ يُشَقِّصَه، كذا ههُنا. ١٨٢٥ - مسألة؛ قال: (وإِنْ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ، وأَطْعَمَ خمْسَةَ مَساكِينَ، أو كَسَاهُمْ، لَمْ يُجْزِئْهُ) لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا، وذلك ولأنَّ مَقْصُودَهما مُخْتَلِفٌ مُتَبايِنٌ، إذْ كان القَصْدُ من العِتْقِ تَكْميلَ الأحْكامِ، وتَخْليصَ المُعْتَقِ من الرِّقِّ، والقصدُ من الإِطعامِ والكِسْوَةِ سَدَّ الخَلَّةِ، وإبْقاءَ النفْسِ، بدَفْعِ المجاعَةِ فى الإِطْعامِ (١)، وسَتْرِ العَوْرَةِ، ودَفْعِ ضَرَرِ الحَرِّ والبَرْدِ فى الكِسْوَةِ، فلِتَقارُبِ مَعْناهما، واتِّحادِ مَصْرِفِهما، جَرَيا مَجْرَى الجِنْسِ الواحِدِ، فكُمِّلَتِ الكَفَّارَةُ من أحدِهما بالآخرِ، ولذلك سُوِّىَ بين عَدَدِهما، ولتَباعُدِ مَقْصِدِ العِتْقِ منهما، واخْتِلافِ مَصْرِفِهما، ومُبايَنَتِهما له، لم يَجْرِيَا مَجْرَى الجِنْس الواحِدِ، فلم يُكَمَّلْ به واحِدٌ منهما، ولذلك خالَفَ عَدَدُه عَددَهما. فصل: ولو أطعَمَ بعضَ المساكِينِ، أو كَسَاهُم، أو أعْتَقَ (٢) نصفَ عَبْدٍ، ولم يكُنْ له

стр. 7228

ما يُتِمُّ به الكَفّارَةَ، فصامَ عن الباقِى، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّه بَدَلٌ فى الكَفّارَةِ، فلم تُكَمَّلْ به، كسائِرِ الأبْدالِ مع مُبْدَلاتِها، ولأنَّ الصَّوْمَ من الطعامِ والكِسْوَةَ أبْعَدُ من العِتْقِ، فإذا لم يجُزْ تَكْمِيلُ أحَدِ نَوْعَىِ المُبْدَلِ من الآخَرِ، فتَكْمِيلُه بالبَدَلِ أَوْلَى. فإنْ قيل: يبطلُ هذا بالغُسْلِ والوُضوءِ مع التَّيَمُّم. قُلْنا: التَّيَمُّمُ لا يأْتِى بِبَعْضِه بَدَلًا عن بعض الطهارَةِ، إنَّما (٣) يأْتِى به بكمالِه، وههُنا لو أتَى بالصيامِ جَمِيعِه، أَجْزَأَهُ. ١٨٢٦ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ دَخَلَ فِى الصَّوْمِ، ثُمَّ أَيْسَرَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْخُروجُ مِنَ الصَّوْم إِلَى الْعِتْقِ، والإِطْعَامِ (١)، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ) فى هذه المَسْأَلَةِ فَصْلان: أحَدُهما: أنَّه إذا شَرَعَ فى الصومِ، ثم قَدَرَ على العِتْقِ أو الإِطْعامِ أو الكِسْوَةِ، لم يَلْزَمْه الرُّجُوعُ (٢) إليها. رُوِىَ ذلك عن الحسنِ، وقَتادَةَ. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن النَّخَعِى، والحَكَمِ، أنَّه يَلْزَمُه الرُّجوعُ (٢) إلى أحَدِها. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه قَدَرَ على المُبْدَلِ قبلَ إتْمامِ البَدَلِ، فلَزِمَه الرُّجوعُ، كالمُتَيَمِّمِ إذا قدَرَ على الماءِ قبل إتْمامِ صَلاتِه. ولَنا، أنَّه بَدَلٌ لا يبْطُلُ بالقُدْرَةِ على المُبْدَلِ، فلم يَلْزَمْه الرُّجوعُ (٢) إلى المُبْدَلِ بعدَ الشُّروعِ فيه، كما لو شَرَعَ المُتَمَتِّعُ العاجِزُ عن الهَدْى فى صومِ السَّبْعَةِ الأيَّامِ، فإنَّه لا يخْرُجُ، بلا خِلافٍ. والدَّليلُ على أَنَّ البَدَلَ لا يبْطُلُ، أَنَّ البَدَلَ الصَّومُ، وهو صَحِيحٌ مع (٣) قُدْرَته اتّفاقًا، وفارَقَ التَّيَمُّمَ، فإنَّه يبْطُلُ بالقُدْرَةِ على الماءِ بعدَ فَراغِه منه، ولأنَّ الرُّجوعَ إلى طَهارَةِ الماءِ لا مَشَقَّةَ فيه؛ ليُسْرِه، والكَفَّارَةُ يشُقُّ الجَمْعُ فيه (٤) بينَ خَصْلَتَيْنِ، وإيجابُ الرّجُوعِ يُفْضِى إلى

стр. 7229

ذلك. فإنْ قيل: يَنْتَقِضُ دَلِيلُكم بما إذا شَرَعَ المُتَمَتِّعُ فى صَوْمِ الثلاثَةِ. قُلْنا: إذا قَدَرَ على الهَدْىِ [فى صومِ الثَّلاثَةِ، تَبَيَّنَّا أنَّه ليس بعادِمٍ له فى وَقْتِه؛ لأنَّ وَقْتَ الهَدْىِ] (٥) يومُ النَّحْرِ، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا. ال فصلُ الثانى: أنَّه إِنْ أحَبَّ الانتقالَ إلى الأَعْلَى، فله ذلك، فى قولِ أَكثَرِهم، ولا نَعْلَمُ فيه (٦) خِلافًا. إِلَّا فى العَبْدِ إذا حَنِثَ ثم عَتَقَ. وقال أبو الخَطَّاب: لا يجوزُ الانْتِقالُ فى مَسْألَتِنا. مُحْتَجًّا بقولِ الْخِرَقِىِّ: إذا حَنِثَ وهو عَبْدٌ، فلم يكفِّرْ حتى عَتَقَ. قال: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لقَوْلِه فى العَبْدِ: إنَّما يُكَفِّرُ ما وَجَبَ عليه. ولَنا، أَنَّ العِتْقَ والإِطْعامَ الأَصْلُ، فأَجْزَأَه التَّكْفِيرُ به، كما لو تَكَلَّفَ الفقيرُ فاسْتَدانَ وأَعْتَقَ. فأمَّا العَبْدُ إذا عَتَقَ، فَيَحْتَمِلُ أن (٧) يجوزَ له الانْتِقالُ كَمَسْأَلَتِنا، ويُحْمَلُ كلامُ أحمد على أنَّه لا يَلْزَمُه الانْتِقالُ، ويَحْتَمِلُ أن (٧) يُفَرَّقَ بينَه وبينَ الحُرِّ، من حيثُ إِنَّ الحُرَّ كان يُجْزِئُه التَّكْفِيرُ بالمالِ لو تكَلَّفَه، والعَبْدَ لم يكُنْ يُجْزِئُه إِلَّا الصِّيامُ، على رِوَايَةٍ. فصل: ولو وَجَبَت الكَفَّارَةُ على مُوسِرٍ فأَعْسَرَ، لم يُجْزِئْه الصِّيامُ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن المُبْدَلِ، فجازَ له العُدولُ إلى البَدَلِ، كما لو وَجَبَت عليه الصَّلاةُ ومعه ماءٌ فانْدَفَقَ قبلَ الوُضُوءِ به. ولَنا، أَنَّ الإِطْعامَ وجَبَ عليه فى الكَفَّارَةِ، فلم يَسْقُطْ بالعَجْزِ عنه، كالإِطْعام فى كَفّارَةِ الظِّهارِ، وفارقَ الوضوءَ؛ لأنَّ الصَّلاةَ واجِبَةٌ، ولابُدَّ من أدائِها، فاحْتِيجَ إلى الطَّهارَةِ لها فى وَقْتِها، بخلافِ الكَفَّارَةِ. فصل: والكَفَّارَةُ فى حَقِّ العَبْدِ والحُرِّ، والرَّجُلِ والمَرْأَةِ، والمسلمِ والكافِرِ، سَواءٌ؛ لأنَّ اللَّه تعالَى ذَكَرَ الكَفّارَةَ بلَفْظٍ عامٍّ فى جميعِ المُخاطَبِين، فيدْخُلُ (٨) الكُلُّ فى عُمومِه إِلَّا

стр. 7230

أَنَّ الكافِرَ لا يَصِحُّ منه التَّكْفيرُ بالصِّيامِ؛ لأنَّه عبادَةٌ، وليس هو من أهْلِها، ولا بالإعْتاقِ؛ لأنَّ مِن شَرْطِه الإِيمانُ فى الرَّقَبةِ، ولا يجوزُ لكافِرٍ شراءُ مُسْلِمٍ، إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَ إسْلامُه فى يَدَيْه، أو يَرِثَ مُسْلِمًا فيَعْتِقَه، فيَصِحُّ إعْتاقُه، وإِنْ لم يتَّفِقْ ذلك، فتَكْفِيرُه بالإطعامِ أو الكِسْوَةِ، فإذا كفَّرَ (٩) ثم أسْلَمَ، لم يَلْزَمْه إعادَةُ التَّكْفِيرِ. وإن أَسْلَمَ قبلَ التَّكْفِيرِ، كَفَّرَ بما يَجِبُ عليه فى تِلكَ الحالِ؛ من إعْتاقٍ، أو إطْعام، أو كِسْوَةٍ، أو صيامٍ. ويَحْتَمِلُ، على قولِ الخِرَقِىِّ، ألَّا (١٠) يُجْزِئَه الصِّيامُ؛ لأنَّه إنَّما يُكَفِّرُ بما وَجَبَ عليه حينَ الحِنْثِ، ولم يكُنِ الصِّيامُ ممَّا وجَبَ عليه.

стр. 7231

باب جامع الأَيْمان ١٨٢٧ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ، رَحِمَه اللَّه تعالى: (ويُرْجَعُ فى الأَيْمانِ إِلَى النِّيَّةِ) وجملةُ ذلك أَنَّ مَبْنَى اليَمِينِ على نِيَّةِ الحالِفِ، فإذا نَوَى بيَمِينِه ما يَحْتَمِلُه، انْصَرَفَتْ يَمِينُه إليه، سواءٌ كان ما نَواهُ مُوافِقًا لظاهِرِ اللَّفْظِ، أو مُخالفًا له، فالمُوافِقُ للظَّاهِرِ أَنْ يَنْوِىَ باللَّفْظِ مَوْضُوعَه الأَصْلِىَّ، مثل أَنْ يَنْوِىَ باللَّفْظِ العامَّ العُمومَ، وبالمُطْلَقِ الإِطْلاقَ، وبسائِرِ (١) الأَلَّفاظِ ما يتَبادَرُ إلى الأفْهامِ منها، والمُخالِفُ يَتَنَوَّعُ أنْواعًا؛ أحَدُها، أن يَنْوِىَ بالعامِّ الخاصَّ، مثل أَنْ يحْلِفَ لا يأكلُ لحمًا ولا فاكهةً. ويريدُ لحمًا بعَيْنِه، وفاكِهَةً بعينِها. ومنها، أَنْ يحْلِفَ على فعلِ شىءٍ أو تَرْكِه مُطْلَقًا، وينْوِىَ فِعْلَه أو تَرْكَه فى وقتٍ بِعَيْنِه، مثل من (٢) يحلِفُ: لا أتَغَدَّى. يعنى اليومَ، أو: لآكُلَنّ. يعنى السَّاعَةَ. ومنها، أَنْ ينْوِىَ بيَمِينِه غيرَ ما يَفْهَمُه السَّامِعُ منه، كما ذكرنَا فى الْمَعارِيضِ، فى مَسْأَلةِ إذا تأَوَّلَ فى يَمِينِه فله تَأْوِيلُه. ومنها، أَنْ يُرِيدَ بالخاصِّ العامَّ، مثل من (٢) يحلِفُ: لا شَرِبْتُ لفلانٍ الماءَ من العَطَشِ. يَنْوى قَطْعَ كلِّ ما له فيه مِنَّةٌ، أَوْ: لا يَأْوِى مع امْرأَتِه فى دارٍ. يريدُ جَفاءَها بتَرْك اجْتِماعِها معه فى جميعِ الدُّورِ، أو حلَفَ: لا يَلْبَسُ ثَوبًا من غَزْلِها. يُريِد قَطْعَ مِنَّتَهَا به، فيتعلَّقُ يَمِينُه بالانْتِفاعِ به، أو بثمَنِه، ممَّا لها فيه مِنَّةٌ عليه. وبهذا قال مالِكٌ. وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ: لا عِبْرَةَ بالنِّيَّةِ والسبّبَ فيما يُخالِفُ لَفْظَه؛ لأنَّ الحِنْثَ مُخالَفَةُ ما عقَدَ عليه اليَمِينَ، واليَمِينُ لَفْظُه، فلو أحْنَثْناه على ما سِواهُ، لأَحْنَثْناهُ على ما نَوَى، لا على ما حَلَفَ، ولأَنَّ النِّيَّةَ بمُجَرَّدِها لا تَنْعَقِدُ بها اليمينُ، فكذلك لا يَحْنَثُ بِمُخالَفَتِها. ولَنا، أَنَّه نَوَى بكلامِه ما يَحْتَمِلُه، ويسُوغُ فى اللُّغَةِ التَّعْبِيرُ به عنه، فيَنْصَرِفُ يَمِينُه إليه

стр. 7232

كالْمَعارِيضِ، وبيانُ احْتِمالِ اللَّفْظِ، أنَّه يسُوغُ فى كلامِ العَرَبِ التَّعْبِيرُ بالخاصِّ عن العامِّ، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣). ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٤). ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ والقِطْميرُ: لُفافَةُ النَّواةِ. والفَتِيلُ: ما فى شَقّها. والنَّقِيرُ: النّقْرَةُ التى فى ظَهْرِها. ولم يُرِدْ ذلك بعَيْنِه، بل نَفَى كلَّ شىءٍ، وقال الحُطَيْئَةُ (٥) يهْجُو بنى العَجْلان: * وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ * ولم يُرِدِ الحَبَّةَ بعَيْنِها، إنَّما أرادَ لا يَظْلِمُونَهم شيئًا. وقدْ يُذْكَرُ العامُّ ويُرادُ به الخاصُّ، كقولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (٦) -يعنى رجلًا واحدًا-. ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٦). يعنى أبا سفيان. وقال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٧). ولم يُرِدِ السماءَ والأرْضَ (٨) ولا مَساكِنَهم. وإذا احْتَمَلَه اللَّفْظُ، وَجَبَ صَرْفُ اليَمِينِ إليه؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّما لِامْرِئٍ مَا نَوَى" (٩). ولأَنَّ كلامَ الشارِعِ يُحْمَلُ على مرادِه به (١٠)، إذا ثَبَتَ ذلك بالدَّليلِ، فكذلك كلامُ غيرِه. وقَوْلُهم: إِنَّ الحِنْثَ مُخالَفَةُ ما عُقِدَ عليه اليَمِينُ. قُلْنا: وهذا كذلك، [فإن اليَمِينَ] (١١) انْعَقَدَتْ (١٢) على ما نَواهُ، ولَفْظُه مصروفٌ إليه، وليستْ هذه نِيَّةً مُجَردةً، بل لفظٌ مَنْوِىٌّ به ما يَحْتَمِلُه. فصل: ومِنْ شَرْطِ انْصِرافِ اللَّفْظِ إلى ما نَواهُ، احْتمالُ اللَّفْظِ له، فإنْ نَوَى ما لا يَحْتَمِلُه اللّفْظُ، مثل أَنْ يحْلِفَ لا يأْكُلُ خُبْزًا، يَعْنِى به لا يَدْخُلُ بيتًا، فإِنَّ يَمِينَه لا

стр. 7233

تَنْصَرِفُ إلى المَنْوِىِّ؛ لأنَّها نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ، لا يَحْتَمِلُها اللَّفْظُ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى ذلك بغيرِ يَمِينٍ. ١٨٢٨ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، رُجِعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِينِ ومَا هَيَّجَهَا) وجملتُه أنَّه إذا عُدِمَت النِّيَّةُ، نَظَرْنا فى سبَبِ اليَمِينِ، وما أثارَها؛ لدلالَتِه على النِّيَّةِ، فإذا حَلَفَ لا يَأْوِى مع امْرَأَتِه فى هذه الدَّارِ، نَظَرْنا؛ فإنْ كان سَبَبُ يَمِينِه غَيْظًا من جِهَةِ الدَّارِ، لضَرَرٍ لحِقَه منها، أو مِنَّةٍ عليه بها، اخْتصَّتْ يَمِينُه بها، وإِنْ كان لِغَيْظٍ لَحِقَه من المَرْأَةِ يَقْتَضِى جَفاءَها، ولا أثَرَ للدَّارِ فيه، تَعَلَّقَ ذلك بإيوائِه معها فى كُلِّ دارٍ، وكذلك إذا حَلَفَ لا يلْبَسُ ثَوْبًا من غَزْلِها، إن كان سَبَبُه المِنَّةَ عليه منها، فكيفما انْتَفَعَ به أو بِثَمَنِه حَنِثَ، وإِنْ كان سَبَب يَمِينِه خُشُونَةَ غَزْلِها ورَداءَتَهُ (١)، لم يَتَعَدّ يَمِينُه (٢) لُبْسَه، والخِلافُ فى هذه المَسْأَلَةِ كالخلافِ فى التى قَبْلَها، وقد دَلَّلْنا على تَعَلُّقِ (٣) اليَمِينِ بما نَواه، والسَّبَبَ دليلٌ على النِّيَّةِ، فيتَعَلَّقُ اليَمِينُ به، وقد ثَبَتَ أَنَّ كلامَ الشارِعِ إذا كان خاصًّا فى شىءٍ لسَبَبٍ عامٍّ، تَعَدَّى إلى ما وُجِدَ (٤) فيه السَّبَبَ، كتَنْصِيصِه على تَحْريمِ التَّفاضُلِ فى أعْيانٍ سِتَّةٍ، أثْبَتَ الحُكْمَ فى كُلِّ ما وُجِدَ (٤) فيه معناها، كذلك فى كلامِ الآدَمِىِّ مثلُه، فأمَّا إِنْ كان اللَّفْظُ عامًّا والسَّبَبُ (٥) خاصًّا، مثل مَن دُعِىَ إلى غَدإءٍ، فحلَفَ أَنْ (٦) لا يَتَغَدَّى، أو حَلَفَ أنْ (٦) لا يقعدَ، فإنْ كانت له نِيَّةٌ، فيَمِينُه على ما نَوَى، وإِنْ لم تكُنْ له نِيَّةٌ، فكلامُ أحمدَ يَقْتَضِى رِوايَتَيْن؛ إحداهُما، أَنَّ اليَمِينَ مَحْمولَةٌ على العُمومِ؛ لأَنَّ أحمدَ سُئِلَ عن رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ (٦) لا يَدْخُلَ بَلَدًا، لِظُلْمٍ راهُ فيه، فزالَ الظُّلْمُ؟ فقال: النَّذْرُ يُوفَى به. يَعْنِى لا يَدْخُلُه. ووَجْهُ ذلك أَنَّ لفْظَ الشارِعِ إذا كان عامًّا، لسَبَبٍ خاصٍّ، وجَبَ الأَخْذُ بعُمومِ اللَّفْظِ دُونَ خُصوصِ السَّبَبِ، كذلك يَمِينُ الحالِفِ. وذكرَ القاضِى، فى مَن حَلَفَ على

стр. 7234

زَوْجَتِه أو عَبْدِه أَنْ لا يخْرُجَ إِلَّا بإذْنِه، فعَتَقَ العبدُ، وطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، وخَرَجَا بغيرِ إذْنِه، لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّ قَرِينَةَ الحالِ تنقلُ حُكْمَ الكلامِ إلى نَفْسِها، وإنَّما يَمْلِكُ مَنْعَ الزَّوْجَةِ والعَبْدِ مع وِلايَتِه عليهما، فكأنَّه قال: ما دُمْتُما فى مِلْكِى. ولأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ على النِّيَّةِ فى الخُصوصِ، كدِلالَتِه عليها فى العُمومِ، ولو نَوَى الخُصوصَ لاخْتَصَّت يَمِينُه به، فكذلك إذا وجدَ ما يَدُلُّ عليها. ولو حَلَفَ لعامِلٍ أن (٧) لا يخْرُجَ إِلَّا بإذْنِه فعُزِلَ، أو حَلَفَ أَنْ لا يَرَى مُنْكَرًا إِلَّا رَفَعَه إلى فُلانٍ القاضِى فعُزِلَ، ففيه وَجْهان، بِناءً على ما تَقَدَّمَ؛ أحدُهما، لا تَنْحَلُّ اليَمِينُ بعَزْلِه. قال القاضِى: هذا قياسُ المذهبِ؛ لأَنَّ اليَمِينَ إذا تَعَلَّقَت بعَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ، تَعَلَّقَتْ بالعينِ وإِنْ تَغَيَّرَتَ الصِّفَةُ. وهذا أحدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافِعِىِّ. والوَجْهُ الآخَرُ، تَنْحَلُّ اليَمِينُ بعَزْلِه. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُقالُ: رَفَعَه إليه. إِلَّا فى حالِ وِلايَتِه. فعلى هذا، إِنْ رَأَى المُنْكَرَ فى وِلايَتِه، فأَمْكَنَه رَفْعُه فلم يَرْفَعْه إليه حتى عُزِلَ، لم يَبَرَّ بِرَفْعِه إليه حالَ كَوْنِه مَعْزُولًا. وهل يَحْنَثُ بعَزْلِه (٨)؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد فاتَ رَفْعُه إليه، فأشْبَهَ ما لو ماتَ. والثانى، لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّه لم يَتَحَقَّقْ فَواتُه، لاحْتِمالِ أَنْ يَلِىَ فيَرْفَعَه إليه، بخلافِ ما إذا ماتَ، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأَنَّه قد تَحَقَّقَ فَواتُه، وإذا ماتَ قبلَ إمْكانِ رَفْعِه إليه، حَنِثَ أيضًا؛ لأَنَّه قد فاتَ، فأشْبَه ما لو حَلَفَ ليَضْرِبَنَّ عَبْدَه فى غَدٍ، فماتَ العَبْدُ اليومَ، ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ؛ لأَنَّه لم يَتَمَكَّنْ من فعلِ المَحْلوفِ عليه، فأشْبَهَ المُكْرَهَ. وإِنْ قُلْنا: لا تَنْحَلُّ يَمِينُه بعَزْلِه. فرَفَعَه إليه بعدَ عَزْلِه، بَرَّ بذلِك. فصل: فإنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ والنَّيَّةُ، مثل إِنْ امْتَنَّتْ عليه امْرَأَتُه بغَزْلِها، فحلَفَ أَنْ (٩) لا يلْبَسَ ثوبًا من غَزْلِها، يَنْوِى اجْتِنابَ اللُّبْسِ خاصَّةً، دونَ الانْتفاعِ بثَمَنِه وغيرِه، قُدَّمَت النِّيَّةُ على السَّبَبَ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ النِّيَّةَ وَافَقَتْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ. وإِنْ نَوَى بيَمِينِه ثَوْبًا واحِدًا، فكذلك فى ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ. وقال القاضِى: يُقَدَّمُ السَّبَبَ؛ لأَنَّ اللّفْظَ ظاهِرٌ فى العمومِ، والسَّبَبَ يُؤَكِّدُ ذلك الظاهِرَ ويُقَوِّيه؛ لأنَّ السَّبَبَ هو الامْتِنانُ، وظاهِرُ

стр. 7235

حالِه قَصْدُ (١٠) قَطْعِ المِنَّةِ (١١)، فلا يُلْتَفَتُ إلى نِيَّتِة المُخالِفَةِ للظَّاهِرَيْنِ، والأوَّل أصَحُّ؛ لأَنَّ السبَبَ إنَّما اعْتُبِرَ لدِلالَتِه على القَصْدِ، فإذا خالَفَ حَقِيقَةَ القَصْدِ، لم يُعْتَبَرْ، وكان وجودُه كعَدَمِه، فلم يَبْقَ إِلَّا اللَّفْظُ (١٢) بعمُومِه، والنِّيَّةُ تخُصُّه، على ما بَيَّنَّاهُ فيما مَضَى. ١٨٢٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ (١) لَا يَسْكنَ دَارًا هُوَ سَاكِنُهَا، خرَجَ مِنْ وَقْتِهِ، وإِنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ وَقْتِهِ، حَنِثَ) وجملةُ ذلك أَنَّ ساكِنَ الدَّارِ إذا حَلَفَ لا يَسْكُنُها، فمتى أقامَ فيها بعدَ يَمِينِه زمنًا يُمْكِنُه فيه الخُروجُ، حَنِثَ؛ لأَنَّ اسْتِدامَةَ السُّكْنَى كابْتِدائِها، فى وقُوعِ اسمِ السُكْنَى عليها، ألا تَراهُ يقول: سَكَنْتُ هذه الدَّارَ شهرًا. كما يقول: لبِسْتُ هذا الثَّوْبَ شَهْرًا؟ وبهذا قال الشافِعِىُّ. وإِنْ أقامَ لنَقْلِ رَحْلِه وقُماشِهْ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الانْتِقالَ لا يكونُ إِلَّا بالأهْلِ والمالِ، فيَحْتاجُ أن ينْقُلَ ذلك معه، حتى يكونَ مُنْتَقِلًا. ويُحْكَى (٢) عن مالِكٍ، أنَّه إِنْ أقامَ دونَ اليومِ واللَّيْلَةِ، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ ذلك قليلٌ يحْتاجُ إليه فى الانْتِقالِ، فلم يَحْنَثْ به. وعن زُفَرَ، أنَّه قال: يَحْنَثُ وإِنْ انْتَقَلَ فى الحالِ؛ لأَنَّه لابُدَّ (٣) أَنْ يكونَ ساكِنًا عَقِيبَ يَمِينِه ولو لَحْظَةً، فيَحْنَثُ بها. وليس بصَحيحٍ؛ فإِنَّ ما لا يُمْكِنُ الاحْتِرِازُ منه لا يُرادُ باليمينِ، ولا يقَعُ عليه، وأمَّا إذا أقامَ زمنًا يُمْكِنُه الانْتِقالُ فيه، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأَنَّه فعلَ ما يَقَعُ عليه اسمُ السُّكْنَى، فحَنِثَ به، كمَوْضِعِ الاتِّفاقِ، ألا تَرَى أنَّه لو حَلَفَ لا يَدْخُلُ الدَّارَ، فدَخَلَ إلى أوَّلِ جُزْءٍ منها، حَنِثَ، وإِنْ كان قَليلًا؟ فصل: وإِنْ أقامَ لِنَقْلِ مَتاعِه وأَهْلِه، لم يَحْنَثْ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافِعِىُّ: يَحْنَثُ. ولَنا، أَنَّ الانْتِقالَ إنَّما يكونُ بالأَهْلِ والمالِ، على ما سَنَذْكُرُه، فلا يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ

стр. 7236

من هذه الإِقامةِ، فلا يَقَعُ اليَمِينُ عليها. وعلى هذا، إِنْ خَرَجَ بِنَفْسِه، وتَرَكَ أهْلَهُ ومالَه فى المَسْكَنِ مع إمْكانِ نَقْلِهم عنه، حَنِثَ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ إذا خَرَجَ بِنِيَّةِ الانْتِقالِ؛ لأنَّه إذا خَرَجَ بِنِيَّةِ الانْتِقالِ، فليس بساكِنٍ، لأَنَّه (٤) يجوزُ أَنْ يُرِيدَ السُّكْنَى وَحْدَه دُونَ أَهْلِه ومالِه. ولَنا، أَنَّ السُّكْنَى تكونُ بالأَهْلِ والمالِ، ولهذا يقالُ: فلانٌ ساكِنٌ [فى البلَدِ] (٥) الفُلانِىَّ. وهو غائِبٌ عنه بنَفْسِه، وإذا نَزَلَ بلَدًا بأَهْلِه ومالِه يُقال: سَكَنَه. ولو نَزَلَه بنَفْسِه، لا يُقالُ: سَكَنَه. وقَوْلُهم: إنّه نَوَى السُّكْنَى بنَفْسِه. لا يصِحُّ؛ فإِنَّ مَنْ خَرَجَ إلى مكانٍ لينْقُلَ أهْلَه إليه (٦)، لم (٧) يَنْوِ السُّكْنَى به (٦) بِنَفْسِه، فأشْبَهَ مَنْ خَرَجَ [لِشِراءِ مَتاعٍ] (٨). وإِنْ خَرَجَ (٩) عازِمًا على السُّكْنَى بنَفْسِه، مُنْفَرِدًا عن أَهْلِه الذى فى الدارِ، لم يَحْنَثْ، ويَدِينُ فيما بينَه وبينَ اللَّه تعالى. ذكَرَهُ القاضِى. وحُكِىَ عن مالِكٍ، أنَّه اعْتَبَرَ نَقْلَ عِيالِه دونَ مالِه. والأَوْلَى، إِنْ شاءَ اللَّه، أنَّه إذا انْتَقَلَ بأَهْلِه، فسَكَنَ فى موضِعٍ آخَرَ، فإنَّه لا يَحْنَثُ، وإِنْ بَقِىَ مَتاعُه فى الأُولَى (١٠)؛ لأَنَّ مَسْكَنَه حيثُ حَلَّ أهْلُه بِه (١١)، ونَوَى الإِقامَةَ بِه، ولهذا لو حَلَفَ لا يَسْكُنُ دارًا لم يَكُنْ ساكِنًا لها، فَنَزَلَها (١١) بأَهْلِه ناوِيًا للسُّكْنَى بها، حَنِثَ. وقال القاضِى: إِنْ نَقَلَ إليها ما يَتَأَثَّثُ به، ويَسْتَعْمِلُه فى مَنْزِلِه، فهو ساكِنٌ وإِنْ سَكَنَها بِنَفسِه. فصل: وإِنْ أُكْرِهَ على الْمُقامِ، لم يَحْنَثْ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتِى عن الخَطَأِ، والنَّسْيانِ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (١٢). وكذلك إِنْ كان فى جَوْفِ اللَّيلِ فى وَقْتٍ لا يجدُ مَنْزِلًا يتَحوَّلُ إليه، أو يحولُ بَيْنَه وبينَ المَنْزِلِ أبوابٌ مُغْلَقَةٌ لا يُمْكِنُه فَتْحُها، أو خَوْفٌ على

стр. 7237

نَفْسِه أو أَهْلِه أو مالِه، فأقامَ فى طَلَبِ النُّقْلَةِ، أو انْتظارًا لزَوالِ المانِعِ منها، أو خرجَ طالبًا للنُّقْلَةِ فتَعَذَّرَت عليه؛ إمَّا لكَوْنِه لم يجِدْ مَسْكَنًا يتحَوَّلُ إليه، لتَعَذُّرِ الكِراءِ أو غيرِه (١٣)، أو لم يَجِدْ بَهائِمَ يَنْتَقِلُ عليها، ولا يُمْكِنُه النُّقْلَةُ بدونِها، فأقامَ ناوِيًا للنُّقْلَةِ متى قَدَرَ عليها، لم يَحْنَثْ، وإِنْ أقامَ أيَّامًا ولَيالِىَ؛ لأَنَّ إقامَتَه عن غيرِ اخْتِيارٍ منه، لعَدَمِ تَمَكُّنِه من النُّقْلَةِ، فإنَّه إذا لم يَجِدْ مَسْكنًا لا يُمْكِنُه تَرْكُ أهْلِه، وإلْقاءُ مَتاعِه فى الطريقِ، فلم يَحْنَثْ به، كالمُقيم للإِكْراهِ. وإِنْ أقامَ فى هذا الوَقْتِ، غيرَ نَاوٍ للنُّقْلَةِ، حَنِثَ، ويكونُ نَقْلُه لما (١٤) يحْتاجُ إلى نَقْلِهِ، على ما جَرَت به العادَةُ، فلو كان ذا مَتاعٍ كثيرٍ، فنَقَلَه قليلًا قليلًا على العادَةِ، بحيث لا يَتْرُكُ النَّقْلَ المُعْتادَ، لم يَحْنَثْ وإِنْ أَقامَ أيَّامًا، ولا يَلْزَمُه جَمْعُ دوابِّ البلَدِ لنَقْلِهِ، ولا النَّقْلُ باللَّيْلِ، ولا وقتَ الاسْتِراحَةِ عنَد التَّعَبِ، ولا أوقاتِ الصَّلواتِ؛ لأَنَّ العادَةَ لم تَجْرِ بالنَّقْلِ فيها، ولو وهَب (١٥) رَحْلَه أو أَوْدَعَه أو أعارَهُ وخَرَجَ، لم يَحْنَثْ، لأَنَّ يَدَهَ زالَتْ عن الْمَتاعِ. وإِنْ تَرَدَّدَ إلى الدَّارِ لِنَقْلِ المتَاعِ، أو عائِدًا لمريضٍ، أو زائِرًا لصديقٍ، لم يَحْنَثْ. وقال القاضِى: إِنْ دَخَلَها ومن رَأْيِه الجلوسُ عِنْدَه، حَنِثَ، وإلَّا فَلا. ولَنا، أَنَّ هذا ليس بِسُكْنَى، ولذلك لو حَلَفَ ليَسْكُنَنَّ دارًا، لم يَبَرَّ بالجلوسِ فيها (١٦) على هذا الوَجْهِ، ولا (١٧) يُسَمَّى ساكِنًا به بهذا العُذْرِ، فلم يَحْنَثْ به، كما لو لم يَنْوِ الجُلوسَ. وإِنْ كان له فى الدَّارِ امْرَأَةٌ أو عائِلَةٌ، فأرادَهُم على الخروجِ مَعَه، والانْتِقالِ عنها، فأَبَوا، ولم يُمْكِنْه إخْراجُهم، فخرَجَ وتَرَكَهُم، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ هذا مما لم (١٨) يُمْكِنْه، فأشْبَهَ ما لم يُمْكِنْه نَقْلُه من رَحْلِه. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يُساكِنُ فلانًا، فالحُكْمُ فى الاسْتِدامَةِ على ما ذَكَرْنا فى الحَلِفِ على السُّكْنَى. وإن انْتَقَلَ أحَدُهما، وبَقِىَ الآخَرُ، لم يَحْنَثْ؛ لزَوالِ المُساكَنَةِ. وإِنْ

стр. 7238

سَكَنَا فى دارٍ واحدَةٍ، وكُلُّ واحِد فى بَيْتٍ ذى بابٍ وغَلْقٍ، رُجِعَ إلى نِيَّتِه بيَمِينِه أو إلى سَبَبها، وما دَلَّتْ عليه قرائِنُ أحْوالِه فى المَحْلُوفِ على المُساكَنَةِ فيه، فإنْ عُدِمَ ذلك كلُّهَ، حَنِثَ. وهذا قولُ مالِكٍ. وقال الشافِعِىُّ: إِنْ كانت الدَّارُ صَغيرَةً، فهما مُتَساكِنان؛ لأنَّ الصَّغِيرَةَ مَسْكَنٌ واحِدٌ، وإِنْ كانت كَبِيرَةً، إِلَّا أنَّ أَحَدَهما فى البَيْتِ والآخَرَ فى الصُّفَّةِ، أو كانا فى صُفَّتَيْنِ أو بَيْتَيْن ليس على أحَدِهما غَلْقٌ دونَ صاحِبِه، فهما مُتَساكِنان. وإِنْ كانا فى بَيْتَيْنِ، كُلُّ واحِد منهما له غَلْقٌ، أو كانَا فى خَانٍ، فليسا مُتَساكِنَيْن؛ لأنَّ كُلَّ واحِد منهما يَنْفَرِدُ بمَسْكَنِه دونَ الآخَرِ، فأشْبَها المُتجاوِرَيْن (١٩). ولَنا، أنَّهما فى دارِ واحِدَةٍ، فَكانا مُتَساكِنَيْنِ، كالصَّغِيرَةِ، وفارَق المُتَجاوِرَيْنِ فى الدَّارينِ، فإنَّهما (٢٠) ليسا مُتَساكِنَيْن، ويمينُه على نَفْىِ المُساكَنَةِ، لا على المُجاوَرَةِ. ولو كانا فى دارٍ واحِدَةٍ حالَةَ اليَمِينِ، فخَرَجَ أحَدُهما منها، وقَسَماها (٢١) حُجْرَتَيْنِ، وفَتَحَا لِكُلِّ واحِدَةٍ منهما بابًا، وبينهما حاجِزٌ، ثم سَكَنَ كُلُّ واحِدٍ منهما فى حُجْرَةٍ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّهما غيرُ مُتَساكِنَيْن. وإِنْ تَشاغَلَا بِبِناءِ الحاجِزِ بينَهما، وهما مُتَساكِنان، حَنِثَ؛ لأنَّهما تَسَاكَنَا قبلَ انْفِرادِ إحْدَى الدَّاريْنِ من الأُخْرَى. وهذا قولُ الشافِعِىِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. فصل: وإن حَلَفَ: لا ساكَنْت فلانًا فى هذه الدَّارِ. فقَسماها (٢٢) حُجْرَتَيْنِ، وبَنَيَا بينهما حائِطًا، وفتحَ كُلُّ واحِدٍ منهما لنَفْسِه بابًا، ثم سَكَنَا فيهما، لم يَحْنَثْ، كما (٢٣) ذَكَرْنا فى التى قبْلَها. وهذا قولُ الشافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: لا يُعْجِبُنِى ذلك. ويَحْتَمِلُه قياسُ المذهب؛ لكَوْنِه عينَ الدَّارِ، فلا ينْحَلُّ بتَغَيُّرِها، كما لو حَلَفَ لا يَدْخُلُها، فصارَتْ فَضاءً (٢٤). والأوّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّه لم يُساكِنْه فيها،

стр. 7239

لكَوْنٍ المُساكَنَةِ فى الدَّارِ لا تحْصُلُ مع كَوْنِهما دارَيْنِ، وفارَقَ الدُّخولَ، فإنَّه دَخَلَها مُتَغَيِّرَةً. فصل: وإِنْ حَلَفَ ليَخْرُجَنَّ من هذه الدَّارِ، اقْتَضَتْ يَمِينُه الخُروجَ بنَفْسِه [وأهْلِه، كما لو حَلَفَ ليَخْرُجَنَّ من هذه البَلْدَةِ، تَناوَلَت يَمِينُه الخُروجَ بنَفْسِه] (٢٥)؛ لأَنَّ الدَّارَ يخْرُجُ منها صاحِبُها فى اليومِ مَرَّاتٍ عادَةً، فظاهِرُ حالِه إنَّه لم يُرِدْ الخُروجَ المُعْتادَ، وإنَما أرادَ الخُروجَ الذى هو النُّقْلَةُ، والخُروجُ من البَلَدِ بخِلافِ ذلك. وإذا خَرَجَ الحالِفُ، فهل له العَوْدُ فيه؟ عن أحمد رِوايَتان؛ إحداهُما، لا شىءَ عليه فى العَوْدِ، ولا يَحْنَثُ به؛ [لأَنَّ يَمِينَه] (٢٦) على الخُروجِ، وقد خَرَجَ، فانْحَلَّتْ يَمِينُه، لفعلِ ما حَلَفَ عليه، فلم يَحْنَثْ فيها (٢٧) بعدُ. والثَّانِيَةُ، يَحْنَثُ بالعَوْدِ؛ لان ظاهِرَ حالِه قَصْدُ هِجْرانِ ما حَلَفَ على الرَّحيلِ منه، ولا يحْصُلُ ذلك بالعَوْدِ. ويُمْكِنُ حَمْلُ هذه الرِّوايَةِ على أَنَّ للمَحْلوفِ عليه سببًا هَيَّجَ يَمِينَه، أو دَلَّتْ قرينَةُ حالِه على إرادَتِه هِجْرانَه، أو نَوَى ذلك بيَمينِه، فاقْتَضَت يَمِينُه دَوامَ اجْتِنابِها. وإِنْ لم يكنْ كذلك، لم يَحْنَثْ بالعَوْدِ؛ لأَنَّ اليَمِينَ تُحْمَلُ عند عَدَمِ ذلك على مُقْتَضَى اللَّفْظِ، ومُقْتَضاهُ ههُنا الخُروجُ، وقد فَعَلَه، فانْحَلَّتْ يمينُه به (٢٨). وكذلك الحُكْم إذا حَلَفَ على الرَّحيلِ منها، إِلَّا أنَّه إذا حَلَفَ على الرَّحِيلِ من بَلَدٍ، لم يَبَرَّ إِلَّا بالرَّحيلِ بأهْلِه. ١٨٣٠ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا، ولَمْ يُمْكِنْهُ الامْتِنَاعُ، لَمْ يَحْنَثْ) نَصّ [أحمدُ على] (١) هذا، فى رِوايَةِ أبى طالِبٍ. وهو قولُ الشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ وذلك لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَوْجودٍ منه، ولا مَنْسُوبٌ

стр. 7240

إليه. وإِنْ حُمِلَ بأَمرِه، فأُدْخِلَها، حَنِثَ؛ لأَنَّه دَخَلَ مُخْتارًا، فأشْبَهَ ما لو دَخَلَ راكِبًا. وإِنْ حُمِلَ بغيرِ أمْرِه، لكنَّه (٢) أمْكَنَه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، حَنِثَ أيضًا؛ لأنَّه دَخَلَها غيرَ مُكْرَه، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ بأمْرِه. وقال أبو الخَطَّاب: فى الحِنْثِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخُولَ، ولم يَأْمُرْ به، فأشْبَهَ ما لو لم يُمْكِنْه الامْتِناعُ. ومتى دَخَلَ باخْتِيارِه، حَنِثَ، سواءٌ كان ماشِيًا، أوراكِبًا، أو مَحْمُولًا، أو أَلْقَى نَفْسَه فى ماء فَجَرَّه إليها، أو سَبَحَ فيه فَدَخَلَها، [سواءٌ دخَل] (٣) من بابِها، أو تَسَوَّرَ حائِطَها، أو دَخَلَ من طاقَةٍ فيها، أو نَقَبَ حائِطَها (٤)، ودَخَلَ من ظَهْرِها، أو غيرَ ذلك. فصل: وإِنْ أُكْرِه بالضَّرْب ونَحْوِه على دُخُولِها، فدَخَلَها، لم يَحْنَثْ، فى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وفى الآخَرِ يَحْنَثُ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ، ونحوُه عن (٥) النَّخَعِىِّ. لأنَّه [دخلَها و] (٣) فَعَلَ ما حَلَفَ على تَرْكِه (٦). ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَفَأِ، والنِّسْيانِ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٧). ولأنَّه دَخَلَها مُكْرَهًا، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ مُكْرَها. فصل: وإِنْ رَقَى فوقَ سَطْحِها، حَنِثَ. وبهذا قال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ. ولأصْحابِه فيما إذا كان السَّطْحُ مُحَجَّرًا وَجْهان، واحْتَجُّوا بأنَّ السَّطْحَ يَقيها الحَرَّ والْبَرْدَ، ويُحْرِزُها، فهو كحِيطَانِها. ولَنا، أَنَّ سَطْحَ الدّارِ منها، وحُكْمُه حُكْمُها سواءً، فحَنِثَ بدُخولِه، كالمُحَجَّرِ، أو كما لو دَخَلَ بين حِيطانِها، ودليلُ ذلك، أَنَّه يَصِحُّ الاعْتِكافُ فى سَطْحِ المَسْجِدِ، [وإنَّما يصِحُّ الاعْتكافُ فى المَسْجدِ] (٣)، ويُمْنَعُ الجُنُبُ من (٨) اللُّبْثِ فيه، ولو حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ من

стр. 7241

الدارِ، فصَعَدَ سَطْحَها، لم يَبَرَّ، ولو حَلَفَ أَنْ لا يَخْرُجَ منها، فصَعَدَ سَطْحَها، لم يَحْنَثْ، ولأنَّه داخِلٌ فى حدودِ الدَّارِ، ومَمْلُوكٌ لصاحِبِها، ويُمْلَكُ بشرائِها، ويخْرُجُ من مِلْكِ صاحِبِها بِبَيْعِها، والبائِتُ عليه، يقالُ: باتَ فى ذارِه. وبهذا يُفارِق ما وراء حَائِطِها. وإِنْ كان فى اليَمِينِ قرينَةٌ لَفْظِيَّةٌ أو حالِيَّةٌ تَقْتَضِى اخْتِصاصَ الإِرادَةِ بداخِلِ الدارِ، مثل أَنْ يكونَ سطحُ الدارِ طَرِيقًا، وسَبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِى تَرْكَ وُصْلَةِ أهلِ الدَّارِ، لم يَحْنَثْ بالمرورِ على سَطْحِها، وكذلك إِنْ نَوَى بيَمِيِنه باطِنَ الدَّارِ، تَقَيَّدَتْ يَمِينُه بما نَواهُ؛ لأَنَّه ليس للمرءِ إِلَّا ما نَواهُ. فصل: فإنْ تَعَلَّق بغُصْنِ شَجَرَةٍ فى الدَّارِ، لم يَحْنَثْ. وإِنْ صَعِدَ حتى صارَ فى مُقابَلَةِ سَطْحِها بينَ حِيطانِها، حَنِثَ. وإِنْ لم ينْزِلْ بين حِيطانِها، احْتَمَلَ أَنْ يَحْنَثَ؛ لأنَّه فى هَوائِها، وهَواؤُها مِلْكٌ لِصاحِبِها، فأشْبَهَ ما لو قامَ على سَطْحِها، واحْتَمَلَ أَنْ لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى داخِلًا، ولا هو على شىء من أجْزائِها، وكذلك [ما لو] (٩) كانت الشَّجَرَةُ فى غيرِ الدَّارِ، فتَعَلَّقَ بفَرْعٍ مَادَ على الدَّارِ فى مُقابَلَةِ سَطْحِها. وإِنْ قامَ على حائِطِ الدَّار، احْتَمَلَ وَجْهَيْن؛ أحدُهما (١٠)، يَحْنَثُ. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأَنَّه داخِلٌ فى حَدِّها، فأشْبَهَ القائِمَ على سَطْحِها. والثانى، لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّه لا يُسَمَّى دخُولًا. وإِنْ قامَ فى طاقِ البابِ فكذلك؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ حائِطِها. وقال القاضِى: إذا قامَ على العَتَبَةِ، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ البابَ إذا أُغْلِقَ حصَلَ خارِجًا منها، ولا يُسَمَّى داخِلًا فيها. فصل: وإِنْ حَلَفَ أَنْ لايَضَعَ قَدَمَه فى الدَّارِ، فدَخَلَها راكِبًا أو ماشِيًا، مُنْتَعِلًا (١١) أو حافِيًا، حَنِثَ، كما لو حَلَفَ أَنْ لا يَدْخُلَها. وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ: إِنْ دَخَلَها راكِبًا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَضَعْ قَدَمَه فيها. ولَنا، أنَّه قد دَخَلَ الدَّار، فحَنِثَ، كما لو دَخَلَها ماشِيًا، [ولا نُسَلَّمُ أنَّه لم يَضَعْ قَدَمَه فيها، فإِنَّ قَدَمَه مَوْضُوعَةٌ على الدَّابَّةِ فيها. فأشْبَه ما لو دَخَلَها مُنْتَعِلًا] (١٢). وعلى أن هذا فى العُرْفِ عبارَةٌ عن اجْتِنابِ الدُّخولِ، فتُحْمَلُ

стр. 7242

اليَمِينُ عليه. فإنْ قيل: هذا مَجازٌ لا يُحْمَلُ اليَمِينُ عليه: قُلْنا: الْمَجازُ إذا اشْتَهرَ، صارَ من الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، فينْصَرِفُ اللَّفْظُ بإطْلاقِه إليه، كلَفْظِ الرَّاوِيَةِ (١٣) والدَّابَّةِ، وغيرِهما. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ هذه الدارَ من بابها، فدَخَلَها من غيرِ البابِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ يَمِينَه لم تَتَناوَلْ غيرَ البابِ (١٤). ويَتَخَرَّجُ أن (١٥) يَحْنَثَ إذا أرادَ بيَمِينِه اجْتنابَ الدَّارِ، ولم يكُنْ للبابِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَه، كما لو حَلَفَ لا يَأْوِى مع زَوْجَتِه فى دارٍ، فآوَى معها فى غيرِها. وإِنْ حُوِّل بابُها إلى (١٦) مكانٍ آخَرَ، فدَخَلَ منه (١٧)، حَنِثَ؛ لأَنَّه دَخَلَها من بابِها. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْن لأ صْحابِ الشافِعِىِّ. وإِنْ حَلَفَ: لا دَخَلْتُ من باب هذه الدَّارِ. فكذلك. وإِنْ جُعِلَ لها بابٌ آخَرُ، مع بَقاءِ الأوَّلِ، فدَخَلَ منه، حَنِثَ؛ لأَنَّه دَخَلَ من باب الدَّارِ. وإِنْ قُلِعَ البابُ، ونُصِبَ فى دارٍ أُخْرَى، وهى (١٨) المَمَرُّ، حَنِثَ بدُخُولِه، [ولا يَحْنَثُ بالدُّخولِ] (١٩) من المَوْضِع الذى نُصِبَ فيه البابُ؛ لأنَّ الدُّخول فى الممَرِّ لا من المِصْراعِ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ دارَ فلانٍ، فدَخَلَ دارًا مملوكَةً له، أو دارًا يَسْكُنُها بأُجْرَةٍ أو عارِيَّةٍ أو غَصْبٍ، حَنِثَ. وبذلك قال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ إِلَّا بدُخولِ دارٍ يَمْلِكها؛ لأنَّ الإضافَةَ فى الحَقيقَةِ إلى المالِكِ، بدليلِ أنَّه لو قال: هذه الدَّارُ لفلانٍ. كان مُقِرًّا له بمِلْكِها. وإن (٢٠) قال: أرَدْتُ أنَّه يَسْكُنُها. لم يُقْبَلْ. ولَنا، أَنَّ الدَّارَ تُضافُ إلى ساكِنِها، كإِضافَتِها إلى مالِكها، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا

стр. 7243

تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٢١). وأراد (٢٢) بُيوتَ أرواجِهِنَّ اللَّاتى (٢٣) يَسْكُنَّها. وقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾ (٢٤). ولأنًّ الاضافَةَ للاخْتِصاصِ، كذلك يُضافُ الرَّجُلُ إلى أَخِيهِ بالأُخُوَّةِ، وإلى أبِيه بالبُنُوَّةِ، وإلى وَلَدِه بالأُبُوَّةِ، وإلى امْرَأَته بالزَّوْجِيَّةِ، وساكِنُ الدَّارِ مُخْتَصٌّ بها، فكانتْ إضافَتُها إليه صَحِيحَةً، وهى مُسْتَعْمَلَةٌ فى العُرْفِ، فوجَبَ أَنْ يَحْنَثَ (٢٥) بدُخُولِها، كالمَمْلوكَةِ له. وقَوْلُهم (٢٦): هذه الإِضافَةُ مَجازٌ. مَمْنُوعٌ، بل هى حَقِيقَةٌ؛ لما ذَكَرْناه، ولو كانَتْ مَجازًا، لكنَّه مَشْهُورٌ، فيَتَناوَلُه اللَّفْظُ، كما لو حَلَفَ: لا شَرِبْتُ من رَاوِيَه فلانٍ. فإنَّه يَحْنَثُ بالشُّرْبِ من مَزادَتِه. وأمَّا الإِقْرارُ، فإنَّه لو قال: هذه دارُ زَيْدٍ. وفسَّر إقْرارَه بسُكْناها، احْتَمَلَ أَنْ نقولَ: يُقْبَلُ تَفْسِيرُه. وإِنْ سَلَّمْنا، [فإِنَّ قَرِينَةَ] (٢٧) الإِقْرارِ تَصْرِفُه إلى المِلْكِ، وكذلك لو حَلَفَ: لا دَخَلْتُ مَسْكَنَ زَيدٍ. حَنِثَ بدُخُولِه الدَّارَ التى يَسْكُنُها. ولو قال: هذا المَسْكَنُ لزيدٍ. كان مُقِرًّا له بها. ولا خِلافَ فى هذه المَسْأَلةِ، وهى نَظيرَةُ مَسْأَلَتِنا. فصل: ولو حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةَ فلانٍ، فرَكِبَ دابَّةً اسْتَأْجَرَها فلانٌ، حنِثَ، وإِنْ رَكِبَ دابَّةً اسْتعارَها، لم يَحْنَثْ. ذَكَرَه أبو الخَطَّاب. وكذلك لو رَكِبَ دابَّةً غَصَبَها فلانٌ. وفارقَ مسأَلَةَ الدَّارِ؛ فإنَّه لم يَحْنَث فى الدَّارِ لكَوْنِه اسْتَعارَها، ولا غَصَبَها، وإنَّما حَنِثَ لسُكْناهُ بها، فأُضِيفَت الدَّارُ إليه لذلك، ولو غَصَبها أو اسْتَعارَها من غَيْرِ أَنْ يَسْكُنَها، لم تَصِحَّ إضافَتُها إليه، ولا يَحْنَثُ الحالِفُ، فيكونُ كمُسْتعيرِ الدَّابَّةِ وغاصِبِها سَواءً. فصل: وإِنْ (٢٨) حَلَفَ لا يَدْخُلُ دارَ هذا العَبْدِ، ولا يَرْكَبُ دابَّتَه، ولا يَلْبَسُ ثَوْبَه،

стр. 7244

فدَخَلَ دارًا جُعِلَتْ برَسْمِه، أو رَكِبَ دابَّةً جُعِلَتْ برَسْمِه، أو لبسَ ثَوْبًا جُعِلَ برَسْمِه، حَنِثَ. وعندَ الشافِعِىِّ لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُ شيئًا [من ذلك] (٢٩)، والإِضافَةُ تَقْتَضِى المِلْكَ، وقد قَدَّمْنا الكلامَ معه فى الفَصْلِ الذى قبلَ هذا. ويُخَصُّ (٣٠) هذا الفَصْلُ بأنَّ المِلْكِيَّةَ لا تُمْكِنُ ههُنا، ولا تَصِحُّ الإِضافَةُ بمَعْناها، فتعَيَّنَ حَمْلُ الإِضافَةِ ههُنا على إضافَةِ الاخْتِصاصِ دون المِلْكِ. وإِنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ دارَ زَيْدٍ، فدَخَلَ دار عَبْدِه، حَنِثَ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ دارَ العَبْدِ مِلْكٌ لسَيِّدِه. وإِنْ حَلَفَ لا يلْبَسُ ثوْبَ السَّيِّدِ، ولا يَرْكَبُ دابَّتهُ، فلَبِسَ ثوْبَ عَبْدِه، ورَكِبَ فى دابَّتَه، حَنِثَ. وبه (٣١) قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ (٣٢): لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّ العَبْدَ بهما أخَصُّ (٣٣). ولَنا، أنَّهما مَمْلُوكانِ للسَّيِّد، فَتَناوَلَهُما يَمِينُ الحالِفِ، كالدَّارِ، وما ذَكَرُوه يبْطُل بالدَّارِ. ١٨٣١ - مسألة؛ قال: (ولو حَلَفَ أَنْ (١) لَا يَدْخُلَ دَارًا، فَأَدْخَلَ يَدهُ أَوْ رِجْلَهُ أو رَأْسَهُ أو شَيْئًا مِنْهُ، حَنِثَ. ولَوْ حَلَفَ أَنْ يَدْخُلَ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَدْخُلَ بجَمِيعهِ، أَمَّا إِذَا حَلَفَ ليَدَخُلَنَّ أو يَفْعَلُ شَيْئًا، لَمْ يَبَرَّ إِلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِهِ، والدُّخُولِ إِلَيْهَا بجُمْلَتِهِ) لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ فى (٢) ذلك، ولا نَعْلَمُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ فيه اخْتِلافًا؛ لأَنَّ اليَمِينَ تَناوَلَتْ فِعْلَ الجميعِ، [فلم يَبَرَّ إِلَّا بفِعْلِ الجميعِ] (٣)، كما لو أمَرَهُ اللَّه تعالى بفِعْلِ شىءٍ، لم يَخْرُجْ من عُهْدَةِ الأَمْرِ إلا بفِعْلِ الجميعِ، ولأنَّ اليَمِينَ على فِعْلِ شَىءٍ إخْبارٌ بِفِعْلِهِ فى

стр. 7245

المُسْتَقْبلِ مُؤكَّد بالقَسَمِ، والخبرُ بفِعْلِ شىءٍ يَقْتَضِى فِعْلَه كُلَّه، فأمَّا إِنْ حَلَفَ أَنْ (٤) لا يَدْخُلَ، فأَدْخَلَ بَعْضَه، أو لا (٥) يفعلَ شيئًا، ففَعَلَ بَعْضَه، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، يَحْنَثُ (٦). حُكِىَ ذلك (٤) عن مالِكٍ؛ لأنَّ اليَمِينَ يَقْتَضِى المَنْعَ من فِعْلِ المَحْلوفِ عليه، فاقْتَضَت المَنْعَ من فِعْلِ شىءٍ منه، كالنَّهْىِ، فنظيرُ الحَلِفِ (٧) على الدُّخولِ قولُه تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (٨). و ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ (٩). فلا يكونُ المأْمورُ مُمْتَثِلًا إِلَّا بدُخولِ جُمْلَتِه، ونَظِيرُ الحَلِفِ على تَرْكِ الدُّخولِ قولُه سبحانه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ (١٠). وقولُه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ﴾ (١١). لا يكونُ المَنْهِىُّ مُمْتَثِلًا إِلَّا بِتَرْكِ الدُّخُولِ كلِّه، فكذلك الحالِفُ على تَرْكِ الدخولِ، لا يَبْرأُ إِلَّا بتَرْكِه كُلِّه، فمتى أدْخَلَ بَعْضَه لم يكُنْ تاركًا لِمَا حَلَفَ عليه، فكان مُخالِفًا، كالمَنْهىِّ (١٢) عن الدُّخولِ. ووَجْهُ الجَمْعِ بينَهما، أَنَّ الآمِرَ والنَّاهِىَ يقْصِدُ الحَمْلَ على فِعْلِ الشىءِ أو المَنْعَ منه، والحالِفَ يقصدُ بيمينِه ذلك، فكانا سواءً، يُحَقِّقُه أَنَّ الآمِرَ بالفِعْلِ والحالِفَ (١٣) عليه، يقْصِدُ فِعْلَ الجميعِ، فلا يكونُ مُمْتَثِلًا ولا بارًّا [إِلَّا بفِعْلِه كلِّه، والناهِىَ والحالِفَ على التّرْكِ، يقْصِدُ تَرْكَ الجميعِ، فلا يكونُ ممتَثِلًا ولا بارًّا] (١٤) إِلَّا بِتَرْكِ الجميعِ، وفاعِلُ البَعْضِ ما فَعَلَ الجميعَ، ولا تَرَكَ الجميعَ، فلا يكونُ مُمْتَثِلًا للأَمْرِ ولا النَّهْىِ، ولا بارًّا فى الحَلِفِ (١٥) على الفِعْلِ ولا التَّرْكِ. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، لا يَحْنَثُ إِلَّا بأنْ يَدْخُلَ كُلُّه. قال

стр. 7246

أحمدُ، فى رِوايَةِ صالِحٍ، وحَنْبَلٍ، فى مَن حَلَفَ على امْرَأَتِه لا تَدْخُلُ بَيْتَ أَخِيهَا: لا (١٦) تَطْلُقُ حتى تَدْخُلَ كُلُّها، ألا تَرَى أَنَّ عَوْفَ بنَ مالِكٍ، قال: كُلِّى أو بَعْضِى (١٧)؟ لأَنَّ الكُلَّ لا يكونُ بعضًا، والبعضَ لا يكونُ كُلًّا. وهذا اختيارُ أبى الخطابِ، ومَذْهَبُ أبى حَنِيفةَ، والشافِعِىِّ. وهكذا كُلُّ شَىءٍ حَلَفَ أَنْ لا يَفْعَلَه، ففَعَلَ بَعْضَه، لا يَحْنَثُ حتى يفْعَلَه (١٨) كُلَّه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُخْرِجُ رَأْسَهُ إلى عائِشَةَ وهو مُعْتَكِفٌ، فَتُرَجَّلُه وهى حائِضٌ (١٩). والمُعْتَكِفُ ممنوعٌ من الخُروجِ من المَسْجِدِ، والحائِضُ مَمْنُوعَةٌ من اللُّبْثِ فيه. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال لأُبَىِّ بن كَعْبٍ: "إنِّى لَا أَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُعَلِّمك سُورَةً"، فلَمَّا أَخْرَجَ رِجْلَهُ منَ المَسْجِدِ عَلَّمَهَ إيَّاهَا (٢٠). ولأَنَّ يَمِينَهُ تَعَلَّقَت بالجميعِ، فلم تَنْحَلَّ بالبَعْضِ، كالإِثْباتِ. وهذا الخلافُ فى اليَمِينِ المُطْلَقَةِ، فأمَّا إِنْ نَوَى [الجميعَ أو البَعْضَ فيَمِينُه على ما نَوَى] (٢١). وكذلك إن اقْتَرَنَتْ به قَرينَةٌ تَقْتَضِى أحَدَ الأَمْرَيْنِ، تَعَلَّقَت يَمِينُه به، فلو قال: واللَّهِ لا شَرِبْتُ هذا النَّهْرَ، أو هذه البِرْكة. تعلَّقَتْ يَمِينُه ببَعْضِه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأَنَّ فِعْلَ الجميعِ مُمْتَنِعٌ، فلا ينْصَرفُ يَمِينُه إليه، وكذلك لو قال: واللَّهِ لا آكُلُ الخُبْزَ، ولا أَشْرَبُ الماءَ. وما أشْبَهَهُ ممَّا علَّقَ على اسمِ جِنْسٍ، أو عَلَّقَه على اسمِ جَمْعٍ، كالمُسْلِمين، والمُشْركِين، والفُقَراءِ، والمساكينِ، فإنَّه (٢٢) يَحْنَثُ بالبعضِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وسَلَّمه أصْحابُ الشافِعِىِّ فى اسْمِ الجِنْسِ دونَ الجَمْعِ. وإِنْ عَلَّقَه على اسْمِ جِنْسٍ مُضافٍ، كماءِ النَّهْرِ، حَنِثَ أيضًا بفِعْلِ البَعْضِ، إذا كان ممَّا لا يُمْكِنُ شُرْبُه كُلُّه. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحابِ الشافِعِىِّ، والآخَرُ، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ لَفْظَه يَقْتَضِى جَمِيعَه، فلم يَتَعَلَّقْ ببَعْضِه، كماءِ الإِداوةِ. ولَنا؛

стр. 7247

أنَّه لا يُمْكِنُ شُرْبُ جَمِيعِه، فَتَعَلَّقَت اليَمِينُ بِبَعْضِه، كما لو حَلَفَ لا يُكَلِّمُ الناسَ، فكلَّم (٢٣) بَعْضَهم، وبهذا فارَقَ ماءَ الإِداوَةِ، وإِنْ نَوَى بِيَمِينِه فِعْلَ الجميعِ، أو كان فى لَفْظِه ما يَقْتَضِى ذلك، لم يَحْنَثْ إِلَّا بفِعْلِ الجميعِ، فلو (٢٤) قال: واللَّهِ لا صُمْتُ يومًا. لم يَحْنَثْ حتى يُكْمِلَه. وإِنْ حَلَفَ: لا صَلَّيْتُ صَلاةً، ولا أَكَلْتُ أَكْلَةً. لم يَحْنَث حتى يُكْمِلَ الصلاةَ والأَكْلَةَ. وإِنْ قال لامْرَأَتِه: إِنْ حِضْتِ حَيْضَةً، فأنتِ طالِقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تطْهُرَ من حَيْضَةٍ مُسْتَقْبلَةٍ. وإِنْ قال لامْرأَتَيْه: إِنْ حِضْتُما، فأنْتما طالِقَتان. لم تَطْلُقْ واحِدَةٌ منهما حتى تَحِيضَا كِلْتاهُما. فهذا وأَشْباهُه ممّا يَدُلُّ على إرادَتِه فِعْلَ الجَمِيعِ، فوَجَبَ تَعَلُّقُ اليَمِينِ بِه. وقال أحمدُ فى رجُلٍ قال لامْرأَتِه: إذا صُمْتِ يَوْمًا، فأَنْتِ طالِقٌ: إذا غابَتِ الشمسُ من ذلك اليوم طَلُقَتْ. وقال القاضِى: إذا حَلَفَ: لا صَلَّيْتُ صلاةً. لم يَحْنَثْ حتى يفْرُغَ ممَّا يُسَمَّى صلاةً. ولو حَلَفَ لا يُصَلِّى ولا يَصُومُ، خَنِثَ فى الصلاةِ بتَكْبِيرةِ الإِحْرامِ، وفى الصيامِ بِطُلُوعِ الفَجْرِ إذا نَوَى الصِّيامَ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. ووافَقَ أبو حنيفةَ فى الصِّيامِ، وقال فى الصَّلاةِ: لا يَحْنَثُ حتى يَسْجُدَ سَجْدَةً. ولَنا، أنَّه يُسَمَّى مُصَلِّيًا بدُخولِه فى الصلاةِ، فحَنِثَ به، كما لو (٢٥) سَجَدَ سَجْدَةً، ولأنَّه شَرَعَ فيما حَلَفَ عليه، أشْبَهَ الصِّيامَ يَشْرَعُ فيه. واختارَ أبو الخَطَّاب أنَّه (٢٦) لا يَحْنَثُ حتى يُصَلِّىَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْها، ولا يَحْنَثُ فى الصِّيامِ حتى يصومَ يومًا كامِلًا؛ لأَنَّ ما دونَ ذلك لا يكونُ بمُفْرَدِه صَوْمًا ولا صَلاةً. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ فإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ من ذلك صلاةٌ وصِيامٌ، لكن يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِه إتْمامُه، وكذلك يُقالُ لِمَنْ أفْسَدَ ذلك: بطلَ صَوْمُه وصَلاتُه. ١٨٣٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَلَفَ أَنْ (١) لَا يلْبَسَ ثَوْبًا هُوَ (٢) لابِسُهُ، نَزَعَهَ مِنْ وَقْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، حَنِثَ) وجملةُ ذلك أَنَّ مَنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا هو لابِسُه، فإنْ نَزَعَه فى الحالِ، وإلَّا حَنِثَ،

стр. 7248

وكذلك إِنْ حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةً هو راكِبُها، فإنْ نَزَلَ فى أَوَّلِ حالَةِ الإِمْكانِ، وإلَّا حَنِثَ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ باسْتِدامَةِ (٣) اللبْسِ والرُّكُوبِ حتى يَبْتَدِئَه؛ لأَنَّه لو حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ ولا يَتَطَهَّرُ، فاسْتَدامَ ذلك، لم يَحْنَثْ. كذا ههُنا. ولَنا، أَنَّ اسْتِدامَةَ اللُّبْسِ والرُّكوبِ تُسَمَّى لُبْسًا ورُكُوبًا، ويُسَمَّى به لابِسًا وراكِبًا، ولذلك يقالُ: لبِسْتُ هذا الثوبَ شَهْرًا، ورَكِبْتُ دابَّتِى يومًا. فحَنِثَ باسْتِدامَتِه، كما لو حَلَفَ لا يَسْكُنُ، فاسْتدامَ السُّكْنَى، وقد اعْتَبَرَ الشَّرْعُ هذا فى الإِحْرامِ، حيث حَرَّمَ لُبْسَ المَخِيطِ، فَأَوْجَبَ الكفَّارَةَ فى اسْتِدامَتِهِ، كَما أَوْجَبَها فى ابْتِدائِه، وفارقَ التَّزْويجَ، فإنَّه لا يُطْلَقُ على الاسْتِدامَةِ، فلا يقالُ: تَزَوَّجْتُ شَهْرًا. وإنَّما يُقال: مُنْذُ شَهْرٍ. ولهذا لم تَحْرُم اسْتِدامَتُه فى الإِحْرامِ كابْتِدائِه. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ، ولا يَتَطَيَّبُ، ولا يَتَطَهَّرُ، فاسْتَدامَ ذلك، لم يَحْنَثْ فى قولِهم جميعًا؛ لأنَّه لا يُطْلَقُ على مُسْتديمِ هذه الأَفْعالِ اسمُ الفِعْلِ، فلا يُقالُ: تَزَوَّجْتُ شَهْرًا. ولا: تَطَهَّرْتُ شَهْرًا. ولا: تَطَيَّبْتُ شَهْرًا. وإنَّما يُقالُ: مُنْذُ شَهْرٍ. ولم يُنَزِّلِ الشارِعُ اسْتِدامَةَ التَّزْويج والطِّيبِ مَنْزِلَةَ ابْتدائِهما (٤) فى تَحْرِيمِه فى الإِحْرامِ، وإيجابِ الكَفَّارةِ فيه. فصل: وإِنْ حَلَفَ أَنْ (٥) لا يَدْخُلَ دارًا هو فيها، فأقامَ فيها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ المُقامِ فى مِلْكِ الغَيْرِ كابْتِدائِه فى التَّحْريِم. قال أحمدُ، فى رجُلٍ حَلَفَ على امْرَأَتِه: لا دَخَلْتُ أنا وأنْتِ هذه الدارَ. وهما جميعًا فيها، قال: أخافُ أَنْ يكونَ قد حَنِثَ. والثانى، لا يَحْنَثُ. ذكَرَه القاضِى، واخْتارَهُ أبو الخَطَّابِ، وهو قَوْلُ أصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الدُّخُولَ لا يُسْتَعْمَلُ فى الاسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: دَخَلْتُها مُنْذ شَهْرٍ. ولا يقالُ: دَخَلْتُها شَهْرًا. فجرَى مَجْرَى التَّزْوِيِح، ولأَنَّ الدُّخولَ الانْفِصالُ من خارِجٍ إلى داخِلٍ، ولا يُوجَدُ فى الإِقامَةِ. وللشافِعِىِّ قَوْلان، كالوَجْهَيْن. ويَحْتَمِلُ أنّ مَنْ (٦) أَحْنَثَه

стр. 7249

إنَّما كان لأَنَّ ظاهِرَ حالِ الحالِفِ أنَّه يَقْصِدُ هِجْرانَ الدَّارِ ومُبايَنَتَها، والإِقامَةُ فيها تُخالِفُ ذلك، فجرَى مَجْرَى الحالِفِ على تَرْكِ السُّكْنَى بها (٧). فصل: فإنْ حَلَفَ لا يُضاجِعُ امْرَأَتَه على فِراشٍ، وهما مُتَضاجِعانِ (٨)، فاسْتَدامَ ذلك، حَنِثَ؛ لأَنَّ المُضاجَعَةَ تَقَعُ على الاسْتِدامَةِ، ولهذا يقال: اضْطَجَعَ على الفراشِ لَيْلَةً. وإِنْ كان هو مُضْطَجِعًا على الفِرَاشِ وَحْدَه، فاضْطَجَعَتْ عندَه عليه، نَظَرْتَ؛ فإنْ قامَ لِوَقْتِه، لم يَحْنَثْ، وإن اسْتَدامَ، حَنِثَ؛ لما ذَكَرْنا. وإِنْ حَلَفَ لا يصومُ وهو صائِمٌ، فأَتَمَّ يَوْمَه، فقال القاضِى: لا (٩) يَحْنَثُ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَحْنَثَ؛ لأَنَّ الصومَ يقَعُ على الاسْتِدامَةِ، يقال: صامَ يومًا. لو شَرَعَ فى صومِ يومِ العيدِ، فظَنَّ أنَّه من رمضانَ، فبانَ أنَّه (١٠) يومُ العِيدِ، حَرُمَتْ عليه اسْتِدامَتُه. وإِنْ حَلَفَ لا يُسافِرُ، وهو مُسافِرٌ، فأخَذَ فى العَوْدِ أو أقامَ، لم يَحْنَثْ، وإِنْ مَضَى فى سَفرِه، حَنِثَ؛ لأَنَّ الاسْتِدامَةَ سَفَرٌ، ولهذا يُقال: سافَرْتُ شَهْرًا. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يلْبَسُ هذا الثَّوْبَ، وكان رِداءً فى حالِ حَلِفِه، فارْتَدَى به، أو ائْتَزَرَ، أو اعْتَمَّ به، أو جَعَلَه قميصًا، أو سَراوِيلَ، أو قَباءً، ولبِسَه، حَنِثَ، [كذلك إن كان قَمِيصًا فارْتَدَى به، أو سَرَاويلَ فأْتَزَرَ به، حَنِثَ] (١١). وهذا (١٢) هو الصَّحِيحُ من مذهبِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه قد لَبِسَه. وإِنْ قال فى يَمِينِه: لا لَبِسْتُه (١٣) وهو رداءٌ. فغَيَّرَه عن كونِه رداءً، ولَبِسَه، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ اليَمِينَ وَقَعَتْ على تَرْكِ لُبْسِه رِداءً. وإِنْ قال: واللَّهِ لا لَبِسْتُ شيئًا. فلَبِسَ قميصًا، أو عِمامَةً، أو قَلَنْسُوَةً، أو دِرْعًا، أو جوشنًا (١٤)، أو خُفًا، أو نَعْلًا، حَنِثَ. وقال أصحابُ الشافِعِىِّ: فى الخُفِّ والنَّعْلِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا

стр. 7250

يَحْنَثُ. ولَنا، أنَّه مَلْبُوسٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، فحَنِثَ به، كالثِّيابِ، وفى الحديثِ أَنَّ النَّجاشِىَّ أَهْدَى إلى النَّبِىِّ ﷺ خُفَّيْنِ، فلَبِسَهُما (١٥). وقيل لابنِ عُمَرَ: إنَّكَ تَلْبَسُ هذا النِّعالَ؟ قال: إِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَلْبَسُهما (١٦). فإنْ تَرَكَ القَلَنْسُوَةَ فى رِجْلِه، أو أَدْخَلَ يَدَهُ فى الخُفِّ أو النَّعْلِ، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ ذلك ليس بِلُبْسٍ لهما. فصل: وإِنْ حَلَفَ لَيُلْبِسَنَّ امْرَأَتَه حَلْيًا، فألْبَسَها (١٧) خاتَمًا من فِضَّةٍ، أو مَخْنَقةً من لُؤْلُؤٍ، أو جَوْهَرٍ وَحْدَه، بَرَّ فى يَمِينِه. وبه قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَبَرُّ؛ لأَنَّه ليسَ بِحَلْى وَحْدَه. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (١٨). وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ (١٩) وجاءَ فى الحديثِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّه قال: قال اللَّه تعالى للبَحْرِ الشَّرْقِىِّ: إنِّى جاعِلٌ فيك الحِلْيَةَ والصَّيْدَ والطِّيبَ (٢٠). ولأَنَّ الفِضَّةَ حَلْىٌ إذا كانَتْ سِوارًا أو خَلْخالًا، فكانتْ حَلْيًا إذا كانَتْ خاتَمًا، كالذَّهَبِ، والجَوْهَرُ واللُّؤْلُؤُ حَلْىٌ مع غَيْرِه، فكانَ حَلْيًا وَحْدَه، كالذَّهَبِ. فإنْ أَلْبَسَها عَقِيقًا، أو سَبَجًا (٢١)، لم يَبَرَّ وقال الشافِعِىُّ: إِنْ كان من أهلِ السَّوادِ بَرَّ، وفى غيرِهم وَجْهان؛ لأنَّ هذا حَلْىٌ فى عُرْفِهم. ولَنا، أَنَّ هذا ليسَ بِحَلْى، فلا يَبَرُّ به، كالوَدَعِ، وخَرَزِ الزجاجِ. وما ذَكَرُوه يبْطُلُ بالوَدَعِ. وإِنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ حَلْيًا، فلَبِسَ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ فى مُرْسَلَةٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه ليس بحَلْى إذا لم يَلْبَسْه، فكذلك إذا لَبِسَه. والثانى، يَحْنَثُ؛ لأَنَّه ذَهَبٌ وفِضَّةٌ لَبِسَه، فكان حَلْيًا،
следующие страницы →