← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

ولأنَّها مَنْكوحةٌ لهذا الذى قامَتْ له البَيِّنَةُ، فى قولِ بعضِ الأئِمَّةِ، فلم يجُزْ (٢٥) تَزْويجُها لغيرِه، كالمُتزَوِّجةِ بغيرِ وَلِىٍّ. وحكَى أبو الخطَّابِ، عن أحمدَ، رِوَايةً أُخْرَى، مثلَ مذهبِ أبى حنيفةَ، فى أنَّ حُكْمَ الحاكمِ يُزِيلُ الفُسوخَ والعُقودَ. والأوَّلُ هو المذهبُ. فصل: وإذا اسْتعدَى رجلٌ على رجلٍ إلى الحاكمِ، ففيه روايتان؛ إحْداهما، أنَّه يَلْزمُه أن يُعدِيَه، ويَسْتدْعِىَ خَصْمَه، سَواءٌ عَلِمَ بينهما مُعامَلةً أو لم يَعْلَمْ، وسَواءٌ كان المُسْتَعْدِى ممَّن يُعامِلُ المُسْتَعْدَى عليه أو لا (٢٦) يُعامِلُه، كالفقيرِ يَدَّعِى على ذى ثَرْوةٍ وهَيْئةٍ. نَصَّ على هذا، فى رواية الأثْرَمِ، فى الرجلِ يَستَعْدِى، على الحاكمِ، أنَّه يُحضِرُه ويَسْتَحْلِفُه. وهذا اخْتيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ؛ لأنَّ فى تَرْكِه تَضيِيعًا للحقوقِ، وإقْرارًا للظُّلْمِ، فإنَّه قد ثبَتَ له الحقُّ على مَن هو أرْفعُ منه بغَصْبٍ، أو يَشْترِى منه شيئًا ولا يُوفِّيه، أو يُودِعُه شيئًا، أو يُعيرُه إيَّاه فلا (٢٧) يَرُدُّه، ولا تُعْلَمُ بينهما مُعاملةٌ، فإذا لم يُعْدَ عليه، سَقَطَ حَقُّه، وهذا أعْظَمُ ضَررًا من حُضورِ مجلسِ الحاكمِ، فإنَّه لا نَقِيصةَ فيه، وقد حضرَ عمرُ وأبَىٌّ عند زيدٍ (٢٧)، وحضرَ هو وآخَرُ عند شُرَيحٍ، وحضرَ علىٌّ عند شريحٍ (٢٨)، وحضرَ المنصورُ عند رجلٍ من وَلَدِ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ. والرِّواية الثانية، لا يَسْتَدْعِيه إلَّا أنْ يعلم بينهما مُعامَلةً، ويتَبيَّنَ أنَّ لِمَا ادَّعاه أصْلًا. رُوىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه. وهو مذهبُ مالكٍ؛ لأنَّ فى ادِّعائِه على كلِّ أحدٍ تَبْذِيلَ أهلِ المُروءات، وإهانةً لذَوِى الهَيئاتِ، فإنَّه لا يشاءُ أحدٌ أن يُبذِّلَهم عند الحاكمِ إلَّا فَعَلَ، وربَّما فَعَلَ هذا مَن لا حَقَّ له ليفَتْدِىَ المدَّعَى عليه مِن حُضورِه وشَرِّ خَصْمِه بطائفةٍ من

стр. 7387

مالِه، والأُولَى أوْلَى؛ لأنَّ ضَررَ تَضْييعِ الحقِّ أعظمُ من هذا. وللمُسْتَعْدَى (٢٩) عليه أن يُوَكِّلَ مَن يقومُ مَقامَه إن كرِهَ الحُضورَ. وإن كان المُسْتَعْدَى (٢٩) عليه امرأةً نَظَرْتَ؛ فإن كانتْ بَرْزَةً، وهى التى تَبْرُزُ لقضاءِ حَوائجِها، فحُكْمُها حُكْمُ الرجلِ. وإن كانتْ مُخَدَّرةً، وهى التى لا تَبْرُزُ لقضاءِ حَوائجِها، أُمِرَتْ بالتَّوكيلِ. فإن تَوَجَّهتِ اليَمِينُ عليها، بعثَ الحاكمُ أمِينًا معه شاهِدَان، فيَسْتَحْلِفُها بحَضْرتِهما، فإن أقرَّتْ، شَهِدا عليها. وذكرَ القاضي أنَّ الحاكمَ يبْعَثُ مَن يَقْضِىَ بينَها وبينَ خَصْمِها فى دارِها. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْهَا" (٣٠). فبعثَ إليها ولم يَسْتَدْعِها. وإذا حضَروا عندَها، كان بينها وبينَهم سِتْرٌ تتكلَّمُ مِن وَرائه، فإنِ اعْتَرفتْ للمدَّعِى أنَّها خَصْمُه، حَكَمَ بينهما، وإن أنْكرَتْ ذلك، جِىءَ بشاهِدَيْنِ من ذَوِى رَحِمِها، يَشْهَدان أنَّها المُدَّعَى عليها، ثم يُحْكَمُ بينهما، فإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، الْتَحَفتْ بجلْبابِها، وأُخْرِجتْ مِن وراءِ السِّتْرٍ لِموَضْعِ الحاجةِ. وما ذكَرْناه أوْلَى، إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّه أسْتَرُ لها، وإذا كانت خَفِرَةً، منَعها الحَياءُ مِن النُّطْقِ بحُجَّتِها، والتَّعْبِيرِ عن نَفْسِها، سِيَّما مع جَهْلِها بالحُجَّةِ، وقِلَّةِ مَعْرِفتِها بالشَّرْعِ وحُجَجِه. فصل: ولا يخْلُو المُستَعْدَى عليه مِن أن يكونَ حاضرًا أو غائبًا؛ فإن كان حاضرًا فى البلدِ أو قريبًا منه، فإن شاءَ الحاكمُ بعَثَ مع المُسْتَعْدِى عَوْنًا يُحْضِرُ المُدَّعَى عليه، وإن شاءَ بعثَ معه قِطْعةً من شَمْعٍ أو طِينٍ مَخْتُوما بخاتَمِه، فإذا بعثَ معه خَتْمًا، فعادَ فذكرَ أنَّه امْتَنعَ، أو كسَرَ الخَتْمَ، بعَثَ إليه عَوْنًا (٣١)، فإن امْتنعَ، أنفذَ صاحبَ الْمَعُونةِ فأحْضَرَه، فإذا حضرَ وشهِدَ عَليه شاهِدَانِ بالامْتِناعِ، عزَّرَه إن رأى ذلك، بحسَبِ ما يَراهُ، تَأْديبًا له، إما بالكلامِ وكشْفِ رأْسِه، أو بالضَّرْبِ أو بالحَبْسِ، فإن

стр. 7388

اخْتَبأَ بعثَ الحاكمُ مَن يُنادِى على بابِه ثلاثًا أنَّه إن لم يحْضُرْ سَمَّرَ بابَه، وَخَتمَ عليه، ويَجْمَعُ أماثِلَ جِيرَانِه ويُشْهِدُهم على إعْذارِه، فإن لم يحْضُرْ، وسألَ المُدَّعِى أن يُسمِّرَ عليه منزلَه، ويخْتِمَ عليه. وتَقرَّر عندَ الحاكِم أنَّ المنزلَ مَنزِلُه، سَمَّرَه أو خَتَمَه، فإن لم يحْضُرْ، بعَثَ الحاكمُ مَن يُنادِى على بابِه بحَضْرَةِ شاهِدَىْ عدلٍ، أنَّه إن لم يحضُرْ مع فُلانٍ، أقامَ عنه وكيلًا، وحَكَمَ عليه، فإن لم يحْضُرْ، أقامَ عنه وكيلًا، وسَمِعَ البَيِّنَةَ عليه، وحكَمَ عليه كما يَحْكمُ على الغائبِ، وقضَى حَقَّه من مالِه إن وَجَدَ له مالًا. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى يوسفَ، وأهلِ البصرةِ. حَكاه عنهم أحمدُ. وإن لم يَجِدْ له مالًا، ولم تكُنْ للمدَّعِى بَيِّنةٌ، فكانَ أحمدُ يُنْكِرُ التَّهَجُّمَ عليه، . ويُشْتَدُّ عليه حتى يَظْهَرَ. وقال الشَّافعىُّ: إن عَلِمَ له مكانًا، أمرَ بالهُجومِ عليه، فيَبْعثُ خِصْيانًا أو غِلْمانًا لم يَبْلُغوا الحُلُمَ، وثِقَاتٍ من النِّساءِ معهم ذَوُو عَدْلٍ من الرِّجالِ، فيُدْخِلُ النِّساءَ والصِّبيانَ، فإذا حصَلوا فى صَحْنِ الدَّارِ دخلَ الرِّجالُ، ويُؤْمَرُ الخِصْيانُ بالتَّفتيشِ، ويَتَفَقَّدُ (٣٢) النِّساءُ النِّساءَ، فإنْ (٣٣) ظفِروا به، أخَذُوه فأحْضَروه. وإن اسْتَعْدَى على غائبٍ نَظَرْتَ؛ فإن كان الغائبُ فى غيرِ ولايةِ القاضي، لم يكُنْ له أنْ يُعْدَى عليه، وله الحُكْمُ عليه، على ما سنذكرُه إن شاءَ اللهُ تعالى. وإن كان فى وِلايتِه، وله فى بلدِه خَلِيفةٌ، فإن كانت له بَيِّنَةٌ، ثَبَتَ الحقُّ عندَه، وكتبَ به إلى خَليفتِه، ولم يُحْضِرْه، وإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ حاضِرةٌ، نَفَّذَه إلى خَصْمِه ليُخاصِمَه عند خَلِيفتِه، وإن لم يكُنْ له (٣٤) فيه خليفةٌ، وكان فيه مَن يَصْلُحُ للقضاءِ، [أذِنَ له فى الحُكْمِ بينهما، وإن لم يكُنْ فيه مَن يصْلُحُ للقضاءِ] (٣٥)، قيل له: حَرِّرْ دَعْواكَ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ما يدَّعيه ليس بحَقٍّ عنَده، كالشُّفعةِ للجارِ، وقيمةِ الكلبِ، أو خَمْرِ الذمِّىِّ، فلا يُكلِّفُه الحُضورَ لِمَا لا يُقْضَى عليه به، مع المَشَقَّةِ فيه، بخلافِ الحاضرِ، فإنَّه لا مَشَقَّةَ فى حُضورِه، فإذا تحَرَّرتْ، بعَثَ فأحْضَرَ خَصْمَه

стр. 7389

بَعُدَتِ المسافةُ أو قرُبتْ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو يوسفَ: إن كان يُمْكنُه أن يحْضُرَ ويَعُودَ فيَأْوِىَ إلى مَوْضِعِه، أحْضرَه، وإلَّا لم يُحْضِرْهُ، ويُوَجِّهُ (٣٦) مَن يحْكُم بينهما. وقيل: إن كانتِ المسافةُ دونَ مَسافةِ القَصْرِ، أحْضرَه، وإلَّا فلا. ولَنا، أنَّه لابُدَّ من فَصْلِ الخُصومةِ بين المُتخاصِمَيْنِ، فإذا لم يُمْكِنْ إلَّا بمَشقَّةٍ، فعلَ ذلك، كما لو امْتَنعَ مِن الحضورِ، فإنَّه يُؤَدَّبُ ويُعَزَّرُ، ولأنَّ إلْحاقَ المَشَقَّةِ به أولَى من إلْحاقِها بمَن يُنفِذُه الحاكمُ ليَحْكمَ بينهما. وإن كانتِ امْرأةً بَرْزَةً، لم يُشْترَطْ فى سَفرِها هذا مَحْرَمٌ. نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لِحَقِّ آدَمِىٍّ، وحَقُّ الآدَمِىِّ مَبْنِىٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ. فصل: وإن اسْتَعْدَى على الحاكمِ المَعْزُولِ، لم يُعْدِه حتى يَعْرِفَ ما يدَّعِيه، فيسْألَه عنه، صيانةً للقاضى عن الامْتِهانِ. فإن ذكرَ أنَّه يدَّعى عليه حقًّا مِن دَينٍ أو غَصْبٍ، أعْداه عليه (٣٧)، وحكَمَ بينهما كغيرِ القاضي. وكذلك إن ادَّعَى أنَّه أخذَ منه رِشْوةً على الحُكْمِ؛ لأنَّ أخْذَ الرِّشوةِ عليه لا يجوزُ، فهى كالغَصْبِ. وإن ادَّعَى عليه الجَوْرَ فى الحُكْمِ، وكان للمدَّعِى بَيِّنَةٌ، أحْضرَه، وحكم بالبَيِّنَةِ، وإن لم يكُنْ معه بَيِّنَةٌ، ففيه وجْهان؛ أحدُهما، لا يُحْضِرُه؛ لأنَّ فى إحْضارِه وسُؤالِه امْتهانًا له؛ وأعداءُ القاضي كثير، وإذا فعلَ هذا معه، لم يُؤمَنْ ألَّا يَدْخُلَ فى القضاءِ أحدٌ، خَوْفًا من عاقِبَتِه. والثانى، يُحْضِرُه؛ لجوازِ أن يَعْتَرفَ، فإن حضرَ واعْتَرفَ، حَكمَ عليه، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قولُه من غيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ قولَ القاضي مَقْبولٌ بعدَ العَزْلِ، كما يُقْبَلُ فى وِلايَتِه. وإن ادَّعَى عليه (٣٨) أنَّه قتل ابنَه ظُلْمًا، فهل يَسْتحْضِرُه من غيرِ بَيِّنَةٍ؟ فيه وَجْهان، فإن أحْضَره، فاعْتَرف، حكَمَ عليه، وإلَّا فالقولُ قولُه. وإن ادَّعى أنَّه أخْرجَ عَيْنًا مِن يَدِه بغيرِ حَقٍّ، فالقولُ قولُ الحاكمِ مِن غيرِ يَمِينٍ، ويُقْبَلُ قولُه للمَحْكومِ له بها، على ما سَنَذْكُره، إن شاء اللهُ تعالى. فصل: وإن ادَّعَى على شاهِدَيْن أنَّهما شَهِدَا عليه زُورًا، أحْضرَهما، فإن اعْترَفا، أغْرَمَهما، وإن أنْكَرا، وللمُدَّعِى بَيِّنَةٌ على إقرارِهما بذلك، فأقامَها، لزِمَهما ذلك، وإن

стр. 7390

أنكَرَ لم يُسْتَحْلَفا؛ لأنَّ إحْلافَهما يُطَرِّقُ (٣٩) عليهما الدَّعاوَى فى الشَّهادةِ والامْتهان، ورُبَّما مَنَعَ ذلك إقامَةَ الشَّهادةِ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. ١٨٦٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، سَأَلَ عَنْهُ، فَإنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُ) وجملتُه أنَّه إذا شَهِدَ عندَ الحاكمِ شاهدانِ، فإنْ عَرَفهما عَدْلَيْنِ، حكمَ بشَهادتِهما، وإنْ عَرَفَهما فاسِقيْنِ، لم يَقْبَلْ قَوْلَهما، وإن لم يَعْرِفْهُما، سألَ عنهما؛ لأنَّ مَعْرِفةَ العَدالةِ شَرْطٌ فى قَبُولِ الشَّهادةِ بجميعِ الحُقوقِ. وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى: يَحْكُمُ بشَهادَتِهما إذا عَرَفَ إسْلامَهما، بظاهرِ الحالِ، إلَّا أنْ يقولَ الخَصْمُ: هما فاسِقان. وهذا قولُ الحسنِ. والمالُ والحَدُّ فى هذا سَواءٌ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مِن المسلمين العَدالةُ، ولهذا قال عمرُ، رضىَ اللهُ عنه: المُسلمون عُدُولٌ بَعْضُهم على بعضٍ (١). ورُوى، أنَّ أعْرابيًّا جاءَ إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فشَهِدَ برُؤْيَةِ الهلالِ، فقال له (٢) النَّبِىُّ ﷺ : "أتَشْهَدُ أنْ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ؟ ". فقال: نعم. فقال: "أتشْهَدُ أنِّى رَسُولُ اللهِ؟ ". قال: نعم: فصامَ، وأمرَ الناسَ بالصِّيَامِ (٣). ولأنَّ العَدالةَ أمرٌ خَفِىٌّ، سَبَبُها الخوفُ من اللهِ تعالى، ودَليلُ ذلك الإسلامُ، فإذا وُجِدَ، فلْيَكْتَفِ به، ما لم يَقُمْ على خِلافِه دليلٌ. وقال أبو حنيفةَ فى الحُدودِ والقصاص كالرِّوايةِ الأُولَى، وفى سائرِ الحقوقِ كالثانيةِ؛ لأنَّ الحُدودَ والقِصاصَ ممَّا يُحْتاطُ لهما (٤)، وتَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، بخلافِ غيرِهما (٥). ولَنا، أنَّ العَدالةَ شَرْطٌ، فوجبَ العلمُ بها، كالإسلامِ، وكما (٦) لو طَعنَ الخَصْمُ فيهما. فأمَّا الأعْرابىُّ المسلمُ، فإنَّه كان من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقد ثَبتَتْ عَدالتُهم بثَناءِ اللهِ

стр. 7391

تعالى عليهم، فإنَّ مَن تَرَكَ دِينَه فى زَمنِ رسولِ اللهِ ﷺ ، إيثارًا لدينِ الإسلامِ، وصَحِبَ (٧) رسولَ اللهِ ﷺ ، ثَبَتَت عَدالتُه. وأمَّا قولُ عمرَ، فالمُرادُ به أنَّى الظاهرَ العدالةُ، ولا يَمْنَعُ ذلك فى وُجوبِ البَحْثِ ومَعْرفةِ حَقيقةِ العدالةِ، فقد رُوِىَ عنه، أنَّه أُتِىَ بشاهِدَيْنِ، فقال لهما (٨): لَسْتُ أعْرِفُكما، ولا يَضُرُّكما إن لم أعْرِفْكما، جِيئَا بمَن يَعْرِفُكما. فأتَيا برجلٍ، فقال له عمرُ: تَعْرِفُهما؟ فقال: نعم. فقال عمرُ: صحِبْتَهما فى السَّفَرِ الذى تَبِينُ فيه جَواهرُ الناسِ؟ قال: لا. قال: عامَلْتَهما فى الدَّنانيرِ والدَّراهمِ التى تُقطَعُ فيهما (٩) الرَّحِمُ؟ قال: لا. قال: كنتَ جارَهما (١٠) تَعْرِفُ صَباحَهما ومَساءَهما؟ قال: لا. قال: يا ابنَ أخى، لسْتَ تَعْرِفُهما، جِيئَا بمَن يَعْرِفُكما (١١). وهذا بحثٌ يدُلُّ على أنَّه لا يُكْتفَى بدُونِه. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ الشاهدَ يُعتبَرُ فيه أربعةُ شُروطٍ؛ الإسلامُ، والبُلوغُ، والعقلُ، والعَدالةُ، وليس فيها ما يَخْفَى ويَحْتاجُ إلى البحثِ إلَّا العدالةُ، فيَحتاجُ إلى البحثِ عنها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١٢). ولا نعلمُ أنَّه مَرْضِىٌّ حتى نَعْرفَه، أو نُخْبَرَ عنه، فيَأْمرُ الحاكمُ بكَتْبِ أسمائِهم، وكُناهم، ونَسَبِهم، وَيرْفَعُ (١٣) فيها بما يَتميَّزون به عن غيرِهم، ويَكْتبُ صَنائعَهم، ومَعائِشَهم، ومَوضِعَ مساكنِهم، وصَلاتِهم؛ ليَسْألَ عنهم (١٤) جِيرَانَهم، وأهلَ سُوقِهم، ومَسْجِدِهم، ومَحَلَّتِهم، ونِحْلَتِهم (١٥)، فيَكتبُ: أسودُ أو أبيضُ، أو أنْزَعُ أو أغمُّ، أو أشْهَلُ أو أكْحَلُ، أقْنَى الأنفِ أو أفْطَسُ، أو رَقيقُ الشَّفتيْنِ أو غَلِيظُهما، طويلٌ

стр. 7392

أو قصيرٌ أو رَبْعَةٌ، ونحو هذا، ليَتمَيَّزَ، ولا يقَعُ اسمٌ على اسمٍ، ويكْتُبُ اسمَ المَشْهودِ له والمشْهودِ عليه، وقَدْرَ الحقِّ، ويكتبُ ذلك كلَّه لأصحابِ مَسائلِه، لكلِّ واحدٍ رُقعةً. وإنَّما ذكرْنا المشهودَ له، لئَلَّا يكونَ بينه وبين الشَّاهِدِ قَرابةٌ تَمْنعُ الشَّهادةَ، أو شَركِةٌ، وذكرْنا اسمَ (١٦) المشْهودِ عليه؛ ليُعْرَفَ لِئَلا تكونَ بينَه وبين الشَّاهدِ عَداوةٌ، وذكرْنا قدرَ الحقِّ؛ لأنَّه ربما كان ممَّن يَرَوْنَ قَبولَه فى اليَسِيرِ دُون الكثيرِ، فتَطِيبُ نفسُ المُزَكِّى به إذا كان يَسِيرًا، ولا تَطِيبُ إذا كان كثيرًا. وينْبَغِى للقاضى أن يُخْفِىَ عن كلِّ واحدٍ مِن أصْحابِ مَسائلِه ما يُعطِى الآخَرَ مِن الرِّقاعِ؛ لئَلَّا يَتواطَئوا. وإن شاءَ الحاكمُ عيَّنَ لصاحبِ مَسائلِه مَن يسألُه ممَّن يعْرِفُه، مِن جِوارِ الشَّاهدِ، وأهلِ الخِبْرةِ به، وإن شاءَ أطلقَ، ولم يُعَيِّنِ المسئولَ، ويكونُ السُّؤالُ سِرًّا؛ لئلَّا يكونَ فيه هَتْكُ المسئولِ عنه، وربما يخافُ المَسْئولُ (١٧) الشَّاهدَ، أو (١٧) المشهودَ له، أو المشهودَ عليه، أنْ يُخْبِرَ بما عندَه، أو يَسْتحِى. وينبغى أن يكونَ أصحابُ مَسائلِه غيرَ مَعْروفِينَ (١٨)؛ لئلَّا يُقصَدوا بهديَّةٍ أو رِشْوةٍ، وأن يكونوا أصْحابَ عَفافٍ فى الطُّعْمَةِ والأنْفُسِ، ذَوِى عُقولٍ وافرةٍ، أبرياءَ من [الشَّحناءِ والبُغضِ] (١٩)؛ لئلا يَطْعَنُوا فى الشُّهودِ، أو يسألوا عن الشَّاهدِ عَدُوَّه فيَطْعَنَ فيه، فيَضِيعَ حقُّ المشْهودِ له، ولا يكونون (٢٠) مِن أهلِ الأهواءِ والعَصَبيَّةِ، يَمِيلون إلى مَن وافَقَهم على مَن خالفَهم، ويكونون أُمَناءَ ثِقَاتٍ؛ لأنَّ هذا مَوضعُ أمانةٍ. فإذا رجعَ أصحابُ مسائلِه، فأخبرَ اثنان بالعَدالةِ، قَبِلَ شهادَتَه، وإن أخْبَرَا بالجَرْحِ، رَدَّ شهادتَه، وإن أخبرَ أحدُهما بالعدالةِ، والآخرُ بالجَرْحِ، بعثَ آخَرَيْنِ، فإنْ عادَا فأخْبَرا بالتَّعْديلِ، تَمَّتْ بَيِّنَةُ التَّعْديلِ، وسقطَ الجَرْحُ؛ لأنَّ بَيِّنَتَه لم تتِمَّ، وإن أخْبَرَا بالجَرْحِ، ثَبتَ ورَدَّ الشَّهادةَ، وإن أخبرَ أحدُهما بالجَرْح والاخرُ بالتَّعْديل، تمَّتِ البَيِّنتانِ، ويُقدِّمُ الجَرْحَ، ولا يَقبَلُ الجرحَ والتَّعْديلَ إلَّا مِن اثنيْن، ويَقْبَلُ قولَ أصحابِ المسائِلِ. وقيل:

стр. 7393

لا يقْبَلُ إلَّا شهادةَ المَسْئولينَ، ويكلِّفُ اثنَيْنِ منهم أن يَشْهدُوا بالتَّزْكِيَةِ والجَرْح عندَه، على شُروطِ (٢١) الشَّهادةِ فى اللَّفْظِ وغيرِه، ولا تُقْبلُ مِن صاحب المسْألةِ؛ لأنَّ ذلك شهادةٌ على شهادةٍ، مع حضُورِ شُهودِ الأصلِ. ووَجْهُ القولِ الأَوَّل، أنَّ شَهادةَ أصحابِ المسائلِ شهادةُ اسْتِفاضَةٍ؛ لا شهادةٌ على شَهادةٍ، فيُكْتَفَى بمَن يشْهَدُ بها، كسائرِ شهاداتِ الاسْتِفاضةِ؛ ولأنَّه مَوضِعُ حاجةٍ [، فإنَّه لا] (٢٢) يَلزمُ المُزَكِّىَ الحضورُ للتَّزْكِيَةِ، وليس للحاكمِ إجْبارُه عليها، فصارَ كالمرضِ والغَيْبَةِ فى سائرِ الشَّهاداتِ، ولأنَّنا لو لم نَكْتفِ بشهادةِ أصحابِ المسائلِ، لتعذَّرَتِ التَّزْكِيَةُ؛ لأنَّه قد يتَّفِقُ أنْ لا يكونَ فى جيرانِ الشَّاهدِ مَن يَعْرِفُه الحاكمُ، فلا يَقْبَلُ قولَه، فيَفُوتُ التَّعْديلُ والجَرْحُ. فصل: قال القاضي: ولابُدَّ مِن معرفةِ إسلامِ الشَّاهدِ، ويَحْصُلُ ذلك بأحدِ أربعةِ أُمورٍ؛ أحدُها، إخْبارُه عن نفسِه أنَّه مسلمٌ، أو إتْيانُه بكلمةِ الإسلامِ، وهى شَهادةُ أنْ لا إله إلَّا اللهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه؛ لأنَّه لو لم يكنْ مسلمًا صارَ مُسلمًا بذلك. الثانى، اعْترافُ المَشْهودِ عليه بإسْلامِه؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ عليه. الثالث، خِبْرةُ الحاكمِ؛ لأنَّنا اكْتفَيْنا بذلك فى عَدالتِه، فكذلك فى إسْلامِه. الرابع، بَيِّنَةٌ تقُومُ به. ولابُدَّ من معرفةِ الحُرِّيَّةِ فى مَوْضِعٍ تُعْتَبَرُ فيه، ويَكْفِى فى ذلك أحدُ أمورٍ ثلاثةٍ؛ بَيِّنَةٌ، أو اعْترَافُ المشْهودِ عليه، أو خِبْرَةُ الحاكمِ. ولا يكْفِى اعْترافُ الشاهدِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ أن يصيرَ حُرًّا، فلا يَمْلِكُ الإقْرارَ به، بخِلافِ الإسْلامِ. فصل: وإذا شهِدَ عندَ الحاكمِ مجهولُ الحالِ، فقال المشْهودُ عليه: هو عَدْلٌ. ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يَلْزَمُ الحاكمَ الحكمُ بشهادتِه؛ لأنَّ البحثَ عن عَدالتِه لِحَقِّ المشْهودِ عليه، وقد اعْترفَ بها، ولأنَّه إذا أقرَّ بعدالتِه، فقد أقرَّ بما يُوجِبُ الحكمَ لِخَصْمِه عليه، فيُؤْخَذُ بإقرارِه، كسائرِ أقارِيرِه. والثانى، لا يجوزُ الحكْمُ بشهادتِه؛ لأنَّ فى الحُكمِ بها تَعديلًا له، فلا يَثْبتُ بقولٍ واحدٍ، ولأنَّ اعْتبارَ العَدالةِ فى الشاهدِ حَقٌّ للهِ تعالى، ولهذا لو رَضِىَ الخَصْمُ أنْ (٢٣) يُحْكَمَ عليه بقولِ فاسقٍ، لم يَجُزْ الحكمُ به، ولأنَّه لا يَخْلُو؛ إمَّا أن

стр. 7394

يحْكُمَ عليه مع تَعْديلِه، أو مع انْتِفائِه، لا يجوزُ أن يُقال مع تَعْديلِه؛ [لأنَّ التَّعْديلَ لا يَثْبُثُ بقولِ الواحدِ، ولا يجوزُ مع انْتفاءِ تَعْديلِه] (٢٤)؛ لأنَّ الحكْمَ بشَهادةِ غيرِ العَدْلِ غيرُ جائزٍ، بدليلِ شَهادةِ مَن ظَهَرَ فِسْقُه. ومذهبُ الشَّافعىِّ مثلُ هذا، فإن قُلْنا بالأوَّل، فلا يَثْبُتُ تَعْدِيلُه فى حقِّ غيرِ المشْهودِ عليه؛ لأنَّه لم تُوجَدْ بَيِّنَةُ التَّعْديلِ، وإنَّما حُكِمَ عليه لإقرارِه بوُجودِ شَرْطِ (٢٥) الحُكْمِ، وإقرارُه يَثْبُتُ فى حقِّه دُونَ غيرِه، كما لو أقرَّ بحقٍّ عليه وعلى غيرِه، ثَبَتَ فى حَقِّه دُونَ غيرِه. ١٨٧٠ - مسألة؛ قال: (وَإنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ، وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ، فالْجَرْحَةُ (١) أوْلَى) وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ. وقال مالكٌ: يُنْظَرُ أيُّهما أعْدَلُ؟ اللَّذان جَرَّحاه، أو اللَّذان عَدَّلاه؟ فيُؤْخَذُ بقولِ أعْدَلِهما. ولَنا، أنَّ الجارحَ معه زيادةُ عِلْمٍ خَفِيَتْ على المُعدِّلِ، فوجبَ تَقْدِيمُه؛ لأنَّ التَّعْديلَ يتضمَّنُ تَرْكَ الرِّيَبِ والْمَحارمِ، والجارِحُ مُثْبتٌ لوُجودِ ذلك، والإثْباتُ مُقدَّمٌ على النَّفْى، ولأنَّ الجارِحَ يقول: رأيتُه يفْعَلُ كذا. والمُعَدِّلُ مُسْتنَدُه أنَّه لم يرَه يفْعَلُ، ويُمْكِنُ صِدْقُهما، والجمعُ بين قولَيْهما بأنْ يَراهُ الجارحُ يفْعَلُ المَعْصِيَةَ، ولا يَراهُ المُعدِّلُ، فيكونُ مَجْروحًا. فصل: ولا يُقْبَلُ الجَرْحُ والتَّعديلُ إلَّا مِن اثْنينِ. وبهذا قال مالكٌ، والشَّافعىُّ، ومحمدُ ابنُ الحسنِ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوىَ عن أحمدَ: يُقْبَلُ ذلك من واحدٍ. وهو اختيارُ أبى بكرٍ، وقولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه خَبَرٌ لا يُعْتبرُ فيه لفظُ الشَّهادةِ، فقُبِلَ مِن واحدٍ، كالرِّوايةِ. ولَنا، أنَّه إثْباتُ صِفَةِ مَن يَبْنِى الحاكمُ حُكْمَه على صِفَتِه، فاعْتُبِرَ فيه العَدَدُ، كالحَضانَةِ، وفارَق الرِّوايةَ؛ فإنَّها على المُساهَلَةِ، ولا نُسلِّمُ أنَّها لا تَفتقِرُ إلى لفظِ الشهادةِ، ويُعْتَبَرُ فى التَّعْديلِ والجَرْحِ لفظُ الشَّهادةِ، فيقولُ فى التَّعْديلِ: أشْهَدُ أنَّه عَدْلٌ. ويَكْفِى هذا. وإن لم يقُلْ: علىَّ ولِى. وهذا قولُ أكثرِ أهل العلمِ، وبه يقول شُرَيْحٌ، وأهلُ العراقِ، ومالكٌ، وبعضُ

стр. 7395

الشَّافعيَّةِ. وقال أكثرُهم: لا يَكْفِيه إلَّا أن يقولَ: عَدْلٌ علىَّ ولِى. واخْتلَفُوا فى تَعْليلِه، فقال بعضُهم: لئلَّا تكونَ بينهما عَداوةٌ أو قَرابةٌ. وقال بعضُهم: لئلَّا يكونَ عَدْلًا فى شىءٍ دون شىءٍ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) فإذا شَهدَا أنَّه عَدْلٌ، ثَبتَ ذلك بشَهادتِهما، فيَدْخلُ ذلك فى عُمومِ الأمرِ، ولأنَّه (٣) إذا كان عَدْلًا، لزِمَ أن يكونَ له وعليه، وفى حقِّ سائرِ الناس، وفى كلِّ شىءٍ، فلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه. ولا يصِحُّ ما ذكروه؛ فإنَّ الإنْسانَ لا يكونُ عَدْلًا فى شىءٍ دُونَ شىءٍ، ولا فى حَقِّ شَخْصٍ [دون شَخْصٍ] (٤)، فإنَّها لا تُوصَفُ بهذا، ولا تَنْتَفِى أيضا بقولِه: (٥) علىَّ ولِى. فإنَّ مَن ثبتَتْ (٦) عَدالتُه، لم تَزُلْ بقَرابةٍ ولا عَداوَةٍ، وإنَّما تُرَدُّ شهادتُه للتُّهْمَةِ مع كَوْنِه عَدْلًا، ثم إنَّ هذا إذا كان معلومًا انْتِفاؤُه بينهما، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِه ولا نَفْيِه عن نفسِه، كما لو شهِدَ بالحَقِّ مَن عَرَفَ الحاكمُ عَدالتَه، لم يَحْتَجْ إلى أن يَنْفِىَ عن نفسِه ذلك، ولأنَّ العَداوةَ لا تَمْنَعُ من شَهادتِه له بالتَّزْكِيَةِ، وإنَّما تَمْنَعُ الشهادةَ عليه، وهذا شاهدٌ له بالتَّزْكِيَةِ والعَدالةِ، فلا حاجةَ به إلى نَفْىِ العَداوةِ. فصل: ولا يَكْفِى أن يقولَ: لا أعْلَمُ منه إلَّا الخَيْرَ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. وقال أبو يوسفَ: يَكْفِى؛ لأنَّه إذا كانَ من أهلِ الخِبْرَةِ بِه (٧)، ولا يَعْلَمُ إلَّا الخيرَ، فهو عَدْلٌ. ولَنا، أنَّه لم يُصَرِّحْ بالتَّعْديلِ، فلم يكُنْ تَعْديلًا، كما لو قال: أعْلَمُ منه خيرًا. وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الجاهلَ بحالِ أهلِ الفِسْقِ، لا يَعْلَمُ منهم إلَّا الخيرَ، لأنَّه يعلمُ إسْلامَهم، وهو خيرٌ، ولا يعلمُ منهم غير ذلك، وهم [غيرُ عُدولٍ] (٤). فصل: قال أصحابُنا: لا يُقْبَلُ التَّعديلُ إلَّا مِن أهلِ الخِبْرةِ الباطِنَةِ، والمعرفةِ

стр. 7396

المُتقادِمَةِ. وهذا مذهبُ الشَّافعيِّ؛ لخبَرِ عمرَ الذى قدَّمْناه (٨)، ولأنَّ عادةَ الناسِ إظْهارُ الطَّاعاتِ (٩) وإسْرارُ المَعاصِى، فإذا لم يكُنْ ذا خِبْرةٍ باطنةٍ، فَربَّما اغتَرَّ (١٠) بحُسْنِ ظاهرِه، وهو فاسقٌ في الباطنِ. وهذا يَحْتَمِلُ أن يُرِيدُوا به أنَّ الحاكمَ إذا علِمَ أنَّ المُعدِّل لا خِبْرَةَ له، لم يَقْبلْ شهادتَه بالتَّعْديلِ، كما فعل عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادوا أنَّه لا يجوزُ للمُعَدِّلِ الشَّهادةُ بالعَدالةِ، إلَّا أن تكونَ له خِبْرَةٌ باطِنَةٌ. فأمَّا الحاكمُ إذا شهِدَ عنده العَدْلُ بالتَّعْديلِ، ولم يَعِرفْ حقيقةَ الحالِ، فله أن يَقْبَلَ الشَّهادةَ مِن غيرِ كَشْفٍ، وإن اسْتكْشَفَ الحالَ، كما فعلَ عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، فلا بَأْسَ. فصل: ولا يُسْمَعُ الجَرْحُ إلَّا مُفسَّرًا، ويُعْتَبرُ فيه اللفظُ فيقولُ: أشْهَدُ أنَّنِى رأيتُه يشْرَبُ الخمرَ، أو يُعامِلُ بالرِّبا، أو يَظْلِمُ الناسَ بأخْذِ أموالهِم أو ضَرْبِهم، أو سمِعتُه يَقْذِفُ: أو يُعْلمُ ذلك باسْتِفاضتِه (١١) في الناسِ. ولابدَّ مِن ذِكْرِ السَّبَبِ وتَعْيِينِه. وبهذا قال الشافعيُّ، وسَوَّارٌ. وقال أبو حنيفةَ: يُقْبَلُ الجَرْحُ المُطْلَقُ، وهو أن يَشْهَدَ أنَّه فاسقٌ، أو أنَّه ليس بِعَدْلٍ. وعن أحمدَ مثلُه؛ لأنَّ التَّعديلَ يُسْمَعُ مُطْلقًا؛ فكذلك الجَرْحُ، ولأنَّ التَّصْرِيحَ بالسَّبَبِ يجْعَلُ الجارحَ فاسِقًا، ويُوجِبُ عليه الحَدَّ في بعضِ الحالاتِ، وهو أن يَشْهَدَ عليه بالزِّنَى، فيُفْضِى الجَرْحُ إلى جَرْحِ الجارحِ، وتبْطِيلِ شَهادتِه، ولا يَتجرَّحُ بها المَجْروحُ. ولَنا، أنَّ الناسَ يَخْتلِفون في أسبابِ الجَرْحِ، كاخْتلافِهم في شاربِ النَّبِيذِ، فوجبَ أن لا يُقْبَلَ مُجرَّدُ الجَرْحِ، لئلَّا يجْرَحَه بما لا يَراه القاضى جَرْحًا؛ ولأنَّ الجَرْحَ ينْقُلُ عن الأصلِ، فإنَّ الأصلَ في المسلمين العَدالةُ، والجرحُ يَنْقُلُ عنها، فلابُدَّ أن يُعْرَفَ النَّاقلُ، لئلَّا يُعْتقَدَ نَقْلُه بما لا يرَاه الحاكمُ ناقِلًا. وقولُهم: إنَّه يُفْضِى إلى جَرْحِ الجارحِ، وإيجابِ الحَدِّ عليه. قُلْنَا: ليس كذلك؛ لأنَّه يُمْكِنُه التَّعْرِيضُ مِن غيرِ تَصْريحٍ. فإن قيل: ففى بَيانِ السَّبَبِ هَتْكُ المَجْروحِ. قُلْنا: لابُدَّ من هَتْكِه؛ فإنَّ الشهادةَ عليه بالفِسْقِ

стр. 7397

هَتْكٌ له. ولكن جاز ذلك لِلْحاجةِ الدَّاعِيَةِ إليه، كما جازت الشَّهادةُ عليه به (١٢) لإِقامةِ الحَدِّ عليه، بل هاهُنا أوْلَى؛ فإنَّ فيه دَفْعَ الظُّلْمِ عن المشْهودِ عليه، وهو حقُّ آدَمِيٍّ، فكان أوْلَى بالجوازِ، ولأنَّ هَتْكَ عِرْضِه بسبَبِه، لأنَّه تَعرَّضَ للشهادةِ مع ارْتكابِه ما يُوجِبُ جَرْحَه، فكان هو الهاتِكَ لنفسِه، إذْ كان فِعْلُه هو المُحْوِجَ للناسِ إلى جَرْحِه. فإن صَرَّحَ الجارحُ بقَذْفِه بالزِّنَى، فعليهْ الحَدُّ إن لم يأْتِ بتَمامِ أربعةِ شُهَداءَ. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشَّافعيُّ: لا حَدَّ عليه إذا كان بلفظِ الشهادةِ؛ لأنَّه لم يقصدْ إدْخالَ المَعَرَّةِ عليه (١٣). ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١٤). الآية. ولأنَّ أبا بَكْرةَ ورَفِيقَيْه شهِدوا على المُغيرةِ بالزِّنَى، ولم يُكْمِلْ زيادٌ شَهادتَه، فجلدَهم عمرُ حَدَّ القَذْفِ بمَحْضَرِ الصَّحابةِ، فلم يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا (١٥). ويبطُلُ ما ذكرُوه بما إذا شَهِدُوا عليه بإقامةِ (١٦) الحدِّ عليه. فصل: وإذا أقامَ المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً، أنَّ هذيْنِ الشاهدَيْن شَهِدا بهذا الحقِّ عندَ حاكمٍ، فرَدَّ شهادتَهما لفِسْقِهما، بَطَلَتْ شَهادتُهما؛ لأنَّ الشَّهادةَ إذا رُدَّتْ لِفسْقٍ، لم تُقبلْ مَرَّةً ثانيةً. فصل: ولا يُقبلُ الجَرْحُ والتَّعْديلُ من النساءِ. وقال أبو حنيفةَ: يُقْبَلُ. [وعن أحمدَ مِثْلُه] (١٧)؛ لأنَّه لا يُعْتَبرُ فيه لفظُ الشَّهادةِ، فأشْبَهَ الرِّوايةَ، وأخْبارَ الدِّياتِ. ولَنا، أنَّها شهادةٌ فيما ليس بمالٍ، ولا المقصودُ منه المالُ، ويطَّلِعُ عليه الرجالُ في غالبِ الأحْوالِ، فأشْبَهَ الشَّهادةَ في القِصاصِ. وما ذكرُوه غيرُ مُسَلَّمٍ. فصل: ولا يُقْبَلُ الجَرْحُ من الخَصْمِ. بلا خلافٍ بين العلماءِ. فلو قال المشْهودُ عليه: هذان فاسِقانِ، أو عَدُوَّان لى، أو آباءٌ للمشْهودِ له. لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّه متَّهمٌ في قولِه،

стр. 7398

ويَشْهدُ بما يَجُرُّ إليه نَفْعًا، فأشْبَهَ الشَّهادةَ لنفسِه، ولو قبلْنا قولَه، لم يَشأْ أحدٌ أن يُبْطِلَ شَهادةَ مَن شهِدَ عليه إلَّا أبْطلَها، فتَضِيعَ الحقوقُ، وتذْهَبَ حكْمةُ شَرْعِ البَيِّنَةِ. فصل: ولا تُقْبلُ شهادةُ المُتَوَسَّمِينَ، وذلك إذا حضرَ مُسافِران، فشهِدَا عندَ حاكمٍ لا يَعْرِفُهما، لم تُقْبَلْ شهادتُهما. وقال مالكٌ: يَقْبلُهما إذا رأَى فيهما سِيما الخَيْرِ؛ لأنَّه لا سبيل إلى معرفةِ عَدالتِهما، ففى التَّوقُّفِ (١٨) عن قُبولِهما تَضْيِيعُ الحُقوقِ، فوجبَ الرُّجوعُ فيهما إلى السِّيماءِ الجميلةِ. ولَنا، أنَّ عَدالتَهما مجهولةٌ، فلم يَجُزِ الحكمُ بشهادتِهما، كشاهِدَىِ الحَضَرِ. وما ذكرَه (١٩) مُعارَضٌ بأنَّ قبولَ شهادتِهما يُفْضِى إلى أنْ يُقضَى بشهادتِهما بدَفْعِ الحقِّ إلى غيرِ مُسْتحِقِّه. فصل: قال أحمدُ: يَنْبغِى للقاضى أن يسْألَ عن شُهودِه كلَّ قليلٍ؛ لأنَّ الرجلَ يَنْتقِلُ مِن حالٍ إلى حالٍ. وهل هذا مُسْتحَبٌّ أو واجِبٌ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، مُستحَبٌّ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ ما كان، فلا يزُولُ حتى يَثبُتَ الجَرْحُ. والثانى، يجبُ البَحْثُ كلَّما مضَتْ مُدَّةٌ يَتغيَّرُ الحالُ فيها؛ لأنَّ العَيْبَ يحْدُثُ، وذلك على ما يَراهُ الحاكمُ. ولأصحابِ الشَّافعيِّ وَجْهان، مثل هذَيْن. فصل: وليس للحاكمِ أن يُرَتِّبَ شُهودًا لا يَقْبَلُ غيرَهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. ولأنَّ فيه إضْرارًا بالناسِ؛ لأنَّ كثيرًا مِن الوَقائعِ التى يُحْتاجُ إلى البَيِّنَةِ فيها تَقَعُ عندَ غيرِ المُرَتَّبِينَ، فمتى ادَّعَى إنسانٌ شهادةَ غيرِ المُرتَّبِينَ، وَجَبَ على الحاكمِ سَماعُ بَيِّنَتِه، والنَّظَرُ في عَدالةِ شاهِدَيْه، ولا يجوزُ رَدُّهم بكونِهم مِن غيرِ المُرتَّبِين؛ لأنَّ ذلك يُخالِفُ الكتابَ والسُّنَّةَ والإِجْماعَ، لكنْ له أن يُرتِّبَ شُهودًا يُشْهِدُهم الناسُ، فيَسْتغْنون بإشْهادِهم عن تَعْديلِهم، ويَسْتَغْنِى الحاكمُ عن الكَشْفِ عن أحْوالِهم، فيكونُ فيه تخْفِيفٌ من وَجْهٍ، ويكونون أيضًا يُزَكُّون مَن عَرَفوا عَدالتَه مِن غيرِهم إذا شهِدَ. فصل: ولا بأْسَ أن يَعِظَ الشاهِدَيْن، كما رُوِىَ عن شُرَيحٍ، أنَّه كان يقولُ للشَّاهِدَيْن إذا

стр. 7399

حضَرا: يا هذان، ألا تَرَيَانِ؟ إنى لم أدْعُكما، ولستُ أمْنَعُكما أن تَرْجِعا، وإنَّما يَقْضِى على هذا أنْتُما، وأنا مُتَّقٍ (٢٠) بكما، فاتَّقِيَا. وفى لفظٍ: وإنِّى بكما أقْضِى اليومَ، وبكما أتَّقِى يومَ الْقِيامةِ (٢١). وروَى أبو حنيفةَ، قال: كنتُ عند مُحارِب بنِ دِثَارٍ (٢٢)، وهو قاضى الكوفةِ، فجاءَ رجلٌ، فادَّعَى (٢٣) على رجلٍ حقًّا، فأنْكَرَه، فأحْضَرَ المُدَّعِى شاهِدَيْن، فشَهِدَا له، فقال المشْهودُ عليه: والذى به تَقُومُ السَّماءُ والأرضُ لقد كذَبا عليَّ في الشَّهادةِ. وكان مُحارِبُ بنُ دِثارٍ مُتَّكِئًا فاسْتوَى جالسًا، وقال: سمعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَتَرْمِى مَا فِى حَوَاصِلِهَا (٢٤)، مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ (٢٥) النَّارِ" (٢٦). فإنْ صدَقْتُما فاثْبُتا، وإنْ كذَبْتما فَغطِّيا رُءُوسَكما وانْصَرِفا. فغطَّيَا رُءوسَهما وانْصَرفا (٢٧). ١٨٧١ - مسألة؛ قال: (وَيَكُونُ كَاتِبُهُ عَدْلًا، وكَذَلِك قَاسِمُهُ) وجملتُه أنَّه يُسْتحَبُّ للحاكمِ أنْ يتَّخذَ كاتبًا؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتكتبَ زيدَ بنَ ثابتٍ، وغيرَه، ولأنَّ الحاكمَ تَكثُرُ أشْغالُه ونَظَرُه، فلا يُمْكِنُه أن يَتولَّى الكتابةَ بنَفْسِه، وإن أمْكنَه تَوَلِّى الكتابةِ بنفسِه، جازَ، والاسْتِنابَةُ فيه أوْلَى. ولا يجوزُ أن يَسْتَنيبَ في ذلك إلَّا عَدْلًا؛

стр. 7400

لأنَّ الكتابةَ مَوضعُ أمانةٍ. ويُسْتحَبُّ أن يكونَ فَقيهًا، ليَعرفَ مَواقعَ الألْفاظِ التى تتعلقُ بها الأحْكامُ، ويُفرِّقَ بينَ الجائزِ والواجبِ، وينْبَغِى أن يكونَ وافرَ العقلِ، وَرِعًا، نَزِهًا؛ لئلَّا يُسْتَمالَ بالطَّمعِ، ويكونَ مسلمًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (١). ويُرْوَى أنَّ أبا موسى قدِمَ على عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، ومعه كاتبٌ نَصْرانِيٌّ، فأحْضرَ أبو موسى شيئًا من مَكْتوباتِه عندَ عمرَ، فاسْتحسنَه، وقال: قُلْ لكاتبِك يَجِىءُ، فيقْرَأُ كتابَه. قال: إنَّه لا يَدْخُلُ المسجدَ. قال: ولِمَ؟ . قال: إنَّه نَصْرانيٌّ. فانْتهرَه عمرُ، وقال: لا تَأتمِنُوهم وقد خَوَّنَهم اللهُ تعالى، ولا تُقرِّبوهم وقد أبعدَهم اللهُ تعالى، ولا تُعِزُّوهم وقد أذَلَّهم اللهُ تعالى (٢). ولأنَّ الإِسلامَ مِن شُروطِ (٣) العدالةِ، والعدالةُ شَرْطٌ. وقال أصْحابُ الشافعيِّ: في اشْترِاطِ عَدالتِه وإسلامِه وَجْهان؛ أحدهما، تُشْتَرَطُ؛ لما ذكرْنا. والثاني، لا تُشْتَرطُ؛ لأنَّ ما يكْتبُه لابُدَّ من وُقوفِ القاضى عليه، فتُؤْمَنُ الخيانةُ فيه. ويُسْتحَبُّ أن يكونَ جَيِّدَ الخَطِّ؛ لأنَّه أكْملُ. وأن يكونَ حُرًّا؛ ليخْرُجَ (٤) من الخلافِ. وإن كان عبدًا، جازَ؛ لأنَّ شهادةَ العبدِ جائزةٌ. ويكونُ القاسِمُ على الصِّفةِ التى ذكرْنا في الكاتبِ، ولابُدَّ من كونِه حاسبًا؛ لأنَّه عَمَلُه، وبه يَقْسِمُ، فهو كالخَطِّ للكاتبِ والفقْهِ للحاكمِ. ويُسْتحَبُّ للحاكمِ أن يُجْلِسَ كاتبَه بين يديْه؛ ليُشاهِدَ ما يَكْتبُه، ويُشافهَه بما يُمْلِى عليه، وإن جلَس (٥) ناحيةً، جازَ؛ لأنَّ المقْصودَ يحْصُلُ، فإنَّ ما يَكتبُه يُعْرَضُ على الحاكمِ، فيَسْتَبْرِئُه. فصل: وإذا ترافعَ (٦) إلى الحاكمِ خَصمان، فأقرَّ أحدُهما لصاحبه، فقال المُقَرُّ له للحاكمِ: أشْهِدْ لى على إقْرارِه شاهِدَيْن. لَزِمَه ذلك؛ لأنَّ الحاكمَ لا يحكمُ بعِلْمِه، فربَّما جحَدَ المُقِرُّ، فلا يُمْكنُه الحكمُ عليه بعِلْمِه (٧)، ولو كانَ يحكمُ بعِلْمِه احْتَمَلَ أن يَنْسَى،

стр. 7401

فإنَّ الإِنسانَ عُرْضةُ النِّسيانِ، فلا يُمْكِنُه الحكمُ بإقْرارِه. وإن ثبَتَ عندَه حقٌّ بنُكُولِ المُدَّعَى عليه، أو بيَمِينِ المُدَّعِى بعدَ النُّكولِ، فسألَه المُدَّعِى أن يُشْهِدَ على نفسِه، لزِمَه؛ لأنَّه لا حُجَّةَ للمُدَّعِى سِوَى الإِشْهادِ، وإن ثبتَتْ عندَه بَيِّنَةٌ فسألَه الإِشْهادَ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ بالحقِّ بَيِّنَةً، فلا يجبُ جَعْلُ بَيِّنَةٍ أُخْرَى. والثاني، يجِبُ؛ لأنَّ في الإِشْهادِ (٨) فائدةً جديدةً، وهى إثْباتُ تَعْدِيلِ بيِّنَتِه، وإلزامُ خَصْمِه. وإن حلفَ المُنْكِرُ، وسألَ الحاكمَ الإِشهادَ على بَراءَتِه، لَزِمَه؛ ليكونَ حُجَّةً له في سُقوطِ المُطالَبةِ مَرَّةً أُخْرَى، وفي جميعِ ذلك، إذا سألَه أنْ يَكْتُبَ له مَحْضرًا بما جَرَى، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه ذلك؛ لأنَّه وَثِيقةٌ له، فهو كالإِشْهادِ؛ لأنَّ الشاهِدَيْنِ رُبَّما نَسِيَا الشَّهادةَ، أو نَسِيَا الخَصْمَينِ، فلا يُذَكِّرُهما إلَّا رُؤْيَةُ (٩) خَطَّيْهِما. والثاني، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ الإِشْهادَ يَكْفِيه. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ الشُّهودَ تكثرُ عليهم (١٠) الشَّهاداتُ، ويَطُولُ عليهمُ الأمَدُ، والظَّاهرُ أنَّهما لا يَتحقَّقان الشَّهادةَ تَحقُّقًا يحْصُلُ به أداؤُها، فلا يتَقيَّدُ إلَّا بالكتابِ. فإن اخْتارَ أن يَكْتُبَ له مَحْضرًا، فصفتُه: حضرَ القاضى فُلانُ بنُ فلانٍ الفُلانيُّ، قاضى عبدِ اللهِ الإِمامِ فلانٍ، على كذا وكذا. وإن كان خليفةَ القاضى قال: خليفةُ القاضى فلانِ بنِ فلانٍ الفُلانيِّ (١١)، قاضى الإِمامِ بمَجْلِسِ حُكْمِه وقَضائِه. فإن كان يَعْرِفُ المُدَّعِى والمُدَّعَى عليه بأسْمائهما وأنْسابِهما، قال: فلانُ بنُ فلانٍ الفلانيُّ، وأحْضَرَ معه فلانَ بنَ فلانٍ الفُلانيَّ. ويرْفَعُ في نَسَبِهما حتى يَتميَّزَا (١٢). ويُسْتحَبُّ ذِكْرُ حِلْيَتِهما، وإن أخَلَّ به، جازَ؛ لأنَّ ذِكْرَ نَسَبِهما إذا رَفعَ فيه أغْنَى عن ذِكْرِ الحِلْيَةِ. وإن كان الحاكمُ لا يعْرِفُ الخَصْمَيْن، قال: مُدَّعٍ ذكَرَ أنَّه فلانُ بنُ فلانٍ الفُلانيُّ، وأحضرَ معه مُدَّعًى عليه ذكرَ أنَّه فلانُ بنُ فُلانٍ الفُلانيُّ. ويَرْفَعُ في نَسَبِهما، ويذْكرُ حِلْيتَهما؛ لأنَّ الاعْتمادَ عليها، فربَّما اسْتعارَ النَّسَبَ. ويقول: أغَمُّ، أو أنْزَعُ. ويذْكرُ صِفةَ العَيْنيْن والأنْفِ والْفَمِ والحاجِبَيْنِ، واللونَ والطولَ والقِصرَ. ما ادَّعَى عليه كذا وكذا، فأقرَّ له. ولا

стр. 7402

يَحْتاجُ أن يقول: بمَجْلسِ حُكْمِه. لأن الإِقْرارَ يَصِحُّ في غيرِ مَجْلسِ الحُكْمِ. وإن كتبَ أنَّه شهِدَ على إقْرارِه شاهِدان، كان أوْكَد. ويكتبُ الحاكمُ على رأسِ المَحْضَرِ: الحمدُ للَّه ربِّ العالمين. أو ما أحَبَّ مِن ذلك. فأمَّا إن أنْكَرَ المُدَّعَى عليه، وشَهِدتْ عليه بَيِّنَةٌ، قال: فادَّعَى عليه كذا وكذا، فأنْكرَ، فسألَ الحاكمُ المدَّعِى: ألَكَ بَيِّنَةٌ؟ فأحْضَرَها، وسألَ الحاكمُ سماعَها ففَعل، وسألَه أن يكْتُبَ له مَحْضَرًا بما جَرَى، فأجابَه إليه، وذلك في وقتِ كذا. ويحْتاجُ هاهُنا أن يَذْكُرَ: بمَجْلسِ حُكْمِه وقضائِه. بخلافِ الإِقْرارِ؛ لأنَّ الْبَيِّنَةَ لا تُسْمَعُ إلَّا في مجلسِ الحُكْمِ، والإِقْرارُ بخلافِه. ويكتبُ الحاكمُ في آخرِ المَحْضَرِ: شهِدَا عندِى بذلك. فإن كان مع المُدَّعِى كتابٌ فيه خَطُّ الشَّاهدِ كتبَ تحتَ (١٣) خطوطِهما أو تحت خَطِّ كلِّ واحدٍ منهما: شهِدَ عندِى بذلك. ويَكْتبُ علامتَه في رأسِ المَحْضَرِ، وإن اقْتصَرَ على ذلك دُونَ المَحْضَرِ، جازَ. فأمَّا إن لم تكُنْ للمُدَّعِى بَيِّنَةٌ، فاسْتَحْلَف المُنكِرَ، ثم سألَ المُنْكِرُ الحاكمَ مَخْضَرًا لِئلَّا يحْلِفَ في ذلك ثانيًا، كتبَ له مِثلَ ما تقدَّمَ، إلَّا أنَّه يقولُ: فأنْكَرَ، فسألَ الحاكمُ المدَّعِى: ألكَ بيِّنةٌ؟ فلم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، فقال: لَكَ يَمينُه. فسألَه أن يَسْتَحْلِفَه، فاسْتحْلَفَه في مجلسِ حُكْمِه وقَضائِه، في وقتِ كذا وكذا. ولابُدَّ مِن ذِكْرِ تحْلِيفِه؛ لأنَّ الاسْتِحلافَ لا يكونُ إلَّا في مجلسِ الحكمِ، ويُعْلَمُ في أوَّلِه خاصَّةً. وإن نكَلَ المُدَّعَى عليه عن اليَمِينِ، قال: فعُرِضَ اليَمِينُ على المدَّعَى عليه، فنَكَلَ عنها، فسألَ خَصْمُه الحاكمَ أن يَقْضِىَ عليه بالحقِّ، فقَضَى عليه في وقتِ كذا. ويُعْلِمُ في آخرِه، ويذْكُرُ أنَّ ذلك في مجلسِ حُكمِه وقَضائِه. فهذه صِفَةُ المَحْضَرِ. فأمَّا إن سألَ صاحبُ الحقِّ الحاكمَ أن جكُمَ له بما ثبَتَ في المَحْضَرِ، لَزِمَه أن يَحْكُمَ له به، ويُنْفِذَه، فيقولَ: حَكَمْتُ له به، ألْزَمْتُه الحقَّ، أنْفَذْتُ الحكمَ به. فإن طالَبه (١٤) أن يشْهدَ له على حُكمِه، لَزِمَه ذلك، لتَحْصُلَ له الوَثِيقةُ به. فإن طالَبَه أن يُسَجِّلَ له به، وهو أن يَكْتُبَ في المَحْضَرِ ويَشْهَدَ على إنْفاذِه، سَجَّلَ له. وفى وُجوبِ ذلك، الوَجْهان المذكوران في الْمَحْضَرِ. وهذه صورةُ السِّجِلِّ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا ما أشْهَدَ عليه

стр. 7403

القاضى فلانُ بنُ فلانٍ الفلانيُّ، قاضى عبدِ اللهِ الإمامِ، على كذا وكذا في مجلسِ حُكْمِه وقَضائِه، في موضعِ كذا وكذا، في وقتِ كذا وكذا، أنَّه ثَبتَ عندَه (١٥) بشهادةِ فلانٍ وفلانٍ ونَسَبِهما، وقد عَرَفَهما بما ساغَ له به قَبُولُ شَهادتِهما عندَه بما (١٦) في كتابٍ نُسْخَتُه. (١٧) وينسَخُ الكتابَ إن كان معَه، أو المَحْضَرَ في أيِّ حُكْمٍ كان، فإذا فرغَ منه قال بعدَ ذلك: فحكَمَ به، فأنْفَذَه (١٨) وأمْضاه، بعدَ أنْ سألَه فلانُ بنُ فلانٍ، أنْ يَحْكُمَ له به. ولا يحْتاجُ أن يذكرَ أنَّه بمَحْضَرِ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ القضاءَ على الغائبِ جائزٌ، فإن أرادَ أن يذْكُرَه احْتياطًا، قال: بعدَ أن حَضَرَه مَن ساغَ له الدَّعْوَى عليه. ويكتبُ الحاكمُ بالسِّجِلِّ والْمَحْضَرِ نُسْختَيْن؛ إحْداهما، تكونُ في يد صاحبِ الحَقِّ. والأُخْرَى، تكونُ في ديوانِ الحُكمِ، فإن هلَكَتْ إحْداهما نابَتِ الأُخْرَى عنها، وتُخْتَمُ التى (١٩) في ديوانِ الحُكمِ، ويكْتُبُ على طَيِّهِ (٢٠): سجِلُّ فُلانِ بنِ فلانٍ، أو مَحْضَرُ فلانِ بنِ فلانٍ، أو وَثِيقةُ فُلانِ بنِ فلانٍ. فإن كثُرَ ما عندَه جَمَعَ ما يَجْتمِعُ في كلِّ يومٍ أو أُسْبوعٍ أو شهرٍ، على قدرِ كَثْرَتِها أوْ قِلَّتِها (٢١)، وشدَّها إضْبارَةً، ويَكْتُبُ عليها: أُسبوعُ كذا، مِن شهرِ كذا، مِن سَنةِ كذا. ثم يَضُمُّ ما يَجْتَمِعُ في السَّنةِ، ويَدَعُها ناحِيَةً، ويكتبُ عليها: كُتِبَ سنةَ كذا. حتى إذا حضَرَ مَن يَطْلبُ شيئًا منها، سألَه (٢٢) عن السَّنَةِ، فيُخْرِجُ كُتُبَ تلك السَّنةِ، ويَسْهُلُ. ويَنبغى أن يتَولَّى جَمْعَها وشَدَّها بنفسِه؛ لئلَّا يُزوَّرَ عليه، فإن تَولَّى ذلك ثِقَةٌ مِن ثِقاتِه، جازَ. فصل: وينْبَغِى أن يُجْعَلَ مِن بيتِ المالِ شىءٌ برَسْمِ الكاغَدِ الذى يُكْتَبُ فيه المَحاضرُ والسِّجِلَّاتُ؛ لأنَّه من المصالحِ، فإنَّه يُحْفَظُ به الوَثائقُ، ويُذَكِّرُ الحاكمَ حُكْمَه،

стр. 7404

والشَّاهدَ شَهادتَه، ويُرْجَعُ بالدَّرَكِ على مَن رَجَعَ عليه، فإن أعْوَزَ ذلك، لم يَلْزَمِ الحاكمَ ذلك، ويقولُ لصاحبِ الحقِّ: إن شئتَ جئتَ بكاغَدٍ، أكْتبُ لك فيه، فإنَّه حجةٌ لك، ولستُ أُكْرِهُك عليه. فصل: وإذا ارْتَفعَ إليه خَصْمانِ، فذكرَ أحدُهما أنَّ حجَّتَه في ديوانِ الحُكمِ، فأخْرَجَها الحاكمُ مِن ديوانِه، فوجدَها مكتوبةً بخَطِّه تحت خَتْمِه، وفيها حكمُه، فإن ذكرَ ذلك، حَكَمَ به، وإن لم يذكُرْه، لم يَحْكُمْ به. نَصَّ عليه أحمدُ، في الشَّهادةِ، قالَه بعضُ أصْحابِنا، وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. وعن أحمدَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه يَحْكُمُ به. وبه قال ابنُ أبي ليلى. وهذا الذى رأيتُه عن أحمدَ في الشهادةِ؛ لأنَّه إذا كانَ في قِمَطْرِه تحتَ خَتْمِه، لم يَحْتَمِلْ أن يكونَ إلَّا صحيحًا. ووَجْهُ الأُولَى، أنَّه حُكْمُ حاكمٍ لم يَعْلَمْه، فلم يَجُزْ إنْفاذُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ، كحُكْمِ غيرِه، ولأنَّه يجوزُ أنْ يُزوَّرَ عليه وعلى خَتْمِه، والخَطُّ يُشْبِهُ الخَطَّ. فإن قيل: فلو وَجدَ في دَفْتَرِ أبيه حَقًّا على إنسانٍ، جازَ له أنْ يَدَّعِيَه، ويَحْلِفَ عليه. قُلْنا: هذا يُخالِفُ الحُكمَ والشَّهادةَ، بدليلِ الإجْماعِ على أنَّه لو وجدَ بخطِّ أبيه شهادةً، لم يَجُزْ له أن يَحكُمَ بها، ولا يَشْهَدَ بها، ولو وجدَ حُكمَ أبيه مَكتوبًا بخَطِّه، لم يَجُزْ له إنْفاذُه، ولأنَّه يُمْكِنُه الرُّجوعُ فيما حكمَ به (٢٣) إلى نفسِه، لأنَّه فِعْلُ نَفْسِه، فرُوعِىَ ذلك. وأمَّا ما كتبَه أبوه، فلا يُمْكِنُه الرُّجوعُ فيه (٢٤) إلى نفسِه، فيَكْفِى (٢٥) فيه الظَّنُّ. فصل: فإن ادَّعَى رجلٌ على الحاكمِ، أنَّك حَكَمْتَ لى بهذا الحقِّ على خَصْمِى. فذكرَ (٢٦) الحاكمُ حُكْمَه، أمْضاهُ، وألْزَمَ خَصْمَه ما حَكمَ به عليه. وليس هذا حُكْمًا بالعلمِ، إنَّما هو إمْضاءٌ لحُكْمِه السَّابقِ. وإنْ لم يَذكُرْه القاضى، فشَهِدَ عنده شاهدان على حُكْمِه، لَزمَه قبولُها، وإمْضاءُ القضاءِ. وبه قالَ ابنُ أبي ليلى، ومحمدُ بنُ الحسنِ. قال

стр. 7405

القاضى: هذا قياسُ قولِ أحمدَ؛ لأنَّه قال: يَرْجِعُ الإِمامُ إلى قولِ اثنَيْنِ فصاعِدًا من المأْمُومِينَ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، والشّافعيُّ: لا يَقْبَلُ؛ لأنَّه يُمْكِنُه الرُّجوعُ إلى الإِحاطَةِ والعلْمِ، فلا يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ، كالشَّاهدِ إذا نَسِىَ شَهادتَه، فشَهِدَ عندَه شاهِدانِ أنَّه شهِدَ (٢٧)، لم يكُنْ له أن يَشْهَدَ. ولَنا، أنَّهما لو شَهِدَا عندَه بحُكْمِ غيرِه قَبِلَ، فكذلك إذا شَهِدَا عنده بحُكْمِه (٢٨)، ولأنَّهما شَهِدَا بحُكْمِ حَاكمٍ. وما ذَكَروه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذِكْرَ ما نَسِيَه ليس إليه، ويُخالِفُ الشَّاهِدَ؛ لأنَّ الحاكمَ يُمْضِى ما حَكمَ به إذا ثَبَتَ عندَه، والشاهِدَ لا يقْدِرُ على إمْضاءِ شَهادتِه، وإنما يُمْضِيها الحاكمُ. ١٨٧٢ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ مَنْ لَمْ يَكُنْ يُهْدِى إِلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ) وذلك لأنَّ الهَدِيَّةَ يُقصَدُ بها في الغالبِ اسْتِمالةُ قلبِه، ليَعْتَنِىَ به في الحكمِ، فتُشْبِهُ الرِّشْوةَ. قال مسروقٌ: إذا قَبِلَ القاضى الهدِيَّةَ، أكلَ السُّحْتَ، وإذا قُبِلَ الرِّشْوَةَ، بلَغتْ به الكفرَ. وقد رَوَى أبو حُمَيدٍ السَّاعدِيُّ، قال: بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا من الأَزْدِ، يُقالُ له ابنُ اللُّتْبِيَّةِ على الصَّدقةِ، فقال: هذا لكم، وهذا أُهْدِىَ إليَّ. فقام النَّبِيُّ ﷺ فحمِدَ اللهَ، وأثْنَى عليه، ثم قال: "مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَجِىءُ فيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِىَ (١) إلَيَّ، أَلَا جَلَسَ فِى بَيْتِ أُمِّهِ (٢)، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ ، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ، فَيَأْخُذُ شَيْئًا، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِه، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، او شَاةً تَيْعَرُ" (٣). فرفع يَديْه (٤) حتى رَأيتُ عُفْرَةَ (٥) إبْطَيْه، فقال: "اللَّهُمُّ هَلْ بَلَّغْتُ" ثَلَاثًا؟ . مُتَّفَقٌ عليه (٦). ولأنَّ حُدوثَ

стр. 7406

الهَدِيَّةِ عند حُدوثِ الوِلايةِ يَدُلُّ على أنَّها مِن أجْلِها، ليتَوسَّلَ بها إلى مَيْلِ الحاكمِ معه على خَصْمِه، فلم يَجُزْ قبولُها منه (٧) كالرِّشْوَةِ، فأمَّا إن كان يُهْدِى إليه قبلَ وِلَايَتِه، جازَ قَبولُها منه بعدَ الوِلَايةِ؛ لأنَّها لم تكُنْ مِن أجلِ الوِلايةِ؛ لوُجودِ سَبَبِها قبلَ الوِلايةِ، بدليلِ وُجودِها قبلَها. قال القاضى: ويُسْتحَبُّ له التَّنزُّهُ عنها: وإن أحَسَّ أنَّه يُقدِّمُها بين يَدَىْ خُصومِه، أو فعلَها حالَ الحُكومَةِ، حَرُمَ أخْذُها في هذه الحالِ؛ لأنَّها كالرِّشْوةِ. وهذا كلُّه مذهبُ الشَّافعيِّ. ورُوىَ عن أبي حنيفةَ وأصْحابِه، أنَّ قَبولَ الهَدِيَّةِ مَكْروهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ. وفيما ذكرْناهُ دَلالةٌ على التَّحْريِم. فصل: فأمَّا الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، ورِشْوَةُ العاملِ، فَحرامٌ بلا خِلافٍ. قال اللهُ تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٨). قال الحسنُ، وسَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، في تفسيرِه: هو الرِّشْوَةُ. وقال: إذا قَبِلَ القاضى الرِّشْوَةَ، بَلغتْ به إلى الكفرِ. ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرو، قال: لعنَ رسولُ اللَّه ﷺ الرَّاشِىَ والمُرْتَشِى. قال التِّرْمِذِيُّ (٩): هذا حديثُ حسنٌ صحيحٌ. ورواه أبو هُرَيْرةَ، وزادَ: "فِى الْحُكْمِ". وروَاه أبو بكرٍ، في "زادِ المُسافرِ" (١٠)، وزادَ: "وَالْمُرَاشِى" (١١) وهو السَّفيرُ بينهما. ولأن المُرتَشى إنَّما

стр. 7407

يَرْتَشِى ليَحْكُمَ بغيرِ الحقِّ، أو ليُوقفَ الحكمَ عنه، وذلك مِن أعظمِ الظُّلمِ. قال مَسْروقٌ: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، أهوَ الرِّشْوَة في الحُكمِ؟ قال: لا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١٢) و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (١٢) و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (١٢) ولكَنَّ السُّحتَ أن يَسْتعِينَكَ الرَّجُلُ على مَظْلَمةٍ، فيُهْدِىَ لك، فلا تَقْبَلْ (١٣). وقال قَتادةُ: قال كَعْبٌ: الرِّشْوَةُ تُسَفِّهُ الحلِيمَ، وتُعْمِى عينَ الحكيمِ. فأمَّا الرَّاشِى فإنْ رَشاهُ ليَحْكُمَ له بباطلٍ، أو يَدفعَ عنه حقًّا، فهو ملعونٌ، وإن رَشاه ليَدفعَ ظُلْمَه، ويَجْزِيَه على واجبِه، فقد قال عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والحسنُ: لا بَأْسَ أن يُصانِعَ عن نفسِه. قال جابرُ بنُ زيدٍ: ما رأيْنا فِى زَمنِ زِيَادٍ (١٤) أنْفَعَ لنا مِن الرِّشا. ولأنَّه يَسْتَنْقِذُ مالَه كما يَسْتَنْقِذُ الرَّجلُ أسيرَه. فإن ارْتشَى الحاكمُ، أو قبلَ هَدِيَّةً ليس له قَبولُها، فعليه رَدُّها إلى أرْبابِها؛ لأنَّه أخذَها (١٥) بغيرِ حقٍّ، فأشْبَهَ المَأْخوذَ بعَقْدٍ فاسدٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَجْعلَها في بيتِ المالِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يأْمُرِ ابن اللُّتْبيَّةِ برَدِّها على أرْبابِها. وقد قال أحمدُ: إذا أهْدَى البِطْريقُ لصاحبِ الجيشِ عَيْنًا أو فِضَّةً، لم تكُنْ له دونَ سائرِ الجيشِ. قال أبو بكرٍ: يكونُون فيه (١٦) سَواءٌ. فصل: ولا يَنْبَغِى للقاضى أن يَتولَّى البَيْعَ والشِّراءَ بنفسِه؛ لما رَوَى أبو الأسْوَدِ المالِكيُّ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَا عَدَلَ وَالٍ اتَّجَرَ فِى رَعِيَّتِهِ أَبَدًا" (١٧). ولأنَّه يُعْرَفُ فيُحابَى، فيَكونُ كالهَدِيَّةِ، ولأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن النَّظرِ في أُمورِ الناسِ. وقد رُوِىَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه لمَّا بُويِعَ، أخذَ الذِّراعَ وقصَد السُّوقَ، فقالوا: يا خليفةَ رسولِ اللهِ، لا يَسَعُك أن تَشْتَغِلَ عن أُمورِ المسلمين. قال: فإنِّى لا أدَعُ عِيالِى يَضِيعُون. قالوا: فنحن نَفْرِضُ لك ما يَكْفِيكَ. ففرَضُوا له كلَّ يومٍ دِرْهميْن (١٨). فإن باعَ واشْترَى، صَحَّ البَيْعُ؛ لأنَّ البيعَ تمَّ بشُروطِه وأرْكانهِ. وإن احْتاجَ

стр. 7408

إلى مُباشرَتِه، ولم يكُنْ له مَن يَكْفِيه، جازَ ذلك، ولم يُكْرَهْ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قصدَ السُّوقَ لِيَتَّجِرَ فيه، حتى فَرَضُوا له ما يَكْفِيه، ولأنَّ القيامَ بعِيَالِه فرضُ عَيْنٍ، فلا يَتْرُكُه لوَهْمِ مَضَرَّةٍ، وإنَّما (١٩) إذا اسْتَغْنَى عن مُباشَرتِه، ووجدَ مَن يَكْفِيه ذلك، كُرِهَ له؛ لما ذكرْنا من المَعْنَيَيْنِ. وينْبَغِى أن يُوَكِّلَ في ذلك مَن لا يُعْرَفُ أنَّه وَكيلُه؛ لئلَّا يُحابَى. وهذا مذهبُ الشَّافعيِّ. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه قال: لا يُكْرَهُ له البيعُ والشِّراءُ وتَوْكيلُ مَن يُعْرَفُ؛ لما ذكرْنا مِن قَضيَّةِ أبي بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه. ولَنا، ما ذكرْناه. ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ، أنَّه قال: شَرَطَ عليَّ عمرُ حينَ وَلَّانِى القضاءَ أنْ لا أبيعَ، ولا أبْتَاعَ، ولا أرْتَشِىَ، ولا أقْضِىَ وأنا غَضْبانُ (٢٠). وقَضِيَّةُ أبي بكرٍ حُجَّةٌ لَنا؛ فإنَّ الصحابةَ أنْكَرُوا عليه، فاعْتذرَ بحِفْظِ عِيَالِه عنِ الضَّياعِ، فلمَّا أغْنَوهُ عن البيعِ والشِّراءِ بما فَرَضوا له (٢١)، قبِلَ قولَهم، وتركَ التجارةَ، فحصَلَ الاتِّفاق منهم على تَرْكِها عندَ الغِنَى عنها. فصل: ويجوزُ للحاكمِ حُضورُ الوَلائمِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يحضرُها، ويأمرُ بحُضورِها، وقال: "مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" (٢٢). فإن كثُرَتْ وازْدحمتْ، ترَكَها كلَّها، ولم يُجِبْ أحدًا؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن الحكم الذى قد تعيَّنَ عليه، لكنَّه يَعْتذِرُ إليهم، ويَسْألُهم التَّحْلِيلَ، ولا يُجيبُ بعضًا دونَ بعضٍ؛ لأنَّ في ذلك كَسْرًا لقلبِ مَن لم يُجِبْه، إلَّا أنْ يَخْتَصَّ بعضُها بعُذْرٍ يَمْنعُه دونَ بعضٍ، مثل أن يكونَ في إحْداهما مُنْكَرٌ، أو تكونَ في مكانٍ بعيدٍ، أو يَشْتغِلَ بها زَمنًا طويلًا، والأُخْرَى بخلافِ ذلك، فله الإِجابةُ إليها دونَ الأُولَى؛ لأنَّ عُذْرَه ظاهرٌ في التَّخلُّفِ عن الأُولَى. فصل: وله عِيادَةُ المَرْضَى، وشُهودُ الجنائزِ، وإتْيانُ مَقْدَمِ الغائبِ، وزيارةُ إخوانِه والصَّالحينَ مِن الناسِ؛ لأنَّه قُرْبةٌ وطاعةٌ، وإن كثُرَ ذلك، فليس له الاشْتِغالُ به عن الحُكمِ؛ لأنَّ هذا تبرُّعٌ، فلا يَشْتغِلُ به عن الفَرْضِ (٢٣)، وله حُضورُ البعضِ دونَ البعضِ؛ لأنَّ

стр. 7409

هذا يَفْعلُه لنَفْعِ نفسِه بتَحْصِيلِ (٢٤) الأجرِ، والقُرْبةِ له، والولائمُ يُراعَى فيها حقُّ الدَّاعِى، فيَنْكَسِرُ قلبُ مَن لم يُجِبْه إذا أجابَ غيرَه. ١٨٧٣ - مسألة؛ قال: (وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِى الدُّخُولِ عَلَيْهِ، والْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ) وجملتُه، أنَّ على القاضى العدلَ بين الخَصْمَيْنِ في كلِّ شىءٍ، مِن المَجْلسِ، والخِطابِ، [واللَّحْظِ واللَّفظِ] (١)، والدُّخولِ عليه، والإِنْصاتِ إليهما، والاسْتِماعِ منهما. وهذا قولُ شُرَيْحٍ، وأبى حنيفةَ، والشَّافعيِّ. ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا. وقد رَوَى عمرُ ابنُ شَبَّةَ، في كتابِ "قُضاةِ البصرةِ"، بإسْنادِه عن أُمِّ سلَمةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ بُلِىَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِى لَفْظِهِ، وَإشَارَتِهِ (٢)، وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَه عَلَى أَحَدِ الخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ" (٣). وفى روايةٍ: "فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ؛ فِى النَّظَرِ، وَالْمَجْلِسِ، وَالإِشَارَةِ". وكتبَ عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، إلى أبي موسى (٤): سَوِّ (٥) بينَ الناسِ في مجلِسِك وعدْلِك، حتى لا يَيْأسَ الضَّعِيفُ من عَدْلِك، ولا يَطْمَعَ شريفٌ في حَيْفِك (٦). وقال سَعيدٌ، ثنا هُشَيمٌ، ثنا (٧) سَيَّارٌ (٨)، ثنا الشَّعْبِيُّ، قال: كان بين عمرَ بنِ الخطَّابِ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ بِدَارٌ (٩) في شىءٍ، فجَعلا بينهما زيدَ بنَ ثابتٍ، فأتَياهُ في منزلِه، فقال له عمرُ: أتَيْناكَ لتَحْكُمَ بينَنا، في بَيْتِهِ يُؤْتَى الحَكَمُ (١٠). فوسَّعَ له زيدٌ عن

стр. 7410

صَدْرِ فِرَاشِه، فقال: هاهُنا يا أميرَ المُؤمنينَ. فقال له عمرُ: جُرْتَ في أوَّلِ القضاءِ، ولكنْ أجْلِسُ مع خَصْمِى. فجَلَسا بين يديْه، فادَّعَى أُبيٌّ وأنْكَرَ عمرُ، فقال زيدٌ لأُبَيٍّ، أعْفِ أميرَ المؤمنين من اليمينِ، وما كنتُ لأسْألَها لأحدٍ غيرِه. فحلَفَ عمرُ، ثم أقسمَ: لا يُدْرِكُ زيدٌ بابَ القضاءِ، حتى يكونَ عمرُ ورجلٌ مِن عُرْضِ المسلمين عندَه سَواءً (١١). ورَواهُ عمرُ بنُ شَبَّةَ، وفيه: فلما أتَيا بابَ زيدٍ، خرجَ فقالَ: السَّلامُ عليك يا أميرَ المؤمنينَ، لو أرسلتَ إليَّ أتَيْتُكَ (١٢). قال: في بَيْتِه يُؤْتَى الحَكَمُ. فلما دَخلا (١٣) عليه، قال: هاهُنا يا أميرَ المؤمنين. قال: بل أجلِسُ مع خَصْمِى. فادَّعَى أُبيٌّ وأنْكَرَ عمرُ، ولم تكنْ لأُبيٍّ بَيِّنَةٌ، فقال زيدٌ: أعفِ أميرَ المؤمنين مِن اليمينِ. فقالَ عمرُ: تَاللهِ إنْ زِلْتَ ظالمًا، السلامُ عليكَ يا أميرَ المؤمنين. هاهُنا [يا أميرَ المؤمنين. أعْفِ أميرَ المؤمنينِ] (١٤). ولِمَ يُعفِى أميرَ المؤمنين؟ إنْ كانَ لِى حقٌّ اسْتَحْققتُه بيَمِينى، وإلَّا تَرَكْتُه، واللهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، إنَّ النَّخلَ لَنَخْلِى، وما لأُبيٍّ فيها حقٌّ. ثم أَقْسمَ عمرُ: لا يُصيبُ زيدٌ وَجْهَ القضاءِ حتى يكونَ عمرُ وغيرُه مِن الناسِ عندَه سواءً. فلمَّا خرَجا وهبَ النَّخلَ لِأُبَيٍّ، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، فهَلَّا كانَ هذا قبلَ أن تَحْلِفَ؟ قال: خِفتُ أنْ أتركَ اليَمِينَ، فتَصيرَ سُنَّةً، فلا يَحْلِفُ الناسُ على حُقوقِهم. وقال إبراهيمُ: جاءَ رجلٌ إلى شُرَيْحٍ، وعندَه السَّرِيُّ بنُ وَقَّاصٍ، فقال الرجلُ لشُرَيْحٍ: أعْدِنِى على هذا الجالسِ عندَك. فقال شريحٌ للسَّرِيِّ: قُمْ فاجْلِسْ مع خَصْمِك. قال: إنِّي أسْمَعُك مِن مَكانِى. قال: لا، قُمْ فاجْلِسْ مع خَصْمِك. فأبَى أنْ يَسْمع منه حتَّى أجْلَسَه مع خَصْمِه. وفى روايةٍ أنَّه (١٥) قال: إنَّ مَجْلِسَك يُرِيبُه، وإنِّى لا أدَعُ النُّصرَةَ وأنا عليها قادِرٌ. ولما تَحاكمَ عليٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، واليَهُودِيُّ إلى شُرَيْحٍ، قال

стр. 7411

علىٌّ: إنَّ خَصْمِى لو كان مُسلِمًا لجَلسْتُ معه بينَ يَديْكَ (١٦). ولأنَّ الحاكمَ إذا ميَّزَ أحدَ الخَصْمَيْنِ على (١٧) الآخَرِ حُصِرَ، وانْكسَرَ قلبُه (١٨)، وربما لم تَقُمْ حُجَّتُه، فأدَّى ذلك إلى ظُلْمِه. وإنْ أذِنَ أحدُ الخَصْميْنِ للحاكمِ فى رَفعِ الخَصْمِ الآخَرِ عليه فى المجلسِ، جازَ؛ لأنَّ الحقَّ له، ولا يَنْكسِرُ قلبُه إذا كانَ هو الذى رَفعَه. والسُّنَّةُ أنْ يجلِسَ الخَصْمان بينَ يَدَىِ القاضى؛ لما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى أنْ يجلِسَ الخَصْمان بين يَدَىِ الحاكمِ. روَاه أبو داود (١٩). وقال علىٌّ رضى اللَّه عنه: لو أنَّ خَصْمى مُسلمٌ لَجلَستُ معه بين يَدَيْك. ولأنَّ ذلك أمْكنُ للحاكمِ فى العَدْلِ بينهما، والإِقْبالِ عليهما، والنَّظَرِ فى خُصومَتِهما. وإن كان الخَصْمانِ ذِمِّيَّيْنِ، سَوَّى بينهما أيضًا؛ لاسْتِوائِهِما فى دِينِهما، وإنْ كان أحدُهما مسلمًا والآخَرُ ذِمِّيًّا، جازَ رَفعُ المُسلمِ عليه، لما رَوَى إبراهيمُ التَّيْمِىُّ، قال: وَجَدَ علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه (٢٠)، دِرعَه مع يَهُودِىٍّ، فقال: دِرْعِى، سَقَطَتْ وَقْتَ كذا وكذا. فقال اليَهُودِىُّ: دِرْعِى، وفى يَدِى، بينى وبينَك قاضى المسلمين. فارْتَفَعَا إلى شُرَيْحٍ، فلمَّا رآهُ شُرَيْحٌ قامَ مِن مَجْلِسِه، وأجْلسَه فى مَوْضِعِه، وجلسَ مع اليَهُودِىِّ بين يَدَيْه، فقال علىٌّ: إنَّ خَصْمِى لو كان مُسلمًا لَجلسْتُ معه بينَ يديك، ولكنِّى سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقولُ: "لَا تُسَاوُوهُمْ فِى الْمَجَالِسِ". ذكرَه أبو نُعَيْمٍ، فى "الحِلْيةِ". ولا يَنْبَغِى أنْ يُضِيفَ أحدَ الخَصْميْنِ دونَ صاحبِه، إمَّا أن يُضِيفَهما معًا أو يَدعَهما. وقد رُوِىَ عن علىٍّ، كرَّمَ اللهُ وجهَه، أنَّه نزلَ به رجلٌ، فقال له: ألَكَ (٢١) خَصْمٌ؟ قال: نعم. قال: تحوَّلْ عنَّا، فإنِّى سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لَا تُضِيفُوا أَحَدَ الخَصْمَيْنِ إلَّا

стр. 7412

وَمَعَهُ خَصْمُهُ" (٢٢). ولأنَّ ذلك يُوهِمُ الخَصْمَ مَيْلَ الحاكمِ إلى مَن أضافَه. ولا يُلقِّنُ أحدَهُما حُجَّتَه، ولا ما فيه ضَررٌ على خَصْمِه، مثل أن يُريدَ أحدُهما الإِقْرارَ، فيلَقِّنَه الإنْكارَ، أو اليمينَ فيُلقِّنَه النُّكُولَ، أوِ النُّكولَ، فيُجَرِّئَه على اليَمينِ، أو يُحِسَّ من الشَّاهدِ بالتَّوقُّفِ، فيُجَسِّرَه على الشَّهادةِ، أو يكونَ مُقْدِمًا علي الشَّهادةِ، فيُوقِفَه عنها، أو يقولَ لأحدِهما وحدَه: تكلَّمْ. ونحو هذا ممَّا فيه إضْرارٌ بخَصْمِه؛ لأنَّ عليه العَدْلَ بينَهما. فإنْ قيل: فقد لقَّن النَّبِىُّ ﷺ السارقَ، فقال: "مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ" (٢٣). وقالَ عمرُ لزيادٍ: أرْجو أنْ لا يَفْضَحَ اللهُ على يدَيْكَ رجلًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ (٢٤). قُلْنا: لا يَرِدُ هذا الإلْزامُ هاهُنا؛ فإنَّ هذا فى حُقوقِ اللهِ وحُدودِه، ولا خَصْمَ للمُقِرِّ، ولا للمَشْهُودِ عليه، فليس فى تَلْقِينِه حَيْفٌ على أَحَدِ الخَصْمَينِ، ولا تَرْكٌ للعَدْلِ فى أحَدِ الجانِبَيْنِ، والذى قُلْنا فى الخَصْمَيْن (٢٥) المُخْتلِفَيْن فى حَقٍّ منِ حقوقِ الآدَمِيِّين. ولا يَنْبغِى أنْ يتَعَنَّتَ (٢٦) الشاهِدَ، ولا يُداخلَه فى كلامِه، ويُعنِّفَه فى ألْفاظِه. فصل: وإذا حضرَ القاضى خُصومٌ كثيرٌ (٢٧)، قُدِّمَ الأَوَّلُ فالأوَّلُ. ويَنْبَغِى أن يَبعثَ مَن يَكتبُ مَن جاءَ الأَوَّلَ فالأوَّلَ، فيُقدِّمَه. قال ابنُ المُنْذِرِ: الأحْسنُ أن يَتَّخِذَ خَيْطًا مَمْدودًا، طَرفُه يلى مَجْلِسَ الحاكمِ، والطَّرفُ الآخَرُ يَلِى مجلسَ الخُصومِ، فكلُّ مَن جاءَ كَتبَ اسمَه فى رُقْعةٍ، وثَقَبَها، وأدْخَلَها فى الخَيْطِ ممَّا يَلِى مَجْلسَ الخُصومِ، حتى يأْتِىَ على آخِرِهِم، فإذا جلسَ القاضى مدَّ يدَه إلى الطَّرَفِ الذى يَلِيه، فأخذَ الرُّقْعةَ التى تَلِيه، ثم التى بعدَها كذلك، حتى [تَفْرَغ الرِّقَاعُ] (٢٨)، فإنْ بَقِىَ منها شىء، وزالَ الوقتُ الذى يَقْضِى فيه، عَرَفَ الطَّرفَ الذى يَلِيه حين يَجْلسُ، فيَتَناوَلُ فى المجْلسِ الثانى الرِّقاعَ، كفِعْلِه بالأمسِ. والاعْتِبارُ بِسَبْقِ المُدَّعِى؛ لأنَّ الحقَّ له، ومتى قدَّمَ رجلًا بسَبْقِه (٢٩)،

стр. 7413

فحكمَ بينَه وبينَ خَصْمِه، فقال: لى دَعْوَى أُخْرَى. لم يَسمعْ منه؛ لأنَّه قد قدَّمَه بسَبْقِهِ فى خُصومَةٍ، فلا يقُدِّمُه بأُخْرَى، ويقولُ له: اجْلِسْ حتى إذا لم يَبْقَ أحدٌ مِن الحاضِرينَ، نَظَرْتُ فى دَعوَاك الأُخْرَى إن (٣٠) أمْكَنَ. فإذا فَرغَ الكُلُّ، فقالَ الأخيرُ بعدَ فصلِ خُصومَتِه: لى دَعْوَى أُخْرَى. لم يَسْمَعْ منه، حتى يَسْمَعَ دَعْوَى الأوَّلِ الثانيةَ، ثمَّ يَسْمَعُ دَعوَاه. وإن ادَّعَى المُدَّعَى عليه، على المُدَّعِى، حَكَمَ بينَهما؛ لأنَّنا إنَّما نَعْتبِرُ الأوَّلَ فالأوَّلَ فى المُدَّعِى (٣١)، لا فى المُدَّعَى عليه. وإذا تقدَّم الثانى، فادَّعَى على المُدَّعِى الأوَّلِ، أو المدَّعَى عليه الأوَّلِ، حَكمَ بينَهما. وإنْ حضَرَ اثْنان، أو جَماعةٌ دَفعَةً واحدةً، أقْرَعَ بينَهم، فقدَّمَ مَن خرجَتْ له القُرْعةُ، لتَساوِى حُقوقِهم، وإنْ كَثُرَ عددُهم، كتبَ أسْماءَهم فى رِقَاعٍ، وتَرَكَها بين يَدَيْه، ومدَّ يدَه فأخذَ رُقْعةً رُقْعةً، واحدةً بعدَ أُخرَى، ويُقدِّمُ صاحبَها حَسْبَ ما يَتَّفقُ. فصل: فإن حضرَ مُسافرون ومُقِيمون، وكان المسافرونَ قليلًا، بحيثُ لا يَضُرُّ (٣٢) تَقديمُهم على المُقِيمِينَ، قدَّمَهم؛ لأنَّهم على جَناحِ السَّفَرِ، ويَشْتغِلون بما يَصلُحُ للرَّحِيلِ، وقد خَفَّفَ اللهُ عنهم الصَّوْمَ وشَطْرَ الصَّلاةِ تَخفِيفًا عنهم، وفى تأْخيرِهِم ضَرَرٌ بهم، فإن شاءَ أفْرَدَ لهم يومًا يَفْرُغُ مِن حَوائِجِهم فيه، وإنْ شاءَ قدَّمَهم مِن غيرِ إفْرادِ يومٍ لهم. فإن كانوا كثيرًا، بحيثُ يَضُرُّ تَقْديمُهم، فهم والمُقِيمون سَواءٌ؛ لأنَّ تَقْديمَهم مع القِلَّةِ، إنَّما كانَ لدَفْعِ [المَضَرَّةِ المُخْتَصَّةِ] (٣٣) بهم، فإذا آل دفعُ ضَرَرِهم (٣٤) إلى الضَّررِ بغيرِهم، تَساوَوا. ولا خلافَ فى أكثرِ هذه الآدابِ، وأنَّها ليستْ شرطًا فى صحَّةِ القَضاءِ، فلو قدَّمَ المسْبوقَ، أو قدَّمَ الحاضرين، أو نحوَه، كان قضاؤُه صَحيحًا. فصل: وإذا تقدَّم إليه خَصْمانِ، فإنْ شاءَ قال: مَن المُدَّعِى مِنْكما؟ لأنَّهما حضَرا لذلك، وإن شاءَ سَكتَ، ويقولُ القائمُ على رأسِه: مَن المُدَّعِى منكما؟ إن سَكَتا

стр. 7414

جميعًا. ولا يقولُ الحاكمُ ولا صاحبُه لأحدِهما: تكلَّمْ. لأنَّ فى إفْرادِه بذلك تَفْضيلًا له، وتَرْكًا للإنْصافِ. قال [عمرو بنُ قيسٍ] (٣٥): شَهِدْتُ شُرَيْحًا إذا جلسَ إليه الخَصْمان، ورجلٌ قائمٌ على رأسِه يقولُ: أيُّكما المُدَّعِى فَلْيتكلَّمْ؟ وإنْ ذهَبَ الآخرُ يَشْغَبُ، غَمَزَه حتى يَفرُغَ المُدَّعِى، ثم يقولُ: تَكلَّمْ. فإن بدأَ أحدُهما، فادَّعَى، فقال خَصْمُه: أنا المُدَّعِى. لم يَلْتفِتِ الحاكمُ إليه، وقالَ: أجِبْ عن دَعْواه، ثمَّ ادَّعِ بَعْدُ ما شئتَ. فإنِ ادَّعَيا معًا، فقِياسُ المذهبِ أنْ يُقْرَعَ بينهما. وهو قياسُ قولِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ أحدَهُما ليس بأوْلَى مِن الآخَرِ، وقد تعذَّرَ الجَمْعُ بينهما، فيُقْرَعُ بينهما، كالمرْأَتَيْنِ إذا زُفَّتا فى ليلةٍ واحدةٍ. واسْتَحسنَ ابنُ المُنْذِرِ أن يَسْمَعَ منهما جميعًا. وقِيلَ: يُرْجَأَ أمرُهما حتى يَتبيَّنَ المُدَّعِى منهما. وما ذكرْناه أوْلَى؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الجمعُ بين الحُكْمِ فى القَضيَّتينِ معًا، وإرْجاءُ أمرِهما إضْرارٌ بهما، [وفى كل ما] (٣٦) ذكرْنا دَفْعٌ لِلضَّررِ (٣٧) بحَسْبِ الإمْكانِ، وله نظيرٌ فى مَواضِعَ مِن الشَّرعِ، فكانَ أوْلَى. فصل: ولا يَسْمَعُ الحاكمُ الدَّعَوى إلَّا مُحَرَّرةً، إلَّا فى الوَصِيَّةِ والإِقْرارِ؛ لأنَّ الحاكمَ يَسألُ المُدَّعَى عليه عمَّا ادَّعاه، فإنِ اعْترفَ به لزِمَه، ولا يُمْكِنُه أنْ تلزَمَه مجهولةً (٣٨)، ويُفارِقُ الإِقْرارَ، فإنَّ الحقَّ عليه، فلا يَسْقُطُ بتَرْكِه إثْباتَه، وإنَّما صَحَّتِ الدَّعْوَى فى الوَصِيَّةِ مجهولةً؛ لأنَّها تصِحُّ مجهولةً؛ فإنَّه لو وَصَّى له بشىءٍ أو سَهْمٍ صحَّ، فلا يُمْكِنُه (٣٩) أنْ يَدَّعِيَها إِلَّا مَجْهولةً كما ثبتَ، وكذلك الإِقْرارُ، لمَّا صحَّ أن يُقرَّ بمجهولٍ، صَحَّ لخَصْمِه أن يَدَّعِىَ عليه أنَّه أقَرَّ له بمَجْهولٍ. إذا ثبتَ هذا، فإنْ كان المُدَّعَى أثْمانًا، فلا بُدَّ من ذِكرِ ثلاثةِ أشياءَ؛ الجِنْس، والنَّوع، والقَدْر، فيقولُ: عشرةُ دَنانيرَ مِصْرِيَّةٍ (٤٠). وإن اخْتَلَفَتْ بالصِّحاحِ والمُكسَّرةِ، قال: صِحاحٌ. أو قال: مُكسَّرةٌ. وإنْ كانتِ الدَّعْوَى فى غيرِ

стр. 7415

الأَثْمانِ، وكانت عَيْنًا تَنْضَبِطُ بالصِّفاتِ، كالحُبوبِ والثِّياب والحيوانِ، احْتاجَ أن يَذْكُر الصِّفاتِ التى تُشْتَرطُ فى السَّلَمِ، وإن ذَكَرَ القيمةَ كان آكَدَ، إلَّا أنَّ الصِّفَةَ تُغْنِى فيه كما تُغْنِى فى العَقْدِ. وإن كانت جَواهِرَ ونحوَها ممَّا لا يَنْضبِطُ بالصِّفَةِ، فلابُدَّ مِن ذِكْرِ قِيمَتِها؛ لأنَّها لا تَنْضَبِطُ إلَّا بها. وإنْ كانَ المُدَّعَى تالِفًا، وهو ممَّا له مِثلٌ، كالمَكيلِ والمَوْزونِ، ادَّعَى مِثْلَه، وضَبَطَه بصِفَتِه. وإن كان ممَّا لا مِثلَ له، كالنباتِ والحيوانِ، ادَّعَى قِيمَتَه؛ لأنها تَجِبُ بتَلَفِه. وإن كان التَّالِفُ شيئًا مُحَلًّى بفضَّةٍ أو بذهبٍ، قوَّمَه بغيرِ جنْس حِلْيَتِه، وإن كان مُحَلًّى بذهبٍ وفِضَّةٍ، قوَّمَه بما شاءَ منهما؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ. وإن كان المُدَّعَى عَقارًا، فلابُدَّ مِن بيانِ مَوْضِعِه (٤١) وحُدودِه، فيَدَّعِى أنَّ هذه الدارَ بحُدودِها وحُقوقِها لى، وأنَّها فى يَدِه ظُلمًا، وأنا أُطالبُه برَدِّها علىَّ. وإن ادَّعَى عليه أنَّ هذه الدارَ لى، وأنَّه يَمْنَعُنِى منها، صحَّتِ الدَّعْوَى وإنْ لم يَقُلْ إنَّها فى يَدِه؛ لأنَّه يجوزُ أن يُنازِعَه ويَمْنعَه وإن لم تَكُنْ فى يَدِه. وإن ادَّعَى جِراحَةً لها أرْشٌ مَعْلومٌ، كالمُوضِحَةِ من الحرِّ، جازَ أن يدَّعِىَ الْجِراحةَ ولا يذكرَ أرْشَها؛ لأنَّه معلومٌ. وإن كانت مِن عبدٍ، أو كانت مِن حرٍّ لا مُقدَّرَ فيها، فلابُدَّ مِن ذِكْرِ أرْشِها. وإن ادَّعَى على أبيه دَيْنًا، لم تُسْمَعِ الدَّعوَى حتى يَدَّعِىَ أنَّ أباه ماتَ، وتركَ فى [يَدِ ولدِه] (٤٢) مالًا؛ لأنَّ الولدَ لا يَلْزَمُه قضاءُ دينِ والدِه ما لم يَكُنْ كذلك. ويَحْتاجُ أن يَذْكُرَ تَرِكَةَ أبيه، ويُحرِّرَها، ويذكُرَ قَدْرَها، كما يَصْنَعُ فى قَدرِ الدَّينِ. هكذا ذكرَه القاضى. والصَّحيحُ أنَّه يحْتاجُ إلى ذِكرِ ثلاثةِ أشياء؛ تَحرير دَيْنِه، ومَوت أبيه، وأنَّه وَصلَ إليه مِن تَرِكةِ أبيه ما فيه وَفاءٌ لدَيْنِه. وإنْ قالَ: ما فيه وفاءٌ لبعضِ دَيْنِه. احْتاجَ أن يَذْكُرَ ذلك القَدْرَ. والقولُ قولُ المُدَّعَى عليه، فى نَفْىِ تَرِكةِ الأبِ مع يَمِينِه. وإن أنْكَرَ مَوْتَ أبيه، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ويَكْفِيه أن يحْلِفَ على نَفْى العِلمِ؛ لأنَّه على نَفْى فعلِ الغيرِ، وقد يَموتُ ولا يَعْلمُ به ابنُه، ويَكْفيه أن يحْلِفَ أنَّه (٤٣) ما وصلَ إليه مِن تَرِكةِ أبيه ما فيه وفاءٌ بحَقِّه (٤٤)، ولا شىءٌ منه، ولا يَلْزَمُه أن يحْلِفَ أنَّ أباهُ لم يُخَلِّفْ شيئا؛ لأنَّه قد

стр. 7416

يُخلِّفُ تَرِكةً فلا تصِلُ إليه، فلا يَلْزمُه الإيفاءُ منه، فإن لم يُحْسِنِ المُدَّعِى تحريرَ الدَّعوَى، فهل للحاكِمِ أن يُلَقِّنَه تحْريرَها؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يجوزُ؛ لأنَّه لا ضَررَ على صاحبِه فى ذلك. والثانى، لا يَجوزُ؛ لأنَّ فيه إعانةَ أحدِ الخَصْمَينِ فى حُكومَتِه. فصل: إذا حرَّرَ المُدَّعِى دَعْواه، فللحاكمِ أن يسْألَ خَصْمَه الجوابَ قبلَ أن يَطلُبَ منه المُدَّعِى ذلك؛ لأنَّ شاهدَ الحالِ يَدلُّ عليه؛ لأنَّ إحْضارَه والدَّعوَى إنَّما يُرادُ لِيَسْألَ الحاكمُ المُدَّعَى عليه، فقد أغْنَى ذلك عن سُؤالِه، فيقولُ لخَصْمِه: ما تقولُ فيما يدَّعيه؟ فإن أقَرَّ لَزِمَه، وليس للحاكمِ أن يَحْكُمَ عليه إلَّا بمَسْألةِ المُقَرِّ له؛ لأنَّ الحُكْمَ عليه حقٌّ له، فلا يَسْتَوْفِيه إلَّا بمسألةٍ مُسْتحَقَّةٍ، هكذا ذكرَ أصْحابُنا. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ له الحكمُ عليه قبلَ مَسألةِ المُدَّعِى؛ لأنَّ الحالَ تدُلُّ على إرادتِه ذلك، فاكْتُفِىَ بها، كما اكْتُفِىَ بها فى مَسْألةِ المُدَّعَى عليه الجوابَ، ولأنَّ كثيرًا من الناس لا يَعْرفُ مُطالَبةَ الحاكِم بذلك، فيَتْرُكُ مُطالبتَه به لجَهْلِه، فيَضيعُ حقُّه، فعلى هذا يجوزُ له الحكمُ قبلَ مَسْألتِه. وعلى القولِ الأوَّلِ، إن سألَه الخَصْمُ فقال: احْكُمْ لى. حكمَ عليه، والحُكْمُ أن يقولَ: قد ألْزَمْتُك ذلك، أو قضيْتُ عليك له. أو يقولَ: اخْرُجْ له منه. فمتى قال له أحدَ هذه الثَّلاثةِ، كان حُكْمًا بالحقِّ، وإن أنكرَ فقال: لا حقَّ لك قِبَلى. فهذا مَوْضِعُ البَيِّنةِ، قال الحاكمُ: ألكَ بَيِّنَةٌ؟ لما رُوِىَ أنَّ رَجلَيْن اخْتصَما إلَى النَّبىِّ ﷺ ؛ حَضْرَمِىٌّ وكِنْدىٌّ، فقال الحَضْرَمىُّ: يا رسولَ اللَّه، إنَّ هذا غلبَنى على أَرضٍ لى. فقال الكِنْدِىُّ: هى أرْضِى، وفى يَدِى، فلَيس (٤٥) له فيها حقٌّ. فقال النَّبىُّ ﷺ للحَضْرَمِىِّ: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قال: لا. قال: "فَلَكَ يَمِينُهُ" (٤٦). وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وإن كان المُدَّعِى عارِفًا بأنَّه مَوْضِعُ البَيِّنَةِ، فالحاكمُ مُخيَّرٌ بين أنْ يقولَ: ألك بيِّنةٌ؟ وبين أن يسْكُتَ، فإذا قال له: ألكَ بَيِّنَةٌ؟ فذكرَ أنَّ له بَيِّنَةً حاضِرةً، لم يقُلْ له الحاكم: أحضِرْها. لأنَّ ذلك حقٌّ له، [فله أنْ] (٤٧) يفْعلَ ما يرَى. وإذا أحْضَرَها لم يَسألْها الحاكمُ عمَّا عندَها حتى يسْألَه المُدَّعِى ذلك؛

стр. 7417

لأنَّه حَقٌّ له فلا [يسألُه، ولا] (٤٨) يَتصرَّفُ فيه مِن غيرِ إذْنِه، فإذا سألَه المدَّعى سُؤالَها، قال: مَن كانتْ عندَه شَهادةٌ فَلْيذكرْها (٤٩)، إن شاءَ؟ . ولا يقولُ لهما: اشْهَدَا. لأنَّه أمرٌ. وكان شُرَيْحٌ يقولُ للشاهِدَيْنِ: ما أنا دَعوتُكُما، ولا أنْهاكُما أنْ تَرجِعا، وما يَقضِى على هذا المُسْلمِ غيرُكُما، وإنِّى بكما أقْضِى اليومَ، وبكما أتَّقِى يومَ القيامةِ (٥٠). وإن رأَى الحاكمُ عليهما ما يُوجِبُ رَدَّ شَهادتِهما، ردَّها. كما رُوىَ عَن شُرَيْحٍ، أنَّه شَهِدَ عندَه شاهِدٌ، وعليه قَباءٌ مَخْروطُ الكُمَّينِ، فقال له شُرَيْحٌ: أتُحْسِنُ أن تتَوَضَّأَ؟ قال: نعم. قال: فاحْسِرْ عن ذِراعَيْك. فذهبَ يَحْسِرُ عنهما، فلم يَسْتطِعْ، فقال له شُرَيْحٌ: قُمْ، فلا شَهادةَ لك (٥١). وإن أدَّيا الشَّهادةَ على غيرِ وجهِها، مثلَ أن يَقُولا: بلَغَنا أنَّ عليه ألْفًا، أو سَمِعْنا ذلك. رَدَّ (٥٢) شَهادتَهما. وشهدَ رجلٌ عندَ شُرَيْحٍ، فقال: أشهَدُ أنَّه اتَّكأَ عليه بمِرْفَقِه حتى ماتَ. فقال شريحٌ: أتشْهَدُ أنَّه قتلَه؟ قال: أشْهَدُ أنَّه اتَّكأَ عليه بمِرْفَقِه حتى ماتَ. [قال: أتشْهَدُ أنَّه قتلَه؟ قال: أشْهَدُ أنَّه اتَّكأَ عليه بمِرْفَقِه حتى ماتَ] (٥٣). قال: قُمْ، لا شَهادةَ لك (٥١). وإن كانت شهادةً صحيحةً، وعَرَفَ الحاكمُ عَدالتَهم، قال للمشْهودِ عليه: قد شَهِدَا عليك، فإن كان عندَك ما يقْدَحُ فى شَهادتِهما، فبيِّنْهُ عندِى. فإن سألَ الإِنْظارَ، أنظرَه اليومَينِ والثلاثةَ. فإنْ لم يَجْرَحْ حَكمَ عليه؛ لأنَّ الحقَّ قد وَضَحَ (٥٤) على وَجْهٍ لا إشْكالَ فيه. وإن ارْتابَ بشَهادتِهم، فرَّقَهم، فسألَ كلَّ واحدٍ عن شَهادتِه وصِفَتِها، فيقولُ: كنتَ أوَّلَ مَن شَهِدَ، أو كتبتَ، أو لم تكتبْ، وفى أىِّ مكانٍ شهِدتَ، وفى أىِّ شهرٍ، وأىِّ يومٍ؟ وهل كنتَ وحدَك، أو معكَ غيرُك؟ فإن اخْتلَفوا، سقَطتْ شَهادتُهم، وإن اتَّفقُوا بحَثَ عن عَدالتِهم. ويقالُ: أوَّلُ مَن فعلَ هذا

стр. 7418

دَنيالُ. ويقالُ: فعلَه سليمانُ، وهو صَغِيرٌ. ورُوىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ سَبعةَ نفرٍ خرَجوا، ففُقِدَ وَاحدٌ منهم، فأتَت زَوْجتُه عليًّا، فدَعا السِّتَّةَ، فسألَهم عنه، فأنْكَروا، ففرَّقَهم، وأقامَ كلَّ واحدٍ عندَ سَارِيَةٍ، ووكَّل به (٥٥) مَن يَحْفَظُه، ودعَا واحدًا منهم، فسألَه فأنكرَ، فقال: اللهُ أكبر. فظَنَّ الباقون أنَّه قد اعْترفَ، فدَعاهم، فاعْترَفوا، فقال للأوَّلِ: قد شَهِدُوا عليك، وأنا قاتلُك. فاعْتَرفَ، فقتلَهم. وإن لم يَعْرِفْ عَدالتَهما، بحَثَ عنها، فإن لم تَثْبُتْ عَدالتُهما، قال للْمدَّعِى: زِدْنِى شُهودًا. وإن لم (٥٦) تكنْ له بَيِّنةٌ، عرَّفَه الحاكمُ أنَّ لك يَمِينَه. وليس للحاكِم أن يسْتَحْلِفَه قبلَ مَسْألةِ المُدَّعِى؛ لأنَّ اليَمِينَ حَقٌّ له، فلم يَجُزِ اسْتيفاؤُها مِن غيرِ مُطالَبةِ مُسْتَحقِّها، كَنفْسِ الحقِّ. فإن اسْتحْلفَه مِن غيرِ مَسألةٍ، أو بادرَ المُنْكِرُ فحلَفَ، لم يُعْتَدَّ بيَمِينِه؛ لأنَّه أتَى بها فى غيرِ وَقْتِها. وإذا سألَها (٥٧) المُدَّعِى، أعادَها له؛ لأنَّ الأولَى لم تكُنْ يَمِينَه. وإن أمْسَكَ المُدَّعِى عن إحْلافِ المُدَّعَى عليه، ثم أرادَ إحْلافَه بالدَّعْوَى المُتقدِّمةِ، جازَ؛ لأنَّه لم يُسْقِطْ حقَّه منها، وإنما أخَّرَها. وإنْ قال: أبرأْتُك مِن هذه اليَمِينِ. سقطَ حَقُّه منها فى هذه الدَّعْوَى، وله أن يَسْتأنِفَ الدَّعوَى؛ لأنَّ حقَّه لا يَسْقُطُ بالإِبرْاءِ من اليَمِينِ. فإن اسْتأْنفَ الدَّعوَى، فأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فله أن يُحَلِّفَه؛ لأنَّ هذه الدَّعْوَى غيرُ الدَّعوَى التى أبْرَأَه فيها مِن اليَمِينِ، فإن حلفَ سقطَتِ الدَّعْوى، ولم يكُنْ للمُدَّعِى أن يُحَلِّفَه يَمِينًا أُخْرَى، لا فى هذا المجلسِ، ولا فى غيرِه. وإن كان الحقُّ لجماعةٍ فرَضُوا بيَمِينٍ واحدٍ، جازَ، وسقَطَتْ دَعْواهم باليَمِينِ؛ لأنَّها حقُّهم؛ ولأنَّه لمَّا جازَ ثُبوتُ الحقِّ ببَيِّنةٍ واحدةٍ لجماعةٍ، جازَ سُقوطُه بيَمِينٍ واحدةٍ. قال القاضى: ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَصِحَّ حتى يَحْلِفَ لكلِّ واحدٍ يَمِينًا. وهو أحدُ الوَجهيْن لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ اليَمِينَ حُجَّةٌ فى حقِّ الواحدِ، فإذا رَضِىَ بها اثنان، صارتِ الحُجَّةُ فى حقِّ كلِّ واحدٍ منهما ناقصةً، والحُجَّةُ النَّاقصةُ لا تَكْمُلُ برِضَى الخَصْمِ، كما لو رَضِىَ أن يَحْكُمَ عليه بشاهدٍ واحدٍ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الحقَّ لهما،

стр. 7419

فإذا رَضِيَا به، جازَ، ولا يَلْزَمُ مِن رِضاهما بيَمِينٍ واحدةٍ، أن يكونَ لكلِّ واحدٍ بعضُ اليَمِينِ، كما أنَّ الحقوقَ إذا قامتْ بها بيِّنَةٌ واحدةٌ، لا يكونُ لكلِّ حقٍّ بعضُ البَيِّنَةِ، فأمَّا إنْ حلَّفَه لجميعِهم يَمِينًا واحدةً بغيرِ رِضاهُم، لم تَصِحَّ يَمِينُه. بلا خِلافٍ نَعْلَمُه. وقد حكَى الإِصْطَخْرىُّ، أنَّ إسماعيلَ بنَ إسحاقَ القاضىَ، حلَّفَ رجلًا بحَقٍّ لرجليْن يَمِينًا واحدةً، فخطَّأَه أهلُ عصرِه (٥٨). وإن قال المُدَّعِى: لى بَيِّنَةٌ غائبةٌ. قال له الحاكمُ: لك يَمِينُه، فإن شئْتَ فاسْتحلِفْه، وإن شئْتَ أخَّرْتُه إلى أن تُحْضِرَ بَيِّنتَك، وليس لك مُطالَبتُه بكَفيلٍ، ولا مُلازَمتُه حتى تُحْضِرَ البَيِّنَة. نصَّ عليه أحمدُ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : "شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ" (٥٩). فإن أحْلَفَه (٦٠)، ثم حضَرَتْ بيِّنَتُه، حكمَ بها، ولم تكُنِ اليَمِينُ (٦١) مُزيلَةً للحقِّ؛ لأنَّ اليَمِينَ إنما يُصارُ إليها عندَ عَدَمِ البَيِّنةِ، فإذا وُجدَتِ البَيِّنَةُ بطَلَتِ اليَمِينُ، وتَبَيَّنَ كَذِبُها. وإن قال: لى بَيِّنَةٌ حاضرَةٌ، وأُرِيدُ يَمِينَه ثم أُقيمُ بيِّنتى. لم يَمْلِكْ ذلك. وقال أبو يوسفَ: يَسْتَحْلِفُه، وإن نَكَلَ قضَى عليه؛ لأنَّ فى الاسْتِحلافِ فائدةً، وهو أنَّه ربَّما نَكَلَ، فقضَى عليه، فأغْنَى عن البَيِّنَةِ. ولَنا، قولُه ﵇: "شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ إلَّا ذَلكَ". و "أو" للتَّخْيِيرِ بين شَيْئَينِ، فلا يكونُ له الجَمْعُ بينهما، ولأنَّه أَمْكنَ فَصْلُ الخُصومَةِ بالبَيِّنَةِ، فلم يُشْرَعْ غيرُها مع إرادةِ المُدَّعِى إقامتَها وحُضورَها، كما لو [لم يَطْلُبْ] (٦٢) يَمِينَه، ولأنَّ اليَمِينَ بَدَلٌ، فلم يَجِبِ الجمعُ بينها وبين مُبْدَلِها، كسائرِ الأبْدالِ مع مُبدلاتِها. وإن قال المُدَّعِى: لا أُرِيدُ إقامتَها، وإنَّما أُرِيدُ يَمِينَه أَكْتَفِى بها. اسْتُحْلِفَ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ حَقُّه، فإذا رَضِىَ بإسْقاطِها، وتَرْكِ إقامَتِها، فله ذلك، كنَفْسِ الحقِّ. فإن حلَفَ المُدَّعَى عليه، ثم أرادَ المُدَّعِى إقامةَ بَيِّنَتِه، فهل يَمْلكُ ذلك؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ أحدهما، له ذلك؛ لأنَّ البَيِّنَةَ لا تَبْطُلُ بالاسْتِحْلافِ، كما لو كانتْ غائبةً. والثانى، ليس

стр. 7420

له ذلك؛ لأنَّه قد أسْقَطَ حقَّه مِن إقامتِها، ولأنَّ تَجْويزَ إقامتِها يفْتحُ بابَ الحِيلَةِ؛ لأنَّه يقولُ: لا أُريدُ إقامتَها. ليَحْلِفَ خَصْمُه، ثم يُقِيمُها. فإن كان له شاهدٌ واحدٌ فى الأموالِ، عرَّفَه الحاكمُ أنَّ له أن يَحْلِفَ مع شاهِدِه، ويَسْتحِقُّ، فإن قال: لا أحْلِفُ أنا، وأرْضَى بيَمِينِه. اسْتُحْلِفَ له (٦٣)، فإذا حلَفَ، سقطَ الحقُّ عنه، فإن عادَ المُدَّعِى بعدَها، وقال: أنا أحْلِفُ مع شاهِدِى. لم يُستَحْلَفْ، ولم يُسْمَعْ منه. ذكرَه القاضى. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ اليَمِينَ فِعْلُهُ وهو قادرٌ عليها، فأمْكَنَه أن يسقِطَها، بخِلافِ البَيِّنَةِ. وإن عادَ قبلَ أن يَحْلِفَ المُدَّعَى عليه، فبذَلَ اليَمِينَ، فقال القاضى: [لم يكُنْ] (٦٤) له ذلك فى هذا المجلس. وكلُّ موضعٍ قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه. فإنَّ الحاكمَ يقولُ له: إن حَلَفْتَ، وإلَّا جَعَلْتُك ناكِلًا، وقَضَيْتُ عليك. ثلاثًا، فإن حلَفَ، وإلَّا حَكمَ عليه بنُكُولِه إذا سألَه المُدَّعِى ذلك. فإن سكَتَ عن جَوابِ الدَّعوَى، فلم يُقِرَّ ولم يُنْكِرْ، حبَسَه الحاكمُ حتى يُجِيبَ، ولا يَجْعَلُه بذلك ناكِلًا. ذكرَه القاضى، فى "المُجَرَّدِ". وقال أبو الخَطَّابِ: يقولُ له الحاكمُ: إن أجَبْتَ، وإلَّا جَعلتُك ناكِلًا، وحكمتُ عليك. ويُمَرِّرُ ذلك عليه ثلاثًا (٦٥)، فإن أجابَ وإلَّا جعَلَه ناكِلًا، وحكَمَ عليه؛ لأنَّه ناكِلٌ عما تَوَجَّه عليه الجوابُ فيه، فيُحْكَمُ عليه بالنُّكولِ عنه، كاليَمِينِ. ١٨٧٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ فِى عَمَلِ غَيْرِهِ، فَكَتَبَ بِإنْفَاذِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إلَى قَاضِى ذَلِكَ الْبَلَدِ، قَبِلَ كِتَابَهُ، وَأَخَذَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْحَقِّ) الأَصْلُ (١) فى كتابِ القاضى إلى القاضى، والأميرِ إلى الأميرِ، الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أما الكتابُ فقولُ اللهِ تعالى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٢). وأمَّا السُّنَّةُ، فإنَّ

стр. 7421

النَّبِىَّ ﷺ كتبَ إلى كِسرَى، وقَيصَرَ، والنَّجاشىِّ، ومُلوكِ الأطْرافِ، وكان يَكتُبُ إلى وُلاتِه، ويكتبُ لعُمَّالِه وسُعاتِه، وكان فى كِتابِه إلى قَيْصَرَ: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إلَى قَيْصَرَ عَظِيمِ الرُّومِ، أمَّا بَعْدُ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرًا عَظِيمًا، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأرِيسِيِّينَ (٣)، و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٤) ". ورَوَى الضَّحَّاكُ بنُ سُفيانَ، قال: كتبَ إلىَّ رسولُ اللهِ ﷺ : "أَنْ وَرِّثِ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِىِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا" (٥). وأجمَعَتِ الأُمَّةُ على كتابِ القاضى إلى القاضى. ولأنَّ الحاجةَ إلى قَبُولِه داعيَةٌ، فإنَّ مَن له حقٌّ فى بلَدٍ غيرِ بلدِه، لا (٦) يُمْكِنُه إتْيانُه، والمُطالَبةُ به، إلَّا بكتابِ القاضى، فوَجبَ قَبولُه. إذا ثبَتَ هذا، فإنَّ كتابَ القاضى [إلى القاضى] (٧) يُقبلُ فى الأموالِ، وما يُقصدُ به المالُ، ولا يُقْبَلُ فى الحُدودِ، لِحَقِّ (٨) اللهِ تعالى. وهل يُقْبَلُ فيما عدا هذا؟ على وَجْهَيْن. وبهذا قال أصحابُ الرَّأْىِ. وقالَ أصْحابُ الشَّافعىِّ: يُقْبَلُ فى كلِّ حقٍّ لآدَمِىٍّ، مِن الجِراحِ وغيرِها، وهل يُقْبَلُ فى الحدودِ التى للهِ تعالى؟ على قَوْلَيْنِ. وتَمامُ الكلامِ فى هذا الفصلِ يُذْكَرُ فى الشَّهادةِ على الشَّهادةِ، إن شاءَ اللهُ تعالى. والكتابُ على ضَرْبَيْن، أحدُهما، أن يَكْتُبَ بما حَكمَ به، وذلك مثلُ أن يَحْكُمَ على رجلٍ بحقٍّ، فيَغيبَ (٩) قبلَ إيفائِه، أو يَدَّعِىَ حقًّا على غائبٍ، ويُقيمَ به بَيِّنَةً، ويسْألَ الحاكمَ الحكمَ عليه، فيَحْكُمَ عليه، ويسألَه أن يكتبَ له كتابًا

стр. 7422

يَحْمِلُه إلى قاضى البلدِ الذى فيه الغائبُ، فيكتبَ له إليه، أو تقومُ البَيِّنَةُ على حاضرٍ، فيهربَ قبلَ الحُكْمِ عليه، فيسألَ صاحبُ الحقِّ الحاكمَ الحُكمَ عليه، وأنْ يَكْتبَ له كِتابًا بحُكْمِه. ففى هذه الصُّوَرِ الثَّلاثِ، يَلْزَمُ الحاكمَ إجابتُه إلى الكتابةِ، ويَلزمُ المكتوبَ إليه قَبولُه، سَواءٌ كانت بينهما مَسافةٌ بَعيدةٌ أو قريبةٌ، حتى لو كانا فى جَانِبَىْ بلدٍ أو مجلسٍ، لزِمَه قَبولُه وإمْضاؤُه، سواءٌ كان حُكْمًا على حاضرٍ أو غائبٍ. لا نعلمُ فى هذا خلافًا؛ لأنَّ حُكْمَ الحاكِمِ يجبُ إمْضاؤُه على كلِّ حاكمٍ. الضَّرْبُ الثانى، أن يَكْتُبَ يُعْلِمُه (١٠) بِشَهادةِ شاهِدَيْنِ عندَه بحقٍّ لفلانٍ، مثل أن تقومَ البَيِّنَةُ عندَه بحقٍّ لرجلٍ على آخرَ، ولم يَحْكُمْ به، فيسألُه (١١) صاحبُ الحقِّ أن يَكْتُبَ له كتابًا بما حصَلَ عندَه، فإنَّه يَكْتُبُ له أيضًا. قال القاضى: ويكونُ فى كِتابِه: شَهِدَ عندى فلانٌ وفلانٌ بكذا وكذا. ليكونَ المكْتوبُ إليه هو الذى يَقْضِى به، ولا يَكْتُبُ: ثَبتَ عندى؛ لأنَّ قولَه: ثبتَ عندى. حُكْمٌ بشَهادتِهما، فهذا لا يَقْبَلُه المكتوبُ إليه، إلَّا فى المسافةِ البَعيدةِ، التى هى مَسافةُ القَصْرِ، ولا يَقْبَلُه (١٢) فيما دُونَها؛ لأنَّه نَقْلُ شهادةٍ (١٣)، فاعتُبِرَ فيه ما يُعْتَبرُ فى الشهادةِ على الشهادةِ. ونحوُ هذا قولُ الشَّافعىِّ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يجوزُ أن يَقْبلَه فى بلدِه. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ مِثلُ هذا. وقالَ بعضُ المتأخّرين مِن أصحابِه: الذى يَقْتَضِيه مذهبُه أنَّه لا يجوزُ، [كما لا يجوزُ] (١٤) ذلك فى الشهادةِ على الشهادةِ. واحتجَّ مَن أجازَه بأنَّه كتابُ الحاكمِ بما ثَبَتَ عندَه، فجازَ قَبولُه مع القُرْبِ، ككتابِه بحُكْمِه. ولَنا، أنَّ ذلك نَقْلُ الشهادةِ إلى المَكْتوبِ إليه (١٥)، فلم يَجُزْ مع القُرْبِ، كالشَّهادةِ على الشهادةِ، ويُفارِقُ كتابَه بالحُكْمِ؛ فإنَّ ذلك ليس بنَقْلٍ، وإنَّما هو خَبَرٌ، وكلُّ مَوْضعٍ يَلْزَمُه قَبولُ الكتابِ، فإنَّه يأخذُ المَحْكومَ عليه بالحقِّ الذى حكَمَ عليه به، فيَبْعَثُ إليه، فيَسْتَدعِيه، فإنِ اعْتَرفَ بالحقِّ، أمرَه

стр. 7423

بأدائِه، وألْزَمَه إيَّاه. وإن قال: لستُ المُسَمَّى فى هذا الكتابِ. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، إلَّا أنْ يُقِيمَ المُدَّعِى بَيِّنَةً أنَّه المُسَمَّى فى الكتابِ. وإنِ اعْتَرفَ أنَّ هذا الاسْمَ اسْمُه، والنَّسبَ نَسَبُه، والصِّفَةَ صِفَتُه، إِلَّا أنَّ الحَقَّ ليس هو عليه، إنَّما هو على آخَرَ يُشارِكُه فى الاسْمِ والنَّسَبِ والصِّفَةِ، فالقولُ قولُ المُدَّعِى فى نَفْىِ ذلك؛ لأنَّ الظَّاهرَ عَدَمُ المُشاركةِ فى هذا كلِّه، فإن أقامَ المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً بما ادَّعاه مِن وُجودِ مُشارِكٍ له فى هذا كلِّه، أحْضرَه الحاكمُ، وسألَه عن الحقِّ، فإن اعْتَرفَ به، ألْزَمَه به، وتخلَّصَ الأوَّلُ، وإنْ أنْكَرَه، وَقَفَ الحُكْمَ، ويكْتبُ (١٦) إلى الحاكمِ الكاتبِ يُعْلِمُه الحالَ، وما وقعَ من الإشْكالِ، حتى يُحْضِرَ الشَّاهِدَيْن، فيَشْهَدا عندَه بما يتَميَّزُ به المَشْهودُ عليه منهما. وإن ادَّعَى المُسَمَّى أنَّه كان فى البلدِ مَن يُشارِكُه (١٧) فى الاسْمِ والصِّفَةِ، وقد ماتَ، نَظَرْنا؛ فإن كان مَوْتُه قبلَ وُقوعِ المُعاملَةِ التى وقعَ الحُكمُ بها، أو كان ممَّن لم يُعاصِرْه المَحكومُ عليه، أو المحكومُ له، لم يقَعْ إشْكالٌ، وكان وُجودُه كعَدَمِه. وإن كان مَوْتُه بعدَ الحُكمِ، أو بعدَ المُعامَلَةِ، وكان ممَّن أمكنَ أن تَجْرِىَ بينَه وبينَ المحكومِ له معاملَةٌ، فقد وقعَ الإشْكالُ، كما لو كان حَيًّا؛ لجَوازِ أن يكونَ الحقُّ على الذى ماتَ. فصل: وإذا كتبَ الحاكمُ بثُبوتِ بَيِّنةٍ، أو إقْرارٍ بدَينٍ، جازَ، وحكمَ به المكتوبُ إليه، فأخَذَ (١٨) المحكومَ عليه به، وإن كان ذلك عَيْنًا؛ كعَقارٍ مَحْدودٍ، أو عَيْنٍ مشهُودةٍ، لا تَشْتبِهُ بغيرِها، كعبدٍ معروفٍ مشهورٍ، أو دابَّةٍ كذلك، حكَمَ به المكتوبُ إليه أيضًا، وأُلْزِمَ تَسْلِيمُه إلى المحكومِ له به، وإن كان عَيْنًا لا تتميَّزُ إلَّا بالصِّفَةِ، كعبدٍ غيرِ مَشْهورٍ (١٩)، أو غيرِه مِن الأعْيانِ التى لا تتَميَّزُ إلَّا بالوَصْفِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يَقبلُ كتابَه. وبه قال أبو حنيفةَ. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ الوَصْفَ لا يَكْفِى، بدليلِ أنَّه لا يَصِحُّ أنْ يشْهدَ لرجلٍ بالوَصْفِ والتَّحْلِيةِ، كذلك المشهودُ به. والثانى،

стр. 7424

يجوزُ؛ لأنَّه ثَبتَ فى الذِّمَّةِ بالعَقْدِ على هذه الصِّفَةِ، فأشْبَهَ الدَّينَ، ويُخالِفُ المشْهودَ له، فإنَّه لا حاجةَ إلى ذلك فيه، فإنَّ الشَّهادةَ له لا تَثْبُتُ إلَّا بعد دَعْواه، ولأنَّ المشْهودَ عليه يَثْبُتُ بالصِّفَةِ والتَّحْلِيَةِ، فكذلك المشْهودُ به. فعلى هذا الوجهِ، يُنْفِذُ العَيْنَ مَخْتومةً، وإنْ كان عبدٌ أو أمَةٌ خَتَمَ فى عُنُقِه، وبعثَه إلى القاضى الكاتبِ، ليَشْهدَ الشَّاهدان على عَيْنِه، فإن شَهِدَا عليه، دُفِعَ إلى المشْهودِ له به، وإن لم يَشْهدَا على عَيْنِه، أو قال: المشْهودُ به غيرُ هذا. وجبَ على آخِذِه رَدُّه إلى صاحبِه، ويكونُ حُكْمُه حُكمَ المَغْصوبِ فى ضَمانِه، وضَمانِ نَقْصِه ومَنْفَعتِه، فيَلْزَمُه أجْرُه إن كان له أجْرٌ مِن يوم أخَذَه (٢٠)، إلى أن يصِلَ إلى صاحبِه؛ لأنَّه أخذَه مِن صاحبِه قهرًا بغيرِ حقٍّ. فصل: ومتى (٢١) اسْتَوفَى الحقَّ مِن المَحكومِ عليه، فقال (٢٢) للحاكمِ عليه: اكْتُبْ لِى (٢٣) مَحْضَرًا بما جرَى؛ لئلَّا يَلْقانىَ خَصْمِى فى موضعٍ آخَرَ، فيُطالِبَنِى به مَرَّةً أُخْرَى. ففيه وَجْهان؛ أحدهما، تَلْزَمُه إجابتُه؛ ليَخْلُصَ مِن المحْذُورِ الذى يَخافُه. والثانى، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّ الحاكمَ إنَّما يَكْتبُ بما ثبَتَ عندَه، أو حَكَمَ به، فأمَّا اسْتِئْنافُ ابتداءٍ، فيَكْفِيه فيه الإِشْهادُ، فيُطالِبُه أن يشْهَدَ على نفسِه بِقَبْضِ الحقِّ؛ لأنَّ الحقَّ ثبَتَ عليه بالشَّهادةِ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّه قد حكَمَ عليه بهذا الحقِّ، ويَخافُ الضَّررَ بدُون المَحْضَرِ، فأشْبَهَ مَا حكَمَ به ابْتداءً. وإن طالبَ المحكومُ له بدَفْعِ الكتابِ الذى ثبَتَ به الحقُّ، لم يَلْزَمْه دَفْعُه إليه؛ لأنَّه مِلْكُه، فلا يَجِبُ عليه دَفْعُه إلى غيرِه. وكذلك كلُّ مَن له كتابٌ بدَيْنٍ، فاسْتَوْفاه، أو عَقارٌ فباعَه، لا يَلْزَمُه دَفْعُ الكتابِ؛ لأنَّه مِلْكُه؛ ولأنَّه يجوزُ أن يَخْرُجَ ما قبضَه مُسْتحَقًّا، فيعودَ إلى مالِه. فصل: ويُقْبَلُ الكتابُ مِن قاضى مِصرٍ إلى قاضى مِصرٍ، وإلى قاضى قريةٍ، ومِن قاضى قريةٍ إلى قاضى قريةٍ، وقاضى مِصرٍ. ومن القاضى إلى خَليفتِه، ومِن خَليفتِه إليه؛ لأنَّه

стр. 7425

كتابٌ مِن قاضٍ إلى قاضٍ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَوَيا. ويجوزُ أنْ يَكْتُبَ إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى مَن وَصلَه كتابِى مِن قُضاةِ المُسلمين وحُكَّامِهم، مِن غيرِ تَعْيِينٍ، ويَلْزَمُ مَن وَصَله قَبُولُه. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ. واسْتَحْسنَه أبو يوسفَ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ أنْ يَكْتُبَ إلى غيرِ مُعَيَّنٍ. ولَنا، أنَّه كتابُ حاكمٍ مِن ولايَتِه، وَصَلَ إلى حاكمٍ، فلَزِمَه قَبولُه، كما لو كان الكتابُ إليه بعَيْنِه. فصل: وصِفَةُ الكتابِ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. سببُ [هذه المُكاتَبَةِ] (٢٤)، أطالَ اللهُ بقاءَ مَن يَصِلُ إليه مِن قُضاةِ المُسلمين وحُكَّامِهم، أنَّه ثَبتَ عندِى فى مَجْلسِ حُكْمِى وقَضائِى، الذى أتولَّاه بمكانِ كذا. وإن كان نائبًا، قال: الذى أنوبُ فيه عن القاضى فلانٍ، بمَحْضَرٍ مِن خَصْمَيْن؛ مُدَّعٍ، ومُدَّعًى عليه، جازَ اسْتِماعُ الدَّعوَى منهما، وقَبولُ البَيِّنَةِ من أحدِهما على الآخَرِ، بشَهادةِ فُلانٍ وفلانٍ، وهما مِن الشُّهودِ المُعدَّلِينَ عندِى، عَرَفْتُهما، وقَبِلْتُ شَهادتَهما، بما رأيتُ معه قَبولَها مَعْرِفَةَ فُلانِ بنِ فلانٍ الفُلانىِّ، بعَيْنِه واسْمِه ونسبِه. فإن كان فى إثباتِ أسْرِ أسيرٍ قال: وإنَّ الفِرِنْجَ، خَذَلَهم اللهُ، أسَرُوه [من مكان] (٢٥) كذا، فى وقتِ كذا، وأخَذوه إلى مكان كذا، وهو مُقِيمٌ تحتَ حَوْطَتِهم، أبادَهم اللهُ، وأنَّه رجلٌ فقيرٌ مِن فُقراءِ المسلمين، ليس له شىءٌ مِن الدُّنيا، ولا يَقْدِرُ على فِكاكِ نَفْسِه، ولا على شىءٍ منه، وأنَّه مُسْتَحِقٌّ للصَّدقةِ، على ما يَقْتضيه كتابُ المَحْضَرِ المُشارُ إليه، المتَّصِلُ أولُه بآخرِ كِتابِى هذا، المُؤرَّخُ بكذا. وإن كانَ فى إثْباتِ دَينٍ كتبَ: وأنه اسْتحقَّ فى ذِمَّةِ فُلانِ بن فُلانٍ الفلانىِّ -وَيَرْفَعُ فى نسبِه، ويَصِفُه بما يتميَّزُ به - مِن الدَّين كذا وكذا، دَيْنًا عليه حالًّا، وحقًّا واجبًا لازِمًا، وأنَّه يَسْتِحقُّ مُطالبتَه واسْتيفاءَه منه. وإن كان فى إثْباتِ عَيْنٍ، كتبَ: وأنَّه مالكٌ لما فى يَدىْ فُلانٍ من الشَّىءِ الفُلانىِّ -ويَصفُه صفةً يتميَّزُ بها- مُسْتَحِقٌّ لأخْذِه وتسْليمِه (٢٦)، على ما يَقتضيه كتابُ المَحْضَرِ المتَّصِلُ بآخرِ كتابِى هذا، المُؤرَّخُ بتاريخِ كذا، وقالَ الشَّاهدان المذكوران:
следующие страницы →