← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

والثَّانِيةُ لَا يَسْتَفْتِحُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُه عنْ قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ، وهى أَهَمُّ منه. قال ابْنُ مَنْصُور: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: سُئِلَ - يعني سُفْيانَ - أَيَسْتَعِيذُ الإِنْسَانُ خَلْفَ الإِمَامِ؟ قال: إنَّمَا يَسْتَعِيذُ مَنْ يَقْرَأُ. قال أحمدُ: صَدَقَ. وأمَّا مَنْ يُسَنُّ لَهُ القِرَاءَةُ وَهُوَ المَأْمُومُ فِي صَلَاةِ الإِسْرَارِ، فإنَّهُ يَسْتَفْتِحُ ويَسْتَعِيذُ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إنْ كان مِمَّنْ يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمامِ تَعَوَّذَ، وإذا كان مِمَّنْ لا يَقْرَأُ فلا، قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٤٨). ١٨٤ - مسألة؛ قال: (الاسْتِحْبَابُ، أَنْ يَقْرَأَ في سَكَتَاتِ الإِمَامِ، وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ) هذا قولُ [كثِيرٍ مِن] (١) أهلِ العِلْمِ، [كان ابن مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وهشامُ بنُ عامرٍ (٢) يقْرأُونَ ورَاءَ الإِمامِ فيما أسَرَّ به. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إذا جَهَرَ فلا تَقْرَأْ، وإذا خافتَ فاقْرَأْ]. (٣) ورُوِىَ نحوُ (٤) ذَلِكَ عن [عبد اللَّه بن عمر، وعُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتْبةَ (٥)، ومُجاهد، والحسن، والشَّعْبيّ، و] (٦) سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وسَعيدِ بنِ جُبَيْر، [والقاسمِ بْنِ محمدٍ] (٧)، ونافِعِ بنِ جُبَيْر (٨)، والحَكَمِ، والزُّهْرِيِّ (٩).

стр. 772

وقالَ أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ: للْإِمَامِ سَكْتَتَانِ، فاغْتَنِمُوا (١٠) فيهما القراءَةَ بفاتحةِ الكِتَابِ، إذا دَخَلَ في الصلاةِ، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وقالَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ: أما أنا فأغْتَنِمُ مِن الإمَامِ اثْنَتَيْنِ، إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فأَقْرَأُ عندها، وحينَ يَخْتِمُ السورةَ، فأقرَأُ قبل أنْ يَرْكَعَ. (١١) وقالتْ طائفةٌ: لا يَقْرأُ خلفَ الإِمام في الجَهْر ولا الإِسْرار. فروَى سعيدٌ، في "سُنَنِه": حدَّثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن عمر بن محمد بن زيد، عن مَن حدَّثه: تسْعة مِن أصْحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ، كانوا لا يقرأون خلفَ الإِمام فيما جهَر، ولا فيما لا يجْهَر؛ عليّ، وابنِ عبَّاس، وابن مسعود، وأبو سعيد، وزيد بن ثابت، وعُقْبة بنُ عامر، وجابر، وابنُ عمر، وحُذَيْفة بن يَمانٍ. وقال إبراهيم النَّخَعِيُّ: إنَّما أحْدثَ الناسُ القراءة خلفَ الإمام زمانَ المُخْتار (١٢)؛ لأنَّه كان يُصلِّى بهم صلاةَ النَّهار، ولا يُصلِّى بهم صلاةَ اللَّيْلِ، فاتَّهمُوه، فقرأُوا خلفَه. وقال ابن سِيرِين: لا أعلمُ مِن السُّنَّةِ القراءةَ خلفَ الإِمام. وقال ابنُ مسعود، والأسْودُ: وَدَدْتُ أنَّ مَن قرأَ خلفَ الإِمام مُلِىءَ فُوهُ تُرابًا. وكره إبراهيم القراءةَ خلفَ الإِمام. وقال: يكْفِيكَ قراءةُ الإِمام. وهذا قولُ الثَّوْرِيّ، وابنِ عُيَيْنةَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لِمَا روَى جابر،

стр. 773

قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِراءَةُ الْإِمامُ لَهُ قِرَاءَةٌ" (١٣). ولأنَّه مَأْمومٌ، فلا يقرأُ، كحالةِ الجَهْر. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَإِذَا أسْرَرْتُ بقِرَاءَتِى فاقْرَأُوا". رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ (١٤). وقولُه (١٥) في اللَّفْظِ الآخَرِ: فانْتَهَى النَّاسُ أَن يقْرَأُوا فيما جهَر فيه النَّبِيُّ ﷺ . وأمَّا خبرُ جابر، فالصَّحيحُ أنَّه مُرْسَلٌ عن عبد اللَّه بن شَدَّاد، عن النَّبِيِّ ﷺ ، كذلك رَواه الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، وغيرُهما، وبالقياس علَى حالةِ الجَهْرِ لا يصحُّ؛ لأنَّه أُمِرَ بالإِنْصاتِ إلى قراءةِ الإِمام، فإذا أَسَرَّ لم يَسْمَع المأمومُ شيئًا يُنصِتُ إليه، ولأنَّ الإِسْماعَ لم يَقُمْ مَقامَ القراءةِ، ولم يُوجَدْ ها هنا، فإذا ثبت هذا فإنَّه يَقْرأُ في سَكَتاتِ الإِمامِ حالةَ الجَهْرِ بالفاتحةِ، ويَقْرأُ في حالِ الإِسْرارِ بالفاتحة وسورةٍ، كالإِمام والمُنْفَرِدِ. فصل: (١٦) فإنْ لم [يسْمع الإِمامَ في حالِ الجَهْرِ؛ لِبُعْدِهِ] (١٧)، قَرَأَ. نَصَّ عليه الإِمامُ (١٨). قِيلَ لَه أَليس قد قال اللهُ تعَالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾؟ قال: هذا إلى أيِّ شيءٍ يستمعُ؟ وقال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبي عبد اللَّه: فيوم الجُمعةِ؟ قال: إذا لم يسمعْ قراءةَ الإِمام ونَغَمتَه قَرَأَ، فأمَّا إذا سمِعَ فَلْيُنْصِتْ. قِيلَ له: فالْأطْرَشُ؟ قال: لا أدْرِى (١٩)، وهذا يُنْظَرُ فيه، فإن كان بعيدًا قَرأَ أيضًا، وإن كان قريبًا قرأَ في نفسِه، بحيثُ لا يشْغَلُ مَن إلى جانِبَيْهِ عن

стр. 774

الاسْتماع؛ لأنَّه في معنَى البعيدِ، ولاتُسَنُّ له القراءةُ، مع تَخْلِيطِه علَى مَن يقْرُبُ إليه؛ لِئَلَّا تَمْنَعَه من الاسْتماع والإِنْصاتِ. وإن سمع هَمْهَمةَ الإمام ولم يفْهمْ، فقال، في روايةِ الجماعة: لا يقْرأُ؛ لأنَّه يسمعُ قراءةَ الإِمامِ. وقال، في روايةِ عبد اللَّه: يقْرأُ إذا سمعَ الحرفَ بعدَ الحرفِ. فصل: (٢٠) وإذا قَرَأَ بعضَ الفاتحةِ في سَكْتَةِ الإِمام، ثم قرأَ الإِمامُ، أنْصَتَ (٢١) له، [وقطَع قراءتَهُ] (٢٢)، ثم قرأَ بقيَّة الفاتحةِ في السَّكْتةِ الأُخْرَى، [صَحَّ ولم تنْقَطِعْ قراءتُه، لأنَّه مَشْروعٌ، فأشْبَهَ السُّكوتَ اليَسِيرَ، ولأنَّ ذلك لو قَطَعَ القراءة] (٢٣) لم يسْتَفِدْ فائدةً، فإنَّه لا يقْرأُ في الثانيةِ زيادةً علَى ما قرأهُ في الأُولَى. ١٨٥ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ) [هذا قوْلُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، على ما حَكَيْنَا في التي قبلَها، وبه يقولُ الزُّهْرِيُّ، والأسْود، وإبراهيم، وسعيد بن جُبَيْر، والثَّوْرِيُّ] (١)، وابْنُ عُيَيْنَة، ومالكٌ، [وأصْحابُ الرَّأْىِ] (٢)، وإسحاقُ. وقالَ الشافعيُّ، وداوُد: يَجِبُ؛ لعُمومِ (٣)

стр. 775

الأخْبارِ السَّابقةِ ورُوِىَ عن عمر بن الخطَّاب رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لا تجُوزُ صلاةٌ إلَّا بفاتحة الكتابِ وشىءٍ معها. فقال له رجلٌ: يا أميرَ المؤمنين، أرأيتَ إن كنتُ خَلْفَ الإِمامِ؟ فقال: اقْرأْ في نفسِك. وقال الحسنُ: اقْرأْ في كلِّ صلاةٍ بأُمِّ الكتابِ في نفسِك، خلْفَ الإِمام. ولأنَّه مُصَلٍّ لا يسمعُ القراءةَ، فوجبتْ عليه، كالمُنْفَرِدِ. ولنا قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِراءَتُهُ لَهُ قراءَةٌ". رَواهُ الحسنُ بنُ صالح، عن لبيبِ بن أبي سُلَيْم، وجابرٌ، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النَّبِيِّ ﷺ ، ورُوِىَ من طُرُقٍ خمسةٍ سوَى هذا، ورُوِىَ أيضًا عن ابن عمر، وابن عباس، وعلىٍّ، وعِمْران بن حُصَيْن، وأبي الدَّرْداء، عن النَّبِيِّ ﷺ . أخْرَجَهُنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ (٤). ورواه عبدُ اللَّه بن شدَّاد، عن النبي ﷺ ، أخْرجَه الإِمامُ أحمد (٥)، وسعيد بن منصور، وغيرُهما، وأخْبارهم قد سبق جوابُها. وقولُ عمر مَحْمولٌ على الكمال؛ بدليل قولِه: وشىءٍ معها. والإِجماعُ لا يجبُ شيءٌ سوى الفاتحةِ، ولو ثبتَ أنَّه أراد الاشْتراطَ فقد خالفه كثيرٌ من الصحابةِ. ورُوِىَ عن علىّ، ﵇، أنَّه قال: ليس على الفِطرْةِ مَن قرأ خلفَ الإِمام. وقال ابنُ مسعود: وَدَدْتُ أنَّ مَن قرأَ خلفَ الإِمام مُلِىءَ فُوهُ تُرابًا. ولأنَّ القراءةَ لو وجبتْ عَلى المأموم لوجبتْ على المَسْبوق، كسائرِ الأرْكانِ، ولأنَّه مأمومٌ فلم يجبْ عليه القراءةُ، كحالةِ الجَهْرِ، ولا يصحُّ قياسُ المأموم على المُنْفَرِدِ؛ لأنَّ المنفردَ ليس له

стр. 776

مَن يتحمَّلُ عنه القراءةَ، بخلافِ المأمومِ. واللهُ أعلمُ. ١٨٦ - مسألة؛ قال: (ويُسِرُّ بالقِرَاءَةَ (١) في الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، ويَجْهَرُ بِهَا فِي الأُولَيَيْنِ مِنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، وَفِي الصُّبْحِ كُلِّهَا.) الجَهْرُ في موَاضِعِ الجَهْرِ، والإِسْرَارُ في مَواضِعِ الإِسْرارِ، [مُجْمَعٌ على اسْتِحْبَابِه، ولم يختلف المسلمون في مواضعه.] (٢) والأصلُ فيه فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، وقد ثَبَتَ ذلكَ بِنَقْلِ الخَلَفِ عن السَّلَفِ، فإنْ جَهَرَ في مَوْضِعِ الإِسْرَارِ، أو أَسَرَّ في مَوْضِعِ الجَهْرِ، تَرَكَ السُّنَّةَ، وصَحَّتْ صلاتُهُ، إلَّا أَنَّهُ إنْ نَسِىَ فَجَهَرَ في مَوْضِعِ الإِسْرَارِ، ثم ذَكَرَ في أَثْنَاءِ قراءتِه (٣)، بَنَى على قِرَاءَتِه، وإنْ [نَسِىَ فأسَرَّ] (٤) فِي مَوْضِعِ الجَهْرِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا يَمْضِى في قِرَاءَتِهِ. والثَّانِيَةُ [يسْتأنفُ القراءة جَهْرًا] (٥) على طَرِيقِ الاخْتِيَارِ، لا [على طريقِ] (٦) الوُجوبِ، [والفرقُ بينهما أنَّ الجَهْرَ زيادةٌ، وقد حصل بها المقصودُ وزيادةٌ، فلا حاجة إلى إعادتِه، والإِسْرارُ بعضٌ، فاتتْ به سُنَّةٌ، يتضمَّن مقْصودًا، وهو إسْماعُ المأْمُومين القراءة، وقد أمْكنَه الإِتْيانُ بها، فينْبَغِى أن يأتيَ بها] (٧). فصل: وهذا الجَهْرُ مَشْرُوعٌ للإِمامِ، ولا يُشْرَعُ [للمأْمُومِ بِغيرِ اختلافٍ. وذلكَ لأنَّ] (٨) المأمومَ مأمُورٌ بالإِنْصَاتِ للإِمَامِ والاسْتِمَاعِ له، [بلْ قد مُنِعَ مِنَ القراءةِ لأجلِ ذلكَ، ] (٩) وأَمَّا المُنْفَرِدُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أحْمَدَ أَنَّهُ مُخيَّرٌ (١٠)، وكَذَلِكَ مَنْ فَاتهُ

стр. 777

بَعْضُ الصَّلَاةِ [مع الإِمام] (١١) فَقَامَ ليَقْضِيَهُ. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لِأبي عبدِ اللَّه: رَجُلٌ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مع الإِمامِ مِنَ المغرِبِ أوِ العِشَاءِ، فقَامَ ليَقْضِىَ، أيَجْهَرُ أو يُخَافِتُ؟ قال: إنْ شاءَ جَهَرَ، وإنْ شاءَ خَافَتَ. ثم قالَ: إنَّمَا الجَهْرُ للجماعَةِ [قلتُ له: وكذلك إذا صلَّى وحدَه المغربَ والعشاءَ، إن شاء جَهَرَ، وإن شاء لم يَجْهَرْ؟ قال: نعم، إنَّما الجَهْرُ للجماعةِ] (١١). كذلكَ قالَ طَاوُسُ، والأوْزَاعِيّ، فيمَنْ فاتَتْهُ بعض الصلاةِ. ولا فَرْقَ بين القَضَاءِ والأدَاءِ. وقال الشافعيُّ: يُسَنُّ للمُنْفَرِدِ الجَهْرُ؛ لأنَّه غيرُ مَأْمُورٍ بالإِنْصَاتِ [إلى أحَدٍ] (١٢)، فأَشْبَهَ الإِمامَ. ولَنا، أنه لا [يُرَادُ منه إسْماعٌ] (١٣)، فأَشْبَهَ المأمومَ في سَكَتَاتِ الإِمامِ، ويُفَارِقُ الإِمامَ، فإنَّه يَقْصِدُ إسْمَاعَ المأمومِينَ، ويَتَحَمَّلُ القراءَةَ عنهم. وإلى هذا أشَارَ أحمدُ في قوله: إنَّمَا الجَهْرُ للجماعَةِ، [فقد توسَّط المفْردُ بين الإِمامِ والمأمومِ، وفارقَهما في كَوْنِه لا يقْصِدُ إسْماعَ غيرِه، ولا الإِنْصاتَ له، فكان مُخَيَّرًا بين الحالَيْن] (١٤). فصل: [ فأمَّا إنْ قَضَى] (١٥) الصلاةَ في جماعَةٍ، فإِنْ كانت صلاةَ نَهَارٍ [أسَرَّ، سواءٌ قضاها في ليلٍ أو نهارٍ] (١٦)؛ لأنَّها صلاةُ نَهَارٍ (١٧)، ولا أعلْمُ في هذا خلافًا. فإنْ كانتِ الفَائِتَةُ (١٨) صلاةَ ليلٍ (١٩) فَقَضَاهَا ليلًا (٢٠)، جَهَرَ في ظَاهِرِ

стр. 778

كلامِ أحمدَ [لأنَّها صلاةُ ليلٍ فعلَها ليلًا، فيجهرُ فيها كالمُؤَدَّاةِ] (٢١) وإنْ قضَاهَا نَهَارًا (٢٢)، فقال أحمدُ: إنْ شَاءَ لم يَجْهَرْ، فَيَحْتَمِلُ [أن يُسرَّ بها] (٢٣). وهو مَذْهَبُ الأوزاعِيِّ، والشافعيِّ؛ لأنَّ صلاةَ النَّهَارِ عَجْمَاءُ، [وهذه صلاةُ نهارٍ] (٢٤) وَرَوَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ فَارْجُمُوهُ بِالبَعْرِ". رَوَاهُ أبو حَفْصٍ، بإسْنَادِهِ. [وهذه قد صارتْ صلاةَ نَهَارٍ] (٢٥)، ولأنّها صَلاةٌ مَفْعُولَةٌ بالنَّهارِ، فَأَشْبَهَ الأداءَ فيهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَجْهَرَ فيها، ليَكُونَ القَضَاءُ على وَفْقِ الأدَاءِ، وهو قولُ أبي حنيفَةَ، وأبي ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ. ولا فَرْقَ عند هؤلاءِ بين المُنفَرِدِ والإِمَامِ. [وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّه مُخَيَّرٌ بين الأمرَيْن، لشَبَهِ الصلاةِ المقضيَّةِ بالحالَيْن] (٢٦). ١٨٧ - مسألة؛ قال: (ويَقْرَأُ في الصُّبْحِ بِطِوَالِ المُفَصَّلِ، وَفِى الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى: بِنَحْوِ الثَّلَاثِينَ آيةً، وَفِى الثَّانِيَةِ بِأيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِى العَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَفِى المَغْرِب، بِسُوَرِ آخِرِ المُفَصَّلِ، وَفِى العِشَاءِ الآخِرَةِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ومَا أَشْبَهَهَا) . وجُمْلَةُ ذلكَ، أنَّ قِرَاءَةَ السُّورةِ بعدَ الفاتحةِ مَسْنُونةٌ [في الرَّكعتين من كلِّ صلاةٍ. لا نعلمُ في هذا خلافًا] (١). ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ على الصِّفَةِ التي بَيَّنَ الْخِرَقِيُّ؛ اقْتِدَاءًا برسولِ اللهِ ﷺ ، واتِّبَاعًا لِسُنَّتِهِ، [فأمَّا في صلاةِ الصُّبْحِ فقد روَى أبو بَرْزَةَ] (٢)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صلاةِ الغَدَاةِ بالسِّتِّينَ إلَى المِائَة. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن جابرِ بن

стр. 779

سَمُرَةَ. أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفجرِ بِقَاف والقُرْآنِ المَجيدِ ونحوِها، فكانَتْ صلاتُهُ بَعْدُ إلى التَّخْفِيفِ. وقال قُطْبَةُ بنُ مالكٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقرَأُ في الفجرِ ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ (٤). رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (٥). ورَوَى النَّسَائِيُّ (٦)، أنَّهُ قَرَأَ فيهَا الرُّومَ. [ورَوَى ابنُ ماجَه] (٧)، عن عبدِ اللهِ بن السَّائِبِ قال: قرَأَ النبيُّ ﷺ في صلاةِ الصُّبْحِ بـ "المؤمنون". فلَمَّا أتَى على ذِكْرِ عِيسَى أصابَتْهُ شَرْقَةٌ (٨)، فرَكَعَ. [ورَوَى أبو داوُد وابْنُ ماجه] (٩) عن عمرِو بنِ حُرَيْثٍ قالَ: كأَنِّي أَسْمَعُ صوتَ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ في صلَاةِ الغَدَاةِ ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (١٠). فأمَّا صلاةُ الظهْرِ والعصرِ (١١)، فَرَوَى [مُسْلِمٌ، وأبو داوُد، وابْنُ ماجَه] (١٢) عن أبي سعيدٍ -[يَعْنِى الخُدْرِيّ ﵁] (١٣)، قالَ: اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ (١٤)

стр. 780

مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ فقالُوا: تَعَالَوْا حتى نَقِيسَ قراءَةَ رسولِ اللهِ ﷺ فيما لم يَجْهَرْ فيهِ مِن الصلاةِ، فما أخْتَلَفَ مِنهم رَجُلَانِ، فقَاسُوا قِرَاءَتَهُ في الرَّكعةِ الأُولَى مِن الظهرِ بقَدْرِ ثلاثِينَ آية، وفى الرَّكْعةِ الأُخْرَى قَدْرَ النِّصْفِ من ذلكَ، وقَاسُوا ذلكَ في (١٥) العَصْرِ على قَدْرِ النِّصْفِ مِن الركعتينِ الأُخْرَيَيْنِ مِن الظهرِ. هذا لفظُ روايةِ (١٦) ابنِ ماجَه. ولفظ أبى دَاوُد: حَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِن الظُّهْرِ قَدْرَ ثلاثِينَ آية، قَدْرَ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدةِ، وحَزَرْنَا قِيَامَهُ في الأُخْرَيَيْنِ على النِّصْفِ مِنْ ذلكَ، وحَزَرْنَا قيَامَهُ في الأُولَيَيْنِ مِن العصرِ على قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِن الظهْرِ، وحَزَرْنَا قيامَهُ في الأُخْرَيَيْنِ مِن العصرِ على النِّصْفِ [مِن ذلكَ. ولَفْظُ مُسْلِمٍ كذلكَ] (١٧)، ولم يقُلْ قَدْرَ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وقالَ: وفى الْأُخْريَيْنِ مِن العصرِ على قَدْرِ ذلك. وعن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يقْرَأُ في الظهرِ باللَّيْلِ إذا يَغْشَى، وفى العصر نحوَ ذلكَ، وفى الصُّبْحِ أطوَلَ مِنْ ذلكَ. وفى حديثٍ: كانَ يَقْرَأُ في الظهْرِ بسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وفى الصُّبْحِ أطوَلَ مِنْ ذلكَ. أخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ (١٨). ورَوَى أبو داوُد عن جابرِ بن سَمُرَةَ، قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهرِ والعَصْرِ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ وشَبَهِهِمَا. فأمَّا المغرِبُ والعِشَاءُ، فَرَوَى (١٩) ابْنُ ماجَه (٢٠)،

стр. 781

عنِ ابْنِ عمرَ، قالَ: كانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ في المغرِبِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وعنَ البَراءِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قرأ في العِشَاءِ بالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فِي السَّفَر. مُتَّفَقٌ عليه (٢١). ورَوَى مُسْلِمٌ (٢٢) أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِمُعاذٍ (٢٣): أفَتَّانٌ أنْتَ يَا مُعَاذُ؟ يَكْفِيكَ أَنْ تَقْرَأَ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى (٢٤). وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى". وكتبَ عمرُ إلى أبى موسى، أن اقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بطِوَالِ المُفَصَّلِ، وأقْرَأْ في الظهرِ بِأواسِطِ المُفَصَّلِ، واقْرَأْ في المغرِبِ بقِصَارِ المُفَصَّلِ. رَوَاهُ أبو حَفْصٍ بإسْنَادِه. ١٨٨ - مسألة؛ قال: (ومَهْمَا قَرَأَ بِهِ بَعْدَ أُمِّ الكِتَابِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَجْزَأَهُ) [وذلك لأنَّ] (١) قرَاءَةَ السورةِ غيرُ واجبَةٍ، فالتَّقْدِيرُ أوْلَى أنْ لا يَجِبَ، والأَمْرُ في هذا واسِعٌ، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ وأصحابِه أنَّهم قرأُوا بأقلَّ مِنْ ذلكَ وأكثرَ.

стр. 782

وثبَت (٢) أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قرأَ فِي المغرِبِ بالمُرْسَلَاتِ، وقرأَ فيها بالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (٣). وعن جُبَيْر بنِ مُطْعِمٍ، أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقرأُ في المغرِبِ بِالطُّورِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وقرأ فيها بالأَعْرَافِ، رَوَاهُ زيدُ بنُ ثابتٍ. وأخْرَجَهُ أبو داوُد (٥). وعن رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَة. أَنَّهُ سمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الرَّكعتين كِلْتَيْهِمَا، فلا أدرِى أنَسِىَ رسولُ اللهِ ﷺ ، أمْ قَرَأَ ذلكَ عَمْدًا. رَوَاهُ (٦) أبو داوُد (٧). وعنه (٨)، أنَّهُ قرأ في الصُّبْحِ بالمُعَوِّذَتَيْنِ. وكان ﵇ يُطِيلُ تارَةً ويُقَصِّرُ أخرى، بحَسَبِ الأحوالِ، [ورُوِىَ عنه] (٩) أَنَّه قالَ ﵇: "إنِّي

стр. 783

لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ، فَأُخَفِّفُ؛ مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ". وقد ذكرْنا ذلك (١٠). فصل: ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُطِيلَ الرَّكْعةَ الأُولَى مِن كلِّ صلاةٍ؛ ليَلْحَقَهُ القَاصِدُ للصَّلاةِ، وقال الشافعيُّ: يكونُ الأُولَيَانِ متساويَيْنِ (١١)؛ لحديثِ أبى سعيدٍ: حَزَرْنَا قيامَ رسُولِ اللهِ ﷺ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِن الظُّهرِ قَدْرَ الثلاِثِينَ آية (١٢). ولأنَّ الأُخْرَيَيْنِ مُتَسَاويتانِ، فكذلِكَ الأُولَيَانِ. ووافقَنا أبو حنيفَةَ في الصبحِ، خاصَّةً (١٣)، ووافقَ الشافعىَّ في سائرِ (١٤) الصَّلَواتِ. ولَنا، ما رَوَى أبو قَتادة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يقرأُ في الرَّكْعتينِ الأُولَيَيْنِ مِن الظُّهْرِ بفاتحةِ الكتابِ وسُورتَيْنِ، يُطوِّلُ في الأُولَى، ويُقَصِّرُ في الثانيةِ، ويُسْمِعُ الآيةَ أَحْيَانًا، وكان يَقْرَأُ في العصرِ في الرَّكْعتينِ الأُولَيَيْنِ بفاتحةِ الكتابِ وسُورتَيْنِ، يُطَوِّلُ في الأولى ويُقَصِّرُ في الثانيةِ، وكانَ يُطوِّلُ في الرَّكْعةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ويُقَصِّرُ في الثانيةِ. مُتَّفَقٌ عليهِ (١٥). ورَوَى أبو داوُد هذا الحديثَ، وفيه قال: "فَظَنَنَّا أنه (١٦) يُرِيدُ بذلكَ أنْ يُدْرِكَ الناسُ

стр. 784

الرَّكْعةَ الأُولَى. وعن عبدِ اللهِ بنِ أبي أوْفَى: أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كانَ يقومُ في الرَّكْعةِ الأُولَى مِن صلاةِ الظهرِ حتى لا يَسْمَعَ وَقعَ قَدَمٍ (١٧). وحديثُ أبى سعيدٍ (١٨) رَوَاهُ ابنُ ماجَه: وفى الرَّكعةِ الأُخْرَى قَدْرَ النصفِ من ذلكَ. وهذا أولَى؛ لأنه يُوَافِقُ الأحادِيثَ الصحيحَةَ، ثم لو قَدَّرْنَا التَّعَارُضَ وجبَ (١٩) تَقْدِيم حديثِ أبى قتادةَ (٢٠)؛ لأنَّه أصَحُّ، ويَتَضَمَّنُ زيَادَةً، وهى ضَبْطُ التَّفْرِيقِ بين الرَّكْعتَيْنِ. قال أحمدُ، ﵀، في الإِمامِ يُطوِّلُ في الثَّانيةِ، يَعْنِى أكثرَ مِن الأُولَى: يُقالُ له في هذا تعلَّم. وقال أيضًا، في الإِمامِ يُقَصِّرُ في الأُولَى ويُطوِّلُ في الآخِرةِ: لا يَنْبَغِى هذا، يُقالُ له، ويُؤْمَرُ. فصل: قالَ أحمدُ (٢١) في رِوَايَةِ أبى طالبٍ، وإسحاقَ بنِ إبراهيمَ: لا بَأْسَ بالسُّورةِ في ركعتَيْنِ؛ وذلك لِمَا رَوَى زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قرأَ في المغرِبِ بالأعْرافِ في الرَّكْعَتيْنِ كِلْتَيْهما (٢٢). [ورَوَى الخَلَّالُ بإسنادِهِ عن] (٢٣) عائشةَ، رضىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كانَ يُقَسِّمُ البَقَرَةَ في الرَّكْعتينِ. [وبإسْنَادِهِ عن الزُّهْرِىِّ قالَ: أخْبَرَنِى أنسٌ] (٢٤)، قالَ: صَلَّى بنا أبو بكرٍ رضى اللهُ عنهُ صلاة الفجرِ، فافْتَتَحَ سورةَ البَقَرَةِ، فقرأ بها في ركْعتَيْنِ، فَلَمَّا سلمَ قامَ إليهِ عمرُ، فقالَ: ما

стр. 785

كِدْتَ تَفْرُغُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ. فقالَ: لو طلَعتْ لألْفَتْنا غيرَ غَافِلِينَ. [وقد قرَأَ النَّبِىُّ ﷺ بسُورَةِ المُؤْمِنِينَ، فلما أتَى علَى ذِكْرِ عيسَى أخَذَتْهُ شَرْقَةٌ، فركعَ] (٢٥). ولا بأس أيْضًا (٢٦) بقراءةِ بعضِ السُّورةِ في الرَّكْعةِ؛ لِما رَوَيْنَا [مِن الأحاديثِ، وهى تتضمَّنُ ذلك، وقد نص عليه أحمدُ، واحْتَجَّ بما رَوَاهُ بإسْنَادِهِ] (٢٧). عن ابْنِ أبْزَى قالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عمرَ، فَقَرَأَ سورةَ يوسفَ حتى إذا بَلَغَ: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ (٢٨) وَقَعَ عليه البُكَاءُ فركعَ، ثُمَّ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ فسجدَ فيها، ثم قامَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾. ولأنه إذا جازَ أنْ يقْتَصِرَ على قرَاءَةِ آيةٍ [مِن السُّورةِ] (٢٧) فهى بعضُ السُّورةِ. فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلِ يقرأُ في الرَّكْعةِ بسُورةٍ ثم يَقُومُ فيقرأُ بها في الرَّكْعةِ الأُخرَى؟ فقال: وما بأسٌ بذلك؟ وقد رَوَى [النَّجَّادُ، بإسْنَادِهِ] (٢٩) عن أبي الحُوَيْرِثِ: أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى المغربَ، فقَرَأَ بِأُمِّ الكتابِ، وقرأ معها إذا زُلْزِلتِ، ثم قامَ فقَرَأَ في الثانيةِ بِأُمِّ القُرْآنِ، وقَرَأ إذا زُلْزِلَت أيضًا. وَرَوَاهُ أبو داوُد (٣٠) [عن النَّبِيِّ ﷺ . وقد رَوَيْنَا مِن حديثِ البُخارِىِّ (٣١): أنَّ رَجُلًا كانَ يقرأُ في كلِّ ركعةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فرُفِعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فأقَرَّهُ عليه.] (٣٢)

стр. 786

فصل: قالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لأحمدَ: الرَّجُلُ يقرأُ على التَّأْلِيفِ [في الصَّلاةِ] (٣٣)، اليومَ سورةً. وغدًا التي تَلِيها، ونحوَهُ (٣٤)؟ قال: ليس في هذا شيءٌ. إلَّا أنه رُوِىَ عن عُثْمَانَ أنَّه فعلَ ذلكَ في المُفَصَّلِ وحدَهُ، وقد رُوِىَ عن أنَسٍ، قال: كانَ أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ يقرأُونَ القُرْآنَ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ في الفرائِضِ. إلَّا أنَّ أحمدَ قالَ: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ. وقال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عَنِ الرَّجُلِ يقرأُ في الصَّلاةِ حيثُ ينْتَهِى جُزْؤُهُ؟ فقالَ: لا بأسَ به في الفَرَائِضِ. فصل (٣٥): قالَ أحمدُ: لا بأْسَ أَنْ يُصَلِّىَ بالناسِ القِيامَ وهو يَنْظُرُ في المصحفِ. قيل له: في (٣٥) الفريضَةِ؟ قالَ: لا (٣٥)، لم أسْمَعْ فيِه شيْئًا. وقالَ القَاضِى: يُكْرَهُ في الفَرْضِ، ولا بأْسَ بهِ في التطوعِ إذا لم يَحْفَظْ، فإنْ كانَ حافظًا كُرِهَ أيضًا. [لأنَّ أحمدَ سُئِلَ] (٣٦) عن الإِمامَةِ في المصحف في رمضانَ؟ فقال: إذا اضْطُرَّ (٣٧) إلى ذلك. [نَقَلَهُ عَلِىُّ بنُ سعيدٍ، وصالحٌ، وابْنُ منصورٍ] (٣٨). وحُكِىَ عن ابْنِ حامِدٍ، أنَّ النَّفْل والفرضَ في الجوازِ سواءٌ (٣٩). وسُئِل الزُّهْرِىُّ عن رجلٍ يقرأُ في رمضانَ في المصحفِ،

стр. 787

فقال: كان خِيارُنا يقرأون في المصاحفِ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاء، ويحيى الأنْصارِىِّ، وعن الحسن، وابنِ سِيرِينَ، في التَّطوُّعِ. ورُوِيتْ كَراهةُ ذلك عن سعيد بن المُسَيَّب، والحسن، ومُجاهد، وإبراهيم، وسليمان بن حَنْظَلةَ، والرَّبِيع. وقال سعيد، والحسنُ: تُرَدِّدُ ما معك من القرآنِ، ولا تقرأُ في المصحفِ. وذلك لأنَّه يشْغَلُ عن الخُشوعِ في الصَّلاةِ، والنَّظرِ إلى موضع الثُّبوتِ. وكُرهَ في الفَرْضِ علَى الإِطْلاقِ؛ لأن العادةَ عدمُ الحاجةِ إليها فيه. وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ الصَّلاةُ إذا لم يكنْ حافظًا؛ لأنَّه عملٌ طويلٌ. ورُوِىَ عن ابن عبَّاسٍ، قال: نهانا أميرُ المؤمنين أنْ نَؤُمَّ النَّاسَ في المصاحفِ. وأن يَؤُمَّنا إلَّا مُحْتَلِمٌ. رواه ابنُ أبي داودَ في كتاب "المصاحف" (٤٠). ولَنا، أنَّ عائشةَ كان يؤُمُّها عبدٌ لها في المصحفِ. رواه الأثْرَمُ، وابن أبي داود (٤١)، وقَوْلُ الزُّهْرِىِّ: كان خِيارُنا يفعلونَه، ولأنَّه نظرٌ إلى موضعٍ مُعَيَّنٍ، فلم تَبْطُلِ الصلاةُ به، كما لو كان حافظا، وكالنَّظَرِ إلى القلمِ. ولم يُكْرَهْ في قيامِ رمضانَ إذا لم يكنْ حافظًا؛ للحاجةِ إلى سماعِ القرآن، وتَعَذُّرِه بدونه، وكُرِه في الفَرْضِ في حقِّ الحافظِ، لما فيه من الاشْتغالِ عن الخُشوعِ في الصلاةِ، مع الغِنَى عنه. ١٨٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا يزيد عَلَى قِرَاءَةِ أُمِّ الكِتَابِ في الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وعِشَاءِ الآخِرَةِ والرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ المَغْرِبِ) [أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ أنْ لا تُسَنَّ الزِّيادَةُ على فاتحةِ الكتابِ في غير الركعتينِ الأولَيَيْنِ] (١)، قالَ ابْنُ سِيرِينَ: لا أعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ في (٢) أنَّه يَقْرَأُ في الرَّكْعتينِ الأُولَيَيْنِ

стр. 788

بفاتحَةِ الكتابِ وسورةٍ، وفى الأُخْرَيَيْنِ بفاتحةِ الكتابِ. ورُوِىَ ذلكَ عن ابنِ مسعودٍ، وأبى الدَّرْدَاءِ، وجابرٍ، وأبى هُرَيْرةَ، وعائشة [وبه قال مالك، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وهو أحد قَوْلَىِ الشَّافِعىّ، وقال في الآخَرِ: يقرَأُ بسورةٍ مع الفاتحةِ في الأُخْريَيْن] (٣)؛ لِما رَوَى الصُّنَابِحِىُّ (٤)، قال: صَلَّيْتُ خلفَ أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ المغربَ، فدَنَوْتُ منهُ حتى إنَّ ثِيَابِى تكادُ تَمَسُّ ثيابَهُ، فقرأ في الرَّكْعةِ الأخِيرَةِ بِأُمِّ الكِتَابِ، وهذه الآيَةِ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ (٥). ولَنا: حديثُ أبى قَتادةَ (٦)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كانَ يقْرأُ في الظُّهْرِ في الرَّكْعتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بأُمِّ الكتابِ وسُورتَيْنِ، وفى الرَّكْعتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأمِّ الكتابِ، ويُسْمِعُنَا الآيَةَ أحْيَانًا (٧). وكتبَ عمرُ إلى شُرَيْح: أنِ اقْرَأْ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ وسورةً، وفى الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ (٨). وما فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ ﵀ إنَّمَا قَصَدَ بِهِ الدُّعاءَ، لا القراءَةَ. [ولو قَصَد به القراءةَ لَكان الاقْتداءُ بالنَّبِىِّ ﷺ أَوْلَى، مع أن قَوْلَ عمرَ وغيرِه من الصَّحابةِ بخلافِه] (٩).

стр. 789

فأمَّا إنْ دَعَا إنْسَانٌ في الرَّكعةِ الآخِرَةِ بآيَةٍ [مِن القُرْآنِ مِثل ما فَعَلَ الصِّدِّيقُ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ: أنه سُئِلَ عن ذلكَ؟ فقالَ: إنْ شَاءَ قالَهُ، ولا نَدْرِى أكانَ ذلكَ قرَاءَةً مِنْ أبى بكرٍ أوْ دُعَاءً؟ فهذَا يَدُلُّ على أنه لا بأسَ بذلكَ؛ لأنه دُعَاءٌ في الصلاةِ فلم يُكْرَهْ، كالدُّعَاءِ في التَّشَهُّدِ] (١٠). ١٩٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ مِنَ الرِّجَالِ وَعَلَيْهِ مَا يَسْترُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ ورُكْبَتِهِ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ) وجُمْلَةُ ذلكَ أنَّ سَتْرَ العَوْرةِ عن النَّظرِ بما لا يَصِفُ البَشَرَةَ واجبٌ، وشَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ (١). وبهِ قالَ الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وقال بعضُ أصْحابِ مالكٍ: سَتْرُهَا واجبٌ، وليس بِشَرْطٍ لصحةِ الصلاةِ. وقالَ بعضُهم: هي شَرْطٌ مع الذِّكْرِ دُونَ السَّهْوِ (٢). [احْتَجُّوا على أنَّها ليست شَرْطًا بأنَّ وُجُوبَهَا لا يخْتَصُّ بالصلاةِ، فلم يكنْ شَرْطًا، كاجْتِنَابِ الصَّلاةِ في الدَّارِ المَغْصُوبَةِ] (٣). [ولَنا: ما روتْ عائشةُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ] (٤): "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ". رَوَاهُ أبو داوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ (٥)، وقالَ حديثٌ حسنٌ، وقَالَ سلمة بنُ الأكْوَعِ: قلتُ يا رسولَ

стр. 790

اللهِ، إنِّي أكُونُ في الصَّيْدِ (٦)، فأُصَلِّى في القَمِيصِ الواحدِ؟ قالَ: "نَعَمْ، وَازْرُرْهُ ولَوْ بِشَوكَةٍ (٧) ". حديثٌ حسنٌ. [وما ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بالإِيمانِ والطَّهارَةِ، فإنها تَجِبُ لِمَسِّ المصْحَفِ، والمسألةُ ممنوعةٌ] (٨)، قالَ ابن عبدِ البَرِّ: احْتَجَّ من قالَ السَّتْرُ مِن فرائِضِ الصلاةِ، بالإِجْماعِ على إفْسَادِ مَنْ ترَكَ ثَوْبَهُ وهو قَادِرٌ على الاسْتِتَارِ به، وصَلَّى عُرْيَانًا، قال: وهذا أجمعُوا عليْه كُلُّهم. [إذا ثبَت هذا، فالكلامُ في حَدِّ العورةِ، والصَّالِحُ في المذهب، أنَّها مِن الرَّجُلِ] (٩) ما بين السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. نَصَّ عليهِ أحمدُ فِي روايةِ جَماعةٍ، وهو قولُ مالكٍ، والشَّافعىِّ، [وأصْحاب الرَّأْىِ] (١٠)، وأكثرِ الفقهاءِ، [وعن أحمدَ] (١١) رِوَايَةٌ أُخْرَى أنَّها الفَرْجَانِ. قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ: ما العورةُ؟ قالَ: الفَرْجُ والدُّبُرُ. وهذا قولُ ابْنِ أبى ذِئْبٍ، وداوُد؛ لِما رَوَى أنَسٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ يومَ خَيْبَر، حَسَرَ الإِزَارَ عن فَخِذِهِ، حتى إنِّي لأنْظُرُ إلى بَيَاضِ فَخِذِ النَّبِيِّ ﷺ . رَوَاهُ البُخارِىُّ. (١٢) وروت عائشةُ قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ في بيتِهِ كَاشِفًا عن فَخِذِهِ، فاسْتأذَنَ أبو بكرٍ، فأذِنَ له وهو على ذلك، ثم اسْتأذنَ عمرُ فأذِنَ له وهو على ذلك (١٣). وهذا يَدُلُّ على أنه ليس بعَوْرَةٍ،

стр. 791

ولأنَّه ليس بمَخْرَجٍ للْحَدَثِ، فلم يكنْ عَوْرةً، كالسَّاقِ. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما رَوَى [الخَلَّالُ بإسْنادِهِ، والإمامُ أحمدُ، في "مُسْنَدِهِ"، عن] (١٤) جَرْهَدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَآهُ قد كَشَفَ عن فَخذِهِ، فقالَ: "غَطِّ فَخِذَكَ؛ فَإِنَّ الفَخِذَ مِن العَوْرَةِ (١٥) ". [قال البُخارِىُّ (١٦): حديثُ أَنَسٍ أسْنَدُ، وحديثُ جَرْهَدٍ أحْوَطُ] (١٧). ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (١٨)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لِعَلِىٍّ رَضِىَ اللهُ عنهُ: "لَا تَكْشِفْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ فَخِذَ حَىٍّ، وَلَا مَيِّتٍ". [وهذا صريحٌ في الدَّلَالَةِ، فكانَ أوْلَى] (١٩). ورَوَى أبو بكرٍ، بإسْنادِهِ، عن أبي أيُّوب الأنْصارِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أسْفَلُ السُّرَّةِ وفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ (٢٠) مِنَ العَوْرَةِ (٢١) ". ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ، (٢٢) بِإسْنادِهِ عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ،

стр. 792

عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى شَىْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ؛ فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ [إلَى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ] (٢٣) ". وفى لَفْظٍ: "مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ ورُكْبَتِهِ (٢٤) مِنْ عَوْرَتِهِ". [رَواه أبو بكر، وفى لفظٍ: "إذَا زَوَّجَ أحدُكم خادمَه، عبدَه، أو أَجِيرَهُ، فلا يَنْظُرْ إلى ما دون السُّرَّةِ وفوق الرُّكْبةِ". رواه أبو داوُد. وهذه نُصوصٌ يتعيَّنُ تقْديمُها، والأحاديثُ السابقةُ تُحْمَلُ على أنَّ غيرَ الفَرْجيْن عَوْرةٌ غيرُ مُغَلَّظَةٍ، والمُغَلَّظةُ هي الفَرْجان] (٢٥). [والحُرُّ والعَبْدُ في هذا سَوَاءٌ؛ لِعُمومِ الأخْبارِ فيهما] (٢٦). فصل: وليستْ سُرَّتُه ورُكْبتاهُ مِن عَوْرتِه. نَصَّ عليه أحمدُ في مَواضِعَ. وهذَا قالَ بهِ مالكٌ والشافعيُّ، وقال أبو حنيفةَ: الرُّكْبةُ مِن العورةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الرُّكْبَةُ مِنَ العَوْرَةِ" (٢٧). ولَنا، [ما تَقدَّمَ مِنْ حديثِ] (٢٨) أبى أيُّوب، وعمرِو بن شُعَيْبٍ، ولأنَّ الرُّكْبةَ حَدُّ [العَوْرَةِ فلم تكنْ منها، كالسُّرَّةِ] (٢٩). وحديثُهُمْ يروِيهِ أبو الْجَنُوبِ (٣٠)، لا يُثْبِتُهُ أهلُ النَّقْلِ. وقد قَبَّلَ أبو هُرَيْرةَ سُرَّةَ الحسنِ، ولو كانَتَ عَوْرةً لم يَفْعَلَا ذلك (٣١). فصل: والواجبُ السَّتْرُ بِما يَسْتُرُ لونَ البَشَرةِ، فإنْ كانَ خفيفًا يُبيِّنُ لونَ الجلدِ

стр. 793

مِن ورَائِهِ، فيُعْلَمُ بيَاضُه أَوْ حُمْرَتُه، لم تَجُزِ الصَّلاةُ فيه؛ لأنَّ السَّتْرَ لا يَحْصُلُ بذلك. وإنْ كانَ يَسْتُرُ لونَها، ويَصِفُ الخِلْقَةَ، جازتِ الصلاةُ؛ لأنَّ (٣٢) هذا لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزَ منهُ، وإنْ كان السَّاتِرُ صَفِيقًا. فصل: فإِنِ انْكَشَفَ مِن العَوْرَةِ يَسِيرٌ. لم تَبْطُلْ صلاتُهُ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال أبو حنيفَةَ. وقال الشَّافِعىُّ: تبطُلُ؛ لأنَّه حُكْمٌ تَعَلَّقَ بالعَوْرَةِ، فاسْتَوى قَلِيلُه وكثيرُه، كالنَّظَرِ (٣٣). ولَنا: ما رَوَى [أبو داوُد، بإسْنَادِهِ عن أيُّوب، عن عمرِو بن سَلِمَةَ] (٣٤) الجَرْمِىِّ (٣٥) قالَ: انطلَقَ أبِى وافدًا إلى رسولِ اللَّه ﷺ في نَفَرٍ مِن قومِهِ، فعلَّمَهُم الصلاةَ، وقالَ: "يَؤُمُكُمْ أَقْرَؤُكُمْ". فكُنْتُ أقْرَأَهُمْ فقَدَّمُونِى، فكُنْتُ أؤُمُّهُمْ وعلَىَّ بُرْدَةٌ لي (٣٥) صَفْرَاءُ صغيرةٌ، وكنتُ إذا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عنِّى، فقالَت امْرَأَةٌ مِن النِّساءِ: وارُوا عنَّا عَوْرَةَ قارِئِكُم. فاشْتَرَوْا لي قَمِيصًا عُمَانِيًّا، فما فرِحْتُ بشيءٍ بعدَ الإِسلامِ فَرَحِى بهِ. [ورَوَاهُ أبو داوُد، والنَّسَائِىُّ أيضًا، عن عَاصِمٍ الأحوَلِ، عن عمرِو بنِ سَلِمَةَ، قال] (٣٦): فكنتُ أؤُمُّهُمْ في بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ (٣٧) فيها فَتْقٌ، فكنتُ إذا سجدتُ فيها خرجتِ اسْتِى (٣٨). وهذا ينْتَشِرُ ولم يُنْكَرْ، ولا

стр. 794

بلَغنا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أنكرهُ [ولا أحدٌ مِن أصْحابِه] (٣٩)؛ ولأنَّ ما صَحَّتِ الصلاةُ مع كثيرِهِ حالَ العُذْرِ، فُرِّقَ بين قَلِيلِهِ وكثيرِهِ في غيرِ حالِ العُذْرِ، كالمَشْىِ، ولأنَّ الاحْتِرَازَ مِن اليَسِيرِ يَشُقُّ، فَعُفِىَ عنهُ كيسِيرِ الدَّمِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ حدَّ الكثيرِ ما فَحُشَ في النظرِ، ولا فَرْقَ في ذلكَ بين الفَرْجَيْنِ وغيرِهما. واليَسِيرُ ما لا يَفْحُشُ، والمَرْجِعُ في ذلكَ إلى العادةِ، [إلَّا أنَّ المُغَلَّظَةَ يفْحُشُ منها ما لا يفْحُشُ مِن غيرِها، فيُعْتَبَرُ ذلك في المانِعِ من الصلاةِ.] (٤٠) وقال أبو حنيفةَ: إنِ انْكشفَ مِن المُغَلَّظَةِ قدرُ الدِّرْهَمِ أو مِنَ المُخَفَّفَةِ (٤١) أقلُّ مِنْ رُبْعِهَا، لم تَبْطُلِ الصلَّاةُ (٤٢). وإنْ كانَ أكثَرَ، بَطَلَتْ. ولَنا، أنَّ هذا [تقديرٌ لمْ يَرِد الشَّرْعُ به] (٤٣)، [فَلا يجوزُ المصيرُ إليه، ولأنَّ ما لم يَرِدِ الشَّرْعُ بتْقديرِهِ يُرَدُّ] (٤٤) إلى العُرْفِ، كالكثِيرِ مِن العملِ في الصَّلاةِ، والتَّفَرُّق والإِحْراز (٤٥)، والتَّقْدِيرُ بالتَّحَكُّمِ مِنْ غيرِ دليلٍ لا يَسُوغُ. فصل: فإن انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ عن غيرِ عَمْدٍ، فسَتَرَهَا في الحالِ، مِن غيرِ تَطَاوُلِ الزَّمانِ، لم تبطُلْ؛ لأنَّه يَسِيرٌ [مِن الزمانِ] (٤٦)، أشْبهَ اليَسِيرَ في القَدْرِ. وقالَ [أبو الحسن] (٤٧) التَّمِيمِىُّ، [في "كتابِهِ"] (٤٨): إنْ بدتْ عورتُه وقتًا واسْتَتَرَتْ وقتًا، فلا إعادةَ عليهِ؛ لحدِيثِ عمرِو بنِ سَلِمَةَ. ولم يَشْتَرِط اليَسِيرَ، ولا بُدَّ

стр. 795

مِن اشْتِرَاطِهِ؛ لأن الكثِيرَ [فَحُشَ انْكِشَافُ العَوْرةِ فيه] (٤٩) , ويُمْكنُ التَّحَرُّز منهُ، فلم يُعْفَ عنه، كالكثيرِ مِن القَدْرِ. ١٩١ - مسألة؛ قال: (إذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ شَىْءٌ مِنَ اللِّبَاسِ) وجُمْلَةُ ذلكَ، أنه يجِبُ أنْ يَضَعَ المُصَلِّى على عاتقِهِ شيئًا مِن اللِّباسِ، إنْ كانَ قادِرًا على ذلك. وهو قولُ ابْنِ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن أبي جعفرٍ، أنَّ الصلاةَ لا تُجْزِىءُ مَنْ لمْ يَخْمُرْ مَنْكِبَيْه. وقال أكثَرُ الفُقهاءِ: لا يجِبُ ذلك، ولا يُشْتَرَطُ لصِحَّةِ الصَّلاةِ. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لِأنَّهما ليسا بِعَوْرةٍ (١)، فأشْبَها بقيَّةَ البَدَنِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَة، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا يُصَلِّى الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَىْءٌ". رَوَاهُ [البُخارِىُّ، ومُسْلِمٌ، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرُهُم] (٢). وهذا نَهْىٌ يَقْتَضِى التحريمَ، ويُقَدَّمُ على القِيَاسِ. [ورَوَى أبو داوُد، عن] (٣) بُرَيْدَة، قال: نَهَى

стр. 796

رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُصَلِّىَ في لِحَافٍ ولا يتَوَشَّحُ بهِ [وأن يُصلِّىَ في سَراوِيلَ، ليس عليه رِدَاءٌ] (٤). ويُشْتَرَطُ ذلكَ لصحَّةِ الصَّلاةِ في ظاهِرِ المذهبِ، [لأنَّه مَنْهِيُّ عن تَرْكِه في الصلاةِ، والنَّهْىُ يقْتضِى فسادَ المَنْهِيِّ عنه، ولأنَّها سُتْرَةٌ واجبةٌ في الصلاةِ، والإِخْلالُ بها يُفْسِدُها، كسَتْرِ العَوْرةِ] (٥). [وذكر القاضي، أنَّه] (٦) نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه ليس بشَرْطٍ، وأخذهُ مِن روَايَةِ مُثَنَّى [بنِ جامعٍ] (٧)، عن أحمدَ، فيمَنْ صَلَّى وعليهِ سَرَاوِيلُ، وثوبُهُ على إحْدَى عَاتِقَيْهِ، والأخرى مكشوفَةٌ: يُكْرَهُ. قِيلَ له: يُؤْمَرُ أَنْ يُعِيدَ؟ فلم يَرَ (٨) عليهِ إعَادَةً. [وليس بروايةٍ أخْرَى، ولا فيه دَلالةٌ عليها، وإنَّما يدلُّ هذا على أنَّه لا يجبُ سَتْرُ المَنْكِبَيْن جميعًا؛ لأنّ الخبرَ لا يقْتضِى ستْرَهما جميعًا.] (٩) فصل: ولا يَجِبُ سَتْرُ المنكبينِ [جميعًا، بل يُجْزئهُ وَضْعُ ثَوْبٍ على إحْدَى عاتِقَيْهِ، وإن كان يصفُ البَشَرةَ لأنَّ وجوبَ ذلك بالخبرِ] (١٠)، ولفظُهُ: "لَا يُصَلِّى الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ". وهذا يَقَعُ على ما يَعُمُّ المَنْكِبَيْنِ، وما لا يعُمُّهُمَا، [وقد ذكَرْنَا نَصَّ أحمدَ فيمَنْ صَلَّى وإحْدَى منكِبَيْهِ مكشُوفَةً، فلم يُوجِبْ عليهِ الإِعادَةَ] (١١). فإنْ طرَحَ على كتِفِهِ حَبْلًا أو [خَيْطًا و] (١٢)

стр. 797

نحوَهُ، فظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ أنه لا يُجْزِئُهُ؛ لقولِهِ: شيئًا مِن اللِّبَاسِ، وهذا لا يُسَمَّى لِباسًا. وهو قولُ القاضي. وقالَ بعضُ أصحابِنَا: يُجْزِئُهُ؛ لأن هذا شيءٌ، [فيكونُ الحديثُ مُتَناوِلًا لهُ] (١٣)، وقد رُوِىَ عن جَابِرٍ، أنَّه صَلَّى في ثوبٍ واحدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ، كأنِّي أَنْظُرُ إليهِ كأنَّ على عَاتِقِهِ ذَنَبَ فَأْرَةٍ (١٤). [وعن إبراهيمَ] (١٥) قالَ: كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ إذا لم يَجِدْ أحدُهُمْ ثَوْبًا أَلْقَى على عَاتِقِهِ عِقَالًا وصَلَّى. والصحيحُ: أنه لا يُجْزِئُهُ؛ لأن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عاتِقَيْهِ (١٦) ". مِن الصِّحَاحِ، ورَوَاهُ أبو داوُد (١٧). ولأنَّ الأمْرَ بوَضْعِهِ على العَاتِقَيْنِ لِلسَّتْرِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بوضعِ خَيْطٍ [ولا حَبْلٍ] (١٨)، ولا يُسَمَّى سُتْرَةً [ولا لِبَاسًا] (١٨). وما رُوِىَ عن جابرٍ لم يَصِحّ، وما رُوِىَ عن الصحابَةِ، إنْ صَحَّ عنْهُمْ (١٩). فلِعَدَمِ ما سِوَاهُ؛ [لقولِه: إذا لم يَجِدْ ثَوْبًا. وفى هذا دلالةٌ على أنَّ هذا لا يُجْزِىءُ مع وُجودِ الثَّوْبِ] (٢٠). فصل: ولم يُفَرِّقْ الْخِرَقِيُّ بين الفَرْضِ والنَّفْلِ؛ [لأنَّ الخَبرَ عامٌّ فيهما] (٢١)، ولأنَّ ما

стр. 798

اشْتُرِطَ للفرْضِ اشْتُرِطَ لِلنَّفْلِ، كالطَّهارَةِ. ونَصُّ أحمدَ (٢٢)، في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: أنَّه (٢٣) يُجْزِئُهُ أنْ يَأْتَزِرَ بالثَّوْبِ الواحدِ، ليس على عاتِقِهِ منهُ شيءٌ، في التَّطَوُّعِ؛ لأنَّ النافِلةَ (٢٤) مَبْنَاهَا على التَّخْفِيفِ. ولذلِكَ يُسَامَحُ [فيه بتَرْكِ القِيامِ، والاسْتقبال قى حال سَيْرِه، فسُومِح مَن يَتركُ القيامَ] (٢٥) بهذا المِقْدَارِ. واسْتَدَلَّ أبو بَكرٍ على ذلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ (٢٦) ". قال: هذا في التَّطَوُّعِ، وحديثُ أبي هُرَيْرةَ في الفَرْضِ. ١٩٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ) [وجُمْلَةُ ذلك] (١) أَنَّ الكلامَ في اللباسِ في أربعةِ فُصُولٍ؛ الفصلُ الأولُ، فيما يُجْزِىءُ [في الصَّلاةِ] (٢). والثانِي، في الفَضِيلَةِ. والثالثُ، فيما يُكْرَهُ. والرابعُ، فيما يَحْرُمُ. أمَّا الأولُ [فإنَّه يُجْزِئُه منه ما ستر عَوْرَتَه، إذا كان على عاتِقِهِ شيءٌ مِن اللِّباسِ، سواءٌ كان من الثَّوْبِ الذي ستر به عَوْرتَه، أو مِن غيرِه؛ لما ذكرْنا، و] (٣) لِما رَوَى

стр. 799

عمرُ بنُ أبي (٤) سَلَمةَ: أنَّهُ رَأَى رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّى فِي ثوبٍ واحِدٍ، في بيتِ أمِّ سَلَمَة قد أَلْقَى طَرَفَيْهِ على عَاتِقَيْه. مُتَّفَقٌ عليهِ (٥)، وعَنْ جابرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإذَا كَانَ ضَيِّقًا [فَائْتَزِرْ بِهِ] (٦) " رَوَاهُ البخارِيُّ، وغيرُهُ (٧). وعَنْ أبِى هُريْرَةَ رضىَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن الصَّلاةِ في ثَوْبٍ واحدٍ؟ فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمالِكٌ في "مُوَطَّئِهِ" (٨)، [وصَلَّى جَابرٌ في قَميصٍ لَيْسَ عليه رِداءٌ، فَلمَّا انْصَرَفَ قال] (٩): إنِّي (١٠) رَأيْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّى في قَمِيصٍ. رَوَاهُ أَبُو داود (١١).

стр. 800

الفَصْل الثاني في الفَضِيلَةِ، وهو أنْ يُصَلِّى فِي ثوبينِ أوْ أكثرَ. [فإنَّه إذًا أَبْلغُ في السَّتْرِ] (١٢). [لما رُوِىَ] (١٣) عن عمرَ رضىَ اللهُ عنه، أنَّهُ قال: "إذا أَوْسَعَ اللهُ فأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عليهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ في إزَارٍ ورِدَاءٍ (١٤) في إزَارٍ وقَمِيصٍ، في إزَارٍ وقَبَاءِ، في سَرَاوِيلَ ورِدَاءٍ، في سَرَاوِيلَ وقَمِيصٍ، في سَرَاوِيلَ وقَبَاءٍ، في تُبَّانٍ (١٥) وقَمِيصٍ (١٦). وَرَوَى أبو دَاوُد (١٧) عن ابْنِ (١٨) عمرَ قال: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ أَو قَالَ: قال (١٨) عُمَرُ: "إذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ ثَوْبَانِ فَلْيُصَلِّ فيهمَا، فَانْ لَمْ يَكُنْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَلْيَتَّزِرْ بِهِ، وَلَا يَشْتَمِلِ اشْتِمَالَ اليَهُودِ". [قالَ التَّمِيمِيُّ: الثوبُ الواحدُ يُجْزِئُ، والثَّوْبَانِ أحْسنُ، والأَرْبَعُ أَكْمَلُ؛ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وعِمَامَةٌ وَإِزَارٌ. وَرَوَى ابْنُ عبدِ البر] (١٩) عن ابنِ (٢٠) عمرَ: أنَّه رَأَى نَافِعًا يُصَلِّى في ثوبٍ واحِدٍ، قال: أَلم تَكْتَسِ ثَوْبَيْنِ؟ قُلْتُ: بلَى. قالَ: فلو أُرْسِلْتَ إلى (٢١) الدَّارِ، أكُنْتَ تذهبُ في ثَوْبٍ واحِدٍ؟ قُلْتُ لا. قال: فاللهُ أحقُّ أن تَتَزَيَّن (٢٢) له أو النَّاسُ؟ قُلْتُ: بلِ اللهُ. وقالَ القاضي: وذلكَ في الإِمام آكَدُ منهُ في غيرِه؛ لأنَّه بين يَدَىِ المَأْمومِينَ، وتَتَعَلَّقُ صلاتُهُمْ بصلاتِهِ. فإنْ لم يكنْ إلَّا ثوبٌ واحدٌ فالقَمِيصُ

стр. 801

أوْلَى (٢٣)؛ لأنَّه أعَمُّ في السَّتْرِ، فإنَّه يَسْتُرُ جَمِيعَ الجسدِ إلَّا الرَّأْسَ والرِّجْلَيْنِ، ثم الرِّدَاءُ؛ لأنَّه يَلِيه في السَّتْرِ، ثم المِئْزَرُ أو (٢٤) السَّرَاوِيلُ. ولا يُجْزِىءُ مِن ذلكَ كُلِّهِ (٢٥) إلَّا ما سَتَرَ العورةَ عن غيرِهِ وعن نَفْسِهِ، فلو صَلَّى في قَمِيصٍ وَاسِعِ الجَيْبِ بِحَيْثُ لو رَكَعَ أو سَجَدَ رَأَى عورتَهُ، أو كانتْ بِحَيْثُ يراها، لم تَصِحَّ صلاتُهُ، ودَلَّ على ذلكَ حديثُ سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ [أنَّه قالَ للنَّبِيِّ ﷺ ] (٢٦): أُصَلِّى في القَمِيصِ الوَاحِدِ (٢٧)؟ قالَ: "نَعَمْ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ" (٢٨). قال الأَثْرَمُ: سُئِلَ أحمدُ عنِ الرَّجُلِ يُصَلِّى في القَمِيص الواحدِ غيرَ مَزْرُورٍ عليه؟ قال: يَنْبَغِى أنْ يَزُرَّهُ. قيل له: فإنْ كانتْ لحْيَتُهُ تُغَطِّيهِ، ولم يَكُنْ مُتَّسِعَ الجَيْبِ؟ قال: إنْ كانَ يَسِيرًا فجَائِزٌ. فعلَى هذا مَتَى ظَهَرَتْ عَوْزلُه له أو لغَيْرِهِ فَسَدَتْ صلاتُهُ. فإنْ لمْ تظهَرْ لكَوْنِ جَيْبِ القَمِيصِ ضَيِّقًا، أو شَدَّ وسَطَهُ بِمِئْزَرٍ أو حَبْلٍ فوقَ الثَّوبِ، أو كانَ ذا لِحْيَةٍ تَسدُّ الجَيْبَ فَتَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ، أو شدَّ إزَارَهُ، أوْ ألْقَى على جَيْبهِ رَداءً أو خِرْقَةً، فَاسْتَتَرَتْ عورتُهُ، أجزأَهُ ذلك. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. الفصلُ الثالثُ، فِيمَا يُكْرَهُ؛ يُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ؛ لِما رَوَى البخارِيُّ (٢٩)،

стр. 802

عن أبِى هُرَيْرة، وأبي سَعيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى عن لِبْسَتَيْنِ: اشْتِمَالَ الصَّمَّاءِ، وأنْ يَحْتَبِىَ الرَّجُلُ بِثَوْبٍ ليسَ بين فَرْجِهِ وبين السَّماءِ شيءٌ. واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، فقال بعضُ أصحابِنا: هو أنْ يَضْطَبِعَ بالثَّوْبِ ليس عليهِ غيرُه، ومعنى الاضْطِبَاعِ: أنْ يَضَعَ وسَطَ الرِّدَاءِ تحت عاتِقِهِ الأيْمَن، ويَجْعلَ (٣٠) طَرَفَيْهِ على مَنْكِبِهِ الأَيْسَرِ، فيبْقَى مَنْكِبُهُ الأيْمَنُ مَكْشُوفًا، [فكُره لذلك. وقد جاء تفسيرُ اشْتِمالِ الصَّمَّاءِ في حديثِ أبي سعيد بذلك، مِن روايةِ إسحاقَ، عن عبد الرزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن - أظنُّه - (٣١) عطاء بن يزيدَ، عن أبي سعيدٍ، أنَّ النَّبِيّ ﷺ نَهَى عن لِبْستَيْن؛ اشْتمالِ الصَّمَّاء، وهو أن يجعلَ وسط الرِّداءِ تحت مَنْكِبِه الأيْمَن، ويُردَّ طَرَفَه على مَنْكبِه الأيْسرِ] (٣٢). ورَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ [في اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ] (٣٣): أنْ يَضْطَبِعَ الرَّجُلُ (٣٤) بالثَّوْبِ ولا إزَارَ عليه. [فيَبْدُو منه شِقُّه وعورتُهُ] (٣٥)، أما إنْ كان عليهِ إزارٌ فَتِلْكَ لِبْسَةُ المُحْرِمِ، فلو كانَ لا يُجْزِئُه لم يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ (٣٦). ورَوَى أبو بكرٍ، بإسْنَادِهِ عن ابْنِ مسعودٍ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ أَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ ثَوْبًا واحدًا، يَأْخُذُ بجَوَانِبِه عن مَنْكِبِه، فَيُدْعَى تلكَ الصَّمَّاء. وقالَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ:

стр. 803

هو أنْ يلْتَحِفَ بالثَّوْبِ، ثم يُخْرِجَ يدَيْه منْ قِبَلِ صدرِهِ، [فتبْدُو عَوْرتُه] (٣٧). وقال أبو عُبَيْدٍ: (٣٨) اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، عند العَرَبِ: أنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بثوبِهِ (٣٩)، يُجَلِّلُ بهِ جَسَدَهُ كلَّهُ، ولَا يرفَعُ منهُ جَانِبًا يُخْرِجُ (٤٠) منهُ يَدَهُ. كأنَّهُ (٤١) يَذْهَبُ بهِ إلى أنه لَعَلَّهُ يُصِيبُهُ شيءٌ يُرِيدُ الاحْتِرَاسَ منهُ. فلا يَقْدِرُ عليه. وتَفْسِيرُ الفُقَهَاءِ (٤٢)، أنْ يَشْتَمِلَ بثَوْبٍ واحِدٍ ليس عليهِ غيرُهُ، ثم يَرْفَعَهُ مِن أحدِ جانِبَيْهِ، فَيَضَعَه على مَنْكِبَيْه، فَيَبْدُو منه فَرْجُه، وَالفُقَهَاءُ أعْلَمُ بالتَّأْوِيلِ. [فعلى هذا التَّفْسِيرِ يَكونُ النَّهْىُ للتَّحْرِيمِ، وتَفْسُدُ الصلاةُ معهُ] (٤٣). ويُكْرَهُ السَّدْلُ، وهو أنْ يُلْقِىَ طَرَفَ الرِّدَاءِ مِن الجانِبَيْنِ، ولا يَرُدَّ أحَدَ طَرَفَيْهِ عَلى الكَتِفِ الأُخْرَى، ولا يَضُمَّ الطَّرَفَيْنِ بيدَيْه. [وكَرِهَ السَّدْلَ] (٤٤) ابْنُ مسعودٍ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، ومُجَاهِدٌ، وعطاءٌ. ورُوِىَ (٤٥) عن جابرٍ، وابْنِ عمرَ، الرُّخْصَةُ فيهِ (٤٦)، وعن مَكْحُولٍ، والزُّهْرِيِّ، وعُبيدِ اللَّه بنِ الحسنِ [بنِ الحُصَيْنِ] (٤٧): أنهمْ فَعَلُوهُ، وعن الحسنِ وابْنِ سِيرِينَ، [أنَّهما كانا يَسْدُلان فوقَ قَمِيصِهمَا] (٤٨)، وقالَ ابْنُ المُنْذرِ: لا أَعْلَمُ فيهِ حديثًا يَثْبُتُ. وقد رُوِىَ عن أبِى

стр. 804

هُرَيْرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن السَّدْلِ في الصَّلاةِ، وأنْ يُغَطِّى الرَّجُلُ فاهُ. رَوَاهُ أبو داوُد (٤٩)، مِنْ طرِيقِ عَطَاءٍ. ثم رَوَى عن ابْنِ جُرَيْجٍ، أنَّه قال: أكثرُ ما رَأَيْتُ عطاءً يُصَلِّى سَادِلًا. ويُكْرَهُ إسْبَالُ القمِيصِ والإِزارِ والسَّراوِيلِ (٥٠)؛ [لأنَّ النَّبِيّ ﷺ أمر بَرفْعِ الإِزارِ. فإنْ فعلَ ذلك] (٥١) على [وجْهِ الخُيَلاءِ] (٥٢) حَرُمَ (٥٣)، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ". مُتَّفَقٌ عليهِ (٥٤). ورَوَى أبو داوُد (٥٥)، عن ابْنِ مسعودٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ أَسْبَلَ إزَارَهُ فِي صَلَاتِهِ خُيَلَاءَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ في حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ". ويُكْرَهُ أنْ يُغَطِّىَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ أوْ فَمَهُ (٥٦). لِما ذَكَرْنَا مِن حديثِ أبي هُريْرةَ:

стр. 805

أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى [عن السَّدْل في الصلاة، و] (٥٧) أنْ يُغَطِّى الرَّجُلُ فَاهُ. [وهل يُكْرَهُ التَّلَثُّمُ على الأنْفِ؟ على رِوَايَتَيْنِ: إحداهُما، يُكْرَهُ؛ لأنَّ ابْنَ عمرَ كرِهَهُ. والأُخْرَى، لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ تَخْصِيصَ الفمِ بالنَّهْىِ عن تَغْطِيَتِهِ تَدُلُّ على إبَاحَةِ تغطِيَةِ غيرِه.] (٥٨) وتُكْرَهُ الصلاةُ في الثَّوْبِ المُزَعْفَرِ للرَّجُلِ، وكذلِك المُعَصْفَرِ؛ لأن البُخارِيَّ ومُسْلِمًا (٥٩) رَوَيَا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى الرَّجُلَ عن التَّزَعْفُرِ. ورَوَى مُسْلِمٌ (٦٠)، عن عَلِيٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهُ، قال: نَهَانِى النَّبِيُّ ﷺ عن لِبَاسِ المُعَصْفَرِ". وقالَ عبدُ اللَّه بنُ عمرٍو: رأَى النَّبِيُّ ﷺ عَليَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فقال: "إنَّ هَذَا مِنْ ثِيَابِ

стр. 806

الكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهُمَا" (٦١). وَرَوَى أبو بكرٍ، (٦٢) بإسْنَادِهِ عن عِمْران بن الحُصَيْن، أنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قال: "لَا أَرْكَبُ الأُرْجُوَانَ (٦٣)، وَلَا أَلْبَسُ المُعَصْفَرَ". فأمَّا شَدُّ الوَسَطِ في الصَّلاةِ، فإنْ كانَ بمِنْطَقَةٍ أو مِئْزَرٍ أوْ ثَوْبٍ أو شَدِّ قَبَاءٍ، فلا يُكْرَهُ، روَايَةً واحدةً، قال أبو طالِبٍ: سألتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يُصَلِّى وعليه قميصٌ يأْتَزِرُ بالمِنْدِيلِ فَوْقَه (٦٤)؟ قالَ: نعَمْ، فَعَلَ (٦٥) ذلكَ ابْنُ عمرَ. وإنْ كانَ بِخَيْطٍ أوْ حبْلٍ مع سُرَّتِهِ وفَوْقَها فهل يُكْرَهُ؟ على رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُما، يُكْرَهُ؛ لِما فيه مِن التَّشَبُّهِ بأهلِ الكتابِ، وقد نهَى النَّبِيُّ ﷺ عن التشَبُّهِ بهم، وقالَ: "لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ اليَهُودِ". رَوَاهُ أبو داوُد (٦٦). والرِّوايَةُ الأخرَى، قال أحمدُ (٦٧): لا بأْسَ، أليْس قد رُوِىَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه (٦٧) قال: "لَا يُصَلِّى أحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ (٦٨) ". وقال عليُّ (٦٩) بنُ سعيدٍ: سألْتُ أحمدَ، عن حديثِ النبيِّ ﷺ : "لَا يُصَلِّى أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ". قال: كأَنَّهُ منْ شَدِّ الوَسَط. ورَوَى الخلَّالُ، بِإسْنَادِهِ عن الشَّعْبِيِّ، قال: كانَ يُقَالُ: شُدَّ حَقْوَكَ فِي الصَّلَاةِ ولَوْ

стр. 807

بِعِقَالٍ" وعن يَزِيدَ بنِ الأصَمِّ (٧٠) مِثْلُه. وأمَّا الصَّلاةُ في الثَّوْبِ الأحْمَرِ، فقال أصحابُنَا: يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لُبْسُه، والصلاةُ فيه. وقدِ اشْتَرَى عمرُ ثوبًا، فَرَأَى فيهِ خيطًا أحْمَرَ، فرَدَّهُ، وقد رَوَى أبو جُحَيْفَةَ، قال: خرجَ النبيُّ ﷺ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، ثم رُكِزَتْ له عَنَزَةٌ (٧١)، فَتَقَدَّمَ وصلَّى الظهرَ. وقالَ البراءُ: ما رَأَيْتُ مِن ذِى لِمَّةٍ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أحْسَنَ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ مُتَّفَقٌ عليهِمَا (٧٢)، ورَوَى أبو داوُد (٧٣)، كن هِلَالِ بنِ عَامِرٍ، قالَ: رأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ على بَغْلَةٍ وعليهِ بُرْدٌ أحمرُ، وعَلِيٌّ أمَامَهُ يُعَبِّرُ عنه (٧٤). ووَجْهُ كَراهَةِ ذلكَ، ما رَوَى أبو داوُد (٧٥)، بإسْنَادِهِ عن عَبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: دخَلَ على النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عليهِ بُرْدَانِ أحْمرانِ، فَسَلَّمَ، فلم يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ . وبإسْنَادِهِ (٧٦) عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال: خرَجْنا مع رسولِ اللَّه ﷺ في سَفَرٍ، فَرَأى رسولُ اللهِ ﷺ على روَاحِلِنَا أكْسِيَةً فيها خُيُوطُ عِهْنٍ (٧٧)

стр. 808

حُمْرٌ (٧٨). فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا أَرَى هَذِهِ الحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ". فَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ حتى نَفَرَ بعضُ إِبِلِنَا، فأخَذْنَا الأكْسِيَةَ، فَنَزَعْنَاهَا عنها، والأحاديثُ الأُوَلُ أَثْبَتُ وَأبْيَنُ في الحُكْمِ؛ فإنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ لرَدِّ السَّلَامِ عليه يَحْتَمِلُ أن يكونَ لمَعْنًى غيرِ الحُمْرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها كانَتْ مُعَصْفَرَةً، وهو مَكْرُوهٌ، وحديثُ رَافِعٍ يَرْوِيه عنهُ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، ولأن الحُمْرَةَ لَوْنٌ، فهى كسائرِ الألْوَانِ. فصل: وقد رَوَى أبو داوُد (٧٩)، عن أبي رِمْثَةَ (٨٠)، قال: انْطَلَقْتُ مع أبي نحوَ النَّبِيِّ ﷺ ، فرأيتُ عليهِ بُرْدَيْنِ أخضَرَيْنِ. وبإسْنَادِهِ (٨١) عن قَتادَةَ، قال: قُلْنَا لأنَسٍ: أيُّ اللِّبَاسِ كانَ أحَبَّ إلى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قال الحِبَرَةُ (٨٢). مُتَّفَقٌ عليهِ (٨٣). وبإسْنادِهِ (٨٤) عن ابْنِ عُمَرَ (٨٥)، أنه قِيلَ له: لِمَ تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ؟ فقالَ: إنِّي رأيْتُ

стр. 809

رسولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بها، ولم يكنْ - يَعْنِى - أحبَّ إليه منها، وقد كانَ يَصْبُغُ بها ثيابَهُ كُلَّهَا حتَّى عِمَامَتَهُ. وبإسْنَادِهِ (٨٦) عن ابْنِ عباسٍ، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "الْبسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ البَيَاضَ؛ فَإنَّها مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ". الفَصْلُ الرَّابِعُ: فيما يَحْرُمُ لُبْسُه، [والصَّلاةُ فيهِ] (٨٧)، وهو قِسْمَانِ؛ قِسْمٌ تَحْرِيمُهُ عامٌّ في الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وقِسْمٌ يَخْتَصُّ تَحْريمُهُ بِالرِّجَالِ. فالأَوَّلُ، ما يَعُمُّ تَحْرِيمُهُ، وهو نَوْعانِ: أحدُهُما، النَّجِسُ لا تصِحُّ الصلاةُ فيهِ، ولا عليهِ؛ لأَنَّ الطهارةَ مِن النَّجَاسَةِ شَرْطٌ، وقد فاتَتْ. والثاني، المَغْصُوبُ، [لا يَحِلُّ لُبْسُه، ولا الصَّلاةُ فيه] (٨٨) وهل تَصِحُّ الصلاةُ فيهِ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحداهُمَا، لا تصِحُّ. والثَّانِيةُ تصحُّ، وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لا يَخْتَصُّ الصَّلاةَ، ولا النَّهْىَ يَعُودُ إليها، فلم يَمْنَعِ الصِّحَّةَ، كما لو غَسَلَ ثَوْبَهُ مِن النَّجَاسَةِ بماءٍ مَغْصُوبٍ، وكما لو صَلَّى وعلَيْه (٨٩) عمامَةٌ مَغْصُوبَةٌ. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّه اسْتَعْمَلَ في شَرْطِ العِبَادَةِ ما يَحْرُمُ عليهِ اسْتِعْمَاله، فلم تَصِحَّ، كما لو صَلَّى فِي ثوبٍ نَجِسٍ، ولأنَّ الصلاةَ قُرْبَةٌ وطَاعَةٌ، وهو مَنْهِيٌّ عنها علَى هذا الوجهِ، فكيفَ يَتَقَرَّبُ بما هو عاصٍ به، أو يُؤْمَرُ بما هو مَنْهِيٌّ عنهُ. وأما إذا صَلَّى في عمامَةٍ مَغصُوبَةٍ، أو في يدهِ خاتَمٌ من ذهبٍ، فإنَّ الصَّلاةَ تَصِحُّ؛ لأن النَّهْىَ لا يعُودُ إلى

стр. 810

شَرْطِ الصلاةِ، إذ العمامَةُ ليستْ شرْطًا فيها. [وإنْ صَلَّى في دارٍ مَغْصُوبَةٍ، فالخلَافُ فيها كالخلَافِ في الثوبِ المَغْصُوبِ] (٩٠)، إلَّا أن أحمدَ، قال في الجُمُعَةِ: يُصَلِّى في مَواضِعِ (٩١) الغَصْبِ؛ لأنها تَخْتَصُّ بمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، فالمَنْعُ [من الصلاةِ فيهِ إذا كانَ غَصْبًا] (٩٢) يُفْضِى إلى تَعْطِيلِهَا. [فلذَلكَ أجازَ فعْلَهَا فيهِ، كما أجازَ صلاةَ الجُمُعَةِ خَلْفَ الخوارِجِ وأهلِ البِدَعِ والفُجُورِ، كيْلا يُفْضِى إلى تَعْطِيلِها] (٩٣). القسمُ الثاني، ما يَخْتَصُّ تَحْرِيمُهُ بِالرِّجَالِ دونَ النِّسَاءِ، وهو الحريرُ، والمَنْسُوجُ (٩٤) بالذَّهَبِ، والمُمَوَّهُ به، فهو حرامٌ لُبْسُهُ، وافْتِرَاشُهُ في الصلاةِ وغيرِها؛ لِما رَوَى أبو موسَى، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "حَرَامٌ لِبَاسُ الحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِى، وَأُحِلَّ لإِنَاثِهِمْ". أخرجَهُ أبو داوُد، والتِّرْمِذِيُّ (٩٥)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن عمر بن الخطَّابِ، ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإِنَّ مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٩٦). ولا نَعْلَمُ في تَحْرِيمِ لُبْسِ ذلكَ على الرِّجَالِ اخْتِلَافًا، إلَّا
следующие страницы →