← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

النَّبِىَّ ﷺ كتبَ إلى كِسرَى، وقَيصَرَ، والنَّجاشىِّ، ومُلوكِ الأطْرافِ، وكان يَكتُبُ إلى وُلاتِه، ويكتبُ لعُمَّالِه وسُعاتِه، وكان فى كِتابِه إلى قَيْصَرَ: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إلَى قَيْصَرَ عَظِيمِ الرُّومِ، أمَّا بَعْدُ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرًا عَظِيمًا، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأرِيسِيِّينَ (٣)، و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٤) ". ورَوَى الضَّحَّاكُ بنُ سُفيانَ، قال: كتبَ إلىَّ رسولُ اللهِ ﷺ : "أَنْ وَرِّثِ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِىِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا" (٥). وأجمَعَتِ الأُمَّةُ على كتابِ القاضى إلى القاضى. ولأنَّ الحاجةَ إلى قَبُولِه داعيَةٌ، فإنَّ مَن له حقٌّ فى بلَدٍ غيرِ بلدِه، لا (٦) يُمْكِنُه إتْيانُه، والمُطالَبةُ به، إلَّا بكتابِ القاضى، فوَجبَ قَبولُه. إذا ثبَتَ هذا، فإنَّ كتابَ القاضى [إلى القاضى] (٧) يُقبلُ فى الأموالِ، وما يُقصدُ به المالُ، ولا يُقْبَلُ فى الحُدودِ، لِحَقِّ (٨) اللهِ تعالى. وهل يُقْبَلُ فيما عدا هذا؟ على وَجْهَيْن. وبهذا قال أصحابُ الرَّأْىِ. وقالَ أصْحابُ الشَّافعىِّ: يُقْبَلُ فى كلِّ حقٍّ لآدَمِىٍّ، مِن الجِراحِ وغيرِها، وهل يُقْبَلُ فى الحدودِ التى للهِ تعالى؟ على قَوْلَيْنِ. وتَمامُ الكلامِ فى هذا الفصلِ يُذْكَرُ فى الشَّهادةِ على الشَّهادةِ، إن شاءَ اللهُ تعالى. والكتابُ على ضَرْبَيْن، أحدُهما، أن يَكْتُبَ بما حَكمَ به، وذلك مثلُ أن يَحْكُمَ على رجلٍ بحقٍّ، فيَغيبَ (٩) قبلَ إيفائِه، أو يَدَّعِىَ حقًّا على غائبٍ، ويُقيمَ به بَيِّنَةً، ويسْألَ الحاكمَ الحكمَ عليه، فيَحْكُمَ عليه، ويسألَه أن يكتبَ له كتابًا

стр. 7422

يَحْمِلُه إلى قاضى البلدِ الذى فيه الغائبُ، فيكتبَ له إليه، أو تقومُ البَيِّنَةُ على حاضرٍ، فيهربَ قبلَ الحُكْمِ عليه، فيسألَ صاحبُ الحقِّ الحاكمَ الحُكمَ عليه، وأنْ يَكْتبَ له كِتابًا بحُكْمِه. ففى هذه الصُّوَرِ الثَّلاثِ، يَلْزَمُ الحاكمَ إجابتُه إلى الكتابةِ، ويَلزمُ المكتوبَ إليه قَبولُه، سَواءٌ كانت بينهما مَسافةٌ بَعيدةٌ أو قريبةٌ، حتى لو كانا فى جَانِبَىْ بلدٍ أو مجلسٍ، لزِمَه قَبولُه وإمْضاؤُه، سواءٌ كان حُكْمًا على حاضرٍ أو غائبٍ. لا نعلمُ فى هذا خلافًا؛ لأنَّ حُكْمَ الحاكِمِ يجبُ إمْضاؤُه على كلِّ حاكمٍ. الضَّرْبُ الثانى، أن يَكْتُبَ يُعْلِمُه (١٠) بِشَهادةِ شاهِدَيْنِ عندَه بحقٍّ لفلانٍ، مثل أن تقومَ البَيِّنَةُ عندَه بحقٍّ لرجلٍ على آخرَ، ولم يَحْكُمْ به، فيسألُه (١١) صاحبُ الحقِّ أن يَكْتُبَ له كتابًا بما حصَلَ عندَه، فإنَّه يَكْتُبُ له أيضًا. قال القاضى: ويكونُ فى كِتابِه: شَهِدَ عندى فلانٌ وفلانٌ بكذا وكذا. ليكونَ المكْتوبُ إليه هو الذى يَقْضِى به، ولا يَكْتُبُ: ثَبتَ عندى؛ لأنَّ قولَه: ثبتَ عندى. حُكْمٌ بشَهادتِهما، فهذا لا يَقْبَلُه المكتوبُ إليه، إلَّا فى المسافةِ البَعيدةِ، التى هى مَسافةُ القَصْرِ، ولا يَقْبَلُه (١٢) فيما دُونَها؛ لأنَّه نَقْلُ شهادةٍ (١٣)، فاعتُبِرَ فيه ما يُعْتَبرُ فى الشهادةِ على الشهادةِ. ونحوُ هذا قولُ الشَّافعىِّ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يجوزُ أن يَقْبلَه فى بلدِه. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ مِثلُ هذا. وقالَ بعضُ المتأخّرين مِن أصحابِه: الذى يَقْتَضِيه مذهبُه أنَّه لا يجوزُ، [كما لا يجوزُ] (١٤) ذلك فى الشهادةِ على الشهادةِ. واحتجَّ مَن أجازَه بأنَّه كتابُ الحاكمِ بما ثَبَتَ عندَه، فجازَ قَبولُه مع القُرْبِ، ككتابِه بحُكْمِه. ولَنا، أنَّ ذلك نَقْلُ الشهادةِ إلى المَكْتوبِ إليه (١٥)، فلم يَجُزْ مع القُرْبِ، كالشَّهادةِ على الشهادةِ، ويُفارِقُ كتابَه بالحُكْمِ؛ فإنَّ ذلك ليس بنَقْلٍ، وإنَّما هو خَبَرٌ، وكلُّ مَوْضعٍ يَلْزَمُه قَبولُ الكتابِ، فإنَّه يأخذُ المَحْكومَ عليه بالحقِّ الذى حكَمَ عليه به، فيَبْعَثُ إليه، فيَسْتَدعِيه، فإنِ اعْتَرفَ بالحقِّ، أمرَه

стр. 7423

بأدائِه، وألْزَمَه إيَّاه. وإن قال: لستُ المُسَمَّى فى هذا الكتابِ. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، إلَّا أنْ يُقِيمَ المُدَّعِى بَيِّنَةً أنَّه المُسَمَّى فى الكتابِ. وإنِ اعْتَرفَ أنَّ هذا الاسْمَ اسْمُه، والنَّسبَ نَسَبُه، والصِّفَةَ صِفَتُه، إِلَّا أنَّ الحَقَّ ليس هو عليه، إنَّما هو على آخَرَ يُشارِكُه فى الاسْمِ والنَّسَبِ والصِّفَةِ، فالقولُ قولُ المُدَّعِى فى نَفْىِ ذلك؛ لأنَّ الظَّاهرَ عَدَمُ المُشاركةِ فى هذا كلِّه، فإن أقامَ المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً بما ادَّعاه مِن وُجودِ مُشارِكٍ له فى هذا كلِّه، أحْضرَه الحاكمُ، وسألَه عن الحقِّ، فإن اعْتَرفَ به، ألْزَمَه به، وتخلَّصَ الأوَّلُ، وإنْ أنْكَرَه، وَقَفَ الحُكْمَ، ويكْتبُ (١٦) إلى الحاكمِ الكاتبِ يُعْلِمُه الحالَ، وما وقعَ من الإشْكالِ، حتى يُحْضِرَ الشَّاهِدَيْن، فيَشْهَدا عندَه بما يتَميَّزُ به المَشْهودُ عليه منهما. وإن ادَّعَى المُسَمَّى أنَّه كان فى البلدِ مَن يُشارِكُه (١٧) فى الاسْمِ والصِّفَةِ، وقد ماتَ، نَظَرْنا؛ فإن كان مَوْتُه قبلَ وُقوعِ المُعاملَةِ التى وقعَ الحُكمُ بها، أو كان ممَّن لم يُعاصِرْه المَحكومُ عليه، أو المحكومُ له، لم يقَعْ إشْكالٌ، وكان وُجودُه كعَدَمِه. وإن كان مَوْتُه بعدَ الحُكمِ، أو بعدَ المُعامَلَةِ، وكان ممَّن أمكنَ أن تَجْرِىَ بينَه وبينَ المحكومِ له معاملَةٌ، فقد وقعَ الإشْكالُ، كما لو كان حَيًّا؛ لجَوازِ أن يكونَ الحقُّ على الذى ماتَ. فصل: وإذا كتبَ الحاكمُ بثُبوتِ بَيِّنةٍ، أو إقْرارٍ بدَينٍ، جازَ، وحكمَ به المكتوبُ إليه، فأخَذَ (١٨) المحكومَ عليه به، وإن كان ذلك عَيْنًا؛ كعَقارٍ مَحْدودٍ، أو عَيْنٍ مشهُودةٍ، لا تَشْتبِهُ بغيرِها، كعبدٍ معروفٍ مشهورٍ، أو دابَّةٍ كذلك، حكَمَ به المكتوبُ إليه أيضًا، وأُلْزِمَ تَسْلِيمُه إلى المحكومِ له به، وإن كان عَيْنًا لا تتميَّزُ إلَّا بالصِّفَةِ، كعبدٍ غيرِ مَشْهورٍ (١٩)، أو غيرِه مِن الأعْيانِ التى لا تتَميَّزُ إلَّا بالوَصْفِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يَقبلُ كتابَه. وبه قال أبو حنيفةَ. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ الوَصْفَ لا يَكْفِى، بدليلِ أنَّه لا يَصِحُّ أنْ يشْهدَ لرجلٍ بالوَصْفِ والتَّحْلِيةِ، كذلك المشهودُ به. والثانى،

стр. 7424

يجوزُ؛ لأنَّه ثَبتَ فى الذِّمَّةِ بالعَقْدِ على هذه الصِّفَةِ، فأشْبَهَ الدَّينَ، ويُخالِفُ المشْهودَ له، فإنَّه لا حاجةَ إلى ذلك فيه، فإنَّ الشَّهادةَ له لا تَثْبُتُ إلَّا بعد دَعْواه، ولأنَّ المشْهودَ عليه يَثْبُتُ بالصِّفَةِ والتَّحْلِيَةِ، فكذلك المشْهودُ به. فعلى هذا الوجهِ، يُنْفِذُ العَيْنَ مَخْتومةً، وإنْ كان عبدٌ أو أمَةٌ خَتَمَ فى عُنُقِه، وبعثَه إلى القاضى الكاتبِ، ليَشْهدَ الشَّاهدان على عَيْنِه، فإن شَهِدَا عليه، دُفِعَ إلى المشْهودِ له به، وإن لم يَشْهدَا على عَيْنِه، أو قال: المشْهودُ به غيرُ هذا. وجبَ على آخِذِه رَدُّه إلى صاحبِه، ويكونُ حُكْمُه حُكمَ المَغْصوبِ فى ضَمانِه، وضَمانِ نَقْصِه ومَنْفَعتِه، فيَلْزَمُه أجْرُه إن كان له أجْرٌ مِن يوم أخَذَه (٢٠)، إلى أن يصِلَ إلى صاحبِه؛ لأنَّه أخذَه مِن صاحبِه قهرًا بغيرِ حقٍّ. فصل: ومتى (٢١) اسْتَوفَى الحقَّ مِن المَحكومِ عليه، فقال (٢٢) للحاكمِ عليه: اكْتُبْ لِى (٢٣) مَحْضَرًا بما جرَى؛ لئلَّا يَلْقانىَ خَصْمِى فى موضعٍ آخَرَ، فيُطالِبَنِى به مَرَّةً أُخْرَى. ففيه وَجْهان؛ أحدهما، تَلْزَمُه إجابتُه؛ ليَخْلُصَ مِن المحْذُورِ الذى يَخافُه. والثانى، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّ الحاكمَ إنَّما يَكْتبُ بما ثبَتَ عندَه، أو حَكَمَ به، فأمَّا اسْتِئْنافُ ابتداءٍ، فيَكْفِيه فيه الإِشْهادُ، فيُطالِبُه أن يشْهَدَ على نفسِه بِقَبْضِ الحقِّ؛ لأنَّ الحقَّ ثبَتَ عليه بالشَّهادةِ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّه قد حكَمَ عليه بهذا الحقِّ، ويَخافُ الضَّررَ بدُون المَحْضَرِ، فأشْبَهَ مَا حكَمَ به ابْتداءً. وإن طالبَ المحكومُ له بدَفْعِ الكتابِ الذى ثبَتَ به الحقُّ، لم يَلْزَمْه دَفْعُه إليه؛ لأنَّه مِلْكُه، فلا يَجِبُ عليه دَفْعُه إلى غيرِه. وكذلك كلُّ مَن له كتابٌ بدَيْنٍ، فاسْتَوْفاه، أو عَقارٌ فباعَه، لا يَلْزَمُه دَفْعُ الكتابِ؛ لأنَّه مِلْكُه؛ ولأنَّه يجوزُ أن يَخْرُجَ ما قبضَه مُسْتحَقًّا، فيعودَ إلى مالِه. فصل: ويُقْبَلُ الكتابُ مِن قاضى مِصرٍ إلى قاضى مِصرٍ، وإلى قاضى قريةٍ، ومِن قاضى قريةٍ إلى قاضى قريةٍ، وقاضى مِصرٍ. ومن القاضى إلى خَليفتِه، ومِن خَليفتِه إليه؛ لأنَّه

стр. 7425

كتابٌ مِن قاضٍ إلى قاضٍ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَوَيا. ويجوزُ أنْ يَكْتُبَ إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى مَن وَصلَه كتابِى مِن قُضاةِ المُسلمين وحُكَّامِهم، مِن غيرِ تَعْيِينٍ، ويَلْزَمُ مَن وَصَله قَبُولُه. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ. واسْتَحْسنَه أبو يوسفَ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ أنْ يَكْتُبَ إلى غيرِ مُعَيَّنٍ. ولَنا، أنَّه كتابُ حاكمٍ مِن ولايَتِه، وَصَلَ إلى حاكمٍ، فلَزِمَه قَبولُه، كما لو كان الكتابُ إليه بعَيْنِه. فصل: وصِفَةُ الكتابِ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. سببُ [هذه المُكاتَبَةِ] (٢٤)، أطالَ اللهُ بقاءَ مَن يَصِلُ إليه مِن قُضاةِ المُسلمين وحُكَّامِهم، أنَّه ثَبتَ عندِى فى مَجْلسِ حُكْمِى وقَضائِى، الذى أتولَّاه بمكانِ كذا. وإن كان نائبًا، قال: الذى أنوبُ فيه عن القاضى فلانٍ، بمَحْضَرٍ مِن خَصْمَيْن؛ مُدَّعٍ، ومُدَّعًى عليه، جازَ اسْتِماعُ الدَّعوَى منهما، وقَبولُ البَيِّنَةِ من أحدِهما على الآخَرِ، بشَهادةِ فُلانٍ وفلانٍ، وهما مِن الشُّهودِ المُعدَّلِينَ عندِى، عَرَفْتُهما، وقَبِلْتُ شَهادتَهما، بما رأيتُ معه قَبولَها مَعْرِفَةَ فُلانِ بنِ فلانٍ الفُلانىِّ، بعَيْنِه واسْمِه ونسبِه. فإن كان فى إثباتِ أسْرِ أسيرٍ قال: وإنَّ الفِرِنْجَ، خَذَلَهم اللهُ، أسَرُوه [من مكان] (٢٥) كذا، فى وقتِ كذا، وأخَذوه إلى مكان كذا، وهو مُقِيمٌ تحتَ حَوْطَتِهم، أبادَهم اللهُ، وأنَّه رجلٌ فقيرٌ مِن فُقراءِ المسلمين، ليس له شىءٌ مِن الدُّنيا، ولا يَقْدِرُ على فِكاكِ نَفْسِه، ولا على شىءٍ منه، وأنَّه مُسْتَحِقٌّ للصَّدقةِ، على ما يَقْتضيه كتابُ المَحْضَرِ المُشارُ إليه، المتَّصِلُ أولُه بآخرِ كِتابِى هذا، المُؤرَّخُ بكذا. وإن كانَ فى إثْباتِ دَينٍ كتبَ: وأنه اسْتحقَّ فى ذِمَّةِ فُلانِ بن فُلانٍ الفلانىِّ -وَيَرْفَعُ فى نسبِه، ويَصِفُه بما يتميَّزُ به - مِن الدَّين كذا وكذا، دَيْنًا عليه حالًّا، وحقًّا واجبًا لازِمًا، وأنَّه يَسْتِحقُّ مُطالبتَه واسْتيفاءَه منه. وإن كان فى إثْباتِ عَيْنٍ، كتبَ: وأنَّه مالكٌ لما فى يَدىْ فُلانٍ من الشَّىءِ الفُلانىِّ -ويَصفُه صفةً يتميَّزُ بها- مُسْتَحِقٌّ لأخْذِه وتسْليمِه (٢٦)، على ما يَقتضيه كتابُ المَحْضَرِ المتَّصِلُ بآخرِ كتابِى هذا، المُؤرَّخُ بتاريخِ كذا، وقالَ الشَّاهدان المذكوران:

стр. 7426

إنَّهما بما شَهِدَا به عالِمان، وله مُحقِّقان، وإنَّهما لا يَعْلمان خلافَ ما شَهِدَا به إلى حينَ أقاما الشَّهادةَ عندِى، فأمْضَيْتُ ما ثبَتَ عندِى مِن ذلك، وحكَمْتُ بمُوجِبِه بسُؤالِ مَن جازَتْ مسألتُه، وسألَنى مَن جازَ سؤالُه، وسوَّغَتِ الشَّريعةُ المطهَّرةُ إجابتَه المكاتبةَ بذلك إلى القُضاةِ والحُكَّامِ، فأجَبْتُه (٢٧) إلى مُلْتمَسِه؛ لجَوازِه له شرعًا، وتقدَّمْتُ بهذا الكتابِ فكُتِبَ، وبإلْصاقِ المَحْضَرِ المُشارِ إليه فأُلْصِقَ، فمَن وَقفَ عليه (٢٨) منهم، وتأمَّلَ ما ذكَرْتُه، وتصَفَّحَ ما سَطَّرْتُه، واعْتَمَدَ فى إنْفاذِه والعملِ بمُوجَبِ ما يُوجِبُه الشَّرعُ المُطَهَّرُ، أحرزَ مِن الأجْرِ أجْزَلَه. وكَتبَ من مَجْلسِ الحُكمِ المَحْروسِ، مِن مكانِ كذا، فى وقتِ كذا. ولا يُشْتَرطُ أن يَذْكُرَ القاضى اسمَه فى العُنوانِ، ولا ذِكْرُ اسم المَكتوبِ إليه فى باطنِه. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا لم يَذْكُرِ اسمَه، فلا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ الكتابَ ليس إليه، ولا يَكْفِى ذكرُ اسْمِه فى العُنوانِ دونَ باطنِه؛ لأنَّ ذلك لم يَقَعْ على وَجْهِ المُخاطَبةِ. ولَنا، أنَّ المُعَوَّلَ فيه على شَهادةِ الشَّاهِدَيْنِ على القاضى الكاتبِ بالحُكْمِ، وذلك لا يَقْدَحُ فيها (٢٩)، ولو ضاعَ الكتابُ أو امْتَحَى، سُمعَتْ شَهادتُهما، وحُكِمَ بها. ١٨٧٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ يَقُولَانِ: قَرَأهُ عَلَيْنَا، أوْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا، فَقَالَ: اشْهَدَا عَلَى أنَّهُ كتابِى إلَى فُلَانٍ) وجملتُه أنَّه يُشْتَرطُ لقَبولِ كتابِ القاضِى شُروطٌ ثَلاثَةٌ؛ أحدُها، أنْ يَشهدَ به شاهدانِ عَدْلانِ، ولا يَكْفِى معرِفةُ المكتوبِ إليه خَطَّ الكاتبِ، وخَتْمَه، ولا يَجوزُ له قَبولُه بذلك، فى قولِ أئمَّةِ الفَتْوَى. وحُكِىَ عن الحسنِ، وسَوَّارٍ، والعَنْبَرِىِّ، أنهم قالوا: إذا كان يَعْرِفُ خَطَّه وخَتْمَه، قبِلَه. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والإصْطَخْرِىِّ. ويَتخرَّجُ لنا مِثْلُه بِناءً على قولِه فى الوَصِيَّةِ إذا وُجِدَتْ بخَطِّه؛ لأنَّ ذلك تَحْصُلُ به غَلَبةُ الظَّنِّ، فأشْبَهَ شَهادةَ

стр. 7427

الشَّاهِدَيْنِ. ولَنا، أنَّ ما أمْكَنَ إثباتُه بالشَّهادةِ، لم يَجُزِ الاقْتصارُ فيه على الظَّاهرِ، كإثْباتِ العُقودِ؛ ولأنَّ الخَطَّ يُشْبِهُ الخَطَّ، والخَتْمَ يُمْكِنُ التَّزْويرُ عليه، ويُمْكِنُ الرُّجوعُ إلى الشَّهادةِ، فلم يُعوَّلْ على الخَطِّ، كالشَّاهدِ لا يُعَوِّلُ فى الشَّهادةِ على الخَطِّ، وفى هذا انْفِصالٌ عمَّا ذَكرُوه. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ القاضىَ إذا كتبَ الكتابَ، دَعَا رجليْنِ يَخْرُجان إلى البَلَدِ الذى فيه القاضى المكتوبُ إليه، فيَقْرَأُ عليهما (١) الكتابَ، أو يَقرؤُه غيرُه عليهما، والأحْوَطُ أنْ يَنْظُرَا معه فيما يَقرؤُه، فإن لم يَنظُرا، جازَ؛ لأنَّه لا يَسْتَقْرِئُ إلَّا ثِقَةً، فإذا قُرِئَ عليهما قالَ: اشْهَدَا (٢) علىَّ أنَّ هذا كِتابى إلى فُلانٍ. وإنْ قال: اشْهَدا علىَّ بما فيه. كان أوْلَى، وإنِ اقْتصرَ على قولِه: هذا كِتابى إلى فُلانٍ. فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه يُحمِّلُهما الشَّهادةَ، فاعْتُبِرَ فيه أنْ يَقولَ: اشْهَدَا علىَّ. كالشَّهادةِ على الشَّهادةِ. وقال القاضى: يُجْزِئُ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ. ثم إنْ كان ما فى الكتابِ قليلًا، اعْتمدَا (٣) على حِفْظِه، وإنْ كَثُرَ فلم يَقْدِرا على حِفظِه، كتَبَ كلُّ واحدٍ منهما مَضْمُونَه، وقابَلَ بها لتكونَ معه، يذكرُ بها ما يَشْهَدُ به، ويَقْبِضَان (٤) الكِتابَ قبلَ أن يَغِيبا؛ لئلَّا يَدْفَعَ إليهما غيرَه، فإذا وصلَ الكتابُ معهما إليه، قرأه الحاكمُ أو غيرُه عليهما، فإذا سَمِعاه قالا: نَشْهدُ أنَّ هذا كتابُ فلانٍ القاضى إليك، أشهدَنا على نَفْسِه بما فيه. لأنَّه قد يكونُ كتابُه غيرَ الذى أشْهدَهما عليه. قال أبو الخَطَّابِ: ولا يُقْبَلُ إلَّا أنْ يَقولا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كتابُ فلانٍ. لأنَّها أداءُ شَهادةٍ، فلا بُدَّ فيها مِن لفظِ الشَّهادةِ. ويجبُ أن يَقُولا: مِن عَمَلِه. لأنَّ الكتابَ لا يُقْبَلُ إلَّا إذا وَصلَ مِن مَجْلسِ عَمَلِه. وسواءٌ وصَلَ الكتابُ مَخْتُومًا أو غيرَ مَخْتومٍ، مَقبولًا أو غيرَ مَقْبُولٍ؛ لأنَّ الاعْتِمادَ على شَهادتِهما، لا على الخطِّ والخَتْمِ. فإن امْتَحَى الكتابُ، وكانا يحْفَظانِ ما فيه، جازَ لهما أنْ يشْهَدا بذلك، وإن لم يحفَظا ما فيه، لم تُمْكِنْهما الشهادةُ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: لا يُقْبَلُ الكتابُ حتى يشْهدَ شاهدان على خَتْمِ القاضى. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كتبَ كِتابًا إلى قَيْصَرَ، ولم يَخْتِمْه، فقِيلَ له: إنَّه لا يَقْرأُ كتابًا غيرَ

стр. 7428

مَخْتُومٍ. فاتَّخذَ الخاتَمَ (٥). واقْتصارُه على الكِتابِ دونَ الخَتْمِ، دليلٌ على أنَّ الخَتْمَ ليس بشَرْطٍ فى القَبولِ، وإنَّما فعلَه النَّبِىُّ ﷺ ليقْرَأُوا كتابَه، ولأنَّهما شَهِدَا بما فى الكتابِ وعَرَفا ما فيه، فوجَبَ قَبولُه، كما لو وَصلَ مَخْتُومًا وشَهِدَا بالخَتْمِ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه إنما يُعْتبَرُ ضَبْطُهما لمعنَى الكتابِ، وما يتعلَّقُ به الحُكْمُ. قال الأثْرَمُ: سمِعتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأَلُ عن قومٍ شهِدُوا على صحيفةٍ، وبعضُهم يَنْظُرُ فيها، وبعضُهم لا ينْظُرُ؟ قال: إذا حفِظَ فَلْيَشْهَدْ. قِيلَ: كيف يَحْفَظُ، وهو كلامٌ كثيرٌ! قالَ: يَحْفَظُ ما كانَ عليه الكلامُ والوَضْعُ. قُلْتُ: يَحْفَظُ المعنَى؟ قال: نعم. قيل له: والحدودَ والثَّمنَ وأشْباهَ ذلك؟ قال: نعم. ولو أدرجَ الكتابَ وختَمَه، وقال (٦): هذا كِتابى، اشْهَدَا (٧) علىَّ بما فيه. أو قال (٨): أشْهَدْتُكما على نفسِى بما فيه. لم يصِحَّ هذا التَّحمُّلُ. وبه قالَ أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال أبو يوسفَ: إذا خَتَمَه بخَتْمِه وعُنْوانِه، جازَ أن يتحَمَّلا (٩) الشَّهادةَ عليه مُدْرَجًا، فإذا وصلَ الكتابُ شَهِدَا عندَه أنَّه كتابُ فُلانٍ. ويَتَخَرَّجُ لنا مثلُ هذا؛ لأنَّهما شَهِدَا بما فى الكتابِ، فجازَ، وإنْ لم يعْرِفا (١٠) تفصِيلَه، كما لو شَهِدَا (١١) بما فى هذا الكِيسِ من الدَّراهمِ، جازت شهادَتُهما (١٢)، وإن لم يَعْرِفا قَدْرَها. ولَنا، أَنَّهما شَهِدَا بمَجْهولٍ لا يَعْلَمانِه، فلم تَصِحَّ شهادتُهما، كما لو شَهِدَا أنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ مالًا. وفارَقَ ما ذكرَه، فإنَّ تعْيِينَه الدَّراهِمَ التى فى الكِيس أغْنَى عن مَعْرفةِ قَدْرِها، وهاهُنا الشهادةُ على ما فى الكتابِ دُونَ الكتابِ، وهما لا يَعْرِفانِه. الشَّرْطُ الثانى، أن يَكْتُبَه القاضى مِن مَوْضعِ وِلايَتِه وعَمَلِه (١٣)، فإن كتَبَه مِن غيرِ وِلايَتِه، لم يَسُغْ قَبولُه؛ لأنَّه لا يسُوغُ له فى غيرِ وِلايَتِه حُكمٌ، فهو فيه

стр. 7429

كالعامِّىِّ. الشرطُ الثالثُ، أنْ يصِلَ الكِتابُ إلى المكتوبِ إليه فى مَوْضِعِ وِلَايَتِه، فإن وصَلَه فى غيرِه، لم يكُنْ له قَبولُه حتى يصِيرَ إلى مَوْضِعِ وِلايَتِه. ولو تَرافَعَ إليه خَصْمانِ فى غيرِ موضعِ وِلَايَتِه، لم يكُنْ له الحكمُ بينَهما بحُكمِ وِلَايَتِه، إلَّا أن يَتراضَيا به، فيكونَ حكمُه حكمَ غيرِ القاضى إذا تَراضَيا به، وسواءٌ كان الخَصْمانِ مِن أهلِ عمَلِه أو لم يَكُونا. ولو ترافعَ إليه خَصْمانِ، وهو فى مَوْضِعِ وِلَايَتِه، مِن غيرِ أهلِ ولايَتِه، كان له الحكمُ بينَهما؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بمَوْضعِهما، إلَّا أنْ يأْذَنَ الإمامُ لقاضٍ أنْ يحكُمَ بين أهلِ ولايَتِه حيثُ كانوا، ويمْنعَه مِن الحكمِ بينَ غيرِ أهلِ وِلَايَتِه حيثُما كان، فيكونَ الأمرُ على ما أذِنَ فيه ومَنعَ منه؛ لأنَّ الوِلايةَ بتَوْلِيَتِه، فيكونُ الحُكْمُ على وَفْقِها. فصل: فى تَغْييرِ حالِ القاضى: ولا يَخْلُو مِن أنْ يَتغيَّرَ حالُ الكاتبِ أو المكتوبِ إليه، أو حالُهما معًا، فإن تغيَّرتْ حالُ الكاتبِ، بمَوتٍ أو عزلٍ، بعدَ أَن كَتبَ الكِتابَ، وأشْهدَ على نفسِه، لم يقْدَحْ فى كتابِه، وكان على مَن وصَلَه الكتابُ قَبولُه، والعملُ به، سَواءٌ تغيَّرتْ حالُه قبلَ خُروجِ الكِتابِ مِن يَدِه، أو بعدَه. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُعْمَلُ به فى الحاليْن. وقال أبو يوسفَ: إنْ ماتَ قبلَ خُروجِه مِن يَدِه، لم يُعْمَلْ به، وإن ماتَ بعدَ خُروجِه مِن يَدِه، عُمِلَ به؛ لأنَّ كِتابَ الحاكمِ بمَنْزلةِ الشَّهادةِ [على الشَّهادةِ] (١٤)؛ لأنَّه يَنْقُلُ شهادةَ شاهِدَىِ الأصْلِ، فإذا ماتَ قبلَ وُصولِ الكِتابِ، صارَ بمَنْزلةِ مَوْتِ شاهِدَىِ الفَرْعِ قبلَ أداءِ شَهادَتِهما. ولَنا، أنَّ المُعَوَّلَ فى الكتابِ على الشاهِدَيْن اللَّذين يَشْهدان على الحاكمِ وهما حَيَّانِ، فيجِبُ أن يُقْبَلَ كتابُه، كما لو لم يَمُتْ، ولأنَّ كتابَه إنْ كان فيما حَكَمَ به، فحُكْمُه لا يبْطُلُ بمَوْتِه وعَزْلِه، وإنْ كانَ فيما ثَبتَ (١٥) عندَه بشَهادةٍ، فهو أصْلٌ، واللَّذان شَهِدَا عليه فرْعٌ، ولا تَبْطُلُ شَهادةُ الفرعِ بمَوتِ شاهدِ الأصلِ، وما ذكرُوه حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ الحاكمَ قد أشْهدَ على نفسِه، وإنما يَشْهدُ عندَ المكتوبِ إليه شاهِدَان عليه، وهما حَيَّان، وهما شاهِدَا الفَرْعِ، وليس موتُه مانِعًا مِن شَهادتِهما، فلا يَمْنَعُ قَبولَها، كمَوْتِ شاهِدَىِ الأصْلِ. وإن تغيَّرتْ حالُه

стр. 7430

بفِسْقٍ قبْلَ الحُكمِ بكتابتِه، لم يَجُزِ الحُكمُ به؛ لأنَّ حُكْمَه بعد فِسْقِه لا يصِحُّ، فكذلك لا يجوزُ الحكمُ بكتابِه، ولأنَّ بقاءَ عدالةِ شاهِدَىِ الأصلِ شَرْطٌ فى صِحَّةِ الحُكمِ بشاهِدَىِ الفَرْعِ، فكذلك بَقاءُ عدالةِ الحاكمِ؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ شاهِدَىِ الأصلِ. وإن فسَقَ بعدَ الحُكمِ بكتابِه لم يتَغيَّرْ، كما لو حكمَ بشىءٍ ثم بانَ فِسْقُه، فإنَّه لا يُنْقَضُ ما مَضَى من أحْكامِه، كهذا هاهُنا. وأمَّا إن تغيَّرتْ حالُ المكتوبِ إليه بأىِّ حالٍ كان؛ مِن موتٍ، أو عَزْلٍ، أو فِسْقٍ، فلِمَن وصلَ إليه الكتابُ ممَّن قامَ مَقامَه، قَبولُ الكِتابِ، والعملُ به. وبه قال الحسنُ. حُكىَ عنه أنَّ قاضِىَ الكوفةِ كتبَ إلى إياسِ بنِ مُعاويةَ قاضى البصرةِ (١٦) كتابًا، فوصلَ وقد عُزِلَ، ووَلِىَ الحسنُ، فعَمِلَ به (١٧). وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْمَلُ به؛ لأنَّ كتابَ القاضى بمَنْزلةِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ عندَ المَكتوبِ إليه، وإذا شهِدَ شاهِدان عندَ قاضٍ، لم يَحْكُمْ بشَهادتِهما غيرُه. ولَنا، أنَّ المُعَوَّلَ على شَهادةِ الشَّاهِدَيْن، بحُكْمِ الأوَّلِ، أو ثُبوتِ الشَّهادةِ عندَه، وقد شَهِدَا عندَ الثانى، فوجَبَ أن يقْبَلَ كالأوَّلِ. وقولُهم: إنَّه شَهادةٌ عندَ الذى ماتَ. ليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ الحاكمَ الكاتبَ ليس بفَرْعٍ، ولو كانَ فرْعًا لم يُقْبَلْ وَحْدَه، وإنَّما الفَرْعُ الشاهدان اللَّذان شَهِدَا عليه، وقد أدَّيا الشَّهادةَ عندَ المُتَجدِّدِ (١٨)، ولو ضاعَ الكِتابُ، فشَهِدَا بذلك عندَ الحاكمِ المكتوبِ إليه، قَبِلَ، فدلَّ ذلك على أنَّ الاعْتِبارَ بشَهادتِهما دون الكتابِ، وقياسُ ما ذكَرْناه، أَنَّ الشاهِدَيْن لو حَمَلا الكتابَ إلى غيرِ المكتوبِ إليه فى حالِ حياتِه، وشَهِدَا عندَه، عَمِل به؛ لِمَا بَيَّنَّاه. وإنْ كانَ المكتوبُ إليه خليفةً للكاتبِ، فماتَ الكاتبُ، أو عُزلَ، انْعزلَ المكتوبُ إليه؛ لأنَّه نائبٌ عنه، فيَنْعَزِلُ (١٩) بعَزْلِه ومَوْتِه، كوُكَلائِه (٢٠). وقال بعضُ أصحابِ الشَّافعىِّ: لا يَنْعَزِلُ خليفتُه، كما لا يَنْعَزِلُ القاضى الأصْلِىُّ بمَوْتِ الإِمامِ، ولا عزْلِه. ولَنا، ما ذكرْناه، ويُفارِقُ الإمامَ؛ لأنَّ الإمامَ يَعْقِدُ القَضاءَ والإمارةَ للمسلمين،

стр. 7431

فلا (٢١) يَبطُلُ ما عقدَه لغيرِه، كما لو ماتَ الوَلِىُّ فى النِّكاحِ، لم يَبْطُلِ النِّكاحُ، ولهذا ليسَ للإمامِ أنْ يَعزِلَ القاضىَ مِن غيرِ تَغَيُّرِ حالِه، ولا يَنْعَزِلُ إذا عَزَلَه، بخلافِ نائبِ الحاكمِ، فإنَّه تَنْعَقِدُ وِلايتُه لنفسِه نائبًا عنه، فمَلَكَ عَزْلَه، ولأنَّ القاضىَ لو انعْزَلَ بمَوْتِ الإِمامِ، لَدَخَلَ الضَّررُ على المسلمين؛ لأنَّه يُفْضِى إلى عَزْلِ القُضاةِ فى جميعِ بلادِ المسلمين، وتَتَعطَّلُ الأحْكامُ، وإذا ثبتَ أنَّه (٢٢) يَنعزلُ، فليسَ له قَبولُ الكتابِ؛ لأنَّه حينئذٍ ليس بقاضٍ. ١٨٧٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا تُقْبَلُ التَّرْجَمَةُ عَنْ أعْجَمِىٍّ حَاكَمَ (١) إلَيْهِ، إذَا لَمْ يَعْرِفْ لِسَانَهُ، إلَّا مِنْ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ لِسَانَهُ) وجملتُه أنَّه إذا تَحاكمَ إلى القاضى العَربىِّ أعْجَمِيَّان، لا يَعْرِفُ لسانَهما، أو أعْجَمِىٌّ وَعَربىٌّ، فلابُدَّ مِن مُتَرْجِمٍ عنهما. ولا تُقبلُ التَّرجمةُ إلَّا مِن اثْنينِ عَدْلَينِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخرَى، أنَّها تُقْبلُ مِن واحدٍ. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ عبدِ العزيزِ، وابنِ المُنْذِرِ، وقولُ أبى حنيفةَ. وقال ابنُ المُنْذِرِ، فى حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرَه أنْ يتعلَّمَ كتابَ يَهود. قال: فكنتُ أكتُبُ له إذا كتبَ إليهم، وأقْرأْ له إذا كَتَبُوا (٢). ولأنَّه ممَّا لا يَفْتَقِرُ إلى لفظِ الشَّهادةِ، فأجْزأَ فيه الواحدُ، كأخْبارِ الدِّياناتِ. ولَنا، أنَّه نَقْلُ ما خَفِىَ على الحاكمِ إليه، فيما يتعلَّقُ بالمُتَخاصِمَيْنِ، فوَجَبَ فيه العَدَدُ، كالشَّهادةِ، ويُفارِقُ أخْبارَ الدِّياناتِ؛ فإنَّها (٣) لا تتَعلَّقُ بالمُتخاصِمَينِ، ولا نُسلِّمُ أنَّه لا يُعْتَبرُ فيه لفظُ الشهادةِ، ولأنَّ ما لا يَفهمُه الحاكمُ وجُودُه عِنْدَه كغَيْبتِه (٤)، فإذا تُرْجِمَ له، كان كنَقْلِ الإقْرارِ إليه مِن غيرِ مَجْلِسه، ولا يُقْبَلُ ذلك إلَّا مِن شاهِدَيْنِ، كذا هاهُنا. فعلى

стр. 7432

هذه الرِّوايةِ، تكونُ التَّرجمةُ شَهادةً فتفْتَقِرُ (٥) إلى العَدَدِ والعَدالةِ، ويُعْتَبَرُ فيها مِن (٦) الشُّروطِ ما يُعْتَبَرُ فى الشَّهادةِ على الإقْرارِ بذلك الحقِّ، فإن كانَ ممَّا يتعلَّقُ بالحُدودِ والقصاصِ، اعتُبِرَ فيه الحُرِّيَّةُ، ولم يَكْفِ إلَّا شاهِدَانِ ذَكَرانِ. وإن كانَ مالًا (٧) كفَى فيه تَرْجَمةُ رجلٍ وامرأتيْنِ، ولم تُعْتَبرِ الحُرِّيَّةُ فيه. وإن كانَ فى حدِّ زِنًى، خُرِّجَ فى التَّرْجَمةِ فيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يَكْفِى فيه أقلُّ مِن أربعةِ رجالٍ أحْرارٍ عُدُولٍ. والثانى، يَكْفِى فيه اثنان؛ بِناءً على الرِّوايَتيْنِ فى الشَّهادةِ على الإقْرارِ به (٦)، ويُعْتَبَرُ فيه لفظُ الشَّهادةِ؛ لأنَّه شَهادةٌ. وإن قُلْنا: يَكْفِى فيه واحدٌ. فلابُدَّ مِن عَدالَتِه، ولا تُقْبَلُ مِن كافرٍ ولا فاسقٍ. وتُقْبَلُ مِن العبدِ؛ لأنَّه مِن أهلِ الشَّهادةِ والرِّوايةِ. وقال أبو حنيفةَ: لا تُقْبَلُ مِن العبدِ؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ الشَّهادةِ. ولَنا، أنَّه خَبَرٌ يَكْفِى فيه قولُ الواحدِ، فيُقْبَلُ فيه خبرُ العبدِ، كأخْبارِ الدِّياناتِ، ولا نُسلِّم أنَّ هذه شهادةٌ، ولا أنَّ العبدَ ليس مِن أهلِ الشهادةِ، ولا يُعْتَبَرُ فيه لفظُ الشَّهادةِ، كالرِّوايةِ. وعلى هذا الأصْلِ ينْبَغِى أنْ تُقْبَلَ تَرجمةُ المرأةِ إذا كانت مِن أهلِ العَدالةِ؛ لأنَّ روايتَها مَقْبولةٌ. فصل: والحُكْمُ فى التَّعريفِ، والرِّسالةِ، والجرحِ والتَّعديلِ، كالحُكْمِ فى التَّرجمةِ، وفيها مِن الخلافِ ما فيها. ذكرَه الشَّريفُ أبو جعفر، وأبو الخطَّابِ. وقد ذكَرْنا الجَرْحَ والتعديلَ فيما مضَى (٨). ١٨٧٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا عُزِلَ، فَقَالَ: كُنتُ حَكَمْتُ فِى وِلايَتى لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ. قُبِلَ قَوْلُهُ، وَأُمْضِىَ ذَلِك الْحَقُّ) وبهذا قالَ إسحاقُ. قال أبو الخَطَّابِ: ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُقْبَلَ قولُه. وقولُ القاضى فى فُروعِ هذه المسألةِ يَقْتَضِى أنْ لا يُقبلَ قولُه هاهُنا، وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ مَن لا يَمْلِكُ

стр. 7433

الحُكْمَ، لا يَمْلِكُ الإقْرارَ به، كمَن أقرَّ بعِتْقِ عبدٍ بعدَ بَيْعِه. ثم اخْتلَفوا، فقال الأوْزاعىُّ، [وابنُ المُنذرِ] (٩)، وابنُ أبى ليلَى: هو بِمنزِلةِ الشَّاهدِ، إذا كانَ معه شاهدٌ آخَرُ، قُبِلَ. وقال أصْحابُ الرَّأىِ: لا يُقْبَلُ إلَّا شاهِدَان سِواهُ، يَشْهَدان بذلك. وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ؛ لأنَّ شَهادتَه على فِعْلِ نفسِه لا تُقْبَلُ. ولَنا، أنَّه لو كتبَ إلى غيرِه، ثم عُزِلَ، ووصَلَ الكتابُ بعدَ عَزْلِه، لَزِمَ المكْتوبَ إليه قبولُ كتابِه بعدَ عَزْلِ كاتبِه، فكذلك هاهُنا. ولأنَّه أخْبَرَ بما حكَمَ به، وهو غيرُ مُتَّهمٍ، فيجِبُ قَبولُه، كَحالِ وِلَايتِه. فصل: فأمَّا إن قال فى وِلايتِه: كنتُ حكمتُ لفلانٍ بكذا. قُبِلَ قولُه، سواءٌ قال: قَضَيْتُ عليه بشاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ. أو قال: سمعتُ بَيِّنتَه وعَرَفْتُ عَدالتَهم. أو قال: قَضَيْتُ عليه بنُكولِه. أو قال: أقرَّ عندِى فُلانٌ لفلانٍ بحَقٍّ، فحَكَمْتُ به. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ، وأبو يوسفَ. وحُكِىَ عن محمدِ بنِ الحسنِ: أنَّه لا يُقْبَلُ حتى يَشْهدَ معه رجلٌ عَدْلٌ (١٠)؛ لأنَّه [إخْبارٌ] (١١) بحقٍّ علَى غيرِه، فلم يُقْبَلْ، لأنَّه (١٢) قولُ واحدٍ، كالشَّهادةِ. ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ (١٣) الحُكمَ، فملَكَ الإقْرارَ به، كالزَّوجِ إذا أخْبَرَ بالطَّلاقِ، والسَّيِّدِ إذا أخْبَرَ بالعِتْقِ، ولأنَّه لو أخْبَرَ أنَّه رأى كذا وكذا، فحَكمَ به، قُبِلَ، كذا هاهُنا، وفارَقَ الشَّهادةَ، فإنَّ الشاهِدَ لا يَمْلِكُ إثْباتَ ما أخْبرَ به. فأما إنْ قال: حَكَمْتُ بعِلْمِى، أو بالنُّكولِ، أو بشاهدٍ ويمينٍ (١٤) فِى الأمْوالِ. فإنَّه يُقْبَلُ أيضًا. وقال الشَّافعىُّ: لا يُقبلُ قولُه فى القَضاءِ بالنُّكولِ. ويَنْبَنِى قولُه: حكمتُ عليه (١٢) بعلمى. على القَوْليْنِ فى جَوازِ القضاءِ بعلْمِه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ الحُكمَ بذلك، فلا يَمْلِكُ الإقْرارَ به. ولَنا، أنَّه أخْبرَ بحُكمِه فيما لو حَكَمَ به لنَفَذَ حُكْمُه، فوجبَ قَبُولُه، كالصُّوَرِ التى تقدَّمتْ، ولأنَّه (١٥) حاكِمٌ، أخْبَرَ بحُكْمِه فى وِلَايتِه، فوَجبَ قَبُولُه، كالذى سَلَّمَه، ولأنَّ

стр. 7434

الحاكمَ إذا حكَمَ فى مسألةٍ، يَسُوغُ فيها الاجْتهادُ، لم يَسُغْ نَقْضُ حُكْمِه، ولزِمَ غيرَه إمْضاؤُه، والعملُ به، فصارَ بمَنْزِلَةِ الحُكْمِ بالبيِّنةِ العادِلةِ، ولا نُسلِّمُ ما ذكرَه. وإن قال: حَكَمْتُ لَفُلانٍ على فلانٍ بكذا. ولم يُضِفْ حُكمَه إلى بَيِّنةٍ ولا غيرِها، وجبَ قَبولُه. وهو ظاهِرُ مسألةِ الْخِرَقِىِّ؛ فإنَّه لم يذْكُرْ ما ثَبَتَ به الحكمُ، وذلك لأنَّ الحاكمَ متى ما حَكمَ بحُكْمٍ يَسُوغُ فيه الاجْتهادُ، وجبَ قَبولُه، وصارَ بمنْزِلَةِ ما أُجمِعَ عليه. فصل: وإذا أخْبَرَ القاضى بحُكْمِه فى غيرِ مَوْضعِ وِلايتِه، فظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ قولَه مَقْبولٌ، وخَبَرَه نافذٌ؛ لأنَّه إذا قُبلَ قولُه بحُكمِه بعدَ العَزْلِ وزَوالِ وِلايتِه بالكلِّيَّةِ، فَلأنْ يُقبَلَ مع بَقائِها فى غيرِ مَوضعِ ولايتِه أوْلَى. وقال القاضى: لا يُقْبَلُ قولُه. وقال: لو اجْتمعَ قاضِيَان فى غيرِ ولايتِهما، كقاضى دِمَشْقَ وقاضى مِصْرَ، اجْتمَعا فى بيتِ المَقْدِسِ؛ فأخبرَ أحدُهما الآخرَ بحُكْمٍ حَكمَ به، أو شَهادةٍ ثَبَتَتْ عندَه، لم يَقبَلْ أحدُهما قولَ صاحبِه، ويكونانِ كشاهِدَيْنِ أخبرَ أحدُهما الآخَرَ (١٦) بما عندَه، وليس له أن يَحْكمَ به إذا رجَعَ إلى عمَلِه؛ لأنَّه خَبَرُ مَن ليس بقاضٍ فى مَوْضِعِه. وإن كانا جميعًا فى عَمَلِ أحدِهما، كأنَّهما اجْتمَعا جميعًا فى دِمَشْقَ، فإنَّ قاضىَ دِمَشْقَ لا يَعْمَلُ بما أخْبَرَه به قاضى مِصْرَ؛ لأنَّه يُخبرُه به (١٧) فى غيرِ عملِه. وهل يَعْمَلُ قاضى مِصْرَ (١٨) بما أخْبَرَه به قاضى دِمَشْقَ إذا رجع إلى مِصرَ؟ فيه وَجْهان؛ بِناءً على القاضى، هل له أن يَقْضِىَ بعِلْمِه؟ على رِوَايتَيْنِ؛ لأنَّ قاضىَ دِمَشْقَ أخْبَرَه به فى عملِه. ومذهبُ الشَّافعىِّ فى هذا كَقَوْلِ القاضى هاهُنا. فصل: إذا ولَّى الإمامُ قاضيًا، ثم مات، لم يَنْعَزلْ؛ لأنَّ الخلفاءَ، رضىَ اللهُ عنهم، ولَّوا حُكَّامًا فى زَمَنِهم، فلم يَنْعَزِلوا بمَوْتِهم، ولأنَّ فى عَزْلِه بمَوْتِ الإمامِ ضَرَرًا على المُسلمين، فإنَّ البُلْدانَ تتعَطَّلُ مِن الحُكَّامِ، وتَقِفُ أحْكامُ الناسِ إلى أن يُوَلِّىَ الإِمامُ الثانى حاكمًا، وفيه ضَررٌ عظيمٌ. وكذلك لا يَنْعَزلُ القاضى إذا عُزِلَ الإمامُ؛ لما ذكَرْنا.

стр. 7435

فأمَّا إن عَزَلَه الإِمامُ الذى ولَّاه أو غيرُه، ففيه وَجْهان، أحدُهما: لا يَنْعَزِلُ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه عَقَدَه لمصْلحةِ المُسلمين، فلم يَمْلِكْ عَزْلَه مع سَدادِ حالِه، كما لو عَقَد النِّكاحَ على مُوَلِّيَتِه، لم يكُنْ له فَسْخُه. والثانى، له عَزْلُه؛ لِما رُويَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لأعْزِلَنَّ أبا مَرْيَمَ (١٩)، وأُوَلِّيَنَّ رجلًا إذا رآه الفاجرُ فَرِقَه (٢٠). فعَزلَه عن قضاءِ البَصْرةِ، وولَّى كَعْبَ بنَ سُورٍ مكانَه (٢١). ووَلَّى علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أبا الأسْوَدِ، ثم عَزَلَه، فقال: لمَ عزلْتَنى، وما خُنتُ، ولا جَنَيْتُ؟ فقال: إنِّى رأيتُكَ يَعْلُو كلامُك على الخَصْمَيْن (٢٢). ولأنَّه يَمْلِكُ عَزْلَ أُمَرائِه ووُلاتِه على البُلْدان، فكذلك قُضاتِه. وقد كانَ عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، يُوَلِّى ويَعْزِلُ، فعَزلَ شُرَحْبِيلَ بنَ حَسَنَةَ عن ولايَتِه فى الشَّامِ، وولَّى مُعاويةَ، فقال له شُرَحْبِيلٌ: أمِن جُبنٍ عَزَلْتَنِى، أو خِيانةٍ؟ قال: مِن كلٍّ لا، ولكن أردْتُ رجلًا أقْوَى مِن رجلٍ. وعزلَ خالدَ بنَ الوليدِ، وولَّى أبا عُبيدَةَ. وقد كان يُوَلِّى بعضَ الولاةِ الحُكْمَ مع الإمارةِ، فولَّى أبا موسى البصرةَ قضاءَها وإمْرتَها. ثم كان يعزِلُهم هو (٢٣)، ومَن لم يَعْزِلْه، عزلَه عثمانُ بعدَه إلَّا القليلَ منهم. فعَزْلُ القاضى أولَى، ويُفارِقُ عَزْلَه بمَوْتِ مَن ولَّاه أو عَزَلَه؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، وهاهُنا لا ضَرَرَ فيه؛ لأنَّه لا يَعْزِلُ قاضيًا حتى يُوَلِّىَ آخَرَ مكانَه، ولهذا لا يَنْعَزِلُ الوالى بمَوْتِ الإِمامِ، ويَنْعَزلُ بعَزْلِه. وقد ذكرَ أبو الخطَّابِ فى عَزْلِه بالموتِ أيضًا وَجْهَيْن، والأوْلَى، إن شاءَ اللهُ تعالى، ما ذكَرْناه. فأمَّا إن تغيَّرتْ حالُ القاضى؛ بفِسْقٍ، أو زَوالِ عقلٍ، أو مرضٍ يَمنعُه مِن القضاءِ، أو اخْتلَّ فيه بعضُ شُروطِه، فإنَّه يَنْعَزِلُ بذلك، ويتَعيَّنُ على الإمامِ عَزْلُه، وَجْهًا واحدًا. فصل: وللإِمامِ تَوْلِيَةُ القضاءِ فى بلدِه وغيرِه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَلَّى عمرَ بنَ الخَطَّابِ القضاءَ (٢٤)، وولَّى عليًّا (٢٥) ومُعاذًا (٢٦). وقال عثمانُ بنُ عَفَّانَ لابنِ عمرَ: إنَّ أباك قد كان

стр. 7436

يَقْضِى وهو خَيْرٌ منك. قال: إنَّ أبى قد كان يَقْضِى، وإنْ أشْكَلَ عليه شىءٌ، سألَ عنه رسولَ اللهِ ﷺ . وذكرَ الحديثَ (٢٧). روَاه عُمرُ بنُ شَبَّةَ، فى كتابِ "قُضاةِ البصرةِ". وروَى سعيدٌ، فى "سُنَنِه" عن عمرِو بنِ العاصِ. قال: جاءَ خَصْمانِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال لى: "يَا عَمْرُو، اقْضِ بَيْنَهُمَا". قلتُ: أنت أوْلَى بذلك مِنّى يا رسولَ اللَّه. قال: "إنْ أَصبْتَ الْقَضَاءَ بَيْنَهُمَا، فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإنْ أَخطَأْتَ، فَلَكَ حَسَنَةٌ" (٢٨). وعن عقبةَ بنِ عامرٍ مثلُه (٢٩). ولأنَّ الإِمامَ يَشْتَغِلُ بأشياءَ كثيرةٍ مِن مَصالحِ المسلمين، فلا يتَفرَّغُ للقضاءِ بينهم. فإذا وَلَّى قاضيًا، اسْتُحِبَّ أن يَجعلَ له أن يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّه قد يَحْتاجُ إلى ذلك، فإذا أذِنَ له فى الاسْتِخلافِ، جاز له بلا خلافٍ نَعْلَمُه، وإن نَهاهُ عنه، لم يكُنْ له أن يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّ وِلايتَه بإذْنِه، فلم يكُنْ له ما نَهاه عنه، كالوَكيلِ، وإن أطلقَ، فله الاسْتِخْلافُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ له ذلك؛ لأنَّه يتصَرَّفُ بالإذْنِ، فلم يكُنْ له ما لم يأْذَنْ فيه (٣٠)، كالوَكيلِ. ولأصْحابِ الشَّافعىِّ فى هذا وَجْهان. ووَجهُ الأوَّل، أن الغَرَضَ من القضاءِ ال فَصْلُ بين المُتخاصمَيْنِ، فإذا فعلَه بنفسِه أو بغيرِه، جاز، كما لو أذِنَ له، ويُفارقُ التَّوْكيلَ؛ لأنَّ الإمامَ يُوَلِّى القضاءَ للمُسلمين، لا لنفسِه، بخلافِ الوكيلِ (٣١)، فإنِ اسْتَخْلفَ فى مَوْضعٍ ليس له الاسْتِخْلافُ، فحُكْمُه حكمُ مَن لم يُوَلَّ. فصل: ويجوزُ أن يُوَلِّى قاضيًا عُمومَ النَّظرِ فى خُصوصِ العملِ، فيُقلِّدَه النَّظرَ فى جميعِ الأحكامِ فى بلدٍ بعَيْنِه، فيَنْفُذُ حكمُه فى مَن سكنَه، ومَن أتَى إليه مِن غيرِ سُكَّانِه. ويجوزُ أن يقلِّدَه خُصوصَ النَّظرِ فى عُمومِ العَملِ، فيقولَ: قد (٣٢) جعلتُ إليكَ الحُكمَ فى المُدايَناتِ خاصَّةً، فى جميعِ وِلايَتِى. ويجوزُ أن يجعلَ حكمَه فى قدْرٍ من المالِ، نحو أن يقولَ:

стр. 7437

احْكُمْ فى المائَةِ فما دونَها. فلا يَنْفُذُ حكمُه فى أكثرَ منها. ويجوزُ أن يُوَلِّيَه عُمومَ النَّظرِ فى عُمومِ العملِ، وخُصوصَ النَّظرِ فى خُصوصِ العملِ. ويجوزُ أن يُوَلِّىَ قاضيَيْنِ وثلاثةً فى بلدٍ واحدٍ، يَجعلُ لكلِّ واحدٍ عملًا، فيُوَلِّىَ أحدَهم عُقودَ الأنْكِحةِ، والآخرَ الحُكمَ فى المُدايَناتِ، وآخرَ النَّظرَ فى العَقاراتِ (٣٣). ويَجوزُ أن يُوَلِّىَ كلَّ واحدٍ منهم عُمومَ النَّظرِ فى ناحيةٍ من نَواحى البلدِ، فإن قَلَّدَ قاضِيَيْنِ أو أكثرَ عملًا واحدًا، فى مكانٍ واحدٍ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يجوزُ. اختارَه أبو الخطَّابِ، وهو أحدُ الوجهيْنِ لأصحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه يُؤدِّى إلى إيقافِ الحُكمِ والخُصوماتِ، لأنَّهما يَخْتلِفانِ فى الاجْتهادِ، ويرَى أحدُهما ما لا يرَى الآخَرُ. والآخرُ، يجوزُ ذلك. وهو قولُ أصحابِ أبى حنيفةَ. وهو أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّه يجوزُ أن يَسْتَخْلِفَ فى البلدةِ التى هو فيها، فيكونُ فيها قاضِيَان، فجاز أن يكونَ فيها قاضيان أصْلِيَّان، ولأنَّ الغَرَضَ فَصْلُ الخُصوماتِ، وإيصالُ الحقِّ إلى مُسْتحِقِّه، وهذا يَحْصُلُ، فأشْبَهَ القاضىَ وخُلَفاءَه (٣٤). ولأنَّه يجوزُ للقاضى أن يَسْتخْلِفَ خَلِيفَتَيْن فى موضعٍ واحدٍ، فالإمامُ أوْلَى، لأنَّ تَوْلِيَتَه أقْوَى. وقولُهم: يُفضى إلى إيقافِ الأحْكامِ (٣٥). غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ كلَّ حاكمٍ يَحْكمُ باجْتهادِه بينَ المُتخاصِمَيْن إليه، وليس للآخَرِ الاعْتراضُ عليه، ولا نَقضُ حُكمِه فيما خالَفَ اجْتهادَه. فصل: وإذا قال الإِمامُ: مَن نَظَرَ فى الحُكمِ مِن فُلانٍ وفُلانٍ، فقد وَلَّيْتُه. لم تَنْعَقِدِ الوِلايةُ لمَن نَظَرَ؛ لأنَّه علَّقَها على شَرْطٍ، ولم يعيِّنْ بالوِلايةِ أحدًا منهم. ويَحْتَمِلُ أن تَنْعَقِدَ الوِلايةُ لمن نَظَرَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أميرُكُمْ زيدٌ، فَإنْ قُتِلَ فَأميرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإن قُتِلَ فَأمِيرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ" (٣٦). فعلَّقَ وِلايةَ الإمارةِ على شَرْطٍ، فكذلك ولايةُ الحُكمِ. وإن قال: وَلَّيْتُ فُلانًا وفلانًا، فأيُّهما نَظَرَ فهو خَلِيفتِى. انْعَقَدَتِ الولايةُ لمَن نَظَرَ منهم؛ لأنَّه عَقَدَ الولايةَ لهما جميعًا.

стр. 7438

فصل: ولا يجوزُ أن يُقَلِّدَ القضاءَ لواحدٍ على أن يَحكمَ بمذهبٍ بعَيْنِه. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. ولم (٣٧) أعلمْ فيه خلافًا، لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٣٨). والحقُّ لا يَتَعَيَّنُ فى مذهبٍ، وقد يَظْهَرُ له الحقُّ فى غيرِ ذلك المذهبِ. فإن قَلَّدَه على هذا الشَّرْطِ، بطَلَ الشرطُ، وفى فسادِ التَّوْلِيَةِ وَجْهان، بِناءً على الشُّروطِ الفاسدةِ فى البيعِ. فصل: وإن فَوَّضَ الإمامُ إلى إنسانٍ تَوْلِيةَ القضاءِ جاز؛ لأنَّه يجوزُ أن يَتَوَلَّى ذلك، فجاز له التَّوكيلُ فيه، كالبيعِ. وإن فوَّضَ إليه اخْتيارَ قاضٍ، جاز، ولا يجوزُ له اختيارُ نفسِه، ولا والدِه، ولا وَلَدِه، كما لو وكَّلَه فى الصَّدقةِ بمالٍ، لم يجُزْ له أخْذُه، ولا دَفْعُه إلى هذين. ويَحْتَمِلُ أن (٣٩) يجوزَ له اخْتيارُهما، إذا كانا صالِحَيْنِ للوِلايِة؛ لأنَّهما يَدْخُلانِ فى عُمومِ مَن أذِنَ له فى الاخْتيارِ منه، مع أهْلِيَّتِهما، فأشْبَها الأجانِبَ. فصل: وليس للحاكمِ أن يَحْكمَ لنفسِه، كما لا يجوزُ أن يَشْهدَ لنفسِه، فإن عَرَضَتْ له حُكومةٌ مع بعض الناسِ، جاز أن يُحاكِمَه إلى بعض خُلَفائه، أو بعضِ رَعِيَّتِه؛ فإنَّ عمرَ حاكمَ أُبيًّا إلى زيدٍ (٤٠)، وحاكمَ رجلًا عِراقيًّا إلى شُرَيْحٍ (٤١)، وحاكمَ علىٌّ اليَهودىَّ إلى شُريحٍ (٤٠)، وحاكمَ عثمانُ طَلْحةَ إلى جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ (٤١)، وإن عَرَضَتْ حُكومةٌ لوالديْه، أو وَلَدِه، أو مَن لا تُقْبَلُ شهادتُه له (٤٢)، ففيه وَجْهان، أحدهما، لا يجوزُ له الحُكْمُ فيها بنَفْسِه، وإنْ حَكَمَ (٤٣)، لم يَنْفُذْ حُكْمُه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه لا تُقبَلُ شَهادتُه له، فلم يَنْفُذْ حكمُه له كنَفْسِه. والثانى، يَنْفُذُ حكمُه. اخْتارَه أبو بكرٍ، وهو قول أبى يوسفَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه حُكمٌ لغيرِه، أشْبَهَ الأجانبَ. وعلى القولِ

стр. 7439

الأوَّلِ، متى عَرَضَتْ لهؤلاء حُكومةٌ، حَكَمَ بينَهم الإِمامُ، أو حاكمٌ آخَرُ، أو بعضُ خُلَفائِه، فإن كانتِ الخُصومةُ بين والديْه، أو وَلَدَيْه، أو والدِه وولَدِه، لم يجُز له الحكمُ بينهما، على أحدِ الوَجْهَينِ، لأنَّه لا تُقْبَلُ شهادتُه لأحدِهما على الآخَرِ، فلم يَجُز الحكمُ بينهما، كما لو كان خَصْمُه أجْنَبيًّا. وفى الآخرِ، يجوزُ. وهو قولُ بعض أصحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّهما (٤٤) سواءٌ عندَه، فارْتفعَتْ تُهْمَةُ المَيْلِ، فأشْبَهَا الأجْنَبِيَّيْنِ. فصل: وإذا تحاكَمَ رجلان إلى رجلٍ حكَّماه بينهما ورَضِيَاه، وكان ممَّن يَصْلُحُ للقضاءِ، فحَكَمَ بينهما، جاز ذلك، ونفَذَ حُكْمُه عليهما. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وللشَّافعىِّ قَوْلان؛ أحدهما، لا يَلْزَمُهما حُكمُه إلَّا بتَراضِيهِما؛ لأنَّ حُكْمَه إنَّما يَلْزَمُ بالرِّضا به، ولا يكونُ الرِّضَى إلَّا بعدَ المَعْرفةِ بحُكْمِه. ولَنا، ما روَى أبو شُرَيْحٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال له: "إنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، فلِمَ تُكَنَّى أَبَا الحَكَمِ؟ " قال: إنَّ قَوْمِى إذا اخْتَلفوا فى شىءٍ أتُوْنى، فحكَمْتُ بينهم، فرَضِىَ (٤٥) علىَّ الفَريقان. قال: "مَا أَحسَنَ هَذَا، فَمَنْ أكبَرُ وَلَدِكَ؟ " قال: شُرَيْحٌ. قال: "فَأنْتَ أبُو شُرَيْحٍ". أخْرَجَه النَّسائىُّ (٤٦). ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه (٤٧) قال: "مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضَيَا بِهِ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ مَلْعُونٌ" (٤٨). ولولا أنَّ حُكمَه يَلْزَمُهما، لَما لَحِقَه هذا الذَّمُّ (٤٩)، ولأن عُمرَ وأُبيًّا تحاكَما إلى زيدٍ، وحاكمَ عمرُ أعْرَابِيًّا إلى شُريْحٍ قبلَ أنْ يُوَلِّيَه، وتحاكمَ عُثمانُ وطلحةُ إلى جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، ولم يكونوا قُضاةً. فإن قيل: فعمرُ وعثمانُ كانا إمامَيْنِ، فإذا رَدَّا الحُكمَ إلى رجلٍ صارَ قاضِيًا. قُلْنا: لم يُنْقَلْ عنهما إلَّا الرِّضَى بتَحْكيمِه خاصَّةً، وبهذا لا يَصِيرُ قاضِيًا، وما ذكَروه يَبْطُلُ بما إذا رَضِىَ بتَصَرُّفِ وَكيله، فإنَّه يَلْزَمُه قبلَ المَعرفةِ به.

стр. 7440

إذا ثبَتَ هذا، فإنَّه لا يجوزُ نَقْضُ حُكمِه فيما لا يُنْقَضُ به حُكمُ مَن له وِلايةٌ. وبهذا قالَ الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: للحاكمِ نَقْضُه إذا خالفَ رأيَه؛ لأنَّ هذا عَقْدٌ فى حقِّ الحاكمِ، فملَكَ فسْخَه، كالعَقدِ الموْقوفِ فى حَقِّه. ولَنا، أنَّ هذا حُكْمٌ صحيحٌ لازِمٌ، فلم يَجُزْ فَسْخُه لمُخالَفتِه (٥٠) رأيَه، كحُكمِ مَن له وِلايةٌ، وما ذكَرُوه غيرُ صحيحٍ، فإنَّ حُكْمَه لازِمٌ للخَصْمينِ، فكيف يكونُ مَوْقوفًا؟ ولو كان كذلك، لمَلَكَ فَسْخَه وإنْ لم يُخالِفْ رأيَه، ولا نسلِّمُ الوقوفَ فى الْعقودِ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ لكلِّ واحدٍ من الخَصْمين الرُّجوعَ عن تَحْكيمِه قبلَ شُروعِه فى الحُكمِ؛ لأنَّه لا يثْبُتُ إلَّا برِضَاه، فأشْبَهَ ما لو رجعَ عنِ التَّوكيلِ قبلَ التَّصرُّفِ. وإن رجعَ بعدَ شُروعِه، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، له ذلك؛ لأنَّ الحُكمَ لم يَتِمَّ، أشْبَهَ قبلَ الشُّروعِ. والثانى، ليس له ذلك؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما إذا رأَى من الحُكمِ ما لا يوافقُه، رَجعَ، فيَبْطُلُ (٥١) المقصودُ به. فصل: قال القاضى: وينْفُذُ حكمُ مَن حكَّماه فى جميعِ الأحكامِ إلَّا أربعةَ أشياءَ؛ النِّكاح، واللِّعانَ، والقَذْفَ، والقِصاصَ؛ لأنَّ لهذه الأحْكامِ مَزِيَّةً على غيرِها، فاخْتَصَّ الإِمامُ بالنَّظرِ فيها، ونائبُه يَقومُ مَقامَه. وقال أبو الخَطَّاب: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يَنفُذُ حكمُه فيها. ولأصحابِ الشَّافعىِّ وَجْهان، كهذَيْن. وإذا كتبَ هذا القاضى بما حَكمَ به كِتابًا إلى قاضٍ من قُضاةِ المسلمين، لزِمَه قَبولُه، وتَنْفِيذُ كتابِه؛ لأنَّه حاكمٌ نافِذُ الأحْكامِ، فلَزِمَ قَبولُ كتابِه، كحاكمِ الإِمامِ. ١٨٧٨ - مسألة؛ قال: (وَيَحْكُمُ عَلَى الغائِبِ، إِذَا صَحَّ الحَقُّ عَلَيْه) وجملتُه أنَّ مَن ادَّعَى حقًّا على غائبٍ فى بلدٍ آخرَ، وطلبَ من الحاكمِ سماعَ البَيِّنةِ، والحُكمَ بها عليه، فعلى الحاكمِ إجابتُه، إذا كَمَلَتِ الشَّرائطُ. وبهذا قال شُبْرُمَةُ، ومالِكٌ، والأوْزاعىُّ، واللَّيْثُ، وسَوَّارٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وكان

стр. 7441

شُرَيْحٌ لا يرَى القضاءَ على الغائبِ. وعن أحمدَ مِثْلُه. وبه قال ابنُ أبي ليلَى، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. ورُويَ ذلك عن القاسمِ، والشَّعْبِيِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: إذا كان له خَصْمٌ حاضِرٌ، مِن وَكيلٍ (١) أو شَفِيعٍ، جاز الحُكمُ عليه. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال لعليٍّ: "إذَا تَقَاضَى إلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلأوَّلِ حتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَإنَّكَ تَدْرِى بِمَا تَقْضِي". قال التِّرْمِذِىُّ (٢): هذا حديثٌ حسنٌ (٣). ولأنه قَضاءٌ لأحدِ الخَصْمين وحْدَه، فلم يجُزْ، كما لو كان الآخَرُ فى البلدِ، ولأنَّه يجوزُ أن يكونَ للغائبِ ما يُبْطِلُ البَيِّنةَ، ويَقْدَحُ فيها، فلم يجُزِ الحُكمُ عليه. ولَنا، أنَ هِنْدًا قالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعطِينِى ما يَكْفِينِى ووَلَدِى؟ قال: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ". مُتَّفقٌ عليه (٤)، فقَضَى عليه (٥) لها، ولم يكُنْ حاضِرًا، ولأنَّ هذا له بَيِّنةٌ مَسْمُوعةٌ عادِلةٌ، فجاز الحُكْمُ بها. كما لو كان الخَصْمُ حاضِرًا، وقد وَافَقَنا أبو حنيفةَ فى سَماعِ البَيِّنةِ، ولأنَّ ما تأخَّرَ عن سُؤالِ المدَّعِى إذا كان حاضرًا، يُقدَّمُ عليه إذا كانَ غائبًا، كسَماعِ البَيِّنَةِ. وأمَّا حديثُهم، فنقولُ به إذا تَقاضَى إليه رجلان، لم يجُزِ الحُكمُ قبلَ سماعِ كلامِهما، وهذا يَقْتضِي أن يكونا حاضِرَيْن، ويُفارِقُ الحاضِرُ الغائبَ، فإنَّ البَيِّنَةَ لا تُسْمَعُ على حاضرٍ إلَّا بحَضْرتِه، والغائبُ بخلافِه. وقد ناقَضَ أبو حنيفةَ أصلَه، فقال: إذا جاءتِ امرأةٌ فادَّعَتْ أن لها زوجًا غائبًا، وله مالٌ فى يدِ رجلٍ، وتحْتاجُ إلى النَّفقةِ، فاعْتَرفَ لها بذلك، فإنَّ الحاكمَ يقْضِى عليه بالنَّفَقةِ، ولو ادَّعَى رجلٌ على حاضرٍ، أنَّه اشْترَى مِن غائبٍ ما فيه شُفعةٌ، وأقامَ بَيِّنَةً بذلك، حَكَمَ له بالبَيْعِ والأخْذِ بالشُّفْعةِ، ولو مات المُدَّعَى عليه، فحضرَ بعضُ وَرَثتِه، أو حضرَ وكيلُ الغائبِ، وأقامَ المُدَّعِى بَيِّنَةً بذلك، حَكَمَ له بما ادَّعاه. إذا ثبَتَ هذا، فإنَّه إنْ قَدِمَ الغائبُ

стр. 7442

قبلَ الحُكمِ، وقفَ الحُكمُ على حُضورِه، فإن جَرَّحَ (٦) الشُّهودَ، لم يَحْكُم عليه، وإن اسْتَنْظَرَ الحاكمَ، أجَّلَه ثلاثًا، فإن جَرَّحَهم، وإلَّا حَكمَ عليه. وإن ادَّعَى القضاءَ أو الإبْراءَ، فكانتْ له بَيِّنَةٌ به (٧) بَرِئ، وإلَّا حلَفَ المُدَّعِى، وحَكَمَ له، وإن قَدِمَ بعدَ الحُكمِ، فجرَّحَ الشُّهودَ بأمرٍ كان قبلَ الشَّهادةِ، بطَلَ الحكمُ، وإن جرَّحَهم بأمرٍ بعدَ أداءِ الشَّهادةِ أو مُطلقًا، لم يبْطُلِ الحُكمُ، ولم يقْبَلْه الحاكمُ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ بعدَ الحُكْمِ، فلا يَقْدَحُ فيه. وإن طلبَ التَّأْجيلَ، أُجِّلَ ثلاثًا، فإن جرَّحَهم، وإلَّا نَفَذَ الحكمُ. وإن ادَّعَى القضاءَ، أو الإبراءَ، فكانت له به بَيِّنَةٌ، وإلَّا حَلَفَ الآخَرُ، ونفَذَ الحُكمُ. فصل: ولا يُقْضَى على الغائبِ إلَّا في حُقوقِ الآدَمِيِّينَ، فأمَّا في الحُدودِ التى للهِ تعالى، فلا يُقْضَى بها عليه؛ لأنَّ مَبْناها على المُسَاهَلَةِ والإسْقاطِ، فإن قامَتْ بَيِّنَةٌ على غائبٍ بسَرِقةِ مالٍ، حُكِمَ بالمالِ دُونَ القَطْعِ. فصل: وإذا قامتِ البَيِّنةُ على غائبٍ، أو غيرِ مُكلَّفٍ، كالصَّبىِّ والمجنونِ، لم يُسْتَحْلَفِ المُدَّعِى مع بَيِّنتِه، في أشْهَرِ الرِّوايتَيْنِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، والْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (٨). ولأنَّها بَيِّنةٌ عادِلةٌ، فلم تجبِ اليَمِينُ معها، كما لو كانتْ على حاضرٍ. والرِّوايةُ الثانية، يُسْتَحْلَفُ معها. وهو قولُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ اسْتَوْفَى ما قامَتْ به البَيِّنةُ، أو مَلَّكَه العَيْنَ التى قامتْ بها البَيِّنةُ، ولو كان حاضرًا فادَّعَى ذلك، لَوجبَتِ اليمينُ، فإذا تعذَّرَ ذلك منه لغَيْبَتِه، أو عَدَمِ تكْليفِه، يجبُ أن يقومَ الحاكمُ مَقامَه فيما يُمْكِنُ دَعْواه، ولأنَّ الحاكمَ مأمورٌ بالاحْتياطِ في حقِّ الصَّبِىِّ والمجنونِ والغائبِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم لا يُعبِّرُ عن نفسِه، وهذا من الاحْتياطِ. فصل: ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ (٩)، أنَّه إذا قُضِىَ على الغائبِ بعَيْنٍ، سُلِّمتْ إلى

стр. 7443

المُدَّعِى، وإن قُضِىَ عليه بدَيْنٍ، ووُجدَ له مالٌ، وُفِّىَ منه؛ فإنَّه قال، في روايةِ حَرْبٍ، في رجلٍ أقامَ بَيِّنَةً أنَّ له سَهْمًا من ضَيْعةٍ في أيْدى قومٍ، فتَوارَوا عنه: يُقْسَم عليهم، شَهِدُوا أو غابوا، ويُدْفَعُ إلى هذا حقُّه. ولأنَّه (١٠) ثَبَتَ (١١) حَقُّه بالبَيِّنَةِ، فيُسَلَّمُ إليه، كما لو كان خَصْمُه حاضِرًا. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُدْفَعَ إليه شىءٌ حتى يُقيمَ كَفيلًا أنَّه متى حضرَ خَصْمُه، وأبطَلَ دَعْواه، فعليه ضَمانُ ما أخذَه، لئلَّا يأْخذَ المُدَّعِى ما حُكمَ له به، ثم يَأْتِىَ خَصْمُه، فيُبْطِلَ حُجَّتَه، أو يُقِيمَ بَيِّنَةً بالقضاءِ والإبْراءِ، أو تُمْلَكَ العَيْنُ (١٢) التى قامتْ بها البَيِّنَةُ بعدَ ذَهابِ المُدَّعِى وغَيبتِه أو مَوْتِه، فيَضِيعَ مالُ المدَّعَى عليه. وظاهرُ كلامِ أحمدَ الأوَّلُ؛ فإنَّه قال في رجلٍ عندَه دَابَّةٌ مَسْرُوقة، فقال: هى عندى وَديعةٌ: إذا أُقِيمَتِ البَيِّنَةُ أنَّها له، تُدْفَعُ إلى الذى أقامَ البَيِّنَةَ، حتى يَجِىءَ صاحبُ الوَدِيعَةِ (١٣) فيُثبِتَ. فصل: فأمَّا الحاضِرُ في البلدِ، أو قريبٍ منه، إذا لم يُمْنَعْ مِن الحُضورِ، فلا يُقْضَى عليه قبلَ حُضورِه. في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقالَ أصحابُ الشافعيِّ، في وجهٍ لهم: إنَّه يُقْضَى عليه في غَيْبَتِه؛ لأنَّه غائبٌ، أشْبَهَ الغائبَ عن البلدِ. ولَنا، أنَّه أمْكَنَ سُؤالُه، فلم يَجُزِ الحُكمُ عليه قبلَ سُؤالِه، كحاضرِ مجلسِ الحاكمِ، ويُفارِقُ الغائبَ البعيدَ؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ سُؤالُه، فإن امْتنعَ من الحضورِ، أو تَوارَى، فظاهرُ كلامِ أحمدَ، جوازُ القضاءِ عليه؛ لما ذكَرْنا عنه في روايةِ حَرْبٍ. ورَوَى عنه أبو طالبٍ، في رجلٍ وجدَ غُلامَه عندَ رجلٍ، فأقامَ البَيِّنَةَ أنَّه غُلامُه، فقال الذى عنده الغلامُ: أوْدَعَنِى هذا رجلٌ. فقال أحمدُ: أهلُ المدينةِ يَقْضُون [على الغائبِ، يقولون: إنَّه لهذا الذى أقامَ البَيِّنَةَ. وهو مذهبٌ حَسنٌ، وأهلُ البصرةِ يَقْضُون] (١٤) على غائبٍ، يُسمُّونَه الإعْذارَ. وهو إذا ادَّعَى على رجلٍ ألفًا، وأقامَ البَيِّنَةَ، فاخْتفَى المدَّعَى عليه، يُرْسَلُ إلى بابِه، فيُنادِى الرسولُ ثلاثًا، فإن جاءَ، وإلَّا قد أعْذَروا إليه. فهذا يُقوِّى قولَ أهلِ المدينةِ، وهو معنًى حسنٌ. وقد ذكرَ

стр. 7444

الشَّريفُ أبو جَعْفرٍ، وأبو الخَطَّابِ، أنَّه يُقْضَى على الغائبِ المُمْتنِعِ. وهو مذهبُ (١٥) الشَّافعىِّ؛ لأنَّه تعذرَ حُضورُه وسُؤالُه، فجاز القضاءُ عليه، كالغائبِ البعيدِ، بل هذا أوْلَى؛ لأنَّ البَعِيدَ مَعْذورٌ، وهذا لا عُذْرَ له. وقد ذكرْنا فيما تقدَّم شيئًا مِن هذا. ١٨٧٩ - مسألة (١)؛ قال: (وَإذَا أتَاهُ شَرِيكَانِ فِى رَبْعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَسَألَاهُ أنْ يَقْسِمَهُ (٢) بَيْنَهُمَا، قَسَمَهُ (٣)، وَأثْبَتَ فِى الْقَضِيَّةِ بذَلِك، أنَّ قَسْمَهُ إيَّاهُ بَيْنَهُمَا كَانَ عَنْ إقْرَارِهِمَا، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمَا بِمِلْكِهِمَا) الأصلُ في القِسمةِ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ (٤) وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ (٥) الآية. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ" (٦). وقَسَّمَ النبيُّ ﷺ خَيْبَرَ على ثمانيةَ عَشرَ سَهمًا (٧)، وكان يَقْسِمُ الغنائمَ (٨). وأجْمَعتِ الأمَّةُ على جَوازِ القِسْمةِ، ولأنَّ بالنَّاسِ حاجةً إلى القِسْمةِ؛ ليَتمَكَّنَ كلُّ واحدٍ من الشُّركاءِ من (٩) التَّصرُّفِ على إيثارِه، ويَتخلَّصَ من سوءِ المُشاركةِ وكثرةِ الأيْدِى. إذا ثبتَ هذا، [فإنَّ الشريكيْنِ في أىِّ شىءٍ] (١٠) كان، رَبعًا أو غيرَه -والرَّبْعُ: هو العَقارُ مِن الدُّورِ

стр. 7445

ونحوِها- إذا طلَبا مِن الحاكمِ أنْ يَقسِمَه (١١) بينهما، أجابَهما إليه، وإنْ لم يثبُتْ عندَه (١٢) مِلْكُهما. وبهذا قال أبو يوسفَ ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان عَقارًا نَسَبُوه إلى ميراثٍ، لم يَقْسِمْه حتى يثْبُتَ الموتُ والوَرَثةُ؛ لأنَّ الميراثَ باقٍ على حُكْمِ مِلْكِ الميِّتِ، فلا يَقْسِمُه (١١) احْتياطًا للميِّتِ، [وأمَّا ما عدا العَقارَ يقْسِمُه] (١٣)، وإن كانَ ميراثًا، لأنَّه يَبُورُ ويهْلِكُ، وقِسْمَتُه تحْفَظُه، وكذلك العَقارُ الذى لا يُنْسَبُ إلى الميراثِ. وظاهرُ قولِ الشَّافعىِّ، أنَّه لا يُقْسَمُ، عَقارًا كان أو غيرَه، ما لم يثْبُتْ ملْكُهما؛ لأنَّ قَسْمَه بقولِهم لو رُفعَ بعدَ ذلك إلى حاكمٍ آخَرَ يَسْتسْهلُه (١٤) أن يجعلَه حُكْمًا لهم، ولعلَّه يكونُ لغيرِهم. ولَنا، أنَّ اليدَ تدُلُّ على المِلْكِ، ولا مُنازِعَ لهمْ، فيَثْبُتُ لهم من طريقِ الظَّاهرِ، ولهذا يجوزُ لهم التَّصرُّفُ، ويجوزُ شراؤُه منهم، واتِّهابُه (١٥)، واسْتئجارُه. وما ذكرَه الشافعيُّ ينْدَفِعُ إذا أثْبَتَ (١٦) في القَضِيَّةِ أنِّى قَسَمْتُه بينهم بإقْرارِهم، لا عن بَيِّنَةٍ شَهِدتْ لهم بمِلْكِهم، وكلُّ ذى حُجَّةٍ على حُجَّتِه. وما ذكرَه أبو حنيفةَ لا يصِحُّ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مِلْكُهم، ولاحَقَّ للمَيِّتِ فيه، إلَّا أن يظْهَرَ عليه دَيْنٌ، وما ظَهَرَ، والأصلُ عَدَمُه، ولهذا اكْتفَيْنا به في غيرِ العَقارِ، وفيما لم يَنْسِبُوه إلى الميراثِ. فصل: وتجوزُ قِسْمَةُ المَكيلاتِ والمَوْزوناتِ، من المَطْعوماتِ وغيرِها؛ لأنَّ جَوازَ قِسْمةِ الأرضِ مع اخْتلافِها، يَدُلُّ على جَوازِ قِسْمَةِ ما لا يَختلفُ بطريقِ التَّنْبيهِ (١٧). وسواءٌ في ذلك الحُبوبُ، والثِّمارُ، والنَّوْرَةُ، والأُشْنانُ، والحديدُ، والرَّصاصُ، ونحوُها (١٨) من الجَامداتِ، والعصيرُ، والخَلُّ، واللَّبَنُ، والعسلُ، والسَّمْنُ، والدِّبْسُ، والزَّيتُ،

стр. 7446

والرُّبُّ ونحوُها (١٩) من المائعاتِ، وسَواءٌ قُلْنا: إنَّ القِسْمةَ بيعٌ أو [إفْرازُ حَقٍّ] (٢٠)؛ لأنَّ بَيْعَه جائزٌ، وإفْرازَهُ (٢١) جائزٌ. فإن كان فيها أنْواعٌ، كحِنطةٍ وشَعيرٍ، وتمرٍ وزَبيبٍ، فطلبَ أحدُهما قَسْمَها كلَّ نوعٍ على حِدَتِه، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ، وإن طلَبَ قَسْمَها (٢٢) أعْيانًا بالقِيمةِ، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ؛ لأنَّ هذا بَيْعُ نَوعٍ بنَوعٍ آخَرَ، وليس بقِسْمَةٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كغيرِ الشَّريكِ. فإنْ تَراضَيا عليه، جاز. وكان بَيْعًا يُعْتَبرُ فيه التقابُضُ قبلَ التَّفرُّقِ، فيما يُعْتَبرُ التَّقابُضُ فيه، وسائرُ شُروطِ البَيْعِ. فصل: فإن كان بينهما ثيابٌ، أو حيوانٌ، أو أوَانٍ، أو خَشَبٌ، أو عُمْدٌ، أو أحْجارٌ، فاتَّفقا على قِسْمَتِها، جاز؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسمَ الغنائمَ يومَ بَدْرٍ، [ويومَ حُنَينٍ] (٢٣)، ويومَ خَيْبَرَ، وهى تَشتملُ على أجْناسٍ مِن المالِ، وسَواءٌ اتَّفقا على قِسْمَةِ كلِّ جنسٍ بينهما، أو على قِسْمَتِها أعْيانًا بالقِيمَةِ. وإن طلبَ أحدُهما قِسْمَةَ كلِّ نَوعٍ على حِدَتِه، وطلبَ الآخرُ قِسْمَتَه أعْيانًا بالقِيمَةِ، قُدِّمَ قولُ مَن طلبَ قِسْمَةَ كلِّ نَوْعٍ على حِدَتِه، إذا أمْكَنَ. وإن طَلَبَ أحدُهما القِسْمَةَ، وأبَى الآخَرُ، وكان ممَّا لا يُمْكِنُ قِسْمَتُه إلَّا بأخْذِ عِوَضٍ عنه مِن غيرِ جنْسِه، أو قَطْعِ ثوبٍ في قَطْعِه نَقْصٌ، أو كَسْرِ إناءٍ (٢٤)، أو رَدِّ عِوَضٍ، لم يُجْبَرِ المُمْتنِعُ. [وإن أمْكَنَ قِسْمةُ كلِّ نَوعٍ على حِدَتِه، من غيرِ ضَرَرٍ، ولا رَدِّ عِوَضٍ، فقال القاضي: يُجْبرُ المُمْتنِعُ] (٢٥). وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ، [وقال أبو الخَطَّابِ] (٢٦): لا أعرفُ في هذا عن إمامِنا روايةً، ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ المُمْتنِعُ. وهو قولُ ابنِ خَيرانَ (٢٧)، مِن أصحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ هذا إنَّما يُقْسَمُ أعيانًا بالقِيمَةِ، فلم يُجْبَرِ

стр. 7447

المُمْتنِعُ عليه، كما لا يُجْبَرُ على قِسْمةِ الدُّورِ، بأن يأْخُذَ هذا دارًا وهذا دارًا وهذا دارًا، وكالجِنْسَيْنِ المُخْتلِفَيْن. ووَجْهُ الأوَّل، أنَّ الجِنْسَ الواحدَ كالدَّارِ الواحدةِ، وليس اخْتِلافُ الجِنْسِ الواحدِ في القِيمَةِ بأكْثَرَ من اخْتلافِ قِيمَةِ الدَّارِ الكبيرةِ والقَرْيَةِ العَظِيمةِ، فإنَّ أرضَ القَرْيَةِ تخْتلِفُ، سِيَّمَا (٢٨) إذا كانت ذاتَ أشْجارٍ مُخْتلِفةٍ، وأراضٍ مُتَنوِّعةٍ، والدارُ ذاتَ بُيوتٍ واسعةٍ وضيِّقةٍ، وحديثةٍ وقديمةٍ، ثم هذا الاخْتلافُ لم يَمْنَعِ الإجْبارَ على القسْمَةِ، كذلك الجِنْسُ الواحدُ، وفارَقَ الدُّورَ؛ فإنَّه أمْكَنَ قِسْمَةُ كلِّ دارٍ على حِدَتِها، وهاهُنا لا يُمْكِنُ قِسْمةُ كلِّ ثَوبٍ منها أو إناءٍ على حِدَتِه، وإن كانتِ الثِّيَابُ أنْواعًا؛ كالحريرِ، والقُطنِ، والكَتَّانِ، فهى كالْأجناسِ، وكذلك سائرُ الأموالِ. والحيوانُ كغَيْرِه من الأمْوالِ، ويُقْسَمُ النَّوعُ الواحدُ منه. وبه قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْسَمُ الرَّقيقُ قِسْمةَ إجْبارٍ؛ لأنَّه تخْتلِفُ منافعُه، ويُقْصَدُ منه العقلُ والدِّينُ والفِطْنةُ، وذلك لا يَقَعُ فيه التَّعديلُ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَزَّأ العبيدَ الذين أعْتَقَهم الأنْصارِىُّ في مَرَضِه ثلاثَةَ أجْزاءٍ (٢٩). ولأنَّه نَوْعُ حَيَوانٍ يدْخُلُه التَّقْوِيمُ، فجازَتْ قِسْمَتُه، كسائرِ الحيوانِ، وما ذكرَه (٣٠) غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ القِيمَةَ تجْمَعُ ذلك، وتُعَدُّ له كسائرِ الأشْياءِ المُخْتلِفةِ. فصل: والقِسْمةُ إفْرازُ (٣١) حَقٍّ، وتَمْيِيزُ أحَدِ النَّصيْبَيْنِ عن (٣٢) الآخَرِ، وليستْ بَيْعًا. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ. وقال في الآخَرِ: هى بَيْعٌ. وحُكِىَ عن أبي عبدِ اللهِ ابنِ بَطَّةَ؛ لأَنَّه يُبْدِلُ نَصِيبَه من أحدِ السَّهْمَيْنِ بنَصِيبِ صاحبِه من السَّهمِ الآخَرِ، وهذا حقيقةُ البَيْعِ. ولَنا، أنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى لفظِ التَّمْلِيكِ، ولا تجبُ فيها الشُّفْعَةُ، ويدْخُلُها الإجْبارُ، وتَلْزَمُ بإخْراجِ القُرْعةِ، ويَتقدَّرُ أحدُ النَّصِيبَيْنِ بقَدْرِ الآخَرِ، والبَيْعُ لا يجوزُ فيه شىءٌ (٣٣) من

стр. 7448

ذلك، ولأنَّها تَنْفَرِدُ عن البَيْعِ باسْمِها وأحْكامِها، فلم تكُنْ بَيْعًا، كسائرِ العُقودِ، وفائدةُ الخلافِ، أنَّها إذا لم تكُنْ بَيْعًا، جازتْ قِسْمَةُ الثِّمارِ خَرْصًا (٣٤)، والمَكيلِ وَزْنًا، والمَوْزونِ كَيْلًا، والتَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ فيما يُعْتَبرُ فيه القَبْضُ في البَيْعِ، ولا يَحْنَثُ إذا حلفَ لا يَبِيعُ بها، وإذا كان العَقارُ أو نِصْفُه وَقفًا، جازتِ القِسْمَةُ، وإن قُلْنا: هى بَيْعٌ. انْعَكسَتْ هذه الأحْكامُ، هذا إذا خَلَتْ من الرَّدِّ، فإن كان فيها ردُّ عوَضٍ، فهى بَيْعٌ؛ لأنَّ صاحبَ الرَّدِّ يبْذُلُ المالَ عِوَضًا عَمَّا يَحْصُلُ (٣٥) له من مالِ شَرِيكِه، وهذا هو البَيْعُ. فإن فَعَلا ذلك في وَقْفٍ، لم يَجُزْ، لأنَّ بيعَه غيرُ جائزٍ، وإنْ كان بعضُه وَقْفًا، وبعضُه طِلْقًا، والرَّدُّ من صاحبِ الطَّلْقِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَشْترِى بعضَ الوَقْفِ، وإن كان مِن أهلِ الوَقْفِ، جاز، لأنَّهم يَشْتَرون بعضَ الطَّلْقِ، وذلك جائزٌ. فصل: وتُقْبَلُ شَهادةُ القاسمِ بالقِسْمَةِ إذا كان مُتبرِّعًا، ولا تُقْبَلُ إذا كان بأُجْرَةٍ. وبهذا قال الإصْطَخْرِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ، وإن كان بأُجْرَةٍ؛ لأنَّه لا يَلْحَقُه تُهْمَةٌ، فقُبِلَ قولُه، كالمُرْضِعَةِ. وقال الشَّافعىُّ: لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه شَهِدَ على فِعْلِ نفسِه الذى يُوجِبُ تَعْدِيلَه، فلم تُقْبَلْ، كشَهادةِ القاضِي المَعْزُولِ على حُكْمِه. ولَنا، أنَّه شَهِدَ بما لا نَفْعَ له فيه، فقُبِلَ، كالأجْنَبِىِّ. وإذا كان بأُجْرَةٍ، لم يُقْبَلْ، لأنَّه مُتَّهمٌ، لكَوْنِه يُوجِبُ الأُجْرَةَ لنفسِه، [وهذا نَفْعٌ، فتكونُ شهادتُه لنَفْسِه] (٣٦). وقولُ الشافعيِّ: إنَّه يُوجِبُ تعديلَه. مَمْنُوعٌ، ولا نُسَلِّمُ لهم ما ذكَرُوه في الحُكْمِ (٣٧). ١٨٨٠ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ سَألَ أحَدُهُمَا شَرِيكَهُ مُقَاسَمَتَهُ، فَامْتَنَعَ، أجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِك، إذَا ثَبَتَ (١) عِنْدهُ مِلْكُهُمَا، وَكَانَ مِثْلُهُ يَنْقَسِمُ وَيَنْتَفِعَانِ بِه مَفْسُومًا)

стр. 7449

أمَّا إذا طلبَ أحدُهما القِسْمَةَ، فامْتنَعَ الآخَرُ، لم يَخْلُ من حاليْن؛ أحدهما، يُجبَرُ المُمْتنِعُ على القِسْمةِ، وذلك إذا اجتمعَ ثلاثةُ شُروطٍ، أحدها، أن يَثْبُتَ عند الحاكمِ مِلْكُهما ببَيِّنَةٍ، لأنَّ في الإجْبارِ على القِسْمَةِ حُكمًا على المُمْتنِعِ منهما، فلا يَثْبُتُ إلَّا بما ثَبَتَ (٢) له المِلْكُ لخَصْمِه، بخِلافِ حالةِ الرِّضَى؛ فإنَّه لا يَحْكُم على أحدِهما، إنَّما يَقْسِمُ بقَوْلِهما ورِضَاهُما. الشَّرْط الثاني، أن لا يكونَ فيها ضررٌ، فإن كانَ فيها ضررٌ، لم يُجْبَرِ المُمْتنِعُ، لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا ضَرَرَ، ولا إضْرَارَ (٣) ". روَاه ابنُ ماجه، وروَاه مالكٌ، في "مُوَطَّئِه "مُرْسَلًا (٤)، وفي لفظٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَضَى، أنْ لا ضَرَرَ ولا إضْرَارَ (٣). الشَّرْطُ الثالث، أن يُمْكِنَ تَعْدِيلُ السِّهامِ من غيرِ شىءٍ يُجْعَلُ معها، فإن لم يُمْكِنْ ذلك، لم يُجْبَرِ المُمْتنِعُ؛ لأنَّها تَصِير بَيْعًا، والبَيْعُ لا يُجْبَرُ عليه أحدُ المُتبايِعَيْنِ، ومثالُ ذلك، أرضٌ قيمتُها مِائةٌ، فيها شجرةٌ أو بئرٌ تُساوِى مِائَتيْنِ، فإذا جُعِلَت الأرضُ سَهْمًا (٥)، كانتِ الثُّلثَ، فيحْتاجُ أن يُجْعلَ معها خمسون (٦) يَرُدَّها عليه مَن لم يَخْرُجْ له البئرُ أو الشَّجرةُ، ليَكونا نِصْفَيْنِ مُتساوِيَيْن، فهذه فيها بَيْعٌ، ألا تَرَى أنَّ آخذَ الأرضِ قد باعَ نَصِيبَه من الشَّجرةِ أو البئرِ بالثَّمَنِ (٧) الذى أخذَه، والبَيْعُ لا يُجْبَرُ (٨) عليه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٩). فإذا اجْتمَعَتِ الشُّروطُ الثلاثةُ، أُجْبِرَ المُمْتنِعُ منهما على القِسْمَةِ؛ لأنَّها تتضمَّنُ إزالةَ ضَرَرِ الشَّرِكةِ عنهما، وحُصولَ النَّفْعِ لهما؛ لأنَّ نصيبَ كلِّ واحدٍ منهما إذا تميَّزَ، كان له أن يتصرَّفَ فيه بحَسَبِ اخْتيارِه، ويَتمكَّنَ مِن إحْداثِ الغِرَاسِ والبِناءِ والزَّرْعِ والسِّقَايةِ (١٠) والإجارةِ والعارِيةِ، ولا

стр. 7450

يُمْكِنُه ذلك مع الاشْتراكِ، فوجَبَ أن يُجْبَرَ الآخَرُ عليه؛ لقولِه ﵇: "لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ". إذا ثبتَ هذا، فقد اخْتُلِفَ (١١) في الضَّررِ المانعِ من القِسْمةِ، ففى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، هو ما لا يُمْكنُ معه انْتِفاعُ أحدِهما بنَصِيبِه مُفْرَدًا، فيما كان يَنْتَفعُ به مع الشَّرِكةِ، مثلَ أن تكونَ بينهما دارٌ صغيرةٌ، إذا قُسِمَتْ أصابَ كلُّ واحدٍ منهما مَوْضِعًا ضَيِّقًا لا ينْتَفِعُ به. [ولو أمْكَنَ أن يَنْتفِعَ به في شىءٍ غيرِ الدَّارِ، ولا يُمْكنُ أن يَنْتفِعَ به] (١٢) دارًا، لم يُجْبَرْ على القِسْمةِ أيضًا؛ لأنَّه ضررٌ يَجْرِى مَجْرَى الإتْلافِ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخرَى، أنَّ المانِعَ هو أن تَنْقُصَ قيمةُ نَصِيبِ أحدِهما بالقِسْمةِ عن حالِ الشَّرِكةِ، وسواءٌ (١٣) انْتفعُوا به مَقْسُومًا أو لم يَنْتَفِعُوا. وقال القاضي: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال، في روايةِ المَيْمُونىِّ: إذا قال بعضُهم يَقْسِمُ وبعضُهم لا يَقْسِمُ، فإن كان فيه نُقْصانٌ مِن ثَمَنِه، بِيعَ، وأُعْطُوا الثَّمنَ. فاعْتَبَر نُقْصانَ الثَّمنِ. وهذا ظاهرُ كلامِ الشافعيِّ؛ لأنَّ نَقْصَ قِيمَتِه ضَررٌ، والضَّررُ مَنْفِيٌّ شرعًا. وقال مالكٌ: يُجْبَرُ المُمْتنِعُ وإن اسْتضَرَّ، قياسًا على ما لا ضَرَرَ فيه. ولا يَصِحُّ؛ لقولِه ﵇: "لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ". ولأنَّ في قِسْمَتِه ضَرَرًا، فلم يُجْبَرْ عليه، كقِسْمَةِ الجَوهرةِ بكَسْرِها، ولأنَّ في قِسْمَتِه إضاعةً للمالِ، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن إضاعتِه (١٤). ولا يصِحُّ القِياسُ على ما لا ضررَ فيه؛ لما بينَهما مِن الفَرْقِ، فإن كان أحدُ الشَّريكينِ يَسْتضِرُّ بالقِسمةِ دونَ الآخرِ؛ كرجليْن بينهما دارٌ، لأحدِهما ثُلثاها، وللآخرِ ثُلثُها، فإذا قَسَماها (١٥) اسْتضَرَّ صاحبُ الثُّلثِ؛ لكَوْنِه لا يَحْصُلُ له ما يكونُ دارًا، ولا يسْتضِرُّ الآخَرُ؛ لأنَّه يَبْقَى له ما يَصِيرُ دارًا مُفْرَدةً، فطلبَ صاحبُ الثُّلثينِ القِسْمَةَ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليها. ذكرَه أبو الخطَّاب. وهو (١٦) ظاهرُ كلامِ أحمدَ، في روايةِ حَنْبَلٍ، قال: كلُّ قِسْمَةٍ فيها ضَررٌ، لا أرَى قَسْمَها (١٧). وهذا قولُ ابنِ أبى ليلى، وأبى ثَوْرٍ. وقال

стр. 7451

القاضي: يُجْبَرُ الآخَرُ عليها. وهو قولُ الشَّافعىِّ، وأهلِ العراقِ؛ لأنَّه طلَبَ إفْرازَ (١٨) نَصِيبِه الذى لا يَسْتضِرُّ بتَمْيِيزِه، فوجَبتْ إجابتُه إليه، كما لو كانا لا يَسْتضِرَّان بالقِسْمَةِ. ولَنا، قولُ النبَّىِّ ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ". ولأنَّها قِسْمَةٌ يَضُرُّ (١٩) بها صاحبَه، فلم يُجْبَرْ عليها، كما لو اسْتَضرَّا معًا، ولأنَّ فيه إضاعةَ المالِ، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن إضاعتِه، وإذا حَرُمَ عليه [إضاعةُ مالِهِ، فإضاعةُ] (٢٠) مالِ غيرِه أوْلَى. وقد روَى عمرُو بنُ جُمَيعٍ (٢١)، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا تَعْضِيَةً (٢٢) عَلَى أهْلِ الْمِيرَاثِ، إلَّا مَا حَصَلَ القَسْمُ". قال أبو عُبيدةَ: هو أنْ يُخْلِفَ شيئًا، إذا قُسِمَ كان فيه ضررٌ على بعضِهم، أو عليهم جميعًا. ولأنَّنا اتَّفقْنا على أنَّ الضَّررَ مانِعٌ مِن القِسْمَةِ، وأنَّ الضَّررَ في حَقِّ أحدِهما مانِعٌ، ولا يجوزُ أن يكونَ المانِعُ هو ضررَ الطالبِ؛ لأنَّه مَرْضِيٌّ به مِن جِهَتِه، فلا يجوزُ كونُه مانعًا، كما لو تَراضَيا عليها مع ضَررِهما أو ضررِ أحدِهما، فتعيَّنَ الضَّررُ المانِعُ في جهةِ المطْلوبِ، ولأنَّه ضررٌ غيرُ مَرْضِيٌّ به مِن جهةِ صاحبِه، فمنَعَ القِسْمَةَ، كما لو اسْتضرَّا معًا. وإن طلبَ القِسْمةَ المُسْتضِرُّ بها، كصاحب الثُّلثِ في المسألةِ المَفْروضةِ، أُجْبِرَ الآخَرُ عليها. هذا مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ؛ لأَنَّه طلبَ (٢٣) دَفْعَ ضَررِ الشركةِ عنه، بأمرٍ لا ضررَ على صاحبِه فيه، فأُجْبِرَ عليه، كما لا ضَرَرَ فيه. يُحَقِّقُه أنَّ ضررَ الطالبِ مَرْضِيٌّ به من جِهَتِه، فسقَطَ حُكمُه، والآخَرُ لا ضررَ عليه، فصارَ كما لا ضررَ فيه. وذكرَ

стр. 7452

أصحابُنا أنَّ المذهبَ أنَّه لا يُجْبَرُ المُمْتنِعُ على القِسْمَةِ (٢٤)؛ لِنَهْىِ النَّبِيِّ ﷺ عن إضاعةِ المالِ، ولأنَّ طلبَ القِسْمةِ مِن المُستضِرِّ سَفَهٌ، فلا يجبُ إجابتُه إلى السَّفَهِ. قال الشَّريفُ: متى كان أحدُهما [يَسْتضِرُّ، لم تجبِ القِسْمَةُ. وقالَ أبو حنيفةَ: متى كانَ أحدُهما] (٢٥) يَنْتفِعُ بها، وَجبتْ. وقال الشَّافعىُّ: إنِ (٢٦) انْتفعَ بها الطالبُ، وجبَتْ، وإن اسْتَضرَّ بها الطالبُ، فعلى وَجْهَيْن. وقال مالكٌ: تجبُ على كلِّ حالٍ. ولو كانت دارٌ بينَ ثلاثةٍ، لأحدِهم نِصْفُها، وللآخرَيْنِ نِصْفُها، لكلِّ واحدٍ منهما رُبعُها، فإذا قُسِمَت اسْتضَرَّ كلُّ واحدٍ منهما، ولم (٢٧) يسَتضِرَّ صاحبُ النِّصْفِ، فطلَبَ صاحبُ النِّصْفِ القِسْمَةَ، وجبَتْ إجابتُه؛ لأنَّه يُمْكِنُ قِسْمتُها نِصفيْنِ، فيَصِيرُ حقُّهما لهما دارًا، وله النِّصْفُ، فلا يسْتَضِرُّ أحدٌ منهما. ويَحْتَمِلُ أن لا تجبَ عليهما الإجابةُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يسْتضِرُّ بإفْرازِ نَصِيبِه. [وإن طلَبا المُقاسَمةَ، فامْتنعَ صاحبُ النِّصفِ، أُجبرَ؛ لأنَّه لَا ضَرَرَ على واحدٍ منهم. وإن طلَبا إفْرازَ نَصيبِ كلِّ واحدٍ منهما، أو طلبَ أحدُهما إفْرازَ نصيبِه] (٢٥)، لم تَجبِ القِسْمةُ على قياسِ المذهبِ؛ لأنَّه إضْرارٌ بالطَّالبِ وسَفَهٌ. على الوَجْهِ الذى ذكَرْناه تجِبُ القِسْمةُ؛ لأنَّ المطلوبَ منه لا ضَررَ عليه. الحال الثاني، الذى لا يُجْبَرُ أحدُهما على القِسمةِ، وهى ما إذا عُدِمَ أحدُ الشُّروطِ الثلاثةِ، فلا تجوزُ القِسْمةُ إلَّا برِضاهما، وتُسمَّى قِسْمةَ التَّراضِى، وهى جائِزةٌ مع اخْتلالِ الشُّروطِ كلِّها؛ لأنَّها بمَنْزلةِ البَيْعِ والمُناقلَةِ، وبيعُ ذلك جائزٌ. فصل: إذا كانتْ دارٌ بينَ اثنَيْنِ، سُفْلُها وعُلْوُها، فإذا طلَبا قَسْمَها؛ نظرتَ، فإن طلبَ أحدُهما قِسْمةَ السُّفْلِ والعُلْوِ بينهما، ولا ضررَ في ذلك، أُجْبِرَ الآخَرُ عليه. لأنَّ (٢٨) البناءَ في الأرضِ يَجْرِى مَجْرَى الغَرْسِ، يتْبَعُها (٢٩) في البَيْعِ والشُّفْعَةِ، ثم لو طَلَبَ قِسْمةَ

стр. 7453

أرضٍ فيها غِراسٌ، أُجْبرَ شَرِيكُه عليه، كذلك البناءُ. وإن طلبَ أحدُهما جَعْلَ السُّفْلِ لأحَدِهما (٣٠) والعُلْوِ للآخَرِ (٣١)، ويُقْرَع بينهما، لم يُجْبَرْ عليه الآخَرُ؛ لثلاثةِ مَعانٍ، أحدُها، أنَّ العُلْوَ تَبَعٌ (٣٢) للسُّفْلِ، ولهذا إذا بِيعَا، تثْبُتُ الشُّفْعةُ فيهما، وإذا أُفْرِدَ العُلْوُ بالبيعِ (٣٣)، لم تَثْبُتْ فيه الشفعة، وإذا كان تَبَعًا له، لم يُجْعَلِ المتْبُوعُ سَهْمًا والتَّبعُ (٣٤) سهمًا، فيصيرُ التَّبَعُ (٣٤) أصْلًا. الثاني، أنَّ السُّفْلَ والعُلْوَ يجْرِيانِ مَجْرَى الدَّارَيْنِ المُتلاصِقتَينِ (٣٥)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُسْكَنُ مُنْفَرِدًا (٣٦)، ولو كانَ بينهما دارانِ، لم يكُنْ لأحدِهما المُطالَبةُ بجَعْلِ كلِّ دارٍ نَصِيبًا، كذا هاهُنا. الثالث، أنَّ صاحبَ القَرارِ يَمْلِكُ قَرارَها وهَواءَها، فإذا جُعِلَ السُّفْلُ نَصيبًا انْفَردَ صاحبُه بالهواءِ، وليستْ هذه قِسْمةً عادلةً. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَقْسِمُه الحاكمُ، يَجْعَلُ ذِراعًا من السُّفلِ بذراعَيْنِ من العُلْوِ. وقال أبو يوسفَ: ذِراعٌ بذِراعٍ. وقال محمدٌ: [يَقْسِمُها بالقِيمةِ] (٣٧). واحْتَجُّوا بأنَّها دارٌ واحدةٌ، فإذا قَسَمَها على ما يَراهُ جازَ، كالتى لا عُلْوَ لها. ولَنا، ما ذكرْناه من المعانى الثلاثةِ، وفيها رَدُّ ما ذكَروه، وما يذْكُرونه من كَيْفيَّةِ القِسْمةِ تَحكُّمٌ، وبعضُه يَرُدُّ بعضًا. وإن طلبَ أحدُهما قِسْمَةَ العُلْوِ وحدَه، أو السُّفْلِ وحدَه، لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّ القِسْمةَ تُرادُ للتَّمْيِيزِ، ومع بقاءِ الإشاعةِ [في أحدِهما] (٣٨) لا يَحْصُلُ التَّمْييزُ. وإن طلبَ قِسْمةَ السُّفْلِ مُنْفرِدًا، أو العُلوِ مُنْفَرِدًا، لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّه قد يَحْصُلُ لكلِّ واحدٍ منهما عُلْوُ سُفْلِ الآخَرِ، فيَسْتضِرُّ كلُّ واحدٍ منهما، ولا يتميَّزُ الحَقَّان. فصل: وإذا كان بينهما دارٌ، أو خانٌ كبيرٌ، فطلَبَ أحدُهما قِسْمةَ ذلك،

стр. 7454

ولا ضَررَ في قِسْمَتِه، أُجْبرَ المُمْتنِعُ على القِسْمةِ، وتُفْرَدُ بعضُ المساكنِ عن بعضٍ وإن كثُرتِ المَساكنُ. وإن كان بينهما دارَان، أو خانَان، أو أكْثَرُ، فطلبَ أحدُهما أن يَجْمعَ نَصِيبَه في إحْدَى الدَّارَيْن، أو أحدِ الخانَيْن، ويَجْعَلَ الباقىَ نَصِيبًا، لم يُجْبَرِ المُمْتنِعُ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: إذا رأى الحاكمُ ذلك، فله فِعْلُه، سَواءٌ تقاربَتا أو تفرَّقَتا؛ لأنَّه أنْفَعُ وأعْدَلُ. وقال مالكٌ: إن كانَتا مُتجاوِرَتيْنِ، أُجْبِرَ المُمْتنِعُ من ذلك عليه؛ لأنَّ المُتجاوِرتَيْنِ تتقارَبُ مَنْفعتُهما، بخِلافِ المُتباعِدَتَيْن. [وقال أبو حنيفةَ: إنْ كانت إحْداهما حَجَزَتِ (٣٩) الأُخْرَى (٤٠)، أُجبِرَ الممتنعُ] (٤١)، وإلَّا فلا؛ لأنَّهما يَجْرِيان مَجْرَى الدارِ الواحدةِ. ولَنا، أنَّه نَقْلُ حَقِّه من عَيْنٍ إلى عَيْنٍ أُخْرَى، فلم يُجْبَرْ عليه، كالمُتَفَرِّقَتَيْن (٤٢) على مِلْكٍ، وكما لو لم تكُنْ حَجَزَتْها (٤٣) مع أبى حنيفةَ، وكما لو كانتا دارًا ودُكَّانًا (٤٤) مع أبي يوسفَ ومحمدٍ، والحكمُ في الدَّكاكينِ كالحُكْمِ في الدُّورِ، وكما لو كانتْ لها عَضائدُ صغارٌ، لا يُمْكِنُ قِسْمةُ كلِّ واحدةٍ منهما (٤٥) مُنْفَرِدةً، لم يُجْبَرِ المُمْتنِعُ من قِسْمَتِها (٤٦) عليها. فصل: وإن كانتْ بينهما أرضٌ واحدةٌ يُمْكِنُ قِسْمتُها، وتَتحَقَّقُ (٤٧) فيها الشروطُ التى ذكرْناها، أُجْبِرَ المُمْتنِعُ على قِسْمَتِها (٤٦)، سَواءٌ كانت فارغةً أو ذاتَ شَجَرٍ وبِناءٍ. فإن كان فيها نَخْلٌ، وكَرْمٌ، وشَجَرٌ مُخْتلِفٌ، وبناءٌ، فطلَبَ أحدُهما قِسْمَةَ كلِّ عينٍ على حِدَتِها، وطلَبَ الآخَرُ قِسْمَةَ الجميعِ بالتَّعْديلِ بالقِيمَةِ، فقال أبو الخَطَّابِ: تُقْسَمُ كلُّ عَيْنٍ على حِدَتِها، وكذلك كلُّ مَقْسومٍ، إذا أمْكَنَتِ التَّسْوِيَةُ بين الشَّرِيكيْنِ في جَيِّدِه

стр. 7455

ورَدِيئِهِ، كان أوْلَى. ونحوَ هذا قال أصْحابُ الشافعيِّ؛ فإنَّهم قالوا: إذا أمْكَنَتِ التَّسْويَةُ بين الشَّريكَيْنِ في جَيِّدِه ورَدِيئِهِ، بأنْ يكونَ الجَيِّدُ في مُقَدَّمِها والرَّدِىءُ في مُؤَخَّرِها، فإذا قَسمْناها صارَ لكلِّ واحدٍ من (٤٨) الجَيِّدِ والرَّدِىءِ مثلُ ما للآخرِ، وجَبتِ القِسْمةُ، وأُجْبِرَ المُمْتنِعُ عليها، وإن لم تُمْكِنِ القِسْمَةُ هكذا، بأن تكونَ العِمارةُ أو الشجرُ والجيِّدُ لا تُمْكِنُ قِسْمتُه وَحْدَه، وأمْكَنَ التَّعْدِيلُ بالقِيمَةِ، عُدِّلَتْ بالْقِيمةِ، وأُجْبِرَ المُمْتنِعُ [من القِسْمةِ] (٤٩) عليها. وقال الشافعيُّ، في أحَدِ القَوْلَيْن: لا يُجْبَرُ المُمْتنِعُ من القِسْمةِ عليها. [وقالوا: إذا كانتِ الأرضُ ثلاثينَ جَرِيبًا (٥٠)، قيمةُ عشرةِ أجْرِبَةٍ منها كقِيمَةِ عِشْرين (٥١)، لم يُجْبَرِ المُمْتنِعُ من القِسْمةِ عليها] (٥٢)؛ لتعذُّرِ التَّساوِى في الزَّرْعِ، ولأنَّه لو كان حَقْلان مُتجاوِران (٥٣) لم يُجْبَرِ المُمْتنعُ من القِسْمةِ، إذا لم تُمْكِنْ إلَّا بأن يُجْعَلَ كلُّ واحدٍ منهما سَهْمًا (٥٤)، كذا هاهُنا. ولَنا، أنَّه مكانٌ واحدٌ، أمْكَنَتْ قِسْمَتُه، وتَعْديلُه، من غيرِ رَدِّ عِوضٍ ولا ضَررٍ، فوجَبتْ قِسْمتُه، كالدُّورِ. ولأنَّ ما ذكَرُوه يُفْضِي إلى مَنْعِ وُجوبِ القِسْمةِ في البَساتِينِ كلِّها (٥٥) والدُّور؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ تَساوِى الشَّجرِ وبناءِ الدُّورِ ومَساكنِها إلَّا بالقِيمةِ، ولأنَّه مكانٌ لو بيعَ بعضُه وجَبتْ فيه الشُّفْعةُ لشَرِيكِ البائعِ، فوجَبتْ قِسْمتُه، كما لو أمْكَنَتِ التَّسْوِيَةُ بالزَّرْعِ. وأمَّا إذا كان بُسْتانان، لكلِّ واحدٍ منهما طريقٌ، أو حَقْلان، أو دَارَان، أو دُكَّانان مُتجاوِران أو مُتَباعِدان، فطلبَ أحدُ الشَّرِيكيْنِ قِسْمَتَه، بجَعْلِ كلِّ واحدٍ بينهما، لم يُجْبَرِ الآخَرُ على هذا، سواءٌ كانا مُتَساويَيْنِ أو مُخْتلِفيْنِ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّهما شيئان مُتَميِّزان، لو بِيعَ أحدُهما، لم تجِبِ الشُّفْعةُ فيه لمالك الآخَرِ، بخلافِ البُسْتانِ الواحدِ، والأرضِ الواحدةِ وإن عظُمَتْ، فإنَّه

стр. 7456

إذا بيعَ بعضُها، وجبَتِ الشُّفْعةُ لمالكِ البعضِ الباقى، والشُّفْعةُ كالقِسْمةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُرَادُ لإِزالةِ ضَررِ الشَّرِكَةِ، ونُقْصانِ التَّصَرُّفِ، فما لا تَجِبُ قِسْمتُه، لا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فيه، فكذلك ما لا شُفْعَةَ فيه، لا تجِبُ قِسْمتُه، وعكسُ هذا ما تجِبُ قِسْمتُه، تَجِبُ فيه الشُّفْعةُ، وما تَجبُ الشُّفْعَةُ فيه، تَجِبُ قِسْمتُه. ولأنَّه لو بَدَا الصَّلاحُ فى بعضِ البُسْتانِ، كان صلاحًا لباقِيه وإن كان كبيرًا. ولم يكُنْ صَلاحًا لما جاوَرَه (٥٦) وإن كان صغيرًا. فصل: وإذا (٥٧) كان فى الأرضِ زرْعٌ، فطلَبَ أحدُهما قِسْمتَها دونَ الزَّرعِ، أُجْبِرَ المُمْتنِعُ؛ لأنَّ الزَّرْعَ فى الأرضِ كالقُماشِ فى الدَّارِ، فلم يَمْنَعِ القِسْمةَ، كالقُماشِ، وسواءٌ خرَجَ الزَّرْعُ، أو كان بَذْرًا لم يَخْرُجْ، فإذا قَسَماها، بَقِىَ الزَّرْعُ بينهما مُشْتَركًا، كما لو باعَا الأرْضَ لغيرِهما. وإن طلبَ أحدُهما قِسْمةَ الزَّرْعِ مُنْفرِدًا، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه؛ لأنَّ القِسْمةَ لا بُدَّ فيها من تَعْديلِ المقْسُومِ، وتَعْدِيلُ الزَّرْعِ بالسِّهام لا يُمْكنُ؛ لأنَّه يُشْتَرطُ بَقاؤُه فى الأرضِ المُشْترَكةِ. وإن طلبَ قِسْمتَها مع الزَّرْعِ، وكَان قد خَرَجَ، جاز، وأُجْبِرَ المُمْتنِعُ عليه، سَواءٌ كان قَصِيلًا (٥٨)، أو قد (٥٩) اشْتَدَّ الحَبُّ فيه؛ لأنَّ الزَّرْعَ كالشجرِ فى الأرْضِ، والقِسمَةَ إفْرازُ (٦٠) حقٍّ، وليست بَيْعًا. وإن قُلْنا: هى بَيْعٌ. لم يَجُزْ (٦١) إذا اشْتدَّ الحَبُّ؛ لأنَّه يتضمَّنُ بَيْعَ السُّنْبُلِ بعضِه ببعضٍ. ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنَّ السَّنابِلَ هاهُنا دخلَتْ تَبعًا للأرْضِ، فليْسَتِ المقْصودَ، فأشْبَهَ بَيْعَ النَّخْلةِ المُثْمِرةِ بمِثْلِها. وقال الشافعىُّ: لا يُجْبَرُ المُمْتنِعُ مِن قِسْمَتِها مع الزَّرْعِ؛ لأنَّ الزَّرْعَ مُودَعٌ فى الأرضِ للنَّقْلِ عنها، فلم تجِبْ قِسْمتُه معها، كالقُماشِ فيها. ولَنا، أنَّه ثابتٌ فيها للنَّماءِ والنَّفْعِ، فأشْبَهَ الغِراسَ، وفارَقَ القُماشَ، فإنَّه غيرُ مَتَّصلٍ بالدَّارِ، ولا ضررَ عليه فى نَقْلِه. وإن كان

стр. 7457

الزَّرْعُ بَذْرًا فى الأرضِ، فقال أصحابُنا: لا تجوزُ قِسْمَتُه؛ لجَهالتِه، وكَوْنِه لا يُمْكِنُ إفْرازُه (٦٢). وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ويَحْتَمِلُ الجوازَ؛ لأنَّه يدخلُ تَبعًا للأرضِ، فلا تَضُرُّ جَهالتُه، كأساساتِ الحِيطانِ، وكذلك لو اشْتَرى أرْضًا فيها زَرْعٌ فاشْتَرطَه (٦٣)، مَلكَه بالشَّرْطِ، وإن كان بَذْرًا مَجْهولًا. فصل: إذا كانتْ بينهما (٦٤) أرضٌ قِيمتُها مِائةٌ، فى أحدِ جانِبَيْها بئرٌ قِيمتُها مِائةٌ، وفى الآخَرِ شجرةٌ قيمتُها مائةٌ، عُدِّلتْ بالقِيمةِ، وجُعِلَتِ البئرُ مع نصفِ الأرضِ بينهما (٦٥) نَصِيبًا، والشجرةُ مع النِّصْفِ الآخَرِ (٦٦) نَصِيبًا. فإن كانتْ بين ثلاثةٍ أو أكثرَ؛ نَظَرْتَ فى الأرضِ، فإن كانتْ قِيمتُها مِائةً [أو أقلَّ، لم تجِبِ القِسْمةُ؛ لأنَّها إذا كانتْ أقلَّ، لم يُمْكنِ التَّعْدِيلُ إلَّا بقسمةِ البئرِ والشجرةِ، وذلك ممَّا لا تَجِبُ قِسْمتُه، وإن كانتْ قيمتُها مِائةً] (٦٧)، فجعَلْناها سَهمًا، والبئرَ سهمًا، والشجرةَ سهمًا، لم يَحْصُلْ مع البئرِ والشجرةِ شىءٌ من الأرضِ، [فيَصِيرُ هذا] (٦٨) كقِسْمةِ الشَّجرِ وَحْدَه، وقِسْمةُ ذلك وَحْدَه ليستْ قِسْمةَ إجْبارٍ. وإن كانتِ الأرضُ كثيرةَ (٦٩) القِيمةِ، بحيثُ يأْخُذُ بعضُ الشُّرَكاءِ سِهامَهم منها، ويَبْقَى منها شىءٌ مع البئرِ والشَّجرةِ، وجَبَتِ القِسْمةُ، ومِثالُه أن تكونَ قِيمةُ الأرضِ مِائتيْنِ وخَمسين، فتُجْعَلُ (٧٠) مِائةً وخمسين سهمًا، ويُضَمُّ إلى البئرِ ما قِيمتُه خمسون، وإلى الشجرةِ مثلُ ذلك، فتصِيرُ ثلاثةَ سِهامٍ مُتساوِيةً، وفى كلِّ سهمٍ جُزْءٌ من أجْزاءِ الأرضِ، فتجِبُ القِسْمةُ حينئذٍ. وكذلك لو كانوا أربعةً، وقيمةُ الأرضِ أربعَمائةٍ، وجَبتِ القِسْمةُ؛ لأنَّنَا نَجْعَلُ ثَلاثَمائةٍ منها سَهْميْنِ، ومِائةً مع البئرِ والشجرةِ سَهْميْن، فتعدَّلتِ السِّهامُ.

стр. 7458

ولو كانتِ الأرضُ لاثْنَينِ، فأرادا قِسْمةَ البئرِ والشَّجرةِ دونَ الأرضِ، لم تكنْ قِسْمةَ إجبارٍ، وهكذا الأرضُ ذاتُ الشَّجَرِ، إذا اقْتُسِمَ الشجرُ دونَ الأرضِ، لم تكُنْ قِسْمةَ إجْبارٍ. ولو اقْتَسماها بشَجرِها، كانت قِسْمةَ إجْبارٍ؛ لأنَّ الشجرَ يَدْخُلُ تَبَعًا للأرضِ، فيَصِيرُ الجميعُ كالشىءِ الواحدِ، ولهذا تجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بيعَ شىءٌ من الأرضِ بشَجَرهِ. وإذا قُسِمَ ذلك دونَ الأرضِ، صارَ أصْلًا فى القِسْمةِ، ليس بتابعٍ لشىءٍ واحدٍ، فيَصِيرُ كأعْيانٍ مُفْرَدةٍ من الدُّورِ والدَّكَاكينِ المُتفرِّقةِ، ولهذا لا تَجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بِيعَ مُفْرَدًا. وكلُّ قِسْمةٍ غيرِ واجبةٍ، إذا تَراضَيا بها، فهى بَيْعٌ، حُكمُها حُكْمُ البَيْعِ. ١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قُسِمَ، طُرِحَتِ السِّهَامُ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ، إِلَّا أنْ يَتَرَاضَيَا، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا رَضِىَ بِهِ) وجملتُه أنَّ القِسْمةَ على ضَرْبيْنِ؛ قِسْمةُ إجْبارٍ، وقِسمَةُ تَراضٍ. وقد ذَكرْنا أنَّ قِسْمةَ الإِجْبارِ ما أمْكَنَ التَّعْدِيلُ فيها مِن غيرِ رَدٍّ. ولا تخْلُو مِن أربعةِ أقسامٍ؛ أحدُها، أن تكونَ السِّهامُ مُتَساوِيَةً، وقيمةُ أجْزاءِ المَقسومِ مُتَساويةً. الثانى, أن تَكونَ السِّهامُ مُتَساويةً، وقِيمةُ الأجْزاءِ مُخْتلِفةً. الثالث، أن تكونَ السِّهامُ مُخْتلِفةً وقيمةُ الأجْزاءِ مُتَساوِيَةً. الرابع، أن تكونَ السِّهامُ مُخْتلِفةً، والقِيمةُ مُخْتلِفةً (١). فأمَّا الأوَّلُ، فمِثلُ أرضٍ بين سِتَّةٍ، لكلِّ واحدٍ منهم (٢) سُدسُها، وقِيمةُ أجْزاءِ الأرضِ مُتَساويةٌ، فهذه تَعْدِلُها بالمساحةِ سِتَّةُ أجزاءٍ مُتساويةٍ، لأنَّه يَلْزَمُ من تَعْديلِها بالمساحةِ تَعْديلُها بالقِيمةِ، لتَساوِى أجْزائِها فى القِيمةِ، ثم يُقْرَعُ بينهم، وكيفما أُقْرِعَ بينهم جازَ، فى ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال فى روايةِ أبى دَاودَ: إن شاءَ رِقاعًا، وإن شاءَ خَواتيمَ، يُطْرَحُ ذلك فى حِجْرِ مَن لم يَحْضُرْ، ويكونُ لكلِّ واحدٍ خاتَمٌ مُعَيَّنٌ، ثم يقالُ: أخْرِجْ خاتَمًا على هذا السَّهْمِ. فمَن خَرَجَ خاتمَهُ فهو له، وعلى هذا، لو أُقرِعَ بالحَصا أو غيرِه جازَ. واخْتارَ أصحابُنا فى القُرْعةِ أن يَكْتُبَ رِقاعًا مُتساوِيَةً بعددِ السِّهامِ، وهو هاهُنا مُخَيَّرٌ بين أن يُخْرِجَ الأسْماءَ على السِّهامِ، وبين

стр. 7459

إخْراجِ السِّهامِ على الأسْماءِ، فإن أخْرَجَ الأسماءَ على السِّهامِ، كتبَ فى كلِّ رُقْعةٍ اسمَ كلِّ (٣) واحدٍ من الشُّركاءِ، وتُتْرَكُ فى بَنادِقِ طِينٍ أو شَمْعٍ مُتَساوِيةِ القَدْرِ والوَزْنِ، ويُتْرَكُ فى حِجْرِ مَن لم يَحْضُرِ القِسْمةَ، ويُقالُ له: أخْرجْ بُندقةً على هذا السَّهمِ. فإذا أخْرَجَها كان ذلك السَّهمُ لمَن خرجَ اسمُه فى البُنْدُقةِ، ثم يُخْرِجُ أُخْرَى على سهمٍ آخرَ، كذلك حتى يَبْقَى الأخيرُ، فيتَعيَّنُ لمَن بَقِىَ. وإن اخْتارَ إخْراجَ السِّهامِ على الأسْماءِ، كتبَ فى الرِّقاعِ أسْماءَ السِّهامِ، فيكْتبُ فى رُقْعةٍ الأوَّلَ ممَّا يَلِى جهَةَ كذا، وفى أُخْرَى الثانىَ، حتى يكْتُبَ السِّتَّةَ، ثم يُخْرِجُ الرُّقْعةَ على واحدٍ بعَيْنِه، فيكَونُ له السَّهْمُ الذى فى الرُّقْعةِ. ويَفْعلُ ذلك حتى يَبْقَى الأخيرُ، فيتَعيَّنُ لمن بَقِىَ. وذكرَ أبو بكرٍ، أنَّ البَنادِقَ تُجْعَلُ طِينًا، وتُطرحُ فى ماءٍ، ويُعَيَّنُ واحدٌ، فأىُّ البَنادقِ انْحَلَّ الطِّينُ عنها، وخرَجتْ رُقْعتُها (٤) على الماء، فهى له، وكذلك الثَّانى والثالثُ وما بعدَه، فإنْ خرَجَ اثْنانِ معًا (٥) أُعيدَ الإِقْراعُ. والأُولَى (٦) أوْلَى وأسْهَلُ. القسم الثانى, أن تكونَ السِّهامُ مُتَّفِقةً والقِيمةُ مُختلِفةً، فإنَّ الأرضَ تُعَدَّلُ بالقِيمةِ، وتُجْعَلُ سِتَّةَ أسْهُمٍ مُتسَاويةِ القِيمةِ. ويُفْعَلُ فى إخْراجِ السِّهامِ مِثلُ الذى قبلَه سواءٌ، لا فَرْقَ بينهما إلَّا أنَّ التَّعْدِيلَ تَمَّ بالسِّهامِ، وهاهُنا بالقِيمَةِ. القسم الثالث، أن تكونَ القيمةُ مُتَساويةً والسِّهامُ مُخْتلفةً؛ مثل أرضٍ بينَ ثلاثةٍ، لأحدِهم نِصْفُها، وللآخرِ ثُلثُها، وللآخرِ سُدسُها، وأجْزاؤها مُتَساويةُ القِيَمِ (٧)، فإنَّها تُجْعَلُ سِهامًا بقَدْرِ أقلِّها، وهو السُّدسُ، فتُجْعَلُ سِتَّةَ أسْهُمٍ، وتُعَدَّلُ بالأجْزاءِ، ويَكْتُبُ ثلاثَ رِقاعٍ بأسْمائهم، ويُخْرِجُ رُقْعةً على السَّهْمِ الأوَّلِ، فإن خرَجتْ لصاحبِ السُّدسِ، أخذَه، ثم يُخْرِجُ أُخْرَى على الثانى, فإن خرَجتْ (٨) لصاحبِ الثُّلثِ، أخذَ الثانىَ والثالثَ، وكانتِ الثَّلاثةُ الباقيةُ لصاحبِ النِّصفِ بغيرِ قُرْعَةٍ، وإن خرَجتِ القُرْعةُ الثانيةُ لصاحبِ النِّصْفِ، أَخذَ الثانىَ والثالثَ والرابعَ، وكان الخامسُ والسادسُ لصاحبِ

стр. 7460

الثُّلثِ، وإن خرَجتِ القُرْعةُ الأُولَى لصاحبِ النِّصْفِ، أخذَ الثَّلاثةَ الأُوَلَ، وتَخْرُجُ الثانيةُ على الرَّابعِ، فإن خَرَجتْ لصاحبِ الثُّلثِ، أخذَه والذى يَلِيه، وكان السادسُ لصاحبِ السُّدسِ، فإن خرَجتِ الثانيةُ لصاحبِ السُّدسِ، أخذَه، وأخذَ الآخَرُ الخامسَ والسَّادسَ، وإن خرَجتِ الأُولَى لصاحبِ الثُّلثِ، أخذَ الأوَّلَ والثانىَ، ثم يُخْرجُ الثانيةَ على الثالثِ، فإن خَرَجتْ لصاحبِ النِّصْفِ، أخذَ الثالثَ والرابعَ والخامسَ، وأخذَ الآخِرُ السَّادسَ، وإن خرَجتِ الثانيةُ لصاحبِ السُّدسِ، أخذَه، وأخذَ صاحبُ النِّصْفِ ما بَقِىَ. وقيلَ: تُكْتَبُ سِتُّ رِقاعٍ، باسمِ صاحبِ النِّصْفِ ثلاثٌ، وباسْمِ صاحبِ الثُّلثِ اثْنتان، وباسْمِ صاحبِ السُّدسِ واحدةٌ. وهذا لا فائدةَ فيه؛ فإنَّ المقْصودَ خُروجُ اسْمِ صاحبِ النِّصْفِ، وإذا كَتَبَ ثلاثَ رِقاعٍ حصلَ المَقْصودُ فأغْنَى. ولا يَصحُّ أن يَكْتُبَ رِقاعًا بأسْماءِ السِّهامِ، ويُخْرِجَها على أسْماءِ المُلَّاكِ؛ لأنَّه إذا أَخرَجَ واحدةً فيها السَّهْمُ الثانى لصاحبِ السُّدسِ، ثم أخْرَجَ أُخْرَى لصاحبِ النِّصْفِ أو الثُّلثِ فيهما السَّهْمُ الأوَّلُ، احْتاجَ أن يأْخُذَ نَصِيبَه مُتَفرِّقًا، فيَتضرَّرُ بذلك. القسم الرابع، إذا اخْتَلفتِ السِّهامُ والقِيمةُ، فإنَّ القاسمَ يُعَدِّلُ السِّهامَ بالقِيمةِ، ويَجْعلُها سِتَّةَ أسْهُمٍ مُتَساويةَ القِيَمِ، ثم يُخْرِجُ الرِّقاعَ فيها الأسْماءُ على السِّهامِ، كما ذكرْنا فى القسمِ الثالثِ سواءً، لا فَضْلَ بينهما، إلَّا أنَّ التَّعْدِيلَ هاهُنا بالقِيَمِ، وفى التى قبلَها بالمِساحةِ. وأمَّا الضَّرْبُ الثانى، وهى قِسْمةُ التَّراضِى التى فيها رَدٌّ، ولا يُمْكنُ تَعْدِيلُ السِّهامِ إلَّا أن يُجْعَلَ مع بعضِها عِوَضٌ، فهذه لا إجْبارَ فيها؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ، ولا يُجْبَرُ على المُعاوضةِ، وكذلك سائرُ ما لا تجِبُ قِسْمتُه، كالدَّاريْنِ تُجْعَلُ كلُّ واحدةٍ منهما سَهْمًا، وما يَدْخلُ الضَّررُ عليهما بقِسْمتِه، وأشْباهِ هذا، وقد ذكرْنا منه صُوَرًا فيما تقدَّمَ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ قِسْمةَ الإِجْبارِ تَلْزَمُ بإخْراجِ القُرْعةِ؛ لأنَّ قُرْعةَ قاسمِ الحاكمِ بمَنْزلةِ حُكْمِه، فيَلْزَمُ بإخْراجِها كلُزُومِ حُكْمِ الحاكمِ. وأمَّا قِسْمةُ التَّراضِى، ففيها وَجْهان؛ أحدُهما، تلزمُه أَيضًا، كقِسْمةِ الإِجْبارِ؛ لأنَّ القاسِمَ كالحاكمِ، وقُرْعتَه كحُكْمِه. والثانى، لا تَلْزَمُ؛ لأنَّها بَيْعٌ، والبيعُ [لا يَلْزَم إلَّا] (٩) بالتَّراضِى، لا بالقُرْعةِ، وإنَّما القُرْعَةُ هاهُنا لتَعْريفِ (١٠) البائعِ من
следующие страницы →