← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

لفعلِ ما نَذَرَهُ، فلم يُوجِبْ كفَّارةً، كَنذْرِ المُسْتحيلِ. ولَنا، ما تقدَّم فى القِسْمِ الذى قبلَه. فأمَّا حديثُ التى نذْرتِ المَشْىَ، فقد أمرَ فيه بالكفَّارةِ فى حديثٍ آخَرَ، فرَوَى (٤٠) عُقْبةُ بنُ عامرٍ، أَنَّ أُختَه نذَرتْ أَنْ تَمْشِىَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ، فسُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، فقال: "مُرُوهَا فَلْتَركَبْ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينهَا". صحيحٌ، أخْرجَهُ أبو داوُدَ. وهذه زِيادة يجبُ الأخْذُ بها، ويجوزُ أن يكونَ الرَّاوِى للحديثِ رَوَى البعضَ وتركَ البعضَ، أو يكونَ النَّبِىُّ ﷺ تركَ ذِكرَ الكفَّارةِ فى بعض الحديثِ، إحالةً على ما عُلِمَ من حديثه فى مَوْضِعٍ آخرَ. ومن هذا القِسْم إذا نَذَرَ فعلَ مَكْروهٍ، كطلاقِ امرأتِه، فإنَّه مَكْرُوهٌ، بِدليلِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "أبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ" (٤١). فالمُسْتحَبُّ أَنْ لا يَفِىَ، ويُكفِّرَ، فإن وَفَى بِنذْرِه، فلا كفَّارةَ عليه، والخلافُ فيه كالذى قَبلَه. القسم السادس، نَذْرُ الواجب، كالصلاةِ المكْتوبَةِ، فقال أصْحابُنا: لا ينْعَقِدُ نَذْرُه. وهو قولُ أصحابِ الشَّافعى؛ لأَنَّ النَّذْرَ الْتِزامٌ، ولا يصِحُّ الْتِزامُ ما هو لازِم له. ويَحْتَمِلُ أَنْ ينْعَقِدَ نَذْرُه مُوجبًا كفَّارةَ يَمِينٍ إِنْ تركَه، كما لو حلَف على فِعْلِه؛ فإِنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، وقد سَمَّاه النَّبِىُّ ﷺ يَمِينًا (٤٢). وكذلك لو نَذَرَ مَعْصِيَةً أو مُباحًا، لم يَلْزَمْه، ويُكفِّرُ إذا لم يفْعَلْهُ. القسم السابع، نَذْرُ المُستَحيلِ، كصومِ أمسِ، فهذا لا ينْعَقِدُ، ولا يُوجِبُ شيئًا؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ انْعِقادُه، ولا الوَفاءُ به، ولو حلَف على فِعْلِه لم تَلْزَمْه كفَّارةٌ، فالنَّذْرُ أوْلَى، وعَقْدُ البابِ فى صحيحِ المذْهبِ، أَنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ومُوجَبُه مُوجَبُها، إِلَّا فى لُزومِ الوفاءِ به،

стр. 7317

إذا كان قُرْبةً وَأمْكنَهُ فِعْلُه، ودليلُ هذا الأصلِ قولُ النَّبِىِّ ﷺ لأُختِ عُقبةَ، لمّا نذَرتِ المَشْىَ فلم تُطِقْهُ: "وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا". وفى رِوايةٍ: "فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ". قال أحمدُ: إليه أذْهبُ. وعن عُقْبةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "كَفَّارَةُ النَّذْر كَفَّارَةُ اليَمِينِ". أخرجَه مسلمٌ. وقولُ ابنِ عبَّاسٍ لِلَّتِى (٤٣) نذرَتْ ذَبْحَ وَلَدِها (٤٤): كفِّرِى يَمِينَكِ. ولأنَّه قد (٤٥) ثَبَتَ أَنَّ حُكمَه حكمُ اليَمِينِ فى أحَدِ أقسْامِه وهو نَذْرُ اللَّجاجِ، فكذلك سائرُه، فى سِوَى ما اسْتثناهُ الشَّرعُ. فصل: وإِنْ نذرَ فعلَ طاعةٍ، وما ليس بطاعةٍ، لَزِمَه فِعلُ الطَاعةِ، كما (٤٦) فى خبرِ أبى إسْرائيلَ؛ فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَهُ بإتْمامِ الصَّومِ، وترْكِ ما سِواهُ، لِكَوْنِه ليس بطاعةٍ. وفى وُجوبِ الكفَّارةِ لِمَا تَرَكه الاخْتلافُ الذى ذكَرْناه. وقد رَوى عُقْبةُ بنُ عامرٍ. قال: نَذَرتْ أخْتى أن تَمْشِىَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرام حافِيَةً غيرَ مُخْتَمِرةٍ، فذَكَرَ ذلك عُقْبَةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: "مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ، وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُم ثَلَاثَةَ أيَّامٍ". رواه الجُوزجَانِىُّ، والتِّرْمذِىُّ. فإن كان المتْروكُ خِصالًا كثيرةً، أجْزأَتْه كفَّارةٌ واحدةٌ؛ لأنَّه نذْرٌ واحدٌ، فتكونُ كفَّارتُه واحدةً، كاليمينِ الواحدةِ على أفْعالٍ، ولهذا لم يأْمُرِ النَّبِىُّ ﷺ أُختَ عُقْبةَ بنِ عامرٍ فى تَرْكِ التَّحَفِّى والاخْتِمارِ، بأكثرَ من كفَّارةٍ. ١٨٥٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، أَجْزَأَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثلُثِهِ، كَمَا رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِى لُبابَةَ، حِينَ قَالَ: إِنَّ مِنْ توبتِى يَا رَسُولَ اللَّه أَنْ أنْخلِعَ مِنْ مَالِى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُجْزِئُك الثُّلُثُ ") وجملةُ ذلك أَنَّ مَن نَذَرَ أن يتصدَّقَ بمالِه كلِّه، أجْزأه ثُلثُه. وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالك. ورَوَى الحسينُ بنُ إسحاقَ الْخِرَقِىُّ (١)، عن أحمدَ، قال: سألتُه عن رجلٍ قال: جميعُ ما أملِك فى المساكينِ صَدَقةٌ. قال: كفَّارتُه (١) كفَّارةُ اليَمِين. قال: وسُئل عن رجلٍ

стр. 7318

قال: ما يَرِثُ عن فُلانٍ (٢)، فهو لِلمساكينِ. فذكروا أنَّه قال: يُطْعِمُ عشَرةَ مَساكينَ. وقال رَبِيعةُ: يتصَدَّقُ منه بقَدْرِ الزَّكاةِ؛ لأنَّ المطْلَقَ مَحمولٌ على مَعْهودِ الشَّرْعِ، ولا يجِبُ فى الشَّرْعِ إِلَّا قَدْرُ الزَّكاةِ. وعن جابرِ بنِ زيدٍ، قال: إِنْ كان كثيرًا، وهو ألْفانِ، تصَدَّقَ بِعشرةٍ، وإن كان مُتَوسِّطًا وهو ألفٌ، تصَدَّقَ بسبعةٍ، وإن كان قليلًا، وهو خَمْسُمائةٍ، تصَدَّقَ بخَمسةٍ. وقال أبو حنيفةَ: يتصَدَّقُ بالمالِ الزَّكَوىِّ كلِّه. وعنه فى غيرِه رِوايَتان؛ إحداهما، يتصَدَّقُ به. والثانية، لا يَلْزَمه منه شىءٌ. وقال النَّخَعِىُّ، والْبَتِّىُّ، والشافعىُّ: يتصَدَّقُ بمالِه كلِّه، لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أن يُطِيعَ اللَّه فَلْيُطِعْهُ" (٣). ولأنَّه نَذْرُ طاعةٍ، فلَزِمَه (٤) الوفاءُ به، كنذْرِ الصلاةِ والصيامِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ لأبى لُبَابةَ، حين قال: إِنَّ مِن تَوبتِى أَنْ أنخلِعَ بن مالِى صَدَقةً إلى اللَّهِ وإلى رسولِه. فقال: "يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ" (٥). وعن كعبِ بنِ مالكٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، إِنَّ مِن تَوْبَتِى أَنْ أنْخلِعَ من مالى صَدَقةً إلى اللَّهِ وإلى رسولِه. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). ولأَبى داودَ: "يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ". فإنْ قالوا: هذا ليس بنَذْرٍ، وإنَّما أرادَ الصدقةَ بجَمِيعِه، فأمرَه النَّبِىُّ ﷺ بالاقْتِصارِ على ثُلثِه، [كما أمرَ سعدًا حين أرادَ الوَصِيَّةَ بِجَميعِ مالِه، بالاقْتِصارِ على الوَصِيَّةِ بثُلثِه] (٧)، وليس هذا مَحَلَّ النِّزاعِ،

стр. 7319

إنَّما النِّزاعُ فى من نذَرَ الصدقةَ بجميعِه. قُلْنا: عنه جوابان؛ أحدُهما، أَنَّ قوله: "يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ". دليلٌ على أنَّه أتى بلفظٍ يقْتَضِى الإيجابَ؛ لأنَّها إنَّما تُسْتعمَل غالبًا فى الواجباتِ، ولو كان مُخيَّرًا بإرادَةِ الصدقةِ، لَما لَزِمه شىءٌ يُجْزِئُ عنه بعضُه. الثانى، أَنَّ مَنْعَه من الصدقةِ بزيادةٍ على الثُّلثِ، دليلٌ على أنَّه ليس بقُرْبةٍ؛ [لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لا يَمْنَعُ أصحابَه من القُرَبِ، ونَذْرُ ما ليس بقُرْبةٍ] (٨) لا يَلْزَمُ (٩) الوفاءُ به. وما قالَه أبو حنيفةَ، فقد سَبَقَ الكلامُ عليه. وما قالَه رَبِيعةُ، لا يصِحُّ؛ فإِنَّ (١٠) هذا ليس بزكاةٍ، ولا فى معناها، فإِنَّ الصَّدقةَ وجَبتْ لإِغْناءِ الفُقَراءِ ومُواساتِهم، وهذه صدقةٌ تَبَرَّعَ بها صاحبُها تقرُّبًا إلى اللَّهِ تعالى، ثم إِنَّ المَحْمولَ على مَعْهودِ الشَّرْعِ المُطْلَقُ، وهذه صدقةٌ مُعَيَّنةٌ غيرُ مُطْلَقةٍ، ثم تبْطلُ بما لو نَذَرَ صيامًا، فإنَّه لا يُحْمَلُ على صومِ رمضان، وكذلك الصلاةُ. وما ذكرَه جابرُ بنُ زيدٍ، تَحَكُّمٌ بغيرِ دَليلٍ. فصل: وإذا نذرَ الصدقةَ بمُعَيَّنٍ من مالِه، أو بمُقَدَّرٍ، كألْفٍ، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يجوزُ ثُلثُه؛ لأنَّه (١١) مالٌ نَذَرَ الصدقةَ به، فأجْزَأَه ثُلثُه، كجميعِ المالِ. والصَّحِيحُ فى المذهبِ لُزومُ الصدقةِ بجَمِيعِه؛ لأنَّه مَنْذورٌ، وهو (١٢) قُرْبةٌ، فيَلْزَمُه (١٣) الوفاءُ به، كسائرِ المنْذُوراتِ، ولِعمومِ قولِه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (١٤). وإنَّما خُولِفَ هذا فى جميعِ المالِ؛ للأثَرِ فيه، ولما فى الصدقةِ بجميعِ المالِ من الضَّررِ اللَّاحقِ به، اللَّهُمَّ إِلَّا أن يكونَ المَنْذورُ [ههُنا يسْتَغْرِق جميعَ المالِ، فيكونَ كَنذْرِ ذلك. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان المَنْذُورُ] (١٥) ثُلثَ المالِ فما دونَ، لَزِمَه وفاءُ نَذْرِه، وإن زادَ على الثُّلُثِ، لَزِمَه (١٦) الصدقةُ بقَدْرِ الثُّلثِ

стр. 7320

منه؛ لأنَّه حُكْمٌ يُعْتَبَرُ فيه الثُّلثُ، فأشْبَهَ الوَصِيَّةَ به. فصل: وإذا نَذَرَ الصدقةَ بقَدْرٍ من المالِ، فأبْرَأَ غرِيمَه من قَدْرِه، يَقْصِد به وفاءَ النَّذْرِ، لم يُجزِئْه، وإِنْ كان الغَرِيمُ من أهلِ الصدقةِ. قال أحمدُ: لا يُجْزِئُه حتى يقْبِضَه. وذلك لأنَّ الصدقةَ تقْتَضِى التَّمْلِيكَ، وهذا إسْقاطٌ، فلم يُجْزِئْه، كما فى الزَّكاةِ. وقال أحمدُ، فى مَن نَذَرَ أن يتصدَّقَ بمالٍ، وفى نفسِه أنَّه ألْفٌ: أجْزأَه أَنْ يُخْرِجَ ما شاءَ. وذلك لأنَّ اسمَ المالِ يقَعُ على القليلِ، وما نَواه زيادةٌ على ما تَناوَله الاسمُ، والنَّذْرُ لا يَلْزَمُ بالنيةِ. والقياسُ أن يَلْزَمَه ما نَواهُ؛ لأنَّه نَوَى بِكلامِه ما يَحْتَمِلُه، فتعَلَّقَ الحُكْمُ به، كاليَمِينِ. وقد نَصَّ أحمدُ، فى مَن نَوى صَوْمًا أو صلاةً، وفى نفسِه أكثرُ ممَّا يتَناوَلُه لَفْظُه، أنَّه يَلْزَمُه ذلك، وهذا كذلك. واللَّهُ أعلمُ. ١٨٥٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَصُومَ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ، كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمينٍ، وأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) وجُملتُه أَنَّ مَن نَذَرَ طاعةً لا يُطِيقها، أو كان قادرًا عليها، فعجَزَ عنها، فعليه كفَّارةُ يَمِينٍ؛ لِما رَوى عُقبةُ بنُ عامرٍ، قال: نَذَرتْ أخْتى أَنْ تَمْشِىَ إلى بيتِ اللَّه حافِية، فأمَرتْنِى أَنْ أسْتَفْتِىَ لها رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فاسْتفتَيْتُه، فقال: "لتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ". مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأبى داودَ: "ولْتُكَفِّرْ (٢) يَمِينَهَا". وللتِّرمِذِىِّ: "وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ". وعن عائشةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" (٣). قال: "وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". روَاه أبو داودَ (٤)، وقال: وَقَفَهُ مَن روَاه عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٥). وقال ابنُ عباس: مَن نَذَرَ نذرًا لم يُسمِّه، فكفَّارتُه كفَّارةُ يَمِينٍ،

стр. 7321

ومَن نَذَرَ نَذْرًا فى مَعْصِيَةٍ، فكفارتُه كفَّارةُ يَمِينٍ، ومَن نَذَرَ نَذْرًا لا يُطيقُه، فكفَّارتُه كفارةُ يَمِينٍ، ومَن نَذَرَ نذرًا يُطيقُه، فَلْيَفِ (٦) اللَّهَ بما نَذَرَ. فإذا كفَّرَ، وكان المَنْذورُ غيرَ الصيامِ، لم يَلْزَمْه شىءٌ آخَرُ. وإن كان صِيامًا. فعن أحمدَ رِوَايَتانِ؛ إحداهما، يَلْزَمُه لكلِّ يومٍ إطْعامُ مِسكينٍ. قال القاضى: وهذه أصَحُّ؛ لأنَّه صومٌ وُجِدَ سببُ إيجابِه عَيْنًا، فإذا عجَز عنه، لَزِمَه أَنْ يُطْعِمَ عن كلِّ يومٍ مِسْكينًا، كصيامِ رمضانَ، ولأنَّ المُطْلَقَ من كلامِ الآدَمِيِّين يُحْمَلُ على المعْهودِ شَرْعًا، ولو عَجز عن الصومِ المَشْروعِ، أطْعَم عن كلِّ يومٍ مِسكينًا (٧)، وكذلك (٨) إذا عجَز عن الصومِ المَنْذورِ. والثانية، لا يَلْزَمُه شىءٌ آخَرُ من الطَّعامِ (٩) ولا غيرِه؛ لقولِه ﵇: " وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطيقُهُ، فَكَفَارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". وهذا يَقْتَضِى أن تكونَ كفارةُ (٧) اليَمِينِ جميعَ كفَّارتِه، ولأنَّه نَذْرٌ عجَز عن الوفاءِ به، فكان الواجبُ فيه كفَّارةَ يَمِينٍ، كسائرِ النُّذُورِ، ولأنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ مُوجبُ اليَمِينِ، إلا مع إمكانِ الوفاءِ به إذا كان قُرْبةً، ولا يصِح قياسُه على صَوْمِ رمضانَ؛ لوَجْهَين؛ أحدهما، أَنَّ رمضانَ يُطْعَمُ عنه عندَ العَجْزِ بالموتِ، فكذلك فى الحياةِ، وهذا بخِلافِه، ولأنَّ صومَ رمضانَ آكَدُ؛ بدليلِ وُجوبِ الكفَّارةِ بالجِماعِ فيه، وعِظَمِ إثمِ منْ أفْطَرَ بغيرِ عُذْرٍ. والثانى، أَنَّ قياسَ المَنْذور على المنْذورِ، أَوْلَى من قياسِه على المفْرُوضِ بأصلِ الشَّرْعِ، ولأن هذا قد وجَبتْ فيه كفَّارةٌ، فأجْزَأتْ عنه، بخلافِ المشْروعِ. وقولُهم: إنَّ المُطْلَقَ من كلامِ الآدَمِيِّينَ (١٠) محمولٌ على المعْهودِ فى الشَّرْعِ. قُلْنا: ليس هذا بمُطْلَقٍ، وإنَّما هو مَنْذورٌ مُعَيَّنٌ، ويَتَخَرَّجُ أن لا تَلْزَمَه كفارةٌ فى العَجزِ عنه، كما [لو عَجَزَ عن] (١١) الواجِبِ بأصلِ الشَّرْعِ. فصل: وإِنْ عَجَزَ لِعَارِضٍ يُرجَى زَوالُه، من مَرَضٍ، أو نحوِه، انْتظَرَ زَوالَه، ولا تَلْزَمُه

стр. 7322

كفَّارةٌ ولا غيرُها؛ لأنَّه لم يَفُتِ الوقتُ، فيُشْبِهُ (١٢) المريضَ فى شهرِ رمضانَ، فإن اسْتمَرَّ عَجْزُه إلى أن صارَ غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، صارَ إلى الكفَّارةِ والفِدْيَة، على ما ذكرْنا من الخلافِ فيه. فإنْ كان العجزُ المَرْجُوُّ الزَّوالِ عن صومٍ مُعَيَّنٍ، فاتَ وَقْتُه، انْتَظرَ الإِمْكانَ ليَقْضِيَه. وهل تَلْزَمُه لفَواتِ الوقتِ كفارةٌ؟ على رِوَايتيْنِ، ذكرهما أبو الخَطَّابِ؛ إحداهما، تجبُ الكفَّارةُ؛ لأنَّه أخلَّ بِما نَذَرَه على وَجْهِه، فلَزِمَتْه الكفَّارةُ، كما لو نَذَرَ المَشْىَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرام فعجَز، ولِأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ولو حلَف لَيَصُومَنَّ هذا الشهرَ، فأفْطرَه (١٣) لعُذْرٍ. لَزِمَتْه كفَّارةٌ، كذا ههُنا. والثانية، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّه أتى بصيامٍ أجْزأَه عن نَذْرِه من غيرِ تَفْرِيطٍ منه (١٤)، فلم تَلْزَمْه كفَّارةُ يَمينٍ (١٤)، كما لو صامَ ما عَيَّنَهُ. فصل: وإِنْ نَذَرَ غيرَ الصيامِ، فعجَز عنه، كالصلاةِ ونحوِها، فليس عليه إِلَّا الكفَّارةُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يجْعَلْ لذلك بَدَلًا يُصار إليه، فوَجَبتِ الكفَّارةُ؛ لمُخالَفتِه نَذْرَه فقط. وإن عجَز عنه لِعارضٍ، فحُكْمُه حكمُ الصِّيامِ، سواءً فيما فصَّلناهُ. ١٨٥٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا نذَرَ صِيَامًا، وَلَمْ يَذكُرْ عَددًا، وَلَمْ يَنْوِهِ، فَأَقَلُّ ذَلِك صِيَامُ يَوْمٍ، وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ) أمَّا إذا نَذَرَ صِيامًا مُطْلَقًا، فأقلُّ ذلك (١) صِيامُ يومٍ، لا خلافَ فيه؛ لأنَّه ليس فى الشرعِ صومٌ مُفْرَدٌ أقلَّ من يومٍ، فيَلْزَمُه (٢)؛ لأنَّه اليقينُ، وأمَّا الصلاةُ، ففيها رِوايَتانِ؛ إحداهما، يُجْزِئُه ركعةٌ. نقلَها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ؛ لأنَّ أقلَّ الصلاةِ ركعةٌ، فإِنَّ الوَتْرَ صلاةٌ مشروعةٌ، وهى ركعةٌ واحدةٌ. ورُوِىَ عن عمرَ، ضحِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه تطوَّعَ بركعةٍ واحدةٍ (٣). والثانية، لا يُجْزِئُه إلا ركعتانِ. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ أقلَّ صلاةٍ وجَبتْ

стр. 7323

بالشرعِ ركعتانِ، فوَجبَ حَمْلُ النَّذْرِ عليه، وأمَّا الوَتْرُ، فهو نَفْلٌ، والنَّذْرُ فرضٌ، فحَمْلُه على المفْرُوض أوْلَى، ولأنَّ الرَكْعةَ لا تُجزِئُ فى الفَرْضِ، فلا تُجْزِئُ فى النَّذْرِ (٤)، كالسَّجْدةِ. وللشافعىِّ قَوْلانِ، كالرِّوايتيْنِ. فأمَّا إِنْ عَيَّنَ بنَذْرِه عددًا، لَزِمَه، قلَّ أو كَثُرَ؛ لأنَّ النَّذْرَ ثابِتٌ بقولِه، فكذلك عددُه، فإنْ نَوَى عددًا، فهو كما لو سمَّاهُ؛ لأنَّه نَوى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، فلَزِمَه حُكمُه، كاليَمِينِ. ١٨٥٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا نذَرَ الْمَشْىَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ، لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ يَمْشِىَ فِى حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، وإِنْ عَجَزَ عَنِ المَشْى، رَكِبَ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) وجملتُه أَنَّ مَن نَذَرَ المشْىَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ، لَزِمَه الوفاءُ بنَذْرِه. وبهذا قالَ مالِكٌ، والأوزَاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ المَسْجدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِى هَذا، وَالمَسْجدِ الأَقْصَى" (١). ولا يُجْزِئُه المشىُ إِلَّا فى حَجٍّ أو عُمرةٍ. وبه يقولُ الشَّافعىُّ. ولا أعَلمُ فيه خلافًا؛ وذلك لأنَّ المشْىَ المَعْهودَ فى الشرعِ، هو المشْىُ فى حَجٍّ أو عُمْرةٍ، فإذا أطْلَقَ النَّاذرُ، حُمِلَ على المعْهودِ الشَّرْعىِّ، ويَلْزَمُه المشْىُ فيه؛ لِنَذْرِه المَشْىَ (٢)، فإنْ عجَز عن المَشْىِ، ركِبَ، وعليه كفَّارةُ يَمِينٍ. وعن أحمدَ، روايةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُه دَمٌ. وهو قولُ الشافعىِّ (٣). وأفتَى به عَطاءٌ؛ لِما رَوى ابنُ عبَّاسٍ، أَنَّ أُخت عُقْبةَ بنِ عامرٍ نذَرَتِ المشْىَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ، فأمرَها النَّبِىُّ ﷺ أَنْ ترْكبَ، وتُهْدِىَ هَدْيًا. رواه أبو داوُدَ (٤)، وفيه ضَعْفٌ. ولأنَّه أحلَّ بواجبٍ فى الإحْرامِ، فلَزِمَه هَدْىٌ، كتاركِ الإِحْرامِ من المِيقاتِ. وعن ابنِ عمرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، قالا: يَحُجُّ مِن قابلَ، ويركبُ ما مشَى ويَمْشِى ما ركِبَ (٥). ونحوَه قال ابنُ عباسٍ (٥)، وزادَ فقال: ويُهْدِى. وعن الحسن مثلُ الأقوالِ

стр. 7324

الثلاثةِ، وعن النَّخَعىِّ رِوايَتان؛ إحداهما، كقولِ ابنِ عمرَ. والثانية، كقولِ ابنِ عبَّاسٍ. وهذا قولُ مالكٍ. وقال أبو حنيفةَ: عليه هَدْىٌ، سَواء عجز عن المشْى أو قدَر عليه، وأقلُّ الهَدْى شاةٌ. وقال الشافعىُّ: لا يَلْزَمُه مع العَجْزِ كفَّارةٌ بحالٍ، إِلَّا أن يكونَ النَّذْرُ مَشْيًا إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ (٦)، فهل يَلْزَمُه هَدْىٌ؟ فيه قوْلانِ، وأمَّا غيرُه، فلا يَلْزَمُه مع العَجْزِ شىءٌ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ ، [حين قال] (٧) لأُختِ عُقْبةَ بن عامرٍ، لَمَّا نَذَرتِ المشْىَ إلى بيتِ اللَّه: "لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا" (٨). وفى روايةٍ: "وَلْتَصُمْ (٩) ثَلَاثَةَ أيَّامٍ". وقولُ النبىِّ ﷺ : "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ" (١٠). ولأنَّ المشْىَ ممَّا لا يُوجِبُه الإِحْرامُ، فلم يجبِ الدَّمُ بتَرْكِه، كما لو نَذَرَ صلاةَ ركعتيْن، فتَركَهما، وحديثُ الهَدْى ضعيفٌ، وهذا حجة على الشافعىِّ، حيثُ أوْجبَ الكفَّارةَ عليها [من غيرِ ذكرِ] (١١) العَجْزِ. فإن قيلَ: فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ أوْجبَ الكفارَة عليها من غيرِ ذِكْرِ العَجْزِ. قُلْنا: يتَعيَّنُ حَمْلُه على حالةِ العَجْزِ؛ لأنَّ المشْىَ قُربة؛ لأنَّه مَشْى إلى عبادةٍ، والمشىُ إلى العبادةِ أفضلُ، ولهذا رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمْ يركبْ فى عِيدٍ ولا جَنازةٍ (١٢). فلو كانتْ قادرةً على المشْىِ، لأمرَها به. ولم يأمُرْها بالرُّكوبِ والتَّكْفيرِ، ولأنَّ المشْىَ المقْدورَ عليه لا يخْلُو مِن أن يكونَ واجبًا أو مُباحًا؛ فإنْ كان واجبًا، لَزِمَ الوفاءُ به، وإن كان مُباحًا، لم تجِب الكفَّارة بتَرْكِه عندَ الشافعىِّ، وقد أوْجبَ الكفَّارةَ ههُنا. وتَرْكُ ذِكْرِه فى الحديثِ؛ إمَّا لِعلمِ النَّبِىِّ ﷺ بحالِها وعَجْزِها، وإمَّا لأنَّ الظَّاهرَ من حالِ المرأةِ العَجْزُ عنِ المشْى إلى مَكَّةَ. أو يكونُ قد ذُكرَ فى الخَبرِ، فتَرَكَ الرَّاوِى ذِكْرَه. وقولُ أصحابِ أبى حنيفةَ: إنَّه أخلَّ بواجبٍ فى الحَجِّ. قُلْنا: المشْىُ لم يُوجِبْه الإحْرامُ، ولا هو من مَناسِكِه، فلم يجِبْ بتَرْكِه هدْىٌ، كما لو نَذرَ صلاةَ ركعتيْن فى الحجِّ، فلم يُصَلِّهما. فأمَّا إِنْ تركَ المشْىَ مع إمْكانِه،

стр. 7325

فقد أساءَ، وعليه كفَّارةٌ أيضًا، لتَرْكِه صِفَةَ النَّذْرِ. وقياسُ المذهبِ أَنْ يَلْزَمَه اسْتِئْنافُ الحجِّ ماشيًا، لتَرْكِه صفةَ المنْذُورِ، كما لو نَذَرَ صومًا مُتتابِعًا فأتَى به مُتَفرِّقًا. وإن عجَز عن المشْى بعدَ الحجِّ، كفَّر، وأجْزَأَه. وإن مشَى بعضَ الطَّريقِ، وركِب بعضًا، فعلى هذا القياسِ، يَحْتَمِلُ أن يكونَ كقولِ ابنِ عمرَ، وهو أن يَحُجَّ فيَمْشِىَ ما ركِبَ، ويَرْكبَ ما مَشَى. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه إِلَّا حجٌّ يَمْشِى فى (١٣) جميعِه؛ لأنَّ ظاهرَ النَّذْرِ يقْتَضِى هذا. ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أَنَّه لا يَلْزَمُه بتَرْكِ المشْى المَقْدورِ عليه أكثرُ من كفَّارةٍ؛ لأنَّ المشْىَ [غيرُ مقصودٍ] (١٤) فى الحجِّ، ولا وردَ الشَّرْعُ باعْتبارِه فى مَوْضع، فلم يَلْزَمْ بتَرْكِه أكثرُ من كفَّارةٍ، كما لو نذَرَ التَحَفِّىَ وشِبْهَه، وفارَقَ التَّتابُع فى الصيامِ؛ فإنَّها صِفَةٌ مَقْصودةٌ فيه، اعْتبرَها الشَّرْعُ فى صيامِ الكفَّاراتِ، كفارةِ الظِّهارِ والجِماعِ واليَمِينِ. فصل: فإنْ نَذَرَ الحجَّ راكبًا، لَزِمَه الحجُّ كذلك؛ لأنَّ فيه إنْفاقًا فى الحجِّ، فإنْ تركَ الرُّكوبَ، فعليه كفَّارة. وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَلْزَمُه دَمٌ؛ لترفُّهِه بتَرْكِ الإِنْفاقِ. وقد تَبَيَّنَّا أَنَّ الواجبَ بتَرْكِ النَّذْرِ الكفَّارةُ دونَ الهَدْى، إلا أَنَّ هذا إذا مشَى ولم يركبْ مع إمْكانهِ، لم يَلْزَمْه أكثُر من كفَّارةٍ؛ لأنَّ الرُّكُوبَ فى نفسِه ليس بطاعةٍ ولا قُرْبَةٍ. كل مُوْضِعٍ نَذَرَ المشْىَ فيه أو الركوبَ، فإنَّه يَلْزَمُه الإتْيانُ بذلك من دُوَيْرَة أهْلِهِ، إِلَّا أَنْ ينْوِىَ مَوْضِعًا بعَيْنِه، فيَلْزَمَه مِن ذلك الموْضعِ؛ لأنَّ النَّذْرَ محمولٌ على أصْلِه فى الفَرْضِ، والحجُّ المفروضُ بأصلِ الشَّرْعِ يجِبُ كذلك. ويُحْرِمُ للمَنْذُورِ من حيث يُحْرِم للواجبِ. قال بعضُ الشافعيَّة: يجبُ الإِحْرامُ به (١٣) من دُويْرَةِ أهلِه؛ لأنَّ إتْمامَ الحجِّ كذلك. ولَنا، أَنَّ المُطْلَقَ محمولٌ على المعْهودِ فى الشَّرْعِ، والإِحْرامُ الواجبُ إنَّما هو من المِيقاتِ، ويَلْزَمُه المَنْذورُ من المشْىِ أو الركوبِ فى الحجِّ أو العُمْرةِ (١٥) إلى أن يتحلَّلَ؛ لأنَّ ذلك انْقضاءُ الحجِّ والعمرةِ. قال أحمدُ: يرْكَبُ فى الحجِّ إذا رمَى، وفى العُمْرةِ إذا سَعَى؛ لأنَّه لو وَطِئَ بعدَ ذلك، لم يُفْسِدْ حَجًّا ولا عُمْرةً. وهذا يدُلُّ على أَنَّه إنَّما يَلزَمُه فى الحجِّ إلى (١٣) التَّحَلُّلِ الأوَّلِ.

стр. 7326

فصل: وإذا نذرَ المَشْىَ إلى بيتِ اللَّهِ، أو الرُّكُوبَ إليه، ولم يُرِدْ بذلك حقيقةَ المشْىِ والرُّكوبِ، إنَّما أرادَ إتْيانَه، لَزِمَه إتْيانُه فى حجٍّ أو عُمْرةٍ، ولم يتَعيَّنْ عليه مَشْىٌ ولا رُكوبٌ؛ لأنَّه عَنَى ذلك بنَذْرِه، وهو مُحْتَمِلٌ له، فأشْبَهَ ما لو صرَّح بِه. ولو نَذَرَ أن يأتى بيتَ اللَّهِ الحرامَ، أو يذهبَ إليه، لَزِمَه (١٦) إتْيانُه فى حجٍّ أو عُمْرةٍ. وعن أبى حنيفةَ: لا يَلْزَمُه شىءٌ؛ لأنَّ مُجرَّدَ إتْيانِه ليس بقُرْبةٍ ولا طاعةٍ. وَلَنا، أنَّه علَّق نَذْرَه بوُصولِ البيتِ، فلَزِمَه، كما لو قال: للَّهِ علىَّ المشْىُ إلى الكعبةِ. إذا ثبتَ هذا، فهو مُخَيَّرٌ فى المشْىِ والرُّكوبِ. وكذلك إذا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ البيتَ أو يزُورَه؛ لأنَّ الحجَّ يحْصُل بكلِّ واحدٍ من الأمْرَيْن، فلم يَتَعَيَّنْ أحدُهما، وإن قال: للَّهِ علىَّ أَنْ آتِىَ البيتَ الحرامَ، غيرَ حاجٍّ ولا مُعْتَمرٍ. لَزِمَه الحجُّ والعمْرةُ، وسقطَ شَرْطُه. وهذا أحدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ قولَه: للَّهِ علىَّ أَنْ آتِىَ البيتَ. يقْتَضِى حَجًّا أو عُمْرةً، وشَرْطُ سُقوطِ ذلك يُناقِضُ نَذْرَه، فسقَطَ حُكْمُه. فصل: إذا نَذَرَ المشْىَ إلى البلدِ الحرامِ، أو بُقْعةٍ منه، كالصَّفا والمروةِ وأبى قُبَيْسٍ، أو مَوْضعٍ فى الحرمِ، لَزِمَه الحجُّ أو عُمْرةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه إِلَّا أن ينذُرَ المشْىَ إلى الكعبةِ، أو إلى مكةَ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن نَذَرَ المشْىَ إلى الحَرمِ، أو إلى المسجدِ الحرامِ كقولِنا، وفى باقى الصُّوَرِ كقولِ أبى حنيفةَ. ولَنا، أنَّه نَذَرَ المشْىَ إلى موضعٍ من الحرمِ، أشْبَهَ النَّذْرَ إلى مكةَ. فأمَّا إن نذرَ المشىَ إلى غيرِ الحرمِ، كعَرَفَةَ، ومَواقِيتِ الإِحْرامِ، وغيرِ ذلك، لم يَلْزَمْه ذلك، ويكون كنَذْرِ المُباحِ. وكذلك إن نَذَرَ إتْيانَ مسجدٍ سِوَى المساجدِ الثلاثةِ، لم يَلْزَمْه إتْيانُه. وإن نذرَ الصلاةَ فيه، لَزِمَتْه (١٧) الصلاةُ دون المشْى، ففى أىِّ موضِعٍ صلَّى أَجْزَأَه؛ لأنَّ الصلاةَ لا تخُصُّ مكانًا دونَ مكانٍ، فلَزِمَتْه الصلاةُ دونَ المَوْضعِ. ولا نعْلمُ فى هذا خلافًا، إِلَّا عن اللَّيْثِ، فإنَّه قال: لو نَذَرَ صلاةً أو صيامًا بمَوْضع، لَزِمَه فِعْلُه فى ذلك الموضِعِ، ولو (١٨) نذرَ المشىَ إلى مسجدٍ، مشى إليه. قال الطَّحاوِىُّ: لم يُوافِقْه على ذلك أحدٌ من الفُقَهاءِ؛

стр. 7327

وذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِى هَذَا، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى". مُتَّفَقٌ عليه (١٩). ولو لزِمه المشْىُ إلى مسجدٍ بَعِيدٍ لشَدَّ الرَّحْلَ إليه، ولأنَّ العِبادةَ لا تَخْتَصُّ بمكانٍ دونَ مكانٍ، فلا يكونُ فِعْلُها فيما نَذَرَ فِعْلَها فيه قُرْبةً، فلا تَلْزَمُه بنَذْرِهِ، وفارَقَ ما لو نَذَرَ العبادةَ فى يومٍ بعَيْنِه، لَزِمَه فِعْلُها فيه؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى عيَّنَ لعبادتِه زمنًا ووَقتًا مُعَيَّنًا، ولم يُعَيِّنْ لها مكانًا ومَوْضِعًا، والنُّذورُ مَرْدُودةٌ إلى أُصولِها فى الشَّرْعِ، فتَعيَّنَتْ بالزَّمانِ دونَ المكانِ. فصل: وإن نَذَرَ المشْىَ إلى بيتِ اللَّهِ تعالى، ولم يَنْوِ به شيئًا، ولم يُعَيِّنْه، انْصَرفَ إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ؛ لأنَّه المخْصوصُ بالقَصْدِ دونَ غيرِه، وإطْلاقُ بيتِ اللَّهِ ينْصَرِفُ إليه دونَ غيرِه فى العُرفِ، فيَنْصَرِفُ إليه إطْلاقُ النَّذْرِ. فصل: وإن نذرَ المشْىَ إلى مسجدِ النَّبِىِّ ﷺ ، أو المسجدِ الأقْصَى، لَزِمَه ذلك. وبهذا قال مالكٌ، والأوْزاعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذرِ. وهو أحدُ قولَى الشَّافعىِّ، وقال فى الآخَرِ: لا يَبِينُ لى وُجوبُ المشْى إليهما؛ لأنَّ البِرَّ بإتْيانِ بيتِ اللَّهِ فرْضٌ، والبِرَّ بإتيانِ هذين نَفْلٌ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ المسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِى هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى". ولأنَّه أحدُ المساجدِ الثلاثةِ، فيَلْزَم المشْىُ إليه بالنَّذْرِ، كالمسجدِ الحرامِ، ولا يَلْزَمُ ما (٢٠) ذكرَه؛ لأنَّ (٢١) كلَّ قُرْبَة تجب بِالنَّذْرِ، وإِنْ لم يكُنْ لها أصلٌ فى الوُجوبِ، كعِيادةِ المريضِ، وشُهودِ الجنائزِ، ويَلْزَمُه بهذا النَّذْرِ أَنْ يُصَلِّىَ فى الموضِعِ الذى أتاهُ رَكْعَتيْن؛ لأنَّ القَصْدَ بِالنَّذْرِ القُرْبَةُ والطَّاعةُ، وإنَّما تحْصِيلُ ذلك بالصَّلاةِ، فتَضمَّنَ ذلك نذرُه، كما يَلْزَمُ ناذِرَ المشْى إلى بيتِ اللَّه الحرامِ أحدُ النُّسُكَيْن، ونَذْرُ الصلاةِ فى أحدِ المسجديْن كنَذْرِ المشْىِ إليه، كما أَنَّ نذْرَ أحَدِ النُّسُكَيْن فى المسجدِ الحرامِ كنَذْرِ المشْى إليه. وقال أبو حنيفةَ: لا تتَعَيَّنُ عليه الصلاةُ فى موضِعٍ بالنَّذْرِ، سواءٌ كان فى المسجدِ الحرامِ أو غيرِه؛ لأنَّ ما لا أصلَ له فى الشَّرْعِ، لا يجِبُ بالنَّذْرِ، بدليل نَذْرِ الصَّلاةِ فى سائرِ المساجدِ. ولَنا، ما رُوِىَ أَنَّ عمرَ قال: يا رسولَ اللَّهِ،

стр. 7328

إنِّى نَذَرْتُ [فى الجاهِلِيَّةِ] (٢٢) أَنْ أعْتكِفَ ليلةً فى المسجدِ الحرامِ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٣). ولأنَّ الصلاةَ فيها أفضلُ من غيرِها؛ بدليلِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "صَلَاةٌ فِى مَسْجِدِى هَذَا، خَيْر مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجدَ الْحَرَامَ" مُتَّفَقٌ عليه (٢٤). ورُوىَ عنه ﷺ : "صَلَاةٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بِمَائةِ أَلْفِ صَلَاةٍ" (٢٥). وإذا كان فَضِيلةً وقُرْبةً، لَزِمَ بالنَّذْرِ، كما لو نذَرَ طُولَ القِراءةِ. وما ذكرُوه يَبْطُلُ بالعُمْرةِ، فإنَّها تَلْزَم بنَذْرِها، وهى غيرُ واجبةٍ عندَهم. فصل: وإذا نَذَرَ الصَّلاةَ فى المسجدِ الحرامِ، لم تُجْزِئْه الصلاةُ فى غيرِه؛ لأنَّه أفضلُ المساجدِ وخيرُها، وأكثرُها ثوابًا للمُصَلِّى فيها. وإن نَذَرَ الصلاةَ فى المسجدِ الأقْصَى، أجزأَته الصلاةُ فى المسجدِ الحرامِ؛ لِمَا رَوى جابرٌ، أَنَّ رجلًا قامَ يومَ الفتْحِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى نَذَرْتُ إِنْ فتحَ اللَّه عليكَ أَنْ أُصَلِّىَ فى بيتِ المقْدس رَكْعتيْن. قال: "صَلِّ هَهُنَا". ثم أعادَ عليه، فقال: "صَلِّ هَهُنَا". ثم أعادَ عليه، قال: "صَلِّ هَهُنَا". ثم أعاد عليه، فقال: "شَأْنُكَ" روَاه أبو داودَ، وروَاه الإِمامُ أحمدُ، ولفظُه: "وَالَّذِى نفسِى بِيَدِهِ، لَوْ صَلَّيْتَ هَهُنَا لأَجْزَأ عَنْكَ كُلَّ صَلَاةٍ فِى بَيْتِ الْمَقْدِسِ" (٢٦). وإن نَذَرَ إتْيانَ المسجدِ الأَقْصَى، والصَّلاةَ فيه، أجزأَتْه الصلاةُ فيه، وفى مسجدِ المدينةِ؛ لأنَّه أفْضَلُ. وإِنْ نذرَ ذلك فى مسجدِ المدينةِ، لمْ يُجْزئْه فِعْلُه فى المسجدِ الأقْصَى؛ لأنَّه مَفْضولٌ. وقد سبقَ هذا فى بابِ الاعْتِكافِ (٢٧). فصل: وإِنْ أَفسدَ الحجَّ المَنْذُورَ ماشِيًا، وجَبَ القَضاءُ ماشيًا؛ لأنَّ القضاءَ يكونُ على صِفَةِ الأَدَاءِ. وكذلك إِنْ فاتَه الحجُّ، لكنْ إن فاتَه الحجُّ، سقَطَ تَوابعُ الوُقوفِ، من

стр. 7329

المَبِيتِ بمُزْدَلِفةَ ومِنًى، والرَّمْىِ، وتحلَّل بعُمْرةٍ، ويَمْضِى (٢٨) بالحجِّ الفاسدِ ماشيًا، حتى يتحَلَّل منه. ١٨٥٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ، فَهِىَ الَّتِى تُجْزِئُ عنِ الوَاجِبِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نوَى رَقَبَةً بِعَيْنِهَا) يَعْنِى: لا تجزئُه إِلَّا رَقبةٌ مُؤمِنةٌ سَلِيمةٌ من العيوبِ المُضِرَّةِ بالعَملِ، وهى التى تُجْزِئُ فى الكفَّارةِ؛ لأنَّ النَّذْرَ المُطلَقَ يُحْمَل على المعهودِ فى الشَّرْعِ، والواجبُ بأصلِ الشرعِ كذلك. وهذا أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافعىِّ، والوجهُ الآخرُ: يُجْزِئُه أىُّ رقبةٍ كانتْ صحيحةً أو مَعيبةً، مُسلِمةً أو كافرةً؛ لأنَّ الاسْمَ يتَناولُ جميعَ ذلك. ولَنا، أَنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على معهودِ الشَّرْعِ، وهو الواجبُ فى الكفَّارةِ، وما ذكَروه يبْطُل بنَذْرِ المَشْى إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ، فإنَّه لا يُحْمَلُ على ما تناوَله الاسْمُ. فأمَّا إن نَوَى رَقَبةً بعَيْنِها، أجْزَأَه عِتْقُها، أىَّ رقبةٍ كانتْ؛ لأنَّه نَوَى بلفظِه ما يَحْتَمِلُه. وإِنْ نوَى ما يقعُ عليه اسمُ الرَّقبةِ، أَجْزَأَه ما نوَاه، لِما [ذكَرْنا، فإِنَّ] (١) المُطْلقَ يتَقَيَّدُ بالنِّيَّةِ، كما يتَقيَّدُ بالقَرِينةِ اللَّفْظِيَّةِ. قال أحمدُ، فى مَن نَذَرَ عِتْقَ عبدٍ بعَيْنه، فماتَ قبلَ أَنْ يَعْتِقَه: تَلْزَمُه كفارةُ يَمِينٍ، ولا يَلْزَمُه عِتقُ عبدٍ؛ لأنَّ هذا شىءٌ فاتَه، على حديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ (٢)، وإليه أذْهَبُ فى الفائتِ وما عُجِزَ عنه. فصل: وإذا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، لم يُجْزِئْه إِلَّا ما يُجْزِئُ فى الأُضْحيَةِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ، فى أحدِ قَوْلَيْه؛ لأنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على مَعْهودِ الشَّرْعِ. وإِنْ عيَّنَ الهَدْىَ بلفظِه، أو نِيَّتِه، أَجْزَأَه ما عَيَّنَه، صغيرًا كان أو كبيرًا، جليلًا كان (٣) أو حَقِيرًا؛ لأنَّ ذلكَ يُسمَّى هَدْيًا، قال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا أهْدَى بَيْضَةً" (٤). وإنَّما صَرَفْنا المُطْلَقَ إلى مَعْهودِ الشَّرْعِ؛ لأنَّه غَلَبَ (٥) على الاسْمِ، كما لو

стр. 7330

نَذَرَ أن يُصَلِّىَ، لَزِمَتْه صلاةٌ شَرْعِيَّةٌ دون اللُّغَوِيَّةِ. وإِنْ قال: للَّهِ علىَّ أَنْ أُهْدِىَ بَدَنةً، أو بقرةً، أو قال: شاةً. لَزِمَه أقلُّ ما يُجْزِئُ من ذلك الجِنْسِ الذى عَيَّنَه. فإنْ نَذَرَ بدَنةً، أجْزَأَه ثَنِيَّةٌ من الإِبلِ أو ثَنِىٌّ، فإن لم يَجِدْ من الإبلِ، فبقَرةٌ، فإن لم يجِدْ، فسَبْعٌ من الغَنَمِ، لأنَّ النَّذْرَ محمولٌ على مَعْهودِ الشَّرْعِ، وقد تقَرَّر فى الشَّرْعِ أَنَّ البقرةَ تقومُ مَقامَ البَدَنةِ، وكذلك سَبْعٌ من الغنَمِ. فإن أرادَ إخراجَ البقرةِ أو الغنَمِ، مع القُدْرةِ على البَدَنَةِ، فقال القاضى: لا يُجْزِئُه (٦). وهو المَنْصُوصُ عن الشافعىِّ. والذى يَقْتَضِيهِ مذهبُ الْخِرَقىِّ، جَوازُ ذلك؛ لقولِه: ومنْ وجَبَ عليه بَدَنةٌ، فذَبحَ سَبْعًا مِن الغنمِ، أجْزأَه. فإنْ نَوَى بِنَذرِه بَدَنةً من الإبِلِ، لم يُجْزِئْه غيرُها مع وُجودِها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّها وجَبتْ بإيجابِه، بخلافِ ما إذا أطْلقَ، فإنَّها انْصَرفتْ إلى الإبلِ بمَعْهودِ الشَّرْعِ، ومَعْهودُ الشَّرْعِ فيها أَنْ تَقومَ البقرةُ مَقامَها. فأمَّا إِنْ نوَاها مِن الإِبلِ أو غيرِه، فمُقْتَضَى المذهبِ أنَّه لا يقومُ غيرُها مَقامَها، كسائرِ المَنذُوراتِ. وكذلك إن صرَّحَ بها فى نَذْرِه. مثل أن يقولَ: للَّهِ علىَّ أَنْ أُهْدِىَ ناقةً. ويَحْتَمِلُ أن تقومَ البقرةُ مَقامَها عندَ عدَمِها؛ لأنها تعَيَّنتْ هَدْيًا شَرْعِيًّا، والهَدْىُ الشَّرْعِىُّ له بَدَلٌ. فصل: ومَن نذرَ هَدْيًا، لَزِمَه إيصالُه إلى مَساكينِ الحرمِ؛ لأنَّ إطْلاقَ الهَدْى يقْتَضِى ذلك، قال اللَّهُ تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٧). فإنْ عَيَّن شيئًا بنَذْرِه، مثلَ أَنْ يقولَ: أُهْدِى شاةً، أو ثَوْبًا، أو بُرًّا، أو ذهبًا. وكان ممَّا يُنقَل، حُمِلَ إلى الحرمِ، ففُرِّقَ فى مَساكينِه، وإِنْ كانَ ممَّا لا يُنْقَلُ، نحو أن يقولَ: للَّهِ علىَّ أن أُهْدِىَ دارِى هذه، أو أرْضِى، أو شَجَرتِى هذه. بِيعَتْ، وبُعِثَ بثَمنِها إلى الحرَمِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إهْداؤه بعَيْنه، فانْصرفَ بذلك (٨) إلى بَدَلِه. وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رجلًا سأله، فى امرأة نذَرتْ أن تُهْدِىَ دارًا، فقال: تَبيعُها، وتتصَدَّقُ بثَمنِها على مساكينِ الحرمِ. وكذلك لو كان المَنْذُورُ ممَّا يُنْقَلُ، لكنَ يَشُقُّ نَقْلُه، كخشَبةٍ ثَقِيلةٍ، فإنَّه يَبِيعُها؛ لأنَّه أحَظُّ للمساكينِ مِن

стр. 7331

نَقْلِها. وإِنْ (٩) كانَ ممَّا لا كُلْفَةَ فى نَقْلِه، إِلَّا أَنَّه لا يُمْكِنُ تَفْرِيقُه بنفسِه، ويحْتاجُ إلى البَيْعِ، نُظِرَ إلى الحَظِّ للمساكينِ فى بَيْعِه فى بلدِه، أو نَقْلِه ليُباعَ ثَمَّ. وإنِ اسْتَوى الأمْرانِ، بِيع فى أىِّ مَوْضعٍ شاءَ. فصل: وإِنْ نذَر أن يُهْدِىَ إلى غيرِ مكةَ، كالمدينةِ، أو الثُّغورِ، أو يذْبحَ بها، لَزِمَه الذَّبْحُ، وإيصالُ ما أهْداهُ إلى ذلك المكانِ، وتَفْرِقةُ الهَدْى ولَحْمِ الذَّبِيحةِ على أهلِه، إِلَّا أن يكون بذلك المكانِ ما لا يجوزُ النَّذْرُ له، ككنيسةٍ، أو صنَمٍ، أو نَحوِه، ممَّا يُعظِّمُه الكُفَّارُ أو غيرُهم، ممَّا لا يجوزُ تَعْظيمُه، كشجرةٍ، أو قَبْرٍ، أو حجرٍ، أو عينِ ماءٍ، ونحوِ ذلك؛ لِما رَوَى أبو داودَ (١٠)، قال: نذرَ رجلٌ على عهدِ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ ينْحَرَ إبلًا بِبُوَانَةَ (١١)، فأتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فقال النبىُّ ﷺ : "هَلْ كَانَ بِهَا وَثَنٌ مِنْ أوْثَانِ الْجَاهِلِيّةِ يُعْبَدُ؟ " قالوا: لا. قال: "هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أعْيَادِهِمْ؟ ". قالوا: لا. قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ". ولأنَّه ضمَّنَ نَذْرَه نَفْعَ فُقَراءِ ذلك البلدِ، بإيصالِ اللَّحمِ إليهم، وهذه قُرْبةٌ. فتَلْزَمُه (١٢)، كما لو نَذَرَ التَّصَدُّقَ عليهم. فإنْ كانَ بها شىءٌ ممَّا ذكرْنا، لم يَجُزِ النَّذْرُ، لقولِ النبىّ ﷺ : "هَلْ كَانَ بِهَا وَثَنٌ، أَوْ عِيدٌ مِنْ أعْيَادِ الجَاهِلِيَّةِ؟ ". وهذا يدُلُّ على أَنَّه لو كانَ بها ذلك، لَمَنَعَه من الوفاءِ بنَذْرِه، ولأنَّ فى هذا تَعظيمًا لغير ما عظَّمَ اللَّهُ، يُشْبِهُ تعْظيمَ الكُفَّارِ للأصْنامِ، فحرُمَ، كتَعْظيمِ الأصْنامِ، ولذلك لعنَ [النَّبِىُّ ﷺ المُتَّخذاتِ على القُبورِ المساجدَ والسُّرُجَ (١٤)، وقال: "لَعَنَ] (١٣) اللَّهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ" (١٤). يُحذِّرُ مِثْلَما صَنَعوا (١٥). وعلى هذا نَذْرُ

стр. 7332

الشَّمعِ والزَّيْتِ، وأشْباهِه (١٦)، للأماكنِ التى فيها القبورُ، لا يَصِحُّ. فصل: وإن نذرَ الذَّبْحَ بمكةَ، فهو كنَذْرِ الهَدْىِ إليها؛ لأنَّ مُطْلَقَ النَّذْرِ محمولٌ على معهودِ الشَّرْعِ، ومعهودُ الشَّرْعِ فى الذَّبْحِ الواجبِ بها أن يُفَرَّقَ اللَّحْمُ بها. ١٨٥٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ يَقْدمُ فُلَانٌ، فقدِمَ [أوَّلَ يَومٍ مِنْ] (١) شَهْرِ رَمَضَانَ، أَجْزَأَهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَان وَنَذْرِهِ) ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّ نَذْرَ هذا مُنْعَقِدٌ، لكنَ صِيامَه يُجْزِئُ عن النَّذرِ ورمضانَ. وهو قولُ أبى يوسفَ. وهو قياسُ قولِ ابنِ عبَّاس، وعِكْرِمَةَ؛ لأنَّه نذَرَ صومًا فى وقتٍ، وقد صامَ فيه. وقال القاضى: ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أَنَّ النَّذْرَ غيرُ مُنْعَقِدٍ؛ لأنَّ نَذْرَه وافقَ زمَنًا يُسْتَحقُّ صَومُه، فلم ينْعَقِدْ نَذْرُه، كنَذْرِ صومِ رمضانَ: قال: والصَّحِيحُ عندِى صِحةُ النَّذْرِ؛ لأنَّه نَذْرُ طاعةٍ يُمْكِنُ الوفاءُ به غالبًا، فانْعَقدَ، كما لو وافقَ شعبانَ، فعلى هذا يصومُ رمضانَ، ثم يقْضِى، ويُكفرُ. وهذا اخْتيارُ أبى بكرٍ. ونَقَلَ جعفرُ بنُ محمدٍ، عن (٢) أحمدَ، أَنَّ عليه القضاءَ. وقولُ الْخِرَقِىِّ: أجْزأَه صيامُه لرمضانَ ونَذْرِه. دليل على أَنَّ نَذْرَه انْعَقدَ عندَه، لولا ذلك لَمَا (٣) كان صَوْمُه عن نَذْرِه. وقد نقلَ أبو طالبٍ (٤)، عن أحمدَ، فى مَن نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ وعليه حجَّةٌ مَفْروضةٌ، فأحْرمَ عن النَّذْرِ، وقَعتْ عن المَفْروضِ، ولا يجِبُ عليه شىءٌ آخَرُ. وهذا مثلُ قولِ الْخِرَقِىِّ. وروَى عِكرمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ، فى رجلٍ نَذَرَ أن يَحُجَّ، ولم يكُنْ حَجَّ الفَرِيضةَ، قال: يُجْزِئُ لهما جميعًا. وعن عِكْرِمَةَ، أنَّه سُئلَ عن ذلك، فقال عِكرمةُ: يقْضِى حِجَّتُه عن نَذْرِه وعن حِجَّةِ الإِسْلامِ، أرَأْيتُم لو أنَّ رجلًا نَذَرَ أن يُصَلِّىَ أربعَ ركعاتٍ، فصلَّى العصرَ، أليس ذلك يُجْزِئُه من العصر والنَّذْرِ؟ قال:

стр. 7333

فذكرتُ قولى لابنِ عبَّاسٍ، فقال: أصَبْتَ وأحْسَنْتَ (٥). وقال ابنُ عمرَ، وأنسٌ، وعروةُ (٦): يبدأُ بحِجَّةِ الإِسْلامِ، ثم يَحُجُّ لنَذْرِه. وفائدةُ انْعِقادِ نَذْرِه، لُزومُ الكفَّارةِ بتَرْكِه، وأنَّه لو لم يَنْوِه لِنَذْرِه، لزِمَه قَضاؤه. وعلى هذا لو وَافقَ نَذْرُه بعضَ رمضانَ، وبعضَ شهرٍ آخرَ، إمَّا شعبان، وإمَّا شوال، لَزِمَه صومُ ما خَرجَ عن رمضانَ، ويُتِمُّه من رمضانَ. ولو قال: للَّهِ علىَّ صومُ رمضانَ. فعلى قياسِ قولِ الْخِرَقِىِّ، يصِحُّ نَذْرُه، ويُجْزِئُه صيامُه عن الأمْرَيْن، وتَلْزَمُه الكفَّارةُ إِنْ أخلَّ به. وعلى قولِ القاضى، لا ينْعَقِدُ نَذْرُه. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه لا يصِحُّ صَوْمُه عنِ النَّذْرِ، فأشْبَهَ الليلَ. ولَنا، أَنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ، فيَنْعقِدُ فى الواجبِ مُوجِبًا للكفارةِ، كاليَمِينِ باللَّهِ تعالى. فصل: ونُقلَ عن أحمدَ، فى مَن نَذَرَ أن يحُجَّ العامَ، وعليه حِجَّةُ الإِسْلامِ، رِوايتانِ؛ إحداهما، تُجْزِئُه حِجَّةُ الإِسلامِ عنها وعن نذْرِه. نقلَها أبو طَالبٍ. والثانية، يَنْعقِدُ نَذْرُه مُوجِبًا لحِجَّةٍ غيرِ حِجَّةِ الإِسلامِ، يَبْدَأُ بحِجَّةِ الإِسْلامِ، ثم يقْضِى نَذْرَه. نَقلَها ابنُ منصورٍ؛ لأنَّهما عِبادتانِ تجِبانِ بسبَبيْنِ مُختلِفيْنِ، فلم تسْقُطْ إحداهما بالأُخْرَى، كما لو نَذَرَ حِجَّتيْن؛ ووَجْهُ الأُولَى، أنَّه نَذَرَ عِبادةً فى وقتٍ مُعَيَّنٍ، وقد أتى بها فيه، فأشْبَهَ ما لو قال: للَّهِ علىَّ أنْ أصومَ رمضانَ. فصل: فإنْ قال: للَّهِ علىَّ أَنْ أصومَ شهرًا. فنوَى صيامَ شهرِ رمضانَ، لنذْرِه ورمضانَ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ شهرَ رمضانَ واجبٌ بفَرْضِ اللَّهِ تعالى، ونَذْرُه يقْتَضِى إيجابَ شهرٍ، فيجبُ شَهْرانِ بِسَبَبيْنِ، ولا يُجْزِئُ أحدُهما عنِ الآخرِ، كما لو نذرَ صومَ شهرْينِ، وكما لو نذرَ أَن يُصَلِّىَ ركعتيْن، لم تُجْزِئْه صلاةُ الفجرِ عن نَذْرِه، وعن صلاةِ (٦) الفجرِ. ١٨٥٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا (١) نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ يَقْدمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ يَوْمَ فِطْرٍ، أَوْ أضْحَى، لَمْ يَصُمْهُ، وَصَامَ يَوْمًا مَكَانهُ، كفَّرَ كَفَّارَةَ يَمينٍ) وجملتُه أَنَّ مَن نَذَرَ أَنْ يصومَ يومَ يقدَمُ فلانٌ، فإِنَّ نَذْرَه صَحِيحٌ. وهو قولُ أبى حنيفةَ،

стр. 7334

وأحدُ قَوْلَى الشافعىِّ، وقال فى الآخَرِ: لا يصِحُّ نَذْرُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ صَوْمُه بعدَ وُجودِ شَرْطِه، فلم يصِحَّ، كما لو قال: للَّهِ علىَّ أَنْ أصومَ اليومَ الذى قبلَ اليومِ الذى يَقْدَمُ فيه. ولَنا، أنَّه زمنٌ يَصِحُّ (٢) فيه صومُ التَّطوُّع، فانْعَقدَ نَذْرُه لِصَوْمِه، كما لو أصْبحَ صائمًا تَطوُّعًا، قال: للَّهِ علىَّ أَنْ أصومَ يَوْمِى. وقولُهم: لا يُمْكِنُ صَوْمُه. لا يصِحُّ، فإنَّه قد يَعْلَمُ اليومَ الذى يَقْدَمُ فيه قبلَ قُدومِه، فيَنْوِىَ صَومَه من اللَّيلِ، ولأنَّه (٣) قد يجبُ عليه ما لا يُمْكِنُه، كالصَّبِىِّ يبْلُغُ فى أثناءِ يومٍ من رمضانَ، أو الحائض تَطْهُرُ فيه، ولا نُسلِّمُ ما قاسُوا عليه، إذا ثَبتتْ صِحَّتُه، ولا يخْلُو من أقْسامٍ خَمْسةٍ؛ أحدِها، أَنْ يَعْلَمَ قُدومَه من اللَّيلِ، فيَنْوِىَ صَومَه، ويكونَ يومًا يجوزُ فيه صومُ النذرِ، فيصِحَّ صَومُه ويُجْزِئَه؛ لأنَّه وَفَّى بنَذْرِه. الثانى، أن يقْدَمَ يومَ فِطْرٍ أو أضْحَى، فاخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فى هذه المسألةِ؛ فعنه: لا يصُومُه، ويقْضِى، ويكفِّرُ. نقلَه عن أحمدَ جماعةٌ. وهو قولُ أكثرِ أصْحابِنا، ومذهبُ الحَكَمِ، وحمَّادٍ. الرواية الثانية، يقضِى، ولا كفَّارةَ عليه. وهو قولُ الحسنِ، والأوْزاعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وقَتادةَ، وأبى ثَوْرٍ، وأحدُ قولَى الشافعىِّ؛ فإنَّه (٤) فاتَه الصَّومُ الواجبُ بالنَّذْرِ، فلَزِمَه قَضاؤُه، كما لو تَرَكَه نِسْيانًا، ولم تَلْزَمْه كفَّارةٌ؛ لأنَّ الشَّرْعَ منعَه من صَوْمِه، فهو كالمُكْرَهِ. وعن أحمدَ، روايةٌ ثالثةٌ، إن صامَه صَحَّ صَومُه. وهو مذهبُ أبى حنيقةَ؛ لأنَّه وفَّى بما نذَرَ (٥)، فأشْبَهَ ما لو نذَرَ مَعْصِيَةً ففعَلَها. ويَتخرَّجُ أَنْ (٦) يُكفِّرَ من غيرِ قَضاءٍ؛ لأنَّه وافقَ يومًا صَومُه حرامٌ، فكان مُوجَبُه الكفَّارَةَ، كما لو نَذرتِ المرأةُ صومَ يومِ حَيْضِها. ويَتخرَّجُ أَنْ لا يَلْزَمَه شىء من كفَّارةٍ ولا قضاءٍ، بِناءً على مَن نَذَرَ المَعْصِيَةَ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ فى أحدِ قَوْلَيْه، بِناءً على نذرِ المعْصِيَةِ. ووجهُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّ النَّذْرَ ينْعقِدُ؛ لأنَّه نَذَرَ نَذْرًا يُمْكِنُ الوفاءُ به غالبًا، فكانَ مُنْعقِدًا، كما لو وافقَ غيرَ يومِ العيدِ، ولا يجوزُ أَنْ يصومَ يومَ العيدِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ حرَّمَ صَوْمَه، فأشْبَهَ زمنَ الحَيْضِ، ولَزِمَه القضاءُ؛ لأنَّه نَذْرٌ مُنْعقِدٌ، وقد فاتَه الصيامُ بالعُذْرِ، ولَزِمَتْه الكفَّارةُ؛ لفَواتِه، كما لو

стр. 7335

فاتَه بمرضٍ. وإِنْ وافقَ يومَ حَيْضٍ أو نِفاسٍ، فهو كما لو وافقَ يومَ فِطرٍ أو أضْحَى، إِلَّا أنَّه لا يَصُومُه. بغيرِ خلافٍ فى المذهبِ، ولا بينَ أهلِ العلمِ. الثالث، أن يقْدَمَ فى يومٍ يصِحُّ صومُه، والنَّاذِرُ مُفْطِرٌ، ففيه رِوَايتان، أحدهما، يَلْزَمُه القضاءُ والكفَّارةُ (٧)؛ لأنَّه نَذرَ صومًا نَذْرًا صحيحًا، ولم يَفِ به، فلَزِمَه القضاءُ والكفَّارةُ، كسائرِ المنذُوراتِ. ويَتخرَّجُ أن لا تَلْزمَه كفَّارةٌ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه تَرَكَ المنْذورَ لعُذْرٍ. والثانية، لا يَلْزَمُه شىءٌ، من قضاءٍ ولا غيرِه. وهو قولُ أبى يوسفَ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِر؛ لأنَّه قدِمَ فى زمنٍ لا يصِحُّ صومُه فيه، فلم يَلْزَمْه شىءٌ، كما لو قدِمَ ليلًا. الرابع، قدِمَ والنَّاذِرُ صائمٌ، فلا يخْلُو من أَنْ يكونَ تَطوُّعًا أو فَرْضًا، فإنْ كان تَطوُّعًا، فقال القاضى: يصومُ بَقِيَّتَه، ويَعْقِدُه عن نَذْرِه، ويُجْزِئُه، ولا قضاءَ ولا كفَّارةَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه يُمْكِنُ صومُ يومٍ بعضُه تطوُّعٌ وبعضُه واجبٌ، كما لو نذرَ فى أثناءِ التُّطَوُّعِ إتْمامَ صومِ ذلك اليومِ، وإنَّما وُجِدَ سببُ الوُجوبِ فى بعضِه. وذكر القاضى احْتمالًا آخَرَ، أَنَّه يَلْزَمُه القضاءُ والكفَّارةُ؛ لأنَّه صومٌ واجبٌ، فلم يصِحَّ بِنِيَّةٍ من النَّهارِ، كقضاءِ رمضانَ. وذكر أبو الخَطَّابِ هذين الاحْتمالين رِوَايتَيْن. وعندَ الشافعىِّ، عليه القضاءُ فقط، كما لو قَدِم وهو مُفْطِرٌ (٨). ويَتخرَّجُ لنا مثلُه. وأما إِنْ كان الصومُ واجبًا، فحكمُه حكمُ المسألةِ التى قبلَ هذه، وقد ذكرْناه (٩). وإن قدِم وهو مُمْسِكٌ، لم يَنْوِ الصيامَ، ولم يفعلْ ما يُفطِرُه، فحكْمُه حكمُ الصائمِ تَطَوُّعًا. الخامس، أن يقْدَمَ ليلًا، فلا شىءَ عليه فى قولِهم جميعًا؛ لأنَّه لم يقْدَمْ فى اليومِ، ولا فى وقتٍ يَصِحُّ فيه الصيامُ. فصل: وإِنْ قال: للَّهِ علىَّ صومُ يومِ العيدِ. فهذا نَذْرُ مَعْصيَةٍ، على نَاذِرِه الكفارةُ لا غيرُ. نقلَها حَنْبَلٌ عن أحمدَ. وفيه روايةٌ أُخرَى، أَنَّ عليه القضاءَ مع الكفَّارةِ، كالمسألةِ المذكورةِ. والأُولَى هى الصَّحِيحةُ. قالَه القاضِى؛ لأنَّ هذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فلم يُوجِبْ قضاءً، كسائرِ المعاصِى. وفارقَ المسألةَ التى قبلَها؛ لأنَّه (١٠) لم يقْصِدْ بنَذْرِه المعْصِيَةَ،

стр. 7336

وإنَّما وقعَ اتِّفاقًا، وههُنا تَعمَّدها بالنَّذْرِ، فلم ينْعَقِدْ نَذْرُه، ويدْخلُ فى قوله ﵇: "لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةٍ" (١١). ويَتخرَّجُ أن لا يَلْزَمَه شىءٌ؛ بِناءً على نَذْرِ المَعْصِيَةِ فيما تقدَّمَ. وإن نَذَرَتِ المرأةُ صومَ يومِ حَيْضِها ونِفاسِها، فعليها الكفَّارةُ [لا غيرُ] (١٢). ولم أعلمْ عن أصحابِنا فى هذا خِلافًا. ١٨٦٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيق، صَامَهُ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀. وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى، لَا يَصُومُه، وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، فِى صِيامِ أيامِ التَّشْريقِ عن الفَرْض، وقد ذَكرنَا ذلك فى الصِّيامِ (١)، فإنْ قُلْنا: يصُومُها عن الفَرْض. صامَها ههُنا، وأجْزَأَتْه. وإِنْ قُلْنا: لا يُصومُها. فحكمُه حكمُ مَن وافقَ يومَ العيدِ، وقد مَضَى. فصل: وإن قال: للَّهِ علىَّ صومُ يومِ يقْدَمُ فلانٌ أبدًا. أو قال: للَّهِ علىَّ صومُ يومِ كلِّ خميسٍ أبدًا. لَزِمَه ذلك فى المُسْتَقْبَلِ، فأمَّا اليومُ الذى يقدَمُ فيه، فقد مضى بَيانُ حكمِه، ولا يدْخلُ فى نَذْرِه ذلك اليومُ من شهرِ رمضانَ؛ لأنَّ رمضانَ لا يُتصورُ انْفِكاكُه عن دُخولِ ذلك اليومِ فيه، ولا يُمْكِنُه صَومُه عن غيرِ رمضان؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ ذلك. ويَجِىءُ على قولِ الخِرقىِّ، أن يَدْخُلَ فى نَذْرِه، ويُجْزِئَه صَومُه لرمضانَ ونَذْرِه. وإِنْ وافقَ يومَ عيدٍ، أو يومًا من أيَّامِ التَّشْريقِ، أو يومَ حَيْضٍ، ففيه من (٢) الاخْتلافِ ما قد مضَى. وإِنْ وجبَ عليه صومُ شَهْريْن عن كفَّارةِ الظِّهارِ أو نحوه، صامَها عن الكفَّارةِ دونَ النَّذْرِ؛ لأنَّه متى نوَى النَّذْرَ فى ابْتدائِهما، انْقَطعَ التَّتابُعُ، فلا يَقْدِرُ على التَّكْفيرِ، فحينئذٍ يَقْضِى نَذْرَه، ويُكفِّرُ؛ لأنَّه ترَكَ صومَ النَّذْرِ مع إمكْانِه لعُذْرٍ، ويُفارِقُ الأيَّامَ التى دخلتْ فى رمضانَ، فإنَّها لم تدْخُلْ فى نَذْرِه؛ لعَدَمِ انْفِكاكِه عنها، وههُنا تَنْفَكُّ الأيَّامُ عن دُخولِ الكفَّارةِ فيها،

стр. 7337

ولا فَرْقَ بين كَوْنِ نَذْرِه قبلَ وُجوبِ الكفارةِ أو بعدَه (٣)؛ لأنَّ الأيَّامَ التى فى رمضانَ لا يصحُّ صَوْمُها عن نَذْرِه، وأيَّامُ الكفَّارةِ يصِحُّ صَوْمُها عن نَذْره، وإذا نَواها عن نَذْرِه، انْقَطعَ التَّتابُعُ، وأجْزأَتْ عن المَنْذُورِ (٤). وإِنْ فاتَتْه أيَّامٌ كثيرَةٌ، لَزِمتْه (٥) كفَّارةٌ واحدةٌ عن الجميعِ، فإذا كفَّرَ ثم فاتَه شىءٌ بعدَ ذلك، لَزِمَتْه كفارةٌ ثانيةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ فإنَّه قال، فى من نَذَرَ صيامَ أيَّامٍ، فمرِضَ: فإنْ كان قد كفَّر عن الأوَّلِ، ثم أفطرَ بعدَ ذلك، كَفَّرَ كفَّارةً أُخْرَى، وإن لم يكُنْ كفَّر عن الأوَّلِ، فكفَّارةٌ واحدةٌ، ولا يكونُ مثلَ اليَمِينِ، إذا حنَثَ وكفَّر، سقطتْ عنه. ويَتخرَّجُ أنَّه متى كفَّرَ مَرَّةً، لم تَلْزَمْه كفَّارةٌ أُخْرَى؛ لأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، [ويُشْبهُ اليَمِينَ] (٦)، وإيجابُ الكفَّارةِ فيه لذلك، واليَمِينُ لا يُوجِبُ أكْثرَ من كفَّارةٍ، فمتى كَفَّرَها، لم يجِبْ بها أُخْرَى، كذلك النَّذْرُ. فعلى هذا، متى فاتَه شىءٌ، فكفَّرَ عنه، ثم فاتَه شىءٌ آخرُ، قَضاهُ من غيرِ كفَّارةٍ؛ لأنَّ وُجوبَ الكفَّارةِ الثانيةِ لا نَصَّ فيه، ولا إجماعَ، ولا قياسَ، فلا يُمْكِنُ إيجابُها بغيرِ دليلٍ. فصل: إذا نذرَ صومَ سَنَةٍ بعَيْنِها، لم يدْخُلْ فى نَذْرِه رمضانُ؛ لأنَّه لا يَقْبَلُ غيرَ صومِ رمضانَ، فأشْبَهَ اللَّيْلَ، ولا يوَما العِيدَيْنِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نهَى عن صِيامِهما (٧)، ولا يصِحُّ صَوْمُهما عن النَّذْرِ، فأشْبَها رمضانَ. وعن أحمدَ، فى مَن نَذَرَ صومَ شوَّالٍ، يقْضِى يومَ الفِطرِ، ويكفِّرُ. فعلى هذه الرِّوايةِ، يدْخُلُ فى نَذْرِه العيدانِ وأيَّامُ التَّشريقِ؛ لأنَّها أيَّامٌ من جُملةِ السَّنَةِ. والأَوَّلُ أصَحُّ. وفى أيَّام التَّشْريقِ رِوايتانِ. وإِنْ نذرَ صومَ سَنَةٍ مُطْلَقةٍ، فهل يَلْزَمُه صومُ سنةٍ مُتتابِعَةٍ أَوْ لا؟ فيه رِوَايتان، إحداهما، يَلْزَمُه؛ لأنَّ السَّنَةَ المُطْلَقةَ تَنْصرِفُ إلى المُتتَابِعةِ. فعلَى هذهِ الرِّوايةِ، حكمُها حكمُ المُعينةِ، فى أنَّه لا يدْخُلُ فيها العيدانِ ولا رمضانُ، وفى أيَّامِ التَّشْريقِ رِوايَتان، فإن ابْتَدأَها من أوَّلِ شهرٍ، أتمَّ أحدَ عشَرَ شهرًا بالأهِلَّةِ (٨)، إِلَّا شهرَ شَوَّال، فإنَّه يتِمُّه بالعَدَدِ؛ لأنَّه لم يَصُمْ من أوَّله، وإن ابتدأَها

стр. 7338

من أثناءِ شهرٍ، أتمَّ ذلك الشهرَ بالعَددِ، والباقىَ بالهلالِ، على ما ذكرنا. والرِّوايةِ الثانيةِ، لا تَلْزَمُه مُتابعَةٌ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ المُتفرِّقةَ تسمى سَنةً، فيتناوَلُها نَذْرُه، فيَلْزَمُه اثْنا عشرَ شهرًا بالأهِلَّةِ، إِنْ شاءَ، وإِنْ شاءَ صامَها بالعَددِ. وإنِ ابتدأَ الشهرَ (٩) من أثنائِه، أتَمَّه ثلاثينَ يومًا. وإنَّما لَزِمَه ههُنا اثنا عشرَ شهرًا؛ لأنَّه يُمْكِنُ حَمْلُ النَّذْرِ على سَنَةٍ ليس فيها رمضانُ، ولا الأيَّامُ التى لا يجوزُ صِيامُها، فجُعِلَ نذْرُه على ما ينْعقِدُ فيه (١٠)، بخلافِ ما إذا عَيَّنَ السَّنَةَ، وهذا كمَن عَيَّنَ سِلْعة بالعَقْدِ، فوجدَ بها عَيْبًا، لم يكُنْ له إبْدالُها، ولو وَصَفَها ثم [وجدَ بها عَيْبًا] (١١)، ملَكَ إبْدالَها، ويُتمُّ شَوَّالَ بالعدَدِ؛ لأنَّه لم يَبْدأْه مِن أوَّلِه. وإِنْ صامَ ذا الحِجَّةِ من أوَّلِه، قضَى أربعةَ أيَّامٍ، تامًّا كان أو ناقصًا؛ لأنَّه بدأَه من أوَّلِه. وقيل: إن كان ناقصًا قضَى خمسة أيَّامٍ (١٢)، ليُكْمِلَه ثَلاثينَ؛ لأنَّه لم يَصُمِ الشَّهرَ كلَّه، فأشْبَهَ شوَّالَ. وإن شرَطَ التَّتابُعَ، صار حكمُها حُكْمَ المُعَيَّنَةِ. ١٨٦١ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا مُتَتابِعًا، وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَمَرِضَ فِى بَعْضه، فإذَا عُوفِىَ، بَنَى، وكفَّرَ كَفَّارَةَ يَمينٍ، وإِنْ أَحَبَّ أَتَى بِشَهْرٍ مُتَتَابِعٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ المَرْأَةُ إِذَا نَذَرَتْ صِيَامَ شَهْرٍ مُتَتَابعٍ، وَحَاضَتْ فِيه) وجملتُه أَنَّ منْ نَذرَ صيامًا مُتتابِعًا غيرَ مُعَيَّنٍ، ثم أفْطرَ فيه، لم يَخْلُ من حالَيْن؛ أحدِهما، أَنْ يُفطِر لعُذْرٍ؛ مِن حَيْضٍ، أو مرَضٍ، ونحوِهما، فهذا مُخَيَّرٌ بينَ أَنْ يَبْتَدِئَ الصومَ، ولا شىءَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمنْذُورِ على وَجْهِه، وبينَ أن يَبْنىَ على صيامِه ويُكَفِّرَ؛ لأنَّ الكفَّارةَ تَلْزَمُ لتَرْكِه المنْذورَ وإن كانَ عاجزًا، بدليلِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَ أُختَ عُقْبةَ بنِ عامرٍ بالكفَّارةِ، لعَجْزِها عن المَشْىِ؛ ولأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ولو حلَفَ لَيصُومُ مُتتابِعًا، ثم لم يأْتِ به مُتتابِعًا، لَزِمَتْه الكفَّارةُ، وإنَّما جُوِّزَ له البِناءُ ههُنا؛ لأنَّ الفِطْرَ لِعُذْرٍ لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ حُكْمًا، بدليلِ أنَّه لو أفْطرَ فى صيامِ الشَّهرَيْن المُتتابِعَيْنِ من عُذْرٍ، كان له البِناءُ،

стр. 7339

فإن كان العُذْرُ يُبِيحُ الفِطر كالسَّفَرِ، فهل يقْطعُ التَّتابُعَ؟ ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يقْطَعُه؛ لأنَّه يُفْطِرُ باخْتيارِه. والثانى، لا يقْطَعُه؛ لأنَّه عُذْرٌ فى فِطْرِ رمضانَ، فأشْبَهَ المرضَ. والثانى (١)، أن يُفْطِرَ لغيرِ عُذْرٍ، فهذا يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الصيامِ، ولا كفَّارةَ عليه؛ لأنَّه تَرَكَ التَّتابُعَ المنْذُورَ لغيرِ عُذْرٍ، مع إِمْكانِ الإِتْيانِ به، فلَزِمَه فِعْلُه، كما لو نَذَرَ صومًا مُعَيَّنًا فصامَ قبلَه. وبهذا ال فَصْلِ قال الشافعىُّ، إلا فى الكفَّارةِ، فإنَّه لا يُوجِبُها فى المَنْذورِ (٢)، وقد ذكرنا دليلَ وجوبِها (٣). فصل: إذا صامَ شهرًا من أوَّلِ الهلالِ، أَجْزَأَه، ناقِصًا كان أو تامًّا؛ لأنَّ ما بينَ الهِلاليْنِ شهرٌ، ولذلك قال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ" (٤). وإِنْ بدأَ من أثْناءِ شَهرٍ، لَزِمَه شهرٌ بالعدَدِ، ثلاثون يومًا؛ لِقَوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأكْمِلُوا ثَلَاثِينَ" (٥). فإنْ صامَ شوَّالَ، لَزِمَه إكْمالُه ثلاثينَ؛ لأنَّه بدأَ من أَثْنائِه، وإن كان ناقصًا، قضَى يَوميْنِ، وإن كان تامًّا أتمَّ يومًا واحدًا. وإِنْ صامَ ذا الحِجَّةِ، أفْطَرَ يومَ الأَضْحَى وأيَّامَ التَّشْرِيقِ، ولم ينْقَطِعْ تَتابُعه، كما لو أفْطرَتِ المرأةُ بحَيْضٍ، وعليه كفارةٌ، ويقْضِى أربعةَ أيام إن كان تامًّا، وخمسةً إن كان ناقصًا. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه إِلَّا الأَرْبَعةُ، وإن كان ناقصًا؛ لأنَّه بدأَه مِن أوَّلِه، فَيقْضِى المتْروكَ منه لا

стр. 7340

غيرُ. ولو صامَ شهرًا مِن أوَّلِ الهلالِ، فمَرِضَ فيه أيَّامًا معْلومةً، أو حاضتِ المرأةُ فيه ثم طَهُرَتْ قبل خُروجِه، قَضَى ما أفْطرَ منه بعِدَّتِه إِنْ كان الشهرُ تامًّا، وإِنْ كان ناقصًا، فهل يَلْزَمُه الإتْيانُ بيَومٍ آخَرَ؟ على وَجْهَيْنِ؛ بِناءً على ما ذكرْنا فى فِطر العِيد وأَيَّامِ التَّشْرِيقِ. فصل: ومَن نَذَرَ صيامَ شهرٍ، فهو مُخيَّرٌ بينَ أَنْ يصومَ شهرًا بالهلالِ، وهو أن يبْتَدِئَه من أوَّلِه، فيُجْزِئَه، وبينَ أَنْ يصُومَه بالعددِ ثلاثينَ يومًا. وهل يَلْزَمُه التَّتابُعُ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ إطْلاقَ الشَّهرِ يقْتَضِى التَّتابُعَ. والثانى، لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ. وهو قولُ الشافعىِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ؛ لأنَّ الشهرَ يقعُ على ما بينَ الهلاليْنِ، وعلى ثلاثِينَ يومًا، ولا خلافَ أنَّه يُجْزِئُه ثلاثونَ يومًا، فلم يَلزَمْه التَّتابُعُ، كما لو نَذَرَ ثلاثينَ يومًا. فأمَّا إِنْ نذَرَ صيامَ ثلاثين يومًا، لم يَلْزَمْه التَّتابُعُ فيها. نصَّ عليه أحمدُ. وقد رُوى عن أحمدَ، فى مَن قال: للَّهِ علىَّ صيامُ عشرةِ أيامٍ: يصومُها مُتتابِعةً. وهذا يدُلُّ على وُجوبِ (٦) التَّتابُعِ فى الأيَّامِ المنْذورَةِ. وحَمَلَ بعضُ أصْحابِنا كلامَ أحمدَ على مَن شَرَطَ التَّتابُعَ أو نَواه؛ لأنَّ لَفْظَ العشرَةِ لا يقْتَضِى تَتابُعًا، والنذْرُ لا يقْتَضِيه، ما لم يكُنْ فى لَفْظِه أو نِيَّتهِ. وقال بعضُهم: كلامُ أحمدَ على ظاهرِه، ويَلْزَمُه التَّتابُعُ فى نَذْرِ العشرةِ، دونَ الثلاثينَ؛ لأنَّ الثلاثينَ شهرٌ، ولو (٧) أرادَ التَّتابُعَ لقَال: شهرًا. فعُدولُه إلى العددِ دليلٌ على إرادةِ التَّفْريقِ، بخلافِ العشرةِ. والصَّحِيحُ أنَّه يَلْزَمُه التَّتابُعُ، فإِنَّ عدَمَ ما يدُل على التَّفْريقِ ليس بدليل على إرادَةِ التَّتابُعِ، فإِنَّ اللَّه تعالى قال فى قضاءِ رمضانَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٨)، ولم يذْكُرْ تفْرِيقَها ولا تَتابُعَها، ولم يجِبِ التَّتابُعُ منها بالاتفاقِ. وقال بعضُ أصْحابِنا: إِنْ نَذَرَ اعْتكافَ أيَّامٍ، لَزِمَه التَّتابُعُ، ولا يلْزَمُه مثلُ ذلك فى الصيامِ؛ لأنَّ الاعْتِكافَ يتَّصِلُ بعضُه ببعضٍ من غيرِ فَصْلٍ، والصومُ يتخَلَّلُه الليلُ، فيَفْصِلُ بعضَه من بعضٍ، ولذلك لو نَذَرَ اعْتكافَ يوميْنِ مُتتابِعيْنِ، لَدخلَ فيه اللَّيْلُ. والصَّحِيحُ التَّسْويَةُ؛ لأنَّ الواجبَ ما اقْتضاه لفظُه، ولفظُه لا يقْتضِى التَّتابُعَ، بدليلِ نَذْرِ الصومِ، وما ذكَرُوه من العُرْفِ لا أثَرَ له. ومَن قال: يَلْزَمُه

стр. 7341

التَّتابُعُ، لَزِمَتْه اللَّيالِى التى بين أيَّامِ الاعْتكِافِ، كما لو قال: مُتَتابِعَةً. فصل: إذا نَذَرَ صيامَ أشْهُرٍ مُتَتَابِعَةٍ، فابْتدَأها من أوَّلِ شهرٍ، أَجْزَأَهُ صومُها بالأهِلَّة، بلا خلافٍ. وإن ابْتدَأها من أثْناءِ شهرٍ، كَمَّلَهُ بالعدَدِ، وباقى الأشْهرِ بالأهِلَّةِ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وإحْدَى الرِّوايتيْن عن أبى حنيفةَ. والرِّوايةُ الأُخْرَى: يُكَمِّلُ الجميعَ بالعَدَدِ. ورُوِىَ ذلك [عن أحمدَ] (٩)، وقد تقدّم تَوْجِيهُ الرِّوايتيْنِ. ١٨٦٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ، فَأَفْطَرَ يَوْمًا لِغَيْرِ (١) عُذْرٍ، ابْتَدَأَ شَهْرًا، وكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) وجملتُه أنَّه إذا نَذَرَ صومَ شهرٍ مُعَيَّنٍ، فأفْطرَ فى أثْنائِه، لم يَخْلُ من حاليْن؛ أحدهما، أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ، ففيه رِوايتَانِ؛ وإحْداهما، يقْطعُ صومَه، ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُه؛ لأنَّه صَومٌ يجبُ مُتتابِعًا بالنَّذْرِ، فأبْطلَه الفِطْرُ لغيرِ عُذْرٍ، كما لو شرَطَ التَّتابُعِ، وفارَقَ رمضانَ؛ فإن تَتابُعَه بالشَّرْعِ لا بالنَّذْرِ، وههُنا أوْجبَه على نفسِه على صِفَةٍ ثم فَوَّتَها، فأشْبَهَ ما لو شرَطَه مُتتابِعًا. الثانية، لا يَلْزَمُه الاسْتئنافُ، إلا أن يكونَ قد شرَطَ التَّتابُعَ. وهذا قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ وُجوبَ التَّتابُعِ ضَرورةُ التَّعْيِينِ لا بالشَّرْطِ، فلم يُبْطِلُه الفِطْرُ فى أثْنائِه، كشهرِ رمضانَ، ولأنَّ الاسْتئْنافَ يجعلُ الصومَ فى الوقتِ الذى لم يُعيِّنْه، والوفاءَ بنَذْرِه فى غيرِ وقْتِه، وتَفْويتُ يومٍ واحدٍ لا يُوجِبُ تَفْويتَ غيرِه مِن الأيامِ. فعلى هذا، يُكَفِّرُ عن فِطره، ويقْضِى (٢) يومًا مكانَه بعدَ إتْمامِ صَوْمِه. وهذا أقْيَسُ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى. وعلى الرِّوايةِ الأُولَى، يَلْزَمُه الاستْئنافُ عَقِيبَ اليومِ الذى أفْطَرَ فيه، ولا يجوزُ تأخِيرُه؛ لأنَّ باقىَ الشهرِ مَنْذورٌ، فلا (٣) يجوزُ تَرْكُ الصومِ فيه، وتَلْزَمُه كفارةٌ أيضًا؛ لإِحْلالِه بصَوْمِ هذا اليومِ الذى أفْطرَه. الحال الثانى، أفْطرَ لِعُذْرٍ، فإنَّه يَبْنِى على ما مضَى مِن صيامِه، ويَقْضِى

стр. 7342

ويُكَفِّرُ. هذا قياسُ المذهبِ. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّه لا كفَّارةَ عليه. وهذا (٤) مذهبُ مالكٍ، والشَّافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ المَنْذُورَ محمولٌ على المشروعِ، ولو أفطرَ رمضانَ لِعُذْرٍ لم يَلْزَمْه شىءٌ. ولَنا، أنَّه فاتَ ما نَذَرَه، فلَزِمَتْه كفَّارةٌ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ لأُختِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ: "وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا" (٥). وفارَق رمضانَ، فإنَّه لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ، لم تجِبْ عليه كفارةٌ إِلَّا فى الجِماعِ. فصل: فإِنَّ جُنَّ جميعَ الشهرِ المُعَيَّنِ، لم يَلْزَمْه قضاءٌ ولا كفَّارةٌ. وقال أبو ثَوْرٍ (٦): يَلْزَمُه القضاءُ؛ لأنَّه من أهلِ التَّكْلِيفِ حالَةَ نَذْرِه وقَضائِه، فلَزِمَه (٧) القضاءُ، [كالمُغْمَى عليه. ولَنا، أنَّه ليس من أهلِ التَّكْليفِ فى وقتِ الوُجوبِ، فلم يَلْزَمْه القضاءُ] (٨)، كما لو كان فى شهرِ رمضانَ. وإِنْ حاضَتِ المرأةُ جميعَ الزّمنِ المُعَيَّنِ، فعليها القضاءُ، وفى الكفَّارةِ وَجْهانِ. وقال الشافعىُّ: لا كفَّارةَ عليها، وفى القضاءِ وَجْهانِ، أحدهما، لا يَلْزَمُها النَّذْرُ؛ لأنَّ زمنَ الحَيْضِ لا يُمْكِنُ الصومُ فيه، ولا يدْخُلُ فى النَّذْرِ، كزمنِ رمضانَ. ولَنا، أَنَّ المَنْذورَ يُحْمَلُ على المشْروعِ ابْتداءً، ولو حاضَتْ فى شهرِ رمضانَ، لَزِمَها القضاءُ، فكذلك المنْذورُ. فصل: ولو قال: للَّهِ علىَّ الحجُّ فى عامِى هذا. فلم يحُجَّ لعُذْرٍ أو غيرِه، فعليْه القضاءُ والكفَّارةُ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا كفَّارةَ عليه إذا كان مَعْذورًا. وقال الشافعىُّ: إِنْ تعذَّرَ عليه الحجُّ، لعَدَمِ أحدِ الشَّرائِطِ (٩) السَّبْعةِ (١٠)، أو منعَه منه (١١) سُلْطانٌ أو عَدُوٌّ، فلا قضاءَ عليه. وإن حَدثَ به مرضٌ، أو أخطأَ عددًا، أو نَسِىَ، أو تَوَانَى، قَضَاهُ. ولَنا، أنَّه فاتَه

стр. 7343

الحجُّ المنْذورُ، فلَزِمَه قَضاؤُه، كما لو مَرِضَ، ولِأنَّ المنْذُورَ محمولٌ على المشْروعِ ابْتِداءً، ولو فاتَه المشروعُ، لَزِمَه قَضاؤُه، فكذلك المَنْذُورُ. فصل: ولو نَذَرَ صومَ شهرٍ بعَيْنِه، أو الحجَّ فى عامٍ بعَيْنه، وفعلَ ذلك قبلَه، لم يُجْزِئْه. وقال أبو يوسف: يُجْزِئُه، كما لو حلَفَ لَيَقْضِيَنَّه حَقَّه فى وقتٍ، فقَضاهُ قبلَه. ولَنا، أَنَّ المنْذورَ مَحْمولٌ على المشروعِ، ولو صامَ قبلَ رمضانَ لم يُجْزِئْه، فكذلك إذا صامَ المنْذورَ قبلَه، ولِأنَّه لم يأتِ بالمنْذورِ فى وَقْتِه، فلم يُجْزِئْه، كما لو لم يَفْعَلْه أصْلًا. ١٨٦٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأتِىَ بِهِ، صَامَ عَنْهُ وَرَثتهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ نَذْرِ طَاعَةٍ) يَعنى مَن نَذَرَ حَجًّا، أو صيامًا، أو صدقةً، أو عِتْقًا، أو اعْتِكافًا، أو صَلاةً، أو غيرَه من الطَّاعاتِ، وماتَ قبلَ فِعْلِه، فَعَلَه الوَلِىُّ عنه. وعن أحمدَ فى الصلاةِ: لا يُصَلِّى عنِ المَيِّتِ؛ لأنَّها لا بَدَلَ لها بحالٍ، وأمَّا سائرُ الأعْمالِ فيجوزُ أن ينوبَ الوَلِىُّ عنه فيها، وليس بواجبٍ عليه، ولكنْ يُسْتَحَبُّ له ذلك على سبيلِ الصِّلَةِ له والمعروفِ. وأفْتَى بذلك ابنُ عبَّاسٍ، فى امرأةٍ نَذَرَتْ أن تَمْشِىَ إلى قُبَاءَ، فماتَتْ ولم تقْضِه، أَنْ تَمْشِىَ ابْنَتُها عنها (١). ورَوىَ سعيدٌ (٢)، عن سُفيانَ، عن عبِد الكريم بنِ أبى أُميَّةَ، أنَّه سألَ ابنَ عبَّاسٍ عن نَذْرٍ كان على أُمِّه من اعْتِكافٍ. قال: صُمْ عنها، واعتكِفْ عنها. وقال (٢): حدَّثنا أبو الأحْوَصِ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ، عن عامرِ بنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ عائشةَ اعْتكَفت عن أخيها عبدِ الرحمنِ بعدَ ما ماتَ. وقال مالكٌ: لا يَمْشِى أحدٌ عن أحَدٍ، ولا يُصَلِّى، ولا يصومُ عنه، وكذلك سائرُ أعمالِ البدنِ، قياسًا على الصَّلاةِ. وقال الشافعىُّ: يَقْضِى عنه الحجَّ، ولا يَقْضِى الصَّلاةَ، قولًا واحدًا، ولا يَقْضِى الصومَ، فى أحدِ القولَيْن، ويُطْعَمُ عنه لكلِّ (٣) يوِمٍ مِسْكينٌ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ

стр. 7344

شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَومٍ مِسْكِينٌ". أخْرَجه ابنُ ماجَه (٤). وقال أهلُ الظَّاهرِ: يجِبُ القَضاءُ على وَلِيِّه، بظاهِرِ الأخْبارِ الوارِدةِ فيه. وجُمْهورُ أهلِ العلمِ على أَنَّ ذلك ليس بواجبٍ على الوَلِىِّ، إِلَّا أَنْ يكونَ حقًّا فى المالِ، ويكونَ للميِّتِ تَركِةٌ، وأمْرُ النَّبِىِّ ﷺ فى هذا مَحْمُولٌ على النَّدْبِ والاسْتِحْبابِ، بدليلِ قَرائِنَ فى الخَبَر؛ منها أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ شَبَّهَه بالدَّيْنِ، وقَضاءُ الدَّينِ على الميِّتِ لا يَجِبُ على الوارِثِ ما لم يُخَلِّف تَركِةً يُقْضَى بها، ومنها أَنَّ السائلَ سألَ النَّبِىَّ ﷺ : هل يَفْعَلُ ذلك أم (٥) لا؟ . وجوابُه يخْتَلفُ باخْتلافِ مُقْتضَى سُؤالِه، فإنْ كان مُقْتضاهُ السُّؤالَ عن [الإباحَةِ، فالأمرُ فى جوابِه يقتضِى الإِباحةَ، وإِنْ كان السؤالُ عن] (٦) الإِجْزاءِ، فأمْرُه يقْتضِى الإِجْزاءَ، كقولِهم: أنُصلِّى فى مَرابِضِ الغنمِ؟ قال: "صَلُّوا فِى مَرَابِض الغَنَمِ" (٧). وإِنْ كانَ سؤالُهم عن الوُجوبِ، فأَمْرُه يقْتَضِى الوُجوبَ، كقولِهم: أنتوضَّأُ من لُحومِ الإِبلِ؟ قال: "تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الإِبلِ" (٨). وسؤالُ السائلِ فى مسألَتِنا كان عن الإِجْزاءِ، فأمْرُ النَّبىِّ ﷺ بِالفِعْلِ يقْتَضِيه لا غيرُ. ولَنا، على جَوازِ الصِّيامِ عن الميِّتِ، ما رَوَتْ عائشةُ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ". وعنِ ابنِ عبَّاسٍ، قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبِىِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّى ماتتْ وعليها صومُ شهرٍ، أفأصومُ عنها؟ قال: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ " قال: نعم. قال: "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أن يُقْضَى". وفى روايةٍ قال: جاءَتِ امرأةٌ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّى ماتتْ وعليها صومٌ، أفأصومُ عنها؟ قال: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، كَانَ يُؤَدِّى ذَلِكِ عَنْهَا؟ ". قالت: نعم. قال: "فَصُومِى عَنْ

стр. 7345

أُمِّكِ". مُتَّفَقٌ عليهِنَّ (٩). وعن ابن عبَّاسٍ، أَنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ الأَنْصارِىِّ، اسْتفْتَى النَّبِىَّ ﷺ فى نَذْرٍ كان على أُمِّه، فتُوُفِّيَتْ قبلَ أن تَقْضِيَه، فَأفْتاه أن يَقْضِيَه، فكانت سُنَّةً بعدُ. وعنه أنَّ رجلًا أتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فقالَ: إِنَّ أُخْتِى نَذَرتْ أن تَحُجَّ، وإنَّها ماتتْ. فقال النَّبِىَّ ﷺ : "لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ ". قال: نعم. قال: "فاقْضِ اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ". روَاهما البُخارِىُّ (١٠). وهذا صريحٌ فى الصَّومِ والحجِّ، ومُطلَقٌ فى النَّذْرِ، وما عدا المذكورَ فى الحديثِ يُقاسُ عليه، وحديث ابنِ عمرَ فى الصومِ الواجبِ بأصلِ الشَّرع، ويَتعيَّنُ حَمْلُه عليه جمعًا بينَ الحديثَيْن، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ، لَكانتْ أحاديثُنا أَصحَّ، وأكْثرَ، وأوْلَى بالتَّقْديمِ. إذا ثبَتَ هذا، فإِنَّ الأوْلَى أَنْ يقْضِىَ النَّذْرَ عنه وارثُه، فإنْ قَضَاهُ غيرُه، أجْزأه عنه، كما لو قضَى عنه دَيْنَه؛ فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ شبَّهَه بالدَّيْنِ، وقاسَه (١١) عليه، ولأنَّ ما يقْضِيه الوارثُ إنَّما هو تَبَرُّعٌ منه، وغيرُه (١٢) مثلُه فى التَّبَرُّعِ. وإِنْ كان النَّذْرُ فى مالٍ، تَعَلَّقَ بِتَركِتِه.

стр. 7346

فصل: ومَن نَذَرَ أَنْ يطوفَ على أربعٍ، فعليه طَوافانِ. قال ذلك ابنُ عبَّاسٍ؛ لِمَا روَى مُعاويةُ بنُ حُدَيْجٍ (١٣) الكِندىِّ، أنَّه قدِمَ على رسولَ اللَّهِ ﷺ ، ومعه أُمُّه كَبْشَةُ بنتُ مَعْدِى كَرِبَ، عَمَّةُ الأَشْعَثِ بنِ قَيْسٍ، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، إنِّى آليْتُ أَنْ أطُوفَ بالبيتِ حَبْوًا. فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "طُوفِى عَلَى رِجْلَيْكِ سَبْعَيْنِ؛ سَبْعًا عَنْ يَدَيْكِ، وَسَبْعًا عَنْ رِجْلَيْكِ". أَخْرَجه الدَّارَقُطْنِىُّ (١٤)، بإسنادِه. وعن (١٥) ابنِ عبَّاسٍ، فى امْرأَةٍ نذرَتْ أَنْ تطوفَ بالبيتِ على أربعٍ، قال: تَطوفُ عن يَدَيْها سبعًا، وعن رِجليْها سبعًا. رواه سعيدٌ (١٦). والقياسُ أَنْ يَلْزَمَه طَوافٌ واحدٌ على رِجْلَيْه، ولا يَلْزَمُه ذلك على يَدَيْه؛ لأنَّه غيرُ مَشْروعٍ، فيَسْقُطُ، كما أن أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ أَنْ تحُجَّ غيرَ مُختَمِرةٍ، فأمرَها النبىُّ ﷺ أَنْ تَحُجَّ وتَخْتَمِرَ (١٧). ورَوى عِكْرِمَةُ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان فى سَفَرٍ، فحانَتْ منه نَظْرةٌ، فإذا امرأةٌ ناشرةٌ شَعَرَهَا، فقال: "مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ" (١٨). ومرَّ برجليْنِ مُقْتَرِنَيْن، فقال: "أطْلِقَا قِرَانَكُمَا" (١٩). وقد ذكرْنا حديثَ أبى إسْرَائيل، الذى نَذَرَ أَنْ يصومَ، ويفعل أشْياءَ، فأمرَه النَّبِىُّ ﷺ بالصَّومِ وَحْدَه، ونَهاه عنْ سائرِ نُذُورهِ (٢٠). وهل تَلْزَمُه كفَّارةٌ؟ يُخَرَّجُ فبه وَجْهانِ؛ بناءً على ما تقدَّمَ. وقياسُ المذهبِ لُزومُ الكفَّارةِ؛ لإِخْلالِه بِصفةِ نَذْرِه، وإِنْ كان غيرَ مَشْروعٍ، كما لو كانَ أصلُ النَّذْرِ غيرَ مَشْروعٍ. وأما وَجْهُ الأَوَّلِ، فلأنَّ مَن نَذَرَ الطَّوافَ على أرْبَعٍ، فقد نَذَرَ الطَّوافَ على يَدَيْه ورِجْلَيْه، فأُقيمَ الطَّوافُ الثَّانِى مُقامَ طَوافِه على يَدَيْه.

стр. 7347

فصل: فإنْ نَذَرَ صومَ الدَّهرِ، لَزِمَه، ولم يَدْخُلْ فى نَذْرِه رمضانُ، ولا أيَّامُ العِيدِ والتَّشْريقِ (٢١). فإنْ أفْطَرَ لِعُذْرٍ أو غيرِه، لم يَقْضِه؛ لأنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرَقٌ بالصَّومِ المنْذُورِ، ولكنْ تَلْزَمُه كفَّارةٌ لِتَرْكِه. وإِنْ لَزِمَه قَضاءٌ من رمضانَ، أو كفَّارةٌ، قدَّمَه على النَّذْرِ (٢٢)؛ لأنَّه واجبٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، فقُدِّمَ (٢٣) على ما أوْجَبَه على نفسِه، كتَقْديمِ حِجَّةِ الإِسْلامِ على المَنْذُورةِ. فإذا لَزِمَتْه كَفَّارةٌ لِتَرْكِه صومَ يومٍ، أو أكثرَ، وكانتْ كفَّارتُه الصِّيامَ، احْتَمَلَ أَنْ لا يجِبَ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّكْفيرُ إِلَّا بتَرْكِ الصومِ المنْذُورِ، وتَرْكُه يُوجِبُ كفَّارة، فيُفْضِى ذلك إلى التَّسَلْسُلِ، وتَرْكِ المنْذُورِ بالكُلِّيَّةِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ تجِبَ الكفَّارةُ، ولا تجبُ بفِعْلِها كفَّارةٌ؛ لأنَّ تَرْكَ النَّذْرِ لِعُذْرٍ لا يُوجِبُ كفَّارةً، فلا يُفْضِى إلى التَّسَلْسُلِ. فصل: وصِيغةُ النَّذْرِ أَنْ يقولَ: للَّهِ علىَّ أَنْ أفعلَ كذا. وإِنْ قال: علىَّ نَذْرُ كذا. لَزِمَه أيضًا؛ لأنَّه صَرَّحَ بلفظِ النَّذْرِ. وإِنْ قال: إِنْ شَفانِى اللَّهُ، فعلىَّ صومُ شهرٍ. كان نَذْرًا. وإِنْ قالَ: للَّه علىَّ المَشْىُ إلى بيتِ اللَّهِ، قال ابنُ عمرَ، فى الرَّجلِ يقولُ: علىَّ المشْىُ إلى الكعبةِ للَّه (٢٤). قال: هذا نَذْرٌ، فَلْيَمْشِ (٢٥). ونحوُه عن القاسمِ بنِ محمدٍ، ويَزِيدَ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِىِّ، ومالكٍ، وجماعةٍ من العلماءِ. واختُلِفَ فيه عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، فرُوِىَ عنهما مثلُ قولِهم، ورُوِىَ عنهما فى مَن قال: علىَّ المَشْىُ إلى بيتِ اللَّهِ: فليس بشَىْءٍ، إِلَّا أَنْ يقولَ: علىَّ نَذْرُ مَشْى إلى بيتِ اللَّهِ. ولَنا، أَنَّ لفظةَ: "علىَّ" للإيجابِ على نفسِه، فإذا قال: علىَّ المَشْىُ إلى بيتِ اللَّهِ. فقد أوْجَبَه على نفسِه، فلَزِمَه، كما لو قال: هو علىَّ نَذْرٌ. واللَّه أعلمُ.

стр. 7348

المغنى لمُوَفَّق الدين أبى محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسىّ الجماعيلى الدِّمَشْقىّ الصَّالحِىّ الحَنْبَلِىّ ٥٤١ - ٦٢٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركى الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو الجزء الرابع عشر دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 7349

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 7350

المغنى

стр. 7351

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م مصححة، منقحة دَار عَالم الكُتُب للطباعة والنشر والتوزيع العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب. ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية

стр. 7352

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب القَضاء الأصلُ في القضاءِ ومَشْرُوعِيَّتِه الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ. أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). وقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢). وقولُه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣). وقولُه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤). وأمَّا السُّنَّةُ، فما رَوى عمرُو بنُ العاصِ، عنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإذَا اجْتَهَدَ فَأخْطَأَ (٥) فَلَهُ أجْرٌ" مُتَّفَقٌ عليه (٦). في آيٍ وأخبارٍ سِوَى ذلك كثيرةٍ. وأجمعَ المُسلِمون على مَشْرُوعيَّةِ نَصْبِ القَضاءِ، والحُكْمِ بين النَّاسِ. فصل: والقضاءُ مِن فُروضِ الكفاياتِ؛ لأنَّ أمرَ النَّاسِ لا يستقيمُ بِدُونِه، فكانَ واجبًا عليهِم، كالجِهادِ والإِمامَةِ. قال أحمدُ: لابُدَّ للنَّاسِ مِن حاكمٍ، أَتذْهَبُ حُقوقُ

стр. 7353

النَّاسِ! وفيه فضلٌ عظيمٌ لِمَن قوِيَ على القيامِ به، وأداءِ الحقِّ فيه، ولذلك جعلَ اللَّه فيه أجْرًا مع الخطأِ، وأسْقَطَ عنه حُكْمَ الخطأِ، ولأنَّ فيه أمرًا بالمعروفِ، ونُصْرَةَ المَظْلومِ (٧)، وأداءَ الحقِّ إلى مُستحقِّهِ، ورَدًّا للظالِمِ عن ظُلْمِه، وإصْلَاحًا بينَ النَّاسِ، وتَخليصًا لبعضِهمْ من بعضٍ، وذلك مِن أبْوابِ القُرَبِ؛ ولذلك تَولَّاه النَّبِيُّ ﷺ ، والأنبياءُ قبلَه، فكانوا يَحكُمونَ لِأُمَمهم، وبَعثَ عليًّا إلى اليمنِ قاضِيًا (٨)، وبَعثَ أيضًا مُعاذًا قاضِيًا (٩). وقد رُوِيَ عنِ ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: لأنْ أجلِسَ قاضيًا بين اثنيْنِ، أحبُّ إليَّ مِن عِبادةِ سبعينَ سنةً (١٠). وعن عُقبةَ بنِ عامرٍ، قال: جاء خَصْمانِ يَختصِمانِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال لي (١١): "اقْضِ بَيْنَهُمَا". قلتُ: أنتَ أوْلَى بذلك. قال: "وَإنْ كَانَ". قلتُ: علامَ أقْضِى؟ قال: "اقْضِ، فَإِنْ أصبْتَ فَلَكَ عَشرَةُ أُجُورٍ، وإِنْ أَخْطَأْتَ فَلَكَ أجْرٌ وَاحِدٌ". رواه سعيدٌ في "سُننِه" (١٢). فصل: وفيه خَطرٌ عظيمٌ ووِزْرٌ كبيرٌ لِمَن لم يُؤَدِّ الحقَّ فيه، ولذلك كان السَّلفُ، [﵏] (١٣)، يَمْتَنِعونَ منه أشدَّ الامْتِناعِ، ويَخْشَون على أنْفُسِهم خَطَرَه. قال خاقانُ بنُ عبدِ اللهِ: أُريدَ أبو قِلابةَ على قضاءِ البصرَةِ، فهَرَبَ إلى اليَمامَةِ، فأُرِيدَ على

стр. 7354

قَضائِها، [فهَرَبَ إلى الشَّامِ، فأُريدَ على قَضائِها] (١٤)، وقيلَ: ليس هاهُنا غيرُك. قال: فأنْزِلوا الأمرَ على ما قُلتُم، فإنَّما مَثَلى مَثَلُ سابحٍ وَقعَ في البحرِ، فسبحَ يومَه، فانطلقَ، ثم سبحَ اليومَ الثَّاني، فمضَى أيضًا، فلمَّا كانَ اليومُ الثالثُ فَتَرتْ يَداهُ (١٥). وكانَ يُقالُ: أعْلمُ النَّاسِ بالقَضاءِ أشدُّهُم له كَراهَةً. ولعِظَمِ خَطرِه، قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ". قال الترمذيُّ: (١٦) هذا حديثٌ حسنٌ. وقيلَ في هذا الحديثِ: إنَّه لم يَخْرُجْ مَخْرَجَ الذَّمِّ للقضاءِ، وإنَّما وَصَفَه بالمشقَّةِ؛ فكأنَّ مَن وَلِيَهُ قد حُمِلَ على مشقَّةٍ، كَمَشَقَّةِ الذَّبحِ. فصل: والنَّاسُ في القضاءِ على ثلاثةِ أضرُبٍ؛ منهم مَن لا يجوزُ له الدُّخولُ فيه، وهو من لا يُحسِنُه، ولم تجتَمعْ فيه شروطُه، فقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ" ذَكَرَ منهم رجلًا قضَى بينَ النَّاسِ بِجَهْلٍ، فهو في النارِ (١٧). ولأنَّ مَن لا يُحْسِنُه لا يَقْدِرُ على العَدْلِ فيه، فيأخذُ الحقَّ من مُستحقِّه ويَدْفَعُه إلى غيرِه. ومنهم، مَن يَجوزُ له، ولا يجبُ عليه، وهو مَن كان مِن أهْلِ العَدالَةِ والاجْتهادِ، ويُوجدُ غيرُه مثلُه، فله أنْ يَلِيَ القضاءَ بحُكمِ حالِه وصَلاحِيَتِه، ولا يجبُ عليه؛ لأنَّه لم (١٨) يتَعَيَّنْ له. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يُسْتحبُّ له الدُّخولُ فيه؛ لِما فيه من الخطرِ والغَرَرِ، وفي تَرْكِه من السَّلامةِ، ولما ورَدَ فيه من التَّشْديد والذَّمِّ، ولأنَّ طريقةَ السَّلفِ الامْتِناعُ منه والتَّوقِّي، وقد

стр. 7355

أرادَ عثمانُ رضِى اللهُ عنه تَوليةَ ابنِ عمرَ القضاءَ فَأباه (١٩). وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ: إنْ كانَ رجلًا خامِلًا، لا يُرجعُ إليه في الأحْكامِ، ولا يُعْرَفُ، فالأوْلَى له تَوَلِّيه، ليُرْجَعَ إليه في الأحكامِ، ويقُومَ به الحقُّ، ويَنْتفِعَ به المُسلمون، وإنْ كان مشهورًا في النَّاسِ بالعلمِ، يُرجَعُ إليه في تعليمِ العلمِ والفَتْوَى، فالأوْلَى الاشْتغالُ بذلك، لما فيه من النَّفْعِ مع الأمنِ من الغَرَرِ. ونحوَ هذا قال أصحابُ الشَّافِعِيِّ، وقالوا أيضًا: إذا كان ذا حاجةٍ، وله في القضاءِ رِزْقٌ، فالأوْلَى له الاشْتِغالُ به، فيكونُ أولَى مِن سائرِ الْمَكاسبِ؛ لأنَّه قُرْبَةٌ وطاعةٌ. وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّه يُكْرَهُ للإنسانِ طَلَبُه، والسَّعْيُ في تَحْصِيلهِ؛ لأنَّ أنَسًا رَوَى عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ، وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ، وُكِلَ إلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ، أنزَلَ اللهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ". قال التِّرْمِذِيُّ (٢٠): هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وقال النَّبِيُّ ﷺ لعبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ: "يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ (٢١) غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). الثالثُ: مَن يجبُ عليه، وهو مَن يَصلُحُ
следующие страницы →