← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

أحمدُ، فى رِوايَةِ صالِحٍ، وحَنْبَلٍ، فى مَن حَلَفَ على امْرَأَتِه لا تَدْخُلُ بَيْتَ أَخِيهَا: لا (١٦) تَطْلُقُ حتى تَدْخُلَ كُلُّها، ألا تَرَى أَنَّ عَوْفَ بنَ مالِكٍ، قال: كُلِّى أو بَعْضِى (١٧)؟ لأَنَّ الكُلَّ لا يكونُ بعضًا، والبعضَ لا يكونُ كُلًّا. وهذا اختيارُ أبى الخطابِ، ومَذْهَبُ أبى حَنِيفةَ، والشافِعِىِّ. وهكذا كُلُّ شَىءٍ حَلَفَ أَنْ لا يَفْعَلَه، ففَعَلَ بَعْضَه، لا يَحْنَثُ حتى يفْعَلَه (١٨) كُلَّه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُخْرِجُ رَأْسَهُ إلى عائِشَةَ وهو مُعْتَكِفٌ، فَتُرَجَّلُه وهى حائِضٌ (١٩). والمُعْتَكِفُ ممنوعٌ من الخُروجِ من المَسْجِدِ، والحائِضُ مَمْنُوعَةٌ من اللُّبْثِ فيه. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال لأُبَىِّ بن كَعْبٍ: "إنِّى لَا أَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُعَلِّمك سُورَةً"، فلَمَّا أَخْرَجَ رِجْلَهُ منَ المَسْجِدِ عَلَّمَهَ إيَّاهَا (٢٠). ولأَنَّ يَمِينَهُ تَعَلَّقَت بالجميعِ، فلم تَنْحَلَّ بالبَعْضِ، كالإِثْباتِ. وهذا الخلافُ فى اليَمِينِ المُطْلَقَةِ، فأمَّا إِنْ نَوَى [الجميعَ أو البَعْضَ فيَمِينُه على ما نَوَى] (٢١). وكذلك إن اقْتَرَنَتْ به قَرينَةٌ تَقْتَضِى أحَدَ الأَمْرَيْنِ، تَعَلَّقَت يَمِينُه به، فلو قال: واللَّهِ لا شَرِبْتُ هذا النَّهْرَ، أو هذه البِرْكة. تعلَّقَتْ يَمِينُه ببَعْضِه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأَنَّ فِعْلَ الجميعِ مُمْتَنِعٌ، فلا ينْصَرفُ يَمِينُه إليه، وكذلك لو قال: واللَّهِ لا آكُلُ الخُبْزَ، ولا أَشْرَبُ الماءَ. وما أشْبَهَهُ ممَّا علَّقَ على اسمِ جِنْسٍ، أو عَلَّقَه على اسمِ جَمْعٍ، كالمُسْلِمين، والمُشْركِين، والفُقَراءِ، والمساكينِ، فإنَّه (٢٢) يَحْنَثُ بالبعضِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وسَلَّمه أصْحابُ الشافِعِىِّ فى اسْمِ الجِنْسِ دونَ الجَمْعِ. وإِنْ عَلَّقَه على اسْمِ جِنْسٍ مُضافٍ، كماءِ النَّهْرِ، حَنِثَ أيضًا بفِعْلِ البَعْضِ، إذا كان ممَّا لا يُمْكِنُ شُرْبُه كُلُّه. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحابِ الشافِعِىِّ، والآخَرُ، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ لَفْظَه يَقْتَضِى جَمِيعَه، فلم يَتَعَلَّقْ ببَعْضِه، كماءِ الإِداوةِ. ولَنا؛

стр. 7247

أنَّه لا يُمْكِنُ شُرْبُ جَمِيعِه، فَتَعَلَّقَت اليَمِينُ بِبَعْضِه، كما لو حَلَفَ لا يُكَلِّمُ الناسَ، فكلَّم (٢٣) بَعْضَهم، وبهذا فارَقَ ماءَ الإِداوَةِ، وإِنْ نَوَى بِيَمِينِه فِعْلَ الجميعِ، أو كان فى لَفْظِه ما يَقْتَضِى ذلك، لم يَحْنَثْ إِلَّا بفِعْلِ الجميعِ، فلو (٢٤) قال: واللَّهِ لا صُمْتُ يومًا. لم يَحْنَثْ حتى يُكْمِلَه. وإِنْ حَلَفَ: لا صَلَّيْتُ صَلاةً، ولا أَكَلْتُ أَكْلَةً. لم يَحْنَث حتى يُكْمِلَ الصلاةَ والأَكْلَةَ. وإِنْ قال لامْرَأَتِه: إِنْ حِضْتِ حَيْضَةً، فأنتِ طالِقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تطْهُرَ من حَيْضَةٍ مُسْتَقْبلَةٍ. وإِنْ قال لامْرأَتَيْه: إِنْ حِضْتُما، فأنْتما طالِقَتان. لم تَطْلُقْ واحِدَةٌ منهما حتى تَحِيضَا كِلْتاهُما. فهذا وأَشْباهُه ممّا يَدُلُّ على إرادَتِه فِعْلَ الجَمِيعِ، فوَجَبَ تَعَلُّقُ اليَمِينِ بِه. وقال أحمدُ فى رجُلٍ قال لامْرأَتِه: إذا صُمْتِ يَوْمًا، فأَنْتِ طالِقٌ: إذا غابَتِ الشمسُ من ذلك اليوم طَلُقَتْ. وقال القاضِى: إذا حَلَفَ: لا صَلَّيْتُ صلاةً. لم يَحْنَثْ حتى يفْرُغَ ممَّا يُسَمَّى صلاةً. ولو حَلَفَ لا يُصَلِّى ولا يَصُومُ، خَنِثَ فى الصلاةِ بتَكْبِيرةِ الإِحْرامِ، وفى الصيامِ بِطُلُوعِ الفَجْرِ إذا نَوَى الصِّيامَ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. ووافَقَ أبو حنيفةَ فى الصِّيامِ، وقال فى الصَّلاةِ: لا يَحْنَثُ حتى يَسْجُدَ سَجْدَةً. ولَنا، أنَّه يُسَمَّى مُصَلِّيًا بدُخولِه فى الصلاةِ، فحَنِثَ به، كما لو (٢٥) سَجَدَ سَجْدَةً، ولأنَّه شَرَعَ فيما حَلَفَ عليه، أشْبَهَ الصِّيامَ يَشْرَعُ فيه. واختارَ أبو الخَطَّاب أنَّه (٢٦) لا يَحْنَثُ حتى يُصَلِّىَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْها، ولا يَحْنَثُ فى الصِّيامِ حتى يصومَ يومًا كامِلًا؛ لأَنَّ ما دونَ ذلك لا يكونُ بمُفْرَدِه صَوْمًا ولا صَلاةً. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ فإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ من ذلك صلاةٌ وصِيامٌ، لكن يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِه إتْمامُه، وكذلك يُقالُ لِمَنْ أفْسَدَ ذلك: بطلَ صَوْمُه وصَلاتُه. ١٨٣٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَلَفَ أَنْ (١) لَا يلْبَسَ ثَوْبًا هُوَ (٢) لابِسُهُ، نَزَعَهَ مِنْ وَقْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، حَنِثَ) وجملةُ ذلك أَنَّ مَنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا هو لابِسُه، فإنْ نَزَعَه فى الحالِ، وإلَّا حَنِثَ،

стр. 7248

وكذلك إِنْ حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةً هو راكِبُها، فإنْ نَزَلَ فى أَوَّلِ حالَةِ الإِمْكانِ، وإلَّا حَنِثَ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ باسْتِدامَةِ (٣) اللبْسِ والرُّكُوبِ حتى يَبْتَدِئَه؛ لأَنَّه لو حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ ولا يَتَطَهَّرُ، فاسْتَدامَ ذلك، لم يَحْنَثْ. كذا ههُنا. ولَنا، أَنَّ اسْتِدامَةَ اللُّبْسِ والرُّكوبِ تُسَمَّى لُبْسًا ورُكُوبًا، ويُسَمَّى به لابِسًا وراكِبًا، ولذلك يقالُ: لبِسْتُ هذا الثوبَ شَهْرًا، ورَكِبْتُ دابَّتِى يومًا. فحَنِثَ باسْتِدامَتِه، كما لو حَلَفَ لا يَسْكُنُ، فاسْتدامَ السُّكْنَى، وقد اعْتَبَرَ الشَّرْعُ هذا فى الإِحْرامِ، حيث حَرَّمَ لُبْسَ المَخِيطِ، فَأَوْجَبَ الكفَّارَةَ فى اسْتِدامَتِهِ، كَما أَوْجَبَها فى ابْتِدائِه، وفارقَ التَّزْويجَ، فإنَّه لا يُطْلَقُ على الاسْتِدامَةِ، فلا يقالُ: تَزَوَّجْتُ شَهْرًا. وإنَّما يُقال: مُنْذُ شَهْرٍ. ولهذا لم تَحْرُم اسْتِدامَتُه فى الإِحْرامِ كابْتِدائِه. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ، ولا يَتَطَيَّبُ، ولا يَتَطَهَّرُ، فاسْتَدامَ ذلك، لم يَحْنَثْ فى قولِهم جميعًا؛ لأنَّه لا يُطْلَقُ على مُسْتديمِ هذه الأَفْعالِ اسمُ الفِعْلِ، فلا يُقالُ: تَزَوَّجْتُ شَهْرًا. ولا: تَطَهَّرْتُ شَهْرًا. ولا: تَطَيَّبْتُ شَهْرًا. وإنَّما يُقالُ: مُنْذُ شَهْرٍ. ولم يُنَزِّلِ الشارِعُ اسْتِدامَةَ التَّزْويج والطِّيبِ مَنْزِلَةَ ابْتدائِهما (٤) فى تَحْرِيمِه فى الإِحْرامِ، وإيجابِ الكَفَّارةِ فيه. فصل: وإِنْ حَلَفَ أَنْ (٥) لا يَدْخُلَ دارًا هو فيها، فأقامَ فيها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ المُقامِ فى مِلْكِ الغَيْرِ كابْتِدائِه فى التَّحْريِم. قال أحمدُ، فى رجُلٍ حَلَفَ على امْرَأَتِه: لا دَخَلْتُ أنا وأنْتِ هذه الدارَ. وهما جميعًا فيها، قال: أخافُ أَنْ يكونَ قد حَنِثَ. والثانى، لا يَحْنَثُ. ذكَرَه القاضِى، واخْتارَهُ أبو الخَطَّابِ، وهو قَوْلُ أصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الدُّخُولَ لا يُسْتَعْمَلُ فى الاسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: دَخَلْتُها مُنْذ شَهْرٍ. ولا يقالُ: دَخَلْتُها شَهْرًا. فجرَى مَجْرَى التَّزْوِيِح، ولأَنَّ الدُّخولَ الانْفِصالُ من خارِجٍ إلى داخِلٍ، ولا يُوجَدُ فى الإِقامَةِ. وللشافِعِىِّ قَوْلان، كالوَجْهَيْن. ويَحْتَمِلُ أنّ مَنْ (٦) أَحْنَثَه

стр. 7249

إنَّما كان لأَنَّ ظاهِرَ حالِ الحالِفِ أنَّه يَقْصِدُ هِجْرانَ الدَّارِ ومُبايَنَتَها، والإِقامَةُ فيها تُخالِفُ ذلك، فجرَى مَجْرَى الحالِفِ على تَرْكِ السُّكْنَى بها (٧). فصل: فإنْ حَلَفَ لا يُضاجِعُ امْرَأَتَه على فِراشٍ، وهما مُتَضاجِعانِ (٨)، فاسْتَدامَ ذلك، حَنِثَ؛ لأَنَّ المُضاجَعَةَ تَقَعُ على الاسْتِدامَةِ، ولهذا يقال: اضْطَجَعَ على الفراشِ لَيْلَةً. وإِنْ كان هو مُضْطَجِعًا على الفِرَاشِ وَحْدَه، فاضْطَجَعَتْ عندَه عليه، نَظَرْتَ؛ فإنْ قامَ لِوَقْتِه، لم يَحْنَثْ، وإن اسْتَدامَ، حَنِثَ؛ لما ذَكَرْنا. وإِنْ حَلَفَ لا يصومُ وهو صائِمٌ، فأَتَمَّ يَوْمَه، فقال القاضِى: لا (٩) يَحْنَثُ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَحْنَثَ؛ لأَنَّ الصومَ يقَعُ على الاسْتِدامَةِ، يقال: صامَ يومًا. لو شَرَعَ فى صومِ يومِ العيدِ، فظَنَّ أنَّه من رمضانَ، فبانَ أنَّه (١٠) يومُ العِيدِ، حَرُمَتْ عليه اسْتِدامَتُه. وإِنْ حَلَفَ لا يُسافِرُ، وهو مُسافِرٌ، فأخَذَ فى العَوْدِ أو أقامَ، لم يَحْنَثْ، وإِنْ مَضَى فى سَفرِه، حَنِثَ؛ لأَنَّ الاسْتِدامَةَ سَفَرٌ، ولهذا يُقال: سافَرْتُ شَهْرًا. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يلْبَسُ هذا الثَّوْبَ، وكان رِداءً فى حالِ حَلِفِه، فارْتَدَى به، أو ائْتَزَرَ، أو اعْتَمَّ به، أو جَعَلَه قميصًا، أو سَراوِيلَ، أو قَباءً، ولبِسَه، حَنِثَ، [كذلك إن كان قَمِيصًا فارْتَدَى به، أو سَرَاويلَ فأْتَزَرَ به، حَنِثَ] (١١). وهذا (١٢) هو الصَّحِيحُ من مذهبِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه قد لَبِسَه. وإِنْ قال فى يَمِينِه: لا لَبِسْتُه (١٣) وهو رداءٌ. فغَيَّرَه عن كونِه رداءً، ولَبِسَه، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ اليَمِينَ وَقَعَتْ على تَرْكِ لُبْسِه رِداءً. وإِنْ قال: واللَّهِ لا لَبِسْتُ شيئًا. فلَبِسَ قميصًا، أو عِمامَةً، أو قَلَنْسُوَةً، أو دِرْعًا، أو جوشنًا (١٤)، أو خُفًا، أو نَعْلًا، حَنِثَ. وقال أصحابُ الشافِعِىِّ: فى الخُفِّ والنَّعْلِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا

стр. 7250

يَحْنَثُ. ولَنا، أنَّه مَلْبُوسٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، فحَنِثَ به، كالثِّيابِ، وفى الحديثِ أَنَّ النَّجاشِىَّ أَهْدَى إلى النَّبِىِّ ﷺ خُفَّيْنِ، فلَبِسَهُما (١٥). وقيل لابنِ عُمَرَ: إنَّكَ تَلْبَسُ هذا النِّعالَ؟ قال: إِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَلْبَسُهما (١٦). فإنْ تَرَكَ القَلَنْسُوَةَ فى رِجْلِه، أو أَدْخَلَ يَدَهُ فى الخُفِّ أو النَّعْلِ، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ ذلك ليس بِلُبْسٍ لهما. فصل: وإِنْ حَلَفَ لَيُلْبِسَنَّ امْرَأَتَه حَلْيًا، فألْبَسَها (١٧) خاتَمًا من فِضَّةٍ، أو مَخْنَقةً من لُؤْلُؤٍ، أو جَوْهَرٍ وَحْدَه، بَرَّ فى يَمِينِه. وبه قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَبَرُّ؛ لأَنَّه ليسَ بِحَلْى وَحْدَه. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (١٨). وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ (١٩) وجاءَ فى الحديثِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّه قال: قال اللَّه تعالى للبَحْرِ الشَّرْقِىِّ: إنِّى جاعِلٌ فيك الحِلْيَةَ والصَّيْدَ والطِّيبَ (٢٠). ولأَنَّ الفِضَّةَ حَلْىٌ إذا كانَتْ سِوارًا أو خَلْخالًا، فكانتْ حَلْيًا إذا كانَتْ خاتَمًا، كالذَّهَبِ، والجَوْهَرُ واللُّؤْلُؤُ حَلْىٌ مع غَيْرِه، فكانَ حَلْيًا وَحْدَه، كالذَّهَبِ. فإنْ أَلْبَسَها عَقِيقًا، أو سَبَجًا (٢١)، لم يَبَرَّ وقال الشافِعِىُّ: إِنْ كان من أهلِ السَّوادِ بَرَّ، وفى غيرِهم وَجْهان؛ لأنَّ هذا حَلْىٌ فى عُرْفِهم. ولَنا، أَنَّ هذا ليسَ بِحَلْى، فلا يَبَرُّ به، كالوَدَعِ، وخَرَزِ الزجاجِ. وما ذَكَرُوه يبْطُلُ بالوَدَعِ. وإِنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ حَلْيًا، فلَبِسَ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ فى مُرْسَلَةٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه ليس بحَلْى إذا لم يَلْبَسْه، فكذلك إذا لَبِسَه. والثانى، يَحْنَثُ؛ لأَنَّه ذَهَبٌ وفِضَّةٌ لَبِسَه، فكان حَلْيًا،

стр. 7251

كالسِّوارِ والخاتَمِ. وإِنْ لَبِسَ سَيْفًا مُحَلًّى، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ السَّيْفَ ليس بحَلْى. وإِنْ لبِسَ مِنْطَقةً مُحَلَّاةً، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ الحِلْيَةَ لها دُونَه، فأشْبَهَتِ (٢٢) السَّيْفَ المُحَلَّى. والثانى، يَحْنَثُ؛ لأَنَّها من حَلْىِ الرِّجالِ، ولا يُقْصَدُ بلُبْسِها مُحَلَّاةً فى الغالِبِ إلَّا التَّجَمُّلُ بها. وإِنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ خاتمًا، فلَبِسَه فى غيرِ الخِنْصَرِ من أصابِعِه، حَنِثَ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ، لأَنَّ اليَمِينَ تَقْتَضِى لُبْسًا (٢٣) مُعتادًا، [وليس هذا مُعْتادًا] (٢٤)، فأشْبَهَ ما لو أَدْخَلَ القَلَنْسُوَةَ فى رِجْلِه. ولَنا، أنَّه لابِسٌ لما حَلَفَ علِى تَرْكِ لُبْسِه، فأشْبَهَ ما لو ائْتَزَرَ بالسَّراويلِ، وأمَّا إدْخالُ القَلَنْسُوَةِ فى رِجْلِه، فهو عَبَثٌ وسَفَهٌ، بخِلافِ هذا، فإنَّه لا فَرْقَ بين الخِنْصَرِ وغيرِها، إِلَّا من حَيْثُ الاصْطِلاحُ على تَخْصِيصِه بالخِنْصَرِ. ١٨٣٣ - مسألة؛ قال: (ولو حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامًا اشْتَراهُ زْيْدٌ، فأَكَلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زْيْدٌ وبَكْرٌ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أرَادَ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمُا بالشَّرَاءِ) وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ. [وذَكَرَه أبو الخَطَّاب احْتِمالًا] (١)؛ لأَنِّ كُلَّ جُزْء لم يَنْفَرِدْ أحَدُهما بشِرائِه، فلم يَحْنَثْ به، كما لو حَلَفَ أَنْ (٢) لا يَلْبَسَ ثَوْبًا اشْتَراهُ زَيْدٌ، فلَبِسَ ثَوْبًا اشْتَراهُ (٣) هو وغَيْرُه. ولَنا، أَنَّ زَيْدًا مُشْتَرٍ لِنِصْفِه، وهو طعامٌ، وقد أَكَلَه، فيَجبُ أَنْ يَحْنَثَ، كما لو اشْتَراهُ زَيْدٌ، ثم خَلَطَه بما اشْتَراهُ عَمْرٌو، فأَكَلَ الجميعَ، وأمَّا الثَّوبُ، فلا نُسَلَّمُه (٤)، وإِنْ سلَّمْناه، فالفَرْقُ بينَهما أَنَّ نِصْفَ الثَّوْبِ ليس بثَوْبٍ، ونِصْفَ الطّعامِ طعامٌ، وقد أكَلَه بعدَ أنِ اشْتَراهُ زَيْدٌ. ولو (٥) اشْتَرَى زيدٌ

стр. 7252

نِصْفَه مُشاعًا، أو اشْتَرَى نِصْفَه، ثم اشْتَرَى [آخَرُ بَقِيَّتَه] (٦)، فأكَلَ منه، حَنِثَ. والخلافُ فيه على ما تَقَدَّمَ. ولو اشْتَرَى زيدٌ نِصْفَه مُعَيَّنًا، ثم خَلطَه بالنِّصْفِ الآخَرِ، فأكَلَ الجميعَ، أو أكْثَرَ من النِّصْفِ، حَنِثَ، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه أَكَلَ ممَّا اشْتَراهُ زيدٌ يَقِينًا. وإِنْ أكَلَ نِصْفَه، أو أَقَلَّ من نِصْفِه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأَنَّه يَسْتَحِيلُ فى العادَةِ انْفِرادُ ما اشْتَراهُ زيدٌ من غيرِه، فيكونُ الحِنْث ظاهِرًا ظُهورًا كثيرًا. والثانِى، لا يَحْنَثْ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الحِنْثِ، ولم يُتَيَقَّنْ أكْلُه ممَّا اشْتَراه زيدٌ، وكُلُّ مَوْضِعٍ لا يحْنَثُ، فحُكْمُه حُكْمُ من حَلَفَ لا يأْكُلُ تَمْرَةً، فوَقَعَت فى تَمْرٍ، فأكَلَ منه واحِدةً، على ما سَنذكُرُه، إِنْ شاءَ اللَّه تعالَى. وإِنْ أكَلَ من طعامٍ اشْتَراه زيْدٌ، ثم باعَهُ، أو اشْتَراه لغيرِه، حَنِثَ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ. فصل: فإنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ من غَزْلِ فُلانةَ، فلَبِسَ ثَوْبًا من غَزْلِها وغَزْلِ غيرِها، حَنِثَ. وبه قال الشافِعِىُّ. وإِنْ حَلَفَ أَنْ (٧) لا يَلْبَسَ ثوبًا من غَزْلِها، [فلَبِس ثَوْبًا من غَزْلِها] (٨) وغَزْلِ غَيْرِها، ففيه رِوَايتان؛ إحْداهُما، يَحْنَثُ، كالتى قبلَها. والثانِيَةُ، لا يَحْنَثُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافِعِىِّ؛ لأنَّه لم يَلْبَس ثوبًا كامِلًا من غَزْلِها. وكذلك إِنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا نَسَجَه زيدٌ، ولا يَأْكُلُ من قِدْرٍ طَبَخَها، ولا يَدْخُلُ دارًا اشْتَراها، أو لا (٩) يلْبَسُ ثوبًا خاطَهُ زيدٌ، فلَبِس ثَوْبًا نَسَجَه هو وغيرُه أو خاطَاه، أو أكَلَ من قِدْرٍ طَبَخَها، أو دَخَلَ دارًا اشْتَرياها، ففى هذا كُلِّه من الخِلافِ والقَوْلِ مِثْلَما فى المسأَلَةِ الأُولَى. وإِنْ حَلَفَ أَنْ لا يَلْبَسَ ممَّا (١٠) خاطَهُ زيدٌ، حَنِثَ بلُبْسِ ثَوْبٍ خاطَاه جميعًا؛ لأنَّه لبِس ممَّا (١١) خاطَهُ زيدٌ، بخلافِ ما إذا قال: ثَوْبًا خاطَهُ زيدٌ. وإِنْ حَلَفَ أَنْ لا يَدْخُلَ دارًا لزيدٍ، فدَخَلَ دارًا له ولغيره، خُرِّجَ فيه وَجْهان، والخلافُ فيها على ما مَضَى.

стр. 7253

١٨٣٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَزُورُهُمَا، أَوْ لَا (١) يُكَلِّمُهُمَا، فَزَارَ أَوْ كَلَّمَ أحَدهُمَا، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ ألَّا يَجْتَمِعَ فِعْلُه بِهِمَا) يُمْكِنُ أَنْ تكونَ هذه المَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةً على مَنْ حَلَفَ أَنْ (٢) لا يَفْعَلَ شيئًا، ففَعَلَ بَعْضَه، فإِنَّ هذا حالِفٌ على كلامِ شَخْصَيْنِ وزِيارَتِهِما، فتَكْلِيمُه أحَدَهما وزيازتُه فِعْلٌ لبعضِ ما حَلَفَ عليه، وقد مَضَى الكلامُ فى هذا، ويُمْكِنُ أَنْ يقالَ: إِنَّ (٣) تقديرَ يَمِينِه: لا كَلَّمْتُ هذا، ولا كَلَّمْتُ هذا. لأنَّ المَعْطُوفَ يُقَدَّرُ له بعدَ حَرْفِ العَطْفِ فِعْلٌ وعامِلٌ، مثل العامِلِ الذى قَبْلَ المعْطوفِ عليه، فيصيرُ كقَوْلِه سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (٤). أى: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُم بَناتُكم. فيصيرُ كُلُّ واحِدٍ منهما مَحْلُوفًا عليه مُنْفْرِدًا، فيَحْنَثُ به، فإنْ قَصَدَ أنْ لا يَجْتَمِع فِعْلُه بهما، لم يَحْنَثْ إِلَّا بذلك؛ لأنَّه قَصَدَ بِيَمِينِه ما يَحْتَمِلُه، فانْصَرَفَ إليه، وإِنْ قَصَدَ تَرْكَ كلامِ كُلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، حَنِثَ بفِعْلِه؛ لأنَّه عقَد يَمِينَه على تَرْكِ ذلك. ولو (٥) قال: واللَّهِ لا كَلَّمْتُ زيدًا ولا عَمْرًا. حَنِثَ بكلامِ كُلِّ واحدٍ (٦) منهما، بغيرِ إشْكالٍ؛ فإِنَّ هذا يقْتَضِى تَرْكَ كلامِ كُلَّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، قال اللَّه تعالَى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ (٧). أى لا يَمْلِكُون شيئًا من ذلك. فصل: فإنْ قال: أنْتِ طالِقٌ، إِنْ كَلَّمْتِ زيدًا وعمرًا. أو: عَبْدِى حُرٌّ، إِنْ كَلَّمْت زيْدًّا وعمرًا. لم يَقَعِ الطَّلاقُ ولا العِتْقُ إِلَّا بتَكْلِيمِهما (٨)؛ لأنَّه جَعَلَ تَكْلِيمَهُما مَعًا شَرْطًا لوُقُوعِ ذلك، ولا يَثْبُتُ المشْروطُ إِلَّا بوجُودِ الشَّرْطِ جَمِيعِه. وكذلك لو قال لامْرَاتَيْه: إِنْ حِضْتُما، فأنْتُما طالِقَتان. لم يَقَعِ الطَّلاقُ على واحِدَةٍ منهما إِلَّا بحَيْضِهما

стр. 7254

جميعًا، وتُفارِقُ اليَمِينَ باللَّهِ تعالى، فإِنَّ مُقْتَضاها المَنْعُ من فعْلِ المَحْلُوفِ عليه، فتَحْصُلُ المخالَفَةُ بفِعْلِ البَعْضِ. وقد جَمَعَ بعضُ أصْحابِنا بينهما فى الحِنْثِ لفِعْلِ البعضِ؛ لكَوْنِ المقْصود من الحَلِفِ كُلِّه على تَرْكِ شىءٍ المَنْعُ من فِعْله، فيَسْتَوِيان. أمَّا إذا قال: إذا حِضْتُما، فأنْتُما طالِقَتان. فليس ذلك بيَمِينٍ؛ لأَنَّه لا يُقْصَدُ بهذا مَنْعٌ من شىءٍ، ولا حَثٌّ عليه، إنَّما هو شَرْطٌ مُجَرَّدٌ، وليس (٩) فيه مَعْنَى اليَمِينِ. فصل: ومَنْ حَلَفَ على فعلِ شَيْئَيْن (١٠) فقال: واللَّهِ لا آكُلُ خُبْزًا ولحْمًا، ولا زُبْدًا وتَمْرًا، ولا أدْخُلُ هاتَيْنِ الدَّارَيْنِ، ولا أعْصِى اللَّه فى هذَيْنِ البَلَدَيْنِ، ولا أُمْسِك هاتَيْنِ المَرْأَتَيْنِ. ففَعَلَ بعضَ ما حَلَفَ عليه، مثل أَنْ أَكَلَ أحدَهما، ودَخَلَ (١١) إحْدَى الدَّارَيْن، وعَصَى اللَّه فى احدِ البَلَدَيْنِ، وأَمْسَكَ إحْدَى المَرأَتيْنِ، فهل يَحْنَث؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن. وإِنْ قَصَدَ بيَمِينِه أَنْ لا يجْمَعَ بينهما، أو المَنْعَ من كُلِّ واحِدٍ منهما، فيَمِينُه على ما نَواهُ. وإِنْ قال: واللَّهِ لا آكُلُ سَمَكًا وأشرَبَ لَبَنًا. بالفَتْحِ، وهو من أَهْلِ العَرَبِيَّةِ، لم يَحْنَثْ إِلَّا بالجَمْعِ بينَهما؛ لأنَّ الواوُ ههُنا بمَعْنَى "مع"، ولذلك اقْتَضَت الفَتْح، وإِنْ عَطَفَ أحَدَهما على الآخَرِ بتَكْرارِ "لا"، اقتَضَى المَنْعَ من كُلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، وحَنِثَ بفِعْلِه. ١٨٣٥ - مسألة؛ قال: (ولَو حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ ثَوبًا، فَاشْتَرَىَ بِهِ أَوْ بِه بَثَمَنِهِ ثَوْبًا، فَلَبِسَهُ، حَنِثَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ امْتُنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الثَّوْبِ، وكَذلِك إِنِ انْتَفَعَ بثَمَنِهِ) هذه المَسْأَلَةُ فَرْعُ أصْلٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُه فى أوَّلِ البابِ، وهو أَنَّ الأَسْبابَ مُعْتَبَرَةٌ فى الأَيْمانِ، فيتَعَدَّى الحُكْمُ بِتَعَدِّيها، فإِذا امْتُنَّ عليه بِثَوْبٍ، فحَلَفَ أَنْ لا يَلْبَسَه، لتَنْقَطِعَ المِنَّةُ به، حَنِثَ بالانْتِفاعِ به فى غيرِ اللُّبْس مِن أَخْذِ ثَمنِه؛ لأنَّه نَوْعُ انْتِفاع به يُلْحِقُ المِنَّةَ به، فإنْ لم يَقْصِدْ قَطْعَ المِنَّةِ، ولا كان سَبَبُ يَمِينه يَقْتَضِى ذلك، لم يَحْنَثْ إِلَّا بما تَناوَلَتْهُ يَمِينُه، وهو لُبْسه خاصَّةً، فلو أَبْدَلَه بثَوْبٍ غيرِه، ثم لَبِسَه، أو انتفَعَ به فى غيرِ اللُّبْسِ، أو

стр. 7255

باعَهُ وأَخَذَ ثَمَنَه، لم يَحْنَثْ؛ لعَدَمِ تناوُلِ اليَمِينِ له لَفْظًا ونِيَّةً وسَبَبًا. فصل: فإنْ فعلَ شيئًا عليه فيه لها مِنَّةٌ سِوَى الانْتِفاعِ بالثَّوْب، وبعِوَضِه (١)، مثل أَنْ سَكَنَ دارَها، أو أكَلَ طعامَها، أو لبِسَ ثَوْبًا لها غيرَ الثَّوْبِ (٢) المَحْلوفِ عليه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ المَحْلُوف عليه الثَّوْبُ، فتَعَلَّقَت يَمِينُه به، أو بما حصَلَ به، ولم يَتَعَدَّ إلى غيرِه؛ لاخْتِصاصِ اليَمِينِ والسَّبَبِ بِه. فصل: وإنِ امْتَنَّتْ عليه امْرَأَتُه بثَوْبٍ، فحَلَفَ أَنْ لا يَلْبَسَه، قَطْعًا لمِنَّتِها، فاشْتراهُ غيرُها (٣)، ثم كَساهُ إيَّاهُ، أو اشْتَراهُ الحالِفُ، ولَبِسَه على وَجْهٍ لا مِنَّةَ لها فيه، فهل يَحْنَث؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ، لمُخالَفَتِه (٤) يَمِينَه (٥) لَفْظًا (٦)، ولأَنَّ لَفْظَ الشارِعِ إذا كان أَعَمَّ من السَّبَبِ، وجَبَ الأَخْذُ بعُمُومِ اللَّفْظِ دونَ خُصوصِ السَّبَبِ، كذا فى اليَمِينِ، ولأنَّه لو خاصَمَتْهُ امْرَأَةٌ له، فقال: نسائِى طَوالِقُ. طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ، وإِنْ كان (٦) سَبَبُ الطَّلاقِ واحِدَةً، كذا ههُنا. والثانِى، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ السَّبَبَ اقْتَضَى تَقْيِيدَ لَفْظِه بما وُجِدَ فيه السَّبَبُ، فصارَ كالمَنْوِىِّ، أو كما لو خَصَّصَه بقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ (٧). ١٨٣٦ - مسألة؛ قال: (وَلوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْوِىَ مَعَ زوْجَتِهِ فِى دَارِ، فَأَوَى مَعَهَا فِى غَيْرِهَا، حَنِثَ إِذَا كَانَ أَرَادَ (١) جَفاءَ زوْجَتِهِ، ولَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ) وهذه أيضًا من فُروعِ اعْتبارِ النِّيَّةِ، وذلك أنَّه مَتَى قَصَدَ جَفاءَها بِتَرْكِ الأوِىِّ مَعَها، ولم يكُنْ للدّارِ أثرٌ فى يَمِينِه، كان ذِكْرُ الدَّارِ كعَدَمِه، وكأنَّه حَلَفَ على (٢) أَنْ لا يَأْوِىَ معها،

стр. 7256

فإذا أَوى مَعَها فى غيرِها، فقد أوَى مَعَها، فحَنِثَ؛ لمُخالَفَتِه ما حَلَفَ على تَرْكِه، وصارَ هذا بمَنْزِلَةِ سُؤالِ الأعْرابِىِّ رسولَ اللَّه ﷺ : واقَعْتُ أَهلِى فى نهارِ (٣) رَمضانَ. فقال: "أَعْتِقْ رَقَبَةً" (٤). لمَّا كان ذِكْرُ أَهْلِه لا أثَرَ له فى (٥) إيجابِ الكَفَّارَةِ، حَذَفْناه من السَّبَبَ، وصارَ السَّبَبِ الوِقاعَ، سواءٌ كان للأَهْلِ أو لغَيْرِهم. وإِنْ كان للدَّارِ أثَرٌ فى يَمِينِه، مثل أَنْ كان يَكْرَه سُكْناها، أو خُوصِمَ من أجْلِها، أو امْتُنَّ عليه بها، لم يَحْنَثْ إذا أَوَى معها فى غيرِها؛ لأَنَّه قَصَدَ بيَمِيِنه الجَفاءَ فى الدَّارِ بعَيْنِها، فلم يُخالِفْ ما حَلَفَ عليه. وإِنْ عُدِمَ السَّبَبُ والنِّيَّةُ، لم يَحْنَثْ إِلَّا بفِعْلِ ما تَناوَلَه لَفْظُه، وهو الأوِىُّ معها فى تِلْكَ الدارِ بعَيْنِها؛ لأنَّه يَجِبُ اتِّباعُ لَفْظِه، إذا لم تَكُنْ نِيَّةٌ ولا سَبَبٌ يصْرفُ اللَّفْظَ عن مُقْتَضاهُ، أو يَقْتَضِى زيادَةً عليه، ومَعْنَى الأوِىِّ الدُّخُولُ، فمتى حَلَفَ لا يَأْوِى معها، فدَخَلَ مَعَها الدَّارَ، حَنِثَ، قليلًا كان لُبْثُهما أو كثيرًا، قال اللَّه تعالى مُخْبِرًا عن فَتَى موسى: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ (٦). قال أحمدُ (٧): لما (٨) كان ذلك إلَّا ساعَةً، أو ما شاءَ اللَّهُ تعالى. يُقال: أَوَيْتُ أنَا، وآويْتُ غَيْرِى. قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ (٩) وقال اللَّهُ تعالَى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ (١٠). فصل: وإِنْ بَرَّها بِهَدِيَّةٍ أو غيرِها، أو اجْتَمَعَ معها فيما ليس بدارٍ ولا بَيْتٍ، لم يَحْنَثْ، سواءٌ كان للدَّارِ (١١) سَبَبٌ (١٢) فى يَمِينه أو لم يكُنْ؛ لأنَّه قَصَدَ جَفاءَها بهذا النَّوْعِ، فلم يَحْنَثْ بغيرِه. وإِنْ حَلَفَ أَنْ (١٣) لا يَأْوِىَ مَعَها فى دارٍ لسَبَبٍ، فزالَ السَّبَبُ

стр. 7257

المُوجِبُ ليَمِينِه، مثل أَنْ كان السَّبَبُ امْتِنانَها بها عليه، فملَكَ الدَّارَ، أو صارت لغيرِها، فأَوَى معها فيها، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَيْن، تقدَّم ذِكْرُهما وتَعْلِيلُهما. فصل: فإنْ حَلَفَ أَنْ لا يَدْخُلَ عليها [بَيْتًا، فدخل عليها] (١٤) فيما ليس بِبَيْتٍ، فحُكْمُها (١٥) حكِمُ المسألةِ التى قَبْلَها؛ إن (١٦) قَصَدَ جَفاءَها، ولم يكُنْ للبيتِ (١٧) سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَه، حَنِث، وإلّا فلا. فإنْ دَخَلَ على جماعةٍ هى فيهم، يقْصِدُ الدُّخولَ عليها معهم، حَنِثَ، وكذلك إِنْ لم يَقْصِدْ شيئًا. وإِنْ (١٨) اسْتَثْناها بقَلْبِه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَحْنَثُ، كما لو حَلَفَ أَنْ لا يُسَلِّمَ عليها، فسَلَّمَ على جَماعَةٍ هى فيهم، يقْصِدُ بقَلْبِه السلامَ على غيرِها، فإنَّه لا يَحْنَثُ. والثانِى: يَحْنَثُ؛ لأنَّ الدُّخولَ فِعْل لا يَتَمَيَّزُ، فلا يصِحُّ تَخْصِيصُه بالقَصْدِ، وقد وُجِدَ فى حَقِّ الكُلِّ على السَّواءِ، وهى [منهم، فيَحْنَثُ] (١٩) به، كما لو لم يَقْصِدْ اسْتِثْناءَها، وفارَقَ السَّلامَ؛ فإنَّه قَوْلٌ بصِحُّ تَخْصِيصُه بالقَصْدِ، ولهذا يَصِحُّ أَنْ يقولَ (٢٠): السلامُ عليكم إِلَّا فُلانًا. ولا يَصِحُّ أَنْ يقولَ (٢٠): دَخَلْتُ عليكم إِلَّا فُلانًا. ولانَّ السَّلامَ قَوْلٌ يتناوَلُ ما تَناوَلَهُ (٢١) الضَّمِيرُ فى "عليكم"، والضَّمِيرُ عامٌّ يصِحُّ أَنْ يُرادَ به الخاصُّ، فصَحَّ أَنْ يُرادَ به مَنْ سِوَاها، والفِعْلُ لا يَتَأَتَّى هذا فيه. وإِنْ دخَل بيتًا لا يَعْلَمُ أنَّها فيه، [فوَجَدَها فيه] (٢٢)، فهو كالدّخُولِ عليها ناسِيًا، فإنْ قُلْنا: لا يَحْنَثُ بذلك. فخَرَجَ [حين عَلِمَ بها] (٢٣)، لم يحْنَثْ. [وكذلك إِنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ عليها، فدَخَلَتْ هى عليه، فخَرَجَ فى الحالِ، لم يَحْنَثْ] (٢٤). وإِنْ أقامَ فهل يَحْنَثُ؟ على

стр. 7258

وَجْهَيْنِ؛ بناءً على مَنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ دارًا هو فيها، فاسْتَدامُ المُقامَ بها، فهل يَحْنَث؟ على وَجْهَيْن. ١٨٣٧ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْربَ عَبْدهُ فِى غَدٍ، فَمَاتَ الْحَالِفُ مِنْ يَوْمِهِ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ العَبْدُ، حَنِثَ) أمَّا إذا ماتَ الحالِفُ من يَوْمِه، فلا حِنْثَ عليه؛ لأنَّ الحِنْثَ إنَّما يحْصُلُ بفَواتِ المَحْلُوفِ عليه فى وَقْتِه، وهو الغَدُ، والحالِفُ قد خَرَجَ عن أَنْ يَكونَ من أهْلِ التَّكْليفِ قبلَ الْغَدِ، فلا يُمْكِنُ حِنْثُه (١). وكذلك إِنْ جُنَّ الحالِفُ فى يَوْمِه، فلم يُفِقْ إِلَّا بعدَ خُروجِ الْغَدِ؛ لأَنَّه خرج عن كَوْنِه من أهْلِ التَّكْلِيفِ. وإِنْ هَرَبَ العبدُ، أو مَرِضَ العبدُ أو الحالِفُ، أو نحو ذلك، فلم يَقْدِرْ على ضَرْبِه فى الْغَدِ، حَنِثَ. وإِنْ لم يَمُتِ الحالِفُ، ففيه مسائِلُ؛ أحدُها، أَنْ يَضْرِبَ العَبْدَ فى غَدٍ، أىِّ وَقْتٍ كان منه، فإنَّه يَبَرُّ فى يَمِينِه، بلا خِلافٍ. الثانِيَةُ، أَمْكَنَه ضَرْبُه فى غَدٍ، فلم يَضْرِبْه حتى مَضَى الْغَدُ، وهما فى الحياةِ، حَنِثَ أيْضًا، بلا خِلافٍ. الثالِثَةُ، ماتَ العبدُ من يَوْمِه، فإنَّه يَحْنَثُ. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ. ويَتَخَرَّجُ أَنْ لا يَحْنَثَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ، والقولُ الثانِى للشافِعِىِّ؛ لأَنَّه فَقَدَ ضَرْبَه بغيرِ اخْتِيارِه، فلم يَحْنَثْ، كالمُكْرهِ والنَّاسِى. ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَفَ عليه فى وَقْتِه، من غيرِ إكْراهٍ ولا نِسْيانٍ، وهو من أَهْلِ الحِنْثِ، فحَنِثَ، [كما لو أَتْلَفَه باخْتِيارِه] (٢)، وكما لو حَلَفَ ليَحُجَّنَّ العامَ، فلم يَقْدِرْ على الحجِّ؛ لمَرَضٍ، أو عَدَمِ النَّفَقَةِ (٣)، وفارقَ الإِكْراهَ والنِّسْيانَ، فإِنَّ الامْتِناعَ لمَعْنًى فى الحالِفِ، وههُنا الامْتناعُ لمَعْنًى فى الْمَحَلِّ، فأشْبَهَ ما لو تَرَكَ ضَرْبَه لصُعوبُتِه، أو تَرَكَ الحالِفُ الحجَّ لصُعوَبةِ الطرَّيقِ وبُعْدِها عليه. فأما إِنْ كان تَلَفُ المَحْلوفِ عليه بفِعْلِه أو اخْتِيارِه (٤)، حَنِثَ، وجْهًا واحِدًا؛ لأَنَّه فوَّتَ الفِعْلَ على نَفْسِه. قال القاضِى: ويَحْنَثُ الحالِفُ ساعةَ

стр. 7259

مَوْتِه؛ لأَنَّ يَمِينَه انْعَقَدَت من حِينِ حَلِفِه، وقد تَعَذَّرَ عليه الفِعْلُ، فحَنِثَ (٥)، فى الحالِ، كما لو لم يُؤَقِّتْ، ويتَخرَّجُ أَنْ لا يَحْنَثَ قبلَ الغَدِ؛ لأَنَّ الحِنْثَ مُخالَفَةُ ما عقدَ يَمِينَه عليه، فلا تحْصُلُ المُخالَفَةُ إِلَّا بِتَرْكِ الفِعْلِ فى وَقْتِه. الرابِعَةُ، مات العبدُ فى غَدٍ قبلَ التَّمَكُّنِ من ضَرْبِه، فهو كما لو ماتَ فى يَوْمِه. الخامِسَةُ، مات العبدُ فى غَدٍ، بعدَ التَّمَكُّنِ من ضَرْبِه، قبلَ ضَرْبِه، فإنَّه يَحْنَثُ، وَجْهًا واحِدًا. وقال بعضُ أصحابِ الشافِعِىِّ: يَحْنَثُ قولًا واحِدًا. وقال بعضُهم: فيه قَوْلان. ولَنا، أنَّه [تَمَكنَّ مِن] (٦) ضَرْبِه فى وَقْتِه، فلم يَضْرِبْه، فحَنِثَ، كما لو مَضَى الغَدُ قبلَ ضَرْبِه. السادِسَةُ، ماتَ الحالِفُ فى غدٍ، بعَد التَّمكُّنِ من ضَرْبِه، فلم يَضْرِبْه، حَنِثَ، وجْهًا واحِدًا؛ لما ذَكَرْنا. السابِعَةُ، ضَرَبَه فى يَوْمِه، فإنَّه لا يَبَرُّ. وهذا قولُ أصحابِ الشافِعِىِّ. وقال القاضى، وأصْحابُ أبى حنيفةَ: يَبَرُّ؛ لأنَّ يَمِينَه للحَثِّ على ضَرْبِه، فإذا ضَرَبَه اليومَ، فقد فعل المحلوفَ عليه وزِيادَةً، فأشْبَهَ ما لو حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّه حَقَّه فى غَدٍ، فقَضاه اليومَ. ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلِ المحلوفَ عليه فى وَقْتِه، فلم يَبَرَّ، كما لو حَلَفَ لَيَصُومَنَّ يومَ الجُمُعَةِ، فصامَ يومَ الخميسِ، وفارَقَ قضاءَ الدَّيْنِ، فإِنَّ المقصودَ تَعْجِيلُه لا غيرُ، وفى قضاءِ اليومِ زيادَةٌ فى التَّعْجيلِ، فلا يَحْنَثُ فيها؛ لأنَّه عُلِمَ من قَصْدِه إرادَةُ أَنْ لا يَتَجاوَزَ غدًا بالقَضاءِ، فصار كالملْفُوظِ به، إذْ كان مَبْنَى الأيْمانِ على النِّيَّةِ، ولا يصِحُّ قياسُ ما ليس بمِثْلِه عليه، وسائرُ المحلوفاتِ لا تُعْلَمُ منها إرادَة التَّعْجِيلِ عن الوَقْتِ الذى وَقَّتَه لها، فامْتَنَع الإلْحاقُ، وَتعَيَّنَ التَّمَسُّكُ باللَّفْظِ. الثامِنَةُ، ضَرَبَه بعدَ مَوْتِه، لم يبَرَّ؛ لأنَّ اليَمِينَ تَنْصَرِفُ إلى ضَرْبِه حَيًّا، يَتَأَلَّمُ بالضَّرْبِ، وقد زال هذا بالموتِ. التاسعةُ، ضَرَبَه ضَرْبًا لا يُؤْلِمُه، لم يَبَرَّ؛ لما ذَكَرْناه. العاشِرَةُ، خَنَقَه، أو نَتَفَ شَعْرَه، أو عَصَرَ ساقَه، بحيثُ يُؤْلِمُه، فإنَّه يَبَرُّ؛ [لأَنَّه يُسَمَّى ضَرْبًا؛ لما تَقَدَّمَ ذِكْرُنا له. الحادِيَة عَشَرَةَ، جُنَّ العبدُ، فضَرَبَه، فإنَّه يَبَرُّ] (٧)؛ لأنَّه حَىٌّ يتألَّمُ بالضَّرْبِ، وإِنْ لم يَضْرِبْه، حَنِثَ. وإِنْ حَلَفَ لا يَضْرِبُه فى غَدٍ، ففيه نحوٌ من هذه المَسائِلِ. ومتى فات ضَرْبُه بِمَوْتِه أو غيرِه، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّه لم يَضْرِبْه.

стр. 7260

فصل: وإِنْ قال: واللَّهِ لأَشْرَبَنَّ ماءَ هذا الكُوزِ غَدًا. فانْدَفَقَ اليومَ، أو: لآكلَنَّ هذا الخبزَ غَدًا. فتَلِفَ، فهو على نَحْوٍ ممَّا ذَكَرْنا فى العبدِ. قال صالحٌ: سألْتُ أبى عن الرجل يَحلِفُ أَنْ يَشْرَبَ هذا الماءَ، فانْصَبَّ؟ قال: يَحْنَثُ. وكذلك لو (٨) حَلَفَ أَنْ يأْكُلَ هذا الرَّغِيفَ، فأكَلَه كَلْبٌ؟ قال: يَحْنَثُ؛ لأنَّ هذا لا يَقْدِرُ عليه. ١٨٣٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ حِينًا، فكَلَّمَه قبلَ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ، حَنِثَ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا حَلَفَ لا يُكَلِّمُه حِينًا، فإنْ قيَّدَ ذلك بلَفْظِه أو بنِيَّتِه بزَمَن، تَقَيَّدَ به، وإِنْ أَطْلَقَه، انْصَرَفَ إلى سِتَّةِ أَشْهُرٍ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ (١). وهو قَوْلُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وقال مُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحمَّادٌ، ومالِكٌ: هو سَنَةٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٢). أى كُلَّ عامٍ. وقال الشافِعِىُّ، وأبو ثوْرٍ: لا قَدْرَ له، ويبَرُّ بأَدْنَى زَمَنٍ؛ لأنَّ الحِينَ اسمٌ مُبْهَمٌ يقَعُ على القليلِ والكثيرِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٣). قيل: أرادَ يومَ القيامَةِ. وقال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (٤). وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ (٥). وقال: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٦). ويُقال: جئْتُ مُنْذُ حِين. وإِنْ كان أتاه مِن (٧) ساعةٍ. ولَنا، أَنَّ الحِينَ المُطْلَقَ فى كلامِ اللَّه تعالى أَقَلُّه سِتَّةُ أشْهُرٍ. قال عِكْرِمَةُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، وأبو عُبَيْد، فى قولِه تعالى: ﴿تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾: إنَّه سِتَّةُ أشْهُرٍ. فيُحْمَلُ مُطْلَقُ كلامِ الآدَمِىِّ على مُطْلَقِ كلامِ اللَّه تعالى، ولأنَّه قولُ ابنِ عبَّاسٍ، ولا

стр. 7261

نَعْلَمُ له (٨) مُخالِفًا فى الصَّحابةِ، وما اسْتَشْهَدُوا بِه من المُطْلَقِ فى كلامِ اللَّه تعالى، فما ذَكَرْناه أَقَلُّه، فيُحْمَلُ عليه؛ لأَنَّه اليَقِينُ. فصل: فإنْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُه حُقْبًا، فذلك ثمانُون عامًا، وقال مالِكٌ: أرْبَعُون عامًا؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عَبَّاسٍ. وقال القاضِى، وأصحابُ الشافِعِىِّ: هو أَدْنَى زمانٍ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ فيه عن أهْلِ اللُّغَةِ تَقْدِيرٌ. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّه قال فى تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٩): الحُقْبُ ثمانون سَنَةً (١٠). وما ذَكَرَه القاضِى، وأصحابُ الشافِعِىِّ لا يصِحُّ؛ لأنَّ قولَ ابنِ عبَّاسٍ حُجَّةٌ، ولأنَّ ما ذَكَرُوه يُفْضِى إلى حَمْلِ كلامِ اللَّه تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ وقولِ موسى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (١١). إلى اللُّكْنَةِ؛ لأنَّه أخْرَجَ ذلك مَخْرج التَّكْثيرِ، فإذا صارَ مَعْنَى ذلك ﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾ ساعاتِ أو لَحَظاتٍ (١٢)، أو أَمْضِىَ لحظاتٍ وسَاعاتٍ (١٣)، صارَ مُقْتَضَى ذلك التَّقْليلُ، وهو ضِدُّ ما أرادَ اللَّه تعالى بكلامِه، وضِدُّ المَفْهُومِ منه، ولم يَذْكُرْه أحَدٌ من المُفَسِّرِين فيما نَعْلَمُ، فلا يجوزُ تفسِيرُ الحُقْبِ بِه. فصل: فإنْ (١٤) حَلَفَ أَنْ (١٥) لا يُكَلِّمَه زَمَنًا، أو وَقْتًا، أو دَهْرًا، أو عُمْرًا، أو مَلِيًّا، أو طويلًا، أو بَعِيدًا، أو قَرِيبًا، بَرَّ بالقليلِ والكثيرِ، فى قولِ أبى الخَطَّاب، ومذهبِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ هذه الأَسْماءَ لا حَدَّ لها فى اللُّغَةِ، وتَقَعُ على القليلِ والكثيرِ، فوَجَبَ حَمْلُه على أقلِّ مما تَناوَلَهُ (١٦) اسْمُه، وقد يكونُ القَرْيبُ بعيدًا بالنِّسْبَةِ إلى ما هو أَقْرَبُ منه، وقَرِيبًا بالنِّسْبَةِ إلى ما هو أَبْعَدُ منه، ولا يجوزُ التَّحْديدُ بالتَّحَكُّم، وإنَّما يُصارُ إليه بالتَّوْقيفِ، ولا

стр. 7262

تَوْقِيفَ ههُنا، فيَجِبُ حَمْلُه على اليَقِينِ، وهو أقلُّ ما يَتَناوَلُه الاسمُ. وقال ابنُ أبى موسى: الزمانُ ثلاثةُ أشْهُرٍ. وقال طَلْحَةُ العاقُولِىُّ: الحِينُ والزمانُ والعمرُ واحِدٌ؛ لأنَّهم لا يُفَرِّقُون فى العادَةِ بينها (١٧)، والناسُ يقْصِدُونَ بذلك التَّبْعِيدَ (١٨)، فلو (١٩) حُمِلَ على القليلِ، حُمِلَ على خِلافِ قَصْدِ الحالِفِ. و"دَهْرٌ" (٢٠) يَحْتَمِلُ أنَّه كالحِينِ أيضًا لهذا المَعْنَى. وقال فى "بعيدٍ"، و"ملىٍّ" و"طويلٍ": هو على (٢١) أكْثَرَ من شَهْرٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك ضِدُّ القليلِ، فلا يجوزُ حَمْلُه على ضِدِّه. ولو حملَ العُمْرَ على أرْبَعِين عامًا، لَكان (٢٢) حَسَنًا؛ لقولِ اللَّه تعالى مُخْبِرًا عن نَبِيِّه ﵇: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ (٢٣). وكان ذلك (٢١) أرْبَعِينَ سَنَةً، فيجبُ حَمْلُ الكلامِ عليه، ولأنَّ العُمْرَ فى الغالِبِ لا يكونُ إِلَّا مُدَّةً طويلةً، فلا يُحْمَلُ على خِلافِ ذلك. فصل: فإنْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُه الدَّهْرَ، أو الأَبَدَ، أو الزَّمانَ. فذلك على الأَبَدِ؛ لأنَّ ذلِكَ بالألِفِ واللَّامِ، وهى (٢٤) للاسْتِغْراقِ، فتَقْتَضِى الدَّهْرَ كُلَّه. فصل: وإِنْ حَلَفَ على أيَّامٍ، فهى ثلاثةٌ؛ لأنَّها أقَلُّ الجَمْعِ (٢٥)، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢٦). وهى أيَّامُ التَّشْرِيقِ. وإِنْ حَلَفَ على أشْهُرٍ، فهى ثَلاثَةٌ؛ لأنَّها أقلُّ الجَمْعِ. وإِنْ حَلَفَ على شُهورٍ، فاخْتارَ أبو الخَطَّاب، أنَّها ثَلاثَةٌ؛ لذلك. وقال غيْرُه: يتَناولُ يَمِينُه اثْنَىْ عَشَرَ شَهْرًا؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ

стр. 7263

الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (٢٧). ولأَنَّ الشُّهورَ جَمْعُ الكَثْرَةِ، وأَقَلُّه عَشَرَةٌ، فلا يُحْمَلُ على ما يُحْمَلُ عليه جَمْعُ القِلَّةِ. ١٨٣٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ (١) حَلَفَ أَنْ يَقْضِيَهُ حَقَّهُ فِى وَقْتٍ، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا كَانَ أَرَادَ بيَمِينِهِ أَنْ لَا يُجاوِز ذلِكَ الوَقْتَ) وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثوْرٍ. وقال الشافِعِىُّ: يَحْنَثُ إذا قَضاه قَبْلَه؛ لأنَّه تَرَكَ فِعْلَ ما حَلَفَ عليه مُخْتارًا، فحَنِثَ، كما لو قَضاهُ بعدَه. ولَنا، أَنَّ مُقْتَضَى هذه اليَمِينِ، تَعْجِيلُ القَضاءِ قبلَ خُروجِ الغدِ، فإذا قَضاهُ قبلَه، فقد قَضَى قبلَ خُروجِ الغدِ، وزادَ خَيْرًا، ولأَنَّ مَبْنَى الأيْمانِ على النِّيَّةِ، ونِيَّةُ هذا بيَمِينِه (٢) تَعْجِيلُ القَضاءِ قبلَ خروجِ الغَدِ، فتَعَلَّقَت يَمِينُه بهذا المَعْنَى، كما لو صرَّحَ به، فإنْ لم تكُنْ له نِيَّةٌ رُجِعَ إلى سبَبِ الْيَمِينِ، فإنْ كان (٣) يَقْتَضِى التَّعْجِيلَ، فهو كما لو نَواهُ؛ لأَنَّ السَّبَبَ يدُلُّ على النِّيَّةِ، وإِنْ لم يَنْوِ ذلك، ولا كان السَبّبَ يَقْتَضِيه، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه لا يَبَرُّ إِلَّا بقَضائِه فى الغَدِ، ولا يَبَرُّ بقَضَائِه قبلَه. وقال القاضى: يَبَرُّ على كُلِّ حالٍ؛ لأَنَّ اليَمِينَ للحَثِّ على الفِعْلِ، فمتى عَجَّلَه، فقد أتَى بالمقْصودِ، فيَبَرُّ (٤)، كما لو نَوَى ذلك. والأَوَّلُ أصَحُّ، إِنْ شاءَ اللَّه؛ لأَنَّه تَرَكَ فِعْلَ ما [تَناوَلَتْه يَمِينُه] (٥) لَفْظًا، ولم تَصْرِفْها عنه نِيَّةٌ ولا سبَبٌ، فحَنِثَ، كما لو حَلَفَ لَيصُومَنَّ شعبانَ، فصامَ رجبًا. ويَحْتَمِلُ ما قالَهُ القاضِى فى القضاءِ خاصَّةً؛ لأنَّ عُرْفَ هذه اليَمِينِ فى القضاءِ التَّعْجِيلُ، فتَنْصَرِفُ (٦) اليَمِينُ المُطْلَقَةُ إليه. فصل: فأَمَّا غيرُ قَضاءِ الحَقِّ، كأكْلِ شىءٍ، أو شُرْبِه، أو بَيْعِ شىءٍ، أو شِرائِه، أو

стр. 7264

ضَرْبِ عَبْدٍ (٧)، ونَحْوِه (٨)، فمتى عَيَّنَ وَقْتَه، ولم يَنْوِ ما يَقْتَضِى تَعْجِيلَه، ولا كان سبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِيه، لم يَبَرَّ إِلَّا بفِعْلِه فى وَقْتِه. وذكرَ القاضى، أنَّه يَبَرُّ بتَعْجِيلِه عن وَقْتِه. وحُكِىَ ذلك عن أصْحابِ أبى حنيفةَ. ولَنا، أَنَّه لم يَفْعَلِ المحْلوفَ عليه فى وَقْتِه، من غيرِ نِيَّةٍ تصْرِفُ يَمِينَه، ولا سَبَبٍ، فيَحْنَثُ، كالصِّيامِ. ولو فعَلَ بعضَ المَحْلُوفِ عليه قبلَ وَقْتِه، وبعضَه فى وَقْتِه، لم يَبَرَّ؛ لأَنَّ اليَمِينَ فى الإِثْباتِ لا يَبَرُّ فيها إِلَّا بفِعْلِ جميعِ المحْلوفِ عليه، فتَرْكُ بعضِه فى وَقْتِه، كتَرْكِ جَمِيعه، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ أَنْ لا يُجاوِزَ ذلك الوَقْتَ، أو يَقْتَضِىَ ذلك سَبَبُها. فصل: ومَن حَلَفَ لا يَبِيعُ ثَوْبَهُ بعشرةٍ، فباعهُ بِها أو بأَقَلَّ منها (٩)، حَنِثَ. وإِنْ باعَهُ بأَكْثَرَ منها، لم يَحْنَثْ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ إذا باعَه بأقَلَّ منها (١٠)؛ لأنَّه لم يَتناوَلْه يَمِينُه. ولَنا، أَنَّ العُرْفَ فى هذا أَنْ لا يَبيعَه بها، ولا بأَقَلَّ منها، بدَلِيلِ أنَّه لو وَكَّلَ فى بَيْعِه إنْسانًا، وأَمَرَه أَنْ لا يَبِيعَه بعشرةٍ، لم يَكُنْ له بَيْعُه بأقَلَّ منها، ولأنَّ هذا تَنْبِيهٌ على امْتِناعِه من بَيْعِه بما دونَ العشرةِ، والحكمُ يَثْبُتُ بالنِّيَّةِ، كثُبُوتِه باللَّفْظِ. وإِنْ حَلَفَ: لا اشْتَرَيْتُه بعشرةٍ. فاشْتراه بأقَلَّ، لم يَحْنَثْ. وإِنْ اشْتَراه بها أو بأكثرَ (١١)، حَنِثَ؛ لما ذكرْنا. ومُقْتَضَى مذهبِ الشافِعىِّ، أَنْ لا يَحْنَثَ إذا اشْتَراهُ بأكثرَ منها؛ لأنَّ يَمِينَه لم (١٢) تَتَناوَلْه لَفْظًا. ولَنا، أنَّها تَناوَلَتْه (١٣) عُرْفًا وتَنْبِيهًا، فكان حانِثًا، كما لو حَلَفَ: مالَه عَلىَّ حَبَّةٌ. فإنَّه يَحْنَثُ إذا كان (١٤) عليه أكْثَرُ منها، ويَبْرَأُ بيَمِينِه ممَّا زادَ عليها، كبراءَتِه منها. قيل لأحمدَ: رجُلٌ [حَلَفَ أَنْ] (١٥) لا ينْقُصَ هذا الثَّوْبَ عن (١٦) كذا. قال: قد أَخَذْتُه، ولكن

стр. 7265

هَبْ لى كذا. قال: هذا حِيلَةٌ، قيل له: فإنْ قال البائِعُ: بِعْتُك بكذا، وأهَبُ (١٧) لفُلانٍ شيئًا آخَرَ. قال هذا كلّه ليس بشىءٍ. وكَرِهَهُ (١٨). فصل: فإنْ حَلَفَ ليَقْضِيَنَّه حَقَّه فى غَدٍ، فماتَ الحالِفُ من (١٩) يَوْمِه، لم يَحْنَثْ؛ لما ذَكَرْنا فيما إذا حَلَفَ ليَضْربَنَّ عبدَه فى غَدٍ، فمات من يومِه. وإِنْ ماتَ المُسْتَحِقُّ، فحُكِى عن القاضِى أنَّه يَحْنَثُ؛ لأَنَّه قد تَعَذَّرَ قَضاؤُه، فأشْبَهَ ما لو حَلَفَ ليَضْرِبَنَّ عبدَه غَدًا، فمات العبدُ (٢٠) اليَوْمَ. وقال أبو الخَطَّاب: إِنْ قَضَى وَرَثَتَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ قَضاءَ وَرَثَتِه يقُومُ مَقامَ قَضائِه فى إبْرَاءِ ذِمَّتِه، فكذلك فى الْبِرِّ فى يَمِينِه، بخلافِ ما إذا ماتَ العبدُ، فإنَّه لا يقومُ ضَرْبُ غيرِه مَقامَ ضَرْبِه. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ: تَنْحَلُّ اليَمِينُ بمَوْتِ المُسْتَحِقِّ، ، ولا يَحْنَثُ، سواءٌ قَضَى وَرَثَتَه أو لم يَقْضِهم؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه فِعْلُ ما حَلَفَ عليه بغيرِ اخْتِيارِه، أشْبَهَ المُكْرَه، وقد سَبَقَ الكلامُ على هذا، فى مسألةِ مَن حَلَفَ ليَضْرِبَنَّ عَبْدَه غَدًا، فماتَ العبدُ اليومَ. وإِنْ أبْرَأَه المُسْتَحِقُّ من الحَقِّ، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على المُكْرَه هل يَحْنَث؟ على رِوايَتَيْن، وإِنْ قَضاهُ عِوَضًا عن حَقِّه، لم يَحْنَثْ، عندَ ابنِ حامِدٍ؛ لأنَّه قد قَضاهُ (٢١) حَقَّه. وقال القاضى: يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَقْضِه الحَقَّ الذى عليه بعَيْنِه (٢٢). فصل: فإنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ (٢٣) عندَ رَأْسِ الهلالِ، أو مع رَأْسِه، أو إلى رَأْسِ الهلالِ، أو إلى اسْتِهْلالِه، أو عندَ رَأْسِ الشَّهْرِ، أو مع رَأْسِه، فقَضَاه عندَ غُروبِ الشمسِ من ليلةِ الشَّهْرِ، بَرَّ فى يَمِينِه. وإِنْ أَخَّرَ ذلك مع إمْكانِه، حَنِثَ. وإِنْ شَرَعَ فى عَدِّه أو كَيْلِه أو وَزْنِه، فتَأَخَّرَ القَضاءُ لكَثْرَتِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَتْرُك القضاءَ. وكذلك إذا حَلَفَ

стр. 7266

ليَأْكُلَنَّ هذا الطعامَ، فى هذا الوَقْتِ، فشَرَعَ فى أكْلِه فيه، وتأخَّرَ الفَراغُ لكَثْرَتِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ أكْلَه كُلَّه غيرُ مُمْكِنٍ فى هذا الوَقْتِ اليَسِيرِ، فكانَتْ يَمِينُه على الشُّروعِ فيه فى ذلك الوَقْتِ (٢٤)، أو على مُقارَنَةِ فِعْلِه لذلك الوَقْتِ، للعِلْمِ (٢٥) بالعَجْزِ عن غيرِ ذلك. ومذهبُ الشافِعِىّ فى هذا كُلِّه كما ذَكَرْنا. ١٨٤٠ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مَاءَ هذَا الْإِنَاءِ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ لا يَشْرَبَهُ كُلَّهُ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا حَلَفَ ليَفْعَلَنّ شَيْئًا، لم يَبَرَّ إِلَّا بفِعْلِ جَمِيعِه، وإِنْ حَلَفَ أَنْ لا يَفْعَلَه، وأطْلَقَ، ففعل بعضَه، ففيه رِوايتان، تَقَدَّمَ ذِكْرُهما. وإِنْ نَوَى فِعْلَ جَمِيعِه، أو كان فى يَمِينِه ما يَدُلُّ عليه، لم يَحْنَثْ إِلَّا بفِعْلِ جَمِيعِه. وإِنْ نَوَى فِعْلَ البَعْضِ، أو كان فى يَمِينِه ما يَدُلُّ عليه، حَنِثَ بفِعْلِ البَعْضِ، روايةً واحدةً. فإذا (١) حَلَفَ أَنْ (٢) لا يَشْرَبَ ماءَ هذا الإِناءِ، فشَرِبَ بَعْضَه، فهل يَحْنَثُ بذلك؟ فيه رِوايَتان. وإِنْ حَلَفَ: لا شَرِبْتُ (٣) ماءَ دِجْلَةَ، أو ماءَ هذا النَّهْرِ. حَنِثَ بشُرْبِ أدْنَى شَىءٍ منه؛ لأنَّ شُرْبَ جَمِيعِه مُمْتَنِعٌ بغيرِ يَمِينِه، فلا حاجَةَ إلى تَوْكيدِ المنْعِ بيَمِينِه، فتُصْرَفُ يَمِينُه إلى مَنْعِ نَفْسِه ممَّا يُمْكِنُ فِعْلُه، وهو شُرْبُ البعضِ، كما لو حَلَفَ: لا شَرِبْتُ الماءَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال أصْحابُ الشافِعِىِّ: إِنْ حَلَفَ على الجِنْسِ، كالناسِ والماءِ والخُبْزِ والتَّمْرِ ونَحْوِه، حَنِثَ بفعلِ البعضِ، وإِنْ تَناوَلَتْ يَمِينُه الجَمْعَ (٤)، كالمسلمين والمُشْركِين والمساكين، لم يَحْنَث بفعلِ البعضِ، وإِنْ تَناوَلَت اسْمَ جِنْسٍ مُضافٍ (٥)، كماءِ النَّهْرِ، وماءِ دِجْلَةَ، ففيه

стр. 7267

وَجْهان. ولَنا، أنَّه حَلَفَ على ما لا يُمْكِنُه فِعْلُ جَمِيعِه، فتناوَلَتْ يَمِينُه بعضَه مُنْفرِدًا، كاسمِ الجِنْسِ. فصل (٦): فإنْ حَلَفَ: لا شَرِبْتُ من الفُراتِ، فشَرِبَ من مائِه، حَنِثَ، سواءٌ كَرَعَ (٧) فيه، أو اغْترفَ منه ثم شَرِبَ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ حتى يكْرَعَ فيه؛ لأنَّ حَقِيقَةَ ذلك الكَرْعُ، فلم يَحْنَثْ بغَيْرِه، كما لو حَلَفَ: لا شَرِبْتُ من هذا الإِناءِ. فصبَّ منه فى غيرِه وشَرِبَ. ولَنا، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِه أَنْ لا يَشْرَبَ من ماءِ الفُراتِ؛ لأنَّ الشُّرْبَ يكونُ من مائِها، لا منها (٨) فى العُرفِ، فحُمِلَتْ اليَمِينُ عليه، كما لو حَلَفَ: لا شَرِبْتُ من هذه البِئْرِ، ولا أَكَلْتُ من هذه الشَّجَرَةِ، ولا شَرِبْتُ من هذه الشاةِ. ويُفارقُ الكُوزَ؛ لأنَّ (٩) الشُّرْبَ فى العُرْفِ منه؛ لأنَّه آلةٌ للشُّرْبِ، بخلافِ النَّهْرِ، وما ذَكَرُوه يبْطُلُ بالبِئْرِ والشَّاةِ والشجَرَةِ، وقد سَلَّمُوا أنَّه لو اسْتَقَى من البئْرِ، أو احْتَلَبَ لبنَ الشَّاةِ، أو الْتَقَطَ من الشَّجَرَةِ، وشَرِبَ وأَكَلَ، حَنِثَ، فكذا فى مسَألَتِنا. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَشْربُ من ماءِ الفُراتِ، فشَرِبَ من نَهْرٍ يَأْخُذُ منه، حَنِثَ؛ لأنَّه يأْخُذُ (١٠) من ماءِ الفُراتِ. وإِنْ (١١) حَلَفَ لا يَشْرَبُ من (١٢) الفُراتِ، فشَرِبَ من نَهْرٍ يأخُذُ منه (١٣)، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأَنَّ مَعْنَى الشُّرْبِ منه الشُّرْبُ من مائِه، فحَنِثَ، كما لو حَلَفَ: لا شَرِبْتُ من مائِه. وهذا أحَدُ الاحْتِمالَيْنِ لأَصْحابِ الشافِعِىِّ. والثانى، لا يَحْنَثُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصْحابِه، إِلَّا أبا يوسف، فإِنَّ عنه رِوايَةً، أنَّه (١٤) يَحْنَثُ. وإنَّما قُلْنا: إنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ ما أَخَذَه النَّهْرُ يُضافُ إلى ذلك

стр. 7268

النَّهْرِ، لا إلى الفُرَاتِ، ويَزُولُ بإِضافَتِه إليه عن إضافَتِه إلى الفُراتِ، فلا يَحْنَثُ به، كغيرِ الفُراتِ. ١٨٤١ - مسألة؛ قال: (وَلَو قَالَ: وَاللَّهِ لَا فَارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِىَ حَقِّى مِنْكَ. فَهَرَبَ مِنْهُ، لم يَحْنَثْ. وَلَوْ قَالَ: لا افْتَرَقْنَا. فهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ) أمَّا إذا حَلَفَ: لا فارَقْتُكَ. ففيه مَسائِلُ عشرٌ؛ أحدُها، أَنْ يُفارِقَه الحالِفُ مُخْتارًا، فيَحْنَثُ: بلا خِلافٍ، سواءٌ أَبْرَأَه من الحَقِّ أو فارَقَه، والحقُّ عليه؛ لأَنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه منه. الثانِيَةُ، فارَقَه مُكْرَهًا، فيُنْظَرُ؛ فإنْ حُمِلَ مُكْرَهًا حتى فُرِّقَ بينهما، لم يَحْنَثْ. وإِنْ أُكْرِهَ بالضَّرْبِ والتَّهْدِيد، لم يَحْنَثْ. وفى قولِ أبى بكرٍ: يَحْنَث. وفى النَّاسِى تَفْصِيلٌ (١) ذَكَرْناه فيما مَضَى. الثالِثَةُ، هَرَبَ منه الغَرِيمُ بغَيْرِ اخْتِيارِه، فلا يَحْنَثُ. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه (٢) يَحْنَثُ؛ لأَنَّ مَعْنَى يَمِينِه أَنْ لا تحْصُلَ بينهما فُرْقَةٌ، وقد حصَلَتْ. ولَنا، أنَّه حَلَفَ على فِعْلِ نفسه فى الفُرْقَةِ، وما فعل، ولا فعل باخْتِيارِه، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَفَ: لا قُمْتُ. فقامَ غيرُه. الرابِعَةُ، أذِنَ له الحالِفُ فى الفُرْقَةِ، ففارَقَه، فمَفْهومُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يَحْنَثُ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ. قال القاضِى: وهو قولُ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه لم يَفْعَل الفُرْقَةَ التى حَلَفَ أنَّه لا يَفْعَلُها. ولَنا، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِه لأَلْزَمَنَّكَ. وإذا فارَقَه بإذْنِه فما لَزِمَه، ويُفارِقُ ما إذا هَرَبَ منه؛ لأَنَّه فَرَّ بغيرِ اخْتِيارِه، وليس هذا قولَ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ (٣) الخِرَقِىَّ قال: فهَرَبَ منه. فمَفْهُومُه أنَّه إذا فارَقَه بغيرِ هَرَبٍ، أنَّه يَحْنَثُ. الخامِسَةُ، فارَقَه من غيرِ إذْنٍ ولا هَرَبٍ، على وَجْهٍ يُمْكِنُهُ ملازَمَتُه، والمَشْىُ معه، أو إمْساكُه (٤)، فلم يَفْعَلْ، فالحُكْمُ فيها كالتى قَبْلَهَا. السادِسَةُ، قَضاهُ قَدْرَ (٥) حَقِّه، فَفارَقَه ظَنًّا منه أنَّه وَفَّاه، فخرَجَ رَدِيئًا أو بعضُه، فيُخَرَّجُ فى الحِنْثِ

стр. 7269

رِوَايتان؛ بِناءً على النَّاسِى. وللشافِعِىِّ قَوْلان، كالرِّوايَتَيْن؛ إحْداهما (٦)، يَحْنَثُ. وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه مُخْتارًا. والثانيةُ (٧)، لا يَحْنَثُ. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ إذا وجَدَها زُيُوفًا، وإِنْ وَجَدَ أكْثرَها نُحاسًا أنَّه (٨) يَحْنَثُ. وإِنْ وجَدَها مُسْتَحَقَّةً، فأخَذَها صاحِبُها، خُرِّجَ أيضًا على الرِّوايَتَين فى النَّاسِى؛ لأنَّه ظَانٌّ أنَّه مُسْتَوْفٍ لِحَقِّه (٩)، فأشْبَهَ ما لو وَجَدَها رَدِيئَةً. وقال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرّأْىِ: لا يَحْنَثُ، وإِنْ علمَ بالحالِ ففارَقَه، حَنِثَ؛ لأَنَّه لم يُوَفِّه حَقَّه. السابِعَةُ، فَلَّسَه الحاكِمُ، ففارَقَه، نَظَرْتَ؛ فإنْ أَلْزَمَه الحاكِمُ، فهو كالمُكْرَهِ، وإِنْ لم يُلْزِمْهُ مُفارَقَتَه، لكن (١٠) فارَقَه لعِلْمِه بوُجُوبِ مُفارَقَتِه، حَنِث؛ لأنَّه فارَقَه من غيرِ إكْراهٍ، فحَنِثَ، كما لو حَلَفَ لا يُصَلِّى، فوَجَبَت عليه صلاةٌ فصَلَّاها. الثامِنَةُ، أحالَه الغَرِيمُ بحَقِّه، ففارَقه، فإنَّه يَحْنَثُ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأبو يوسفَ (١١)، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّه قدْ بَرِئَ إليه منه. ولَنا، أنَّه ما اسْتَوْفَى حَقَّهُ منه، بدَلِيلِ أنَّه لم يَصِلْ إليه شىءٌ، ولذلك يَمْلِكُ الْمطالَبَةَ به، فحَنِثَ، كما لو لم يُحِلْهُ. فإنْ ظَنَّ أنَّه قد بَرَّ بذلك، ففارَقَه، فقال أبو الخَطَّاب: يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن. والصَّحِيحُ أنَّه يَحْنَثُ؛ لأَنَّ هذا جَهْلٌ بحُكْمِ الشَّرْعِ فيه، فلا يسْقُطُ عنهُ (١٢) الحِنْثُ، كما لو جَهِلَ كَوْنَ هذه اليَمِينِ مُوجِبَةً للكفَّارَةِ. فأمَّا إِنْ كانَتْ يَمِينُه: لا فارَقْتُك ولى قِبَلَكَ حَقٌّ. فأَحالَه به، ففارَقَه، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّه لم يَبْقَ له قِبَلَه حَقٌّ. وإِنْ أخَذَ به ضَمِينًا أو كَفِيلًا أو رَهْنًا، ففارَقَه، حَنِثَ، بلا إشْكالٍ؛ لأَنَّه يَمْلِكُ مطالَبَةَ الغَرِيمِ. التاسِعَةُ، قَضاهُ عن حَقِّه عِوَضًا عنه، ثم فارَقَه. فقال ابنُ حامِدٍ: لا يَحْنَثُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه (١٣) قَضاهُ

стр. 7270

حَقَّه، وَبرِىءَ إليه منه بالقضاءِ. وقال القاضِى: يَحْنَثُ؛ لأَنَّ يَمِينَه على نَفْسِ الحَقِّ، وهذا بَدَلُه. وإِنْ كانتْ يَمِينُه: لا فارَقْتُكَ حتى تَبْرَأَ من حَقِّى، أو: ولِى (١٤) قِبَلَك حَقٌّ. لم يَحْنَثْ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه لم يَبْقَ له قِبَلَه حَقٌّ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّه قد اسْتَوْفَى حَقَّه. العاشِرَةُ، وكَّلَ وكيلًا يَسْتَوْفِى له حَقَّه، فإن فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ الوَكَيلِ، حَنِثَ؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه. وإِنْ اسْتَوْفَى الوَكيلُ، ثم فارَقَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ اسْتِيفاءَ وكيلِه اسْتِيفاءٌ له، يَبْرَأُ بِه غَرِيمُه، ويصِيرُ فى ضَمانِ المُوَكِّلِ. فصل: فأَمَّا إِنْ قال: لا فارَقْتَنِى حتى أسْتَوْفِىَ حَقِّى منكَ. نَظَرْتَ؛ فإنْ فارَقَه المحلوفُ عليه مُخْتارًا، حَنِثَ. وإِنْ أكْرِهَ على فِراقِه، لم يَحْنَثْ. وإِنْ فارَقَه الحالِفُ مُختارًا، حَنِثَ، إِلَّا على ما ذَكَرَه القاضِى فى تَأْويلِ كلامِ الْخِرَقِىِّ، وهو مذهبُ الشافِعِىِّ، وسائِرُ الفروعِ تَأْتِى ههُنا على نَحْوٍ ممَّا (١٥) ذَكَرْناهُ. فصل: وإِنْ كانَتْ يَمِينُه: لا افْتَرَقْنا. فهَرَبَ منه المحلوفُ عليه، حَنِثَ؛ لأنَّ يَمِينَه تَقْتَضِى ألَّا تحْصُلَ بينهما فُرْقَةٌ بوَجْهٍ، وقد حصَلَت الفُرْقَةُ بهَرَبِه. وإِنْ أُكْرِها على الفُرْقَةِ، لم يَحْنَثْ، إِلَّا على قولِ مَنْ لم يَرَ الإِكْراهَ عُذْرًا. فصل: فإنْ حَلَفَ: لا فارَقْتُكَ حتى أُوَفِّيَكَ حَقَّكَ (١٦). فأَبْرَأَه الغَرِيمُ منه، فهل يَحْنَث؟ على وَجْهَيْن؛ بِناءً على المُكْرَهِ. وإِنْ كان الحَقُّ عَيْنًا، فوَهَبَها له الغَرِيمُ، فقَبِلَها، حَنِثَ؛ لأنَّه تَرَكَ إيفَاءَها له باخْتِيارِه. وإِنْ قَبَضَها منه، ثم وَهَبَها إيَّاه، لم يَحْنَثْ. وإِنْ كانَتْ يَمِينُه: لا أُفارِقُكَ (١٧) ولَكَ قِبَلِى حَقٌّ. لم يَحْنَثْ إذا أَبْرَأَهُ، أو وَهَبَ العَيْنَ له. فصل: والفُرْقَةُ فى هذا كُلِّه، ما عَدَّه الناسُ فِراقًا فى العادَةِ، وقد ذَكَرْنا الفُرْقَةَ فى البَيْعِ (١٨)، وما نَواهُ بيَمِينِه ممَّا يحْتَمِلُه لَفْظُه، فهو على ما نَواه. واللَّهُ أعْلَمُ.

стр. 7271

١٨٤٢ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إِلَّا بِإذْنِهِ، فَذلِكَ عَلَى كُلِّ مَرَّةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى مَرَّةً) وجملتُه أَنَّ مَن قال لِزَوْجَتِه: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا بإذْنِى, أو بغيرِ إذْنِى، فأنْتِ طالِقٌ. أو قال: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا أَنْ آذَنَ لَكِ، أو حتى آذَنَ لَكِ، أو إلى أَنْ آذَنَ لَكِ. فالحُكْمُ فى هذه الأَلْفاظِ الخَمْسَةِ، أنَّها متى خَرَجَت بغيرِ إذْنِه، طَلُقَتْ، وانْحَلَّتْ يَمِينُه؛ لأنَّ حَرْفَ "أَنْ" لا يَقْتَضِى تَكْرارًا، فإذا حَنِثَ مَرَّةً، انْحَلَّتْ، كما لو قال: أنْتِ طالِقٌ إِنْ شِئتِ. وإِنْ خَرَجَت بإذْنِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الشَّرْطَ ما وُجِدَ. وليس فى هذا اخْتِلافٌ (١). ولا تَنْحَلُّ اليَمِينُ، [بل متى] (٢) خَرَجَتْ بعدَ هذا بغيرِ إذْنِه، طَلُقَتْ. وقال الشافِعِىُّ: تَنْحَلُّ، فلا يَحْنَثُ بخُرُوجِها بعدَ ذلك؛ لأنَّ اليَمِينَ تَعَلَّقَتْ بخُروجٍ واحِدٍ، بحَرْفٍ لا يَقْتَضِى التَّكْرارَ، فإذا وُجِدَ بغيرِ إذْنٍ، حَنِثَ، وإِنْ وجدَ بإذْنٍ، بَرَّ؛ لأنَّ البِرَّ يَتَعَلَّقُ بما يَتَعَلَّقُ به الحِنْثُ. وقال أبو حنِيفةَ، فى قولِه: إِنْ خَرَجْت إِلَّا بإذْنِى، أو بغيرِ إذْنِى. كقَوْلِنا؛ لأنَّ الخُروجَ بإذْنِه فى هذَيْن المَوْضِعَيْنِ مُسْتَثْنًى من يَمِينِه، فلم يَدْخُلْ فيها، ولم يتَعَلَّقْ به بِرٌّ ولا حِنْثٌ. وإِنْ قال: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا أَنْ آذَن لَكِ، أو حتى آذَنَ لَكِ، أو إلى أَنْ آذَن لَكِ. متى أَذِنَ لها، انْحَلَّتْ يَمِينُه، ولم يَحْنَثْ بعدَ ذلك بخُرُوجِها بغيرِ إذْنِه؛ لأَنَّه جعَلَ الإِذْنَ فيها غايَةً لِيَمِينِه، وجعَلَ الطَّلاقَ مُعَلَّقًا على الخُروجِ قبلَ إذْنِه، فمتى أذِنَ انْتَهَتْ غايَةُ يَمِينِه، وزالَ حُكْمُها، كما لو قال: إِنْ خَرَجْتِ إلى أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ، أو إِلَّا أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ، أو حتى تطلُعَ الشمسُ، فأَنْتِ طالِقٌ. فخَرَجَتْ بعدَ طلُوعِها، ولأَنَّ حَرْفَ "إلى" و"حتى" للغايَةِ، لا للاسْتِثْناءِ. ولَنا، أنَّه علَّقَ الطَّلاقَ على شَرْطٍ، وقد وُجِدَ، فيَقَعُ الطَّلاقُ، كما لو لم تَخْرُجْ بإذْنِه. وقولُهم: قد بَرَّ. غيرُ صحيحٍ، لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أَنَّ المأْذُونَ فيه مُسْتَثْنًى من يَمِينِه، غيرُ داخِلٍ فيها، فكيف يبَرُّ؟ ألَا تَرَى أنَّه لو قال لها: إِنْ كَلَّمْتِ رَجُلًا إِلَّا أخاكِ، أو غيرَ أخِيك، فأَنْت طالِقٌ. فكَلَّمَت أخاها، ثم كَلَّمَت رَجُلًا آخرَ، فإنَّها تَطْلُقُ، ولا تَنْحَلُّ يَمِينُه بتَكْلِيمِها أخاها؟ والثانِى، أَنَّ

стр. 7272

المَحْلُوفَ عليه خروجٌ مَوْصُوفٌ بصِفَةٍ، فلا تَنْحَلُّ يَمِينُه (٣) بوجُودِ ما لم تُوجَدْ فيه الصِّفَةُ، ولا يَحْنَثُ به، ولا يَتَعَلَّقُ بما عَداهُ بِرٌّ ولا حِنْثٌ، كما لو قال: إِنْ خَرَجْتِ عُرْيانَةً، فأنتِ طالِقٌ، أو إنْ خَرَجْتِ راكِبَةً، فأنتِ طالِقٌ. فخَرَجَت مُسْتَتِرَةً ماشِيَةً، لم يَتَعَلَّق به بِرٌّ ولا حِنْثٌ، ولأنَّه لو قال لها: إِنْ كَلَّمْتِ رَجُلًا فاسِقًا، أو من غيرِ مَحارِمِكِ، فأنتِ طالِقٌ. لم يَتَعَلَّقْ بتَكْليمِها لغَيْرِ مَنْ هو مَوْصُوفٌ بتِلْكَ الصِّفَةِ بِرٌّ ولا حِنْثٌ، فكذلك فى الأفْعالِ. وقَوْلُهم: تَعَلَّقَتِ اليَمِينُ بخروجٍ واحِدٍ. قُلْنا: إِلَّا أنَّه خُروجٌ مَوْصُوفٌ بصِفَةٍ، فلا تَنْحَلُّ اليَمِينُ بوُجودِ غيرِه، ولا يَحْنَثُ به. وأما قولُ أصْحابِ أبى حنيفةَ: إِنَّ الأَلْفاظَ الثلاثةَ ليستْ من ألْفاظِ الاسْتِثْناء. قُلْنا: قولُه: إِلَّا أَنْ آذَن لك. من أَلْفاظِ الاسْتِثْناءِ، واللَّفْظَتان الأُخْرَيانِ فى معناه، فى إِخْراجِ المَأْذُونِ من يَمِينِه، فكان حُكْمُهما كَحُكْمِه. هذا الكلامُ فيما إذا أطْلَقَ، فإنْ نَوَى تَعْليقَ الطَّلاقِ على خُروجٍ واحِدٍ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُه به، وقُبلَ قولُه فى الحُكْمِ؛ لأَنَّه فَسَّرَ لَفْظَه بما يَحْتَمِلُه احْتِمالًا غيرَ بعيدٍ. وإِنْ أذِنَ لها مَرَّةً واحِدَةً، ونَوَى الإِذْنَ فى كُلِّ مَرَّةٍ، فهو على ما نَوَى. وقد نقلَ عبدُ اللَّه بن أحمد، عن أبِيه، إذا حَلَفَ أَنْ لا تَخْرُجَ امْرأَتُه إِلَّا بإذْنِه: إذا أَذِنَ لها مَرَّةً، فهو إذْنٌ لكُلِّ مَرَّةٍ، وتكونُ يَمِينُه على ما نَوَى. وإِنْ قال: كُلَّما خَرَجْتِ، فهو بإذْنِى. أَجْزَأَه مَرَّةً واحِدَةً. وإِنْ نَوَى بقولِه: إلى أَنْ آذَنَ لكِ، أو حتى آذَنَ لكِ، [أو إِلَّا أن آذَنَ لَكِ] (٤). الغايَةَ، وأنَّ الخروجَ المَحْلوفَ عليه ما قبلَ الغايَة، دونَ ما بَعْدَها، قُبِلَ قَوْلُه، وانْحَلَّتْ يَمِينُه بالإِذْنِ؛ لِنِيَّتِه، فإِنَّ مَبْنَى الأَيْمانِ على النِّيَّةِ. فصل: وإِنْ قال: إِنْ خَرَجْتِ بغيرِ إذْنِى، فأنْتِ طالِقٌ. فأَذِنَ لها، ثم نَهاها، فخَرَجَت طَلُقَتْ؛ لأنَّها خَرَجَتْ بغيرِ إذْنِه. وكذلك إِنْ قال: إِلَّا بإذْنِى. وقال بعضُ أصحابِ الشافِعِىِّ: لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّه قد أذِنَ. ولا يصِحُّ؛ لأَنَّ نَهْيَه (٥) أبْطَلَ إذْنَه، فصارَتْ خارِجَةً بغيرِ إذْنِه. وكذلك لو أَذِن لوكيلِه فى بَيْعٍ، ثم نَهاهُ عنه، فباعَه، كان باطِلًا. وإِنْ قال: إِنْ خَرَجْتِ بغيرِ إذْنِى، لغيرِ عيادَةِ مَرِيضٍ (٦)، فأَنْتِ طالِقٌ.

стр. 7273

فخَرَجَتْ لعيادَةِ مريضٍ، ثم تَشاغَلَتْ بغيرِه، أو قال: إِنْ خَرَجْتِ إلى غيرِ الحمَّامِ، بغيرِ إذْنِى، فأنتِ طالِقٌ. فخَرَجَت إلى الحمَّامِ، ثم عَدَلَتْ إلى غيرِه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّها ما خَرَجَت لغيرِ عِيادَةِ مريضٍ، ولا إلى غيرِ الحمَّامِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. الثانى، يَحْنَثُ؛ لأَنَّ قَصْدَه فى الغالبِ أَنْ لا تَذْهبَ إلى غيرِ الحمَّامِ، وعيادَةِ المريضِ، وقد ذَهَبَتْ إلى غيرِهِما، ولأنَّ حُكْمَ الاسْتِدامَةِ حُكمُ الابْتداءِ، ولهذا لو حَلَفَ أَنْ لا يدخُلَ دارًا هو داخِلُها، فأقامَ فيها، حَنِثَ، فى أحَدِ الوَجْهَيْن. وإِنْ قَصَدَت بخُروجِها الحمَّامَ وغيرَه، أو العِيادَةَ وغيرَها، حَنِثَ؛ لأَنَّها خَرَجَتْ لغَيْرِهما. وإن قال: إِنْ خَرَجْتِ لا لعيادَةِ مَرِيضٍ، فأنتِ طالِقٌ. فخَرَجَتْ لعيادَةِ مريضٍ وغيرِه، لم تَطْلُقْ (٧)؛ لأنَّ الخروجَ لعيادَةِ المريضِ، وإِنْ قَصَدَت معه غَيْرَهُ. وإِنْ قال: إِنْ خَرَجْتِ بغيرِ إذْنِى، فأنتِ طالِقٌ. ثم أَذِن لها ولم تَعْلَمْ، فخَرَجَت، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، تَطْلُقُ. وبه قال أبو حنِيفةَ، ومالِكٌ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. والثانى، لا يَحْنَثُ. وهو قولُ الشافِعِىِّ، وأبى يوسفَ، لأَنَّها خَرَجَتْ بعدَ وُجودِ الإِذْنِ من جِهَتِه، فلم يَحْنَثْ، كما لو عَلِمَتْ به، ولأنَّه لو عَزَلَ وكيلَه انْعَزَلَ وإِنْ لم يَعْلَمْ بالعَزْلِ، فكَذلك تصيرُ مَأْذُونًا لها وإِنْ لم تَعْلَمْ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أَنَّ الإِذْنَ إعْلامٌ، وكذلك قِيل فى قوله: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٨). أى أَعْلَمْتُكُم فاسْتَويْنَا (٩) فى العِلْمِ. ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١٠). أى إِعْلامٌ. ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١١). فاعْلمُوا به. واشْتِقاقُه من الأُذُنِ، يعنى أوْقَعْتُه فى أذُنِك، وأَعْلَمْتُكِ به (١٢). ومع عَدَمِ العلمِ لا يكونُ إعْلامًا، فلا يكونُ إذْنًا، ولأنَّ إذْنَ الشارِع فى أوامِرِه ونَواهِيه، لا يثْبُتُ إِلَّا بعدَ العِلْمِ بها، كذلك إذْنُ الآدَمِىِّ، وعلى هذا يُمْنَعُ وُجودُ الإِذْنِ من جِهَتِه.

стр. 7274

فصل: فإنْ حَلَفَ عليها أَنْ لا تَخْرُجَ من هذه الدَّارِ إِلَّا بإذْنِه، فصعَدَتْ سَطْحَها، أو خَرَجَت إلى صَحْنِها، لم يَحْنَثْ، لأَنَّها لم تَخْرُجْ من الدَّارِ. وإِنْ حَلَفَ أن (١٣) لا تَخْرُجَ من البَيْتِ، فخَرَجَت إلى الصَّحْنِ، أو إلى سَطْحِه، حَنِثَ. وهذا مُقْتَضَى مذهبِ الشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرّأْىِ. ولو حَلَفَ على زَوْجَتِه أن (١٣) لا تخرجَ، ثم احْتَمَلَها (١٤) فأَخْرَجَها، فإنْ أمْكَنَها الامْتِنَاعُ فلم تَمْتَنِعْ، حَنِثَ. وقالٍ الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّها لم تخرُجْ، وإنَّما (١٥) أُخْرِجَتْ. ولَنا، أنَّها خَرَجَت مُخْتارَةً، فحَنِثَ، كما لو أَمَرَتْ مَنْ حَمَلَها، والدَّلِيلُ على خُروجِها، أَنَّ الخُروجَ الانْفِصالُ من داخِلٍ إلى خارِجٍ، وقد وُجِدَ ذلك. وما ذَكَرَه (١٦) يبْطُلُ بما إذا أَمَرَتْ مَنْ حَمَلَها، فأمَّا إِنْ لم يُمْكِنْها الامْتِناعُ، فيَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ. وهو قولُ (١٧) الشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الخروجَ لا يُنْسَبُ إليها، فأشْبَهَ ما لو حَمَلَها غيرُ الحالِفِ. ويحْتَمِلُ (١٨) أَنْ يَحْنَثَ؛ لأَنَّه مُخْتارٌ لفِعْلِ ما حَلَفَ على تَرْكِه. وإِنْ حَلَفَ أَنْ (١٣) لا تَخْرُجِى إِلَّا بإذْنِ زيدٍ، فماتَ زيدٌ ولم يأذَنْ، فخَرَجَت، حَنِثَ الحالِفُ؛ لأَنَّه عَلَّقَه على شَرْطٍ، ولم يُوجَدْ، ولا يجوزُ فِعْلُ المَشْرُوطِ. ١٨٤٣ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هذَا الرُّطَبَ، فأَكَلَه تَمْرًا، حَنِثَ. وكَذلِكَ كُلُّ مَا تَوَلَّدَ مِنْ ذلِك الرُّطَبِ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا حَلَفَ على شىءٍ عَيَّنَه بالإِشارَةِ، مثل أَنْ حَلَفَ أن (١) لا يَأْكُلَ هذا الرُّطَبَ، لم يَخْلُ من حالَيْنِ؛ أحَدُهما، أَنْ يَأْكُلَه رُطَبًا، فيَحْنَثَ، بلا خِلافٍ بين

стр. 7275

الجميعِ؛ لكَوْنِه فعل ما حَلَفَ على تَرْكِه صَرِيحًا. الثانى، أَنْ تَتَغَيَّرَ صِفَتُه [فذلك ينْقَسِمُ] (٢) خمسةَ أَقْسامٍ؛ أحدُها، أَنْ تَسْتَحِيلَ أجزاؤُه، ويَتَغَيَّرَ اسْمُه، مثل أَنْ يحْلِفَ: لا أكَلْتُ هذه البَيْضَةَ. فصارَتْ فَرْخًا. ولا (٣) أَكَلْتُ هذه الحنطَةَ. فصارَتْ زَرْعًا فأَكَلَه، فهذا لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه زالَ اسْمُه (٤)، واسْتَحالَتْ أجْزاؤُه. وعلى قياسِه، إذا حَلَفَ: لا شَرِبْتُ هذا الخَمْرَ. فصارَتْ خَلًّا، فَشَرِبَه. القِسْمُ الثانِى، تَغَيَّرَتْ صِفَتُه، وزالَ اسْمُه، مع بقاءِ أَجْزائِه، مثل أَنْ يَحْلِفَ: لا أكلتُ (٥) هذا الرُّطَبَ. فصارَ تَمْرًا، ولا (٣) أُكَلِّمُ هذا الصَّبِىَّ. فصارَ شَيْخًا، ولا (٣) آكلُ هذا الحمَلَ. فصار كَبْشًا. أو لا آكُلُ هذا الرُّطَبَ. فصارَ دبْسًا، أو خَلًّا، أو ناطِفًا (٦)، أو غيرَه من الحَلْواءِ. أو لا (٧) يأكُلَ هذه الحِنْطَة، فصارَتْ دقيقًا، أو سَويقًا، أو خُبْزًا، أو هَرِيسَةً. أو: لا أكَلْتُ هذا العَجِينَ، أو هذا الدَّقِيقَ. فصارَ خُبْزًا. أو: لا (٧) أَكَلْتُ هذا اللَّبَنَ. فصارَ مصْلًا (٨)، أو جُبْنًا، أو كَشْكًا. أو: لا دَخَلْتُ هذه الدَّارَ. فصارَتْ مَسْجِدًا، أو حَمَّامًا، أو فَضاءً، ثم دَخَلَها وأَكَلَه (٩)، حَنِثَ فى جميعِ ذلك. وبه قال أبو حنيفةَ، فيما إذا حَلَفَ: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبِىَّ. فصارَ شيخًا. و: لا أَكَلْتُ هذا الحَمَلَ. فصارَ كبْشًا. ولا: دَخَلْتُ هذه الدَّارَ. فدَخَلَها بعد تَغَيُّرِها. وقال به أبو يوسفَ، فى الحِنْطَةِ إذا صارَتْ دقيقًا. وللشافِعِىِّ فى الرُّطَبِ إذا صارَ تَمْرًا، والصَّبِىِّ إذا صارَ شَيْخًا، والحَمَلِ إذا صارَ كَبْشًا، وَجْهان. وقالُوا فى سائِرِ الصُّوَرِ: لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّ اسْمَ المحْلوفِ عليه وصُورَتَه زالَتْ، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَفَ لا يَأْكُلُ هذه البَيْضَةَ، فصارَتْ فرْخًا. ولَنا، أَنَّ عَيْنَ المحْلوفِ عليه باقِيَةٌ، فحَنِثَ بها، كما لو حَلَفَ: لا أَكَلْتُ هذا الحَمَلَ. فأكَلَ لَحْمَه. أو: لا لَبِسْتُ هذا

стр. 7276

الغَزْلَ (١٠). فصارَ ثَوْبًا، ولَبِسَه (١١). أو: لا لَبِسْتُ هذا الرِّداءَ. فَلَبِسَه بعد أَنْ صارَ قمِيصًا أو سَرَاويلَ. وفارَقَ البَيْضَةَ إذا صارَتْ فَرْخًا؛ لأنَّ أجْزاءَها اسْتَحالَتْ، فصارَتْ عَيْنًا أُخْرَى، ولم تَبْقَ عَيْنُها، ولأَنَّه لا (١٢) اعتبارَ بالاسْمِ مع التَّعْيِينِ، كما لو حَلَفَ: لا كَلَّمْتُ زيدًا هذا. فغَيَّرَ اسْمَه. أو: لا كَلَّمْتُ صاحِبَ هذا الطَيْلَسان. فكَلَّمَه بعد بَيْعِه. ولأنَّه متى اجتَمَعَ التَّعْيِينُ مع غيرِه ممَّا يُعْرَفُ به، كان الحُكْمُ للتَّعْيِينِ، كما لو اجْتَمَعَ مع الإِضافَةِ. القِسْمُ الثالِثُ، تَبَدَّلَتِ الإِضافَةُ، مثل أَنْ حَلَفَ: لا كَلَّمْتُ زوجةَ زيدٍ هذه، ولا عبدَه هذا، ولا دَخَلْتُ دارَهُ هذه. فطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، وباعَ العبدَ والدَّارَ، فكلَّمَهما، ودَخَلَ الدَّارَ، حَنِثَ. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، ومحمدٌ، وزُفَرُ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسف: لا يَحْنَثُ، إِلَّا فى الزَّوْجَةِ؛ لأَنَّ الدَّارَ لا تُوَالَى ولا تُعادَى، وإنَّما الامْتِناعُ لأَجْلِ مالِكِها، فتَعَلَّقَت اليَمِينُ بها، مع بَقاءِ مِلْكِه عليها، وكذلك العبدُ فى الغالِبِ. ولَنا، أنَّه إذا اجْتَمَعَ فى اليمينِ التَّعْيِينُ والإِضافَةُ، كان الحُكْمُ للتَّعْيِينِ، كما لو قال: واللَّهِ لا كَلَّمْتُ زوجةَ فُلانٍ، ولا صَدِيقَه. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ فى العبدِ؛ لأنَّه يُوالَى ويُعادَى، ويَلْزَمُه فى الدَّارِ إذا أطْلَقَ، ولم يذْكُرْ مالكَها، فإنَّه يَحْنَثُ بدُخُولِها بعدَ بَيْعِ مالِكِها إيَّاها. القِسْمُ الرابِعُ، إذا تَغَيرَّتْ صِفَتُه بما يُزِيلُ اسْمَه ثم عادَتْ، كمِقَصٍّ انْكَسَرَ ثم أُعِيدَ، وقلمٍ كُسِرَ (١٣) ثم بُرِىَ، وسَفِينَةٍ تَفَصَّمَتْ ثم أُعِيدَتْ، ودارٍ هُدِمَتْ ثم بُنِيَتْ، وأُسْطُوانَةٍ نُقِضَتْ ثم أُعِيدَتْ، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنّ أجْزَاءَها واسْمَها موجودان (١٤)، فأشْبَهَ ما لو لم تَتَغَيَّرْ. القِسْمُ الخامِسُ، إذا تَغَيَّرَت صِفَتُه بما لم يُزِلْ اسمَه، كلَحْمٍ شُوِىَ أو طُبِخَ، وعبدٍ بيعَ، ورجلٍ مَرِضَ، فإنَّه يَحْنَثُ به، بلا خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الاسْمَ الذى علَّقَ عليه اليَمِينَ لم يزُلْ، ولا زالَ التَّغَيُّرُ، فحَنِثَ به، كما لو لم يَتَغَيَّرْ حالُه.

стр. 7277

فصل: وإِنْ قال: واللَّهِ لا كَلَّمْتُ سعدًا زَوْجَ هند، أو سَيِّدَ صُبَيْحٍ، أو صَدِيقَ عَمْرٍو، أو مالِكَ هذه الدَّارِ، أو صاحِبَ هذا (١٥) الطيلسان. أو: لا كَلَّمْت هِنْدَ امْرأَةَ سَعْدٍ، أو صُبَيْحًا عبدَه، أو عَمْرًا صَدِيقَه. فطلّقَ الزوجَةَ، وباعَ العبدَ والدَّارَ والطَّيْلَسانَ، وعادَى عَمْرًا، وكَلَّمَهم، حَنِثَ؛ لأنَّه متَى اجْتَمَعَ الاسمُ والإِضافَةُ، غلَبَ الاسمُ؛ لِجَرَيانِه (١٦) مَجْرَى التَّعْيِينِ فى تعْرِيف (١٧) المَحَلِّ. فصل: ومتَى نَوَى بيَمِينِه فى [شىءٍ من] (١٨) هذه الأَشْياءِ، ما دامَ على تِلْكَ الصِّفَةِ أو الإِضافَةِ، أو ما (١٩) لم يَتَغَيَّرْ، فيَمِينُه على ما نَواه؛ لقولِه ﵇: "وَإِنَّمَا لِامْرِىءٍ مَا نَوَى" (٢٠). واللَّهُ أعلمُ. ١٨٤٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لا يَأْكُلَ تَمْرًا، فَأَكَلَ رُطَبًا، لَمْ يَحْنَثْ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا لم يُعَيِّن المحْلُوفَ عليه، ولم يَنْوِ بيَمِينِه ما يُخالِفُ ظاهِرَ اللَّفْظِ، ولا صرَفَه السَّبَبُ عنه، تَعَلَّقَت يَمِينُه بما تَناوَلَه الاسْمُ الذى عَلَّقَ عليه يَمِينَه، ولم يَتَجاوَزْه، فإذا حَلَفَ ألَّا يأْكُلَ تَمْرًا، لم يَحْنَثْ إذا أكَلَ رُطَبًا ولا بُسْرًا ولا بَلَحًا. وإذا حَلَفَ لا يأكُلُ رُطَبًا، لم يَحْنَثْ إذا أكلَ تَمْرًا ولا بُسْرًا ولا بَلَحًا، ولا سائِرَ ما لا يُسَمَّى رُطَبًا. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَم فيه خِلافًا. فصل: ولو حَلَفَ لا يَأْكُلُ عِنَبًا، فأكَلَ زَبِيبًا أو دِبْسًا أو خَلًّا أو ناطِفًا، أو لا يُكلِّمُ شابًّا، فكَلَّمَ شيخًا، أو لا يَشْتَرِىَ جَدْيًا، فاشْتَرَى تَيْسًا، أو لا يَضْرِبَ عَبْدًا، فضَرَبَ عَتِيقًا، لم يَحْنَثْ, بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ اليَمِينَ تَعَلَّقَتْ بالصِّفَةِ دونَ العَيْنِ، ولم تُوجَدْ الصِّفَةُ، فجرَى مَجْرَى قولِه: لا أَكَلْتُ هذه التَّمْرَةَ. فأكَلَ غيرَها.

стр. 7278

فصل: فإنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ رُطَبًا، فأكَلَ مُنَصَّفًا، وهو الذى بعضُه بُسْرٌ وبعضُه تَمْرٌ، أو مُذَنَّبًا، وهو الذى بَدَأَ فيه الإِرْطابُ من ذَنَبِه وباقِيه بُسْرٌ، أو حَلَفَ لا يأكُلُ بُسْرًا، فأكَلَ ذلك، حَنِث. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، والشافِعِىُّ. وقال أبو يوسفَ، وبعضُ أصحابِ الشافِعِىِّ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى رُطَبًا ولا بُسْرًا (١). ولَنا، أنَّه أكَلَ رُطَبًا وبُسْرًا، فحَنِثَ، كما لو أَكَلَ نصفَ رُطَبةٍ ونصفَ بُسْرَةٍ مُنْفَرِدَتَيْن. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإِنَّ القَدْرَ الذى أرْطبَ رُطَبٌ، والباقىَ بُسْرٌ، ولو أنَّه حَلَفَ لا يأْكُلُ الرُّطَبَ، فأكَلَ القَدْرَ الذى أرْطَبَ من المُنَصَّفِ (٢)، حَنِثَ، ولو حَلَفَ لا يأكُلُ البُسْرَ، فأَكَلَ البُسْرَ الذى فى المُنَصَّفِ (٢) حَنِثَ. وإِنْ أكلَ البُسْرَ مَنْ يَمِينُهُ على الرُّطَبِ، وأكَلَ الرُّطَبَ مَنْ يَمِينُهُ على البُسْرِ، لم يَحْنَثْ واحِدٌ منهما. وإِنْ حَلَفَ واحِدٌ ليَأْكُلَنَّ رُطَبًا، وآخَرُ لَيَأْكُلَنَّ بُسْرًا، فأكَلَ الحالِفُ على أكلِ الرُّطَبِ ما فى المُنَصَّفِ من الرُّطَبِ (٣)، وأكَلَ الآخَرُ باقِيَها، بَرَّا جميعُهما (٤). وإِنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبَةً أو بُسْرَةً، أو لا يَأْكُلُ ذلك، فأكَلَ مُنَصَّفًا، لم يَبَرَّ ولم يَحْنَثْ؛ لأنَّه ليس فيه رُطَبةٌ ولا فيه (٥) بُسْرَةٌ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يأْكُلُ لَبَنًا، فأكَلَ من لَبَنِ الأنْعامِ، أو الصَّيْدِ، أو لَبَنِ آدَمِيَّةٍ، حَنِثَ؛ لأنَّ الاسْمَ يَتَناوَلُه حقيقَةً وعُرْفًا، وسواءٌ كان حَلِيبًا أو رائِبًا، أو مائِعًا أو مُجَمَّدًا؛ لأنَّ الجميعَ لَبَنٌ، ولا يَحْنَثُ بأَكْلِ الجُبْنِ والسَّمْنِ والمَصْلِ والأقِطِ والكَشْكِ ونحوِه. وإِنْ أكَلَ زُبْدًا، لم يَحْنَثْ. نَصَّ عليه. وقال القاضِى: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقالَ فى الزُّبْدِ: إِنْ ظَهَرَ فيه لبَنٌ، حَنِثَ بأَكْلِه، وإلَّا فلا. كما قُلْنَا فى مَن حَلَفَ لا يأكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ. وهذا مذهبُ الشافِعِىّ. وإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ زُبْدًا، فأَكَلَ سَمْنًا أو لَبَنًا لم يظْهرْ فيه الزُّبْدُ، لم يَحْنَثْ. وإِنْ كان الزُّبْدُ ظاهِرًا فيه، حَنِثَ. وإِنْ أكَلَ جُبْنًا، لم يَحْنَثْ. وكذلك سائِرُ ما

стр. 7279

يُصْنَعُ من اللَّبَنِ. وإِنْ حَلَفَ لا يأكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ زُبْدًا، أو لَبَنًا، أو شيئًا ممَّا يُصْنَعُ من اللَّبَنِ سِوَى السَّمْنِ، لم يَحْنَثْ. وإِنْ أَكَلَ السَّمْنَ مُنْفَرِدًا، أو فى عَصِيدَةٍ، أو حَلْواءَ أو طَبِيخٍ، فظَهَرَ فيه طَعْمُه، حَنِثَ. وكذلك (٦) إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَبَنًا، فأكَلَ طَبِيخًا فيه لَبَنٌ، أو لا يَأْكُلُ خَلًّا، فأَكَلَ طَبِيخًا فيه خَلٌّ، فظهَرَ (٧) طَعْمُه فيه، حَنِثَ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال بعضُ أصحابِه: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يُفْرِدْه بالأَكْلِ. ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّه أَكَلَ المحلوفَ عليه، وأضافَ إليه غيرَه، فحَنِثَ، كما لو أَكَلَه ثم أكَلَ غيرَه. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يأْكُلُ شَعِيرًا، فأكَلَ حِنْطَةً فيها حَبَّاتُ شعيرٍ، حَنِثَ؛ لأنَّه أكلَ شعيرًا فحَنِثَ، كما لو حَلَفَ لا يَأْكُلُ رُطَبًا، فأكَلَ مُنَصَّفًا. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ؛ لأَنَّه يُسْتَهْلَكُ فى الحِنْطَةِ، فأشْبَهَ السَّمْنَ فى الخَبِيصِ (٨). وإِنْ نَوَى بيَمِينِه أَنْ لا يأْكُلَ الشعيرَ مُنْفَرِدًا، أو كان سَبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِى ذلك، أو يَقْتَضِى أكْلَ شعيرٍ يظْهَرُ أثرُ أكْلِه، لم يَحْنَثْ إِلَّا بذلك؛ لما قَدَّمْنا. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ فاكِهَةً، حَنِثَ بأكْلِ كُلِّ ما يُسَمَّى فاكِهَةً، وهو (٩) كُلُّ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ من الشَّجَرِ (١٠) يُتفَكَّهُ بها، من العِنَبِ، والرُّطَبِ، والرُّمَّانِ، والسَّفَرْجَلِ، والتُفَّاحِ، والكُمَّثْرَى، والخَوخِ، والمِشْمِشِ، والأُتْرُجِّ، والتُّوتِ، والنَّبْقِ، والمَوْزِ (١١)، والجُمَّيْزِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ بأَكْلِ ثَمَرَةِ النَّخلِ والرُّمَّانِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (١٢). والمعطوفُ يُغايِرُ المعْطوفَ عليه. ولَنا، أنهما ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بهما، فكانا من الفاكِهَةِ، كسائِرِ ما ذَكَرْنا، ولأنَّهما فى عُرْفِ الناسِ فاكِهَةٌ،

стр. 7280

ويُسمَّى بائِعُهما فاكِهانِيًّا. وموْضِعُ بَيْعِهما دارُ الفاكِهَةِ، والأَصْلُ فى العُرْفِ الحَقيقَةُ، والعَطْفُ لتَشْرِيفهِما (١٣) وتَخْصِيصِهما، كقولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (١٤). وهما من الملائِكَةِ، فأمَّا يابِسُ هذه الفَواكِه، كالزَّبيبِ والتَّمْرِ والتِّينِ والمِشْمِشِ اليابِسِ والإِجَّاصِ (١٥) ونحوِها، فهو من الفاكِهَةِ؛ لأَنَّه ثَمَرُ شَجَرةٍ (١٦) يُتفَكَّه بها (١٧). ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس منها؛ لأَنَّه يُدَّخَرُ، ومنه ما يُقْتاتُ، فأشْبَهَ الحبوبَ. والزَيْتونُ ليس (١٨) بفاكِهَةٍ؛ لأَنَّه لا يُتفَكَّه بأَكْلِه، وإنَّما المقصودُ زَيْتُه، [وما يُؤْكَلُ منه يُقْصَدُ به التَّأدُّم لا التَّفَكُّه. والْبَطْم (١٩) فى مَعْناه؛ لأَنَّ المقصودَ زَيْتُه] (٢٠). ويَحْتَمِلُ أنَّه فاكِهَةٌ؛ لأنَّه ثمَرُ شَجَرٍ يُؤْكَلُ غَضًّا ويابِسًا على جِهَتِه، فأَشْبَهَ التُّوتَ. والبَلُّوطُ ليس بفاكِهَةٍ؛ لأَنَّه لا يُتَفَكَّهُ به، وإنَّما يُؤْكَلُ عندَ الْمَجاعَةِ، أو التَّدَاوِى (٢١). وكذلك سائِرُ ثَمَرِ [الشَّجَرِ البرِّىِّ] (٢٢) الذى لا يُسْتَطابُ، كالزَّعْرُورِ الأَحْمَرِ، وثَمَرِ القَيْقَبِ (٢٣)، والعَفْصِ، وحَبِّ الآسِ، [ونحوِه] (٢٤)، وإِنْ كان فيها ما يُسْتَطابُ، كحَبِّ الصَّنَوْبَرِ، فهو فاكِهَةٌ؛ لأنَّه ثَمَرَةُ شجرةٍ يُتَفَكَّهُ به. فصل: فأمَّا القِثَّاءُ، والخِيَارُ، والقَرْعُ، والباذَنْجانُ، فهو من الخضِرِ، [وليس بفاكِهَة] (٢٥). وفى البِطِّيخِ وَجْهان؛ أحدُهما، هو من الفاكِهَةِ. ذَكَرَه القاضِى. وهو قولُ الشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه ينْضَجُ ويحْلُو، أشَبَهَ ثمرَ الشَّجَرِ. والثانى، ليس من الفاكِهَةِ؛

стр. 7281

لأَنَّه ثَمَرُ بَقْلَةٍ، أشْبَهَ الخِيارَ والقِثَّاء. وأمَّا ما يكونُ فى الأَرْضِ، كالجزَرِ، واللِّفتِ، والفُجْلِ، والقَلْقاسِ، والسوطَلِ (٢٦)، ونحوِه، فليس شىءٌ من ذلك فاكِهةً؛ لأنَّه لا يُسَمَّى بها، ولا هو فى مَعْناها. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ أُدْمًا، حَنِثَ بأَكْلِ كلِّ ما جَرَت العادَةُ بأَكْلِ الخُبْزِ به؛ لأَنَّ هذا مَعْنَى التَّأَدُّمِ، وسواءٌ فى هذا ما يُصْطَبَغُ، كالطَّبِيخِ والمَرَقِ والخَلِّ والزَّيْتِ والسَّمْنِ والشَّيْرَجِ واللَّبَنِ، قال اللَّه تعالى فى الزَّيْتِ: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ (٢٧). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ" (٢٨). وقال: "ائْتَدِمُوا بالزَّيْتِ، وادَّهِنُوا بِهِ؛ فَإنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ". رواه ابنُ ماجَه (٢٩). أو من الجامِداتِ، كالشِّواءِ والجُبْنِ والباقِلَّاء والزَّيْتونِ والبَيْضِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: ما لا يُصْطَبَغُ به فليس بأُدْمٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يُرْفَعُ إلى الفَمِ مُنْفَرِدًا. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "سَيِّدُ الإِدَامِ اللَّحْمُ" (٣٠). وقال: "سَيِّدُ إدَامِكُم المِلْحُ". روَاه ابنُ ماجَه (٣١). ولأنَّه (٣٢) يُؤْكَلُ به الخبزُ عادَةً، فكان إدامًا (٣٣)، كالذى يُصْطَبَغُ به، ولأنَّ كثيرًا ممَّا ذَكَرْنا لا يُؤْكَلُ فى العادَةِ وَحْدَه، إنَّما يُعَدُّ للتَّأدُّمِ به، وأَكْلِ الخُبْزِ به، فكان أُدْمًا، كالخَلِّ واللَّبَنِ. وقولُهم: إنَّه يُرْفَعُ إلى الفَمِ وحدَه (٣٤) مُنْفَرِدًا (٣٥). عنه جوابان؛ أحَدُهما،

стр. 7282

أَنَّ منه ما يُرْفَعُ مع الخبزِ، كالملحِ ونحوِه. والثانِى، أنَّهما يَجْتَمِعان فى الفمِ والمَضْغِ والبَلْعِ، الذى هو حقيقَةُ الأَكْلِ، فلا يضُرُّ افْتِراقُهما قبلَه، فأمَّا التَّمْرُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، هو أُدْمٌ؛ لما رَوَى يوسفُ بن (٣٦) عبدِ اللَّه بن سَلام، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ وضَعَ تَمْرَةً على كِسْرَةٍ، وقال: "هذِهِ إدَامُ هذِهِ". روَاه أبو داوُد (٣٧)، وذَكَرَه الإِمامُ أحمدُ. والثانِى، ليسَ بأُدْمٍ؛ لأَنَّه لا يُؤْتَدَمُ به عادَةً، إنَّما يُؤْكَلُ قُوتًا وحَلاوَةً (٣٨). وإِنْ أكَلَ المِلْحَ مع الخبزِ فهو إدامٌ؛ لما ذَكَرْنا من الخَبَرِ، ولأنَّه يُؤْكَلُ به الخُبْزُ، ولا يُؤْكَلُ مُنْفَرِدًا عادَةً، أشْبَهَ الجُبْنَ والزَّيْتُونَ. فصل: فإنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ طعامًا، [حَنِثَ بأكْلِ كلِّ] (٣٩) ما يُسَمَّى طعامًا؛ من قُوتٍ، وأُدْمٍ، وحَلْواءَ، وتَمْرٍ، وجامِدٍ، ومائِعٍ (٤٠)، قال اللَّه تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِى إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٤١). وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (٤٢). يعنى على مَحَبَّةٍ للطَّعامِ (٤٣)؛ لحاجَتِهم إليه (٤٤)، وقيل: على حُبِّ اللَّه تعالى. وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِى مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (٤٥). وسمَى النَّبِىُّ ﷺ اللَّبَنَ طعامًا، فقال: "إنَّما يخْزُنُ لهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ" (٤٦). وفى الماءِ وَجْهان؛

стр. 7283

أحَدُهما، هو طعامٌ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٤٧). والطَّعامُ ما (٤٨) يُطْعَمُ، ولأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَمَّى اللَّبَنَ طعامًا، وهو مَشْروبٌ، فكذلك الماءُ. والثانى، ليس بطعامٍ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى طَعامًا، ولا يُفْهَمُ من إطْلاقِ اسمِ الطَّعامِ، ولهذا يُعْطَفُ عليه، فيقال: طعامٌ وشَرابٌ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنِّى [لا أَعْلَمُ] (٤٩) ما يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَنُ". روَاه ابنُ ماجَه (٥٠). ويقال: بابُ الأَطْعِمَةِ والأشْرِبَة. ولأنَّه إِنْ كان طعامًا فى الحقيقَةِ، فليس بطعامٍ فى العُرْفِ، فلا يَحْنَثُ بشُرْبِه، لأَنَّ مَبْنَى الأيْمانِ على العُرْفِ، لكَوْنِ الحالِفِ فى الغالِب لا يريدُ بلَفْظِه إِلَّا ما يَعْرِفُه. وإِنْ أَكَلَ دواءً، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه يُطْعَمُ حال الاخْتِيارِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. والثانى، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يَدْخُلُ فى إطْلاقِ اسمِ الطَّعامِ، ولا يُؤْكَلُ إِلَّا عندَ الضَّرُورَةِ. فإنْ أَكَلَ من نباتِ الأَرْضِ ما جَرَتِ العادَةُ بأَكْلِه، حَنِثَ. وإِنْ أكَلَ ما لم (٥١) [تَجْرِ به] (٥٢) عادَةٌ، كوَرَقِ الشَّجَرِ، ونُشارَةِ الخَشَبِ، احْتَملَ وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأَنَّه قد أَكَلَه، فأشْبَهَ ما جَرَتِ العادَةُ بأكْلِه، ولأَنَّه (٥٣) رُوِىَ عن عُتْبَةَ ابنِ غَزْوانَ، أنَّه قال: لقد رأيْتُنا مع رسولِ اللَّه ﷺ ، سابِعَ سَبْعَةٍ، ما لَنا طعامٌ إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ (٥٤)، حتى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنا (٥٥). الثانى، لا يَحْنَث؛ لأنَّه لا يَتَناوُله اسمُ الطَّعامِ فى العُرْفِ.

стр. 7284

فصل: فإنْ حَلَفَ لا يأْكُلُ قُوتًا، فأكَلَ خبزًا، أو تمرًا، أو زَبِيبًا، أو لَحْمًا، أو لَبَنًا، حَنِثَ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ من هذه يُقْتاتُ فى بعضِ البُلدانِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ إِلَّا بأَكْلِ ما يقْتاتُه أهلُ بَلَدِه؛ لأَنَّ يَمِينَه تَنْصَرِفُ إلى القُوتِ المُتعارَفِ عندَهم وفى (٥٦) بَلَدِهم. ولأصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهان كهذَيْن. وإِنْ أَكَلَ سَوِيقًا، أو اسْتَفَّ دَقِيقًا، حَنِثَ؛ لأنَّه (٥٧) يُقْتاتُ كذلك، ولهذا قال بعضُ اللُّصوصِ (٥٨): لا تَخْبِزَا خُبْزًا وبُسَّابَسَّا ولا تُطِيلَا بمُقامٍ حَبْسَا وإِنْ أَكَلَ حَبًّا يُقْتاتُ خُبْزُه، حَنِثَ؛ لأنَّه يُسَمَّى قوتًا، ولذلك رُوِىَ (٥٩) أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَدَّخِرُ قُوتَ عِيالِه سَنَةً (٦٠). وإنَّما يُدَّخَرُ الحَبُّ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لا يُقْتاتُ كذلك. وإِنْ أكل عِنَبًا، أو حِصْرِمًا، أو خَلًّا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَصِرْ قُوتًا. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَمْلِكُ مالًا، حَنِثَ بِمِلْكِ كُلِّ ما يُسَمَّى مالًا، سواءٌ كان من الأثْمانِ، أو غيرِها من العقارِ والأثاثِ والحيوانِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وعن أحمدَ، أنَّه إذا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بجميعِ مالِه، إنَّما يتناوَلُ نَذْرُه الصَّامِتَ من مالِه. ذكرَها ابنُ أبى موسى؛ لأَنَّ إطْلاقَ المالِ ينْصَرِفُ إليه. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ إِلَّا أَنْ يَمْلِكَ (٦١) مالًا زَكَوِيًّا، اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ اللَّه تعالَى قال: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٦٢). فلم (٦٣) يَتَناوَلْ إِلَّا الزَّكَوِىَّ (٦٤). ولَنا، أَنَّ غيرَ الزَّكَوِيَّةِ أموالٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا

стр. 7285

بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٦٥). وهى ممَّا يجوزُ ابْتغاءُ النِّكاحِ بها. وقال أبو طَلْحَةَ للنَّبِىِّ ﷺ : إنَّ أَحَبَّ أموالِى إلَىَّ بَيْرُحَاءَ. يعنى حَدِيقَةً (٦٦). وقال عمرُ: أصبتُ [أرْضًا بخيْبَرَ] (٦٧)، لم أُصِبْ [قَطُّ مالًا] (٦٨) أنْفَسَ عِنْدِى منه (٦٩). وقال أبو قَتادَةَ: اشْتَرَيْتُ مَخْرَفًا (٧٠)، فكان أوّلَ مالٍ تأَثَّلْتُه (٧١). وفى الحَدِيثِ: "خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مأْبُورَةٌ، أو مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ" (٧٢). ويقال: خيرُ المالِ عينٌ خَرّارَةٌ، فى أَرْضٍ خَوَّارَةٍ. ولأنَّه يُسَمَّى مالًا، فحَنِثَ به، كالزَّكَوِىِّ. وأمَّا قولُه: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾. فالحَقُّ ههُنا غيرُ الزَّكاةِ، لأَنَّ هذه الآيةَ مَكِّيَّةٌ، نزلَتْ قبلَ فَرْضِ الزكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ إنَّما فُرِضَتْ بالمَدِينَةِ، ثم لو كان الحَقُّ الزكاةَ، فلا حُجَّة فيها، فإِنَّ الحقَّ إذا كان فى بعضِ المالِ، فهو فى المالِ، كما أَنَّ مَنْ هو فى بَيْتٍ فى (٧٣) دارٍ، أو (٧٤) بلدةٍ، فهو فى الدَّارِ وفى (٧٥) البلدةِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِى السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٧٦). ولا يَلْزَمُ أَنْ يكونَ فى جميعِ (٧٧) أقْطارِها. ثم لو اقْتَضَى هذا
следующие страницы →