← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

لأَنَّه ثَمَرُ بَقْلَةٍ، أشْبَهَ الخِيارَ والقِثَّاء. وأمَّا ما يكونُ فى الأَرْضِ، كالجزَرِ، واللِّفتِ، والفُجْلِ، والقَلْقاسِ، والسوطَلِ (٢٦)، ونحوِه، فليس شىءٌ من ذلك فاكِهةً؛ لأنَّه لا يُسَمَّى بها، ولا هو فى مَعْناها. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ أُدْمًا، حَنِثَ بأَكْلِ كلِّ ما جَرَت العادَةُ بأَكْلِ الخُبْزِ به؛ لأَنَّ هذا مَعْنَى التَّأَدُّمِ، وسواءٌ فى هذا ما يُصْطَبَغُ، كالطَّبِيخِ والمَرَقِ والخَلِّ والزَّيْتِ والسَّمْنِ والشَّيْرَجِ واللَّبَنِ، قال اللَّه تعالى فى الزَّيْتِ: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ (٢٧). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ" (٢٨). وقال: "ائْتَدِمُوا بالزَّيْتِ، وادَّهِنُوا بِهِ؛ فَإنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ". رواه ابنُ ماجَه (٢٩). أو من الجامِداتِ، كالشِّواءِ والجُبْنِ والباقِلَّاء والزَّيْتونِ والبَيْضِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: ما لا يُصْطَبَغُ به فليس بأُدْمٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يُرْفَعُ إلى الفَمِ مُنْفَرِدًا. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "سَيِّدُ الإِدَامِ اللَّحْمُ" (٣٠). وقال: "سَيِّدُ إدَامِكُم المِلْحُ". روَاه ابنُ ماجَه (٣١). ولأنَّه (٣٢) يُؤْكَلُ به الخبزُ عادَةً، فكان إدامًا (٣٣)، كالذى يُصْطَبَغُ به، ولأنَّ كثيرًا ممَّا ذَكَرْنا لا يُؤْكَلُ فى العادَةِ وَحْدَه، إنَّما يُعَدُّ للتَّأدُّمِ به، وأَكْلِ الخُبْزِ به، فكان أُدْمًا، كالخَلِّ واللَّبَنِ. وقولُهم: إنَّه يُرْفَعُ إلى الفَمِ وحدَه (٣٤) مُنْفَرِدًا (٣٥). عنه جوابان؛ أحَدُهما،

стр. 7282

أَنَّ منه ما يُرْفَعُ مع الخبزِ، كالملحِ ونحوِه. والثانِى، أنَّهما يَجْتَمِعان فى الفمِ والمَضْغِ والبَلْعِ، الذى هو حقيقَةُ الأَكْلِ، فلا يضُرُّ افْتِراقُهما قبلَه، فأمَّا التَّمْرُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، هو أُدْمٌ؛ لما رَوَى يوسفُ بن (٣٦) عبدِ اللَّه بن سَلام، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ وضَعَ تَمْرَةً على كِسْرَةٍ، وقال: "هذِهِ إدَامُ هذِهِ". روَاه أبو داوُد (٣٧)، وذَكَرَه الإِمامُ أحمدُ. والثانِى، ليسَ بأُدْمٍ؛ لأَنَّه لا يُؤْتَدَمُ به عادَةً، إنَّما يُؤْكَلُ قُوتًا وحَلاوَةً (٣٨). وإِنْ أكَلَ المِلْحَ مع الخبزِ فهو إدامٌ؛ لما ذَكَرْنا من الخَبَرِ، ولأنَّه يُؤْكَلُ به الخُبْزُ، ولا يُؤْكَلُ مُنْفَرِدًا عادَةً، أشْبَهَ الجُبْنَ والزَّيْتُونَ. فصل: فإنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ طعامًا، [حَنِثَ بأكْلِ كلِّ] (٣٩) ما يُسَمَّى طعامًا؛ من قُوتٍ، وأُدْمٍ، وحَلْواءَ، وتَمْرٍ، وجامِدٍ، ومائِعٍ (٤٠)، قال اللَّه تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِى إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٤١). وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (٤٢). يعنى على مَحَبَّةٍ للطَّعامِ (٤٣)؛ لحاجَتِهم إليه (٤٤)، وقيل: على حُبِّ اللَّه تعالى. وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِى مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (٤٥). وسمَى النَّبِىُّ ﷺ اللَّبَنَ طعامًا، فقال: "إنَّما يخْزُنُ لهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ" (٤٦). وفى الماءِ وَجْهان؛

стр. 7283

أحَدُهما، هو طعامٌ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٤٧). والطَّعامُ ما (٤٨) يُطْعَمُ، ولأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَمَّى اللَّبَنَ طعامًا، وهو مَشْروبٌ، فكذلك الماءُ. والثانى، ليس بطعامٍ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى طَعامًا، ولا يُفْهَمُ من إطْلاقِ اسمِ الطَّعامِ، ولهذا يُعْطَفُ عليه، فيقال: طعامٌ وشَرابٌ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنِّى [لا أَعْلَمُ] (٤٩) ما يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَنُ". روَاه ابنُ ماجَه (٥٠). ويقال: بابُ الأَطْعِمَةِ والأشْرِبَة. ولأنَّه إِنْ كان طعامًا فى الحقيقَةِ، فليس بطعامٍ فى العُرْفِ، فلا يَحْنَثُ بشُرْبِه، لأَنَّ مَبْنَى الأيْمانِ على العُرْفِ، لكَوْنِ الحالِفِ فى الغالِب لا يريدُ بلَفْظِه إِلَّا ما يَعْرِفُه. وإِنْ أَكَلَ دواءً، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه يُطْعَمُ حال الاخْتِيارِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. والثانى، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يَدْخُلُ فى إطْلاقِ اسمِ الطَّعامِ، ولا يُؤْكَلُ إِلَّا عندَ الضَّرُورَةِ. فإنْ أَكَلَ من نباتِ الأَرْضِ ما جَرَتِ العادَةُ بأَكْلِه، حَنِثَ. وإِنْ أكَلَ ما لم (٥١) [تَجْرِ به] (٥٢) عادَةٌ، كوَرَقِ الشَّجَرِ، ونُشارَةِ الخَشَبِ، احْتَملَ وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأَنَّه قد أَكَلَه، فأشْبَهَ ما جَرَتِ العادَةُ بأكْلِه، ولأَنَّه (٥٣) رُوِىَ عن عُتْبَةَ ابنِ غَزْوانَ، أنَّه قال: لقد رأيْتُنا مع رسولِ اللَّه ﷺ ، سابِعَ سَبْعَةٍ، ما لَنا طعامٌ إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ (٥٤)، حتى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنا (٥٥). الثانى، لا يَحْنَث؛ لأنَّه لا يَتَناوُله اسمُ الطَّعامِ فى العُرْفِ.

стр. 7284

فصل: فإنْ حَلَفَ لا يأْكُلُ قُوتًا، فأكَلَ خبزًا، أو تمرًا، أو زَبِيبًا، أو لَحْمًا، أو لَبَنًا، حَنِثَ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ من هذه يُقْتاتُ فى بعضِ البُلدانِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ إِلَّا بأَكْلِ ما يقْتاتُه أهلُ بَلَدِه؛ لأَنَّ يَمِينَه تَنْصَرِفُ إلى القُوتِ المُتعارَفِ عندَهم وفى (٥٦) بَلَدِهم. ولأصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهان كهذَيْن. وإِنْ أَكَلَ سَوِيقًا، أو اسْتَفَّ دَقِيقًا، حَنِثَ؛ لأنَّه (٥٧) يُقْتاتُ كذلك، ولهذا قال بعضُ اللُّصوصِ (٥٨): لا تَخْبِزَا خُبْزًا وبُسَّابَسَّا ولا تُطِيلَا بمُقامٍ حَبْسَا وإِنْ أَكَلَ حَبًّا يُقْتاتُ خُبْزُه، حَنِثَ؛ لأنَّه يُسَمَّى قوتًا، ولذلك رُوِىَ (٥٩) أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَدَّخِرُ قُوتَ عِيالِه سَنَةً (٦٠). وإنَّما يُدَّخَرُ الحَبُّ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لا يُقْتاتُ كذلك. وإِنْ أكل عِنَبًا، أو حِصْرِمًا، أو خَلًّا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَصِرْ قُوتًا. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَمْلِكُ مالًا، حَنِثَ بِمِلْكِ كُلِّ ما يُسَمَّى مالًا، سواءٌ كان من الأثْمانِ، أو غيرِها من العقارِ والأثاثِ والحيوانِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وعن أحمدَ، أنَّه إذا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بجميعِ مالِه، إنَّما يتناوَلُ نَذْرُه الصَّامِتَ من مالِه. ذكرَها ابنُ أبى موسى؛ لأَنَّ إطْلاقَ المالِ ينْصَرِفُ إليه. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ إِلَّا أَنْ يَمْلِكَ (٦١) مالًا زَكَوِيًّا، اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ اللَّه تعالَى قال: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٦٢). فلم (٦٣) يَتَناوَلْ إِلَّا الزَّكَوِىَّ (٦٤). ولَنا، أَنَّ غيرَ الزَّكَوِيَّةِ أموالٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا

стр. 7285

بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٦٥). وهى ممَّا يجوزُ ابْتغاءُ النِّكاحِ بها. وقال أبو طَلْحَةَ للنَّبِىِّ ﷺ : إنَّ أَحَبَّ أموالِى إلَىَّ بَيْرُحَاءَ. يعنى حَدِيقَةً (٦٦). وقال عمرُ: أصبتُ [أرْضًا بخيْبَرَ] (٦٧)، لم أُصِبْ [قَطُّ مالًا] (٦٨) أنْفَسَ عِنْدِى منه (٦٩). وقال أبو قَتادَةَ: اشْتَرَيْتُ مَخْرَفًا (٧٠)، فكان أوّلَ مالٍ تأَثَّلْتُه (٧١). وفى الحَدِيثِ: "خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مأْبُورَةٌ، أو مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ" (٧٢). ويقال: خيرُ المالِ عينٌ خَرّارَةٌ، فى أَرْضٍ خَوَّارَةٍ. ولأنَّه يُسَمَّى مالًا، فحَنِثَ به، كالزَّكَوِىِّ. وأمَّا قولُه: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾. فالحَقُّ ههُنا غيرُ الزَّكاةِ، لأَنَّ هذه الآيةَ مَكِّيَّةٌ، نزلَتْ قبلَ فَرْضِ الزكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ إنَّما فُرِضَتْ بالمَدِينَةِ، ثم لو كان الحَقُّ الزكاةَ، فلا حُجَّة فيها، فإِنَّ الحقَّ إذا كان فى بعضِ المالِ، فهو فى المالِ، كما أَنَّ مَنْ هو فى بَيْتٍ فى (٧٣) دارٍ، أو (٧٤) بلدةٍ، فهو فى الدَّارِ وفى (٧٥) البلدةِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِى السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٧٦). ولا يَلْزَمُ أَنْ يكونَ فى جميعِ (٧٧) أقْطارِها. ثم لو اقْتَضَى هذا

стр. 7286

العمومَ، لَوَجَبَ تخْصِيصُه، فإنَّ ما دونَ النِّصابِ مالٌ، ولا زكاةَ فيه. فإنْ حَلَفَ لا مالَ له، وله دَيْنٌ، حَنِثَ. ذَكرَه أبو الخَطَّاب. وهو قولُ الشافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُنْتَفَعُ به. ولَنا، أنَّه يَنْعَقِدُ عليه (٧٨) حَوْلُ الزَّكاةِ، ويصِحُّ إخْراجُها عنه، ويصِحُّ التَّصَرُّفُ فيه بالإِبْرَاءِ، والحَوالَةِ، والمُعاوَضَةِ عنه لمَنْ هو فى ذِمَّتِه، والتَّوْكيلِ فى اسْتِيفائِه، فيَحْنَثُ به، كالمُودَعِ. وإِنْ كانَ له مالٌ مَغْصوبٌ، حَنِثَ؛ لأنَّه باقٍ على مِلْكِه. وإن كان له مالٌ ضائِعٌ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما: يَحْنَثُ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاؤُه على مِلْكِه. والثانى، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ بَقاؤُه. وإِنْ ضاعَ على وَجْهٍ قد أيِسَ (٧٩) من عَوْدِه، كالذى سقَط (٨٠) فى بحرٍ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ وُجودَه كعَدَمِه. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ فى كُلِّ مَوْضِعٍ لا يقدِرُ على أخْذِ مالِه، كالمَجْحُودِ، والمَغْصُوبِ، والذى على غيرِ مَلِىءٍ؛ لأنَّه لا نَفْعَ فيه، وحُكْمُه حكُم المَعْدُومِ، فى جَوازِ الأخْذِ من الزَّكاةِ، وانْتفاءِ وجُوبِ أدائِها (٨١) عنه. وإِنْ تَزَوَّجَ لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ما مَلَكَه (٨٢) ليس بمالٍ. وإِنْ وَجَبَ له حقُّ شُفْعَةٍ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم (٨٣) يثْبُتْ له المِلْكُ به. وإِنْ اسْتَأْجَرَ عَقارًا أو غيرَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى مالِكًا لمالٍ. ١٨٤٥ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ (١) حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ الشَّحْمَ، أو الْمُخَّ، أو الدِّمَاغَ، لَمْ يَحْنَثْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أرَادَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ، فَيَحْنَثُ بأَكْلِ الشَّحْمِ) وجملتُه أَنَّ الحالِفَ على تَرْكِ أكْلِ اللَّحْمِ، لا يَحْنَثُ بأَكْلِ ما ليس بلَحْمٍ، من الشَّحْمِ والْمُخِّ، وهو الذى فى العِظامِ، والدِّماغِ، وهو الذى فى الرَّأسِ فى قِحْفِه، ولا الكَبِدِ،

стр. 7287

والطِّحالِ، والرِّئَةِ، والقَلْبِ، والكَرِشِ، والمُصْرانِ، والقانِصَةِ، ونحوِها. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: يَحْنَثُ بأَكْلِ هذا كُلِّه؛ لأنَّه لحْمٌ حَقِيقَةً، ويُتَّخَذُ منه ما يُتَّخَذُ من اللَّحْمِ، فأشْبَهَ لحمَ الفَخِذِ. ولَنا، أنَّه لا يُسمَّى لَحْمًا، وينفردُ عنه باسْمِه وصِفَتِه، ولو أَمَرَ وكيلَه بشراءِ لحمٍ، فاشْتَرَى هذا، لم يكُنْ مُمْتَثِلًا لأَمْرِه، ولا يَنفُذُ الشراءُ للمُوَكِّلِ، فلم يحْنَثْ بأكْلِه، كالبقلِ، وقد دَلَّ على أَنَّ الكَبِدَ والطِّحالَ ليْسا (٢) بلَحْمٍ، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "أُحِلَّتْ لَنَا مَيتَتَانِ وَدَمَانِ؛ أمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ والطِّحَالُ" (٣). ولا نُسَلِّم أنَّه لحمٌ حَقِيقَةً، بل هو من الحيوانِ مع اللَّحْمِ، كالعَظْمِ والدَّمِ. فأمَّا إِنْ قَصَدَ اجْتِنابَ الدَّسَمِ، حَنِثَ بأَكْلِ الشَّحْمِ؛ لأنَّ له دَسَمًا، وكذلك الْمُخُّ، وكُلُّ ما فيه دَسَمٌ. فصل: ولا يَحْنَثُ بأكْلِ الأَلْيَةِ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافِعِىِّ: يَحْنَثُ؛ لأنَّها نابِتَةٌ فى اللَّحْمِ، وتُشْبِهُهُ فى الصّلابَةِ. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّها لا تُسَمَّى لحمًا، ولا يُقْصَدُ منها (٤) ما يُقْصَدُ به، وتُخَالِفُه فى اللَّوْنِ والذَّوْبِ والطَّعْمِ، فلم يَحْنَثْ بأَكْلِها، كشَحْمِ البَطْنِ. فأمَّا الشَّحْمُ الذى على الظَّهْرِ والجَنْبِ وفى تَضاعيفِ اللّحْمِ، فلا يَحْنَثُ بأَكْلِه، فى ظاهِرِ كلام الْخِرَقِىِّ، فإنَّه قال: اللَّحْمُ لا يَخْلُو من شَحْمٍ. يُشِيرُ إلى ما يُخالِطُ اللَّحْمَ ممَّا تُذِيبُه النارُ، وهذا كذلك. وهو (٥) قولُ طلحَةَ العَاقُولِىِّ. وممَّنْ قال: هذا شَحْمٌ. أبو يوسفَ، ومحمد. وقال القاضِى: هو لَحْمٌ، يَحْنَثُ بأَكْلِه، ولا يَحْنَثُ بأكْلِه (٦) مَنْ حَلَفَ لا يأكُلُ شَحْمًا. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا، ولا بائِعُه شَحَّامًا، ولا يُفْرَدُ عن اللَّحْمِ مع الشَّحْمِ، ويُسَمَّى بائِعُه لَحَّامًا، ويُسَمَّى لَحْمًا سَمِينًا، ولو وكّلَ فى شراءِ لحمٍ، فاشْتَراه الوكيلُ، لَزِمَه، ولو اشْتَراهُ الوكيلُ فى شراءِ الشَّحْمِ، لم يَلْزَمْه. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ (٧). ولأَنَّه يُشْبِهُ الشَّحْمَ فى صِفَتِه وذَوْبِه،

стр. 7288

ويُسَمَّى دُهْنًا، فكان شَحْمًا كالذى فى البَطْنِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا، ولا أنَّه يُسَمَّى بمُفْرَدِه لَحْمًا، وإنَّما يُسَمَّى اللَّحْمُ الذى هو عليه لَحْمًا سَمِينًا، ولا يُسَمَّى بائِعُه شَحَّامًا؛ لأنَّه لا يُباعُ بمُفْرَدِه، وإنَّما يُباعُ تَبَعًا للَّحْمِ، وهو تابِعٌ له فى الوُجودِ والبَيْعِ، فلذلك سُمِّىَ بائِعُه لَحَّامًا، ولم يسمَّ شَحَّامًا؛ لأنَّه سُمِّىَ بما هو الأصْلُ فيه، دُونَ التَّبَعِ. فصل: وإِنْ أكَلَ المَرَقَ، لم يَحْنَثْ. ذَكَرَه أبو الخَطَّاب. قال: وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه مَال: لا يُعْجِبُنِى الأَكْلُ من المَرَقِ. وهذا على طَريقِ الوَرَعِ. وقال ابنُ أبى موسى، والقاضِى: يَحْنَثُ؛ لأَنَّ المَرَقَ لا يَخْلُو من أجْزاءِ اللَّحْمِ الذّائِبَةِ فيه (٨)، وقد قيل: المرَقُ أحَدُ اللَّحْمَيْنِ. ولَنا، أَنَّه ليس بِلَحْمٍ حَقِيقَةً، ولا يُطْلَقُ عليه اسمُه، فلم يَحْنَثْ به، كالكَبِدِ، ولا نُسَلِّمُ أَنَّ أجْزاءَ اللَّحْمِ فيه، وإنَّما فيه ماءُ اللَّحْمِ ودُهْنُه، وليس ذلك بلَحْمٍ. وأمَّا المثلُ، فإنَّما أُرِيدَ به المجازُ، كما فى نَظائِرِه، من قَوْلِهم: الدُّعاءُ أَحَدُ الصَّدَقَتَيْن. وقِلَّةُ العيالِ أحدُ اليسارَيْن. وهذا دليلٌ على أنَّها ليست بلَحْمٍ؛ لأَنَّه جَعَلها غيرَ اللَّحْمِ الحَقِيقِىِّ. فصل: وإِنْ أَكَلَ رَأْسًا، أو كارِعًا، فقد رُوِىَ عن أحمدَ، ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَحْنَثُ؛ [لأَنّه رُوِىَ عنه ما يَدُلُّ على أَنَّ مَنْ حَلَفَ لا يَشْتَرِى لَحْمًا، فاشْتَرَى رَأْسًا أو كارِعًا، لا يَحْنَثُ] (٩)، إِلَّا أَنْ [يَنْوِىَ أَنْ لا] (٩) يَشْتَرِىَ من الشَّاةِ شيئًا. قال القاضى: لأنَّ إطْلاقَ اسمِ اللَّحْمِ لا يتَناولُ الرُّءُوسَ والكوارِعَ، ولو وَكَّلَه فى شِرَاءِ لَحْمٍ، فاشْتَرَى رأْسًا أو كارِعًا، لم يَلْزَمْه، ويُسَمَّى بائِعُ ذلك روَّاسًا (١٠)، ولا يُسَمَّى لَحَّامًا. وقال أبو الخَطَّاب: يَحْنَثُ بأَكْلِ لَحْمِ الخَدِّ؛ لأنَّه لحمٌ حَقِيقَةً. وحُكِىَ عن ابنِ (٨) أبى موسى، أنَّه لا يَحْنَثُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَه باليَمِينِ. وإِنْ أكَلَ اللسانَ، احْتَمَلَ وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه لَحْمٌ حَقِيقَةً (١١). والثانى: لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّه ينْفَرِدُ عن اللَّحْمِ باسْمِه وصِفَتِه، فأشْبَهَ القَلْبَ.

стр. 7289

١٨٤٦ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ حَلَفَ لَا (١) يَأْكُلُ الشَّحْمَ، فَأكَلَ اللَّحْمَ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ لا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ) ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّ الشَّحْمَ كُلُّ ما يَذُوبُ بالنَّارِ ممَّا فى الحَيَوانِ، وظاهِرُ (٢) الآيَةِ والعُرْفِ يَشْهَدُ لقَوْلِه، وهذا ظاهِرُ قولِ أبى الخَطَّاب، وطَلْحَةَ، [وقَوْلِ أبى يوسفَ] (٣)، ومحمدِ بنِ الحسنِ. فعلى هذا، لا يكادُ لَحْمٌ يَخْلُو من شىءٍ منه، وإِنْ قَلَّ، فيَحْنَثُ به. وقال القاضى: الشَّحْمُ هو الذى يكونُ فى الجَوْفِ، من شَحْمِ الكُلَى أو غيرِه، وإِنْ أكَلَ من كُلِّ شىءٍ من الشاةِ، من لَحْمِها الأَحْمَرِ والأبْيَضِ، والألْيَةِ، والكَبِدِ، والطِّحالِ، والقلبِ، فقال شَيْخُنا: لا يَحْنَثُ -يعنى ابنَ حامد- لأنَّ اسمَ الشَّحْمِ لا يقَعُ عليه. وهو قولُ أبى حنيفة، والشافِعِىِّ. وقد سَبَقَ الكلامُ فى أنّ شَحْمَ الظَّهْرِ والجَنْبِ شَحْمٌ، فيَحْنَثُ به. وأمَّا إِنْ أكَلَ لحمًا أَحْمَرَ وَحْدَه، لا يَظْهَرُ فيه شىءٌ من الشَّحْمِ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يَخْلُو من شَحْمٍ وإِنْ قَلَّ، ويظهرُ فى الطَّبْخِ، فإنَّه يَبِينُ على وَجْهِ المَرَقِ وإِنْ قَلَّ، وبهذا يُفارِقُ مَنْ حَلَفَ لا يأكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ لا يَظْهَرُ [فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه، فإِنَّ هذا قد يظْهَرُ] (٤) الدُّهْنُ فيه. وقال غيرُ الخِرَقِىِّ من أصْحابِنا: لا يَحْنَثُ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا، ولا يظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه، والذى يَظْهَرُ فى الْمَرَقِ قد فارَقَ اللَّحْمَ، فلا يَحْنَثُ بأَكْلِ اللَّحْمِ الذى كان فيه. فصل: ويَحْنَثُ بالأَكْلِ من الأَلْيَةِ، فى ظاهِرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ ومُوافِقيه؛ لأنَّها دُهْنٌ يذُوبُ بالنَّارِ، ويُباعُ مع الشَّحْمِ، ولا يُباعُ مع اللَّحْمِ. وعلى قولِ القاضى ومُوافِقيه: ليست شَحْمًا ولا لَحْمًا، فلا يَحْنَثُ به الحالِفُ على تَرْكِها. ١٨٤٧ - مسألة؛ قال: (وإِنْ (١) حَلَفَ لَا (٢) يَأْكُلُ لَحْمًا، ولم يُرِدْ لَحْمًا بعَيْنِهِ،

стр. 7290

فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعامِ، أو الطَّائِرِ (٣)، أو السَّمَكِ، حَنِثَ) أما إذا أكَلَ من لَحْمِ الأنْعامِ أو الصَّيْدِ أو الطائِرِ، فإنَّه يَحْنَثُ، فى قولِ عامَّةِ عُلَماءِ الأمْصارِ. وأمَّا السَّمَكُ، فظاهِرُ المذهبِ أنَّه يَحْنَثُ بأَكْلِه. وبهذا قال قَتادَةُ، والثَّوْرىُّ، ومالِكٌ، وأبو يوسفَ. وقال ابنُ أبى موسى، فى "الإِرْشادِ": لا يَحْنَثُ به، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَه. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأَنَّه لا يَنْصَرِفُ إليه إطْلاقُ اسمِ اللَّحْمِ، ولو وكَّلَ وكيلًا فى شِراءِ اللّحْمِ، فاشْتَرَى له سَمَكًا، لم يَلْزَمْه، ويَصِحُّ أَنْ ينْفِىَ عنه الاسْمَ، فيقولَ: ما أَكَلْتُ لحمًا، وإنما أَكَلْتُ سَمَكًا. فلم يتَعَلَّقْ به الحِنْثُ عندَ الإِطْلاقِ، كما لو حَلَفَ: لا قَعَدْتُ تحتَ سَقْفٍ. فإنَّه لا يَحْنَثُ لِقُعُودِه (٤) تحتَ السماءِ، وقد سَمَّاها اللَّه تعالَى ﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ (٥) لأنَّه مَجازٌ، كذا ههُنا. ولَنا، قولُ اللَّه تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (٦). وقال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (٧). ولأَنَّه من جِسْمِ حَيَوانٍ، ويُسَمَّى لَحْمًا، فحَنِثَ بأَكْلِه، كلَحْمِ الطَّائِرِ، وما ذَكَرُوه يبْطُلُ بلَحْمِ الطائِرِ. وأمَّا السَّماءُ، فإِنَّ الحالِفَ لا (٨) يقعُدُ تحتَ سَقْفٍ، لا يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ من القُعودِ تحتَها، فيُعْلَمُ أنَّه لم يُرِدْها بيَمِينِه، ولأَنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجازٌ، وههُنا هى حَقِيقَةٌ؛ لكَوْنِه من جِسْمِ حَيَوانٍ يصْلُحُ للأَكْلِ، فكان الاسمُ فيه حقيقَةً، كلَحْمِ الطائِرِ، حيثُ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (٩). فصل: ويَحْنَثُ بأَكْلِ اللَّحْمِ المُحرَّم، كلَحْمِ المَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والمغْصوبِ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافِعِىُّ، فى أحَدِ الوَجْهَيْن: لا يَحْنَثُ بأَكْل المُحرَّمِ بأَصْلِه؛ لأنَّ يَمِينَه تنْصَرِفُ إلى ماْ يَحِلُّ دُونَ (١٠) ما يَحْرُمُ، فلم يَحْنَثْ بما لا يَحِلُّ، كما لو حَلَفَ لا يَبِيعُ،

стр. 7291

فباعَ بَيْعًا فاسِدًا، لم يَحْنَثْ. ولَنا، أَنَّ هذا لحمٌ حقيقةً وعُرْفًا، فيَحْنَثُ بأَكْلِه، كالمغْصوبِ، وقد سَمَّاه اللَّه تعالَى لحمًا، فقال: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ (١١). وما ذَكَرُوه يبْطُلُ بما إذا حَلَفَ لا يلْبَسُ ثوبًا، فلبِسَ ثوبَ حَريرٍ. وأمَّا البيعُ الفاسِدُ، فلا يَحْنَثُ به؛ لأنَّه ليس بِبَيْعٍ فى الحقيقَةِ. فصل: والأسماءُ تَنْقَسِمُ (١٢) سِتَّة أقْسامٍ؛ أحدُها، ماله مُسَمًّى واحِدٌ، كالرَّجُلِ والمرأَةِ والإِنسانِ والحيوانِ، فهذا تنْصَرِفُ اليَمِينُ إلى مُسمَّاه بغيرِ خِلافٍ. الثانى، [مالَه] (١٣) مَوْضُوعٌ شَرْعِىٌّ، ومَوْضُوعٌ لُغَوِىٌّ، كالوُضُوءِ والطَّهارَةِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّومِ والحجِّ والعُمْرَةِ والبَيْعِ ونحوِ ذلك، فهذا تَنْصَرِفُ اليَمِينُ عندَ الإِطْلاقِ إلى مَوْضُوعِه الشَّرْعِىِّ دونَ اللُّغَوِىِّ، لا نَعْلَمُ فيه أيضًا خِلافًا، غيرَ ما ذَكَرْناه فيما تَقَدَّمَ. الثالِثُ، ماله مَوْضُوعٌ حَقِيقِىٌّ ومجازٌ لم يَشْتهِرْ أكثرَ من الحَقِيقَةِ، كالأسَدِ والبَحْرِ، فيَمِينُ الحالِفِ تَنْصَرِفُ عندَ الإِطلاقِ إلى الحقيقَةِ دون المَجازِ؛ لأنَّ كلامَ الشارِعِ إذا وَرَدَ فى مثلِ هذا، حُمِلَ على حَقِيقَتِه دونَ مجازِه، كذلك اليَمِينُ. الرابِعُ، الأسماءُ العُرْفِيَّةُ، وهى ما يَشْتَهِرُ مَجازُه حتى تصيرَ الحقيقَةُ مغمورةً فيه، فهذا على ضُرُوبٍ؛ أحدُها، ما يَغْلِبُ على الحقِيقَةِ، بحيث لا يَعْلَمُها أكْثَرُ الناسِ، كالرَّاويَةِ، هى فى العُرْفِ اسمٌ للمَزادَةِ (١٤)، وفى الحقيقَةِ اسمٌ لما يُسْتَقَى عليه من الحيوانات، والظَّعِينَةُ فى العُرْفِ المرأَةُ، وفى الحَقِيقَةِ الناقَةُ التى يُظْعَنُ عليها، والعَذِرَةُ والغائِطُ فى العُرْفِ الفَضْلَةُ المُسْتَقْذَرَةُ، وفى الحقيقَةِ العَذِرَةُ فِناءُ الدَّارِ، ولذلك قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لقومٍ: ما لَكُم لا تُنَظِّفُون عَذِرَاتِكم؟ يُرِيدُ أَفْنِيَتَكُم. والغائِطُ المكانُ المطمَئِنُّ [من الأرضِ] (١٥). فهذا وأشباهُه تَنْصَرِفُ يَمِينُ الحالِفِ إلى المَجازِ دونَ الحقيقَةِ؛ لأَنَّه الذى يُريدُه بيَمِينِه، ويُفْهَمُ من كلامِه، فأشْبَهَ الحقيقَةَ فى غيرِه. الضَّرْبُ الثانِى، أَنْ يخُصَّ عُرْفُ الاسْتِعمالِ بعضَ الحقيقَةِ بالاسمِ،

стр. 7292

وهذا يَتَنَوَّعُ أنْواعًا؛ فمنه ما يَشْتَهِرُ التَّخْصِيصُ فيه، كلَفْظِ الدَّابَّةِ، هو فى الحقيقَةِ اسمٌ لكلِّ ما يَدِبُّ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١٦). وقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١٧). وفى العُرْفِ اسمٌ للبغالِ والخَيْلِ والحَمِيرِ، ولذلك لو وَصَّى إنسانٌ لرَجُلٍ بدَابَّةٍ من دَوابِّه، كان له أحَدُ هذه الثَّلاثِ، فالظَّاهِرُ أنّ يَمِينَ الحالِفِ تَنْصَرِفُ إلى العُرْفِ دونَ الحَقيقَةِ عندَ الإِطْلاقِ، كالذى قبلَه. ويحْتَمِلُ أَنْ تَتَناوَلَ يَمِينُه الحقيقَةَ؛ بِناءً على قولِهم فيما سَنَذْكُرُه، وعلى قولِ مَنْ قال فى الحالِفِ على تَرْكِ أكْلِ اللَّحْمِ: إِنَّ يَمِينَه تتناوَلُ السمَكَ. ومن هذا النَّوعِ إذا حَلَفَ لا يَشُمُّ الرَّيْحان، فإنَّه فى العُرْفِ اسمٌ يَخْتَصُّ (١٨) بالرَّيْحان الفارِسِىِّ، وهو فى الحقيقَةِ اسمٌ لكُلِّ نَبْتٍ أو زَهْرٍ طَيِّبِ الرِّيحِ، مثل الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والنَّرْجسِ. وقال القاضى: لا يَحْنَثُ إِلَّا بشَمِّ الرَّيْحانِ الفارِسِىِّ. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ، لأَنَّ الحالِفَ لا يُرِيدُ بيَمِينِه فى الظَّاهِرِ سِوَاهُ. وقال أبو الخطَّاب: يَحْنَثُ بشَمِّ ما يُسَمَّى فى الحقيقَةِ رَيْحانًا؛ لأَنَّ الاسْمَ يتناوَلُه حَقِيقَةً. ولا يَحْنَثُ بشمِّ الفاكِهةِ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنّها لا تُسَمَّى رَيْحانًا حَقِيقَةً ولا عُرْفًا. ومن هذا لو حَلَفَ لا يَشُمُّ وَرْدًا، ولابنَفْسَجًا، فشمَّ دُهْنَ البَنَفْسَجِ، وماءَ الوَرْدِ، فقال القاضِى: لا يَحْنَثُ. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأَنَّه لم يَشُمّ وَرْدًا ولا بَنَفْسَجًا. وقال أبو الخَطَّاب: يَحْنَثُ؛ لأنَّ الشَّمَّ إنَّما هو للرَّائِحَةِ دونَ الذاتِ، ورائِحَةُ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ مَوْجُودَةٌ فيهما. وقال أبو حنيفةَ: يَحْنَثُ بشَمِّ دُهْنِ البَنَفْسَجِ؛ لأنَّه يُسَمَّى بَنَفْسَجًا، ولا يَحْنَثُ بشَمِّ ماءِ الوَرْدِ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى وَرْدًا، والأَوَّلُ أقْرَبُ إلى الصِّحَّةِ، إِنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. وإِنْ شَمَّ الوَرْدَ والبنَفْسَجَ اليابِسَ، حَنِثَ. وقال بعضُ أصحابِ الشافِعِىِّ: لا يَحْنَثُ، كما لو حَلَفَ لا يأكُلُ رُطَبًا، فأكلَ تَمْرًا. ولَنا، أَنَّ [هذا اسْمُه و] (١٩) حَقِيقَتُه باقِيَةٌ، فيَحْنَثُ (٢٠) به، كما لو حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا، فأَكَلَ قَدِيدًا، وفارقَ ما ذَكَرُوه، فإِنَّ التَّمْرَ ليس [برُطَبٍ، ولا يُسَمَّى] (١٩)، رُطَبًا. وإِنْ حَلَفَ لا يأكُلُ شِوَاءً، حَنِثَ بأَكْلِ

стр. 7293

اللَّحْمِ الْمَشْوِىِّ، دونَ غَيْرِه من البَيْضِ المَشْوِىِّ وما عَداه. وبه قال أصحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ (٢١)، وابنُ المُنْذِرِ: يَحْنَثُ بأَكْلِ كُلِّ ما يُشْوَى؛ لأَنَّه شِوَاءٌ. ولنا، أَنَّ هذا لا يُسَمَّى شِواءً، فلم يَحْنَثْ بأَكْلِه، كالمَطْبوخِ، وقَوْلُهم: هو شِواءٌ فى الحقيقَةِ. قُلْنا: لكنَّه لا يُسَمَّى شِواءٌ فى العُرْفِ، والظاهِرُ أنَّه إنَّما يُرِيدُ المُسمَّى شِوَاءً (٢٢) فى عُرْفِهم. وإِنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ بيتًا، فدَخَلَ مَسْجدًا، أو حَمَّامًا، فإنَّه يَحْنَثُ. نَصَّ عليه أحمدُ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ. وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى بَيْتًا فى العُرْفِ، فأشْبَهَ ما قَبْلَه من الأَنْواعِ. والأَوَّلُ المذهبُ، لأَنَّهما بَيْتانِ حقيقَةً، وقد سَمَّى اللَّه المساجِدَ بُيوتًا، فقال: ﴿فِى بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٢٣). وقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ (٢٤). ورُوِى فى حديثٍ: "الْمَسْجِدُ بيتُ كُلِّ تَقِىٍّ" (٢٥). ورُوِى فى خَبَرٍ: "بِئْسَ الْبَيْتُ الحَمَّامُ" (٢٦). وإذا كان بيتًا فى الحقيقَةِ، ويُسَمِّيه الشارِع بَيْتًا، حَنِثَ بدخولِه، كبيتِ الإِنْسانِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه من الأَنْواعِ، فإِنَّ هذا يُسَمَّى بَيْتًا فى العُرْفِ، بخلافِ الذى قبلَه. وإِنْ دَخَلَ بيتًا من شَعَرٍ، أو غيرِه، حَنِثَ، سَواءٌ كان الحالِفُ حَضَرِيًّا أو بدَوِيًّا، فإِنَّ اسْمَ البيتِ يقَعُ عليه حقيقةً وعُرْفًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ (٢٧). فأمَّا ما لا يُسَمَّى فى العُرْفِ بَيْتًا، كالخَيْمَةِ، فالأوْلَى أَنْ لا يَحْنَثَ بدُخولِه مَن لا يُسَمِّيه بَيْتًا؛ لأنَّ يَمِينَه لا تنْصَرِفُ إليه. وإِنْ دَخَلَ دِهْلِيزَ دارٍ أو صُفَّتَها (٢٨)، لم يَحْنَثْ. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَحْنَثُ؛ لأنَّ جميعَ الدَّارِ بَيْتٌ. ولنا، [أَنَّ هذا] (٢٩) يُسَمَّى بَيْتًا، ولهذا يُقال: ما

стр. 7294

دَخَلَ (٣٠) البَيْتَ، إنَّما وَقَفَ (٣١) فى الصَّحْنِ. وإِنْ حَلَفَ لا يَركَبُ، فرَكِبَ سَفِينَةً، فقال أبو الخَطَّاب: يَحْنَثُ؛ لأَنَّه ركوبٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ (٣٢). وقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ﴾ (٣٣). الضَّرْبُ الثالث، أَنْ يكونَ الاسمُ المحْلوفُ عليه عامًّا، لكن أضافَ إليه فِعْلًا لم تَجْرِ العادَةُ به، إِلَّا فى بَعْضِه، أو اشْتُهِرَ فى البعْضِ دونَ البَعْضِ، مثل أن يحْلِفَ (٣٤) لا يَأْكُلُ رأْسًا، فإنَّه يَحْنَثُ بأَكْلِ [كُلِّ رأْسٍ] (٣٥) من النَّعَمِ والصُّيودِ والطُّيورِ والحِيتانِ والجَرادِ. ذكرَه القاضى. وقال أبو الخَطَّاب: لا يَحْنَثُ إِلَّا بأَكْلِ رأسٍ جَرَتِ العادَةُ بِبَيْعِه للأَكْلِ مُنْفَرِدًا. وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ رُءُوسِ بَهيمَةِ الأَنْعامِ دُونَ غيرِها، إلا أَنْ يكونَ فى بلَدٍ تكْثُرُ فيه الصُّيُودُ، وتُمَيَّزُ رُءُوسُها، فيَحْنَثُ بَأَكْلِها. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَث بأَكْلِ رُءوسِ الإِبِلِ؛ لأنَّ العادَةَ لم تجرِ ببَيْعِها للأكْلِ (٣٦) مُفْرَدةً. وقال صاحِباه: لا يحْنَثُ إِلَّا بأَكْلِ رُءوسِ الغَنَمِ؛ لأنَّها التى تُباعُ فى الأَسْواقِ دونَ غيرِها، فيَمِينُه تَنْصَرِفُ إليها، وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أَنَّ هذه رُءوسٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، مَأْكُوَلَةٌ، فيَحْنَثُ (٣٧) بأَكْلِها، كما لو حَلَفَ لا يأْكُلُ لَحْمًا، فأَكَلَ من لحمِ النَّعامِ والزَّرافَةِ، وما يَنْدرُ وجودُه وبَيْعُه، ومن ذلك إذا حَلَفَ لا يأكُلُ بَيْضًا، حَنِثَ بأكْلِ بَيْضِ كُلِّ حَيوانٍ، سواءٌ كثرَ وجودُه، كبَيْضِ الدَّجاج، أو قَلَّ (٣٨) كبَيْضِ النَّعامِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا يَحْنَثُ بأَكْلِ بَيْضِ النَّعامِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ إِلَّا بأَكْلِ بَيْضِ الدَّجاجِ، وما يُباعُ فى السُّوقِ. ولَنا، أَنَّ هذا كلَّه بَيْضٌ حقيقَةً وعُرْفًا، وهو مَأْكُولٌ، فيَحْنَثُ بأكْلِه، كبَيْض الدَّجاجِ، ولأنَّه لو حَلَفَ لا يَشْرَبُ ماءً،

стр. 7295

فشرِبَ ماءَ البحرِ، أو ماءً نَجِسًا، أو لا يأكُلُ خُبْزًا، فأكَلَ خُبْزَ الأُرْزِ أو الذُّرَةِ (٣٩)، فى مكانٍ لا يُعْتادُ أَكْلُه فيه، حَنِثَ. فأمَّا إِنْ أَكَلَ بَيْضَ (٤٠) السَّمَكِ أو الجرادِ، فقال القاضِى: يَحْنَثُ؛ لأنَّه بَيْضُ حيوانٍ، أشْبَهَ يَيْضَ النَّعامِ. وقال أبو الخَطَّاب: لا يَحْنَثُ إِلَّا بأَكْلِ بَيْضٍ يُزايِلُ بائِضَه فى الحياةِ. وهذا قولُ الشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، أكثرِ العُلماءِ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ هذا لا يُفْهَمُ من إطْلاقِ اسمِ البَيْضِ، ولا يُذْكَرُ إِلَّا مُضافًا إلى بائِضِه، ولا يحنَثُ بأَكْلِ شىءٍ يُسمَّى بَيْضًا غير بَيْضِ الحيوانِ، ولا بأَكْلِ شىءٍ يُسَمَّى رَأْسًا غير رُءُوسِ الحيوانِ؛ لأنَّ ذلك ليس برَأْسٍ ولا بيْضٍ فى الحقيقَةِ، واللَّهُ أعلمُ. ١٨٤٨ - مسألة؛ قال: (وإذا (١) حَلَفَ لَا (٢) يُأْكُلُ سَوِيقًا، فَشَرِبَهُ، أو لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ) وجملتُه أَنَّ مَنْ حَلَفَ (٣) لا يأْكُلُ شيئًا، فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأَكَلَه، فقد نُقِلَ عن أحمدَ، ما يَدُلُّ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ اليَمِينَ على تَرْكِ أكْلِ شىءٍ أو شُرْبِه يُقْصَدُ بها فى العُرْفِ اجْتِنابُ ذلك الشىءِ، فحُمِلَتِ اليَمِينُ عليه (٤)، ألَا ترَى أَنَّ قَوْلَه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ (٥). و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٦). لم يُرِدْ به الأَكْلَ على الخُصوصِ؟ ولو قال طبيبٌ لمريضٍ: لا تأكُلِ العَسَلَ. لَكانَ ناهِيًا له عن شُرْبِه. والثانِيَةُ، لا يَحْنَثُ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الأفعالَ أنْواعٌ كالأعيانِ، ولو حَلَفَ على نَوْعٍ من الأعْيانِ، لم يَحْنَثْ بغيرِه، كذلك (٧) الأفْعالُ. وقال القاضِى: إنَّما الرِّوايتان، فى مَن عيَّنَ المحْلوفَ

стр. 7296

عليه، مثل مَنْ حَلَفَ: لا أَكَلْتُ هذا السويقَ. فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأَكَلَه، أمَّا إذا أطْلَقَ، فقال: لا أَكَلْتُ سَوِيقًا. فشَرِبَه، لم يَحْنَثْ، روايةً واحِدةً، لا يخْتلِفُ المذهبُ فيه. وهذا مُخالِفٌ لإِطْلاقِ الخِرَقِىِّ، وليس للتَّعْيِينِ أثَرٌ فى (٨) الحِنْثِ وعَدَمِه، فإنَّ الحِنْثَ فى المُعَيَّنِ إنَّما كان (٩) لِتَناوُلِه ما حَلَفَ عليه، وإجْراءِ معنَى الأَكْلِ والشُّرْبِ على التَّناوُل العامِّ فيهما، وهذا لا فَرْقَ فيه بين التَّعْيِينِ وعَدَمِه، وعدمُ الحِنْثِ مُعَلَّلٌ (١٠) بأنَّه لم يفعَلِ الفِعْلَ الذى حَلَفَ على تَرْكِه، وإنَّما فعلَ غيرَه، وهذا فى المُعَيَّنِ كهُوَ فى المُطْلَقِ، فإذا كَان فى المُعَيَّنِ رِوَايتان، كانتا فى المُطْلَقِ؛ لِعَدَمِ الفارِقِ بينهما، ولأنَّ الرِّوايَةَ فى الحِنْثِ أُخِذَتْ من كلامِ الخِرَقِىِّ، وليس فيه تَعْيِينٌ، ورِوايَةُ عَدَمِ الحِنْثِ، أُخِذَتْ مبن رِوايَةِ مُهَنَّا عن أحمدَ، فى مَن حَلَفَ لا يَشْرَبُ هذا النَّبِيذَ، فأكَلَه، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شُرْبًا، وهذا فى المُعَيَّنِ، فإنْ عَدَّيْتَ كُلَّ رِوايَةٍ إلى مَحَلِّ الأُخْرَى، وَجَبَ أَنْ يكونَ فى الجميعِ رِوايَتان، وإِنْ قَصَرْتَ كُلَّ رِوايَةٍ على مَحلِّها، كان الأمْرُ على خلافِ ما قال القاضى، وهو أَنْ يَحْنَثَ فى المُطْلَقِ، ولا يَحْنَثَ فى المُعَيَّنِ. فأمَّا إِنْ حَلَفَ ليَأْكُلَنَّ شيئًا فشَرِبَه، أو لَيَشْرَبَنَّه فأَكَلَه، فيُخَرَّجُ فيه وَجْهان؛ بِناءً على الرِّوَايَتَيْن فى الحِنْثِ إذا حَلَفَ على التَّرْكِ، ومَتَى تَقَيَّدَت يَمِينُه بِنِيَّةٍ، أو سَبَبٍ يَدُلُّ عليها، كانتْ يَمِينُه على ما نَواهُ، أو دَلَّ عليه السَّبَبُ؛ لأَنَّ مَبْنَى الأيْمانِ على النِّيَّةِ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَشْرَبُ شَيْئًا، فمَصَّه ورَمَى به، فقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى مَن حَلَفَ لا يَشْرَبُ، فمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ: لا يَحْنَثُ. [وقال ابنُ أبى موسى: إذا حَلَفَ لا يأكُلُ ولا يَشْرَبُ، فمصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ، لا يَحْنَثُ] (١١). وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ فإنَّهم قالُوا: إذا حَلَفَ لا يَشْرَبُ، فمَصَّ حَبَّ الرُّمَّانِ (١٢)، ورَمَى بالثُّفْلِ، لا يَحْنَثُ؛

стр. 7297

لأنَّ ذلك ليس بأَكْلٍ ولا شُرْبٍ. ويَجِىءُ على قَوْلِ الخِرَقِىَّ، أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد تَناوَلَه، ووَصَلَ (١٣) إلى [حَلْقِه وبَطْنِه، فيحْنَثُ] (١٤)، على ما قُلنا (١٥) فى مَن حَلَفَ لا يأكُلُ شيئًا فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه فأَكَلَه. وإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ سُكَّرًا، فتَرَكَه فى فِيه حتى ذابَ، وابْتَلَعَه، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن. وإِنْ حلَفَ لا يَطْعَمُ شيئًا، حَنِثَ بالأَكْلِ والشُّرْبِ والْمَصِّ؛ لأَنَّ ذلك كُلَّه طُعْمٌ، قال اللَّه تعالَى فى النَّهْرِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ (١٦). وإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُه، أو لا يَشْرَبُه، فذاقَه، لم يَحْنَثْ، فى قولِهم جميعًا؛ لأَنَّه ليس بأكْلٍ ولا شُرْبٍ، ولذلك لم يُفْطِرْ به الصَّائِمُ. وإِنْ حَلَفَ لا يذُوقُه، فأَكَلَه أو شَرِبَه، أو مَصَّهُ، حَنِثَ؛ لأنَّه ذَوْقٌ وزيادَةٌ، وإِنْ مَضَغَه ورَمَى به، حَنِثَ؛ لأنَّه قد ذاقَهُ. فصل: وإِنْ حَلَفَ ليَأْكُلَن أَكْلَةً، بالفَتْحِ، لم يَبَرَّ حتى يأْكُلَ ما يَعُدُّه الناسُ أَكْلَةً، وهى الْمَرَّةُ من [الأكْلِ، و] (١٧) الأُكْلَةُ، بالضَّمِّ، اللُّقْمَة، ومنه: "فَلْيُنَاوِلْهُ فِى يَدِهِ أُكْلَةً، أَوْ أُكْلَتَيْنِ" (١٨). ١٨٤٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ ألَّا يَأْكُلَ تَمْرَةً، فَوَقَعَتْ فِى تَمْرٍ (١)، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدةً، مُنِعَ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِه حَتَّى يَتَحَقَّقَ (٢) أنَّها لَيْسَتِ الَّتِى وَقَعَتِ الْيمِينُ عَلَيْهَا، ولَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ) وجملَتُه أَنَّ حالِفَ هذه اليَمِينِ لا يَخْلُو مِن أَحْوالٍ ثلاثَةٍ (٣)؛ أحَدُها، أَنْ يَتَحَقَّقَ أكْلُ

стр. 7298

التَّمْرَةِ المحْلوفِ عليها، [إمَّا بأنْ] (٤) يَعْرِفَها بعَيْنِها أو بصِفَتِها، أو يأكُلَ التَّمْرَ كُلَّه، أو الجانِبَ الذى وَقَعَتْ فيه كُلَّه، فهذا يَحْنَثُ، بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العلْمِ. وبه يقولُ الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأَنَّه أكلَ التَّمْرَةَ المحْلوفَ عليها. الثانِى، أَنْ يَتَحَقَّقَ أنَّه لم يَأْكُلْها؛ إمَّا بأنْ لا يَأْكُلَ من التَّمْرِ شيئًا، أو أكَلَ شيئًا يعْلَمُ أنَّه غيرُها، فلا يَحْنَثُ أيضًا، بلا خِلافٍ، ولا يَلْزَمُه اجْتِنابُ زَوْجَتِه. الثالِثُ، أكلَ من التَّمْرِ شَيْئًا؛ إمَّا واحِدَةً، أو أكثرَ، إلى أَنْ لا يَبْقَى منه إِلَّا واحِدَةٌ، ولم يَدْرِ هل أَكَلَها أو (٥) لا؟ فهذه مَسْأَلَةُ الخِرَقِىِّ، ولا يَتَحَقَّقُ حِنْثُه؛ لأنَّ الباقِيَةَ يحْتَمِلُ أنَّها المحْلوفُ عليها، ويَقيِنُ النِّكاحِ ثابِتٌ، فلا يزُولُ بالشَّكِّ. وهذا قولُ الشافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. فعلَى هذا، يكونُ حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ باقيًا، فى لُزومِ نَفَقَتِها وكِسْوَتِها ومَسْكنِها، وسائِرِ أحْكامِها، إِلَّا الوَطْءَ؛ فإنَّ الخِرَقِىَّ قال: يُمْنَعُ وطْأَها؛ لأَنَّه شاكٌّ فى حِلِّها، فحَرُمَتْ عليه، كما لو اشْتَبَهَتِ (٦) امْرَأَتُه بأجْنَبيَّةٍ. وذكرَ أبو الخَطَّاب، أنَّها باقِيَةٌ على الحِلِّ. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ الأصْلَ الحِلُّ، فلا يزُولُ بالشَّكِّ، كسائِرِ أحكامِ النِّكاحِ، ولأَنَّ النِّكاحَ باقٍ حُكْمًا، فأثْبَتَ الحِلَّ، كما لو شَكَّ هل طلّقَ أم (٥) لا؟ وإن كانت يَمِينُه لَيَأْكُلَنَّ هذه التَّمْرةَ، فلا يتَحَقَّقُ بِرُّه حتى يتحقَّقَ أنَّه أكَلَها. ١٨٥٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ (١) حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشْرَةَ أسْوَاطٍ، فجَمَعَها، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدةً، لَمْ يَبَرَّ فِى يَمينِهِ) وبهذا قال [مالِكٌ، و] (٢) أصحابُ الرَّأْىِ. وقال ابنُ حامِدٍ: يَبَرُّ [فى يَمِينِه] (٣)؛ لأنَّ أحمدَ قال، فى المريضِ عليه الحَدُّ: يُضْرَبُ بعِثْكالِ (٤) النَّخْلِ، ويَسْقُطُ عنه الحدُّ. وبهذا قال

стр. 7299

الشافِعِىُّ إذا عَلِم أنَّها مَسَّتْه كُلُّها، وإِنْ علِمَ أنَّها لم تَمَسَّه كُلُّها، لم يَبَرَّ. وإِنْ شَكَّ، لم (٥) يَحْنَثْ فى الحُكْمِ؛ لأَنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ فى المريضِ الذى زَنَى: "خُذُوا لَهُ عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً" (٧). ولأنَّه ضَرَبَه بعشرةِ أسْواطٍ، فبَرَّ فى يَمِينِه، كما لو فَرَّقَ الضَّرْبَ. ولَنا، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِه أَنْ يَضْرِبَه عشرَ ضَرَباتٍ، ولم يضْرِبْه إِلَّا ضَرْبَةً واحِدَةً، فلم يَبَرَّ، كما لو حَلَفَ ليَضْرِبَنَّه عشرَ مَرَّاتٍ بسَوْطٍ، والدَّليلُ على هذا أنَّه لو ضَرَبه عشرَ ضَرَباتٍ بسَوْطٍ واحِدٍ، بَرَّ (٨)، بغيرِ خلافٍ، ولو عادَ العددُ إلى السَّوْطِ، لم يَبَرَّ بالضَّرْبِ بسَوْطٍ واحِدٍ، كما لو حَلَف لَيَضْرِبَنَّه بعَشَرَةِ أسْواطٍ، ولأنَّ السَّوْطَ ههُنا آلَةٌ أُقيمَتْ مُقامَ المَصْدَرِ، وانْتَصَبَ انْتِصابَه، فمَعْنَى كلامِه، لأَضْرِبَنَّه عشرَ ضَرَباتٍ بسَوْطٍ. وهذا هو المَفْهُومُ من يَمِينِه، والذى يَقْتَضِيهِ لُغَةً، فلا يَبَرَّ بما يُخالِفُ ذلك. وأمَّا أيُّوبُ، ﵇، فإِنَّ اللَّه تعالى أرْخَصَ له رِفْقًا بامْرَأَتِه، لِبِرِّها به، وإحْسانِها إليه، ليجْمَعَ له بينَ بِرِّه فى يَمِينِه ورِفْقِه بامْرَأَتِه، ولذلك امْتَنَّ عليه بهذا، وذكرَهُ فى جُمْلةِ ما مَنَّ عليه به، من مُعافاتِه إيَّاه من بلائِه، وإخْراجِ الماءِ له، فيَخْتَصُّ هذا به، كاخْتِصاصِه بما ذكرَ معه، ولو كان هذا الحكمُ عامًّا لكُلِّ أحَدٍ (٩) لما خَصَّ (١٠) أيُّوبَ بالمِنَّةِ عليه به (١١). وكذلك المريضُ الذى يُخافُ تَلَفُه، أُرْخِصَ له بذلك فى الحَدِّ دُونَ غيرِه، وإذا لم يَتَعَدَّه هذا الحكمُ فى الحَدِّ الذى ورَدَ النصُّ به فيه، فلئلَّا يتَعَدَّاه إلى اليَمِينِ أوْلَى، ولو خُصَّ بالبِرِّ مَنْ له عُذْرٌ يُبِيحُ العُدولَ فى الحَدِّ إلى الضَّربِ بالعِثْكَالِ، لَكان له وَجْهٌ. وأمَّا تَعْدِيَتُه إلى غيرِه فبَعِيدٌ (١٢) جِدًّا. ولو حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَه بعَشرَةِ أسْواطٍ، فجمَعَها، فضَرَبَه بها، بَرَّ؛ لأَنّه قد

стр. 7300

فعل ما حَلَفَ عليه. وإن حَلَفَ ليَضْرِبَنَّه عشرَ مَرَّاتٍ، لم يَبَرَّ بضَرْبِه بعشرةِ أسْواطٍ، دَفْعَةً واحِدَة، بغير خلافٍ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما تناوَلَتْه يَمِينُه. وإِنْ حَلَفَ ليَضْرِبَنَّه عشرَ ضَرَباتٍ، فكذلك، إِلَّا وَجْهًا لأَصْحابِ الشافِعِىِّ، أنَّه يَبَرُّ. وليس بصَحِيحٍ؛ لأَنَّ هذه ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ بأسْواطٍ، ولهذا يصِحُّ أَنْ يُقالَ: ما ضَرَبْتُه إِلَّا ضَرْبَةً واحِدَةً. ولو حَلَفَ لا يَضْرِبُه أكْثرَ من ضَرْبَةٍ واحِدَةٍ، ففعل هذا، لم يَحْنَث فى يَمِينِه. فصل: ولا يَبَرُّ حتى يَضْرِبَه ضَرْبًا يُؤْلِمُه. وبهذا قال مالِكٌ. وقال الشافِعِىُّ: يَبَرُّ بما لا يُؤْلِمُ؛ لأَنَّه يَتَناوَلُه الاسْمُ، فوَقَعَ البرُّ بِه. كالمُؤْلِمِ. ولَنا، أَنَّ هذا يُقْصَدُ به فى العُرْفِ التَّأْلِيمُ، فلا يَبَرُّ بغيرِه. وكذلك كُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّرْبُ فى الشَّرْعِ، فى حَدٍّ، أو تَعْزيرٍ، كان من شَرْطِه التَّأْلِيمُ، كذا ههُنا. ١٨٥١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ، أَوْ أرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أرَادَ أَنْ لا يُشافِهَهُ) أكثرُ أصْحابِنا على هذا. وهو مذهبُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ. وقد رَوَى الأَثْرَمُ وغيرُه، عن أحمدَ، فى رجُلٍ حَلَفَ أَنْ لا يُكَلِّمَ رجُلًا، فكتَبَ إليه كتابًا، قال: وأىُّ شىءٍ كان سَبَبَ ذلك؟ إنَّما يُنْظَرُ إلى سَبَبِ يَمِينِه، ولِمَ (١) حَلَفَ؟ إِنَّ الكتابَ قد (٢) يَجْرِى مَجْرَى الكلامِ، وقد (٣) يكونُ بمنزِلَةِ الكلامِ فى بعضِ الحالاتِ. وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يَحْنَثُ بالكتابِ، إِلَّا أَنْ تكونَ نِيَّتُه أو سَبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِى هِجْرانَه، وتَرْكَ صلَتِه، وإِنْ لم يَكُنْ كذلك، لم يَحْنَثْ بكتابٍ ولا رسولٍ؛ لأنَّ ذلك ليس بتَكْلِيمٍ (٤) فى الحقيقَةِ، ولهذا (٥) يصِحُّ نَفْيُه، فيُقالُ: ما كَلَّمْتُه، وإنَّما كاتَبْتُه وراسَلْتُه (٦). ولذلك قال اللَّهُ تعالى:

стр. 7301

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ (٧). وقال: ﴿يَامُوسَى إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِى وَبِكَلَامِي﴾ (٨). وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٩). ولو كانت الرِّسالَةُ تَكْليمًا، لَشارَكَ موسى غيرُه من الرُّسُلِ، ولم يَخْتَصَّ بكونِه كليمَ اللَّهِ ونَجِيَّه. وقد قال أحمدُ، حينَ ماتَ بِشْرٌ الحافِى: لقد كان فيه أُنْسٌ، وما كَلَّمْتُه قَطُّ. وقد كانتْ بينهما مُراسَلَةٌ، وممَّنْ قال: لا يَحْنَثُ بهذا. الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وابنُ المُنْذِر، والشافِعِىُّ فى الجديدِ. واحْتَجَّ أصحابُنا بقولِه تعالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ (١٠). فاسْتَثْنَى الرسولَ من التَّكْلِيمِ (١١)، والأصلُ أَنْ يكونَ المُسْتَثْنَى جنْسَ المُسْتَثْنَى منه، ولأَنَّه وُضِعَ لإِفْهامِ الآدَمِيِّينَ، أشْبَهَ الخِطابَ. والصَّحِيحُ أَنَّ هذا ليسَ بتَكْلِيمٍ (١٢)، وهذا الاسْتِثناءُ من غيرِ الجِنْس، كما قال فى الآيةِ الأُخْرَى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (١٣). والرَّمْزُ ليس بتَكْلِيمٍ (١٢)، لكن إِنْ نَوَى تَرْكَ مُواصَلَتِه، أو كان سَبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِى هِجْرانَه، حَنِثَ؛ لذلك، ولذلك قال أحمدُ: إِنَّ الكتابَ يجْرِى مَجْرَى الكلامِ، وقد يكونُ بمَنْزِلَةِ الكلامِ. فلم يجْعَلْه كلامًا، إنَّما قال هو بمَنْزِلَتِه فى بعضِ الحالاتِ إذا كان السَّبَبُ يَقْتَضِى ذلك. وإذا أطْلَقَ، احْتَمَلَ أَنْ لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لم يُكَلِّمْه. واحْتَمَلَ أَنْ يَحْنَثَ؛ لأنَّ الغالِبَ من الحالفِ هذه (١٤) اليَمِينَ قصدُ (١٥) تَرْكِ المُواصَلَةِ، فيتعَلَّقُ (١٦) يَمِينُه بما يُرادُ فى الغالِبِ، كقَوْلِنا فى المسألَةِ قبلَها. واللَّه أعلمُ.

стр. 7302

فصل: وإِنْ أشارَ إليه، ففيه وَجْهان؛ قال القاضِى: يَحْنَثُ؛ لأنَّه فى مَعْنَى المُكاتَبَةِ والمراسَلَةِ فى الإِفْهامِ. والثانى، لا يَحْنَثُ. ذكرَه أبو الخَطَّاب؛ لأنَّه ليس بكلامٍ، قال اللَّه تعالى لمريمَ ﵍: ﴿فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (١٧). إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ (١٧). وقال فى زكَرِيَّا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. إلى قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (١٨). ولأَنَّ الكلامَ حروفٌ وأَصْواتٌ، ولا يُوجَدُ فى الإِشارَةِ، ولأَنَّ الكلامَ شىءٌ مسْموعٌ، وتَبْطُلُ به الصَّلاةُ، قال النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّ صَلاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ" (١٩). والإِشارةُ بخلافِ هذا. فإنْ قيل: فقد قال اللَّه تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قُلْنا: هذا اسْتِثْناءٌ من غيرِ الجِنْسِ، بدليلِ ما ذَكَرْنا، وصِحَّةِ نَفْيِه عنه، فيقال: ما كَلَّمَه، وإنَّما أشارَ إليه. فصل: فإنْ كلَّم غيرَ المحْلوفِ عليه، بقَصْدِ إسماعِ المحْلوفِ عليه، فقال أحمدُ: يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد أرادَ تكْلِيمَه، وقد رَوَيْنا عن أبى بَكْرةَ نُفَيْع بِن الحارِثِ، أنَّه كان قد حَلَفَ أَنْ لا يُكَلِّمَ أخاه زيِادًا، فلما أرادَ زيادٌ الحَجَّ، جاء أبو بَكْرةَ إلى قَصْرِ زِيادٍ، [فدَخَلَه، وأخَذَ] (٢٠) بُنَيًّا لزيادٍ صغيرًا فى حِجْرِه، ثم قال: يا ابنَ أَخِى؛ إِنَّ أباكَ يُرِيدُ الحَجَّ، ولعلَّه يَمُرُّ بالمدِينَةِ، فيدْخُلُ على أُمِّ حَبِيبةَ زوجِ رسولِ اللَّه ﷺ بهذا النَّسَبِ الذى ادَّعاه، وهو يعْلَمُ أنَّه ليس بصحيحٍ، وأنَّ هذا لا يحلُّ له. ثم قامَ فخرَجَ (٢١). وهذا يدلُّ على أنَّه لم يَعْتَقِدْ ذلك تكليمًا له. ووِجْهُ الأَوَّلِ, أنَّه أسْمَعَه كلامَه (٢٢) قاصِدًا لإِسْماعِه وإفْهامِه, فأشْبَهَ ما لو خاطَبَه به (٢٣). وقال الشاعِرُ: * إيّاكِ أَعْنِى واسْمَعِى يا جَارَهْ (٢٤) *

стр. 7303

فصل: فإنْ ناداهُ بحيثُ يسمَعُ، فلم يَسْمَعْ، لتَشاغُلِه، أو غَفْلَتِه، حَنِثَ. نَصَّ عليه أحمدُ، فإنَّه سُئِلَ عن رجُلٍ حَلَفَ أَنْ لا يُكلِّمَ فلانًا، فنَاداهُ، والمحلوفُ عليه لا يسْمَعُ؟ قال: يَحْنَثُ. لأَنَّه قد أرادَ تَكْلِيمَه، وهذا لكَوْنِ ذلك يُسمَّى تَكْليمًا، يقال: كَلَّمْتُه، فلم يَسْمَعْ. وإِنْ كان مَيِّتًا، أو غائِبًا، أو مُغْمًى عليه، أو أصَمَّ لا يَعْلَمُ بتَكْلِيمِه إيَّاه، لم يَحْنَثْ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وحُكِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّه يَحْنَثُ بنداءِ المَيِّتِ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كلَّمَهُم ونادَاهم، وقال: "مَا أَنْتُمْ بأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ" (٢٥). وَلنا، قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِى الْقُبُورِ﴾ (٢٦). ولأَنَّه قد بطلَت حَواسُّه، وذَهَبَتْ نَفْسُه، فكان أبْعَدَ من السّماعِ من الغائِبِ البعيدِ، لبقاءِ الحواسِّ فى حَقِّه، وإنَّما كان ذلك من النَّبِىِّ ﷺ كرامَةً له، وأمْرًا اخْتُصَّ به، فلا يُقاسُ عليه غيرُه. فصل: وإِنْ سَلَّمَ على المحْلوفِ عليه، حَنِثَ؛ لأنَّ السلامَ كلامٌ تبْطُلُ الصَّلاةُ بِهِ. وإِنْ سَلَّمَ على جَماعَةٍ هو فيهم، أو كَلَّمَهم، فإنْ قَصَدَ المَحْلُوفَ عليه مع الجماعةِ، حَنِثَ؛ لأنَّه كلَّمَه، وإِنْ قَصَدَهم دُونَه، لم يَحْنَثْ. قال القاضى: لا يَحْنَثُ، روايةً واحِدةً. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ اللفظَ العامَّ يَحْتَمِلُ التخْصِيصَ، فإذا نَواهُ به، فهو على ما نَواهُ. وإِنْ أطلقَ، حَنِث. وبه قال الحسنُ، وأبو عُبَيْدٍ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه مُكَلِّمٌ لجميعِهم؛ لأنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ العُمومُ، فيُحْمَلُ على مُقْتَضاه عندَ الإِطْلاقِ. وقال القاضى: فيه رِوَايتان. وللشَّافِعِىِّ قَوْلان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّ العامَّ يصْبُحُ للخُصوصِ، فلا يَحْنَثُ بالاحْتِمالِ. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ هذا الاحْتمالَ مَرْجُوحٌ، فيتَعَيَّنُ العملُ بالرَّاجِحِ، كما لو (٢٧) احْتَمَلَ اللَّفْظُ المجازَ الذى ليس بمُشْتَهَرٍ، فإنَّه لا يَمْنَعُ حملَه على الحقيقَةِ عندَ إطْلاقِه. فإِنْ لم يعلَمْ أَنَّ المحلوفَ عليه فيهم، ففيه رِوَايتان؛ إحداهُما، لا يَحْنَثُ؛ لأنّه لم يُرِدْه، فأشْبَهَ ما لو اسْتَثْناه. والثانِيَةُ، يحنثُ؛ لأنَّه قد أرادَهم بسَلامِه، وهو منهم، وهذا بمنزِلَةِ النَّاسِى. وإن كان وحْدَه، فسلَّمَ عليه ولا يَعْرِفُه، فقال أحمدُ: يَحْنَثُ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ؛ بِناءً على النَّاسِى والجاهِلِ.

стр. 7304

فصل: فإنْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُه. ثم وصلَ يَمِينَه بكلامِه، مثل أَنْ قال: فتَحَقَّقْ ذلك, أو فاذْهَبْ. فقال أصحابُنا: يَحْنَثُ. وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: لا يَحْنَثُ بالقليلِ؛ لأَنَّ هذا تمامُ الكلامِ الأوَّلِ، والذى يَقْتَضِيه يَمِينُه أَنْ (٢٨) لا يُكَلِّمَه كلامًا مُسْتأْنَفًا. واحتجَّ أصحابُنا بأنَّ هذا القليلَ كلامٌ منه له حَقِيقَةً، وقد وُجِدَ بعدَ يَمِينِه، فيَحْنَثُ (٢٩) به، كما لو فَصَلَه، ولأنَّ ما يَحْنَثُ به إذا فَصَلَه، يَحْنَثُ به إذا وَصَلَه، كالكثيرِ. وقَوْلُهم: إِنَّ اليَمِينَ يَقْتَضِى خِطابًا مُسْتأْنَفًا. قُلْنا: هذا الخطابُ مُسْتَأْنَفٌ، غيرُ الأوَّلِ، بدليلِ أنَّه لو قَطَعَه حَنِثَ به. وقياسُ المذهبِ أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ قرينةَ صِلَتِه هذا الكلامَ بيَمِينِه، تَدُلُّ على إرادَةِ كلامٍ يَسْتَأْنِفُه بعدَ انْقِضاءِ هذا الكلامِ المُتَّصِلِ، فلا يَحْنَثُ به، كما لو وُجِدَت النِّيَّةُ حقيقَةً. وإِنْ نَوَى كلامًا غيرَ هذا، لم يحنَثْ بهذا فى المَذْهَبَيْن. فصل: وإِنْ صلَّى بالمحْلوفِ عليه إمامًا، ثم سلَّمَ من الصلاةِ، لم يَحْنَثْ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه (٣٠) قال أبو حنيفةَ. وقال أصحابُ الشافِعِىّ: يَحْنَثُ؛ لأنَّه شُرِعَ له أَنْ يَنْوِىَ السَّلامَ على الحاضِرين. ولَنا، أنَّه قولٌ مَشْروعٌ فى الصَّلاةِ، [فلم يَحْنَثْ به] (٣١)، كتَكْبِيرِها، وليس (٣٢) نِيَّةُ الحاضِرين بسَلامِه واجِبًا (٣٣) فى السَّلامِ. وإِنْ أُرْتِجَ عليه فى الصلاةِ، ففَتَحَ عليه الحالِفُ، لم يَحْنَثْ؛ لأَنَّ ذلك كلامُ اللَّه تعالى، وليس بكلامِ الآدَمِيِّين. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَتَكَلَّمُ، فقرأ، لم يَحْنَثْ. وبه قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إِنْ قَرَأَ فى الصَّلاةِ، لم يَحْنَثْ، وإِنْ قرأَ خارِجًا منها، حَنِثَ؛ لأنَّه يَتَكَلَّمُ بكلامِ اللَّهِ. وانْ ذكرَ اللَّه تعالى، لم يَحْنَثْ. ومُقْتَضَى مذهبِ أبى حنيفةَ أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه كلامٌ، قال اللَّه

стр. 7305

تعالَى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ (٣٤). وقال النبىُّ ﷺ : "أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ، والْحَمْدُ للَّهِ، وَلا إلهَ إِلَّا اللَّه، وَاللَّهُ أَكْبَرُ" (٣٥). وقال: "كَلِمَتانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ، حَبيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمنِ، [سُبْحَانَ اللَّهِ العَظيمِ، وَسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ"] (٣٦). ولَنا، أَنَّ الَكلامَ فى العُرْفِ لا يُطْلَقُ إِلَّا على كلامِ الآدَمِيِّين، ولهذا لمَّا قال النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّه يُحْدِثُ مِنْ أمْرِه مَا يَشَاءُ، وإنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا (٣٧) فِى الصَّلَاةِ" (٣٨). لم يتَناولِ المختلَفَ فيه. وقال زيدُ بن أَرْقَمَ: كُنّا نَتَكَلَّمُ فى الصلاةِ، حتى نَزَلَت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣٩). فأُمِرْنَا بالسّكُوتِ، ونُهِينَا عن الكلامِ (٤٠). وقال اللَّه تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. فأَمَرَه بالتَّسْبِيحِ مع قَطْعِ الكلامِ عنه. ولأنَّ ما لا

стр. 7306

يحْنَثُ به فى الصلاةِ، لا يحْنَثُ به خارِجًا منها، كالإشارَةِ، وما ذَكَرُوه يبْطُلُ بالقِراءَةِ والتَّسْبيحِ فى الصَّلاةِ، وذِكْرِ اللَّه المشْروعِ فيها. وإِنْ اسْتَأذَنَ عليه إنْسانٌ، فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٤١). يقصِدُ القرآنَ، لم يَحْنَثْ، وإلَّا حَنِثَ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يَتكَلَّمُ ثلاثَ ليالٍ، أو ثلاثةَ أيَّام، لم يكُنْ له أَنْ يَتَكَلَّمَ فى الأيَّامِ التى بين اللَّيالِى، ولا فى اللَّيالى التى بين الأيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. وفى مَوْضِع آخر: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (٤٢). فكان كُل واحِدٍ من اللَّفْظَيْنِ عبارة عن الزَّمانَيْنِ جميعًا، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (٤٣). فدخلَ فيه اللَّيلُ والنَّهارُ. فصل: ومَنْ حَلَفَ أَنْ لا يَتَكَفَّلَ بمالٍ، فكفَلَ ببَدَنِ إنْسانٍ، فقال أصْحابُنا: يَحْنَثُ؛ لأنَّ المالَ يَلْزَمُه بكفالَتِه إذا تعذَّرَ تسْليم المكْفُولِ به. والقياسُ أَنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يكْفُلْ بمالٍ، وإنَّما يَلْزَمُه المالُ بِتَعَذُّرِ إحْضارِ المكْفُولِ به، وأمَّا قبلَ ذلك، فلا يَلْزَمُه، ولأنَّ هذا لا يُسَمَّى كفالَةً بالمالِ، ويصِحُّ (٤٤) نَفْيُها عنه، فيُقالُ: ما تَكَفَّلَ بمالٍ، وإنَّما تَكَفَّلَ بالبَدَنِ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والشافِعِىِّ. فصل: وإِنْ حَلَفَ لا يسْتَخْدمُ عَبْدًا، فخَدَمَه وهو ساكِتٌ، لم يأْمُرْه ولم يَنْهَهُ، فقال القاضى: إِنْ كان عبدَه حَنِثَ، وإِنْ كان عبدَ غيرِه لم يَحْنَثْ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ عبدَه يخْدِمُه عبادةً بحُكْمِ اسْتِحْقاقِه ذلك عليه، فيكونُ معنى يَمِينه: لَا مَنْعُتك خِدْمَتِى. فإذا لم يَنْهَه، لم يَمْنَعْه، فحَنِثَ (٤٥)، وعبدُ غيرِه بخلافِه. وقال أبو الخَطَّاب: يَحْنَثُ فى الحالَيْن؛ لأنَّ إقْرارَه على الخِدْمَةِ اسْتِخدامٌ، ولهذا يُقال: فلانٌ يَسْتَخْدِمُ عبدَه. إذا خدَمه وإِنْ لم يَأْمُرْه، ولأنَّ ما حَنِثَ به فى عبدِه، حَنِثَ به فى غيرِه، كسائِرِ الأَشْياءِ.

стр. 7307

وقال الشافِعِىُّ: لا يَحْنَثُ فى الحالَيْن؛ لأنَّه حَلَفَ على فِعْلِ نَفْسِه، فلا يَحْنَثُ بفِعْلِ غيرِه، كسائِرِ الأفْعالِ. فصل: وإذا حَلَفَ رجُلٌ باللَّهِ لا يَفْعَلُ شيئًا، فقال له آخَرُ: يَمِينى فى يَمِينك. لم يَلْزَمْه شىءٌ؛ لأنَّ يَمِينَ الأوَّلِ ليستْ ظَرْفًا ليَمِينِ الثانى. وإِنْ نَوَى أنَّه يَلْزَمُنَى من اليَمِينِ ما يلزَمُكَ، لم يَلْزَمْه حُكْمُها. لأنَّه القاضى. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ اليَمِينَ باللَّه لا تنْعَقِدُ بالكنايَةِ؛ لأنَّ تَعَلقَ الكَفَّارَةِ بها لحُرْمَةِ اللَّفْظِ باسمِ اللَّه المحترم، أو صِفَةٍ من صِفاتِه، ولا يُوجَدُ ذلك فى الكِنايَةِ. وإِنْ حَلَفَ بطلاقٍ، فقال آخرُ: يَمِنى فى يَمِينِك. يَنْوِى به (٤٦)، أنَّه يَلْزَمُنِى من اليمِينِ ما يَلْزَمُكَ، انْعَقَدَت يَمِينُه. نَصَّ عليه أحمدُ. وسُئِلَ عن رجُلٍ حَلَفَ بالطَّلاقِ لا يكلِّمُ رَجُلًا، فقال رجُلٌ: وأنا على مثل يَمِينكَ؟ فقال: عليه مثلُ ما قاله الذى حَلَفَ. لأنَّ الكنايَةَ تدْخُلُ فى الطَّلاقِ، وكذلك يَمِينُ العَتاقِ والظِّهارِ. وإِنْ لم يَنْوِ شيئًا، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه؛ لأنَّ الكِنايَةَ لا تعملُ بغيرِ نِيَّةٍ، وليس هذا بصريحٍ. وإن كانَ المَقُولُ له [لم يَحْلِفْ بعدُ، وإنَّما أرادَ أَنَّه يَلْزَمُه ما يَلْزَمُ الآخَرَ من يَمِينٍ يَحْلِفُ بها، فحَلَفَ المقولُ له] (٤٧)، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُ القائِلِ، وإِنْ كان فى الطَّلاقِ والعَتاقِ؛ لأنَّه لابُدَّ أَنْ يكونَ هناك ما يُكْنَى عنه، وليس ههُنا ما يُكْنَى عنه. وذكرَ القاضى، فى مَوْضِع آخَرَ، فى مَن قال: أيمَانُ البَيْعَةِ تَلْزَمُنِى. أَنَّه إِنْ عَرَفَها، ونَوَى جميعَ ما فيها، انْعَقَدَت يَمِينُه بجميعِ ما فيها. وهذا خِلافُ ما قالَه فى هذه المَسْأَلَة، فيكونُ فيها وَجْهان. فصل: فإنْ قال: أيمانُ البَيْعَةِ تَلْزَمُنِى. فقال أبو عبدِ اللَّه ابن بَطَّةَ: كُنْتُ عند أبى القاسِمِ الْخِرَقِىِّ، وقد سَألَه رجُلٌ عن أيْمانِ البَيْعَةِ، فقال: لستُ أُفْتِى فيها بشىءٍ، ولا رأيتُ أحدًا من شُيوخِنا يُفْتِى فى هذه اليَمِينِ. قال: وكان أبى، ﵀ -يَعْنِى أبا علىٍّ- يَهابُ الكلامَ فيها. ثم قال أبو القاسِمِ: إِلَّا أَنْ يلْتَزِمَ الحالِفُ بها جميعَ ما فيها من الأيمانِ. فقال له السائِلُ: عَرفَها أو (٤٨) لم يَعْرِفْها؟ فقال: نعم. وأيْمانُ البَيْعَةِ هى التى

стр. 7308

رَتَّبها الحجَّاجُ (٤٩) يَسْتَحْلِفُ بها عندَ البَيْعَةِ والأمْرِ المُهِمِّ للسُّلْطانِ. وكانت البَيْعَةُ على عَهْدِ رسول اللَّه ﷺ وخُلفائِه الرَّاشديِن بالمُصافَحَةِ، فلما وَلِىَ الحجَّاج رَتبَّهَا أيمانًا تَشْتَمِلُ على اليَمينِ باللَّه والطَّلاقِ، والْعَتاقِ، وصَدقَةِ المالِ. فمَنْ لم يَعْرِفْها، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه بشىء ممَّا فيها؛ لأنَّ هذا ليس بصَرِيح فى القَسَمِ، والكِنايةُ لا تَصِحُّ إِلَّا بالنِّيَّة، ومن لم يَعْرِفْ شيئًا لم يَصِحَّ أَنْ يَنْوِيَه. وإن عَرَفَها، ولم يَنْوِ عَقْدَ اليَمِينِ بما فيها [لم يصِحَّ] (٥٠) أيضًا؛ لما ذَكَرْناه. ومن عَرَفَها، وَنوَى اليَمِينَ بما فيها، صَحَّ فى الطَّلاقِ والعَتاقِ؛ لأنَّ اليَمِينَ بها تنْعَقِدُ بالكِنايَةِ، وما عَدَا ذلك من اليَمِينِ باللَّه تعالى، وما عدَا الطَّلاقَ والْعَتاقَ، فقال القاضِى ههُنا: تَنْعَقِدُ يَمِينُه أيضًا؛ لأنَّها يَمِين، فتَنْعَقِدُ بالكِنايَةِ المَنْوية، كيَمِينِ الطَّلاقِ العَتاقِ. وقال فى مَوْضِع آخَرَ: لا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ باللَّه بالكِنايَة. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ الكفَّارَةَ وَجَبَتْ فيها لما ذُكِرَ فيها من اسْمِ اللَّه المُعَظَّمِ (٥١) المُحْتَرمِ، ولا يُوجَدُ ذلك فى الكِنايَة. واللَّهُ تعالى أعلمُ.

стр. 7309

كتاب النُّذورِ الأصْلُ فى النَّذْرِ الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ. أما الكتابُ فقَولُ اللَّهِ تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (١). وقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٢). وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ. قالتْ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّه فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِىَ اللَّه فَلَا يَعْصِهِ". وعن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ، عن النَّبِىّ ﷺ ، أنَّه قال: "خَيْرُكُمْ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُوَنَهُمْ، ثُمَّ يَجىءُ قَوْمٌ يَنْذرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ". روَاهُما البُخارىُّ (٣). وأجْمَع المسلمون على صِحَّةِ النَّذْرِ فى الجُمْلَةِ، ولُزومِ الوَفاءِ به. فصل: ولا يُسْتَحَبُّ (٤)؛ لأنَّ ابنَ عمرَ روَى عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى عن النَّذْرِ، وأنَّه قالَ: "لَا يَأْتِى بِخَيْرٍ، وَإنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ". مُتَّفقٌ عَليهِ (٥). وهذا نَهْىُ كَراهَةٍ، لا نَهْىُ تَحْريمٍ؛ لأنَّه لو كان حَرَامًا لَما مَدَحَ المُوفِينَ به؛ لأنَّ ذَنْبَهم فى ارْتِكابِ المُحرَّمِ أشدُّ من طاعِتهِم فى وفَائِه؛ ولأنَّ النَّذْرَ لو كان مُسْتَحبًّا، لَفعَله النَّبِىُّ ﷺ وأفاضِلُ أصْحَابِهِ.

стр. 7310

١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ ، لَزِمَهُ الوَفَاءُ بِهِ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ، لَمْ يَعْصِهِ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) وَنَذْرُ الطاعةِ، الصلاةُ، والصِّيامُ، والحَجُّ، وَالعُمرةُ، والعِتْقُ، والصَّدقةُ، والاعْتِكافُ، والجهادُ، وما فى هذه المعانِى، سواءٌ نَذَرَهُ مُطلَقًا بأن يقولَ: للَّهِ علىَّ أَنْ أفعلَ كَذا وَكَذا. أو علَّقَه بِصِفةٍ مثلَ قولِه (١): إِنْ شَفَانِى اللَّهُ من عِلَّتى، أو شَفَى فُلانًا، أو سَلِمَ مَالِى الغائبُ. أو ما كان فى هذا المَعْنَى، فأدْرَكَ مَا أمَّلَ بُلوغه من ذلك، فعليه الوَفاءُ به. ونَذْرُ المَعْصِيَةِ، أن يقولَ: للَّهِ علىَّ أن أشْرَبَ الخَمرَ، أو أقتلَ النَّفْسَ المُحرَّمةَ. وما أشْبَهَهُ، فَلا يفْعلُ ذَلِك، ويُكفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، [لأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ] (٢). وإذا قال: للَّهِ علىَّ أَنْ أرْكَبَ دَابَّتِى، أو أسْكُنَ دَارِى، أو ألبَسَ أحْسنَ ثِيابِى. وما أشبَهَه، لم يكُنْ هذا (٣) نَذْرَ طَاعَةٍ ولا مَعْصِيَةٍ، فإنْ لم يفْعَلْهُ (٤) كفَّرَ كفَّارَةَ يَمِينٍ، [لأنَّ النَذْرَ كَاليَمينِ] (٥). وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ، استُحِبَّ له أَنْ لَا يُطَلِّقَها، ويكفِّرَ كفَّارَةَ يَمينٍ. وجُمْلتُه أَنَّ النَّذْرَ سَبْعةُ أقسامٍ، أحَدُها، نَذرُ اللَّجَاجِ والغَضَبِ، وهو الَّذِى يُخرِجُه مَخْرَجَ اليَمِينِ، للحَثِّ على فِعلِ شَىْءٍ أو المَنْعِ منه، غيرَ قاصدٍ به النَّذْرَ (٦)، ولا القُرْبَةَ، فهذا حُكْمُه حُكْمُ اليَمِينِ، وَقَدْ ذَكرْنَاهُ فِى بابِ الإيْمَانِ. القِسمُ الثانِى، نَذْرُ طَاعةٍ وتبَرُّرٍ، مِثلُ الذى ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ. فهذا يَلْزمُ الوَفاءُ بِه؛ لِلآيَتَيْنِ والخَبَريْنِ، وهو ثَلَاثةُ أنواع، أحدها، الْتِزَامُ طَاعَةٍ فِى مُقَابَلَةِ نِعْمةٍ استَجْلَبَها، أو نِقْمةٍ استَدْفعَها، كقولِه: إِنْ شَفانِى اللَّه، فللَّهِ عَلىَّ صومُ شَهرٍ. فتَكونُ الطَّاعةُ الملْتَزَمةُ مِمَّا له أصْلٌ فى الوُجوبِ بالشَّرعِ، كالصَّومِ والصَّلَاةِ والصَّدقةِ والحَجِّ، فهذا يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ، بإِجْماعِ أهْلِ العلمِ. النَّوعُ الثانِى، الْتِزامُ طَاعةٍ منْ غَيرِ شَرطٍ، كقولِه ابتداءً: للَّهِ علىَّ صومُ شهرٍ. فَيَلْزَمُه الوَفْاءُ بِه، فى قَوْلِ أكْثرِ أهلِ

стр. 7311

العلمِ. وهو قَولُ أهلِ العِراقِ. وظاهرُ مذهبِ الشَّافِعىِّ. وقال بعضُ أصحابهِ: لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به؛ لأنَّ أبا عُمرَ غُلامَ ثَعْلبٍ قال: النَّذْرُ عندَ العربِ وَعْدٌ بشَرْطٍ. ولَأنَّ ما الْتَزَمهُ الآدَمِىُّ بِعِوَضٍ، يَلْزَمُهُ بالعَقْدِ، كالْمَبِيعِ والمُستَأْجَرِ، وما الْتزمَهُ بغيرِ عِوَضٍ، لا يَلْزَمُه بِمُجرَّدِ العَقْدِ، كالْهِبَةِ. النوعُ الثالثُ، نَذْرُ طاعةٍ لا أصْلَ لها فى الوُجوبِ، كالاعْتكافَ وعِيادةِ المريضِ، فيَلْزَمُ الوَفاءُ به [عندَ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه لا يَلْزَمُه الوفاءُ به] (٧)؛ لأنَّ النَّذْرَ فَرْعٌ على المَشْروعِ، فلا يجبُ به ما لا يجِبُ له نَظِيرٌ بِأصْلِ الشَّرعِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أن يُطِيعَ اللَّه فَلْيُطِعْهُ" (٨). وذَمُّه الذين ينْذُرُونَ ولا يُوفُون (٩)، وقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١٠). وقد صحَّ أَنَّ عمرَ قال للنَّبِىُّ ﷺ : إنِّى نَذَرْتُ أَنْ أعْتكِفُ ليلةً فى المسجدِ الحرام؟ فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" (١١). ولأنَّه ألْزَم نفسَه قُرْبةً على وَجْهِ التَّبَرُّرِ، فتَلْزَمُه، كمَوْضعِ الإجماعِ، وكما لو ألْزَمَ نفسَه أُضْحِيَةً، أو أوْجبَ هَدْيًا، وكالاعْتَكافِ، وكالعُمْرةِ، فإنَّهم قد سَلَّمُوها، وليست واجبةً عندَهم، وما ذكَرُوه يبْطُل بهذين الأصْلَيْن، وما حَكَوْه عن أبى عمرَ لا يصِحُّ؛ فإِنَّ العربَ تُسَمِّى المُلْتَزَمَ نَذْرًا، وإن لم يكُنْ بشَرْطٍ، قال جَمِيل (١٢): فليت رجالًا فيكِ قد نَذَرُوا دَمِى ... وهَمُّوا بقَتْلِى يابُثَيْنُ لَقُونِى والْجَعَالةُ وَعْدٌ بشَرْطٍ، وليست بنَذْرٍ. القسم الثالث، النَّذْرُ المُبْهَمُ. وهو أن يقولَ: للَّهِ علىَّ نَذْرٌ. فهذا تجبُ به الكفَّارةُ، فى قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلم. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ

стр. 7312

مسعود، وابنِ عبَّاس، وجابر، وعائشةَ (١٣). وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، وطَاوُس، والقاسمُ، وسالمٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىّ، وعِكْرِمةُ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، ومحمد بن الحسنِ. ولا أعلمُ فيه مُخَالِفًا إِلَّا الشَّافِعىّ، قال: لا ينْعَقِدُ نَذْرُه، ولا كفَّارةَ فيه؛ لأنَّ مِن النَّذْرِ (١٤) ما لا كفَّارةَ فيه. ولَنا، ما رَوى عُقبَةُ بنُ عامرٍ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ (١٥)، كَفَّارَةُ يَمِينٍ" (١٦). رَواهُ التِّرْمِذىُّ (١٧). وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ غَريبٌ. ولأنه نَصٌّ، وهذا قولُ من سَمَّيْنَا من الصَّحابةِ والتابِعين، ولا نعْرِفُ لهم فى عَصْرِهم مُخَالِفًا، فيكونُ إجْماعًا. القسم الرابع، نَذْرُ المَعْصِيةِ، فلا يحِلُّ الوَفاءُ به إجْماعًا، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِىَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ". ولأنَّ مَعْصيةَ اللَّهِ تعالى لا تحِل فى حالٍ، ويجبُ على النَّاذِرِ كفَّارةُ يَمِينٍ. رُوِىَ نحوُ هذا عن ابنِ مَسْعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ، وجابرٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَيْن، وسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ (١٨). وبه قال الثَّورىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه. ورُوِىَ عن أحمدَ ما يَدلُّ على أنَّه لا كَفَّارَةَ عليهِ، فإنه قال، فى مَن نَذَر ليَهْدِمَنَّ دارَ غيرِه لَبِنَةً لَبِنَةً: لَا كَفارةَ عليه. وهذا فى مَعْناه. ورُوِىَ هذا عن مَسْروقٍ، والشَّعْبِىِّ. وهو مذهبُ مالكٍ، والشَّافِعىِّ؛ لِقَولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ العَبْدُ". روَاه مسلم (١٩). وقال: "لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ". متَّفَقٌ عليه (٢٠). وقال:

стр. 7313

"لَا نَذْرَ إلا مَا ابْتُغِيَ به وَجْهُ اللَّه". روَاه أبو داودَ (٢١). وقال: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِىَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ". ولَم يأْمُرْ بَكفَّارةٍ. ولما نَذرَت المرأةُ التى كانتْ مع الكُفَّار، فنَجَتْ على ناقةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ تَنحَرَها، قالت: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى نَذرْتُ إِنْ أنْجَانِى اللَّهُ عليها أن أنحَرَهَا؟ قال: "بِئْس مَا جَزَيتهَا، لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ" روَاه مسلمٌ. ولمْ يَأمُرْها بِكفَّارَة. وقال لأبى إسْرَائِيلَ، حين نذرَ أن يَقُومَ فى الشمسِ، ولا يَقعُدَ، ولا يستَظِل، ولا يَتكلَّمَ: "مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَجْلِسْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ". روَاه البُخارِىُّ (٢٢). ولم يأمرْهُ بكفَّارَةٍ. ولأنَّ (٢٣) النَّذرَ الْتِزامُ الطَّاعَةِ، وهذا التِزامُ مَعْصِيَةٍ، ولأنَّه نَذرٌ غيرُ مُنْعَقِدٍ، فلم يُوجِبْ شيئًا، كاليَمِينِ غيرِ المُنْعقِدَةِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، ما روتْ عائشةُ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" رواه الإِمامُ أحمدُ، فى "مُسْنَدِه"، وأبو داودَ، فى "سُنَنِه"، وقال التِّرْمِذِىُّ: هو حديثٌ غريبٌ (٢٤). وعن أبى هُريرَةَ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، [عن النَّبىِّ ﷺ مثلُه: رَوَى الجُوزجَانِىُّ، بإسْنادِه عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ] (٢٥)، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "النَّذْرُ نَذْرَانِ؛ فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرِ فِى طَاعَةِ اللَّهِ، فَذلِكَ لِلَّهِ، وَفِيهِ

стр. 7314

الوَفَاءُ، ومَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلَا وَفَاءَ فِيهِ، وَيُكَفِّرُهُ، مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ". وهذا نَصٌّ. ولأنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ، [بدليلِ ما رُوِىَ] (٢٦) عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "النَّذْرُ حَلْفَةٌ" (٢٧). وقال النَّبِىُّ ﷺ لأُختِ عُقْبةَ، لمَّا نذَرَتِ المَشْىَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرام، [فلمَّا نذرتْ المَشْىَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ] (٢٨)، فلم تُطقْهُ: "تُكَفِّرْ يَمِينَهَا". صحيحٌ، أخْرَجة أبو داوُدَ (٢٩). وفى روايةٍ: "وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيامٍ". قال أحمدُ: إليه أذْهَبُ. وقال ابنُ عبَّاسٍ فى التى نذَرتْ ذَبْحَ ابْنِها: كفِّرِى يَمِينَكِ (٣٠). ولو حلَف على فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، لَزِمتْه الكفَّارةُ، فكذلك (٣١) إذا نذَرَها. فأمَّا أحاديثُهم، فمَعْناها لا وفاءَ بالنَّذْر فى مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وهذا لا خلافَ فيهِ، وقد جاءَ مُصَرَّحًا به هكذا فى رواية مُسْلمٍ، ويدُلُّ على هذا أيضًا، أَنَّ فى سياقِ الحديثِ: "وَلَا يَمِينَ فِى قَطِيعَةِ رَحِمٍ" (٣٢). يَعْنِى لا يَبَرُّ فِيها. ولو لم يُبيِّنِ الكفَّارةَ فى أحاديثهِم، فقد بيَّنها فى أحاديثنا. فإن فعل ما نذَرَه من المعصيةِ، فلا كفَّارةَ عليه، كما لو حلَف لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً، ففعلَها. ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمه الكفَّارةُ حَتْمًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ عيَّنَ فيه الكفَّارةَ، وَنَهى عن فِعْل المَعْصِيَةِ. القسم الخامس، المباحُ؛ كلُبسِ

стр. 7315

الثوبِ، ورُكوبِ الدَّابَّةِ، وطلاقِ المرأةِ على وَجْهٍ مُباحٍ، فهذا يتَخيَّرُ النَّاذِرُ فيه، بينَ فِعْلِه فيَبَرُّ بذلك؛ لما رُوىَ أَنَّ أمرأة أتتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فقالت: إنِّى نَذَرْتُ أن أضْرِبَ على رَأْسِك بالدُّفِّ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أوْفِ بِنَذْرِكِ". رواه أبو داودَ (٣٣). ولأنَّه لو حلَف على فعلِ مُباحٍ، بَرَّ بفعْلِه، فكذلك إذا نَذَرَه؛ لأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ. وإِنْ شاءَ تركَه وعليه كفارةُ يَمِينٍ. ويَتخرَّجُ أَنْ لا كفَّارةَ فيه؛ فإِنَّ أصْحابَنا قالوا، فى مَن نَذَرَ أن يعْتَكِفَ أو يُصَلِّىَ فى مسجدٍ مُعَيَّنٍ: كان له أن يُصَلِّىَ ويعْتكِفَ فى غيرِه، ولا كفَّارةَ، ومن نَذَرَ أن يتصدَّقَ بمالِه كلِّه، أجْزَأتْهُ الصدقةُ بثُلثِه بلا كفَّارةٍ. وهذا مثلُه. وقال مالكٌ، والشَّافعىُّ: لا ينْعَقِدُ نَذْرُه؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِىَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ". وقد روَى ابنُ عبَّاسٍ، قال: بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يخطُب، إذ هو برجلٍ قائمٍ، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيلَ، نذرَ أن يقومَ فى الشمس، ولا يسْتظلَّ، ولا يتكلمَ، ويصومَ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "مُروهُ [فَلْيَجْلِسْ، وَلْيَسْتَظِلَّ] (٣٤)، وَليَتَكَلَّمْ، وَلْيُتمَّ صَوْمَهُ" روَاه البخارىُّ. وعن أنسٍ قال: نذَرَتِ امرأةٌ أَنْ تمشيَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ (٣٥)، فَسُئِلَ نَبىُّ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، فقال: "إِنَّ اللَّه لَغَنِىٌّ عَنْ مَشْيهَا، مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ". قال التِّرْمِذِىُّ (٣٦): هذا حديثٌ حَسَنٌ (٣٧) صحيحٌ (٣٨). ولم يأمُرْ بكفَّارةٍ. ورُوِىَ أَنَّ النَّبىَّ ﷺ رأى رجلًا يُهادَى بين اثْنَين، فسألَ عنه، فقالوا: نَذَرَ أن يَحُجَّ ماشِيًا. فقال: "إِنَّ اللَّه لَغَنِىٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، مُرُوهُ فَلْيَرْكَبْ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٩). ولم يأمُرْه بكفَّارةٍ، ولأنَّه نَذرٌ غيرُ مُوجِبٍ

стр. 7316

لفعلِ ما نَذَرَهُ، فلم يُوجِبْ كفَّارةً، كَنذْرِ المُسْتحيلِ. ولَنا، ما تقدَّم فى القِسْمِ الذى قبلَه. فأمَّا حديثُ التى نذْرتِ المَشْىَ، فقد أمرَ فيه بالكفَّارةِ فى حديثٍ آخَرَ، فرَوَى (٤٠) عُقْبةُ بنُ عامرٍ، أَنَّ أُختَه نذَرتْ أَنْ تَمْشِىَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ، فسُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، فقال: "مُرُوهَا فَلْتَركَبْ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينهَا". صحيحٌ، أخْرجَهُ أبو داوُدَ. وهذه زِيادة يجبُ الأخْذُ بها، ويجوزُ أن يكونَ الرَّاوِى للحديثِ رَوَى البعضَ وتركَ البعضَ، أو يكونَ النَّبِىُّ ﷺ تركَ ذِكرَ الكفَّارةِ فى بعض الحديثِ، إحالةً على ما عُلِمَ من حديثه فى مَوْضِعٍ آخرَ. ومن هذا القِسْم إذا نَذَرَ فعلَ مَكْروهٍ، كطلاقِ امرأتِه، فإنَّه مَكْرُوهٌ، بِدليلِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ" (٤١). فالمُسْتحَبُّ أَنْ لا يَفِىَ، ويُكفِّرَ، فإن وَفَى بِنذْرِه، فلا كفَّارةَ عليه، والخلافُ فيه كالذى قَبلَه. القسم السادس، نَذْرُ الواجب، كالصلاةِ المكْتوبَةِ، فقال أصْحابُنا: لا ينْعَقِدُ نَذْرُه. وهو قولُ أصحابِ الشَّافعى؛ لأَنَّ النَّذْرَ الْتِزامٌ، ولا يصِحُّ الْتِزامُ ما هو لازِم له. ويَحْتَمِلُ أَنْ ينْعَقِدَ نَذْرُه مُوجبًا كفَّارةَ يَمِينٍ إِنْ تركَه، كما لو حلَف على فِعْلِه؛ فإِنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، وقد سَمَّاه النَّبِىُّ ﷺ يَمِينًا (٤٢). وكذلك لو نَذَرَ مَعْصِيَةً أو مُباحًا، لم يَلْزَمْه، ويُكفِّرُ إذا لم يفْعَلْهُ. القسم السابع، نَذْرُ المُستَحيلِ، كصومِ أمسِ، فهذا لا ينْعَقِدُ، ولا يُوجِبُ شيئًا؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ انْعِقادُه، ولا الوَفاءُ به، ولو حلَف على فِعْلِه لم تَلْزَمْه كفَّارةٌ، فالنَّذْرُ أوْلَى، وعَقْدُ البابِ فى صحيحِ المذْهبِ، أَنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ومُوجَبُه مُوجَبُها، إِلَّا فى لُزومِ الوفاءِ به،

стр. 7317

إذا كان قُرْبةً وَأمْكنَهُ فِعْلُه، ودليلُ هذا الأصلِ قولُ النَّبِىِّ ﷺ لأُختِ عُقبةَ، لمّا نذَرتِ المَشْىَ فلم تُطِقْهُ: "وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا". وفى رِوايةٍ: "فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ". قال أحمدُ: إليه أذْهبُ. وعن عُقْبةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "كَفَّارَةُ النَّذْر كَفَّارَةُ اليَمِينِ". أخرجَه مسلمٌ. وقولُ ابنِ عبَّاسٍ لِلَّتِى (٤٣) نذرَتْ ذَبْحَ وَلَدِها (٤٤): كفِّرِى يَمِينَكِ. ولأنَّه قد (٤٥) ثَبَتَ أَنَّ حُكمَه حكمُ اليَمِينِ فى أحَدِ أقسْامِه وهو نَذْرُ اللَّجاجِ، فكذلك سائرُه، فى سِوَى ما اسْتثناهُ الشَّرعُ. فصل: وإِنْ نذرَ فعلَ طاعةٍ، وما ليس بطاعةٍ، لَزِمَه فِعلُ الطَاعةِ، كما (٤٦) فى خبرِ أبى إسْرائيلَ؛ فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَهُ بإتْمامِ الصَّومِ، وترْكِ ما سِواهُ، لِكَوْنِه ليس بطاعةٍ. وفى وُجوبِ الكفَّارةِ لِمَا تَرَكه الاخْتلافُ الذى ذكَرْناه. وقد رَوى عُقْبةُ بنُ عامرٍ. قال: نَذَرتْ أخْتى أن تَمْشِىَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرام حافِيَةً غيرَ مُخْتَمِرةٍ، فذَكَرَ ذلك عُقْبَةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: "مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ، وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُم ثَلَاثَةَ أيَّامٍ". رواه الجُوزجَانِىُّ، والتِّرْمذِىُّ. فإن كان المتْروكُ خِصالًا كثيرةً، أجْزأَتْه كفَّارةٌ واحدةٌ؛ لأنَّه نذْرٌ واحدٌ، فتكونُ كفَّارتُه واحدةً، كاليمينِ الواحدةِ على أفْعالٍ، ولهذا لم يأْمُرِ النَّبِىُّ ﷺ أُختَ عُقْبةَ بنِ عامرٍ فى تَرْكِ التَّحَفِّى والاخْتِمارِ، بأكثرَ من كفَّارةٍ. ١٨٥٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، أَجْزَأَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثلُثِهِ، كَمَا رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِى لُبابَةَ، حِينَ قَالَ: إِنَّ مِنْ توبتِى يَا رَسُولَ اللَّه أَنْ أنْخلِعَ مِنْ مَالِى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُجْزِئُك الثُّلُثُ ") وجملةُ ذلك أَنَّ مَن نَذَرَ أن يتصدَّقَ بمالِه كلِّه، أجْزأه ثُلثُه. وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالك. ورَوَى الحسينُ بنُ إسحاقَ الْخِرَقِىُّ (١)، عن أحمدَ، قال: سألتُه عن رجلٍ قال: جميعُ ما أملِك فى المساكينِ صَدَقةٌ. قال: كفَّارتُه (١) كفَّارةُ اليَمِين. قال: وسُئل عن رجلٍ

стр. 7318

قال: ما يَرِثُ عن فُلانٍ (٢)، فهو لِلمساكينِ. فذكروا أنَّه قال: يُطْعِمُ عشَرةَ مَساكينَ. وقال رَبِيعةُ: يتصَدَّقُ منه بقَدْرِ الزَّكاةِ؛ لأنَّ المطْلَقَ مَحمولٌ على مَعْهودِ الشَّرْعِ، ولا يجِبُ فى الشَّرْعِ إِلَّا قَدْرُ الزَّكاةِ. وعن جابرِ بنِ زيدٍ، قال: إِنْ كان كثيرًا، وهو ألْفانِ، تصَدَّقَ بِعشرةٍ، وإن كان مُتَوسِّطًا وهو ألفٌ، تصَدَّقَ بسبعةٍ، وإن كان قليلًا، وهو خَمْسُمائةٍ، تصَدَّقَ بخَمسةٍ. وقال أبو حنيفةَ: يتصَدَّقُ بالمالِ الزَّكَوىِّ كلِّه. وعنه فى غيرِه رِوايَتان؛ إحداهما، يتصَدَّقُ به. والثانية، لا يَلْزَمه منه شىءٌ. وقال النَّخَعِىُّ، والْبَتِّىُّ، والشافعىُّ: يتصَدَّقُ بمالِه كلِّه، لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أن يُطِيعَ اللَّه فَلْيُطِعْهُ" (٣). ولأنَّه نَذْرُ طاعةٍ، فلَزِمَه (٤) الوفاءُ به، كنذْرِ الصلاةِ والصيامِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ لأبى لُبَابةَ، حين قال: إِنَّ مِن تَوبتِى أَنْ أنخلِعَ بن مالِى صَدَقةً إلى اللَّهِ وإلى رسولِه. فقال: "يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ" (٥). وعن كعبِ بنِ مالكٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، إِنَّ مِن تَوْبَتِى أَنْ أنْخلِعَ من مالى صَدَقةً إلى اللَّهِ وإلى رسولِه. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). ولأَبى داودَ: "يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ". فإنْ قالوا: هذا ليس بنَذْرٍ، وإنَّما أرادَ الصدقةَ بجَمِيعِه، فأمرَه النَّبِىُّ ﷺ بالاقْتِصارِ على ثُلثِه، [كما أمرَ سعدًا حين أرادَ الوَصِيَّةَ بِجَميعِ مالِه، بالاقْتِصارِ على الوَصِيَّةِ بثُلثِه] (٧)، وليس هذا مَحَلَّ النِّزاعِ،

стр. 7319

إنَّما النِّزاعُ فى من نذَرَ الصدقةَ بجميعِه. قُلْنا: عنه جوابان؛ أحدُهما، أَنَّ قوله: "يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ". دليلٌ على أنَّه أتى بلفظٍ يقْتَضِى الإيجابَ؛ لأنَّها إنَّما تُسْتعمَل غالبًا فى الواجباتِ، ولو كان مُخيَّرًا بإرادَةِ الصدقةِ، لَما لَزِمه شىءٌ يُجْزِئُ عنه بعضُه. الثانى، أَنَّ مَنْعَه من الصدقةِ بزيادةٍ على الثُّلثِ، دليلٌ على أنَّه ليس بقُرْبةٍ؛ [لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لا يَمْنَعُ أصحابَه من القُرَبِ، ونَذْرُ ما ليس بقُرْبةٍ] (٨) لا يَلْزَمُ (٩) الوفاءُ به. وما قالَه أبو حنيفةَ، فقد سَبَقَ الكلامُ عليه. وما قالَه رَبِيعةُ، لا يصِحُّ؛ فإِنَّ (١٠) هذا ليس بزكاةٍ، ولا فى معناها، فإِنَّ الصَّدقةَ وجَبتْ لإِغْناءِ الفُقَراءِ ومُواساتِهم، وهذه صدقةٌ تَبَرَّعَ بها صاحبُها تقرُّبًا إلى اللَّهِ تعالى، ثم إِنَّ المَحْمولَ على مَعْهودِ الشَّرْعِ المُطْلَقُ، وهذه صدقةٌ مُعَيَّنةٌ غيرُ مُطْلَقةٍ، ثم تبْطلُ بما لو نَذَرَ صيامًا، فإنَّه لا يُحْمَلُ على صومِ رمضان، وكذلك الصلاةُ. وما ذكرَه جابرُ بنُ زيدٍ، تَحَكُّمٌ بغيرِ دَليلٍ. فصل: وإذا نذرَ الصدقةَ بمُعَيَّنٍ من مالِه، أو بمُقَدَّرٍ، كألْفٍ، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يجوزُ ثُلثُه؛ لأنَّه (١١) مالٌ نَذَرَ الصدقةَ به، فأجْزَأَه ثُلثُه، كجميعِ المالِ. والصَّحِيحُ فى المذهبِ لُزومُ الصدقةِ بجَمِيعِه؛ لأنَّه مَنْذورٌ، وهو (١٢) قُرْبةٌ، فيَلْزَمُه (١٣) الوفاءُ به، كسائرِ المنْذُوراتِ، ولِعمومِ قولِه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (١٤). وإنَّما خُولِفَ هذا فى جميعِ المالِ؛ للأثَرِ فيه، ولما فى الصدقةِ بجميعِ المالِ من الضَّررِ اللَّاحقِ به، اللَّهُمَّ إِلَّا أن يكونَ المَنْذورُ [ههُنا يسْتَغْرِق جميعَ المالِ، فيكونَ كَنذْرِ ذلك. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان المَنْذُورُ] (١٥) ثُلثَ المالِ فما دونَ، لَزِمَه وفاءُ نَذْرِه، وإن زادَ على الثُّلُثِ، لَزِمَه (١٦) الصدقةُ بقَدْرِ الثُّلثِ

стр. 7320

منه؛ لأنَّه حُكْمٌ يُعْتَبَرُ فيه الثُّلثُ، فأشْبَهَ الوَصِيَّةَ به. فصل: وإذا نَذَرَ الصدقةَ بقَدْرٍ من المالِ، فأبْرَأَ غرِيمَه من قَدْرِه، يَقْصِد به وفاءَ النَّذْرِ، لم يُجزِئْه، وإِنْ كان الغَرِيمُ من أهلِ الصدقةِ. قال أحمدُ: لا يُجْزِئُه حتى يقْبِضَه. وذلك لأنَّ الصدقةَ تقْتَضِى التَّمْلِيكَ، وهذا إسْقاطٌ، فلم يُجْزِئْه، كما فى الزَّكاةِ. وقال أحمدُ، فى مَن نَذَرَ أن يتصدَّقَ بمالٍ، وفى نفسِه أنَّه ألْفٌ: أجْزأَه أَنْ يُخْرِجَ ما شاءَ. وذلك لأنَّ اسمَ المالِ يقَعُ على القليلِ، وما نَواه زيادةٌ على ما تَناوَله الاسمُ، والنَّذْرُ لا يَلْزَمُ بالنيةِ. والقياسُ أن يَلْزَمَه ما نَواهُ؛ لأنَّه نَوَى بِكلامِه ما يَحْتَمِلُه، فتعَلَّقَ الحُكْمُ به، كاليَمِينِ. وقد نَصَّ أحمدُ، فى مَن نَوى صَوْمًا أو صلاةً، وفى نفسِه أكثرُ ممَّا يتَناوَلُه لَفْظُه، أنَّه يَلْزَمُه ذلك، وهذا كذلك. واللَّهُ أعلمُ. ١٨٥٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَصُومَ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ، كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمينٍ، وأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) وجُملتُه أَنَّ مَن نَذَرَ طاعةً لا يُطِيقها، أو كان قادرًا عليها، فعجَزَ عنها، فعليه كفَّارةُ يَمِينٍ؛ لِما رَوى عُقبةُ بنُ عامرٍ، قال: نَذَرتْ أخْتى أَنْ تَمْشِىَ إلى بيتِ اللَّه حافِية، فأمَرتْنِى أَنْ أسْتَفْتِىَ لها رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فاسْتفتَيْتُه، فقال: "لتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ". مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأبى داودَ: "ولْتُكَفِّرْ (٢) يَمِينَهَا". وللتِّرمِذِىِّ: "وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ". وعن عائشةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" (٣). قال: "وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". روَاه أبو داودَ (٤)، وقال: وَقَفَهُ مَن روَاه عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٥). وقال ابنُ عباس: مَن نَذَرَ نذرًا لم يُسمِّه، فكفَّارتُه كفَّارةُ يَمِينٍ،
следующие страницы →