← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

إذا بيعَ بعضُها، وجبَتِ الشُّفْعةُ لمالكِ البعضِ الباقى، والشُّفْعةُ كالقِسْمةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُرَادُ لإِزالةِ ضَررِ الشَّرِكَةِ، ونُقْصانِ التَّصَرُّفِ، فما لا تَجِبُ قِسْمتُه، لا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فيه، فكذلك ما لا شُفْعَةَ فيه، لا تجِبُ قِسْمتُه، وعكسُ هذا ما تجِبُ قِسْمتُه، تَجِبُ فيه الشُّفْعةُ، وما تَجبُ الشُّفْعَةُ فيه، تَجِبُ قِسْمتُه. ولأنَّه لو بَدَا الصَّلاحُ فى بعضِ البُسْتانِ، كان صلاحًا لباقِيه وإن كان كبيرًا. ولم يكُنْ صَلاحًا لما جاوَرَه (٥٦) وإن كان صغيرًا. فصل: وإذا (٥٧) كان فى الأرضِ زرْعٌ، فطلَبَ أحدُهما قِسْمتَها دونَ الزَّرعِ، أُجْبِرَ المُمْتنِعُ؛ لأنَّ الزَّرْعَ فى الأرضِ كالقُماشِ فى الدَّارِ، فلم يَمْنَعِ القِسْمةَ، كالقُماشِ، وسواءٌ خرَجَ الزَّرْعُ، أو كان بَذْرًا لم يَخْرُجْ، فإذا قَسَماها، بَقِىَ الزَّرْعُ بينهما مُشْتَركًا، كما لو باعَا الأرْضَ لغيرِهما. وإن طلبَ أحدُهما قِسْمةَ الزَّرْعِ مُنْفرِدًا، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه؛ لأنَّ القِسْمةَ لا بُدَّ فيها من تَعْديلِ المقْسُومِ، وتَعْدِيلُ الزَّرْعِ بالسِّهام لا يُمْكنُ؛ لأنَّه يُشْتَرطُ بَقاؤُه فى الأرضِ المُشْترَكةِ. وإن طلبَ قِسْمتَها مع الزَّرْعِ، وكَان قد خَرَجَ، جاز، وأُجْبِرَ المُمْتنِعُ عليه، سَواءٌ كان قَصِيلًا (٥٨)، أو قد (٥٩) اشْتَدَّ الحَبُّ فيه؛ لأنَّ الزَّرْعَ كالشجرِ فى الأرْضِ، والقِسمَةَ إفْرازُ (٦٠) حقٍّ، وليست بَيْعًا. وإن قُلْنا: هى بَيْعٌ. لم يَجُزْ (٦١) إذا اشْتدَّ الحَبُّ؛ لأنَّه يتضمَّنُ بَيْعَ السُّنْبُلِ بعضِه ببعضٍ. ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنَّ السَّنابِلَ هاهُنا دخلَتْ تَبعًا للأرْضِ، فليْسَتِ المقْصودَ، فأشْبَهَ بَيْعَ النَّخْلةِ المُثْمِرةِ بمِثْلِها. وقال الشافعىُّ: لا يُجْبَرُ المُمْتنِعُ مِن قِسْمَتِها مع الزَّرْعِ؛ لأنَّ الزَّرْعَ مُودَعٌ فى الأرضِ للنَّقْلِ عنها، فلم تجِبْ قِسْمتُه معها، كالقُماشِ فيها. ولَنا، أنَّه ثابتٌ فيها للنَّماءِ والنَّفْعِ، فأشْبَهَ الغِراسَ، وفارَقَ القُماشَ، فإنَّه غيرُ مَتَّصلٍ بالدَّارِ، ولا ضررَ عليه فى نَقْلِه. وإن كان

стр. 7457

الزَّرْعُ بَذْرًا فى الأرضِ، فقال أصحابُنا: لا تجوزُ قِسْمَتُه؛ لجَهالتِه، وكَوْنِه لا يُمْكِنُ إفْرازُه (٦٢). وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ويَحْتَمِلُ الجوازَ؛ لأنَّه يدخلُ تَبعًا للأرضِ، فلا تَضُرُّ جَهالتُه، كأساساتِ الحِيطانِ، وكذلك لو اشْتَرى أرْضًا فيها زَرْعٌ فاشْتَرطَه (٦٣)، مَلكَه بالشَّرْطِ، وإن كان بَذْرًا مَجْهولًا. فصل: إذا كانتْ بينهما (٦٤) أرضٌ قِيمتُها مِائةٌ، فى أحدِ جانِبَيْها بئرٌ قِيمتُها مِائةٌ، وفى الآخَرِ شجرةٌ قيمتُها مائةٌ، عُدِّلتْ بالقِيمةِ، وجُعِلَتِ البئرُ مع نصفِ الأرضِ بينهما (٦٥) نَصِيبًا، والشجرةُ مع النِّصْفِ الآخَرِ (٦٦) نَصِيبًا. فإن كانتْ بين ثلاثةٍ أو أكثرَ؛ نَظَرْتَ فى الأرضِ، فإن كانتْ قِيمتُها مِائةً [أو أقلَّ، لم تجِبِ القِسْمةُ؛ لأنَّها إذا كانتْ أقلَّ، لم يُمْكنِ التَّعْدِيلُ إلَّا بقسمةِ البئرِ والشجرةِ، وذلك ممَّا لا تَجِبُ قِسْمتُه، وإن كانتْ قيمتُها مِائةً] (٦٧)، فجعَلْناها سَهمًا، والبئرَ سهمًا، والشجرةَ سهمًا، لم يَحْصُلْ مع البئرِ والشجرةِ شىءٌ من الأرضِ، [فيَصِيرُ هذا] (٦٨) كقِسْمةِ الشَّجرِ وَحْدَه، وقِسْمةُ ذلك وَحْدَه ليستْ قِسْمةَ إجْبارٍ. وإن كانتِ الأرضُ كثيرةَ (٦٩) القِيمةِ، بحيثُ يأْخُذُ بعضُ الشُّرَكاءِ سِهامَهم منها، ويَبْقَى منها شىءٌ مع البئرِ والشَّجرةِ، وجَبَتِ القِسْمةُ، ومِثالُه أن تكونَ قِيمةُ الأرضِ مِائتيْنِ وخَمسين، فتُجْعَلُ (٧٠) مِائةً وخمسين سهمًا، ويُضَمُّ إلى البئرِ ما قِيمتُه خمسون، وإلى الشجرةِ مثلُ ذلك، فتصِيرُ ثلاثةَ سِهامٍ مُتساوِيةً، وفى كلِّ سهمٍ جُزْءٌ من أجْزاءِ الأرضِ، فتجِبُ القِسْمةُ حينئذٍ. وكذلك لو كانوا أربعةً، وقيمةُ الأرضِ أربعَمائةٍ، وجَبتِ القِسْمةُ؛ لأنَّنَا نَجْعَلُ ثَلاثَمائةٍ منها سَهْميْنِ، ومِائةً مع البئرِ والشجرةِ سَهْميْن، فتعدَّلتِ السِّهامُ.

стр. 7458

ولو كانتِ الأرضُ لاثْنَينِ، فأرادا قِسْمةَ البئرِ والشَّجرةِ دونَ الأرضِ، لم تكنْ قِسْمةَ إجبارٍ، وهكذا الأرضُ ذاتُ الشَّجَرِ، إذا اقْتُسِمَ الشجرُ دونَ الأرضِ، لم تكُنْ قِسْمةَ إجْبارٍ. ولو اقْتَسماها بشَجرِها، كانت قِسْمةَ إجْبارٍ؛ لأنَّ الشجرَ يَدْخُلُ تَبَعًا للأرضِ، فيَصِيرُ الجميعُ كالشىءِ الواحدِ، ولهذا تجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بيعَ شىءٌ من الأرضِ بشَجَرهِ. وإذا قُسِمَ ذلك دونَ الأرضِ، صارَ أصْلًا فى القِسْمةِ، ليس بتابعٍ لشىءٍ واحدٍ، فيَصِيرُ كأعْيانٍ مُفْرَدةٍ من الدُّورِ والدَّكَاكينِ المُتفرِّقةِ، ولهذا لا تَجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بِيعَ مُفْرَدًا. وكلُّ قِسْمةٍ غيرِ واجبةٍ، إذا تَراضَيا بها، فهى بَيْعٌ، حُكمُها حُكْمُ البَيْعِ. ١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قُسِمَ، طُرِحَتِ السِّهَامُ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ، إِلَّا أنْ يَتَرَاضَيَا، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا رَضِىَ بِهِ) وجملتُه أنَّ القِسْمةَ على ضَرْبيْنِ؛ قِسْمةُ إجْبارٍ، وقِسمَةُ تَراضٍ. وقد ذَكرْنا أنَّ قِسْمةَ الإِجْبارِ ما أمْكَنَ التَّعْدِيلُ فيها مِن غيرِ رَدٍّ. ولا تخْلُو مِن أربعةِ أقسامٍ؛ أحدُها، أن تكونَ السِّهامُ مُتَساوِيَةً، وقيمةُ أجْزاءِ المَقسومِ مُتَساويةً. الثانى, أن تَكونَ السِّهامُ مُتَساويةً، وقِيمةُ الأجْزاءِ مُخْتلِفةً. الثالث، أن تكونَ السِّهامُ مُخْتلِفةً وقيمةُ الأجْزاءِ مُتَساوِيَةً. الرابع، أن تكونَ السِّهامُ مُخْتلِفةً، والقِيمةُ مُخْتلِفةً (١). فأمَّا الأوَّلُ، فمِثلُ أرضٍ بين سِتَّةٍ، لكلِّ واحدٍ منهم (٢) سُدسُها، وقِيمةُ أجْزاءِ الأرضِ مُتَساويةٌ، فهذه تَعْدِلُها بالمساحةِ سِتَّةُ أجزاءٍ مُتساويةٍ، لأنَّه يَلْزَمُ من تَعْديلِها بالمساحةِ تَعْديلُها بالقِيمةِ، لتَساوِى أجْزائِها فى القِيمةِ، ثم يُقْرَعُ بينهم، وكيفما أُقْرِعَ بينهم جازَ، فى ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال فى روايةِ أبى دَاودَ: إن شاءَ رِقاعًا، وإن شاءَ خَواتيمَ، يُطْرَحُ ذلك فى حِجْرِ مَن لم يَحْضُرْ، ويكونُ لكلِّ واحدٍ خاتَمٌ مُعَيَّنٌ، ثم يقالُ: أخْرِجْ خاتَمًا على هذا السَّهْمِ. فمَن خَرَجَ خاتمَهُ فهو له، وعلى هذا، لو أُقرِعَ بالحَصا أو غيرِه جازَ. واخْتارَ أصحابُنا فى القُرْعةِ أن يَكْتُبَ رِقاعًا مُتساوِيَةً بعددِ السِّهامِ، وهو هاهُنا مُخَيَّرٌ بين أن يُخْرِجَ الأسْماءَ على السِّهامِ، وبين

стр. 7459

إخْراجِ السِّهامِ على الأسْماءِ، فإن أخْرَجَ الأسماءَ على السِّهامِ، كتبَ فى كلِّ رُقْعةٍ اسمَ كلِّ (٣) واحدٍ من الشُّركاءِ، وتُتْرَكُ فى بَنادِقِ طِينٍ أو شَمْعٍ مُتَساوِيةِ القَدْرِ والوَزْنِ، ويُتْرَكُ فى حِجْرِ مَن لم يَحْضُرِ القِسْمةَ، ويُقالُ له: أخْرجْ بُندقةً على هذا السَّهمِ. فإذا أخْرَجَها كان ذلك السَّهمُ لمَن خرجَ اسمُه فى البُنْدُقةِ، ثم يُخْرِجُ أُخْرَى على سهمٍ آخرَ، كذلك حتى يَبْقَى الأخيرُ، فيتَعيَّنُ لمَن بَقِىَ. وإن اخْتارَ إخْراجَ السِّهامِ على الأسْماءِ، كتبَ فى الرِّقاعِ أسْماءَ السِّهامِ، فيكْتبُ فى رُقْعةٍ الأوَّلَ ممَّا يَلِى جهَةَ كذا، وفى أُخْرَى الثانىَ، حتى يكْتُبَ السِّتَّةَ، ثم يُخْرِجُ الرُّقْعةَ على واحدٍ بعَيْنِه، فيكَونُ له السَّهْمُ الذى فى الرُّقْعةِ. ويَفْعلُ ذلك حتى يَبْقَى الأخيرُ، فيتَعيَّنُ لمن بَقِىَ. وذكرَ أبو بكرٍ، أنَّ البَنادِقَ تُجْعَلُ طِينًا، وتُطرحُ فى ماءٍ، ويُعَيَّنُ واحدٌ، فأىُّ البَنادقِ انْحَلَّ الطِّينُ عنها، وخرَجتْ رُقْعتُها (٤) على الماء، فهى له، وكذلك الثَّانى والثالثُ وما بعدَه، فإنْ خرَجَ اثْنانِ معًا (٥) أُعيدَ الإِقْراعُ. والأُولَى (٦) أوْلَى وأسْهَلُ. القسم الثانى, أن تكونَ السِّهامُ مُتَّفِقةً والقِيمةُ مُختلِفةً، فإنَّ الأرضَ تُعَدَّلُ بالقِيمةِ، وتُجْعَلُ سِتَّةَ أسْهُمٍ مُتسَاويةِ القِيمةِ. ويُفْعَلُ فى إخْراجِ السِّهامِ مِثلُ الذى قبلَه سواءٌ، لا فَرْقَ بينهما إلَّا أنَّ التَّعْدِيلَ تَمَّ بالسِّهامِ، وهاهُنا بالقِيمَةِ. القسم الثالث، أن تكونَ القيمةُ مُتَساويةً والسِّهامُ مُخْتلفةً؛ مثل أرضٍ بينَ ثلاثةٍ، لأحدِهم نِصْفُها، وللآخرِ ثُلثُها، وللآخرِ سُدسُها، وأجْزاؤها مُتَساويةُ القِيَمِ (٧)، فإنَّها تُجْعَلُ سِهامًا بقَدْرِ أقلِّها، وهو السُّدسُ، فتُجْعَلُ سِتَّةَ أسْهُمٍ، وتُعَدَّلُ بالأجْزاءِ، ويَكْتُبُ ثلاثَ رِقاعٍ بأسْمائهم، ويُخْرِجُ رُقْعةً على السَّهْمِ الأوَّلِ، فإن خرَجتْ لصاحبِ السُّدسِ، أخذَه، ثم يُخْرِجُ أُخْرَى على الثانى, فإن خرَجتْ (٨) لصاحبِ الثُّلثِ، أخذَ الثانىَ والثالثَ، وكانتِ الثَّلاثةُ الباقيةُ لصاحبِ النِّصفِ بغيرِ قُرْعَةٍ، وإن خرَجتِ القُرْعةُ الثانيةُ لصاحبِ النِّصْفِ، أَخذَ الثانىَ والثالثَ والرابعَ، وكان الخامسُ والسادسُ لصاحبِ

стр. 7460

الثُّلثِ، وإن خرَجتِ القُرْعةُ الأُولَى لصاحبِ النِّصْفِ، أخذَ الثَّلاثةَ الأُوَلَ، وتَخْرُجُ الثانيةُ على الرَّابعِ، فإن خَرَجتْ لصاحبِ الثُّلثِ، أخذَه والذى يَلِيه، وكان السادسُ لصاحبِ السُّدسِ، فإن خرَجتِ الثانيةُ لصاحبِ السُّدسِ، أخذَه، وأخذَ الآخَرُ الخامسَ والسَّادسَ، وإن خرَجتِ الأُولَى لصاحبِ الثُّلثِ، أخذَ الأوَّلَ والثانىَ، ثم يُخْرجُ الثانيةَ على الثالثِ، فإن خَرَجتْ لصاحبِ النِّصْفِ، أخذَ الثالثَ والرابعَ والخامسَ، وأخذَ الآخِرُ السَّادسَ، وإن خرَجتِ الثانيةُ لصاحبِ السُّدسِ، أخذَه، وأخذَ صاحبُ النِّصْفِ ما بَقِىَ. وقيلَ: تُكْتَبُ سِتُّ رِقاعٍ، باسمِ صاحبِ النِّصْفِ ثلاثٌ، وباسْمِ صاحبِ الثُّلثِ اثْنتان، وباسْمِ صاحبِ السُّدسِ واحدةٌ. وهذا لا فائدةَ فيه؛ فإنَّ المقْصودَ خُروجُ اسْمِ صاحبِ النِّصْفِ، وإذا كَتَبَ ثلاثَ رِقاعٍ حصلَ المَقْصودُ فأغْنَى. ولا يَصحُّ أن يَكْتُبَ رِقاعًا بأسْماءِ السِّهامِ، ويُخْرِجَها على أسْماءِ المُلَّاكِ؛ لأنَّه إذا أَخرَجَ واحدةً فيها السَّهْمُ الثانى لصاحبِ السُّدسِ، ثم أخْرَجَ أُخْرَى لصاحبِ النِّصْفِ أو الثُّلثِ فيهما السَّهْمُ الأوَّلُ، احْتاجَ أن يأْخُذَ نَصِيبَه مُتَفرِّقًا، فيَتضرَّرُ بذلك. القسم الرابع، إذا اخْتَلفتِ السِّهامُ والقِيمةُ، فإنَّ القاسمَ يُعَدِّلُ السِّهامَ بالقِيمةِ، ويَجْعلُها سِتَّةَ أسْهُمٍ مُتَساويةَ القِيَمِ، ثم يُخْرِجُ الرِّقاعَ فيها الأسْماءُ على السِّهامِ، كما ذكرْنا فى القسمِ الثالثِ سواءً، لا فَضْلَ بينهما، إلَّا أنَّ التَّعْدِيلَ هاهُنا بالقِيَمِ، وفى التى قبلَها بالمِساحةِ. وأمَّا الضَّرْبُ الثانى، وهى قِسْمةُ التَّراضِى التى فيها رَدٌّ، ولا يُمْكنُ تَعْدِيلُ السِّهامِ إلَّا أن يُجْعَلَ مع بعضِها عِوَضٌ، فهذه لا إجْبارَ فيها؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ، ولا يُجْبَرُ على المُعاوضةِ، وكذلك سائرُ ما لا تجِبُ قِسْمتُه، كالدَّاريْنِ تُجْعَلُ كلُّ واحدةٍ منهما سَهْمًا، وما يَدْخلُ الضَّررُ عليهما بقِسْمتِه، وأشْباهِ هذا، وقد ذكرْنا منه صُوَرًا فيما تقدَّمَ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ قِسْمةَ الإِجْبارِ تَلْزَمُ بإخْراجِ القُرْعةِ؛ لأنَّ قُرْعةَ قاسمِ الحاكمِ بمَنْزلةِ حُكْمِه، فيَلْزَمُ بإخْراجِها كلُزُومِ حُكْمِ الحاكمِ. وأمَّا قِسْمةُ التَّراضِى، ففيها وَجْهان؛ أحدُهما، تلزمُه أَيضًا، كقِسْمةِ الإِجْبارِ؛ لأنَّ القاسِمَ كالحاكمِ، وقُرْعتَه كحُكْمِه. والثانى، لا تَلْزَمُ؛ لأنَّها بَيْعٌ، والبيعُ [لا يَلْزَم إلَّا] (٩) بالتَّراضِى، لا بالقُرْعةِ، وإنَّما القُرْعَةُ هاهُنا لتَعْريفِ (١٠) البائعِ من

стр. 7461

المُشْتَرِى، فأمَّا إن تَراضَيا على أنْ يأخُذَ كلُّ واحدٍ منهما واحدًا من السَّهْميْنِ بغيرِ قُرْعةٍ، فإنَّه يجوزُ؛ لأنَّ الحقَّ لهما، ولا يَخْرُجُ عنهما، وكذلك لو خَيَّرَ أحدُهما صاحبَه فاخْتارَ، ويَلْزَمُ هاهُنا بالتَّراضِى وتَفَرُّقِهما، كما يَلزَمُ البيعُ. فصل: ويجوزُ للشَّريكيْنِ أن يَقْتسِما بأنْفُسِهما، وأن يأْتِيَا الحاكمَ ليَنْصِبَ بينهما قاسِمًا يَقْسِمُ لهما، وأن يَنْصِبا قاسِمًا يَقْسِمُ لهما، فإن نصَبَ الحاكمُ قاسِمًا لهما، فمِن شَرْطِه العَدالةُ، ومعرفةُ الحسابِ (١١) والقِسْمةِ، لِيُوصِلَ إلى كلِّ ذى حقٍّ حقَّه. وهذا قولُ الشافعىِّ، إلَّا أنَّه يشْترِطُ كونَه (١٢) حُرًّا. وإن نصَبا قاسِمًا بينهما، فكان على صِفَةِ قاسمِ الحاكمِ فى العَدالةِ والمَعْرفةِ، فهو كقاسمِ الحاكِم، فى لُزومِ قِسْمتِه بالقُرْعةِ، وإن كان كافِرًا، أو فاسقًا، أو غيرَ عارفٍ بالقِسْمةِ، لم تَلْزَمْ قِسْمتُه إلَّا بِتراضِيهِما بها، ويكونُ وُجودُه كعدمِه، فيما يَرْجِعُ إلى لُزومِ القِسْمةِ. ويُجْزِئُ قاسمٌ واحدٌ فيما لا يَحْتاجُ إلى تَقْويمٍ، فإن احْتاجَ القَسْمُ إلى التَّقويم (١٣)، احتاجَ إلى قاسِمَيْنِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى أن يكونَ المُقَوِّمُ اثْنَيْنِ، ولا يَكْفِى فى التَّقويمِ واحدٌ. فمتى نصَبا قاسِمًا أو نَصَبَه الحاكمُ، وكانت الشُّروطُ فيه مُتَحَقِّقةً، لزِمَتِ القِسْمةُ بقُرْعتِه. وإن اخْتَلَّ فيه بعضُ الشُّروطِ، لم تَلْزَمِ القِسْمةُ إلَّا بتَراضِيهما؛ لأنَّ وُجودَه وعَدَمَه واحدٌ. وإن قَسَما بأنْفُسِهما، وأقْرَعا، لم تَلْزَمِ (١٤) القِسمةُ إلَّا بترَاضِيهما بعدَ القُرعةِ؛ لأنَّه لا حاكمَ بينهما، ولا مَن يَقُومُ مَقامَه. فصل: وعلى الإِمامِ أن يَرْزُقَ القاسِمَ مِن بيتِ المالِ؛ لأنَّ هذا مِن المصالحِ، وقد رُوِىَ أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، اتَّخذَ قاسِمًا، وجَعَلَ له رِزْقًا من بيتِ المالِ (١٥). فإن لم يَرْزُقْه الإِمامُ، قال الحاكمُ للمُتقاسِمَيْنِ (١٦): ادْفَعا إلى القاسِمِ أُجْرَةً ليَقْسِمَ بينَكما. فإن

стр. 7462

اسْتأْجرَه كلُّ واحدٍ منهما بأجْرٍ مَعْلومٍ، ليَقْسِمَ نَصِيبَه، جازَ، وإن اسْتأجَرُوه جميعًا إجارةً واحدةً ليَقْسِمَ بينهم الدارَ بأجْرٍ واحدٍ معلومٍ، لَزِمَ كلَّ واحدٍ منهم مِن الأجْرِ بقَدْرِ نَصِيبِه مِن المَقْسومِ. وبهذا قالَ الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يكونُ عليهم على عَدَدِ رُءوسِهم؛ لأنَّ عملَه فى نَصِيبِ أحدِهما كعَملِه فى نَصيبِ الآخَرِ، سواءٌ تَساوتْ سِهامُهم أو اخْتلَفتْ، فإنَّ (١٧) الأجرَ بينهم سواءٌ. ولنا، أنَّ أجرَ القِسْمةِ يتعلَّقُ بالمِلكِ، فكان بينهم على قَدْرِ الأمْلاكِ، كنَفَقةِ العَبْدِ، وما ذكَرهُ (١٨) لا يَصِحُّ لأنَّ العملَ فى أكْبَرِ النَّصيبيْنِ أكثرُ، ألا تَرَى أنَّ المَقْسُومَ لو كان مَكِيلًا أو مَوزونًا، كان كَيلُ الكَثيرِ أكْثرَ عملًا مِن كَيلِ القَليلِ، وكذلك الوزنُ والزَّرعُ، وعلى أنَّه يَبْطُلُ بالحافِظِ، فإنَّ حِفْظَ القليلِ والكثيرِ سَواءٌ، ويَخْتلِفُ أجْرُه باختلافِ المالِ. فصل: وأُجْرةُ القِسْمةِ بينَهما وإن كان أحدُهما الطَّالبَ لها. وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: هى على الطَّالبِ للقِسْمةِ؛ لأنَّها حَقٌّ له. ولنا، أنَّ الأُجْرةَ تَجِبُ بإفْرازِ الأنْصِباءِ، وهم فيها سَواءٌ، فكانتِ الأُجْرةُ عليهما، كما لو تَراضَوا عليها. فصل: وإذا ادَّعَى أحدُ المُتقاسِمَيْن غَلطًا فى القِسمةِ، وأنَّه أُعْطِىَ دونَ حَقِّه؛ نَظَرْتَ، فإن كانتْ قِسْمتُه تَلْزَمُ بالقُرْعةِ، ولا تَقِفُ على تَراضِيهما، فالقولُ قولُ المُدَّعَى عليه مع يَمِينِه، ولا تُقْبَلُ دَعْوَى المُدَّعِى إلَّا بِبَيِّنَةٍ عادلةٍ، فإن أقامَ شاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، نُقضَتِ القِسْمةُ وأُعِيدتْ، وإن لم تكُنْ بَيِّنَةٌ، وطلبَ يَمِينَ شَريكِه أنَّه لا فَضْلَ معه، أُحْلِفَ له. وإنَّما قدَّمْنا قولَ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ القِسْمةِ، وأداءُ الأمانةِ فيها. وإن كانت ممَّا لا تَلْزَمُ إلَّا بالتَّراضِى، كالذى قَسماه بأنْفُسِهما ونَحْوِها (١٩)، لم تُسْمَعْ دَعْوَى مَنِ ادَّعَى الغَلَطَ. هكذا قالَ أصحابُنا. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه قد رَضِىَ بذلك، ورِضاهُ بالزِّيادةِ فى نَصِيبِ شريكِه يَلْزَمُه والصَّحِيحُ عندى أنَّ هذه كالتى قبلَها، وأنَّه متى أقامَ البَيِّنَةَ بالغَلَطِ، نُقِضَتِ القِسْمةُ؛ لأنَّ ما ادَّعاهُ مُحْتَمِلٌ، ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عادلةٍ،

стр. 7463

فأشْبَهَ ما لو أشْهَدَ (٢٠) على نفسِه بقَبْضِ الثَّمَنِ أو المُسْلَمِ فيه، ثم ادَّعَى غَلَطًا فى كَيْلِه أو وَزْنِه. وقولُهم: إنَّ حقَّه مِن الزِّيادةِ سَقَطَ برِضاهُ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّه إنَّما يَسْقُطُ مع عِلْمِه، أمَّا إذا ظَنَّ أنَّه أُعْطِىَ حقَّه فرَضِىَ بِناءً على هذا، ثم بانَ له الغَلَطُ، فلا يَسْقُطُ به حَقُّه، كالثَّمنِ والمُسْلَمِ فيه، فإنَّه لو قَبَضَ المُسْلَمَ فيه بِناءً على أنَّه عَشرةُ مَكايِيلَ، راضِيًا بذلك، ثم ثَبَتَ أنَّه ثمانيةٌ، أو ادَّعَى المُسْلِمُ إليه أنَّه غَلِطَ، فأعْطاه اثْنَىْ عشرَ، وثبتَ ذلك ببَيِّنَةٍ، لم يَسْقُطْ حَقُّ واحدٍ منهما بالرِّضَى به (٢١)، ولا يَمْتَنِعُ (٢٢) سَماعُ دَعْواهُ وبَيِّنَتِه، ولأنَّ المُدَّعَى عليه فى مَسْألتِنا لو أقَرَّ بالغَلَطِ، لنُقِضَتِ القِسْمةُ، ولو سقَطَ حَقُّ المُدَّعِى بالرِّضَى، لَما نُقِضَتِ القِسْمةُ بإقْرارِه، كما لو وَهبَه الزَّائدَ، وقد ذكرَ أصحابُنا وغيرُهم فى مَن باعَ دارًا على أنَّها عَشرةُ أذْرُعٍ، فبانَتْ تِسعةً أو أحدَ عشرَ، أنَّ البَيْعَ باطلٌ فى أحدِ الوَجْهَينِ، وفى الآخَرِ، تكونُ الزِّيادةُ للبائعِ، والنَّقْصُ عليه. والبَيْعُ إنَّما يَلْزَمُ بالتَّراضِى، فلو كان التَّراضِى يُسْقِطُ حَقَّه مِن الزِّيادةِ، لَسَقَطَ حقُّ البائعِ من الزِّيادةِ، وحَقُّ المُشْترِى من النَّقْصِ. واللهُ أعلمُ. ولأنَّ مَن رَضِىَ بشىءٍ بناءً على ظنٍّ تَبَيَّنَ خِلافُه، لم يَسْقُطْ به حَقُّه، كما لو اقْتَسما شيئًا، وتَراضَيا به (٢٣)، ثم بانَ نَصِيبُ أحدِهما مُسْتَحَقًّا. فإن قيل: فلِمَ لا تُعْطِى المظْلومَ حقَّه فى هاتَيْن المسألتَيْن، ولا تَنْقُضُ القِسْمةَ، كما لو تبيَّنَ الغَلَطُ فى الثَّمنِ، أو المُسْلَم فيه. قُلْنا: لأنَّ الغَلطَ هاهُنا فى نفسِ القِسْمةِ، بتَفْويتِ شَرْطٍ من شُروطِها، وهو تَعْدِيلُ السِّهامِ، فتَبْطُلُ لفَواتِ شَرْطِها، وفى المُسْلَم (٢٤) والثَّمنِ الغَلَطُ فى القَبْضِ دونَ العَقْدِ، فإنَّ العقدَ قد تمَّ بشُروطِه، فلا يُؤثِّرُ الغَلَطُ فى قَبْضِ عِوَضِه فى صِحَّتِه، بخِلافِ مَسْألتِنا. فصل: إذا اقْتسمَ (٢٥) الشَّريكان شيئًا، فبانَ بعضُه مُسْتحَقًّا؛ نظَرْتَ، فإن كان

стр. 7464

مُعَيَّنًا فى نَصيبِ أحدِهما، بطَلَتِ القِسْمةُ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَبْطُلُ، بل يُخَيَّرُ مَن ظهرَ المُسْتحَقُّ فى نصيبِه بينَ الفَسْخِ والرُّجوعِ بما بَقِىَ من حقِّه، كما لو وجدَ عَيْبًا فيما أخذَه. ولَنا، أنَّها قِسْمةٌ لم تُعدَّلْ فيها السِّهامُ، فكانت باطلةً، كما لو فَعَلا ذلك مع عِلْمِهما بالحالِ. وأمَّا إذا بانَ نصيبُ أحدِهما مَعِيبًا، فيَحْتَمِلُ أن تُمْنَعَ المسألةُ، فنقُولُ ببُطْلانِ القِسْمةِ؛ لعَدَمِ التَّعْديلِ بالقِيمةِ، ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينهما، فإنَّ العَيْبَ لا يُمْكِنُ التَّحرُّزُ منه، فلم يُؤثِّرْ فى البُطلانِ، كالبَيْعِ. وإن كان المُسْتحَقُّ فى نَصِيبِهما على السَّواءِ، لم تَبْطُلِ القِسْمةُ؛ لأنَّ ما يَبْقَى لكلِّ واحدٍ منهما بعدَ المُسْتحَقِّ قَدْرُ حَقِّه، ولأنَّ القِسْمةَ إفْرازُ حقِّ أحدِهما مِن الآخَرِ، وقد أفْرَزَ كلُّ واحدٍ منهما حَقَّه، إلَّا أن يكونَ ضَررُ المُسْتحَقِّ فى نَصِيبِ أحدِهما أكثرَ، مثل أن يَسُدَّ طريقَه، أو مَجْرَى مائِه، أو وَضُوئِه، أو نحوِ هذا، فتَبْطلُ القِسْمةُ؛ لأنَّ هذا يَمْنَعُ التَّعْديلَ. وإن كان المُسْتحَقُّ فى نَصيبِ أحدِهما أكثرَ مِن الآخَرِ، بَطَلَتْ؛ لما ذكرْناه. وإن كان المُسْتحَقُّ مُشاعًا فى نَصِيبِهما (٢٦)، بطَلَتِ القِسْمةُ؛ لأنَّ الثالثَ (٢٧) شريكُهما وقد اقْتَسَما في غيرِ حُضورِه ولا إذْنِه، فأشْبَهَ ما لو كانَ لهما شريكٌ يَعْلمانِه، فاقْتسَما دُونَه. وإن كانا يَعْلمانِ المُسْتحَقَّ حالَ القِسمةِ، أو أحدُهما، فالحُكْمُ فيها كما لو لم يَعْلَماهُ، على ما ذكرْنا من التَّفْصيلِ فيه. واللهُ أعلمُ. فصل: وإذا ظهرَ فى نَصيبِ أحدِهما عَيْبٌ لم يَعْلَمْه قبلَ القِسْمةِ، فله فَسْخُ القِسْمةِ أو الرُّجوعُ بأرْشِ العَيْبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ فى نَصِيبِه، فملَكَ ذلك، كالمُشْترِى. ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ القِسْمةُ؛ لأن التَّعْديلَ فيها شرطٌ، ولم يُوجَدْ، بخلافِ البَيْعِ. فصل: وإذا اقْتسَما دارَيْنِ، فأخذَ كلُّ واحدٍ منهما دارًا، وبَنَى فيها، أو اقْتسَما أرْضَيْنِ، فبنَى أحدُهما فى نَصِيبِه أو غرسَ، ثم اسْتُحِقَّ نَصِيبُه، ونُقضَ بِناؤُه، وقُلِعَ (٢٨)

стр. 7465

غَرْسُه، فإنَّه يَرجعُ على شَريكِه بنصْفِ البِناءِ والغَرْسِ. ذكرَه الشَّريفُ [أبو جَعْفرٍ] (٢٩)، وحَكاه أبو الخَطَّابِ عن القاضى. وقال أبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحَسنِ: ليس له الرُّجوعُ عليه بشىءٍ (٣٠)؛ لأنَّه بنَى وغَرَسَ باخْتيارِ نَفْسِه، فلم يَرْجِعْ بنَقْصِ ذلك على غيرِه، كما لو بَنَى فى مِلْكِ نفسِه. ولَنا، أنَّ هذه القِسْمةَ بمَنْزلةِ البَيْعِ؛ فإنَّ الدَّارَيْنِ لا يُقسَمانِ قِسْمةَ إجْبارٍ على أن تكونَ كلُّ واحدةٍ منهما نَصِيبًا، وإنَّما يُقْسَمان كذلك بالتَّراضِى، فتكونُ جاريةً مَجْرَى البَيْعِ، ولو باعَه الدارَ جميعَها، ثم بانَتْ مُسْتحَقّةً، رجَعَ عليه بالبناءِ كلِّه، فإذا باعَه نِصْفَها، رجعَ عليه بنِصْفِه، وكذلك يُخَرَّجُ فى كلِّ قِسْمةٍ جاريةٍ مَجْرَى البَيعِ، وهى قسمةُ التَّراضِى، كالذى (٣١) فيه ردُّ عِوضٍ، وما لا يُجْبَرُ على قسْمتِه لضَرَرٍ فيه، ونحوِ ذلك. فأمَّا قِسْمةُ الإِجْبارِ، إذا ظهرَ نَصِيبُ أحدِهما مُسْتحَقًّا بعدَ البناءِ والغَرْسِ فيه، فنُقِضَ البناءُ، وقُلِعَ الغَرْسُ، فإن قُلْنا: القِسْمةُ بَيْعٌ. فالحكمُ فيها كذلك، وإن قُلْنا: ليستْ بيعًا. لم يَرْجِعْ؛ لأن شَرِيكَه لم يُغْرِه، ولم يَنْتَقِلْ (٣٢) إليه من جهتِه بَيْعٌ، وإنَّما أفْرزَ حَقَّه من حَقِّه، فلم يَضْمَنْ له ما غَرِمَ فيه. هذا الذى يَقْتَضيه قولُ أصحابِنا. فصل: وإذا اقْتَسمَ الوَرَثةُ تَرِكَةَ الميِّتِ، ثم بانَ عليه دَيْنٌ لا وفاءَ له إلَّا ممَّا اقْتسَمُوه، لم تَبْطُلِ القِسْمةُ؛ لأنَّ تَعَلُّقَ الدَّينِ بالتَّرِكَةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصرُّفِ فيها، لأنَّه تَعلَّقَ بها بغيرِ رِضاهم، فأشْبَهَ تَعلُّقَ دَيْنِ الجنايةِ برَقَبةِ الجانِى، ويُفارِقُ الرَّهنَ؛ لأنَّ الحقَّ تعَلَّقَ (٣٣) به برِضَى مالكِه واخْتيارِه. فعلى هذا يُقالُ للوَرَثةِ: إن شِئْتُمْ وَفَّيْتُمُ الدَّينَ والقِسْمةُ بحالِها، وإن أبَيْتُم (٣٤) نُقِضَتِ القِسْمةُ وبِيعَتِ التَّرِكَةُ فى الدَّينِ. فإن أجابَ أحدُهم، وامْتنعَ الآخرُ، بِيعَ نَصِيبُ المُمْتنِعِ وحدَه، وبَقِىَ نَصيبُ المُجيبِ بحالِه. وإن كانتْ (٣٥) ثَمَّ وَصِيَّةٌ

стр. 7466

بجُزْءٍ من المَقْسومِ، فالحكمُ فيه كما لو (٣٦) ظهرَ مُسْتَحَقًّا، على ما مَرَّ مِن التَّفصيلِ فيه؛ لأنَّه يُسْتَحقُّ أخْذُه. وإن كانتِ الوَصيَّةُ بمالٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، مثل أنْ يُوصِىَ بمِائةِ دينارٍ، فحُكمُها حُكمُ الدَّينِ، على ما بَيَّنَّا. فصل: وإذا طلبَ أحدُ الشَّريكيْنِ من الآخَرِ المُهايأَةَ مِن غيرِ قِسْمةٍ، إمَّا فى الأجْزاءِ بأن يَجْعَلَ لأحدِهما بعضَ الدَّار يَسْكنُها، أو بعضَ الحَقْلِ يزْرعُه، ويَسْكنَ الآخَرُ، ويَزْرعَ فى الباقى (٣٧)، أو يَسكنَ أحدُهما، ويَزرعَ سنةً، ويَسكنَ الآخَرُ، ويَزرعَ سنةً أُخْرَى، لم يُجْبَرِ المُمْتنِعُ منهما. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يُجْبَرُ؛ لأنَّ فى الامْتِناعِ منه ضَررًا، فيَنْتَفِى بقولِه ﵇: "لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ (٣٨) ". ووافقَنا أبو حنيفةَ فى العَبِيدِ خاصَّةً، على أنَّه لا يُجْبَرُ على المُهايَأَةِ. ولَنا، أنَّ المُهايأَةَ مُعاوَضةٌ، فلا يُجْبَرُ عليها كالبَيْعِ، ولأنَّ حقَّ كلِّ واحدٍ من (٣٩) المَنْفَعةِ عاجلٌ، فلا يجوزُ تأْخيرُه بغيرِ رِضَاه، كالدَّيْنِ، وكما فى العَبِيدِ [عندَ أبى حنيفةَ، ويُخالِفُ قِسْمةَ الأصْلِ، فإنَّه إفْرازُ النَّصِيبيْنِ] (٤٠)، وتَمْيِيزُ أحَدِ الحَقَّيْنِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّهما إن (٤١) اتَّفقا على المُهايأَةِ، جازَ؛ لأنَّ الحقَّ لهما، فجازَ فيه ما تَراضَيا عليه، كقِسْمةِ التَّراضِى، ولا يَلْزَمُ، بل متى رجَعَ أحدُهما عنها، انْتَقَضَتِ المُهايَأَةُ. ولو طَلَبَ أحدُهما القِسْمةَ، كان له ذلك، وانْتقَضَتِ المُهايَأَةُ. ووافقَ أبو حنيفةَ وأصحابُه فى انْتِقاضِها بطَلبِ القِسْمةِ. وقال مالكٌ: تَلْزَمُ المُهايَأَةُ. لأنَّه يُجْبَرُ عليها عندَه، فلزِمَتْ، كقِسْمةِ الأصلِ. ولَنا، أنَّه بذَلَ مَنافعَ ليأْخُذ مَنافِعَ مِن غيرِ إجارةٍ، فلم يَلْزَمْ، كما لو أعارَه شيئًا ليُعِيرَه شيئًا آخَرَ إذا احْتاجَ إليه، وفارَقَ القِسْمةَ، فإنَّها إفْرازُ (٤٢) حَقٍّ، على ما ذكرْناه.

стр. 7467

فصل: قالَ أحمدُ، فى قومٍ اقْتسَمُوا دارًا، وحصَلَ لبعضِهم فيها زيادةُ أذْرُعٍ، ولبعضِهم نُقْصانٌ، ثم باعوا الدَّارَ جُملةً واحدةً: قُسِمَتِ الدَّارُ بينهم على قَدْرِ الأذْرُعِ. يَعنى أنَّ الثَّمنَ يُقْسَمُ بينهم على قَدْرِ مِلْكِهم فيها، وهذا محمولٌ على أنَّ زيادةَ أحدِهما فى الأذْرُعِ كزيادةِ (٤٣) مِلْكِه فيها. مثل أن يكونَ لأحدِهما الخُمسانِ، فيَحصُلَ له أربعون ذِراعًا، وللآخرِ ثلاثةُ أخْماسٍ، فيَحْصُلَ له ستُّون، فإنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ بينهما أخْماسًا على قَدْرِ مِلْكِهما فى الدَّارِ، [فأمَّا إن] (٤٤) كانتْ زِيادةُ الأذْرُعِ لرَداءَةِ ما أخذَه صاحبُها، مثل دارٍ تكونُ (٤٥) بينَهما نِصْفَيْن، فأخَذَ أحدُهما بنَصِيبِه من جَيِّدِها أرْبعينَ ذِراعًا، وأخذَ الآخَرُ مِن رَدِيئِها ستِّينَ ذِراعًا، فلا يَنْبَغى أن يُقْسَمَ الثمنُ على قَدْرِ الأذْرُعِ، بل يُقسَمُ بينَهما نِصْفَيْن؛ لأنَّ السِّتِّينَ هاهُنا مَعْدولةٌ بالأرْبعينَ، فكذلك يُعْدَلُ بها (٤٦) فى الثَّمنِ. واللهُ أعلمُ. وقال أحمدُ، فى قومٍ اقْتسَمُوا دارًا كانت أربعةَ سُطُوحٍ، يَجْرِى عليها الماءُ، فلمَّا اقْتسَمُوا أرادَ أحدُهم مَنْعَ جَرَيانِ ماءِ الآخَرِ عليه، وقال: هذا شىءٌ قد صارَ لى. قال: إن كان بينَهما شَرْطٌ أنَّه يَرُدُّ الماءَ، فله ذلك، فإن لم يُشْتَرَطْ، فليس له مَنْعُه. ووَجهُه أنَّهم اقْتَسَموا الدارَ وأطْلَقوا، فاقْتَضَى ذلك أن يَمْلِكَ كلُّ واحدٍ حِصَّتَه بحُقوقِها، وكما لو اشْتَراها بحُقوقِها، ومن حقِّها جَرَيانُ مائِها فى ماءٍ كان يَجْرِى إليه مُعْتادًا له، وهو على سَطْحٍ المانِعِ، فلهذا اسْتَحقَّه حالةَ الإِطْلاقِ، فإن تَشارَطا على رَدِّه، فالشَّرْطُ أمْلَكُ، والمؤمِنونَ على شُروطِهم. وقال أبو الخَطَّابِ: إذا اقْتسَما دارًا، فحصَلتِ (٤٧) الطريقُ فى نصيبِ أحدِهما، وكان لنَصيبِ الآخَرِ مَنْفَذٌ يَتَطرَّقُ منه، وإلَّا بطَلَتِ القِسْمةُ؛ وذلك لأنَّ القِسْمةَ تَقْتضِى التَّعْدِيلَ، والنَّصِيبُ الذى لا طَرِيقَ له لا قِيمةَ له إلَّا قيمةً قليلةً، فلا يَحْصُلُ التَّعْديلُ، ولأنَّ مِن شَرْطِ الإِجْبارِ على القِسْمةِ، أن يكونَ ما يَأْخذُه كلُّ واحدٍ منهما يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به، وهذا لا يَنْتفِعُ به آخِذُه، فإن كان قد أخَذَه راضِيًا به، عالِمًا بأنَّه لا طريقَ له،

стр. 7468

جازَ؛ لأنَّ قِسْمةَ التَّراضِى بَيْعٌ، وشراؤُه على هذا الوَجْهِ جائزٌ، وقياسُ المسألةِ التى قبلَ هذه، أنَّ الطريقَ تَبْقَى بحالِها فى نصيبِ الآخَرِ، ما لم يَشْتَرِطْ صَرْفَها عنه، كمَجْرَى الماءِ. واللهُ أعلمُ. فصل: قال: وللأبِ والوَصِىِّ قِسْمةُ مالِ الصَّغيرِ مع شَريكِه؛ لأنَّ القِسْمةَ إمَّا إفْرازُ (٤٨) حَقٍّ، أو بَيْعٌ، وكلاهما جائزٌ لهما، ولأنَّ فى القِسْمةِ مَصلحةً للصَّبِىِّ، فجازتْ، كالشِّراءِ له، ويَجوزُ لهما قِسْمةُ التَّراضِى مِن غيرِ زيادةٍ فى العِوَضِ؛ لأنَّ فيه دَفْعًا لضَررِ الشَّركةِ، فأشْبَهَ ما لو باعَه لضَررِ الحاجَةِ إلى قَضاءِ الدَّيْنِ، أو الحاجَةِ إلى النَّفقةِ. فصل: ولا تصِحُّ وِلايةُ القضاءِ إلَّا بتَوْلِيَةِ الإمامِ، أَو مَن فَوَّضَ الإِمامُ إليه ذلك (٤٩)، فإن كان مَن ولَّاه ليس بعَدْلٍ، فهل تَصحُّ وِلايتُه؟ على وَجْهَيْن. ويَلْزَمُ الإِمامَ أن يَختْارَ للقضاءِ بينَ المُسلمينَ أفْضَلَ مَن يَقْدِرُ عليه لهم. والألفاظُ التى تَنْعَقِدُ بها الوِلايةُ تَنْقسِمُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ، الصَّريحةُ سَبعةُ ألفاظٍ؛ وهى (٤٩): قد وَلَّيْتُكَ الحُكْمَ، وقلَّدتُكَ، واسْتَنَبْتُكَ، واسْتَخْلَفْتُكَ، ورَدَدْتُ إليك الحُكْمَ، وفَوَّضْتُ إليك، وجَعَلْتُ إليكَ. فإذا وُجدَ أحدُ هذه الألْفاظِ مِنَ المُوَلِّى، وجَوابُها منَ المُوَلَّى بالقَبولِ، انْعقدَتِ الوِلايةُ. وأمَّا الكِنايةُ، فهى أربعةُ ألفاظٍ: قد اعْتمَدْتُ عليكَ، وعَوَّلْتُ عليكَ، ووَكَلْتُ إليك، وأسْنَدْتُ إليكَ. فلا تَنْعَقِدُ الوِلايةُ بها حتى تَقْتَرنَ بها قَرِينةٌ، نحو قولِه: فاحكُمْ. فيما وَكَلْتُ إليك، وانْظُرْ فيما أسْنَدْتُ إليك، وتَوَلَّ ما عَوَّلْتُ فيه (٥٠) عليكَ. وإذا صَحَّتِ الوِلايةُ، وكانتْ عامَّةً، اسْتفاد بها النَّظَرَ فى عَشْرةِ أشياءَ: فَصْلُ الخُصوماتِ بينَ المُتنازِعِينَ، واسْتيفاءُ الحقِّ ممَّن ثَبَتَ عليه، ودَفْعُه إلى مُسْتَحِقِّه، والنَّظَرُ فى أموالِ اليَتامَى والمَجانينِ، والحَجْرُ على مَن يرَى الحَجْرَ عليه لِسَفهٍ (٥١) أو فَلَسٍ، والنَّظَرُ فى الوُقوفِ، فى عملِه فى حِفْظِ أُصولِها، وإجْراءِ فُرُوعِها على ما شَرطَه الواقِفُ، وتَزْوِيجُ الأيَامَى اللَّاتِى لا أوْلياءَ لَهُنَّ، وإقامةُ الحُدودِ، والنَّظَرُ فى مصالحِ المُسلمينَ، فى عملِه بكَفِّ الأذَى عن طُرُقاتِ

стр. 7469

المُسْلمينَ، وأفْنِيَتِهم، وتَصفُّحُ حالِ شُهودِه وأُمَنائه، والاسْتِبْدالُ بمَن ثَبَتَ جَرْحُه منهم، والإِمامةُ فى صَلاةِ الجُمعةِ والعيدِ. وفى جِبايةِ الْخَراجِ، وأخذِ الصَّدقةِ وَجْهان. فصل: (٥٢) ويُوصِى الوُكَلاءَ والأعْوانَ (٥٣) على بابِه بتَقوَى اللهِ تعالى، والرِّفقِ بالخُصومِ، وقلَّةِ الطَّمَعِ، ويَجْتهِدُ أن لا (٥٤) يكونوا إلَّا (٥٤) شُيوخًا أو كُهولًا مِن أهلِ الدِّينِ والصِّيانةِ والعِفَّةِ. فصل: قالَ ابنُ المُنْذِرِ: يُكْرَه للقاضى أنْ يُفتِىَ فى الأحْكامِ. كان شُرَيْحٌ يقولُ: أنا أقْضِى ولا أُفْتِى. وأمَّا الفُتْيَا فى الطَّهارةِ وسائرِ ما لا يُحْكَمُ فى مثلِه، فلا بَأْسَ بالفُتْيَا فيه (٥٥).

стр. 7470

كتاب الشَّهادات والأصلُ فيها (١) الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ والعِبْرةُ، أمَّا الكتاب، فقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢). وأمَّا السُّنَّةُ، فما رَوَى وائلُ بنُ حُجْرٍ، قال: جاءَ رجلٌ مِن حَضْرَمَوْتَ، ورجلٌ مِن كِنْدَة، إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فقالَ الحَضْرَمِىُّ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا غَلَبَنِى على أرْضٍ لى. فقال الكِنْدِىُّ: هى أرْضى، وفى يَدِى، وليس له فيها حَقٌّ. فقال النَّبِىُّ ﷺ للحَضْرَمِىِّ: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ". قال: لا. قال: "فَلَكَ يَمِينُهُ". قال: يا رسولَ اللهِ، الرجلُ فاجِرٌ لا يُبالِى على ما حَلَفَ عليه، وليس يَتَورَّعُ مِن شىءٍ. قال: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذلِكَ". قال: فانْطَلقَ الرجلُ لِيَحْلِفَ له، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لمَّا أدْبَر: "لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ". قال التِّرْمِذِىُّ (٤): هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ورَوَى محمدُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ العَرْزَمِىُّ (٥)، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٦). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ فى إسنادِه مَقالٌ، والعَرْزَمِىُّ يُضعَّفُ فى الحديثِ من قِبَلِ حِفْظِه، ضعَّفَه ابنُ المُباركِ وغيرُه، إلَّا أنَّ أهلَ العلمِ أجْمَعوا على هذا. قال التِّرْمِذِىُّ: والعَملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ مِن أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ

стр. 7471

وغيرِهم. ولأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى الشَّهادةِ لحُصولِ التَّجاحُدِ بين الناسِ، فوجبَ الرُّجوعُ إليها. قال شُرَيْحٌ: القَضاءُ جَمْرٌ، فنَحِّهِ عنك بعُودَيْنِ (٧). يعنى الشَّاهديْنِ. وإنَّما الخصْمُ داءٌ، والشُّهودُ شِفاءٌ، فأفْرِغِ الشِّفاءَ على الدَّاءِ (٧). فصل: وتحمُّلُ الشَّهادةِ وأداؤُها فَرْضٌ على الكِفايةِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٨). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٩). وإنَّما خَصَّ القلبَ بالإِثْمِ؛ لأنَّه مَوْضعُ العِلْمِ بها، ولأنَّ الشَّهادةَ أمانةٌ، فلزِمَ أداؤُها، كسائرِ الأماناتِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإن دُعِىَ إلى تَحمُّلِ شهادةٍ فى نِكاحٍ أو دَيْنٍ أو غيرِه، لَزِمَتْه الإجابةُ، وإن كانتْ عندَه شَهادةٌ فدُعِىَ إلى أدائها، لَزِمه ذلك، فإن قامَ بالفَرْضِ فى التَّحَمُّلِ أو الأداءِ اثنان، سَقَطَ عن الجميعِ، وإن امْتَنعَ الكُلُّ أثِمُوا، وإنَّما يأْثَمُ المُمْتنِعُ إذا لم يكُنْ عليه ضَرَرٌ، وكانتْ شَهادتُه تَنْفَعُ، فإن كان عليه ضَرَرٌ فى التَّحمُّلِ أو الأداءِ، أو كان ممَّن لا تُقْبَلُ شهادتُه، أو يَحْتاجُ إلى التَّبذُّلِ فى التَّزْكِيَةِ ونحوِها، لم يَلْزَمْه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٨). وقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ" (١٠). ولأنَّه لا يَلْزَمُه أن يَضُرَّ نفسَه لينْتَفِعَ (١١) غيرُه. وإذا كانَ ممَّن لا تُقْبَلُ شهادتُه، لم يجِبْ عليه؛ لأنَّ مَقْصودَ الشَّهادةِ لا يحْصُلُ منه. وهل يأْثَمُ بالامْتِناعِ إذا وُجِدَ غيرُه ممَّن يقومُ مَقامَه؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يأْثَمُ؛ لأنَّه قد تعيَّنَ بدُعائِه، ولأنَّه مَنْهِىٌّ عن الامْتناعِ بقولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. والثانى، لا يأْثَمُ؛ لأنَّ غيرَه يقومُ مَقامَه، فلا (١٢) يَتعيَّنُ فى حقِّه، كما لو لم يُدْعَ إليها. فأمَّا قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. فقد رُوِىَ (١٣) بالفَتْحِ والرَّفْعِ، فمَن رفَعَ فهو خبرٌ، معناه النَّهْىُ،

стр. 7472

[ويَحْتَمِلُ مَعْنَييْنِ؛ أحدُهما، أن يكون الكاتبُ فاعلًا] (١٤)؛ أى لا يَضُرَّ الكاتبُ والشَّهيدُ مَن يَدعوه، بأنْ لا يُجيبَ، أو يَكْتُبَ ما لم يُسْتَكْتَبْ، أو يَشْهَدَ ما لم (١٥) يُستَشْهدْ به. والثانى، أن يكونَ "يُضارّ" فِعْلَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، فيكونُ مَعناه ومَعنَى الفتحِ واحدًا؛ أى لا يُضَرُّ الكاتِبُ والشَّهيدُ بأن (١٦) يُقطَعا عن شُغْلِهما بالكِتابةِ والشَّهادةِ، ويُمْنَعا حاجتَهما. واشْتِقاقُ الشَّهادةِ مِن المُشاهدةِ؛ لأنَّ الشاهدَ يُخبِرُ عمَّا يُشاهِدُه. وقيل: لأن الشَّاهدَ بخَبَرِهِ يجْعَلُ (١٧) الحاكمَ كالمُشاهِدِ للمَشْهودِ عليه، وتُسَمَّى بَيِّنَةً؛ لأنَّها تُبَيِّنُ ما الْتبسَ، وتَكشِفُ الحقَّ فيما اخْتُلِفَ فيه. ١٨٨٢ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْبَلُ فِى الزِّنَى إلَّا أرْبَعَةُ رِجَالٍ عُدُولٍ أحْرَارٍ مُسْلِمِينَ) أجْمعَ المُسلمونَ على أنه لا يُقْبَلُ فى (١) الزِّنَى أقلُّ مِن أربعةِ شُهودٍ. وقد نَصَّ اللهُ تعالى عليه بقولِه سبحانه: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٢). فى آىٍ سِوَاها. وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه [قال: "أَربَعَةٌ، وَإلَّا حَدٌّ فِى ظَهْرِكَ" (٣) فى أخْبارٍ سِوَى هذا. وأجْمَعوا على أنَّه] (٤) يُشْترَطُ كونُهم مُسلمينَ، عُدولًا، ظاهِرًا وباطِنًا، وسَواءٌ كان المشهودُ عليه مُسلِمًا أو ذِمِّيًّا. وجُمهورُ العُلماءِ على أنَّه يُشْترَطُ أن يكونوا رِجالًا أحْرارًا، فلا تُقبلُ (٥) شهادةُ النِّساءِ ولا العَبيدِ. [وبه يقولُ مالكٌ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وشَذَّ أبو ثَوْرٍ، فقال: تُقْبَلُ فيه شهادةُ العَبيدِ] (٦).

стр. 7473

وحُكىَ عن عَطاءٍ، وحمَّادٍ، أنَّهما قالا: تَجوزُ شهادةُ ثلاثةِ رجالٍ وامرأتيْنِ؛ لأنَّه نَقَصَ واحدٌ مِن عَدَدِ الرِّجالِ، فقامَ مَقامَه امْرأتان، كالأمْوالِ. ولنَا، ظاهرُ الآيةِ، وأنَّ العبْدَ مُخْتلَفٌ فى شهادتِه فى المالِ، فكان ذلك شُبْهَةً فى الحَدِّ؛ لأنَّه بالشُّبُهاتِ (٧) يَنْدَرِئُ، ولا يَصِحُّ (٨) قياسُ هذا على الأموالِ؛ لخِفَّةِ حُكمِها، وشِدَّةِ الحاجةِ إلى إثْباتِها، لكَثرةِ وُقوعِها، والاحْتياطِ فى حِفْظِها، ولهذا زِيدَ فى عَدَدِ شُهودِ الزِّنَى على شُهودِ المالِ. فصل: وفى الإقْرارِ بالزِّنَى روَايتان، ذكرَهما أبو بكرٍ. وللشافعىِّ فيه قَوْلان؛ أحدُهما، يَثْبُتُ بشاهِدَيْنِ؛ قِياسًا على سائرِ الأقاريرِ. والثانى، لا يَثْبُتُ إلَّا بأرْبعةٍ، لأنَّه مُوجِبٌ لحَدِّ الزِّنَى، أشْبَهَ فِعْلَه. ١٨٨٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا سِوَى الْأمْوَالِ، مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، أقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ) وهذا القِسمُ نَوْعان؛ أحدُهما، العُقوباتُ، وهى الحُدودُ والقِصاصُ، فلا يُقبَلُ فيه إلَّا شَهادةُ رَجُلينِ، إلَّا ما رُوىَ عن (١) عَطاءٍ، وحَمَّادٍ، أنَّهما قالا: يُقْبَلُ فيه رجلٌ وامرأتان؛ قِياسًا على الشَّهادةِ فى الأمْوالِ. ولَنا، أنَّ هذا ممَّا يُحْتاطُ لِدَرْئِه وإسْقاطِه، ولهذا يَنْدَرِئُ بالشُّبهاتِ، ولا تَدْعُو الحاجةُ إلى إثْباتِه، وفى شَهادةِ النِّساءِ شُبْهَةٌ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢). وأنَّه لا تُقْبَلُ شَهادَتُهنَّ وإن كَثُرْنَ، ما لم يَكُنْ مَعَهُنَّ رجلٌ، فوجَبَ أن لا تُقْبَلَ شهادتُهُنَّ فيه. ولا يَصِحُّ قياسُ هذا على المالِ، لما ذكرْنا من الفَرْقِ. وبهذا الذى ذكرْنا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبىُّ، والنَّخَعىُّ، وحَمَّادٌ، والزُّهْرِىُّ، ورَييعةُ، ومَالكٌ، والشَّافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ،

стр. 7474

وأصْحابُ الرَّأىِ. واتَّفقَ هؤلاء وغيرُهم على أنَّها تَثْبُتُ بشهادةِ رَجُليْنِ، ما خَلَا الزِّنَى، إلَّا الحسنَ؛ فإنَّه قال: الشَّهادةُ على القتلِ، كالشَّهادةِ على الزِّنَى؛ لأنَّه يتعلَّقُ به إتْلافُ النَّفْسِ، فأشْبَهَ الزِّنَى. ولَنا، أنَّه أحدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فأشْبَهَ القِصاصَ فى الطَّرَفِ، وما ذكرَه مِن الوَصْفِ لا أثرَ له، فإن الزِّنَى المُوجِبَ للحدِّ لا يَثْبُتُ إلَّا بأربعةٍ، ولأنَّ حدَّ الزِّنَى حقٌّ للهِ تعالى يُقْبَلُ الرُّجوعُ عن الإقْرارِ به. ويُعْتَبرُ فى شُهداءِ هذا النَّوْعِ من الحُرِّيَّةِ والذُّكُورِيَّةِ والإسْلامِ والعَدالةِ، ما يُعْتَبرُ فى شُهَداءِ الزِّنَى، على ما سنَذْكرُه، إن شاء اللهُ تعالى. الثانى، ما ليس بعُقوبةٍ كالنِّكاحِ، والرَّجْعةِ، والطَّلاقِ، والعَتاقِ، والإيلاءِ، والظِّهارِ، والنَّسبِ، والتَّوكيلِ، والوَصِيَّةِ إليه، والوَلاءِ، والكِتابةِ، وأشْباهِ هذا. فقال القاضى: المُعَوَّلُ (٣) عليه فى المذهب، أنَّ هذا لا يثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْنِ ذكَرَيْنِ، ولا تُقْبَلُ فيه شهادةُ النِّساءِ بحالٍ. وقد نَصَّ أحمدُ، فى روايةِ الجماعةِ، على أنَّه لا تجوزُ شَهادةُ النِّساءِ فى النِّكاحِ والطَّلاقِ. وقد نُقلَ عن أحمدَ، فى الوَكالةِ: إن كانتْ بمُطالَبةِ دَينٍ -يعنى تُقْبَلُ فيه شَهادةُ رجلٍ وامرأتيْنِ- فأمَّا غيرُ ذلك فلا. ووجهُ ذلك؛ أنَّ الوَكالةَ فى اقْتضاءِ الدَّينِ يُقْصَدُ منها المالُ، فيُقْبَلُ فيها شهادةُ رجلٍ وامرأتيْن، كالحَوالَةِ. قال القاضى: فيُخرَّجُ مِن هذا، أنَّ النِّكاحَ وحُقوقَه، مِن الرَّجعةِ وشِبهِها، لا تُقْبَلُ فيها شهادةُ النِّساءِ، روايةً واحدةً، وما عَداه يُخرَّجُ على روايَتَيْنِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُخرَّجُ فى النِّكاحِ والعَتاقِ أيضًا رِوَايتان؛ إحداهما، لا تُقبلُ فيه إلَّا شَهادةُ رجليْنِ. وهو قولُ النَّخَعىِّ، والزُّهْرىِّ، ومالكٍ، وأهلِ المدينةِ، والشَّافعىِّ. وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، والحسنِ، وربيعةَ، فى الطَّلاقِ. والثانية، تُقْبَلُ فيه شهادةُ رَجُليْنِ وامرأتَيْنِ. رُوِىَ ذلك عن جابرِ بنِ زيدٍ، وإياسِ ابنِ مُعاويةَ، والشَّعْبىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْىِ. ورُوىَ ذلك فى النِّكاحِ عن عَطاءٍ. واحْتجُّوا بأنَّه لا يَسْقُطُ بالشُّبْهةِ، فيثْبُتُ برجلٍ وامرأتيْنِ، كالمالِ. ولَنا، أنَّه ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ (٤) منه المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فلم يكُنْ للنِّساءِ فى

стр. 7475

شَهادتِه مَدْخَلٌ، كالحُدودِ والقِصاصِ. وما ذكروه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الشُّبْهةَ لا مَدْخَلَ لها فى النِّكاحِ، وإن تُصُوِّرَ بأن تَكونَ المرأةُ مُرْتابةً بالحَملِ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ. فصل: وقد نُقِلَ عن أحمدَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فى الإعْسارِ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا بثلاثةٍ؛ لحديثِ قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ: "حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ" (٥). قال أحمدُ: هكذا جاءَ الحديثُ. فظاهرُ هذا أنَّه أخَذَ به. ورُوِىَ عنه، أنَّه لا يُقْبَلُ قولُه (٦) إنَّه وصَّى، حتى يَشْهدَ له رجلانِ، أو رجلٌ عَدْلٌ. فظاهرُ (٦) هذا أنَّه يُقْبَلُ فى الوَصِيَّةِ شهادةُ رجلٍ واحدٍ. وقال فى الرجلِ يُوصى ولايَحْضُرُه إلَّا النِّساءُ. قال: أُجيزُ شهادةَ النِّساءِ، فظاهرُ هذا أنَّه أثْبَتَ الوَصِيَّةَ بشَهادةِ النِّساءِ على الانْفِرادِ، إذا لم يحْضُرْه الرِّجالُ. قال القاضى: والمذهبُ أنَّ هذا كلَّه لا يثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْنِ، وحديثُ قَبِيصَةَ فى حِلِّ المسألةِ، لا فى الإعْسارِ. فصل: ولا يَثْبُتُ شىءٌ من هذين النَّوعيْنِ بشاهدٍ ويَمينِ المُدَّعِى؛ لأنَّه إذا لم يَثْبُتْ بشَهادةِ رجلٍ وامرأتيْنِ، فلِئلَّا يَثْبُتَ بشَهادةِ واحدٍ وَيمِينٍ أوْلَى. قال أحمدُ، ومالكٌ، فى الشَّاهدِ واليَمِينِ: إنَّما يكونُ ذلك فى الأمْوالِ خاصَّة، لا يَقَعُ فى حَدٍّ، ولا نِكاحٍ، ولا طَلاقٍ، ولا عَتَاقةٍ، ولا سَرِقةٍ، ولا قَتلٍ. وقد قال الْخِرَقِىُّ: إذا ادَّعَى العَبْدُ أنَّ سيِّدَه أعْتَقَه، وأتَى بشاهدٍ، حلَفَ مع شاهدِه، وصارَ حُرًّا. ونصَّ عليه أحمدُ. وقال فى شريكيْنِ فى عبدٍ، ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّ شريكَه أعْتَقَ حقَّه منه، وكانا مُعْسِرينِ عَدْلَيْنِ: فلِلْعَبْدِ أن يحْلِفَ مع كلِّ واحدٍ منهما ويَصيرَ حُرًّا، أو يَحْلِفَ مع أحدِهما ويَصيرَ نِصفُه حُرًّا. فيُخرَّجُ مثلُ هذا فى الكِتابةِ، والوَلاءِ، والوَصِيَّةِ، والوَديعةِ، والوَكالةِ، فيكونُ فى الجميعِ رِوايتان، ما خَلا العُقوباتِ البَدنِيَّة، والنِّكاحَ، وحقوقَه، فإنَّها لا تثْبُتُ بشاهدٍ ويَمِينٍ، قولًا واحدًا. قال القاضى: المَعْمولُ عليه فى جميعِ ما ذكرْناه، أنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْنِ. وهو قولُ الشَّافعىِّ. ورَوَى الدَّارَقُطْنىُّ (٧)، بإسْنادِه عن أبى سَلَمةَ، عن أبى

стр. 7476

هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "اسْتَشَرْتُ جِبْرِيلَ فى القَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَأشَارَ عَلَىَّ فِى الأمْوَالِ، لا تَعْدُو (٨) ذَلِكَ". وقال عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قَضَى بالشَّاهدِ واليمينِ؟ قال: نعم فى الأموالِ. وتفسيرُ الرَّاوِى أوْلَى مِن تفسيرِ غيرِه. روَاه الإمامُ أحمدُ، وغيرُه (٩)، بإسْنادِهم. ١٨٨٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْبَلُ فِى الْأمْوَالِ أقَلُّ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأتَيْنِ، وَرَجُلٍ عَدْلٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ) وجملةُ ذلك، أنَّ المالَ كالقَرْضِ، والغَصْبِ، والدُّيونِ كلِّها، وما يُقْصَدُ به المالُ كالبَيْعِ، والوَقْفِ، والإجارَةِ، والهِبَةِ، والصُّلْحِ، والمُساقاةِ، والمُضارَبةِ، والشَّركةِ، والوَصِيَّةِ له، والجِنايةِ المُوجِبَةِ للمالِ؛ كجِنايةِ الخَطَأِ، وعَمْدِ الخَطأِ، والعَمْدِ المُوجِبِ للمالِ دونَ القِصاصِ، كالجائفةِ، وما دون المُوضِحَةِ من الشِّجاجِ، تثْبُتُ بشهادةِ رجلٍ وامرأتيْنِ. [وقال أبو بكرٍ: لا تثْبُتُ الجِنايةُ فى البَدنِ بشَهادةِ رجلٍ وامرأتيْنِ] (١)؛ لأنها جِنايةٌ، فأشبهَتْ ما يُوجبُ القِصاصَ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ مُوجَبَها المالُ، فأشْبَهتِ البيعَ، وفارَقَ ما يوُجِبُ القِصاصَ، لأنَّ القصاصَ لا تُقْبَلُ فيه شهادةُ النِّساءِ، وكذلك ما يُوجِبُه. والمالُ يَثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ، وكذلك ما يُوجِبُه. ولا خلافَ فى أنَّ المالَ يثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ مع الرِّجالِ. وقد نَصَّ اللهُ تعالى على ذلك فى كتابِه، بقولِه سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾. إلى قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ

стр. 7477

مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢). وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على القَوْلِ به. وقد ذكَرْنا خبرَ أبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عباسٍ فيه (٣). فصل: أكثرُ أهلِ العلمِ يرَوْنَ ثُبوتَ المالِ لمُدَّعِيه بشاهدٍ ويَمِينٍ. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعُمرَ، وعثمانَ (٤)، وعلىٍّ (٥)، رَضِىَ اللهُ عنهم. وهو قولُ الفُقَهاءِ السَّبْعةِ، وعمرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، والحسنِ، وشُرَيْحٍ، وإياسَ، وعبدِ اللَّه بنِ عُتْبةَ، وأبى سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، ويحيى بنِ يَعْمُرَ، وربيعةَ، ومالكٍ، وابنِ أبى ليلى، وأبى الزِّنادِ، والشَّافعىِّ. وقالَ الشَّعْبىُّ، والنَّخَعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، والأوْزاعِىُّ: لا يُقضَى بشاهدٍ ويَمِينٍ. وقال محمدُ بنُ الحَسنِ: مَن قَضَى بالشَّاهدِ واليَمِينِ، نَقضْتُ حُكْمَه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾. فمَن زادَ فى ذلك، فقد زادَ فى النَّصِّ، والزِّيادةُ فى النَّصِّ نَسْخٌ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلى [الْمُدَّعَى عَلَيْه] (٦) ". فحصَرَ اليَمِينَ فى جانبِ المُدَّعَى عليه، كما حصَرَ البَيِّنَةَ فى جانبِ المُدَّعِى. ولَنا، ما رَوَى سُهَيْلٌ، عن أبيه، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قضَى رسولُ اللهِ ﷺ باليَمِينِ مع الشَّاهدِ الواحدِ. روَاه سعيدُ بنُ منصورٍ، فى "سُنَنِه"، والأئِمَّةُ مِن أهلِ السُّنَنِ والمَسانِيدِ (٧)، قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ (٨) غريبٌ،

стр. 7478

وفى الباب عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وسُرَّقٍ (٩). وقال النَّسائِىُّ (١٠): إسْنادُ حديثِ ابنِ عباسٍ فى اليَمِينِ مع الشاهدِ إسْنادٌ جَيِّدٌ. ولأنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ فى حقِّ مَن ظهرَ صدقُه، وقَوِىَ جانِبُه، ولذلك شُرِعَتْ فى حقِّ صاحبِ اليَدِ لقُوَّةِ جَنَبَتِه بها، وفى حقِّ المُنْكِرِ لِقُوَّةِ جَنَبتِه، فإنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، والمُدَّعِى هاهُنا قد ظهرَ صِدْقُه، فوجبَ أن تُشْرَعَ اليَمينُ فى حقِّه. ولا حجَّةَ لهم فى الآيةِ؛ لأنَّها دلَّتْ على مَشْروعيَّةِ الشاهِدَيْن، والشَّاهدِ والمرأتَيْنِ، ولا نِزاعَ فى هذا. وقولُهم: إنَّ الزِّيادةَ فى النَّصِّ نَسْخٌ. غيرُ صحيحِ؛ لأنَّ النَّسْخَ الرَّفعُ والإزالَةُ، والزِّيادةُ فى الشىءِ تقريرٌ له، لا رَفْعٌ، والحُكْمُ بالشَّاهدِ واليَمِينِ لا يَمْنَعُ الحُكمَ بالشاهدَيْنِ، ولا يَرْفعُه، ولأنَّ الزيادةَ لو كانتْ متَّصلةً بالمَزِيدِ عَليه لم ترْفَعْه، ولم تكُنْ نَسْخًا، فكذلك إذا انْ فصَلَ تْ عنه، ولأنَّ الآيةَ واردةٌ فى التَّحَمُّلِ دون الأَداءِ، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١١). والنِّزاعُ فى الأداءِ، وحديثُهم ضعيفٌ، وليس هو للحَصْرِ؛ بدليلِ أنَّ اليَمِينَ تُشْرع فى حقِّ المُودَعِ إذا ادَّعَى رَدَّ الوَديعةِ وتَلَفَها، وفى حقِّ الأُمَناءِ لظُهورِ جانِبِهم (١٢)، وفى حقِّ المُلاعِنِ، وفى القَسامَةِ، وتُشْرَعُ فى حقِّ البائعِ والمُشْترِى إذا اخْتلَفا فى الثَّمنِ والسِّلْعةُ قائمةٌ. وقولُ محمدٍ فى نَقضِ قَضاءِ مَن قَضَى بالشَّاهدِ واليَمينِ، يَتضمَّنُ القولَ بنَقْضِ قضاءِ رسولِ اللهِ ﷺ ، والخلفاءِ الذين قضَوا به، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١٣). والقضاءُ بما قضَى به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ﷺ ، أوْلَى من قضاءِ محمدِ بنِ الحسنِ المُخالِفِ له. فصل: قال القاضى: يجوزُ أن يَحْلِفَ على ما لا تَسُوغُ الشَّهادةُ عليه؛ مثل

стр. 7479

أن يجدَ بخطِّه دَيْنًا له على إنسانٍ، وهو يَعْرفُ أنَّه لا يَكتُبُ إلّا حقًّا، ولم يَذْكُرْه، أو يجدَ فى رُزْمانجِ (١٤) أبيه بخَطِّه دَيْنًا له على إنسانٍ، ويَعْرِفُ مِن أبيه الأمانةَ، وأنَّه لا يَكتبُ إلَّا حقًّا، فله أن يحْلِفَ عليه، ولا يجوزُ أن يَشْهدَ به، ولو أخبرَه بحقِّ أبيه ثِقَةٌ، فسكَنَ إليه، جازَ أن يحْلِفَ عليه، ولم يجُزْ له أن يَشْهَدَ به وبهذا قال الشَّافعىُّ، والفرقُ بين اليَمِينِ والشَّهادةِ مِن وَجْهيْنِ؛ أحدهما، أنَّ الشَّهادةَ لغيرِه (١٥)، فيَحْتَمِلُ أنَّ مَن له الشَّهادةُ قد زوَّرَ على خَطِّه، ولا يَحْتَمِلُ هذا فيما يحْلِفُ عليه؛ لأنَّ الحقَّ إنَّما هو للحالفِ، فلا يُزوِّرُ أحدٌ عليه. الثانى، أنَّ ما يَكْتبُه الإنسانُ مِن حُقوقِه يَكْثُرُ فيَنْسَى بعضَه، بخلافِ الشَّهادةِ. فصل: وكلُّ مَوضعٍ قُبِلَ فيه [الشَّهادةُ بالشَّاهِدِ] (١٦) واليَمِينِ، فلا فَرْقَ بين كَوْنِ المدَّعِى مُسلمًا أو كافرًا، عَدلًا أو فاسقًا، رجلًا أو امرأةً. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ مَن شُرِعتْ فى حقِّه اليَمِينُ لا يَختلِفُ حُكمُه باخْتلافِ هذه الأوصافِ، كالمُنْكِرِ إذا لم تكُنْ بيِّنةٌ. فصل: قال أحمدُ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن يُقْضَى باليَمِينِ مع الشَّاهدِ الواحدِ، فإنْ أبَى أن يَحْلِفَ، اسْتُحْلِفَ المطلوبُ. وهذا قولُ مالكٍ، والشَّافعىِّ. ويُرْوَى عن أحمدَ: فإن أبَى المَطْلوبُ أن يحلِفَ، ثَبَتَ الحقُّ عليه. فصل: ولا تُقْبلُ شهادةُ امرأتَيْنِ ويَمِينُ المُدَّعِى. وبه قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: يُقْبَلُ ذلك فى الأمْوالِ؛ لأنَّهما فى الأموالِ أُقِيمَتا مُقامَ الرَّجُلِ، فحلَفَ معهما، كما يَحْلِفُ مع الرجلِ. ولَنا، أنَّ البيِّنةَ على المالِ إذا خلَتْ من رجلٍ لم تُقْبَلْ، كما لو شهِدَ أربعُ نِسْوةٍ، وما ذكروه يَبْطُلُ بهذه الصورةِ، فإنَّهما لو أُقِيمَتا مُقامَ رجلٍ من كلِّ وَجْهٍ، لكفَى أربعُ نِسْوةٍ مُقامَ رَجُلينِ، ولَقُبِلَ (١٧) فى غيرِ الأمْوالِ شَهادةُ رجلٍ وامرأتَيْن، ولأنَّ شهادةَ المرأتينِ ضعيفةٌ، تقوَّتْ بالرَّجُلِ، واليَمِينُ ضعيفةٌ، فيُضَمُّ ضعيفٌ إلى ضعيفٍ، فلا يُقْبَلُ.

стр. 7480

فصل: إذا ادَّعَى رجلٌ على رجلٍ أنَّه سَرقَ نِصابًا مِن حِرْزِه، وأقامَ بذلك شاهدًا، وحلَف معه، أو شهِدَ له بذلك رجلٌ وامرأتان، وجبَ له المالُ (١٨) المشهودُ به إن كان باقيًا، أو قِيمتُه إن كان تالفًا، ولا يَجِبُ القَطْعُ؛ لأنَّ هذه حُجَّةٌ فى المالِ دونَ القَطْعِ. وإن ادَّعَى على رجلٍ أنَّه قتلَ وَليَّه عَمْدًا، فأقامَ شاهدًا وامرأتيْنِ، أو حلَفَ مع شاهِدِه، لم يثْبُتْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ. والفرقُ بين المسألَتيْنِ أنَّ السَّرِقةَ تُوجِبُ القَطْعَ والغُرْمَ معًا، فإذا لم يثْبُتْ أحدُهما ثبتَ الآخَرُ، والقتلُ العَمْدُ مُوجَبُه القِصاصُ عَينًا، فى إحدَى الرِّوايتيْنِ، والدِّيةُ بدلٌ عنه، ولا يَجبُ البَدَلُ ما لم يُوجَدْ مُوجَبُ (١٩) المُبْدَلِ. وفى الرِّوايةِ الأُخْرَى، الواجبُ أحدُهما لا بعَيْنِه، فلا يجوزُ أن يتعَيَّنَ أحدُهما إلَّا بالاخْتيارِ، أو التَّعَذُّرِ (٢٠)، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما. وقال ابنُ أبى موسى: لا يجبُ المالُ فى السَّرِقةِ أيضًا إلَّا بشاهِدَيْنِ؛ لأنَّها شهادةٌ [على فعلٍ يُوجِبُ] (٢١) الحَدَّ والمالَ، فإذا بطَلَتْ فى أَحَدِهما (٢٢) بطَلَتْ فى الآخَرِ (٢٣). والأوَّلُ أوْلَى؛ لما ذكَرْناه. وإن ادَّعى رجلٌ على رجلٍ أنَّه ضربَ أخاه بسَهْمٍ عَمْدًا فقتلَه، ونفَذَ إلى أخيه الآخَرِ فقتلَه خطأً، وأقام بذلك شاهدا وامرأتيْنِ، أو شاهدًا وحلَفَ معه، ثَبَتَ قَتْلُ الثانى؛ لأنَّه خطأٌ مُوجَبُه المالُ، ولم يَثْبُتْ قَتْلُ الأوَّلِ؛ لأنَّه عَمْدٌ موجَبُه القِصاصُ، فهما كالجنايتَيْنِ المُفْترِقَتَينِ. وعلى قولِ أبى بكرٍ، لا يَثْبُتُ شىءٌ منهما؛ لأنَّ الجِنايةَ عندَه لا تَثْبُتُ إلّا بشاهديْنِ، سَواءٌ كان مُوجَبُها المالَ أو غيرَه. ولو ادَّعَى رجلٌ على آخَرَ أنَّه سرَقَ منه وغَصَبَه مالًا، فحلَفَ بالطَّلاقِ والعَتاقِ ما سرَقَ منه ولا غَصَبَه، فأقامَ المُدَّعِى شاهِدًا وامرأتيْنِ شَهِدا بالسَّرقةِ والغَصْبِ، أو أقامَ شاهدًا وحلَفَ معه، اسْتَحَقَّ المسروقَ والمغصوبَ؛ لأنَّه أتَى بَبيِّنَةٍ يثْبُتُ ذلك بمثْلِها، ولم (٢٤) يثبُتْ طلاقٌ ولا عَتاقٌ (٢٥)؛ لأنَّ هذه

стр. 7481

البَيِّنَةَ حُجَّةٌ فى المالِ دونَ الطَّلاقِ والعَتاقِ. وظاهرُ مذهبِ الشَّافعىِّ (٢٦)، فى هذا ال فصلِ كمَذْهبِنا، إلَّا فيما ذكَرْناه من الخلافِ عن أصْحابِنا. فصل: ولو ادَّعَى جاريةً فى يَدِ رجلٍ أنَّها أمُّ ولدِه، وأنَّ ابنَها ابنُه منها، وُلِدَ فى مِلْكِه، وأقام بذلك شاهدًا وامرأتيْنِ، أو حلَفَ مع شاهدِه، حُكِمَ له بالجاريةِ، لأنَّ أُمَّ الولدِ مملوكةٌ له، ولهذا يَمْلِكُ وَطْأَها وإجارَتَها وتَزْويجَها، ويَثْبُتُ لها حُكْمُ الاسْتيلادِ بإقْرارِه؛ لأنَّ إقْرارَه يَنْفُذُ فى مِلْكِه، والمِلْكُ يثْبُتُ بالشَّاهدِ والمرأتَيْنِ، والشَّاهدِ واليَمِينِ، ولا يُحكَمُ له بالولدِ؛ لأنَّه يَدَّعِى نسَبَه، والنَّسَبُ لا يَثْبُتُ بذلك، ويَدَّعِى حُرِّيَّتَه أيضًا، فعلَى هذا يُقَرُّ الولدُ فى يدِ المُنْكِرِ مَمْلوكًا له. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشَّافعىِّ، وقال فى الآخَرِ: يأْخُذُها وولدَها، ويكونُ ابنَه؛ لأنَّ مَن ثَبتَتْ له العَيْنُ ثَبَتَ له نَماؤُها، والولدُ نَماؤُها. وذكرَ أبو الخَطَّابِ فيها عن أحمدَ روايَتيْنِ، كقَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. ولَنا، أنَّه لم يدَّعِ الولدَ مِلْكًا، وإنَّما يدَّعِى حُرِّيَّتَه ونَسَبَه، وهذان لا يَثْبُتان بهذه البَيِّنَةِ، فيَبْقَيانِ على ما كانا عليه. فصل: وإن ادَّعَى رجلٌ أنَّه خالَعَ امْرأتَه، فأنْكَرَتْه (٢٧)، ثَبَتَ ذلك بشاهدٍ وامرأتيْنِ، أو يَمِينِ المُدَّعِى؛ لأنَّه يَدَّعِى المالَ الذى خالَعتْ به. وإن ادَّعتْ ذلك المرأةُ، لم يَثْبُتْ إلَّا بشهادةِ رجليْن؛ لأنَّها لا تَقْصِدُ منه إلَّا الفَسْخَ وخَلاصَها مِن الزَّوجِ، ولا يَثْبُتُ ذلك إلّا (٢٨) بهذه البَيِّنَةِ. ١٨٨٥ - مسألة؛ قال: (وَيُقْبَلُ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، مِثْلُ الرَّضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، والْحَيْضِ، وَالْعِدَّةِ، وَمَا أشْبَهَهَا، شَهَادَةُ امْرَأةٍ عَدْلٍ (١)) لا نعلمُ بين أهلِ العلمِ خِلافًا، فى قَبُولِ شَهادةِ النِّساءِ المُنْفرِداتِ فى الجُملةِ. قالَ القاضى: والذى تُقْبَلُ فيه شهادتُهنَّ مُنْفرِداتٍ خَمسةُ أشياءَ؛ الوِلادةُ، والاسْتِهْلالُ،

стр. 7482

والرَّضاعُ، والعُيوبُ تحتَ الثِّيابِ كالرَّتْقِ والقَرَنِ والبَكارَةِ والثّيابَةِ والبَرَصِ، وانْقِضاءُ العِدَّةِ. وعن أبى حنيفةَ: لا تُقْبَلُ شهادَتُهنَّ مُنْفرِداتٍ على الرَّضاعِ؛ لأنَّه يجوزُ أن يطَّلِعَ عليه مَحارمُ المرأةِ مِن الرِّجالِ، فلم يَثْبُتْ بالنِّساءِ مُنْفرِداتٍ، كالنِّكاحِ (٢). ولَنا، ما رَوَى عُقْبةُ بنُ الحارثِ، قال: تزوَّجتُ أُمَّ يحيى بنتَ أبى إهابٍ، فأتَتْ أمَةٌ سَوداءُ، فقالت: قد أرضَعْتُكما. فأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، فذكرتُ ذلك له، فأعْرَضَ عنِّى، ثم أتيْتُه فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّها كاذِبةٌ. قال: "كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ". مُتَّفقٌ عليه (٣). ولأنَّها شَهادةٌ على عَورةٍ للنِّساءِ فيها مَدْخلٌ، فقُبِلَ فيها شهادةُ النِّساءِ، كالوِلادةِ، وتُخالفُ العَقْدَ، فإنه ليس بعَوْرةٍ. وحُكىَ عن أبى حنيفةَ أيضًا، أنَّ شَهادةَ النِّساء المُنْفرِداتِ لا تُقْبَلُ فى الاسْتِهْلالِ؛ لأنَّه يكونُ بعدَ الولادةِ. وخالفَه صاحِباه، وأكثرُ أهلِ العلمِ؛ لأنَّه يكونُ حالَ الولادةِ، فيتعَذَّرُ حُضورُ (٤) الرِّجالِ، فأشتبَهَ الوِلادةَ نفسَها. وقد رُوىَ عن علىٍّ، ﵀، أنَّه أجازَ شَهادةَ القابِلَةِ وَحْدَها فى الاسْتِهْلالِ. روَاه الإمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ منصورٍ (٥). إلَّا أنه مِن حديثِ جابرٍ الجُعْفِىِّ. وأجازَه شُرَيحٌ، والحسنُ (٦)، والحارِثُ العُكْلىُّ، وحَمَّادٌ. فصل: إذا ثبتَ هذا، فكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: تُقْبَلُ فيه شهادةُ النِّساءِ المُنْفرداتِ. فإنَّه تُقْبَل فيه شَهادةُ المرأةِ الواحدةِ. وقالَ طاوسٌ: تجوزُ شَهادةُ المرأةِ فى الرَّضاعِ، وإن كانت سَوْداءَ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى: لا تُقْبَلُ فيه إلَّا امْرأتانِ. وهو قولُ الحَكمِ، وابنِ أبى ليلَى، وابنِ شُبْرُمَة. وإليه ذهبَ مالكٌ، والثَّورىُّ؛ لأنَّ كلَّ جِنْسٍ به الحقُّ كَفَى

стр. 7483

فيه (٧) اثنان، كالرِّجالِ، ولأنَّ الرِّجالَ أكْمَلُ منهنَّ عقلًا (٨)، ولا يُقْبَلُ منهم إلَّا اثْنانِ. وقال عُثمانُ الْبَتِّىُّ: يَكْفِى ثلاثٌ؛ لأنَّ كلَّ مَوْضِعٍ قُبِلَ فيه النساءُ، كان العَدُدُ ثَلاثةً، كما لو كان مَعهنَّ رَجلٌ. وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ شهادةُ المرأةِ الواحدةِ فى ولادةِ الزَّوجاتِ دونَ ولادةِ المُطَلَّقةِ. وقالَ عَطاءٌ، والشَّعْبىُّ، وقَتادةُ، والشَّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا يُقْبَلُ فيه إلَّا أربعٌ؛ لأنَّها شهادةٌ مِن شرطِها الحُرِّيَّةُ، فلم يُقْبلْ فيها الواحدةُ، كسائرِ الشَّهاداتِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "شَهَادَةُ امْرَأتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ" (٩). ولَنا، ما رَوَى عُقْبةُ بنُ الحارثِ، أنه قال: تزوَّجتُ أُمَّ يحيى بنتَ أبى إهابٍ، فجاءَتْ أمةٌ سوداءُ، فقالتْ: قد أرْضَعْتُكما، فجئتُ إلى (١٠) النَّبِىِّ ﷺ ، فذكَرْتُ له ذلك، فأعْرَضَ عنِّى، ثم ذكرتُ له ذلك، فقال: "وَكَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذلكَ! ". مُتَّفَقٌ عليه. ورَوَى حُذيْفةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أجازَ (١١) شهادةَ القابِلَةِ (١٢). ذكرَه الفُقهاءُ فى كُتُبِهم. ورَوَى أبو الخَطَّابِ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "يُجْزِئُ فى الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأةٍ وَاحِدَةٍ" (١٣). ولأنَّه معنًى يثبُتُ بقَوْلِ النِّساءِ المُنْفرِداتِ، فلا يُشْترَطُ فيه (١٤) العددُ، كالرِّوايةِ وأخبارِ الدِّياناتِ. وما ذكرَه الشَّافعىُّ مِن اشْتِراطِ الحُرِّيَّةِ، غيرُ مُسَلَّمٍ، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "شَهَادَةُ امرَأتيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ". فى الموضعِ الذى تَشْهَدُ فيه مع الرَّجُلِ.

стр. 7484

فصل: فإن شهدَ الرَّجلُ بذلك، فقال أبو الخَطَّابِ: تُقْبَلُ شَهادتُه وَحْدَه؛ لأنَّه أكْملُ مِن المرأةِ، فإذا اكْتُفِىَ بها وحدَها، فَلَأنْ يُكْتَفَى به أوْلَى، ولأنَّ ما قُبِلَ فيه قولُ المرأةِ الواحدةِ، قُبلَ فيه قولُ الرجلِ، كالرِّوايةِ. ١٨٨٦ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ، فَعَلَيْهِ أنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إقَامَتِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ) وجملتُه أنَّ أداءَ الشَّهادةِ مِن فُروضِ الكِفاياتِ، فإن تعيَّنَتْ عليه، بأنْ لا يَتحمَّلَها من يَكْفِى فيها سِواهُ، لَزِمَه القيامُ بها. وإن قامَ بها اثنانِ غيرُه، سقطَ عنه أداؤُها. إذا قبلَها الحاكمُ، فإن كان تَحمَّلَها جماعةٌ، فأداؤُها واجِبٌ على الكُلِّ، إذا امْتَنعوا أثِمُوا كلُّهم، كسائرِ فُروضِ الكِفاياتِ. ودليلُ وُجوبِها قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١). وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (٢). وفى الآيةِ الأُخْرَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٣). ولأنَّ الشَّهادةَ أمانةٌ، فلزِمَه أداؤُها عندَ طَلَبِه، كالوَديعةِ، ولقولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤). فإن عجَزَ عن إقامَتِها، أو تَضرَّرَ بها، لم تجبْ عليه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ (٥). فصل: ومَن له كِفايةٌ، فليس له أخذُ الجُعْلِ على الشَّهادةِ؛ لأنَّه أداءُ فرضٍ، فإنَّ فَرْضَ الكِفايةِ إذا قامَ به البَعضُ وقعَ منهم فرضًا. وإن لم تكُنْ له كِفايةٌ، ولا

стр. 7485

تعيَّنَتْ عليه، حلَّ له أخذُه؛ لأنَّ النَّفقةَ (٦) على عِيَالِه فَرْضُ عَيْنٍ، فلا يَشْتغِلُ عنه بفَرْضِ الكِفايةِ، فإذا أخذَ الرِّزقَ جمعَ بين الأمريْنِ. وإن تعيَّنتْ عليه الشَّهادةُ، احْتَمَلَ ذلك أيضًا، واحْتَمَلَ (٧) أن لا يجوزَ؛ لئلَّا يأخُذَ العِوَضَ عن أداءِ فُروضِ (٨) الأعْيانِ (٩). وقال أصحابُ الشَّافعىِّ: لا يجوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ لمَن تعيَّنَتْ عليه، وهل يجوزُ لغيرِه؟ على وَجْهينِ. ١٨٨٧ - مسألة؛ قال: (وَمَا أدْرَكَهُ مِنَ الْفِعْلِ نظَرًا، أوْ سَمِعَهُ تَيَقُّنًا، وَإنْ لَمْ يَرَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، شَهِدَ بِهِ) وجملةُ ذلك أنَّ الشهادةَ لا تجوزُ إلَّا بما عَلِمَه؛ بدلِيلِ قولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٢). وتَخْصِيصُه لهذه الثلاثةِ بالسُّؤالِ؛ لأنَّ العلمَ بالفُؤادِ، وهو مُستَنِدٌ إلى (٣) السَّمعِ والبصرِ؛ لأنَّ (٤) مَدْرَكَ الشهادةِ الرُّؤْيةُ والسَّماعُ، وهما بالبَصرِ والسَّمْعِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنه قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الشَّهادةِ، قال: "هَلْ تَرَى الشَّمْسَ؟ ". قال: نعم. قال: "عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ". روَاه الخَلَّالُ، فى "الجامعِ" بإسْنادِه (٥). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ مَدْرَكَ العلمِ الذى تَقعُ به الشَّهادةُ اثنانِ، الرُّؤْيةُ والسَّماعُ، وما عداهما مِن مَدارِكِ العلمِ كالشَّمِّ والذَّوْقِ واللَّمسِ،

стр. 7486

لا حاجةَ إليها فى الشَّهادةِ فى الأغْلَبِ. فأمَّا ما يقَعُ بالرُّؤْيةِ، فالأفعالُ؛ كالغَصْبِ، والإِتْلافِ، والزِّنَى، وشُرْبِ الخمرِ، وسائرِ الأفعالِ، وكذلك الصِّفاتُ المرْئيَّةُ؛ كالعُيوبِ فى المَبيعِ، ونحوِها (٦)، فهذا لا تُتَحَمَّلُ (٧) الشهادةُ فيه إلَّا بالرُّؤْيةِ؛ لأنَّه يمكنُ الشَّهادةُ عليه قطعًا، فلا يُرْجَعُ إلى غير ذلك. وأمَّا السَّماعُ فنَوْعان؛ أحدُهما، مِن المشهْودِ عليه، مثل العُقودِ؛ كالبيعِ، والإِجارةِ، وغيرِهما مِن الأقْوالِ، فيَحْتاجُ إلى أنْ يَسْمعَ كلامَ المُتعاقِدَيْنِ يَقِينًا (٨)، ولا تُعْتبَرُ رُؤْيةُ المُتعاقِدَيْنِ، إذا عرفَهما، وتَيَقَّنَ أنَّه كلامُهما. وبهذا قال ابنُ عباسٍ، والزُّهْرِىُّ، ورَبيعةُ، واللَّيْثُ، وشُرَيْحٌ، وعَطاءٌ، وابنُ أبى ليلَى، ومالكٌ. وذهبَ أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ، إلى أنَّ الشَّهادةَ لا تَجوزُ حتى يُشاهِدَ القائلُ المشهودَ عليه؛ لأنَّ الأصْواتَ تَشْتَبِهُ، فلا يَجوزُ أنْ يَشهدَ عليها مِن غيرِ رُؤْيَةٍ، كالخَطِّ. ولَنا، أنَّه عَرَفَ المَشْهودَ عليه يَقينًا، فجازَتْ شَهادتُه عليه، كما لو رآه. وجوازُ اشْتِباه الأصْواتِ كجَوازِ اشْتباهِ الصُّوَرِ، وإنَّما تجُوزُ الشَّهادةُ لمَن (٩) عرَفَ المشهودَ عليه يَقينًا، وقد يحْصُلُ العلمُ بالسَّماعِ يَقينًا، وقد اعْتبرَه الشَّرْعُ بتَجْوِيزِه الرِّوايةَ مِن غيرِ رُؤْيَةٍ، ولهذا قُبِلَتْ رِوايةُ الأعْمَى، وروايةُ مَن رَوَى عن أزْواجِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن غيرِ مَحارِمِهنَّ. وأمَّا النوعُ الثانى، فسَنذْكرُه إن شاءَ اللهُ تعالى فى المسألةِ التى تَلِى هذا. فصل: إذا عرَفَ المشْهودَ عليه باسْمِه وعَيْنِه ونَسَبِه، جازَ أن يَشْهدَ عليه، حاضرًا كان أو غائبًا، وإن لم يَعرِفْ ذلك، لم يَجُزْ أن يَشْهدَ عليه مع غَيْبَتِه، وجازَ أن يَشْهدَ عليه حاضرًا بمَعْرفةِ عَيْنِه. نصَّ عليه أحمدُ. قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ شهِدَ لرجلٍ بحقٍّ له على رجلٍ، وهو لا يَعرفُ اسمَ هذا، ولا اسمَ هذا، إلَّا أنَّه يَشْهدُ له، فقال: إذا قال: أشهدُ أنَّ لهذا على هذا. وهما شاهِدانِ جميعًا، فلا بأسَ، وإن كان غائبًا، فلا يَشْهدُ حتَّى يَعرِفَ اسمَه. فصل: والمرأةُ كالرَّجلِ، فى أنَّه إذا عرَفَها وعرَفَ اسمَها ونَسَبَها، جازَ أن يَشْهدَ عليها

стр. 7487

مع غَيْبَتِها. وإن لم يعرِفْها، لم يَشْهَدْ عليها مع غَيْبَتِها. قال أحمدُ، فى روايةِ الجَماعةِ: لا يَشْهدُ (١٠) إلَّا لمَن يَعْرِفُ (١١)، وعلى مَن يَعْرِفُ (١١)، ولا يَشْهَدُ إلَّا على امرأةٍ قد عرَفَها، وإن كانتْ ممن قد (١٢) عَرَفَ اسْمَها، ودُعِيَتْ، وذَهَبتْ، وجاءتْ، فلْيَشْهَدْ، وإلَّا فلا يَشْهَدْ، فأما إن لم يَعْرِفْها، فلا يجوزُ أن يشْهَدَ مع غَيْبَتِها. ويجوزُ أن يشْهَدَ على عَيْنِها (١٣) إذا عرَفَ عَيْنِها (١٣)، ونظرَ إلى وَجْهِها. قال أحمدُ: ولا يَشْهَدُ على امرأةٍ، حتى يَنْظُرَ إلى وَجْهِها. وهذا محمولٌ على الشَّهادةِ على مَن لم يتيقَّنْ مَعرِفتَها. فأمَّا مَن تَيَقَّنَ مَعْرِفتَها، وتَعرَّفَ صَوْتَها (١٤) يَقِينًا، فيجوزُ أن يشْهَدَ عليها إذا تيقَّنَ صَوْتَها، على ما قدَّمْناه فى المسألةِ قَبلَها. فإن لم يعْرِفِ المشهودَ عليه، فعرَّفَه عندَه مَن يَعْرفُه، فقد رُوىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا يَشْهَدُ على شَهادةِ غيرِه إلَّا بمَعْرفتِه لها. وقال: لا يجوزُ للرَّجلِ أن يقولَ للرَّجلِ: أنا أشهدُ أنَّ هذه فلانةُ. ويَشْهدَ على شهادتِه. وهذا صريحٌ فى المَنْعِ مِن الشَّهادةِ على مَن لا يَعْرِفُه بتَعْرِيف غيرِه. وقال القاضى: يجوزُ أن يُحْمَلَ هذا على الاسْتِحْبابِ، لتَجْويزِه الشَّهادةَ بالاسْتِفاضةِ. وظاهرُ قولِه المنعُ منه. وقال أحمدُ: لا يَشهدُ على امرأةٍ إلَّا بإذْنِ زَوْجِها. وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه لا يَدْخُلُ عليها بَيْتَها ليَشْهَدَ عليها إلَّا بإذْنِ زَوْجِها؛ لما رَوَى عمرُو بنُ العاصِ قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُسْتأذَنَ على النِّساءِ إلَّا بإذْنِ أزْواجهنَّ. رواه أحمدُ، فى "مُسْنَدِه" (١٥). فأمَّا الشَّهادةُ عليها فى غيرِ بيتِها فجائِزةٌ (١٦)؛ لأنَّ إقْرارَها صحيحٌ، وتَصرُّفَها إذا كانتْ رشيدةٌ صحيحٌ، فجازَ أن يَشْهَدَ عليها به. فصل: وإذا عرَفَ الشاهدُ خطَّه، ولم يذْكُرْ أنَّه شَهِدَ به، فهل يجوزُ له أن يَشْهَدَ له (١٧) بذلك؟ فيه روايَتان؛ إحْداهما، لا يَجوزُ له (١٧) أن يَشْهَدَ بها. قال أحمدُ فى رِوايةِ حَربٍ،

стр. 7488

فى مَن يَرَى خَطَّه وخاتَمَه ولا يذكرُ الشَّهادةَ، قال: لا يَشْهَدُ إلَّا بما يَعْلَمُ. وقالَ فى رِوايةِ غيرِه: يشْهدُ (١٨) إذا عرَفَ خطَّه، كيفَ تَكونُ الشَّهادةُ إلا هكذا؟ . وقال فى موضعٍ آخرَ: إذا عَرَفَ خطَّه، ولم يحْفَظْ، فلا يَشهدُ، إلَّا أن يكونَ مَنْسوخًا عندَه، مَوضوعًا تحتَ خَتْمِه وحِرْزِه، فيَشْهَدُ، وإن (١٩) لم يَحْفَظْ. وقال (٢٠) أيضًا: إذا كان رَدِىءَ الحِفْظِ، فيَشْهَدُ ويَكتبُها عندَه (٢١). وهذه (٢٢) روايةٌ ثالثةٌ، وهو أنَّه (٢٣) يشْهَدُ إذا كانت مَكتوبةً عنده بخطِّه فى حِرْزِه، ولا يَشْهَدُ إذا لم تكُنْ كذلك، [بمنْزِلةِ القاضى، فى إحدَى الرِّوايتيْنِ، إذا وجدَ حُكمَه بخطِّه تحتَ خَتْمِه أمْضاهُ، ولا يُمْضِيه (٢٤) إذا لم يَكُنْ كذلك] (٢٥). ١٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأخْبَارُ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِى قَلْبِهِ، شَهِدَ بِهِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ) هذا النوعُ الثانى مِن السَّماعِ، وهو ما يَعْلَمُه بالاسْتِفاضَةِ. وأجمعَ أهلُ العلمِ على صحَّةِ الشَّهادةِ بها فى النَّسَبِ والولادةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أمَّا النَّسَبُ فلا أعلمُ أحدًا مِن أهلِ العلمِ مَنعَ منه، ولو مُنعَ ذلك لاسْتحالَتْ [مَعْرِفتُه والشَّهادةُ] (١) به؛ إذْ لا سَبيلَ إلى معرفتِه قطعًا بغيرِه، ولا تُمْكِنُ المُشاهدةُ فيه، ولو اعْتُبِرتِ المُشاهَدةُ، لَما عرَفَ أحدٌ أباه، ولا أُمَّه، ولا أحدًا مِن

стр. 7489

أقارِبِه. وقد (٢) قال: قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٣). واخْتَلفَ أهلُ العلمِ فيما تجوزُ الشَّهادةُ عليه بالاسْتِفاضَةِ، غيرِ النَّسَبِ والوِلادةِ، فقال أصحابُنا: هو تِسعةُ أشياءَ؛ النِّكاحُ، والمِلكُ المُطْلَقُ، والوَقْفُ، ومَصْرِفُه، والمَوْتُ، والعِتْقُ، والوَلاءُ، والوِلَايةُ، والعَزْلُ. وبهذا قال [أبو سعيدٍ الإصْطَخْرِىُّ، وبعضُ] (٤) أصْحابِ الشَّافعىِّ. وقال بعضُهم: لا تجوزُ فى الوَقفِ والوَلاءِ والعِتْقِ والزَّوْجيَّةِ، لأنَّ الشَّهادةَ مُمْكِنَةٌ فيه بالقَطْعِ، فإنَّها (٥) شهادةٌ (٦) بعَقْدٍ، فأشْبَهَ سائرَ العُقودِ. وقالَ أبو حنيفةَ: لا تُقْبلُ [إلَّا فى النِّكاحِ، والمَوتِ، ولا تُقبلُ] (٧) فى المِلْكِ المُطلَقِ؛ لأنَّها (٨) شهادةٌ بمالٍ، أشْبَهَ الدَّينَ. وقال صاحِبَاه: تُقْبَلُ فى الوَلاءِ، مثل عِكْرِمَةَ مولَى ابنِ عبَّاسٍ. ولَنا، أنَّ هذه الأشياءَ تتعذَّرُ الشَّهادةُ عليها فى الغالبِ بمُشاهدتِها، أو مُشاهدةِ أسبابِها، فجازَتِ الشَّهادةُ عليها بالاسْتِفاضَةِ كالنَّسَبِ. وقال مالكٌ: ليس عندَنا مَن يشْهَدُ على أحْباسِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ إلَّا بالسَّماعِ. وقال مالكٌ: السَّماعُ فى الأحْباسِ والوَلاءِ جائزٌ. وقال أَحمدُ، فى روايةِ المَرُّوذِىِّ: اشْهَدْ أنَّ دارَ بَخْتانَ لبَخْتَانَ، وإن لم يُشْهدْكَ. وقيل له: تَشْهَدُ أنَّ فُلانةَ امرأةُ فلانٍ، ولم تَشْهَدِ النِّكاحَ؟ فقال: نعم، إذا كانَ مُسْتفيضًا، فأشْهَدُ أقولُ: إنَّ فاطمةَ ابنةَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وإنَّ خَديجةَ وعائشةَ زَوجَتاه (٩)، وكلُّ أحدٍ يشهدُ بذلك مِن غيرِ مُشاهَدةٍ. فإن قيلَ: يُمْكِنُه (١٠) العِلمُ فى هذه الأشياءِ بمُشاهدةِ السَّببِ. قُلْنا: وجودُ السَّبَبِ لا يُفِيدُ العِلمَ بكونِه سَبَبًا يَقِينًا، فإنَّه يجوزُ أنْ يَشْترِىَ ما ليس بمِلْكِ البائعِ (١١)، ويَصْطادَ صيدًا صادَه غيرُه، ثم انْفلتَ منه، وإن تُصُوِّرَ ذلك، فهو نادرٌ.

стр. 7490

وقولُ أصحابِ الشَّافعىِّ: تُمْكِنُ الشَّهادةُ فى الوَقفِ باللَّفظِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّهادةَ ليستْ بالعُقودِ هاهُنا، وإنَّما يُشْهَدُ بالوَقْفِ الحاصلِ بالعَقْدِ، فهو بمَنْزِلةِ المِلكِ، وكذلك يُشْهَدُ بالزَّوجيَّةِ دون العَقدِ، وكذلك الحُرِّيَّةُ (١٢) والوَلاءُ، وهذه جميعُها لا يُمْكِنُ القَطْعُ بها، كما لا يُمْكِنُ القَطْعُ بالمِلْكِ؛ لأنَّها مُترتِّبةٌ على المِلْكِ، فوجبَ أن تجوزَ الشَّهادةُ فيها بالاسْتِفاضَةِ (١٣)، كالمِلْكِ سَوَاءً. قال مالكٌ: ليس عندَنا مَن يَشْهَدُ (١٤) على أحْباسِ أصْحابِ (١٥) رسولِ اللهِ ﷺ ، إلَّا على السَّماعِ. إذا ثبَتَ هذا، فكلامُ أحمدَ والْخِرَقِىِّ، يَقتضى أن لا يَشْهَدَ بالاسْتِفاضَةِ حتى تَكْثُرَ به الأخْبارُ، ويَسْمَعَه من عددٍ كثيرٍ يحْصُلُ به العِلمُ؛ لقولِ الخِرَقِىِّ: ما (١٦) تظاهَرتْ به الأخْبارُ، واسْتقرَّتْ معرفتُه فى قلْبِه (١٧). يَعنى حصَلَ العِلمُ به. وذكرَ القاضى، فى "المُجرَّدِ" أنَّه يَكفِى أن يَسْمَعَ مِن اثنيْنِ عَدْلَيْنِ، ويَسْكُنَ قلبُه إلى خبرِهما؛ لأنَّ الحُقوقَ تَثْبُتُ بقولِ اثْنَين. وهذا قولُ المتأخِّرينَ مِن أصحابِ الشَّافعىِّ. والقولُ الأوَّلُ هو الذى يَقْتَضيهِ لفظُ الاسْتفاضَةِ، [فإنَّها مَأْخُوذةٌ] (١٨) مِن فَيْضِ الماءِ؛ لكَثرَتِه، ولأنَّه لو اكْتُفِىَ فيه بقَوْلِ اثنيْنِ، لا يُشْترَطُ فيه ما يُشْترَطُ فى الشَّهادةِ على الشَّهادةِ، وإنَّما اكْتُفِىَ بمُجَرَّدِ السَّماعِ. فصل: فإنْ كانَ فى يَدِ رجلٍ دارٌ أو عَقارٌ، يتَصَرَّفُ (١٩) فيها تَصرُّفَ المُلَّاكِ بالسُّكنَى، والإعارَةِ، والإجارةِ، والعِمارةِ، والهَدْمِ، والبناءِ، مِن غيرِ مُنازِعٍ، فقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ: يجوزُ أن يَشْهَدَ له بمِلْكِها. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والإِصْطَخْرِىِّ من أصحابِ الشَّافعىِّ. قال القاضى: ويَحْتَمِلُ أنْ لا يشْهَدَ إلَّا بما شَاهدَه (٢٠)

стр. 7491

مِن الْيَدِ (٢١) والتَّصرُّفِ، لأنَّ اليدَ ليستْ مُنْحصِرةً فى المِلْكِ، وقد (٢٢) تكونُ بإجارَةٍ وإعارَةٍ وغَصْبٍ. وهذا قولُ بعضِ (٢٣) أصحابِ الشَّافعىِّ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ اليَدَ دليلٌ على (٢٤) المِلْكِ، واسْتِمرارُها مِن غيرِ مُنازِعٍ يُقوِّيها، فجَرَتْ مَجْرَى الاسْتِفاضَةِ، فجازَ أن يَشْهَدَ بها، كما لو شاهَدَ سببَ اليَدِ، [مِن بَيعٍ، أو إرْثٍ أو هِبَةٍ، واحْتمالُ كَوْنِها عن غَصْبٍ أو إجارَةٍ، يُعارِضُه (٢٥) اسْتِمرارُ اليَدِ مِن غير مُنازِعٍ، فَلا يَبْقَى مانِعًا، كما لو شاهدَ سببَ اليَدِ] (٢٦)؛ فإنَّ احْتَمالَ كَوْنِ البائعِ غيرَ مالكٍ، والوارِثِ والواهِبِ، لا يَمْنَعُ الشَّهادةَ. كذا هاهُنا. فإن قيلَ: فإذا بَقِىَ الاحْتمالُ لم يَحصُلِ العلمُ، ولا تجوزُ الشَّهادةُ إلَّا بما يَعْلَمُ. قُلْنا: الظَّنُّ يُسَمَّى عِلْمًا، قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (٢٧). ولا سبيلَ إلى العلمِ اليَقِينىِّ هاهُنا، فجازَتْ بالظَّنِّ. فصل: وإذا سمِعَ رجلًا يقولُ لصَبِىٍّ: هذا ابْنى. جازَ أن يَشْهَدَ به؛ لأنَّه مُقِرٌّ بنَسَبِه. وإن سمِعَ الصَّبِىَّ يقولُ: هذا أبى. والرَّجلُ يسْمَعُه، فسكَتَ، جازَ أن يَشْهَدَ أيضًا؛ لأنَّ سُكوتَ الأبِ إقْرارٌ له، والإقرارُ يَثْبُتُ به (٢٨) النَّسَبُ، فجازَتِ الشَّهادةُ به، وإنَّما أُقيمَ السُّكوتُ هاهُنا مُقامَ الإقْرارِ؛ لأنَّ الإقْرارَ على الانْتِسَابِ الباطلِ غيرُ (٢٤) جائزٍ، بخِلافِ سائِرِ الدَّعاوَى، ولأنَّ النَّسَبَ يغْلِبُ فيه الإِثْباتُ، ألَّا ترَى أنَّه يَلْحَقُ بالإمْكانِ فى النِّكاحِ. وذكرَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يَحْتَمِلُ أنْ لا يَشْهَدَ مع السُّكوتِ حتى يَتكرَّرَ؛ لأنَّ السُّكوتَ ليس بإقْرارٍ حَقِيقىٍّ، وإنَّما أُقيمَ مُقامَه، فاعْتُبِرتْ تَقْوِيتُه بالتَّكْرارِ، كما اعتُبِرتْ تَقْوِيَةُ (٢٩) اليَدِ فى العَقارِ بالاسْتِمْرارِ.

стр. 7492

فصل: وإذا شَهِدَ عَدْلانِ أنَّ فلانًا ماتَ، وخلَّفَ من الوَرَثةِ فُلانًا وفُلانًا، لا نَعْلمُ له وارِثًا غيرَهما، قُبِلَتْ شهادتُهما. وبهذا قالَ: أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ. وقال ابنُ أبى ليلَى: لا تُقْبَلُ حتى يُبَيِّنا (٣٠) أنَّه لا وارِثَ له سِواهُما. ولَنا، أنَّ هذا ممَّا لا يُمْكِنُ عِلْمُه، فكَفَى (٣١) فيه الظَّاهرُ، مع شَهادةِ الأصْلِ بعَدَمِ (٣٢) وارثٍ آخَرَ. قال أبو الخَطَّابِ: سواءٌ كانا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، أو لم يكُونَا (٣٣). ويَحْتَمِلُ أن لا تُقْبَلَ إلَّا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ؛ لأنَّ عدمَ علْمِهم بوارِثٍ آخَرَ ليس بدليلٍ على عَدَمِه، بخلافِ أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لو كان له وارثٌ آخَرُ، لم يَخْفَ عليهم. وهذا قولُ الشَّافعىِّ. فأمَّا إن قالا: لا نَعْلَمُ له وارِثًا بهذه البلدةِ، أو بأرْضِ كذا وكذا. لم تُقْبَلْ. وبهذا قال مالكٌ، والشَّافِعىُّ، وأبو يوسُفَ، ومحمدٌ. وقالَ أبو حنيفةَ: يُقضَى به، كما لو قالا: لا نَعْلَمُ له وارِثًا. وذُكرَ ذلك مَذْهبًا لأحمدَ أيضًا. ولَنا، أنَّ هذا ليس بدليلٍ على عَدمِ الوارثِ؛ لأنَّهما قد يَعْلمانِ أنَّه لا وارِثَ له فى تلك الأرضِ، ويَعْلَمانِ أنَّ (٣٤) له وارِثًا (٣٥) فى غيرِها، فلم تُقْبَلْ شَهادتُهما، كما لو قالا: لا نَعْلمُ له وارِثًا فى هذا البَيْتِ. ١٨٨٩ - مسألة؛ قال: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَاقِلًا، مُسْلِمًا، بَالِغًا، عَدْلًا، لَمْ تَجُزْ (١) شَهَادَتُهُ) وجملتُه أنَّه (٢) يُعْتَبَرُ فى الشَّاهِدِ سَبعةُ شُروطٍ؛ أحدها، أن يكونَ عاقلًا، ولا تُقْبَلُ شَهادةُ مَن ليس بعاقلٍ، إجْماعًا. قالَه ابنُ المُنْذِرِ. وسواءٌ ذهبَ عقلُه بجُنونٍ أو سُكْرٍ أو

стр. 7493

طُفولِيَّةٍ؛ وذلك لأنَّه ليس بمُحَصِّلٍ، ولا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بقولِه، ولأنَّه لا يأْثَمُ بكَذِبِه، ولا يتحَرَّزُ منه. الثانى، أن يكونَ مُسلمًا، ونذكرُ هذا فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ تعالى. الثالث، أن يكونَ بالغًا، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ صَبِىٍّ لم يَبْلُغْ بحالٍ، يُرْوَى هذا عن ابنِ عباسٍ (٣). وبه قال القاسمُ، وسالمٌ، وعطَاءٌ، ومَكْحولٌ، وابنُ أبى ليلَى، والأَوزَاعىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ (٤)، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه. وعن أحمدَ، ﵀، رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ شهادتَهم تُقْبَلُ فى الجِراحِ، إذا شهِدوا قبلَ الافْتِراقِ عن الحالةِ التى تَجارَحُوا عَليها، [فإن تفَرَّقُوا لم تُقْبَلْ شَهادتُهمْ] (٥). وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّ الظاهرَ صِدْقُهم وضَبْطُهم، فإن تفرَّقُوا لم تُقبَلْ شَهادتُهم؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُلَقَّنُوا. قال ابنُ الزُّبَيرِ: إن أُخِذوا عند مُصاب ذلك، فبالْحَرِىِّ أن يَعْقِلُوا ويَحْفَظوا (٣). وعن الزُّهْرِىِّ، أنَّ شهادتَهم جائزةٌ، ويُسْتَحْلَفُ أوْلِياءُ المَشْجوجِ. وذكرَه عن (٦) مروانَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ شهادتَه تُقْبَلُ إذا كان ابنَ عشرٍ. قال ابنُ حامدٍ: فعلَى هذه الرِّوايةِ، تُقْبَلُ شَهادتُهم فى غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، كالعَبِيدِ (٧). ورُوِىَ عن علىٍّ، رضىَ اللهُ عنه، أنَّ شهادةَ بعضِهم تُقْبَلُ على بعضٍ (٨). ورُوِىَ ذلك عن شُرَيْحٍ (٨)، والحسنِ، والنَّخَعىِّ. قال إبراهيمُ: كانوا يُجِيزون شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ فيما كان بينهم. قال المُغِيرةُ: وكان أصحابُنا لا يُجِيزون شَهادتَهم على رجلٍ، ولا على عبدٍ. ورَوَى الإمامُ أحمدُ (٩)، بإسنادِه عن مَسْروقٍ، قال: كُنَّا عندَ علىٍّ، فجاءَه خَمسةُ غِلْمَةٍ فقالوا: إنَّا (١٠) كُنَّا سِتَّةَ غِلْمَةٍ نَتَغاطُّ، فغَرِقَ منَّا غُلامٌ. فشهِدَ الثلاثةُ على الاثْنَيْنِ أنَّهما غَرَّقاه، وشهِدَ الاثْنان على الثَّلاثةِ أنَّهم

стр. 7494

غَرَّقُوه (١١)، فجعلَ على الاثْنَيْنِ ثلاثةَ أخْماسِ الدِّيَةِ، وجعلَ على الثَّلاثةِ خُمسَيْها (١٢). وقَضَى بنحوِ هذا مَسْروقٌ. والمذهبُ أنَّ شهادتَهم لا تُقْبَلُ فى شىءٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١٣). وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١٤). وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١٣). والصَّبِىُّ ممَّن لا يُرْضَى. وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١٥). فأخْبرَ أنَّ الشَّاهدَ الكاتِمَ لشهادتِه آثِمٌ، والصَّبِىُّ لا يأْثَمُ، فيدُلُّ على أنَّه ليس بشاهدٍ؛ ولأنَّ الصَّبِىَّ لا يخافُ من مَأْثمِ الكذِبِ، فيَزَعُه عنه، ويَمْنعُه منه، فلا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بقولِه، ولأنَّ مَن لا يُقْبَلُ قولُه على نفسِه فى الإقْرارِ، لا تُقْبَلُ شهادتُه على غيرِه، كالمجنونِ، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الإقْرارَ أوْسَعُ؛ لأنَّه يُقْبَلُ من الكافرِ والفاسِقِ والمرأةِ، ولا تَصِحُّ الشهادةُ منهم، ولأن مَن لا تُقْبَلُ شَهادتُه فى المالِ، لا تُقْبَلُ فى الجِراحِ، كالفاسقِ، ومَن لا تُقْبَلُ شهادتُه على مَن ليس بمثلِه، لا تُقْبَلُ على مثلِه، كالمجنون. الشرطُ الرابع، العَدالةُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. ولا تُقبلُ شَهادةُ الفاسقِ لذلك، ولقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١٦). فأمرَ بالتَّوقُّفِ عن (١٧) نَبَأِ الفاسقِ، والشَّهادةُ نَبَأٌ، فيجبُ التَّوَقُّف عنه. وقد رُوىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِى الإِسْلَامِ، وَلَا ذِى غِمْرٍ (١٨) عَلَى أخِيهِ". رواه أبو عُبَيْدٍ (١٩). وكان أبو عُبيدٍ لا يَراه خَصَّ

стр. 7495

بالخائنِ والخائنةِ أماناتِ النَّاسِ، بل جميعَ ما افْترضَ اللهُ تعالى على العبادِ القيامَ به أو اجْتِنابَه، مِن صغيرِ ذلك وكبيرِهِ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية (٢٠). ورُوِىَ عن عُمرَ، رضىَ اللهُ عنه، أنَّه قالَ: لا يُؤْسَرُ (٢١) رَجلٌ بغيرِ العُدولِ (٢٢). ولأنَّ دِينَ الفاسِقِ لم يَزَعْه عن ارْتِكاب مَحْظوراتِ الدِّينِ، فلا يُؤْمَنُ أن لا يَزَعَه عن الكَذِبِ، فلا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بخبرِه. إذا تَقرَّرَ هذا، فالفُسوقُ نوعانِ؛ أحدُهما، مِن حيثُ الأفعال؛ فلا نَعْلَمُ خِلافًا فى رَدِّ شهادتِه. والثانى، من جهَةِ الاعْتقادِ، وهو اعتقادُ البدْعةِ، فيُوجِبُ رَدَّ الشَّهادةِ أيضًا. وبه قالَ مالكٌ، وشَرِيكٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وَأبو ثَوْرٍ. قال (٢٣) شَرِيكٌ: أربعةٌ لا تجوزُ شهادتُهم؛ رَافِضِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ له إمامًا مُفْترَضَةٌ طاعَتُه. وخارِجىٌّ يزْعُمُ أنَّ الدنيا دارُ حَربٍ. وقَدَرِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ المشِيئَةَ إليه. ومُرْجِئٌ. وردَّ شهادةَ يعقوبَ (٢٤)، وقال: ألا أردُّ شهادةَ [قومٍ يَزْعُمونَ] (٢٥) أنَّ الصَّلاةَ ليستْ مِن الإيمانِ؟ وقال أبو حامدٍ (٢٦)، مِن أصحابِ الشَّافعىِّ: المُخْتَلِفونَ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ ضَرْبٌ اخْتَلفوا فى الفُروعِ، فهؤلاء لا يُفَسَّقُون بذلك، ولا تُرَدُّ شَهادتُهم، وقد اخْتَلَفَ الصَّحابةُ فى الفروعِ ومَن بعدَهم مِن التَّابعينَ. الثانى، مَن نُفسِّقُه ولا نُكفِّرُه، وهو مَن سَبَّ الْقَرَابةَ، كالخَوارِجِ، أو سَبَّ الصَّحابةَ، كالرَّوافِضِ، فلا تُقْبَلُ لهم شهادةٌ لذلك. الثالث، مَن نُكفِّرُه، وهو مَن قال بخَلْقِ القرآنِ، ونَفْىِ الرُّؤْيَةِ، وأضافَ المَشِيئةَ إلى نفسِه، فلا تُقْبَلُ له شَهادةٌ. وذكرَ القاضى أبو يَعْلَى مِثلَ هذا سواءً. قال:
следующие страницы →