← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م مصححة، منقحة دَار عَالم الكُتُب للطباعة والنشر والتوزيع العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب. ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية

стр. 7352

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب القَضاء الأصلُ في القضاءِ ومَشْرُوعِيَّتِه الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ. أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). وقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢). وقولُه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣). وقولُه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤). وأمَّا السُّنَّةُ، فما رَوى عمرُو بنُ العاصِ، عنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإذَا اجْتَهَدَ فَأخْطَأَ (٥) فَلَهُ أجْرٌ" مُتَّفَقٌ عليه (٦). في آيٍ وأخبارٍ سِوَى ذلك كثيرةٍ. وأجمعَ المُسلِمون على مَشْرُوعيَّةِ نَصْبِ القَضاءِ، والحُكْمِ بين النَّاسِ. فصل: والقضاءُ مِن فُروضِ الكفاياتِ؛ لأنَّ أمرَ النَّاسِ لا يستقيمُ بِدُونِه، فكانَ واجبًا عليهِم، كالجِهادِ والإِمامَةِ. قال أحمدُ: لابُدَّ للنَّاسِ مِن حاكمٍ، أَتذْهَبُ حُقوقُ

стр. 7353

النَّاسِ! وفيه فضلٌ عظيمٌ لِمَن قوِيَ على القيامِ به، وأداءِ الحقِّ فيه، ولذلك جعلَ اللَّه فيه أجْرًا مع الخطأِ، وأسْقَطَ عنه حُكْمَ الخطأِ، ولأنَّ فيه أمرًا بالمعروفِ، ونُصْرَةَ المَظْلومِ (٧)، وأداءَ الحقِّ إلى مُستحقِّهِ، ورَدًّا للظالِمِ عن ظُلْمِه، وإصْلَاحًا بينَ النَّاسِ، وتَخليصًا لبعضِهمْ من بعضٍ، وذلك مِن أبْوابِ القُرَبِ؛ ولذلك تَولَّاه النَّبِيُّ ﷺ ، والأنبياءُ قبلَه، فكانوا يَحكُمونَ لِأُمَمهم، وبَعثَ عليًّا إلى اليمنِ قاضِيًا (٨)، وبَعثَ أيضًا مُعاذًا قاضِيًا (٩). وقد رُوِيَ عنِ ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: لأنْ أجلِسَ قاضيًا بين اثنيْنِ، أحبُّ إليَّ مِن عِبادةِ سبعينَ سنةً (١٠). وعن عُقبةَ بنِ عامرٍ، قال: جاء خَصْمانِ يَختصِمانِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال لي (١١): "اقْضِ بَيْنَهُمَا". قلتُ: أنتَ أوْلَى بذلك. قال: "وَإنْ كَانَ". قلتُ: علامَ أقْضِى؟ قال: "اقْضِ، فَإِنْ أصبْتَ فَلَكَ عَشرَةُ أُجُورٍ، وإِنْ أَخْطَأْتَ فَلَكَ أجْرٌ وَاحِدٌ". رواه سعيدٌ في "سُننِه" (١٢). فصل: وفيه خَطرٌ عظيمٌ ووِزْرٌ كبيرٌ لِمَن لم يُؤَدِّ الحقَّ فيه، ولذلك كان السَّلفُ، [﵏] (١٣)، يَمْتَنِعونَ منه أشدَّ الامْتِناعِ، ويَخْشَون على أنْفُسِهم خَطَرَه. قال خاقانُ بنُ عبدِ اللهِ: أُريدَ أبو قِلابةَ على قضاءِ البصرَةِ، فهَرَبَ إلى اليَمامَةِ، فأُرِيدَ على

стр. 7354

قَضائِها، [فهَرَبَ إلى الشَّامِ، فأُريدَ على قَضائِها] (١٤)، وقيلَ: ليس هاهُنا غيرُك. قال: فأنْزِلوا الأمرَ على ما قُلتُم، فإنَّما مَثَلى مَثَلُ سابحٍ وَقعَ في البحرِ، فسبحَ يومَه، فانطلقَ، ثم سبحَ اليومَ الثَّاني، فمضَى أيضًا، فلمَّا كانَ اليومُ الثالثُ فَتَرتْ يَداهُ (١٥). وكانَ يُقالُ: أعْلمُ النَّاسِ بالقَضاءِ أشدُّهُم له كَراهَةً. ولعِظَمِ خَطرِه، قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ". قال الترمذيُّ: (١٦) هذا حديثٌ حسنٌ. وقيلَ في هذا الحديثِ: إنَّه لم يَخْرُجْ مَخْرَجَ الذَّمِّ للقضاءِ، وإنَّما وَصَفَه بالمشقَّةِ؛ فكأنَّ مَن وَلِيَهُ قد حُمِلَ على مشقَّةٍ، كَمَشَقَّةِ الذَّبحِ. فصل: والنَّاسُ في القضاءِ على ثلاثةِ أضرُبٍ؛ منهم مَن لا يجوزُ له الدُّخولُ فيه، وهو من لا يُحسِنُه، ولم تجتَمعْ فيه شروطُه، فقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ" ذَكَرَ منهم رجلًا قضَى بينَ النَّاسِ بِجَهْلٍ، فهو في النارِ (١٧). ولأنَّ مَن لا يُحْسِنُه لا يَقْدِرُ على العَدْلِ فيه، فيأخذُ الحقَّ من مُستحقِّه ويَدْفَعُه إلى غيرِه. ومنهم، مَن يَجوزُ له، ولا يجبُ عليه، وهو مَن كان مِن أهْلِ العَدالَةِ والاجْتهادِ، ويُوجدُ غيرُه مثلُه، فله أنْ يَلِيَ القضاءَ بحُكمِ حالِه وصَلاحِيَتِه، ولا يجبُ عليه؛ لأنَّه لم (١٨) يتَعَيَّنْ له. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يُسْتحبُّ له الدُّخولُ فيه؛ لِما فيه من الخطرِ والغَرَرِ، وفي تَرْكِه من السَّلامةِ، ولما ورَدَ فيه من التَّشْديد والذَّمِّ، ولأنَّ طريقةَ السَّلفِ الامْتِناعُ منه والتَّوقِّي، وقد

стр. 7355

أرادَ عثمانُ رضِى اللهُ عنه تَوليةَ ابنِ عمرَ القضاءَ فَأباه (١٩). وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ: إنْ كانَ رجلًا خامِلًا، لا يُرجعُ إليه في الأحْكامِ، ولا يُعْرَفُ، فالأوْلَى له تَوَلِّيه، ليُرْجَعَ إليه في الأحكامِ، ويقُومَ به الحقُّ، ويَنْتفِعَ به المُسلمون، وإنْ كان مشهورًا في النَّاسِ بالعلمِ، يُرجَعُ إليه في تعليمِ العلمِ والفَتْوَى، فالأوْلَى الاشْتغالُ بذلك، لما فيه من النَّفْعِ مع الأمنِ من الغَرَرِ. ونحوَ هذا قال أصحابُ الشَّافِعِيِّ، وقالوا أيضًا: إذا كان ذا حاجةٍ، وله في القضاءِ رِزْقٌ، فالأوْلَى له الاشْتِغالُ به، فيكونُ أولَى مِن سائرِ الْمَكاسبِ؛ لأنَّه قُرْبَةٌ وطاعةٌ. وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّه يُكْرَهُ للإنسانِ طَلَبُه، والسَّعْيُ في تَحْصِيلهِ؛ لأنَّ أنَسًا رَوَى عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ، وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ، وُكِلَ إلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ، أنزَلَ اللهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ". قال التِّرْمِذِيُّ (٢٠): هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وقال النَّبِيُّ ﷺ لعبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ: "يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ (٢١) غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). الثالثُ: مَن يجبُ عليه، وهو مَن يَصلُحُ

стр. 7356

للقضاءِ، ولا يُوجَدُ سِواهُ، فهذا يتعيَّنُ عليه (٢٣)؛ لأنَّه فرضُ كِفايةٍ، لا يقدِرُ على القيامِ به غيرُه فيتَعيَّنُ عليه، كَغَسْلِ الميِّتِ وتكْفِينِه. وقد نُقلَ عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّه لا يتَعيَّنُ عليه، فإنَّه سُئِلَ: هلْ يأْثمُ القاضِى إذا لم يُوجَدْ غيرُه؟ قال: لا يَأْثَمُ. فهذا يَحْتِمَلُ أنَّه يُحْمَلُ على ظاهرِه، في أنَّه لا يجبُ عليه، لِما فيه من الخَطَرِ بنَفْسِه، فلا يَلْزَمُه الإضْرارُ بنفسِه لِنَفْعِ غيرِه، ولذلك امتنعَ أبو قِلَابةَ منه، وقد قيلَ له: ليس غيرُك. ويَحْتَمِلُ أنْ يُحمَلَ على مَنْ لم يُمْكِنْه القيامُ بالواجبِ، لظُلْمِ السُّلطانِ أو غيرِه؛ فإنَّ أحمدَ قال: لابُدَّ للنَّاسِ مِن حاكمٍ، أتذهبُ حقوقُ النَّاسِ! فصل: ويجوزُ للقاضي أخْذُ الرِّزقِ، ورخَّصَ فيه شُرَيْحٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشَّافعيُّ، وأكثرُ أهلِ العلمِ. ورُوِيَ عن عمرَ، ﵁، أنَّه اسْتَعْملَ زيدَ بنَ ثابتٍ على الْقضاءِ، وفرضَ له رِزْقًا (٢٤). ورَزقَ شُرَيحًا في كلِّ شهرٍ مائةَ درهمٍ (٢٥). وبعث إلى الكوفةِ عمَّارًا وعُثمانَ بنَ حُنَيفٍ وابنَ مسعودٍ، ورَزَقَهم كلَّ يومٍ شاةً؛ نِصفُها لِعمَّارٍ ونصفُها لابنِ مسعودٍ وعُثمانَ، وكان ابنُ مسعودٍ قاضِيَهم ومُعَلِّمَهم (٢٦). وكتبَ إلى مُعاذِ ابنِ جَبَلٍ، وأبي عُبَيْدةَ، حين بعثَهُما إلى الشَّامِ، أنِ انظُرا رِجالًا مِنْ صالحِي مَن قِبَلَكُم، فاسْتَعمِلوهُم على القَضاءِ، وأوسِعوا عليهم، وارْزُقوهم، واكْفُوهم مِن مالِ اللهِ (٢٧). وقالَ أبو الخطَّابِ: يجوزُ له أخذُ الرِّزقِ مع الحاجَةِ، فأمَّا مع عَدمِها فعلى وَجهيْن. وقال أحمدُ: لا (٢٨) يُعجبُني أن يأخذَ على القضاءِ أجرًا، وإنْ كانَ فبقدْرِ شُغْلِه، مثل والِي اليَتيمِ. وكان ابنُ مسعودٍ والحسنُ يَكْرهانِ الأجرَ على القضاءِ (٢٩). وكان مَسْروقٌ،

стр. 7357

وعبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ (٣٠)، لا يأْخُذانِ عليه أجرًا، وقالا: لا نأْخُذُ أجرًا على أنْ نعدِلَ بين اثنينِ. وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: إنْ لم يكنْ مُتَعَيِّنًا جازَ له (٣١) أخذُ الرِّزقِ عليه، وإنْ تعيَّنَ لم يجُزْ إلَّا مع الحاجةِ. والصحيحُ جَوازُ أخْذِ الرِّزْقِ عليه بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، ﵁، لمَّا وَلِىَ الخلافةَ، فَرَضُوا له رِزْقًا (٣٢) كلَّ يومٍ دِرْهمَيْن (٣٣). ولِمَا ذكَرْناه مِن أنَّ عمرَ رَزقَ زيدًا وشُريْحًا وابنَ مسعودٍ، وأَمرَ بِفرْضِ الرِّزقِ (٣٤) لِمَن تَولَّى مِن القُضاةِ، ولأنَّ بالنَّاسِ حاجةً إليه، ولو لم يجزْ فَرْضُ الرِّزقِ لَتَعطَّلَ، وضاعتِ الحقوقُ. فأمَّا الاسْتئْجارُ عليه، فلا يجوزُ. قال عمرُ، ﵁: لا ينْبَغِي لِقاضِي المُسلمينَ أنْ يأْخُذَ على القَضاءِ أجْرًا (٣٥). وهذا مذهبُ الشَّافعيِّ، ولا نعلم فيه خِلافًا؛ وذلك لأنَّه قُرْبَةٌ يخْتَصُّ فاعلُه أنْ يكونَ من (٣٦) أهلِ القُرْبةِ، فأشْبَهَ الصَّلاةَ؛ ولأنَّه لا يَعْمَلُه الإنسانُ عن غيرِه، وإنَّما يقَعُ عن نفْسِه، فأشْبَهَ الصَّلاةَ، ولأنَّه عملٌ غيرُ مَعلومٍ. فإنْ لم يكُنْ للقاضِي رِزْقٌ، فقال للخَصْمَيْن: لا أقْضِي بينَكما حتى تَجْعَلا لي رِزْقًا عليه. جازَ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجُوزَ. فصل: وإذا كان الإمامُ في بلدٍ، فعليْهِ أنْ يبْعَثَ القُضاةَ إلى الأمْصارِ غيرِ بلَدِه؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعثَ عليًّا قاضيًا إلى اليَمَنِ، وبعثَ مُعاذَ بنَ جبلٍ إلى اليمنِ أيضًا. وقال له: "بِمَ تَحْكُمُ؟ " قال: بكتابِ اللهِ تعالى. قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ" قال: فبسنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ . قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ" قال: أجْتَهِدُ رَأيي. قال: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ

стр. 7358

رَسُولَ (٣٧) رَسُولِ اللهِ لِما يُرْضِي رَسُولَ اللهِ". وبعثَ عمرُ شُرَيْحًا على قَضاءِ الكُوفةِ، وكَعبَ بنَ سُورٍ (٣٨) على قضاءِ البَصرةِ (٣٩). وكتبَ إلى أبي عُبيدَةَ ومُعاذٍ يأْمرُهما بِتَوْليَةِ القضاءِ في الشَّامِ؛ لأنَّ أهلَ كلِّ بلدٍ يَحْتاجونَ إلى القاضِى، ولا يُمْكِنُهم المَصِيرُ إلى بلدِ الإمامِ، ومَن أمْكَنَه ذلك شقَّ عليه، فوَجبَ إغْناؤهُم عنه. فصل: وإذا أرادَ الإمامُ توْلِيَةَ قاضٍ، فإنْ كانَ له خِبْرةٌ بالنَّاسِ، ويَعْرفُ مَن يَصلُحُ لِلقضاءِ، وَلَّاه، وإنْ لم يَعْرِفْ ذلك، سألَ أهلَ المعرِفةِ بالنَّاسِ، واسْتَرْشَدَهم على (٤٠) مَن يصْلُحُ. وإنْ ذُكِرَ له رجلٌ لا يَعْرِفُه، أحْضَرَه وسألَه، وإنْ عرَفَ عَدالتَه، وإلَّا بحَثَ عن عدالَتِه، فإذا عرَفها ولَّاهُ، ويكتُبُ له عَهْدًا يأمرُه فيه بتَقْوَى اللهِ، والتَّثبُّتِ في الْقضاءِ، ومُشاوَرةِ أهلِ العلمِ، وتَصفُّحِ أحْوالِ الشُّهودِ، وتأمُّلِ الشَّهاداتِ، وتَعاهُدِ الْيتامَى، وحِفْظِ أموالهِم وأموالِ الوُقوفِ، وغيرِ ذلك ممَّا يحْتاجُ إلى مُراعاتِه. ثم إنْ كان البلدُ الذي وَلَّاه قضاءَه بعيدًا، لا يَسْتَفيضُ إليه الخبرُ بما يكونُ في بلدِ الإمامِ، أحْضرَ شاهِدَيْنِ عَدْلَيْن وقرأ عليهِما العَهْدَ، أو قَرَأهُ (٤١) غيرُه بِحَضْرتِه، ويُشْهِدُهما (٤٢) على تَوْلِيَتِه؛ لِيَمْضِيا معه إلى بلدِ وِلايتِه، فيُقِيما له الشَّهادةَ، ويقولُ لهما: اشْهَدا على أنِّي قد وَلَّيْتُه قضاءَ البلدِ الفُلانِيِّ، وتَقدَّمتُ إليه بما اشْتَملَ هذا العَهْدُ عليه. وإنْ كان البلدُ قريبًا من بلدِ الإمامِ، يسْتَفيضُ إليه ما يَجْرِي في بلدِ الإمامِ، مثل أنْ يكونَ بينَهما خمسةُ أيامٍ أو ما دُونَها، جازَ أن يكْتَفِىَ بالاسْتفاضةِ [دُونَ الشَّهادةِ؛ لأنَّ الوِلايةَ تَثْبُتُ بالاسْتِفاضةِ] (٤٣). وبهذا قالَ الشافعيُّ، إلَّا أنَّ عندَه في ثُبوتِ الوِلايةِ بالاسْتِفاضةِ في البلدِ

стр. 7359

القريبِ وَجْهَيْنِ. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتفاضةِ. ولم يفصلوا بينَ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبِيَّ ﷺ وَلَّى عليًّا ومُعاذًا قَضاءَ اليمنِ وهو بعيدٌ، مِن غيرِ إشْهادٍ (٤٤)، ووَلَّى الوُلاةَ في البلادِ (٤٥) البعيدةِ وَفوَّضَ إليهم الوِلايةَ والقضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه. ولم يُنقلْ عنهم (٤٦) الإشْهادُ على تَوْلِيَةِ القَضاءِ، مع بُعْدِ بُلدانِهم. ولَنا، أنَّ القضاءَ لا يَثْبتُ إلَّا بأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقد تعذَّرَتِ الاسْتفاضةُ في البلدِ البعيدِ؛ لِعَدَمِ وُصولِها إليه، فتعَيَّن الإشْهادُ، ولا نُسلِّمُ أنَّ النبِيَّ ﷺ لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَتِه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَبْعَثْ واليًا إلَّا ومعه جماعةٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أشْهدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عدمُ فِعْلِه، وقد قامَ دليلُه، فتعَيَّن وُجودُه. ١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا (١)، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا) وجُمْلتُه أنَّه يُشْتَرطُ في القاضي ثَلاثةُ شروطٍ؛ أحدها، الكَمالُ، وهو نوعان؛ كمالُ الأحْكام، وكمالُ الخِلْقَةِ، أمَّا كمالُ الأحكامِ فيُعتَبرُ في أربعةِ أشياء؛ أنْ يكونَ بَالغًا عاقِلًا حُرًّا ذكَرًا. وحُكى عنِ ابنِ جَرِيرٍ أنَّه لا تُشْتَرَطُ الذُّكورِيَّةُ؛ لأنَّ المرأةَ يجوزُ أنْ تكونَ مُفْتِيَةً، فيجوزُ أنْ تكونَ قاضِيةً. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ أنْ تكونَ قاضيَةً في غيرِ الحُدودِ؛ لأنَّه يجوزُ أنْ تكونَ شاهدةً فيه (٢). ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" (٣). ولأنَّ القاضيَ يَحضُرُه مَحافلُ الخُصومِ والرِّجال، ويَحْتاجُ فيه إلى كَمالِ الرأْيِ وتمامِ العقلِ والفِطْنةِ، والمَرأةُ ناقِصةُ العقلِ، قليلةُ الرَّأْيِ، ليستْ

стр. 7360

أهلًا للحُضورِ في مَحافلِ الرِّجالِ، ولا تُقْبَلُ شَهادتُها ولو كانَ معها ألفُ امرأةٍ مثلِها، ما لم يكُنْ معهنَّ رجلٌ، وقد نبَّهَ اللهُ تعالى على ضَلالِهنَّ ونِسْيانِهن، بقولِه تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٤). ولا تَصلُحُ للإمامَةِ العُظْمَى، ولا لِتَوْليةِ البُلدانِ؛ ولهذا لم يُوَلِّ النَّبِيُّ ﷺ ، ولا أحدٌ مِن خُلفائِه، ولا مَن بعدَهم، امرأةً قضاءً ولا وِلايةَ بلدٍ، فيما بَلَغَنا، ولو جازَ ذلك لم يَخْلُ منه جميعُ الزَّمانِ غالبًا. وأما كمالُ الخِلْقةِ، فأنْ يكونَ مُتَكلِّمًا سميعًا بصيرًا؛ لأنَّ الأخْرَسَ لا يُمْكِنُه النُّطْقُ بالحُكْمِ، ولا يَفْهمُ جميعُ النَّاسِ إشارتَه، والأصَمَّ لا يَسْمعُ قولَ الخَصْمَينِ، والأعْمَى لا يعْرِفُ المُدَّعِىَ مِن المُدَّعَى عليه، والمُقِرَّ مِن المُقَرِّ له، والشَّاهِدَ من المَشْهودِ له. وقال بعضُ أصحابِ الشَّافعيِّ: يجوزُ أن يكونَ أعْمَى؛ لأنَّ شُعَيْبًا كان أعْمَى. ولهم في الأخْرسِ الذي تُفهَمُ إشارتُه وَجْهان. ولَنا، أنَّ هذه الحَواسَّ تُؤثِّرُ في الشَّهادةِ، فيَمْنَعُ فَقدُها وِلايةَ القضاءِ كالسَّمعِ؛ وهذا لأنَّ مَنْصِبَ الشَّهادةِ دون مَنْصِبِ القَضاءِ، والشاهدَ يشهدُ في أشياءَ يسيرةٍ يُحتاجُ إليه فيها، وربما أحَاطَ بحقيقةِ عِلْمِها، والقاضيَ وِلايتُه عامَّةٌ، ويَحْكمُ في قَضايا الناسِ عامَّةً، فإذا لم تُقْبَلْ منه الشَّهادةُ، فالقضاءُ أوْلَى، وما ذكَرُوه عن شُعَيبٍ [﵇] (٥)، فلا نُسَلِّمُ فيه، فإنَّه لم يَثْبُتْ أَنَّه كان أعْمَى، ولو ثبَتَ فيه ذلك، فلا يَلْزَمُ هاهُنا، فإنَّ شُعيبًا، ﵇، كان مَن آمنَ معه مِن الناسِ قليلًا، وربَّما لا يَحْتاجونَ إلى حَكَمٍ بينهم لِقِلَّتِهم وتَناصُفِهم، فلا يكونُ حُجَّةً في مسْألتِنا. الشرط الثاني، العدالةُ، فلا يجوزُ تَوْلِيَةُ فاسقٍ، ولا مَن فيه نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهادةَ، وسنذكرُ ذلك في الشَّهادةِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وحُكِيَ عن الأصمِّ، أنه قال: يجوزُ أنْ يكونَ القاضي

стр. 7361

فاسقًا؛ لما رُوِيَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ (٦) يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ أوْقَاتِهَا، فَصَلُّوهَا لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ (٧) سُبْحَةً" (٨). ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٩). فأمرَ بالتَّبَيُّنِ عندَ قولِ الفاسقِ، ولا يجوزُ أنْ يكونَ الحاكمُ ممَّن لا يُقْبَلُ قولُه، ويجبُ التَّبَيُّنُ عندَ حكمِه؛ ولأنَّ الفاسقَ لا يجوزُ أنْ يكونَ شاهدًا، فلئلَّا يكونَ قاضيًا أوْلَى. فأمَّا الخبرُ فأخبرَ بوُقوعِ كَوْنِهم أُمَراءَ، لا بمَشْروعيَّتِه، والنِّزاعُ في صِحَّةِ تَوْلِيَتِه، لا في وُجودِها. الشرط الثالث، أنْ يكونَ من أهلِ الاجْتهادِ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وبعضُ الحنفيَّةِ. وقالَ بعضُهم: يجوزُ أن يكونَ عامِّيًّا فيَحْكمَ بالتَّقْليدِ؛ لأنَّ الغرضَ منه فصلُ الخَصائمِ، فإذا أمْكَنَه ذلك بالتَّقليدِ جازَ، كما يُحْكَمُ بقَولِ المُقَوِّمِينَ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١٠). ولم يقُلْ بالتَّقْليدِ، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (١١). وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١٢). ورَوَى بُرَيْدَةُ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه قال: "القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ؛ اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى (١٣) بِهِ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ". روَاه ابنُ ماجَه (١٤). والعامِّيُّ يقْضِي على الجَهْلِ (١٥)، ولأنَّ الحُكْمَ آكَدُ من الفُتْيَا؛ لأنَّه فُتْيَا

стр. 7362

وإلْزامٌ، ثم الْمُفْتِي لا يجوزُ أن يكونَ عامِّيًا مُقَلِّدًا، فالحُكْمُ أَوْلَى. فإن قيل: فالمُفْتِي يجوزُ أنْ يُخْبِرَ بما سَمِعَ. قُلْنا: نعم. إلَّا أَنَّه لا يكونُ مُفْتِيًا في تلك الحالِ، وإنَّما هو مُخْبِرٌ، فيَحْتاجُ أنْ يُخْبِرَ عن رجلٍ بِعَيْنِه من أهلِ الاجْتهادِ فيكونُ مَعْمُولًا بخبَرِه لا بفُتْياهُ، وخالَفَ (١٦) قولَ (١٧) المُقَوِّمِين (١٨)؛ لأنَّ ذلك لا يُمْكِنُ الحاكمَ مَعْرِفتُه بنفسِه، بخلافِ الحُكْمِ. إذا ثبَتَ هذا، فمِن شرطِ الاجْتهادِ معرفةُ سِتَّةِ أشياءَ؛ الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ، والاخْتِلافِ، والقياسِ، ولسانِ العربِ. أمَّا الكتابُ، فيَحْتاجُ أنْ يَعرِفَ منه عَشرَةَ أشياءَ؛ الخاصُّ، والعامُّ، والمُطْلَقُ، والمُقيَّدُ، والمُحْكَمُ، والمُتَشَابِهُ، والمُجْمَلُ، والمُفَسَّرُ، والنَّاسِخُ، والمَنْسُوخُ في الآياتِ المتعلِّقةِ بالأحْكامِ، وذلك نحوُ خَمْسِمائة، ولا يَلْزَمُه معرفةُ سائرِ القرآنِ. فأمَّا السُّنَّةُ، فيحْتاجُ إلى معرفةِ (١٩) ما يتعلَّقُ منها بالأحكامِ دونَ سائرِ الأخبارِ، مِن ذِكرِ الجنةِ والنَّارِ والرَّقائقِ، ويحْتاجُ أنْ يعرِفَ منها ما يعرِفُ مِن الكتابِ، ويَزِيدُ معرفةَ التَّواتُرِ، والآحادِ، والمُرْسَلِ، والمُتَّصِلِ، والمُسْنَدِ، والمُنْقطِعِ، والصَّحيحِ، والضَّعيفِ، ويحْتاجُ إلى معرفةِ ما أُجمعَ عليه، وما اخْتُلِفَ فيه، ومعرفةِ القياسِ، وشُروطِه، وأنواعِه، وكيفيَّةِ اسْتِنْباطِه الأحكامَ، ومعرفةِ لسانِ العربِ فيما يتعلَّقُ بما ذُكِرَ؛ ليَتعرَّفَ به اسْتِنْباطَ الأحكامِ من أصْنافِ عُلومِ الكتابِ والسُّنَّةِ، وقد نَصَّ أحمدُ على اشْتِراطِ ذلك لِلفُتْيَا، والحُكْمُ في معناه. فإنْ قيلَ: فهذه (٢٠) شروطٌ لا تجْتمعُ [في أحَدٍ] (٢١)، فكيف يَجوزُ اشْتِراطُها؟ . قُلْنا: ليس مِن شَرْطِه أنْ يكونَ مُحِيطًا بهذه العلومِ إحاطةً تجْمَعُ أقْصاها، وإنما يحْتاجُ (٢٢) أنْ يعْرِفَ مِن ذلك ما يتعلَّقُ بالأحْكامِ مِن الكتابِ والسنةِ ولسانِ العربِ، ولا أنْ يُحيطَ بجميعِ

стр. 7363

الأخْبارِ الوارِدةِ في هذا، فقد كان أبو بكر الصِّدِّيقُ وعمرُ بنُ الخطابِ، خَلِيفَتا رسولِ اللهِ ﷺ ، ووَزيراهُ (٢٣)، وخيرُ الناسِ بعدَه، في حالِ إمامَتِهما يُسأَلانِ عن الحُكمِ فلا يَعْرفانِ ما فيه من السُّنَّة، يَسْأَلَان الناسَ فيُخْبَران، فسُئلَ أبو بكرٍ عن ميراثِ الجَدَّةِ، فقال: ما لكِ في كتابِ اللهِ شىءٌ، ولا أعْلَمُ لكِ في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ شيئًا، ولكنِ ارْجِعي حتى أسألَ الناسَ. ثم قامَ فقال: أنشُدُ اللهَ مَن يعلمُ قضاءَ رسولِ اللهِ ﷺ في الجَدَّةِ؟ فقامَ المُغيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، فقال: أشْهدُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أعْطاها السُّدُسَ (٢٤). وسألَ عمرُ عن إمْلَاصِ المرأةِ، فأخْبرَه المُغيرَةُ [بنُ شُعبةَ] (٢٥) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فيه بغُرَّةٍ (٢٦). ولا يُشترَطُ معرفةُ المسائلِ التي فرَّعها المجتهدون في كُتبِهم، فإنَّ هذه فروعٌ فرَّعَها الفُقَهاءُ بعدَ حِيازةِ مَنْصِبِ الاجْتهادِ، فلا تكونُ شَرْطًا له وهو سابقٌ عليها. وليس من شَرْطِ الاجْتهادِ في مَسْألةٍ أن يكونَ مُجْتِهدًا في كلِّ المسائلِ، بل مَن عرَفَ أدِلَّةَ مسألةٍ، وما يتعلَّقُ بها، فهو مُجْتِهدٌ فيها، وإنْ جهِلَ غيرَها، كمَن يَعْرِفُ الفَرائضَ وأُصولَها، ليس مِن شَرْطِ اجْتهادِه فيها معرفتُه بالبيْعِ، ولذلك ما مِن إمامٍ إلَّا وقد توقَّفَ في مسائلَ. وقيل: مَن يُجيبُ في كلِّ مسألةٍ فهو مجنونٌ، وإذا تركَ العالِمُ: لا أدْرِي. أُصِيبَتْ مَقاتلُه. وحُكى [أنَّ مالكًا] (٢٧) سُئلَ عن أربعينَ مسألةً، فقال في ستٍّ وثلاثينَ منها: لا أدْرِي. ولم يُخرِجْه ذلك عن كَوْنِه مُجْتِهدًا. وإنَّما المُعْتَبرُ أصولُ هذه الأمورِ، وهو مجموعٌ مُدوَّنٌ في فُروعِ الفقهِ وأُصولِه، فمَن عرَفَ ذلك، ورُزِقَ فَهْمَه، كان مُجْتهدًا، له الفُتْيَا ووِلايةُ الحُكْمِ إذا وَلِيَه. واللهُ أعلمُ. فصل: ليس مِن شَرْطِ الحاكمِ كونُه كاتِبًا. وقيلَ: يُشْترَطُ ذلك؛ ليَعْلَمَ (٢٨) ما

стр. 7364

يَكتبُه كاتبُه (٢٩)، ولا يتمكَّنُ من إخْفائِه عنه. ولَنا، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ أُمِّيًّا، وهو سَيِّدُ الحُكَّامِ، وليس مِن ضرورةِ الحُكْمِ (٣٠) الكتابةُ، فلا تُعْتَبرُ شُروطُها، وإن احْتاجَ إلى ذلك جازَ تَوْلِيَتُه لمن يَعْرِفُه، كم أنَّه قد يحْتاجُ إلى القِسمةِ بين النَّاسِ (٣١)، وليس مِن شَرْطِه معرفةُ المِساحةِ، ويَحْتاجُ إلى التَّقْويمِ، وليس من شَرْطِ (٣٢) القَضاءِ أن يكونَ عالمًا بِقِيَمِ (٣٣) الأشياءِ، ولا مَعْرفتُه بعُيوبِ كلِّ شىءٍ. فصل: ويَنْبغِي أنْ يكونَ الحاكمُ قويًّا مِن غيرِ عُنْفٍ، ليِّنًا مِن غيرِ ضَعْفٍ، لا يَطْمعُ القويُّ في باطلِه، ولا يَيْأسُ الضعيفُ من عَدْلِه، ويكونَ حليمًا، مُتأنِّيًا، ذا فِطْنةٍ وتيَقُّظٍ، لا يُؤْتَى من غَفْلةٍ، ولا يُخْدَعُ لغِرَّةٍ، صحيحَ السمعِ والبصرِ، عالمًا بلغُاتِ أهلِ وِلايَتِه، عفيفًا، ورعًا، نَزِهًا (٢٩)، بَعيدًا عن (٣٤) الطَّمَعِ، صَدُوقَ اللَّهْجةِ، ذا رأْيٍ ومَشُورةٍ، لِكلامِه لِينٌ إذا قَرُبَ، وهَيْبةٌ إذا أوْعدَ، ووفاءٌ إذا وَعَدَ، ولا يكونُ جبَّارًا، ولا عَسُوفًا، فيقْطَعُ ذا الحُجَّةِ عن حُجَّتِه. قالَ عليٌّ، ﵁: لا ينْبَغِي أنْ يكونَ القاضِي قاضِيًا حتى تكونَ فيه خمسُ خصالٍ؛ عفيف، حليم، عالم بما كان قبلَه، يَسْتَشيرُ ذَوِي الألبابِ، لا يخافُ في اللهِ لَوْمةَ لائمٍ. وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ﵁ (٣٥)، قال: ينْبغِي للقاضِي أنْ تَجْتَمِعَ فيه سبعُ خلالٍ، إنْ فاتَتْه واحدةٌ كانتْ فيه وَصْمَةٌ: العقل، والفقه، والوَرَع، والنَّزاهة، والصَّرامة، والعلم بالسُّنَنِ، والحِلْم (٣٦). ورواه سعيدٌ (٣٧). وفيه: يكون فهِمًا، حليمًا، عفيفًا،

стр. 7365

صَلِيبًا (٣٨)، سَأَّالًا عمَّا لا يعْلمُ. وفي روايةٍ: مُحْتمِلًا لِلَّائِمَةِ؛ ولا يكونُ ضعيفًا، مَهِينًا؛ لأنَّ ذلك يبْسُطُ المُتخاصِمين إلى التَّهاتُرِ والتَّشاتُمِ بين يَدَيْه. وقال عمرُ، ﵁: لأعْزِلنَّ فُلانًا عنِ القضاءِ، ولأسْتعمِلنَّ رجلًا إذا رآه الفاجرُ فَرِقَه (٣٩). فصل: وله أنْ ينْتهِرَ الخَصْمَ إذا الْتوَى، ويَصِيحَ عليه، وإنِ اسْتحقَّ التَّعْزيرَ عَزَّرَه بما يرَى من أدَبٍ أو حَبْسٍ. وإن افْتَاتَ عليه بأنْ يقولَ: حكمتَ عليَّ بغيرِ الحقِّ. أو: ارتشيتَ. فله تأْديبُه. وله أنْ يعْفُوَ. وإنْ بدأ المُنْكِرُ باليَمِينِ، قطَعَها عليه، وقالَ: البَيِّنَةُ على خَصْمِك. [فإنْ عادَ نَهَرَهُ] (٤٠)، فإنْ عادَ عَزَّرَه إنْ رأَى. وأمثالُ ذلك مِمَّا (٤١) فيه إساءةُ الأدِب، فله مُقابَلةُ فاعلِه، وله العَفْوُ. فصل: وإذا (٤٢) وَلَّى الإمامُ رجلًا القضاءَ (٤٣)، فإنْ كانتْ وِلايتُه في غيرِ بلدِه، فأرادَ السَّيْرَ إلى بَلَدِ (٤٤) وِلايَتِه، بحَثَ عن قومٍ مِن أهلِ ذلك البلدِ، ليسْألَهم عنه، ويتعرَّفَ منهم ما يحْتاجُ إلى مَعْرفتِه، فإنْ لم يجِدْ، سألَ في طريقِه، فإنْ لم يجِدْ، سألَ إذا دخلَ البلدَ عن أهلِه، ومَن به من العُلَماءِ والفُضَلاءِ وأهْلِ العدالةِ والسَّتْرِ (٤٥)، وسائرِ ما يحْتاجُ إلى مَعْرفتِه، وإذا قرُبَ مِن البلدِ، بعَثَ مَن يُعْلِمُهم بقُدومِه لِيتلَقَّوه، ويجعلُ قُدومَه يومَ الخميسِ إنْ أمْكنَه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قدِمَ مِن سَفَرٍ، قدِمَ يومَ الخَميسِ (٤٦)، ثم

стр. 7366

يقصِدُ الجَامعَ، فيُصلِّي فيه رَكْعتيْن، كما كان النبِيُّ ﷺ يفْعَلُ إذا دخلَ المدينةَ (٤٧)، ويسألُ اللهَ تعالى التَّوفيقَ والعِصْمةَ والْمَعُونةَ، وأنْ يجْعلَ عملَه صالحًا، ويجْعلَه لوَجْهِه خالصًا، ولا يجعلَ لأحدٍ فيه شيئًا، ويُفوِّضُ أمرَه إلى اللهِ تعالى، ويتوكَّلُ عليه، ويأمرُ مُنادِيَه فيُنادِى في البَلَدِ، إنَّ فُلَانًا قَدِمَ عليكم قاضيًا، فاجْتمِعُوا لِقراءَةِ عَهْدِه، وقتَ كذا وكذا. ويَنْصرِفُ إلى مَنْزلِه الذي قد أُعِدَّ له، وينْبَغِى أنْ يكونَ في وَسَطِ البلدِ؛ ليتَساوَى أهلُ البَلَدِ (٤٨) فيه، ولا يَشُقُّ على بعضِهم قَصْدُه، فإذا اجْتمَعُوا، أمرَ بعَهْدِه فقُرِيء عليهم، لِيعْلَموا التَّولِيَةَ، ويَأْتُوا إليه، ويَعِدُ الناسَ يومًا يجْلِسُ فيه للقَضاءِ، ثم ينْصَرِفُ إلى منزلِه. وأوَّلُ ما يبدأُ فيه (٤٩) مِن أمرِ الحكمِ، أنْ يبْعَثَ إلى الحاكِم المَعْزُولِ فيأخُذَ منه ديوانَ الحُكْمِ؛ وهو ما فيه وَثائقُ الناسِ من المحاضِرِ، وهي نُسَخُ ما ثَبَتَ عندَ الحاكِم، والسِّجِلَّاتُ نُسَخُ ما حكَم به، وما كان عندَه من حُجَجِ الناسِ ووَثائقِهم مُودَعةً في ديوانِ الحُكْمِ، فكانت عندَه بحُكْمِ الوِلَايةِ، فإذا انْتقَلتِ الوِلايةُ إلى غيرِه، كان عليه تسْلِيمُها إليه، فتكونُ مودَعةً عندَه في ديوانِه، ثم يَخْرُجُ في اليومِ الذي وعَدَ بالجلوسِ فيه إلى مَجْلسِه، على أكْمَلِ حالٍ (٥٠) وأعْدَلِها، خَلِيًّا مِن الغَضَبِ، والجُوعِ الشديدِ والعَطَشِ، والفَرَحِ الشَّديدِ والحُزْنِ الكثيرِ، والهَمِّ العظيمِ، والوَجَعِ المُؤْلمِ، ومُدافَعةِ الأخْبَثَيْنِ أو أحَدِهما، والنُّعاسِ الذي يغْمُرُ القلبَ؛ ليكونَ أجْمَعَ لقَلْبِه، وأحْضَرَ لذِهْنِه، وأَبْلَغَ في تيقُّظِه للصَّوابِ، وفِطْنتِه لِمَوْضعِ الرَّأْيِ؛ ولذلك قال النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَقْضِي القَاضِي بيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" (٥١). فنَصَّ على الغضَبِ، ونَبَّهَ على ما في

стр. 7367

مَعْناه من سائرِ ما ذكرنَاه. ويُسَلِّمُ على مَن يمُرُّ به [مِن المُسلمين] (٥٢) في طريقه، ويَذْكرُ اللهَ بقلبِه ولسانِه حتَّى يأْتِيَ مَجْلِسَه، ويُسْتحَبُّ أن يجعلَه في موضعٍ بارزٍ للناسِ فسيحٍ، كالرَّحبَةِ والفَضاءِ الواسعِ أو الجامعِ. ولا يُكْرهُ القضاءُ في المساجدِ (٥٣)، فعلَ ذلك شُرَيحٌ، والحسنُ، والشَّعْبيُّ، ومُحارِبُ بنُ دِثارٍ، ويحيى بنُ يَعْمُرَ، وابنُ أبي ليلى، وابنُ خَلْدَةَ (٥٤)، قاضٍ لِعُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ﵁. ورُوىَ عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ، أنَّهم كانوا يَقْضُون في المسجدِ. وقال مالكٌ: القضاءُ في المسجدِ مِن أمرِ الناسِ القديمِ. وبه قال مالكٌ، وإسحاقُ، وابنُ المُنذِرِ. وقالَ الشَّافعيُّ: يُكرَه ذلك، إلَّا أنْ يتَّفِقَ خَصْمانِ عندَه في المسجدِ؛ لما رُوِيَ أنَّ عمرَ كتبَ إلى القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنْ لا تَقْضِيَ في المسجدِ؛ لأنَّه تأْتيكَ الحائضُ والجنبُ. [ولأنَّ الحاكمَ يأْتِيه الذِّمِّيُّ والحائضُ والجُنُبُ] (٥٥)، وتَكْثرُ غاشِيَتُه، ويَجْرِي بينهم اللَّغَطُ والتَّكاذُبُ والتَّجاحُد، وربَّما أدَّى إلى السَّبِّ وما لم تُبْنَ له المساجدُ. ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ بما قد رَويْناه عنهم. وقال الشَّعْبيُّ: رأيتُ عمرَ وهو (٥٦) مُسْتَنِدٌ (٥٧) إلى القِبلةِ، يَقضِي بينَ الناسِ. وقال مالكٌ: هو مِن أمرِ النَّاسِ القديمِ. ولأنَّ القضاءَ قُرْبَةٌ وطاعةٌ وإنْصافٌ بين الناسِ، فلم يُكْرَه في المسجدِ، ولا نَعْلَمُ صِحَّةَ ما رَوَوه عن عمرَ، وقد رُوِيَ عنه خِلافُه. وأمَّا الحائضُ، فإنْ عَرضَتْ لها حاجَةٌ إلى القضاءِ، وَكَّلَتْ، أو أتَتْه في منزلِه. والجُنُبُ يَغْتسِلُ ويدْخُلُ، والذِّمِّيُّ يجوزُ دُخولُه بإذْنِ مسلمٍ. وقد كان النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِسُ في مسجدِه، مع حاجةِ الناسِ إليه

стр. 7368

للحُكومَةِ والفُتْيَا وغيرِ ذلك من حَوائجِهم، وكان أصْحابُه يُطالِبُ بعضُهم بعضًا بالحُقوقِ في المسجدِ، وربَّما رَفَعُوا أصْواتَهم. فقد رُوِيَ عن كعبِ بنِ مالكٍ أنَّه قال: تقاضيْتُ ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْنًا في المسجدِ، حتى ارتفعتْ أصْواتُنا، فخرجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فأشارَ إليَّ، أنْ ضَعْ مِن دَيْنِك الشَّطْرَ. فقُلْتُ: نعم يا رسولَ اللهِ، فقال: "فَقُمْ فَاقْضِهِ" (٥٨). وينْبَغِى أنْ يكونَ جُلوسُه في وَسَطِ البلدِ، لئلَّا يَبْعُدَ على قاصِديه، ولا يتَّخذَ حاجِبًا يَحجُبُ الناسَ عن الوُصولِ إليه؛ لما رَوىَ القاسمُ بنُ مُخَيْمِرَةَ، عن أبي مريمَ صاحبِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "مَنْ وَلِىَ مِنْ أمُورِ النَّاسِ شَيْئًا، وَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَفَاقَتِهِ وَفَقْرِهِ". روَاه التِّرْمِذِيُّ (٥٩). ولأنَّ حاجِبَه ربَّما قدَّمَ المُتأخِّرَ وأخَّرَ المُتقدِّمَ لِغَرَضٍ له، ورُبَّما كسَرهم بحَجْبِهم والاسْتِئْذانِ لهم. ولا بأْسَ باتِّخاذِ حاجِبٍ في غيرِ مجلسِ القضاءِ. ويُبْسَطُ له شىءٌ [يجْلِسُ عليه] (٦٠)، ولا يَجلسُ على التُّرابِ، ولا على حَصِيرِ المسجِدِ؛ لأنَّ ذلك يَذْهبُ بهَيْبَتِه مِن أعْيُنِ الخُصومِ، ويجْعلُ جُلوسَه مُسْتقبِلَ القبلةِ؛ لأنَّ خيرَ المجالسِ (٦١) ما استُقبِلَ به القبلةُ. وهذه الآدابُ المذكورةُ في هذا الفضلِ ليستْ شَرْطًا في

стр. 7369

الحُكْمِ، إلَّا (٦٢) الْخُلُوَّ مِن الغَضَبِ وما في معناه، فإنَّ في اشْتراطِه رِوايتيْنِ. فصل: وإذا جلسَ الحاكمُ في مجلسِه، فأوَّلُ ما يَنْظُرُ فيه أمرُ المَحْبُوسِينَ؛ لأنَّ الحبسَ عذابٌ، وربَّما كان فيهم مَن لا يَسْتحِقُّ البقاءَ فيه، فيُنْفِذُ إلى حَبْسِ القاضي الذي كانَ قبلَه ثِقَةً، يكْتُبُ اسمَ كلِّ مَحْبُوسٍ، وفيمَ حُبِسَ؟ ولمن حُبِسَ؟ فيحملُه إليه، فيأمرُ مُنادِيًا يُنادِي في البلدِ ثلاثةَ أيامٍ: ألا إنَّ القاضِىَ فُلانَ بنَ فُلانٍ يَنْظرُ في أمْرِ المَحْبوسِين يومَ كذا، فمَن كان له مَحْبُوسٌ فلْيَحْضُرْ. فإذا حضَرَ ذلك اليومُ، وحضرَ الناسُ، تركَ الرِّقاعَ التي فيها اسمُ المَحْبُوسِين بين يدَيْه، ومَدَّ يدَه إليها، فما وقَعَ في يده منها نظرَ إلى اسمِ المَحْبُوسِ، وقال: مَن خَصْمُ فلانٍ المَحْبوسِ. فإذا قالَ خَصْمُه: أنا. بعثَ معه ثِقَةً إلى الحَبْسِ، فأخْرَجَ خَصْمَه، وحضرَ معه مَجْلسَ الحُكْمِ، ويفعلُ ذلك في قَدْرِ ما يعلمُ أنَّه يتَّسِعُ زمانُه للنَّظَرِ فيه في ذلك المجلسِ، ولا يُخْرِجُ غيرَهم، فإذا حضَر المحبوسُ وخَصْمُه، لم يسْألْ خَصْمَه: لمَ حَبَسْتَه؟ لأنَّ الظاهرَ أنَّ الحاكمَ إنَّما حبسَه بحَقٍّ، لكنْ يسْألُ المحبوسَ: بِمَ حُبِستَ؟ ولا يخْلُو جَوابُه من خمسةِ أقسامٍ؛ أحدها، أن يقولَ: حبسَنِي بحقٍّ له حالٍّ، أنا مَلِىءٌ به (٦٣). فيقولَ له الحاكمُ: اقْضِهِ، وإلَّا رَدَدْتُك في الحَبْسِ. الثاني، أنْ يقولَ: له عليَّ دَينٌ، أنا مُعْسِرٌ به. فيَسْألُ خَصْمَه، فإن صدَّقَه، فَلَّسَهُ الحاكمُ وأطْلقَه. وإنْ كذَّبه، نظَرَ في سَبَبِ الدَّيْنِ، فإنْ كانَ شيئًا حصَلَ له به مالٌ، كقَرْضٍ أو شِرَاءٍ، لم يَقْبَلْ قولَه في الإعْسارِ إلَّا ببَيِّنةٍ بأنَّ مالَه تلِفَ أو نَفِدَ، أو ببَيِّنةٍ أنَّه مُعْسِرٌ، فيزُولُ الأصلُ الذي ثبَتَ، ويكونُ القولُ قولَه فيما يدَّعِيهِ عليه من المَالِ. وإنْ لم يثْبُتْ له أصلُ مالٍ، ولم تكُنْ لخَصْمِه بَيِّنَةٌ بذلك، فالقولُ قولُ المحْبُوسِ مع يَمِينِه أَنَّه مُعْسِرٌ؛ لأنَّ الأصلَ الإعْسارُ. وإن شَهِدتْ لخَصْمِه بَيِّنَةٌ بأنَّ له مالًا، لم تُقْبَلْ حتى يُعيَّن (٦٤) ذلك المالُ بما يتميَّزُ به، فإنْ شَهِدتْ عليه البَيِّنَةُ

стр. 7370

بدارٍ مُعَيَّنَةٍ أو غيرِها، وصدَّقَها، فلا كلامَ، وإن كذَّبها، وقال: ليس هذا لي، وإنَّما هو في يَدى لغَيْرِي. لم يُقْبَلْ إلَّا أن يُقرَّ به إلى واحدٍ بعَيْنِه، فإن كان الذي أقَرَّ له به حاضِرًا، نَظَرْتَ، فإن كذَّبه في إقْرارِه، سقَطَ، وقُضِىَ من المالِ دَيْنُه، وإنْ صدَّقَه نَظَرْتَ، فإن كان له به بَيِّنةٌ، فهو أوْلَى؛ لأنَّ له بَيِّنةً، وصاحبُ اليَدِ يُقِرُّ له به، وإن لم تَكُنْ له بَيِّنَةٌ، فذَكَرَ القاضي أنَّه لا يُقْبَلُ قولُهما، ويُقْضَى الدَّيْنُ منه؛ لأنَّ الْبَيِّنةَ شَهِدتْ لصاحبِ اليدِ بالمِلْكِ، فتَضَمَّنَتْ شَهادتُهما (٦٥) وُجوبَ القضاءِ منه، فإذا لم تُقْبَلْ شَهادتُهما (٦٥) في حقِّ نَفْسِه، قُبلَتْ فيما تضَمَّنَتْه؛ لأنَّه حَقٌّ لغيرِه؛ ولأنَّه مُتَّهَمٌ في إقْرارِه لغيرِه، لأنَّه قد يفْعَلُ ذلك ليُخَلِّصَ مالَه، ويعُودَ إليه، فتَلْحَقُه تُهْمَةٌ، فلم تَبْطُلِ البَيِّنةُ بقَوْلِه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، يثْبُتُ الإقْرارُ، وتَسْقُطُ البَيِّنَةُ؛ لأنَّها تشْهَدُ بالمِلْكِ لمن لا يَدَّعِيهِ ويُنْكِرُه. الجواب الثالث، أن يقولَ: حبسَني لأنَّ البَيِّنَةَ شَهِدتْ عليَّ لخَصْمِي بحَقٍّ ليبْحثَ عن حالِ الشُّهودِ. فهذا يَنْبَنِي على أصلٍ، وهو أنَّ الحاكمَ هل له ذلك أو لَا؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ الحَبْسَ عذابٌ، فلا يَتَوَجَّه عليه قبلَ ثُبوتِ الحقِّ عليه. فعلى هذا لا يَرُدُّه إلى الحَبْسِ إن صدَّقَه خَصْمُه في هذا. والثاني، يجوزُ حَبْسُه؛ لأنَّ المُدَّعِيَ قد أقامَ ما عليه، وإنَّما بَقِيَ ما على الحاكمِ من البَحْثِ. ولأصْحابِ الشَّافعيِّ وَجْهانِ كهذَيْن، فعلى هذا الوَجْهِ، يرُدُّه إلى الحَبْسِ حتى يَكْشِفَ عن حالِ شُهودِه. وإن كذَّبه خَصْمُه، وقال: بل قد عَرَفَ الحاكمُ عَدالةَ شُهودِى، وحكَمَ عليه بالحقِّ. فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّ حَبْسَه بحَقٍّ. الجوابُ الرابعُ، أنْ (٦٦) يقولَ: حبَسنِى الحاكمُ بثَمَنِ كلبٍ، أو قِيمةِ خمرٍ أرَقتُه لذِمِّيٍّ؛ لأنَّه كان يرى ذلك. فإنْ صدَّقَه خَصْمُه، فذكرَ القاضي أنَّه يُطْلِقُه؛ لأنَّ غُرْمَ هذا ليس بوَاجبٍ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ الحاكمَ يُنفِّذُ حكمَ الحاكِم الأوَّلِ؛ لأنَّه ليس له نَقْضُ حُكْمِ غيرِه باجْتهادِه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يتوقَّفُ ويجْتَهِدُ أن يَصْطلِحا على شىءٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه

стр. 7371

فِعْلُ أحدِ الأمْرَيْن المُتقدِّمَيْن. وللشَّافعيِّ قَوْلان، كهذَيْن الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ. وإن كذَّبه خَصْمُه، وقال: بل حُبِسْتَ بحقٍّ واجبٍ غيرِ هذا. فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الظاهرَ حَبْسُه بحَقٍّ. الجوابُ الخامسُ، أن يقولَ: حُبِسْتُ ظُلْمًا، ولا حقَّ عليَّ. فيُنادِي مُنادِي الحاكمِ بذِكْرِ ما قالَه، فإن حضرَ رجلٌ فقال: أنا خَصْمُه. فأنْكَرَه، وكانت للمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، كُلِّفَ الجوابَ على ما مَضَى، وإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، أو لم يظْهَرْ له خَصْمٌ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه أنَّه لا خَصْمَ له، أو لا حَقَّ عليه، ويُخْلَى سَبِيلُه. فصل: ثم يَنْظُرُ في أمرِ الأوْصِيَاءِ؛ لأنَّهم يكونون ناظِرينَ في أمْوالِ اليَتامَى والمَجانينِ وتَفْرِقَةِ الوَصِيَّةِ بين المساكينِ، فيَقْصِدُهم الحاكمُ بالنَّظَرِ؛ لأنَّ المَنْظُورَ عليه لا يُمْكِنُه المطالبةُ بحقِّه، فإنَّ الصغيرَ والمجنونَ لا قولَ لهما، والمساكينَ لا يتَعيَّنُ الأخْذُ منهم، فإذا قدِمَ إليه الوَصِيُّ، فإن كان الحاكمُ قَبْلَه نَفَّذَ وَصِيَّتَه، لم يَعْزِلْه؛ لأنَّ الحاكمَ ما نفَّذَ وَصِيَّتَه إلَّا وقد عرَفَ أهْلِيَّتَه في الظَّاهرِ، ولكن يُراعِيه، فإن تغَيَّرتْ حالُه بفِسْقٍ أو ضَعْفٍ، أضافَ إليه أمِينًا قَوِيًّا يُعِينُه، وإنْ كان الأوَّلُ ما نَفَّذَ وَصِيَّتَه، نَظَرَ فيه، فإن كانَ أمِينًا قَويًّا، أقرَّه، وإن كان أمِينًا ضَعِيفًا، ضَمَّ إليه مَن يُعِينُه، وإنْ كان فاسِقًا، عزَلَه وأقامَ غيرَه. وعلى قولِ الْخِرَقِيِّ، يُضَمُّ إليه أمينٌ يَنْظُرُ عليه. وإن كان قد تصرَّفَ، أو فرَّقَ الوَصِيَّةَ، وهو أهلٌ للوَصِيَّةِ، نَفَّذَ تَصرُّفَه، وإن كان ليس بأهلٍ، وكان أهلُ الوَصِيَّةِ بالِغينَ عاقِلينَ مُعيَّنِينَ، صَحَّ الدَّفْعُ إليهم؛ لأنَّهم قَبَضُوا حُقوقَهم، وإن كانوا غيرَ مُعيَّنينَ، كالفقراءِ والمساكينِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، عليه الضمانُ، ذكرَه القاضي، وأصْحابُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ليس له التَّصَرُّفُ. والثاني، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى أهلِه. كذلك إن فَرَّقَ الوَصِيَّةَ غيرُ المُوصَى إليه بتَفْرِيقها (٦٧)، فعلى وَجْهَيْنِ. فصل: ثم يَنْظُرُ في أُمَناءِ الحاكمِ، وهم مَن رَدَّ إليهم الحاكمُ النَّظَرَ في أمرِ الأطفالِ، وتَفْرِقةِ الوَصايا التي لم يُعَيَّنْ لها وَصِيٌّ، فإن كانوا بحالهِم، أقَرَّهم؛ لأنَّ الذي

стр. 7372

قبلَه وَلَّاهم، ومَن تغَيَّرَ حَالُه منهم، عزَلَه إن فسَقَ، وإن ضَعُفَ، ضَمَّ إليه أمِينًا. فصل: ثم ينْظُرُ في أمرِ الضَّوالِّ واللُّقَطةِ التي تَوَلَّى الحاكمُ حِفْظَها؛ فإن كانتْ ممَّا يُخافُ تَلَفُه كالحيوانِ، أو في حِفْظِه مُؤْنَةٌ كالأمْوالِ الجافِيَةِ، باعَها، وحَفِظَ ثمنَها لأرْبابِها، وإن لم تكُنْ كذلك كالأثْمانِ، حَفِظَها لأرْبابِها، ويكْتبُ عليها لِتُعَرَّفَ. ١٨٦٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ) لا خِلافَ بين أهلِ العلمِ فيما علِمْناه، في أنَّ القاضيَ لا يَنْبَغِي له أنْ يقْضِيَ وهو غَضْبانُ. كَرِهَ ذلك شُرَيْحٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعيُّ. وكتبَ أبو بَكْرَةَ إلى عبدِ اللهِ بنِ أبي بَكرةَ وهو قاضٍ بسِجِسْتَانَ، أنْ لا تَحْكُمَ بين اثنَيْن وأنتَ غَضْبانُ؛ فإني سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "لا يَحْكُمْ أحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ". مُتَّفَقٌ عليه (١). وكتبَ عمرُ، ﵁، إلى أبي موسى: إيَّاك والغَضَبَ، والقَلَقَ، والضَّجَرَ، والتَّأذِّي بالناس، والتَّنَكُّرَ لهم عندَ الخُصومةِ، فإذا رأيتَ الخَصْمَ يتعمَّد الظُّلْمَ، فأوْجِعْ رأسَه (٢). ولأنَّه إذا غضِبَ تغيَّرَ عَقلُه، ولم يَسْتَوْفِ رَأْيَه وفِكْرَه. وفي معنى الغضبِ كلُّ ما شَغَلَ فكرَه، من الجُوعِ المُفْرطِ، والعَطَشِ الشَّدِيدِ، والوَجَعِ المُزْعِجِ، ومُدافَعةِ أحَدِ الأخْبَثيْنِ، وشِدَّةِ النُّعاسِ، والهَمِّ، والغَمِّ، والحُزْنِ، والفرَحِ، فهذه كلُّها تَمْنَعُ الحاكمَ؛ لأنَّها تَمْنَعُ حضُورَ القلبِ، واسْتيفاءَ الفكرِ، الذي يُتوصَّلُ به إلى إصابةِ الحقِّ في الغالبِ، فهي في معنى الغضَبِ المَنْصوصِ عليه، فتَجْرِي مَجْراهُ. فإن حكَمَ في الغضبِ أو ما شاكلَه، فحُكِىَ عن القاضي، أنَّه لا يَنْفُذُ قَضاؤُه؛ لأنَّه مَنْهِيٌّ عنه، والنَّهْيُ يَقْتضِي فسادَ المَنْهِيِّ عنه (٣). وقال في "المُجَرَّدِ": يَنْفُذُ قَضاؤُه. وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ لما رُوِيَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اخْتصمَ إليه الزُّبَيْرُ

стр. 7373

ورجلٌ من الأنصارِ، في شِرَاجِ الحَرَّةِ (٤)، فقال النَّبِيُّ ﷺ للزُّبَيْرِ: "اسْقِ، ثُمَّ أرْسِلِ الْمَاءَ إلَى جَارِكَ". فقال الأنْصَارِيُّ: أنْ كَانَ ابنَ عمَّتِك. فغضِبَ رسولُ اللهِ ﷺ وقال للزُّبَيْرِ: "اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ (٥) ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). فحكمَ في حالِ غَضَبِهِ. وقيل: إنما يَمْنَعُ الغضبُ الحاكمَ (٧) إذا كانَ قبلَ أنْ يتَّضحَ له الحُكمُ في المسألةِ، فأمَّا إن اتَّضَحَ الحُكْمُ، ثم عَرَضَ الغضبُ، لم يَمْنَعْه؛ لأنَّ الحقَّ قد اسْتَبانَ قبلَ الغضبِ، فلا يُؤَثِّرُ الغضبُ فيه. ١٨٦٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا نزَلَ بِهِ الأمْرُ المُشْكِلُ عَلَيْهِ مِثلُهُ، شَاوَرَ فِيهِ أهْلَ الْعِلْمِ وَالْأمَانةِ) وجُمْلتُه أنَّ الحاكمَ إذا حَضَرتْه قضيَّةٌ تَبَيَّنَ له حُكْمُها في كتابِ اللهِ تعالى، أو سُنَّةِ رسولِه، أو إجْماعٍ، أو قياسٍ جَليٍّ، حكمَ ولم يَحْتَجْ إلى رَأيِ غيرِه؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ لمُعاذٍ حين بَعَثَه إلى اليمنِ: "بِمَ تَحْكُمُ؟ " قال: بكتابِ اللهِ. قال: "فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟ ". قال: بسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ . قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ ". قال: أجتهدُ رَأْيي، ولا آلُو. قال: "الحَمْدُ للهِ الَّذِى وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِما يُرْضِى رَسُولَ اللهِ" (١). وإن احْتاجَ إلى الاجْتهادِ، اسْتُحِبَّ له أنْ يُشاوِرَ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٢). قال الحسنُ: إنْ كان رسولُ اللهِ ﷺ لَغَنِيًّا عن مُشاوَرَتِهم، وإنَّما أرادَ أن يَسْتَنَّ بذلك الحُكَّامُ بعدَه (٣). وقد شاورَ النَّبِيُّ ﷺ أصحابه

стр. 7374

في أُسارَى بَدْرٍ (٤)، وفي مُصالحةِ الكفَّارِ يومَ الخَنْدقِ (٥)، وفي لِقاءِ الكُفَّارِ يومَ بَدْرٍ (٦). ورُوِيَ: ما كان أحَدٌ أكْثرَ مُشاوَرةً لأصحابِه مِن رسولِ اللهِ ﷺ (٧). وشاورَ أبو بكرٍ الناسَ في ميراثِ الجَدَّةِ (٨)، وعمرُ في ديةِ الجنينِ (٩)، وشاورَ الصحابةَ في حَدِّ الخمرِ (١٠). ورُوِيَ: أنَّ عمرَ كان يكونُ عنده جماعةٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ منهم عثمانُ وعليٌّ وطَلْحةُ والزُّبيْرُ وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ، إذا نزلَ به الأمرُ شاورَهم فيه (١١). ولا مُخالِفَ في اسْتِحْبابِ ذلك، قال أحمد: لمَّا وَلِىَ سعدُ بنُ إبراهيمَ قضاءَ المدينةِ، كان يجلسُ بين القاسِمِ وسالمٍ يُشاوِرُهما، ووَلِىَ مُحارِبُ بنُ دِثارٍ قضاءَ الكوفةِ، فكان يَجْلِسُ بين الحَكَمِ وحَمَّادٍ يُشاوِرُهما، ما أحْسَنَ هذا لو كان الحُكَّامُ يَفْعلوَنه، يُشاوِرُون ويَنْتظِرُون. ولأنَّه قد يَنْتبِهُ بالمُشاورةِ، ويتذَكَّرُ ما نَسِيَه بالمُذاكرةِ، ولأنَّ الإحاطةَ بجميعِ العُلومِ مُتعذِّرةٌ. وقد يَنْتِبهُ لإصابةِ الحقِّ ومَعْرفةِ الحادثةِ مَن هو دونَ القاضي، فكيفَ بمن يُساوِيه أو يَزِيدُ عليه! فقد رُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، ﵁، جاءتْه الجَدَّتانِ، فورَّثَ أُمَّ الأمِّ، وأسْقَطَ أُمَّ الأبِ، فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ سَهْلٍ: يا خَليفةَ رسولِ اللهِ، لقد أسْقَطْتَ التي لو ماتَتْ وَرِثَها، وورَّثْتَ التي لو (١٢) ماتتْ لم يَرثْها. فرجعَ أبو بكرٍ، فأشْرَكَ بينهما (١٣). وروَى عمرُ بنُ شَبَّةَ، عن الشَّعْبِيِّ،

стр. 7375

أنَّ كعبَ بنَ سُورٍ (١٤)، كان جالِسًا عند عمرَ، فجاءتْه امرأةٌ، فقالتْ: يا أميرَ المؤمنين، ما رأيتُ رجلًا قطُّ أفضلَ من زَوْجِى، واللهِ إنَّه لَيَبِيتُ ليلَه قائمًا، ويَظَلُّ نهارَه صائمًا في اليومِ الحارِّ ما يُفْطِرُ. فاسْتَغْفَرَ لها، وأثْنَى عليها، وقال: مِثْلُكِ أُنْثَى (١٥) الخيرِ. قال: واسْتحْيَتِ المرأةُ فقامَتْ راجعةً، فقال كعبٌ: يا أميرَ المؤمنين، هلَّا أعْدَيْتَ المرأةَ على زَوْجِها؟ قال: وما شَكَتْ؟ قال: شَكَتْ زَوْجَها أشَدَّ الشِّكايةِ. قال: أوَ ذاك أرادَتْ؟ قال: نعم. قال: رُدُّوا عليَّ المرأةَ. فقال: لا بَأْسَ بالحقِّ أن تَقُولِيه، إنَّ هذا زعَمَ أنَّكِ جئْتِ تَشْكِينَ زوجَك، أنه يَجْتنِبُ فِراشَكِ. قالتْ: أجَلْ، إنِّي امرأةٌ شابَّةٌ، وإنِّي لَأبْتَغِي ما يَبْتَغِي النِّساءُ. فأرْسَلَ إلى زَوْجِها، فجاء، فقال لكعبٍ: اقْضِ بينهما. قال: أميرُ المؤمنينَ أحَقُّ أن يَقْضِىَ بينهما. قال: عَزَمْتُ عليك لَتَقْضِيَنَّ بينهما، فإنَّك فَهِمْتَ مِن أمرِهما ما لم أفْهَمْ. قال: فإنِّي أرَى كأنَّها امرأةٌ (١٦) عليها ثلاثُ نِسْوةٍ، هي (١٧) رابِعتُهنَّ، فأقضِى له بثلاثةِ أيامٍ ولَيَالِيهِنَّ (١٨) يَتعبَّدُ فيهِنَّ، ولها يومٌ وليلةٌ. فقال عمرُ: واللهِ ما رَأْيُك الأوَّلُ أعْجبَ إليَّ من الآخِرِ، اذْهَبْ فأنت قاضٍ على البصرةِ (١٩). إذا ثبتَ هذا، فإنَّه يُشاوِرُ أهلَ العلمِ والأمانةِ؛ لأنَّ مَن ليس كذلك فلا قَوْلَ له في الحادثَةِ، ولا يُسْكَنُ إلى قولِه. قال سُفْيانُ: ولْيَكُنْ أهلُ مَشُورتِك أهلَ التَّقوَى وأهلَ الأمانةِ. ويُشاوِرُ المُوافقينَ والمُخالفينَ، ويَسألُهم عن حُجَّتِهم، لِيَبِينَ له الحقُّ. فصل: والمُشاورةُ هاهُنا لاسْتخْراجِ الأدِلَّةِ، ويَعْرِفُ الحقَّ بالاجْتهادِ، ولا يجوزُ أن يُقلِّدَ غيرَه، ويحْكُمَ بقولِ سِواهُ، سواءٌ ظهرَ له الحقُّ فخالفَه غيرُه فيه، أو لم يَظْهَرْ له شيءٌ، وسَواءٌ ضاقَ الوقتُ، أو لم يَضِقْ. وكذلك ليس للمُفتي الفُتْيَا بالتَّقْليدِ.

стр. 7376

وبهذا قال الشَّافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا كان الحاكمُ مِن أهلِ الاجْتهادِ، جازَ له تَرْكُ رَأْيِه لرَأْيِ مَن هو أفقَهُ منه عندَه إذا صارَ إليه، فهو ضَرْبٌ من الاجتهادِ. ولأنَّه يعْتقِدُ أنَّه أَعْرَفُ منه بطريقِ الاجْتهادِ. ولَنا، أنَّه من أهلِ الاجتهادِ، فلم يجُزْ له تَقليدُ غيرِه، كما لو كان مِثْلَه، كالمُجْتهدين في القِبْلةِ، وما ذكرَه (٢٠) ليس بصحيحٍ؛ فإنَّ مَن هو أفْقَهُ منه يجوزُ عليه الخَطَأُ، فإذا اعْتقدَ أنَّ ما قالَه خطأٌ، لم يجُزْ له أنْ يعْملَ به، وإن كان لم يَبِنْ له الحقُّ، فلا يجوزُ له أن يَحْكُمَ بما يجوزُ أن يَبِينَ له خَطؤُه إذا اجْتهدَ. فصل: قال أصحابُنا: يُسْتحبُّ أن يُحْضِرَ مجلسَه أهلَ العلمِ مِن كلِّ مذهبٍ، حتى إذا حدَثَتْ حادثةٌ، يَفْتَقِرُ إلى أنْ يسأَلَهم عنها سألَهم، ليَذْكُروا أدِلَّتَهم فيها وجوابَهم عنها، فإنَّه أسْرَعُ لاجتهادِه، وأقْرَبُ لصَوابِه، فإن حكَمَ باجْتهادِه، فليس لأحدٍ منهم أن يَرُدَّ عليه وإن خالفَ اجْتهادَه؛ لأنَّ فيه افْتِيَاتًا عليه، إلَّا أن يحْكُمَ بما يخالفُ نَصًّا (٢١) أو إجْماعًا. فصل: وينْبَغِي له أنْ يُحْضِرَ شُهودَه مجلسَه، ليَسْتَوْفِىَ بهم الحقوقَ، وتَثْبُتَ بهم الحُجَجُ والمحاضرُ، فإن كان ممَّن يَحْكُمُ بعِلْمِه، فإن شاءَ أدْناهُم إليه، وإن شاءَ باعَدَهم منه، بحيثُ إذا احْتاجَ إلى إشْهادِهم على حُكْمِه اسْتَدْعاهم ليَشهدُوا بذلك، وإن كان ممَّن لا يَحْكُمُ بعِلْمِه، أجلسَهم بالقُرْبِ منه حتى يَسْمَعُوا كلامَ المُتخاصِمَينِ، لئلَّا يُقِرَّ منهم مُقِرٌّ ثم يُنْكِرَ ويَجْحدَ، فيَحْفَظُوا عليه إقْرارَه، ويَشْهدُوا به. فصل: وإذا اتَّصَلتْ به الحادثةُ، واسْتنارَت الحُجَّةُ لأحَدِ الخَصْمَينِ، حَكَمَ. وإن كان فيها لَبْسٌ، أمرَهما بالصُّلحِ، فإنْ أبيَا أخَّرَهما إلى الْبَيانِ، فإن عَجَّلهَا قبلَ

стр. 7377

البيانِ، لم يَصْلُحْ حُكْمُه. وممَّن رأَى الإصْلاحَ بين الخَصْمَيْنِ، شُرَيْحٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عُتْبةَ، وأبو حنيفةَ، والشَّعْبيُّ، والعَنْبَرِيُّ. ورُوِيَ عن عمرَ، أنَّه قال: رُدُّوا الخُصومَ حتى يَصْطَلِحُوا، فإنَّ فَصْلَ القَضاءِ يُحْدِثُ بين القَوْمِ الضَّغائنَ (٢٢). قال أبو عُبَيْدٍ: إنَّما يَسَعُه الصُّلْحُ في الأمورِ المُشْكِلةِ، أمَّا إذا اسْتنارتِ الحُجَّةُ لأحَدِ الخَصْمَيْنِ، وتبَيَّنَ له مَوْضِعُ الظالمِ، فليس له أن يَحْمِلَهُما على الصُّلحِ. ونحوُه قولُ عَطاءٍ. واسْتَحْسَنَه ابنُ المُنْذِرِ. ورُوِيَ (٢٣) عن شُريحٍ أنَّه ما أصْلحَ بين مُتحاكِمَيْنِ إلَّا مَرَّةً واحدةً. فصل: وإذا حدَثَتْ حادثةٌ، نَظَرَ في كتابِ اللهِ، فإنْ وجَدَها، وإلَّا نَظَرَ في سُنَّةِ رسولِه، فإن لم يجِدْها، نظَرَ في القياسِ، فألْحقَها بأشْبَهِ الأُصولِ (٢٤) بها؛ لما ذكَرْنا من حديثِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، وهو حديثٌ يرْوِيه عمرُو بنُ الحارثِ ابنُ أخي المُغيرةِ بنِ شعبةَ، عن رجالٍ مِن أصْحابِ مُعاذٍ مِن أهلِ حِمْص، وعمرٌو والرجالُ مجهولون، إلَّا أنَّه حديثٌ مَشْهورٌ في كُتبِ أهلِ العلمِ، رواه سعيدُ بنُ منصورٍ، والإمامُ أحمدُ، وغيرُهما، وتلَقَّاه العلماءُ بالقَبولِ، وجاءَ عن الصَّحابةِ مِن قَوْلِهم ما يُوافقُه، فرَوَى سعيدٌ، أنَّ عمرَ قال لشُرَيْحٍ: انْظُرْ ما يتَبيَّنُ لك في كتابِ اللهِ، فلا تسألْ عنه أحَدًا، وما لا يتَبيَّنُ لك في كتابِ اللهِ، فاتَّبِعْ فيه السُّنَّةَ، وما لم يتَبيَّنْ لك في السُّنَّةِ، فاجْتَهِدْ فيه رَأيَك (٢٥). وعن ابنِ مسعودٍ مثلُ ذلك. ١٨٦٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ)

стр. 7378

ظاهرُ المذهبِ أنَّ الحاكمَ لا يحْكُمُ بعِلْمِه في حَدٍّ ولا غيرِه، لا فيما عَلِمَه قبلَ الوِلَايةِ ولا بعدَها. هذا قولُ شُرَيْحٍ، والشَّعْبِيِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. وهو أحدُ قَوْلَي الشَّافعيِّ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى: يجوزُ له ذلك. وهو قولُ أبي يوسفَ، وأبي ثَوْرٍ، والقولُ الثاني للشَّافعيِّ، واخْتِيارُ المُزَنِيِّ؛ لأنَّ النبِيَّ ﷺ لما قالتْ له هندٌ: إنَّ أبا سُفيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِن النَّفقةِ ما يَكْفِينِي ووَلَدِي. قال: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ" (١). فحكَمَ لها مِن غيرِ بَيِّنَةٍ ولا إقْرارٍ، لِعلْمِه بصِدْقِها. ورَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ، في "كتابِه" أنَّ عُروَةَ ومُجاهِدًا رَوَيَا، أنَّ رجلًا مِن بني مَخْزوِمٍ اسْتَعْدَى عمرَ بنَ الخطَّابِ على أبي سُفْيانَ بنِ حَرْبٍ، أنَّه ظَلَمَه حَدًّا في موضعِ كذا وكذا. قال عمرُ: إني لأعْلَمُ النَّاسِ بذلك، ورُبَّما لَعِبْتُ أنا وأنتَ فيه، ونحن غِلمانٌ، فأْتِنِي بأبي سُفْيان. فأتَاهُ به، فقال له عمرُ: يا أبا سفيانَ، انْهَضْ بنا إلى مَوْضِع كذا وكذا. فنَهَضُوا، ونظَرَ عمرُ، فقال: يا أبا سفيانَ، خُذْ هذا الحجرَ مِن هاهُنا فضَعْه هاهُنا. فقال: واللهِ لا أفْعَلُ. فقال: واللهِ لَتَفْعَلنَّ. فقال: واللهِ لا أفْعَلُ. فعَلَاه بالدِّرَّةِ، وقال: خُذْهُ لا أُمَّ لك، فضَعْه هاهُنا، فإنَّك ما عَلمْتَ قَدِيمُ الظُّلْمِ. فأخذَ أبو سفيانَ الحجرَ، ووضَعَه حيثُ قال عمرُ، ثم إنَّ عمرَ اسْتَقْبلَ القِبْلةَ، فقال: اللَّهُمَّ لك الحمدُ حيثُ لم تُمتْنِي حتَّى غَلَبْتُ أبا سُفيانَ على رَأيِه، وأذْلَلْتَه لي بالإسْلامِ قال: فاسْتقبلَ القِبلةَ أبو سُفْيانَ، وقال: اللَّهُمَّ لك الحمدُ، إذْ لم تُمِتْنِي حتى جَعَلْتَ في قلبى من الإسْلامِ ما أُذِلُّ به لِعمرَ. قال (٢): فحكَمَ بعلمه. ولأنَّ الحاكمَ يحْكُمُ بالشَّاهِدَيْن، لأنَّهما يَغْلِبانِ على الظَّنِّ، فما تحقَّقَه وقطعَ به، كان أوْلَى، ولأنَّه يَحْكُمُ بعِلْمِه في تَعْدِيلِ الشُّهودِ وجَرْحِهم، فكذلك في ثُبوتِ الحَقِّ، قياسًا عليه. وقال أبو حنيفةَ: ما كان من حُقوقِ اللهِ، لا يَحْكُمُ فيه بعِلْمِه؛ لأنَّ حُقوقَ اللهِ تعالى مَبْنِيَّةٌ على المُساهَلةِ والمُسامَحَةِ، وأمَّا حُقوقُ الآدَمِيِّينَ فما عَلِمَه قبلَ وِلايتِه (٣) لم (٤) يحْكُمْ به، وما علمَه في

стр. 7379

ولايتِه، حَكَمَ به؛ لأنَّ ما عَلِمَه قبلَ وِلايتِه بمنْزِلةِ ما سَمِعَه من الشُّهودِ قبلَ وِلَايتِه، وما عَلِمَه في وِلَايتِه، بمنزلةِ ما سَمِعَه من الشُّهودِ في وِلَايتِه. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّمَا أنَا بَشَرٌ، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأقْضِىَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أسْمَعُ مِنْهُ" (٥). فدلَّ على أنَّه إنَّما يَقْضِي بما يَسْمَعُ، لا بما يَعْلَمُ. وقالَ النبيُّ ﷺ في قَضِيَّةِ الحَضْرَمِيِّ والكِنْدِيِّ: "شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلَّا ذَاكَ" (٦). ورُوِيَ عن عمرَ، ﵁، أَنَّه تَداعَى عندَه رجلانِ، فقال له أحدُهما: أنتَ شاهِدي. فقال: إن شئْتُما شَهِدْتُ ولم أحْكُمْ، أو أحْكُمُ ولا أشْهَدُ (٧). وذكرَ ابنُ عبدِ البَرِّ، [في"كتابِه"] (٨)، عن عائشةَ، رضى اللهُ عنهما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعثَ أبا جَهْمٍ على الصَّدَقةِ (٩)، فَلاحَاه رجلٌ في فَرِيضةٍ، فوقَعَ بينَهما شِجاجٌ، فأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فأعْطاهُم الأرْشَ، ثم قال: "إنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ، ومُخْبِرُهُمْ أنَّكُمْ قَدْ رَضيتُمْ، أرَضِيتُمْ؟ " قالوا: نعم. فصَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ المِنْبَرَ (١٠)، فخطَبَ، وذكَرَ القصَّةَ،

стр. 7380

وقال: "أرَضِيتُم؟ " قالوا: لا. فهمَّ بهمُ المُهاجرون، فنَزلَ النَّبِيُّ ﷺ فأعْطاهم، ثم صَعَدَ، فخَطَبَ الناسَ، ثم قال: "أَرَضِيتُمْ؟ ". قالوا: نعم (١١). وهذا يُبيِّنُ أنه لم يأخُذْ بعِلْمِه. ورُوِيَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، ﵁، أنَّه قال: لو رأيتُ حَدًّا على رجلٍ، لم أحُدَّه (١٢) حتى تَقومَ البَيِّنَةُ. ولأنَّ تَجْويزَ القضاءِ بعِلْمِه يُفْضِي إلى تُهْمَتِه، والحُكْمِ بما اشْتهَى، ويُحِيلُه على عِلْمِه. فأمَّا حديثُ أبي سفيانَ، فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه فُتْيَا لا حُكمٌ، بدليلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفْتَى في حقِّ أبي سُفْيانَ مِن غيرِ حُضورِه، ولو كانَ حُكْمًا عليه لم يَحْكُمْ عليه في غَيْبَتِه. وحديثُ عمرَ الذي رَوَوه، كان إنْكارًا لمُنْكَرٍ رَآهُ، لا حُكْم (١٣)، بدليلِ أنَّه ما وُجِدَتْ منهما دَعْوَى وإنْكارٌ بشُروطِهما، ودليلُ ذلك ما رَويناه عنه، ثم لو كان حُكْمًا، كان مُعارَضًا بما رَويْناه عنه، ويفارِقُ الحُكْمَ بالشَّاهِدَيْن؛ فإنَّه لا يُفْضِي إلى تُهْمَةٍ، بخلافِ مَسْألتِنا. وأما الجَرْحُ والتَّعْديلُ، فإنَّه يَحْكُمُ فيه بعِلْمِه، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه لو لم يَحْكُمْ فيه بعِلْمِه، لتَسلْسَلَ، فإنَّ المُزَكِّيَيْنِ يَحْتاجُ إلى مَعْرفةِ عَدالتهما وجَرْحِهما، فإذا لم يَعْمَلْ بعِلْمِه، احْتاجَ كلُّ واحدٍ منهما إلى مُزَكِّيَيْنِ، ثم كلُّ واحدٍ منهما يحْتاجُ إلى مُزَكِّيَيْنِ، فيَتسَلْسَلُ، وما نحنُ فيه بخلافِه. فصل: ولا خلافَ في أنَّ للحاكمِ أنْ يَحْكُمَ بالبَيِّنَةِ والإقْرارِ في مجلسِ حُكْمِه، إذا سَمِعَه معه شاهِدَانِ، فإنْ لم يَسْمَعْه معه أحدٌ، أو سَمِعَه شاهدٌ، فنَصَّ أحمدُ على أنَّه يَحْكُمُ به. وقال القاضي: لا يَحْكُمُ به حتى يَسْمعَه معه شاهِدَان؛ لأنَّه حَكَمَ بعِلْمِه.

стр. 7381

١٨٦٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَنْقُضُ (١) مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ، إلَّا مَا خالَفَ نصَّ كِتَابٍ، أوْ سُنَّةٍ، أوْ إِجْمَاعًا) وجملةُ ذلك أنَّ الحاكمَ إذا رُفعَتْ إليه قَضِيَّةٌ قد قضَى بها حاكمٌ سِواهُ، فبانَ له خَطؤُه، أو بانَ له خطأُ نَفْسِه، نَظَرْتَ؛ فإن كان الخطأُ لِمُخالفةِ نَصِّ كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجْماعٍ، نَقَضَ حُكْمَه. وبهذا قال الشَّافعىُّ، وزادَ: إذا خالفَ قِياسًا (٢) جَلِيًّا نَقَضَه. وعن مالكٍ، وأبى حنيفةَ، أنَّهما قالا: لا يَنْقُضُ الحُكْمَ إلَّا إذا خالفَ الإجْماعَ. ثم ناقَضا ذلك، فقال مالكٌ: إذا حَكَمَ بالشُّفعةِ للجارِ نَقَضَ حُكْمَه. وقال أبو حنيفةَ: إذا حكمَ بِبَيْعٍ مَتْروكِ التَّسْمِيَةِ، أو حَكَمَ بينَ العَبِيدِ بالقُرْعةِ، نَقَضَ حُكْمَه. وقال محمدُ ابنُ الحسنِ: إذا حكمَ بالشَّاهدِ واليَمِينِ، نَقَضَ حُكْمَه. وهذه مسائلُ خلافٍ مُوافقةٌ للسُّنَّةِ. واحْتَجُّوا على أنَّه لا ينْقُضُ ما لم يُخالفِ الإجْماعَ بأنَّه يَسُوغُ فيه الخلافُ، فلم يَنْقُضْ حُكْمَه فيه، كما لا نَصَّ فيه. وحُكِىَ عن أبي ثَوْرٍ، وداودَ، أنَّه يَنْقُضُ جميعَ ما بانَ له خَطؤُه؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، كتبَ إلى أبى موسى: لا يَمْنَعنَّك قَضاءٌ قَضَيْتَه بالأمْسِ، ثم رَاجَعْتَ نفسَك فيه اليومَ، فهُدِيتَ لرُشْدِكَ (٣)، أن تُراجِعَ فيه الحقَّ؛ فإنَّ الرجوعَ إلى الحقِّ خيرٌ من التَّمادِى فى الباطلِ (٤). ولأنَّه خطأٌ، فوجبَ الرُّجوعُ عنه، كما لو خالفَ الإجْماعَ. وحُكىَ عن مالكٍ أنَّه وافَقَهما فى قَضاءِ نَفْسِه. ولَنا، على نَقْضِه إذا خالفَ نَصًّا أو إجْماعًا، أنَّه قَضاءٌ لم يُصادِفْ شَرْطَه، فوجبَ نَقْضُه، كما لو لم يُخالِفِ الإجْماعَ، وبَيانُ مُخالَفتِه للشَّرطِ، أنَّ شرطَ الحُكْمِ بالاجْتهادِ عَدمُ النَّصِّ، بدليلِ خبرِ مُعاذٍ، ولأنَّه إذا تَركَ الكتابَ والسُّنَّةَ، فقد فَرَّطَ، فوجبَ نَقْضُ حُكْمِه، كما

стр. 7382

لو خالفَ الإجْماعَ، أو كما لو حَكَمَ بشَهادةِ كافِرَيْنِ. وما قالُوه يَبْطُلُ بما حَكَيْناه عنهم. فإن قيل: أليس إذا صَلَّى بالاجْتهادِ إلى جِهَةٍ، ثم بان له الخطأُ لم يُعِدْ؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينهما مِن ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحدِها، أنَّ اسْتِقْبالَ القِبْلةِ يَسْقطُ حالَ العُذْرِ (٥)، فى حالِ المُسايَفَةِ (٦) والخوفِ من عَدُوٍّ [أو سَيْلٍ] (٧) أو سَبُعٍ أو نحوِه، مع العلمِ، ولا يجوزُ تَرْكُ الحقِّ إلى غيرِه مع العِلْمِ بحالٍ. الثانى، أنَّ الصَّلاةَ مِن حُقوق اللهِ تعالى، تَدْخلُها المُسامَحةُ. الثالث، أنَّ القِبلةَ يَتكرَّرُ فيها اشْتِباهُ القِبْلةِ، فيشُقُّ القَضاءُ. [و] (٨) هاهُنا إذا بانَ له الخطأُ لا يعودُ الاشْتِبَاهُ بعدَ ذلك. وأمَّا إذا تغيَّرَ اجْتهادُه مِن غيرِ أن يُخالِفَ نَصًّا ولا إجْماعًا، أو خالفَ اجْتهادُه اجتهادَ مَن قَبْلَه، لم ينقُضْه (٩) لمُخالفتِه؛ لأنَّ الصحابةَ، رضىَ اللهُ عنهم، أجْمَعُوا على ذلك، فإنَّ أبا بكرٍ حكَمَ فى مسائلَ باجْتهادِه، وخالفَه عمرُ، ولم يَنْقُضْ أحكامَه، وعلىٌّ خالفَ عمرَ فى اجْتهادِه، فلم يَنْقُضْ أحْكامَه، وخالفَهما علىٌّ، فلم يَنْقُضْ أحْكامَهما، فإنَّ أبا بكرٍ سَوَّى بين الناسِ فى العَطاءِ، وأعْطى العَبِيدَ، وخالفَه عمرُ، ففاضلَ بين الناسِ، وخالفَهما علىٌّ فَسوَّى بين الناسِ وحَرَمَ العَبِيدَ، ولم يَنْقُضْ واحدٌ منهم ما فعلَه مَن قَبْلَه (١٠)، وجاءَ أهلُ نَجْرانَ إلى علىٍّ فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، كتابُكَ بيَدِكَ، وشَفاعتُك بلسانِكَ. فقال: وَيْحَكُمْ، إنَّ عمرَ كان رَشِيدَ الأمرِ، ولن أرُدَّ قَضاءً قَضَى به عمرُ. رواه سعيدٌ (١١). ورُوِىَ أنَّ عمرَ حكَمَ فى المُشرَّكةِ بإسْقاطِ الإخْوةِ من الأبَويْن، ثم شَرَّكَ (١٢) بينهم بعدُ، وقال: تلك

стр. 7383

على ما قَضيْنا، وهذه على ما قَضَيْنا (١٣). وقضَى فى الجَدِّ بقضايا مُخْتلفةٍ، ولم يَرُدَّ الأُولَى (١٤). ولأنه يُؤدِّى إلى نَقْضِ الحُكْمِ بمِثْلِه، وهذا يُؤَدِّى إلى أن لا يَثْبُتَ الحُكْمُ أصْلًا؛ لأنَّ الحاكمَ (١٥) الثانى يُخالِفُ الذى قبلَه، والثالثَ يُخالِفُ الثانى، فلا يَثْبُتُ حُكْمٌ. فإنْ قيل: فقد رُوِىَ أنَّ شُرَيحًا حكمَ فى ابْنَىْ عَمٍّ، أحدُهما أخٌ لأُمٍّ، أنَّ المالَ للأخِ، فرُفِعَ ذلك إلى علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، فقال: علىَّ بالعبدِ. فجىءَ به. فقال: فى أىِّ كتابِ اللهِ وَجَدْتَ ذلك؟ فقال: قال اللهُ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١٦). فقال له علىٌّ: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (١٧). ونقضَ حُكْمَه (١٨). قُلْنا: لم يثْبُتْ عندَنا أنَّ عليًّا نَقَضَ حُكْمَه، ولو ثَبَتَ فيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ علىٌّ رَضِىَ اللهُ عنْه، اعْتقدَ أنَّه خالَفَ نَصَّ الكتابِ فى الآيةِ التى ذكرَها، فنَقَضَ حُكْمَه لذلك. فصل: إذا تغيَّرَ اجْتهادُه قبلَ الحُكْمِ، فإنَّه يحْكُمُ بما تَغيَّرَ اجْتهادُه إليه، ولا يجوزُ أن يحْكُمَ باجْتهادِه الأوَّلِ؛ لأنَّه إذا حكَمَ فقد حكَمَ بما يعَتْقِدُ أنَّه باطلٌ، وهذا كما قُلْنا فى مَن تغَيَّرَ اجْتهادُه فى القِبْلةِ بعدَ ما صلَّى لا يُعِيدُ، وإن كان قبلَ أنْ يُصَلِّىَ، صَلَّى (١٩) إلى الجِهةِ التى تغيَّرَ اجْتهادُه إليها. وكذلك (٢٠) إذا بانَ فِسْقُ الشُّهودِ قبلَ الحُكْمِ، لم يَحْكُمْ بشَهادتِهم، ولو بانَ بعدَ الحُكْمِ، لم يَنْقُضْه.

стр. 7384

فصل: وليس على الحاكمِ تتبُّعُ قَضايا مَن كان قبلَه؛ لأنَّ الظَّاهرَ صِحَّتُها وصَوابُها، وأنَّه لا يُوَلَّى القضاءَ إلَّا مَن هو مِن أهلِ الوِلَايةِ، فإن تتَبَّعَها نظَرَ فى الحاكمِ قبلَه، فإن كان ممَّن يصْلُحُ للقَضاءِ، فما وَافقَ مِن أحْكامِه الصَّوابَ، أو لم يُخالِفْ كتابًا ولا سُنَّةً ولا إجْماعًا، لم يسُغْ نَقْضُه، وإن كان مُخالِفًا لأحَدِ هذه الثلاثةِ، وكان فى حقٍّ للهِ تعالى، كالعَتاقِ والطَّلاقِ، نَقَضَه؛ لأنَّ له النَّظرَ فى حُقوقِ اللهِ سبحانه، وإن كان يتعلَّقُ بحقِّ آدَمِىٍّ، لم ينْقُضْه إلَّا بمُطالبةِ صاحبِه؛ لأنَّ الحاكمَ لا يَسْتَوْفِى حقًّا لمَن لا وِلايةَ عليه بغَيْرِ مُطالَبتِه، فإن طلَبَ صاحبُه ذلك نَقَضَه. وإن كان القاضي قبلَه لا يصْلُحُ للقضاءِ، نُقضتْ قَضاياه المُخالفةُ للصَّوابِ كلُّها، سواءٌ كانت ممَّا يَسُوغُ فيه الاجْتهادُ أو لا يَسُوغُ؛ لأنَّ حُكْمَه غيرُ صحيحٍ، وقضاؤُه كَلَا قَضاءٍ، لعدَمِ شَرْطِ القضاءِ فيه، وليس فى نَقْضِ قضاياه نَقْضُ الاجْتهادِ بالاجْتهادِ؛ لأنَّ الأوَّلَ ليس باجْتهادٍ، ولا يَنْقُضُ ما وَافقَ الصَّوابَ؛ لعَدَمِ الفائدةِ فى نَقْضِه، فإنَّ الحقَّ وصلَ إلى مُسْتَحِقِّه. وقال أبو الخطَّابِ: يَنْقُضُ قضاياه كلَّها؛ ما أخْطَأَ فيه وما أصابَ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ وُجودَ قَضائِه كعَدَمِه. ولا أعلمُ فيه فائدةً، فإنَّ الحقَّ لو وصلَ إلى مُسْتَحِقِّه بطريقِ القَهْرِ مِن غيرِ حُكْمٍ، لم يُغَيِّرْ ذلك، وكذلك إذا كان بقَضاءٍ وُجودُه كعَدَمِه، واللهُ أعلمُ. فصل: وحُكْمُ الحاكمِ لا يُزيلُ الشَّىْءَ عن صِفَتِه، فى قولِ جُمْهورِ العلماءِ؛ منهم مالِكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافعىُّ، وأحمدُ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ: إذا حَكَمَ الحاكمُ (٢١) بعَقْدٍ أو فَسْخٍ أو طَلاقٍ، نَفَذَ حُكْمُه ظاهرًا وباطنًا، فلو أنَّ رجليْن تعمَّدا الشَّهادةَ على رجلٍ أنَّه طلَّقَ امرأتَه، فَقبلَهما القاضي بظاهرِ عَدالَتِهما، ففرَّقَ بين الزَّوْجَيْنِ، لَجازَ لأحدِ الشَّاهديْنِ نِكاحُها بعدَ قضاءِ عِدَّتِها، وهو عالم بتعمُّدِه الكذِبَ، ولو أنَّ رجلًا ادَّعَى نِكاحَ امرأةٍ، وهو يعْلَمُ أنَّه كاذِبٌ، وأقامَ شاهِدَىْ زُورٍ، فحكمَ الحاكمُ، خلَّتْ له بذلك، وصارَتْ زَوْجتَه. قال ابنُ المنذرِ: وتفرَّدَ أبو حنيفةَ، فقال: لو اسْتأجرَتِ امرأةٌ شاهِدَيْنِ،

стр. 7385

شَهِدَا لها بطلاقِ زَوْجِها، وهما يعْلَمانِ [كَذِبِهَا وتَزْوِيرِهَا] (٢٢)، فحكمَ الحاكمُ بطَلاقِها، لحلَّ لها أن تتزوَّجَ، وحَلَّ لأحدِ الشَّاهِدَيْنِ نِكاحُها. واحْتَجَّ بما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رجلًا ادَّعَى على امرأةٍ نِكاحَها، فرفَعَها إلى علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، فشَهِدَ له شاهدان بذلك، فقَضَى بينهما بالزَّوْجِيَّةِ، فقالت: واللهِ ما تَزوَّجَنى يا أميرَ المؤمنين، اعْقِدْ بَيْنَنا عَقْدًا حتى أحِلَّ له. فقال: شاهِدَاكِ زوَّجاكِ. فدلَّ على أنَّ النكاحَ ثبَتَ بحُكْمِه. ولأنَّ اللِّعانَ ينْفسِخُ (٢٣) به النِّكاحُ وإن كان أحدُهما كاذبًا، فالحُكْمُ أوْلَى. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِىَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَىْءٍ مِنْ حقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٤). وهذا يَدْخُلُ فيه ما إذا ادَّعَى أنَّه اشْترَى منه شيئًا، فحكَمَ له، ولأنَّه حُكْمٌ بشهادةِ زُورٍ، فلا يُحِلُّ له ما كان مُحرَّمًا عليه، كالمالِ المُطْلَقِ. وأمَّا الخبرُ عن علىٍّ إن صحَّ، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّهْ أضافَ التَّزويجَ إلى الشاهِدَيْنِ، لا إلى حُكْمِه، ولم يُجِبْها إلى التَّزْويجِ؛ لأنَّ فيه طعنًا على الشُّهودِ. فأمَّا اللِّعانُ، فإنَّما حصَلتِ الفُرْقةُ به، لا بصِدْقِ الزَّوْجِ، ولهذا لو قامتِ البَيِّنَةُ به، لم ينَفْسِخِ النِّكاحُ. إذا ثبتَ هذا، فإذا شَهِدَ على امرأةٍ بنكاحٍ، وحكَمَ به الحاكمُ، ولم تكُنْ زَوجتُه، فإنَّها لا تَحِلُّ له، ويَلْزَمُها فى الظَّاهرِ، وعليها أن تَمْتَنِعَ ما أمْكنَها، فإن أكْرَهَها عليه، فالإثْمُ عليه دُونَها، وإن وطِئَها الرجلُ، فقال أصْحابُنا، وبعضُ الشَّافِعِيَّةِ: عليه الحَدُّ؛ لأنَّه وَطِئَها وهو يعْلَمُ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ. وقيل: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ مُخْتلَفٌ فى حِلِّه، فيكونُ ذلك شُبْهَةً، وليس لها أن تتزوَّجَ غيرَه. وقال أصْحابُ الشافعىِّ: تَحِلُّ لزَوْجٍ ثانٍ، غيرَ أنَّها مَمْنُوعةٌ منه فى الحُكْمِ. وقال القاضي: يَصِحُّ النِّكاحُ. ولَنا، أنَّ هذا يُفْضِى إلى الجمعِ بين الوَطْءِ للمرأةِ من اثْنَيْنِ، أحدِهما يَطَؤُها بحُكْمِ الظَّاهرِ، والاخَرِ بحُكْمِ الباطنِ. وهذا فسادٌ، فلا يُشْرَعُ،

стр. 7386

ولأنَّها مَنْكوحةٌ لهذا الذى قامَتْ له البَيِّنَةُ، فى قولِ بعضِ الأئِمَّةِ، فلم يجُزْ (٢٥) تَزْويجُها لغيرِه، كالمُتزَوِّجةِ بغيرِ وَلِىٍّ. وحكَى أبو الخطَّابِ، عن أحمدَ، رِوَايةً أُخْرَى، مثلَ مذهبِ أبى حنيفةَ، فى أنَّ حُكْمَ الحاكمِ يُزِيلُ الفُسوخَ والعُقودَ. والأوَّلُ هو المذهبُ. فصل: وإذا اسْتعدَى رجلٌ على رجلٍ إلى الحاكمِ، ففيه روايتان؛ إحْداهما، أنَّه يَلْزمُه أن يُعدِيَه، ويَسْتدْعِىَ خَصْمَه، سَواءٌ عَلِمَ بينهما مُعامَلةً أو لم يَعْلَمْ، وسَواءٌ كان المُسْتَعْدِى ممَّن يُعامِلُ المُسْتَعْدَى عليه أو لا (٢٦) يُعامِلُه، كالفقيرِ يَدَّعِى على ذى ثَرْوةٍ وهَيْئةٍ. نَصَّ على هذا، فى رواية الأثْرَمِ، فى الرجلِ يَستَعْدِى، على الحاكمِ، أنَّه يُحضِرُه ويَسْتَحْلِفُه. وهذا اخْتيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ؛ لأنَّ فى تَرْكِه تَضيِيعًا للحقوقِ، وإقْرارًا للظُّلْمِ، فإنَّه قد ثبَتَ له الحقُّ على مَن هو أرْفعُ منه بغَصْبٍ، أو يَشْترِى منه شيئًا ولا يُوفِّيه، أو يُودِعُه شيئًا، أو يُعيرُه إيَّاه فلا (٢٧) يَرُدُّه، ولا تُعْلَمُ بينهما مُعاملةٌ، فإذا لم يُعْدَ عليه، سَقَطَ حَقُّه، وهذا أعْظَمُ ضَررًا من حُضورِ مجلسِ الحاكمِ، فإنَّه لا نَقِيصةَ فيه، وقد حضرَ عمرُ وأبَىٌّ عند زيدٍ (٢٧)، وحضرَ هو وآخَرُ عند شُرَيحٍ، وحضرَ علىٌّ عند شريحٍ (٢٨)، وحضرَ المنصورُ عند رجلٍ من وَلَدِ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ. والرِّواية الثانية، لا يَسْتَدْعِيه إلَّا أنْ يعلم بينهما مُعامَلةً، ويتَبيَّنَ أنَّ لِمَا ادَّعاه أصْلًا. رُوىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه. وهو مذهبُ مالكٍ؛ لأنَّ فى ادِّعائِه على كلِّ أحدٍ تَبْذِيلَ أهلِ المُروءات، وإهانةً لذَوِى الهَيئاتِ، فإنَّه لا يشاءُ أحدٌ أن يُبذِّلَهم عند الحاكمِ إلَّا فَعَلَ، وربَّما فَعَلَ هذا مَن لا حَقَّ له ليفَتْدِىَ المدَّعَى عليه مِن حُضورِه وشَرِّ خَصْمِه بطائفةٍ من

стр. 7387

مالِه، والأُولَى أوْلَى؛ لأنَّ ضَررَ تَضْييعِ الحقِّ أعظمُ من هذا. وللمُسْتَعْدَى (٢٩) عليه أن يُوَكِّلَ مَن يقومُ مَقامَه إن كرِهَ الحُضورَ. وإن كان المُسْتَعْدَى (٢٩) عليه امرأةً نَظَرْتَ؛ فإن كانتْ بَرْزَةً، وهى التى تَبْرُزُ لقضاءِ حَوائجِها، فحُكْمُها حُكْمُ الرجلِ. وإن كانتْ مُخَدَّرةً، وهى التى لا تَبْرُزُ لقضاءِ حَوائجِها، أُمِرَتْ بالتَّوكيلِ. فإن تَوَجَّهتِ اليَمِينُ عليها، بعثَ الحاكمُ أمِينًا معه شاهِدَان، فيَسْتَحْلِفُها بحَضْرتِهما، فإن أقرَّتْ، شَهِدا عليها. وذكرَ القاضي أنَّ الحاكمَ يبْعَثُ مَن يَقْضِىَ بينَها وبينَ خَصْمِها فى دارِها. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْهَا" (٣٠). فبعثَ إليها ولم يَسْتَدْعِها. وإذا حضَروا عندَها، كان بينها وبينَهم سِتْرٌ تتكلَّمُ مِن وَرائه، فإنِ اعْتَرفتْ للمدَّعِى أنَّها خَصْمُه، حَكَمَ بينهما، وإن أنْكرَتْ ذلك، جِىءَ بشاهِدَيْنِ من ذَوِى رَحِمِها، يَشْهَدان أنَّها المُدَّعَى عليها، ثم يُحْكَمُ بينهما، فإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، الْتَحَفتْ بجلْبابِها، وأُخْرِجتْ مِن وراءِ السِّتْرٍ لِموَضْعِ الحاجةِ. وما ذكَرْناه أوْلَى، إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّه أسْتَرُ لها، وإذا كانت خَفِرَةً، منَعها الحَياءُ مِن النُّطْقِ بحُجَّتِها، والتَّعْبِيرِ عن نَفْسِها، سِيَّما مع جَهْلِها بالحُجَّةِ، وقِلَّةِ مَعْرِفتِها بالشَّرْعِ وحُجَجِه. فصل: ولا يخْلُو المُستَعْدَى عليه مِن أن يكونَ حاضرًا أو غائبًا؛ فإن كان حاضرًا فى البلدِ أو قريبًا منه، فإن شاءَ الحاكمُ بعَثَ مع المُسْتَعْدِى عَوْنًا يُحْضِرُ المُدَّعَى عليه، وإن شاءَ بعثَ معه قِطْعةً من شَمْعٍ أو طِينٍ مَخْتُوما بخاتَمِه، فإذا بعثَ معه خَتْمًا، فعادَ فذكرَ أنَّه امْتَنعَ، أو كسَرَ الخَتْمَ، بعَثَ إليه عَوْنًا (٣١)، فإن امْتنعَ، أنفذَ صاحبَ الْمَعُونةِ فأحْضَرَه، فإذا حضرَ وشهِدَ عَليه شاهِدَانِ بالامْتِناعِ، عزَّرَه إن رأى ذلك، بحسَبِ ما يَراهُ، تَأْديبًا له، إما بالكلامِ وكشْفِ رأْسِه، أو بالضَّرْبِ أو بالحَبْسِ، فإن

стр. 7388

اخْتَبأَ بعثَ الحاكمُ مَن يُنادِى على بابِه ثلاثًا أنَّه إن لم يحْضُرْ سَمَّرَ بابَه، وَخَتمَ عليه، ويَجْمَعُ أماثِلَ جِيرَانِه ويُشْهِدُهم على إعْذارِه، فإن لم يحْضُرْ، وسألَ المُدَّعِى أن يُسمِّرَ عليه منزلَه، ويخْتِمَ عليه. وتَقرَّر عندَ الحاكِم أنَّ المنزلَ مَنزِلُه، سَمَّرَه أو خَتَمَه، فإن لم يحْضُرْ، بعَثَ الحاكمُ مَن يُنادِى على بابِه بحَضْرَةِ شاهِدَىْ عدلٍ، أنَّه إن لم يحضُرْ مع فُلانٍ، أقامَ عنه وكيلًا، وحَكَمَ عليه، فإن لم يحْضُرْ، أقامَ عنه وكيلًا، وسَمِعَ البَيِّنَةَ عليه، وحكَمَ عليه كما يَحْكمُ على الغائبِ، وقضَى حَقَّه من مالِه إن وَجَدَ له مالًا. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى يوسفَ، وأهلِ البصرةِ. حَكاه عنهم أحمدُ. وإن لم يَجِدْ له مالًا، ولم تكُنْ للمدَّعِى بَيِّنةٌ، فكانَ أحمدُ يُنْكِرُ التَّهَجُّمَ عليه، . ويُشْتَدُّ عليه حتى يَظْهَرَ. وقال الشَّافعىُّ: إن عَلِمَ له مكانًا، أمرَ بالهُجومِ عليه، فيَبْعثُ خِصْيانًا أو غِلْمانًا لم يَبْلُغوا الحُلُمَ، وثِقَاتٍ من النِّساءِ معهم ذَوُو عَدْلٍ من الرِّجالِ، فيُدْخِلُ النِّساءَ والصِّبيانَ، فإذا حصَلوا فى صَحْنِ الدَّارِ دخلَ الرِّجالُ، ويُؤْمَرُ الخِصْيانُ بالتَّفتيشِ، ويَتَفَقَّدُ (٣٢) النِّساءُ النِّساءَ، فإنْ (٣٣) ظفِروا به، أخَذُوه فأحْضَروه. وإن اسْتَعْدَى على غائبٍ نَظَرْتَ؛ فإن كان الغائبُ فى غيرِ ولايةِ القاضي، لم يكُنْ له أنْ يُعْدَى عليه، وله الحُكْمُ عليه، على ما سنذكرُه إن شاءَ اللهُ تعالى. وإن كان فى وِلايتِه، وله فى بلدِه خَلِيفةٌ، فإن كانت له بَيِّنَةٌ، ثَبَتَ الحقُّ عندَه، وكتبَ به إلى خَليفتِه، ولم يُحْضِرْه، وإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ حاضِرةٌ، نَفَّذَه إلى خَصْمِه ليُخاصِمَه عند خَلِيفتِه، وإن لم يكُنْ له (٣٤) فيه خليفةٌ، وكان فيه مَن يَصْلُحُ للقضاءِ، [أذِنَ له فى الحُكْمِ بينهما، وإن لم يكُنْ فيه مَن يصْلُحُ للقضاءِ] (٣٥)، قيل له: حَرِّرْ دَعْواكَ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ما يدَّعيه ليس بحَقٍّ عنَده، كالشُّفعةِ للجارِ، وقيمةِ الكلبِ، أو خَمْرِ الذمِّىِّ، فلا يُكلِّفُه الحُضورَ لِمَا لا يُقْضَى عليه به، مع المَشَقَّةِ فيه، بخلافِ الحاضرِ، فإنَّه لا مَشَقَّةَ فى حُضورِه، فإذا تحَرَّرتْ، بعَثَ فأحْضَرَ خَصْمَه

стр. 7389

بَعُدَتِ المسافةُ أو قرُبتْ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو يوسفَ: إن كان يُمْكنُه أن يحْضُرَ ويَعُودَ فيَأْوِىَ إلى مَوْضِعِه، أحْضرَه، وإلَّا لم يُحْضِرْهُ، ويُوَجِّهُ (٣٦) مَن يحْكُم بينهما. وقيل: إن كانتِ المسافةُ دونَ مَسافةِ القَصْرِ، أحْضرَه، وإلَّا فلا. ولَنا، أنَّه لابُدَّ من فَصْلِ الخُصومةِ بين المُتخاصِمَيْنِ، فإذا لم يُمْكِنْ إلَّا بمَشقَّةٍ، فعلَ ذلك، كما لو امْتَنعَ مِن الحضورِ، فإنَّه يُؤَدَّبُ ويُعَزَّرُ، ولأنَّ إلْحاقَ المَشَقَّةِ به أولَى من إلْحاقِها بمَن يُنفِذُه الحاكمُ ليَحْكمَ بينهما. وإن كانتِ امْرأةً بَرْزَةً، لم يُشْترَطْ فى سَفرِها هذا مَحْرَمٌ. نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لِحَقِّ آدَمِىٍّ، وحَقُّ الآدَمِىِّ مَبْنِىٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ. فصل: وإن اسْتَعْدَى على الحاكمِ المَعْزُولِ، لم يُعْدِه حتى يَعْرِفَ ما يدَّعِيه، فيسْألَه عنه، صيانةً للقاضى عن الامْتِهانِ. فإن ذكرَ أنَّه يدَّعى عليه حقًّا مِن دَينٍ أو غَصْبٍ، أعْداه عليه (٣٧)، وحكَمَ بينهما كغيرِ القاضي. وكذلك إن ادَّعَى أنَّه أخذَ منه رِشْوةً على الحُكْمِ؛ لأنَّ أخْذَ الرِّشوةِ عليه لا يجوزُ، فهى كالغَصْبِ. وإن ادَّعَى عليه الجَوْرَ فى الحُكْمِ، وكان للمدَّعِى بَيِّنَةٌ، أحْضرَه، وحكم بالبَيِّنَةِ، وإن لم يكُنْ معه بَيِّنَةٌ، ففيه وجْهان؛ أحدُهما، لا يُحْضِرُه؛ لأنَّ فى إحْضارِه وسُؤالِه امْتهانًا له؛ وأعداءُ القاضي كثير، وإذا فعلَ هذا معه، لم يُؤمَنْ ألَّا يَدْخُلَ فى القضاءِ أحدٌ، خَوْفًا من عاقِبَتِه. والثانى، يُحْضِرُه؛ لجوازِ أن يَعْتَرفَ، فإن حضرَ واعْتَرفَ، حَكمَ عليه، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قولُه من غيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ قولَ القاضي مَقْبولٌ بعدَ العَزْلِ، كما يُقْبَلُ فى وِلايَتِه. وإن ادَّعَى عليه (٣٨) أنَّه قتل ابنَه ظُلْمًا، فهل يَسْتحْضِرُه من غيرِ بَيِّنَةٍ؟ فيه وَجْهان، فإن أحْضَره، فاعْتَرف، حكَمَ عليه، وإلَّا فالقولُ قولُه. وإن ادَّعى أنَّه أخْرجَ عَيْنًا مِن يَدِه بغيرِ حَقٍّ، فالقولُ قولُ الحاكمِ مِن غيرِ يَمِينٍ، ويُقْبَلُ قولُه للمَحْكومِ له بها، على ما سَنَذْكُره، إن شاء اللهُ تعالى. فصل: وإن ادَّعَى على شاهِدَيْن أنَّهما شَهِدَا عليه زُورًا، أحْضرَهما، فإن اعْترَفا، أغْرَمَهما، وإن أنْكَرا، وللمُدَّعِى بَيِّنَةٌ على إقرارِهما بذلك، فأقامَها، لزِمَهما ذلك، وإن

стр. 7390

أنكَرَ لم يُسْتَحْلَفا؛ لأنَّ إحْلافَهما يُطَرِّقُ (٣٩) عليهما الدَّعاوَى فى الشَّهادةِ والامْتهان، ورُبَّما مَنَعَ ذلك إقامَةَ الشَّهادةِ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. ١٨٦٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، سَأَلَ عَنْهُ، فَإنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُ) وجملتُه أنَّه إذا شَهِدَ عندَ الحاكمِ شاهدانِ، فإنْ عَرَفهما عَدْلَيْنِ، حكمَ بشَهادتِهما، وإنْ عَرَفَهما فاسِقيْنِ، لم يَقْبَلْ قَوْلَهما، وإن لم يَعْرِفْهُما، سألَ عنهما؛ لأنَّ مَعْرِفةَ العَدالةِ شَرْطٌ فى قَبُولِ الشَّهادةِ بجميعِ الحُقوقِ. وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى: يَحْكُمُ بشَهادَتِهما إذا عَرَفَ إسْلامَهما، بظاهرِ الحالِ، إلَّا أنْ يقولَ الخَصْمُ: هما فاسِقان. وهذا قولُ الحسنِ. والمالُ والحَدُّ فى هذا سَواءٌ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مِن المسلمين العَدالةُ، ولهذا قال عمرُ، رضىَ اللهُ عنه: المُسلمون عُدُولٌ بَعْضُهم على بعضٍ (١). ورُوى، أنَّ أعْرابيًّا جاءَ إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فشَهِدَ برُؤْيَةِ الهلالِ، فقال له (٢) النَّبِىُّ ﷺ : "أتَشْهَدُ أنْ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ؟ ". فقال: نعم. فقال: "أتشْهَدُ أنِّى رَسُولُ اللهِ؟ ". قال: نعم: فصامَ، وأمرَ الناسَ بالصِّيَامِ (٣). ولأنَّ العَدالةَ أمرٌ خَفِىٌّ، سَبَبُها الخوفُ من اللهِ تعالى، ودَليلُ ذلك الإسلامُ، فإذا وُجِدَ، فلْيَكْتَفِ به، ما لم يَقُمْ على خِلافِه دليلٌ. وقال أبو حنيفةَ فى الحُدودِ والقصاص كالرِّوايةِ الأُولَى، وفى سائرِ الحقوقِ كالثانيةِ؛ لأنَّ الحُدودَ والقِصاصَ ممَّا يُحْتاطُ لهما (٤)، وتَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، بخلافِ غيرِهما (٥). ولَنا، أنَّ العَدالةَ شَرْطٌ، فوجبَ العلمُ بها، كالإسلامِ، وكما (٦) لو طَعنَ الخَصْمُ فيهما. فأمَّا الأعْرابىُّ المسلمُ، فإنَّه كان من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقد ثَبتَتْ عَدالتُهم بثَناءِ اللهِ
следующие страницы →