← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

مِن الْيَدِ (٢١) والتَّصرُّفِ، لأنَّ اليدَ ليستْ مُنْحصِرةً فى المِلْكِ، وقد (٢٢) تكونُ بإجارَةٍ وإعارَةٍ وغَصْبٍ. وهذا قولُ بعضِ (٢٣) أصحابِ الشَّافعىِّ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ اليَدَ دليلٌ على (٢٤) المِلْكِ، واسْتِمرارُها مِن غيرِ مُنازِعٍ يُقوِّيها، فجَرَتْ مَجْرَى الاسْتِفاضَةِ، فجازَ أن يَشْهَدَ بها، كما لو شاهَدَ سببَ اليَدِ، [مِن بَيعٍ، أو إرْثٍ أو هِبَةٍ، واحْتمالُ كَوْنِها عن غَصْبٍ أو إجارَةٍ، يُعارِضُه (٢٥) اسْتِمرارُ اليَدِ مِن غير مُنازِعٍ، فَلا يَبْقَى مانِعًا، كما لو شاهدَ سببَ اليَدِ] (٢٦)؛ فإنَّ احْتَمالَ كَوْنِ البائعِ غيرَ مالكٍ، والوارِثِ والواهِبِ، لا يَمْنَعُ الشَّهادةَ. كذا هاهُنا. فإن قيلَ: فإذا بَقِىَ الاحْتمالُ لم يَحصُلِ العلمُ، ولا تجوزُ الشَّهادةُ إلَّا بما يَعْلَمُ. قُلْنا: الظَّنُّ يُسَمَّى عِلْمًا، قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (٢٧). ولا سبيلَ إلى العلمِ اليَقِينىِّ هاهُنا، فجازَتْ بالظَّنِّ. فصل: وإذا سمِعَ رجلًا يقولُ لصَبِىٍّ: هذا ابْنى. جازَ أن يَشْهَدَ به؛ لأنَّه مُقِرٌّ بنَسَبِه. وإن سمِعَ الصَّبِىَّ يقولُ: هذا أبى. والرَّجلُ يسْمَعُه، فسكَتَ، جازَ أن يَشْهَدَ أيضًا؛ لأنَّ سُكوتَ الأبِ إقْرارٌ له، والإقرارُ يَثْبُتُ به (٢٨) النَّسَبُ، فجازَتِ الشَّهادةُ به، وإنَّما أُقيمَ السُّكوتُ هاهُنا مُقامَ الإقْرارِ؛ لأنَّ الإقْرارَ على الانْتِسَابِ الباطلِ غيرُ (٢٤) جائزٍ، بخِلافِ سائِرِ الدَّعاوَى، ولأنَّ النَّسَبَ يغْلِبُ فيه الإِثْباتُ، ألَّا ترَى أنَّه يَلْحَقُ بالإمْكانِ فى النِّكاحِ. وذكرَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يَحْتَمِلُ أنْ لا يَشْهَدَ مع السُّكوتِ حتى يَتكرَّرَ؛ لأنَّ السُّكوتَ ليس بإقْرارٍ حَقِيقىٍّ، وإنَّما أُقيمَ مُقامَه، فاعْتُبِرتْ تَقْوِيتُه بالتَّكْرارِ، كما اعتُبِرتْ تَقْوِيَةُ (٢٩) اليَدِ فى العَقارِ بالاسْتِمْرارِ.

стр. 7492

فصل: وإذا شَهِدَ عَدْلانِ أنَّ فلانًا ماتَ، وخلَّفَ من الوَرَثةِ فُلانًا وفُلانًا، لا نَعْلمُ له وارِثًا غيرَهما، قُبِلَتْ شهادتُهما. وبهذا قالَ: أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ. وقال ابنُ أبى ليلَى: لا تُقْبَلُ حتى يُبَيِّنا (٣٠) أنَّه لا وارِثَ له سِواهُما. ولَنا، أنَّ هذا ممَّا لا يُمْكِنُ عِلْمُه، فكَفَى (٣١) فيه الظَّاهرُ، مع شَهادةِ الأصْلِ بعَدَمِ (٣٢) وارثٍ آخَرَ. قال أبو الخَطَّابِ: سواءٌ كانا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، أو لم يكُونَا (٣٣). ويَحْتَمِلُ أن لا تُقْبَلَ إلَّا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ؛ لأنَّ عدمَ علْمِهم بوارِثٍ آخَرَ ليس بدليلٍ على عَدَمِه، بخلافِ أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لو كان له وارثٌ آخَرُ، لم يَخْفَ عليهم. وهذا قولُ الشَّافعىِّ. فأمَّا إن قالا: لا نَعْلَمُ له وارِثًا بهذه البلدةِ، أو بأرْضِ كذا وكذا. لم تُقْبَلْ. وبهذا قال مالكٌ، والشَّافِعىُّ، وأبو يوسُفَ، ومحمدٌ. وقالَ أبو حنيفةَ: يُقضَى به، كما لو قالا: لا نَعْلَمُ له وارِثًا. وذُكرَ ذلك مَذْهبًا لأحمدَ أيضًا. ولَنا، أنَّ هذا ليس بدليلٍ على عَدمِ الوارثِ؛ لأنَّهما قد يَعْلمانِ أنَّه لا وارِثَ له فى تلك الأرضِ، ويَعْلَمانِ أنَّ (٣٤) له وارِثًا (٣٥) فى غيرِها، فلم تُقْبَلْ شَهادتُهما، كما لو قالا: لا نَعْلمُ له وارِثًا فى هذا البَيْتِ. ١٨٨٩ - مسألة؛ قال: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَاقِلًا، مُسْلِمًا، بَالِغًا، عَدْلًا، لَمْ تَجُزْ (١) شَهَادَتُهُ) وجملتُه أنَّه (٢) يُعْتَبَرُ فى الشَّاهِدِ سَبعةُ شُروطٍ؛ أحدها، أن يكونَ عاقلًا، ولا تُقْبَلُ شَهادةُ مَن ليس بعاقلٍ، إجْماعًا. قالَه ابنُ المُنْذِرِ. وسواءٌ ذهبَ عقلُه بجُنونٍ أو سُكْرٍ أو

стр. 7493

طُفولِيَّةٍ؛ وذلك لأنَّه ليس بمُحَصِّلٍ، ولا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بقولِه، ولأنَّه لا يأْثَمُ بكَذِبِه، ولا يتحَرَّزُ منه. الثانى، أن يكونَ مُسلمًا، ونذكرُ هذا فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ تعالى. الثالث، أن يكونَ بالغًا، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ صَبِىٍّ لم يَبْلُغْ بحالٍ، يُرْوَى هذا عن ابنِ عباسٍ (٣). وبه قال القاسمُ، وسالمٌ، وعطَاءٌ، ومَكْحولٌ، وابنُ أبى ليلَى، والأَوزَاعىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ (٤)، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه. وعن أحمدَ، ﵀، رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ شهادتَهم تُقْبَلُ فى الجِراحِ، إذا شهِدوا قبلَ الافْتِراقِ عن الحالةِ التى تَجارَحُوا عَليها، [فإن تفَرَّقُوا لم تُقْبَلْ شَهادتُهمْ] (٥). وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّ الظاهرَ صِدْقُهم وضَبْطُهم، فإن تفرَّقُوا لم تُقبَلْ شَهادتُهم؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُلَقَّنُوا. قال ابنُ الزُّبَيرِ: إن أُخِذوا عند مُصاب ذلك، فبالْحَرِىِّ أن يَعْقِلُوا ويَحْفَظوا (٣). وعن الزُّهْرِىِّ، أنَّ شهادتَهم جائزةٌ، ويُسْتَحْلَفُ أوْلِياءُ المَشْجوجِ. وذكرَه عن (٦) مروانَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ شهادتَه تُقْبَلُ إذا كان ابنَ عشرٍ. قال ابنُ حامدٍ: فعلَى هذه الرِّوايةِ، تُقْبَلُ شَهادتُهم فى غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، كالعَبِيدِ (٧). ورُوِىَ عن علىٍّ، رضىَ اللهُ عنه، أنَّ شهادةَ بعضِهم تُقْبَلُ على بعضٍ (٨). ورُوِىَ ذلك عن شُرَيْحٍ (٨)، والحسنِ، والنَّخَعىِّ. قال إبراهيمُ: كانوا يُجِيزون شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ فيما كان بينهم. قال المُغِيرةُ: وكان أصحابُنا لا يُجِيزون شَهادتَهم على رجلٍ، ولا على عبدٍ. ورَوَى الإمامُ أحمدُ (٩)، بإسنادِه عن مَسْروقٍ، قال: كُنَّا عندَ علىٍّ، فجاءَه خَمسةُ غِلْمَةٍ فقالوا: إنَّا (١٠) كُنَّا سِتَّةَ غِلْمَةٍ نَتَغاطُّ، فغَرِقَ منَّا غُلامٌ. فشهِدَ الثلاثةُ على الاثْنَيْنِ أنَّهما غَرَّقاه، وشهِدَ الاثْنان على الثَّلاثةِ أنَّهم

стр. 7494

غَرَّقُوه (١١)، فجعلَ على الاثْنَيْنِ ثلاثةَ أخْماسِ الدِّيَةِ، وجعلَ على الثَّلاثةِ خُمسَيْها (١٢). وقَضَى بنحوِ هذا مَسْروقٌ. والمذهبُ أنَّ شهادتَهم لا تُقْبَلُ فى شىءٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١٣). وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١٤). وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١٣). والصَّبِىُّ ممَّن لا يُرْضَى. وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١٥). فأخْبرَ أنَّ الشَّاهدَ الكاتِمَ لشهادتِه آثِمٌ، والصَّبِىُّ لا يأْثَمُ، فيدُلُّ على أنَّه ليس بشاهدٍ؛ ولأنَّ الصَّبِىَّ لا يخافُ من مَأْثمِ الكذِبِ، فيَزَعُه عنه، ويَمْنعُه منه، فلا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بقولِه، ولأنَّ مَن لا يُقْبَلُ قولُه على نفسِه فى الإقْرارِ، لا تُقْبَلُ شهادتُه على غيرِه، كالمجنونِ، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الإقْرارَ أوْسَعُ؛ لأنَّه يُقْبَلُ من الكافرِ والفاسِقِ والمرأةِ، ولا تَصِحُّ الشهادةُ منهم، ولأن مَن لا تُقْبَلُ شَهادتُه فى المالِ، لا تُقْبَلُ فى الجِراحِ، كالفاسقِ، ومَن لا تُقْبَلُ شهادتُه على مَن ليس بمثلِه، لا تُقْبَلُ على مثلِه، كالمجنون. الشرطُ الرابع، العَدالةُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. ولا تُقبلُ شَهادةُ الفاسقِ لذلك، ولقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١٦). فأمرَ بالتَّوقُّفِ عن (١٧) نَبَأِ الفاسقِ، والشَّهادةُ نَبَأٌ، فيجبُ التَّوَقُّف عنه. وقد رُوىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِى الإِسْلَامِ، وَلَا ذِى غِمْرٍ (١٨) عَلَى أخِيهِ". رواه أبو عُبَيْدٍ (١٩). وكان أبو عُبيدٍ لا يَراه خَصَّ

стр. 7495

بالخائنِ والخائنةِ أماناتِ النَّاسِ، بل جميعَ ما افْترضَ اللهُ تعالى على العبادِ القيامَ به أو اجْتِنابَه، مِن صغيرِ ذلك وكبيرِهِ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية (٢٠). ورُوِىَ عن عُمرَ، رضىَ اللهُ عنه، أنَّه قالَ: لا يُؤْسَرُ (٢١) رَجلٌ بغيرِ العُدولِ (٢٢). ولأنَّ دِينَ الفاسِقِ لم يَزَعْه عن ارْتِكاب مَحْظوراتِ الدِّينِ، فلا يُؤْمَنُ أن لا يَزَعَه عن الكَذِبِ، فلا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بخبرِه. إذا تَقرَّرَ هذا، فالفُسوقُ نوعانِ؛ أحدُهما، مِن حيثُ الأفعال؛ فلا نَعْلَمُ خِلافًا فى رَدِّ شهادتِه. والثانى، من جهَةِ الاعْتقادِ، وهو اعتقادُ البدْعةِ، فيُوجِبُ رَدَّ الشَّهادةِ أيضًا. وبه قالَ مالكٌ، وشَرِيكٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وَأبو ثَوْرٍ. قال (٢٣) شَرِيكٌ: أربعةٌ لا تجوزُ شهادتُهم؛ رَافِضِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ له إمامًا مُفْترَضَةٌ طاعَتُه. وخارِجىٌّ يزْعُمُ أنَّ الدنيا دارُ حَربٍ. وقَدَرِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ المشِيئَةَ إليه. ومُرْجِئٌ. وردَّ شهادةَ يعقوبَ (٢٤)، وقال: ألا أردُّ شهادةَ [قومٍ يَزْعُمونَ] (٢٥) أنَّ الصَّلاةَ ليستْ مِن الإيمانِ؟ وقال أبو حامدٍ (٢٦)، مِن أصحابِ الشَّافعىِّ: المُخْتَلِفونَ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ ضَرْبٌ اخْتَلفوا فى الفُروعِ، فهؤلاء لا يُفَسَّقُون بذلك، ولا تُرَدُّ شَهادتُهم، وقد اخْتَلَفَ الصَّحابةُ فى الفروعِ ومَن بعدَهم مِن التَّابعينَ. الثانى، مَن نُفسِّقُه ولا نُكفِّرُه، وهو مَن سَبَّ الْقَرَابةَ، كالخَوارِجِ، أو سَبَّ الصَّحابةَ، كالرَّوافِضِ، فلا تُقْبَلُ لهم شهادةٌ لذلك. الثالث، مَن نُكفِّرُه، وهو مَن قال بخَلْقِ القرآنِ، ونَفْىِ الرُّؤْيَةِ، وأضافَ المَشِيئةَ إلى نفسِه، فلا تُقْبَلُ له شَهادةٌ. وذكرَ القاضى أبو يَعْلَى مِثلَ هذا سواءً. قال:

стр. 7496

وقال أحمدُ: ما تُعْجبُنى شَهادةُ الجَهْمِيَّةِ، والرَّافِضةِ، والقَدَرِيَّة المُغْلِيَةِ (٢٧). وظاهرُ قولِ الشَّافعىِّ، وابنِ أبى ليلى، والثَّوْرىِّ، وأبى حنيفةَ وأصحابِه، قَبولُ شَهادةِ أهلِ الأهْواءِ. وأجازَ سَوَّارٌ شَهادةَ ناسٍ مِن بنى العَنْبَرِ، ممَّن يَرَى الاعْتزالَ. [قال الشَّافعىُّ] (٢٨): إلَّا أن يكونوا ممَّن يَرَى الشَّهادةَ بالكَذِبِ بعضُهم لبعضٍ، كالخَطَّابِيَّةِ، وهم أصحابُ أبى الخَطَّابِ (٢٩). يَشْهدُ بعضُهم لبعضٍ بتَصْديقِه. ووَجْهُ قولِ مَن أجازَ شهادتَهم، أنَّه اخْتِلافٌ لم يُخرِجْهم عنِ الإسْلامِ، أشْبَهَ الاخْتِلافَ فى الفُروعِ، ولأنَّ فِسْقَهم لا يَدُلُّ على كَذِبِهم؛ لكَوْنِهم ذهبُوا إلى ذلك تَدَيُّنًا واعْتِقادًا أنَّه الحقُّ، ولم يَرْتكِبُوه عالمِينَ بتَحْريمِه، بخلافِ فِسْقِ الأفْعالِ. قال أبو الخَطَّابِ: ويَتخرَّجُ على قبولِ شهادةِ أهلِ الذِّمَّةِ بعضِهم على بعضٍ، أنَّ الفِسْقَ الذى يتدَيَّنُ به مِن جهَةِ الاعْتِقادِ لا تُرَدُّ الشَّهادةُ به. ورُوِىَ (٣٠) عن أحمدَ جَوازُ الرِّوايةِ عن القَدَرِىِّ، إذا لم يكُنْ داعِيَةً، فكذلك الشَّهادةُ. ولَنا، أنَّه أحدُ نَوْعَىِ الفِسْقِ، فتُرَدُّ به الشَّهادةُ، كالنَّوعِ الآخَرِ؛ ولأنَّ المُبْتدِعَ فاسقٌ، فتُرَدُّ شهادتُه، للآيةِ والمَعنَى. الشرطُ الخامسَ، أن يكونَ مُتيقِّظًا حافظًا (٣١) لما يَشْهَدُ به، فإن كان مُغَفَّلًا، أو مَعْروفًا بكثرةِ الغلَطِ، لم تُقْبَلْ شهادتُه. الشرطُ السادسُ، أن يكونَ ذا مُروءَةٍ. الشرطُ السابعُ، انْتفاءُ المَوانعِ. وسَنشْرحُ هذه الشُّروطَ (٣١) فى مَواضعِها، إن شاء اللهُ تعالى. فصل: ظاهرُ كلامِ الْخِرَقىِّ، أنَّ شهادةَ البَدَوىِّ على مَن هو مِن أهلِ القَرْيَةِ، وشهادة أهلِ القَرْيَةِ على البَدَوِىِّ، صحِيحَةٌ إذا اجْتمَعتْ هذه الشُّروطُ. وهو قولُ ابنِ سيرِينَ، وأبى حَنيفةَ، والشَّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ. واختارَه أبو الخَطَّابِ. وقال الإمامُ أحمدُ: أخْشَى أنْ لا تُقْبَلَ شَهادةُ البَدَوىِّ على صاحبِ القَرْيَةِ. فيَحْتَمِلُ هذا أن لا تُقْبَلَ شهادتُه. وهو قولُ

стр. 7497

جماعةٍ من أصحابِنا، ومذهبُ أبى عُبَيْدٍ. وقال مالكٌ كقَوْلِ أصحابِنا، فيما عَدَا الجِرَاحَ، وكقولِ الباقِينَ فى الجِراحِ احْتياطًا للدِّماءِ. واحْتجَّ أصْحابُنا بما روَى أبو داودَ (٣٢)، فى "سُنَنِه"، عن أبى هُرَيْرةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِىٍّ عَلَى (٣٣) صَاحِبِ قَرْيَةٍ". ولأنَّه مُتَّهَمٌ، حيثُ عَدَلَ عن أنْ يُشْهِدَ قَرَويًّا ويُشْهدَ بَدَوِيًّا. قال أبو عُبَيْدٍ: ولا أرَى شهادتَهم رُدَّتْ إلَّا لِمَا فيهم من الجَفاءِ بحُقوقِ اللهِ تعالى، والجَفاءِ فى الدِّينِ. ولَنا، أنَّ مَن قُبلَتْ شهادتُه، على أهل البَدْوِ، قُبلَتْ شهادتُه على أهلِ [القَرْيَةِ، كأهلِ القُرَى، ويُحْمَلُ الحديثُ على مَن لم (٣٤) تُعْرَفْ عدالَتُه مِن أهلِ] (٣٥) البَدوِ، ونَخُصُّه بهذا؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يكونُ له مَن يسْألُه الحاكمُ، فيَعرِفُ عَدالتَه. ١٨٩٠ - مسألة؛ قال: (وَالْعَدلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ (١) إبْرَاهِيمَ النَّخعِىِّ، وَإسْحَاقَ) وجملَتُه أنَّ العَدْلَ هو الذى تَعْتدِلُ أحْوالُه فى دِينِه وأفْعالِه. قال القاضى: يكونُ ذلك فى الدِّين والمُروَءةِ والأحْكامِ. أمَّا الدِّينُ [فأن لا] (٢) يَرْتَكبَ كَبيرةً، ولا يُداوِمَ على صَغيرةٍ، فإنَّ اللهَ تعالى نَهَى (٣) أنْ (٤) تُقْبَلَ شَهادةُ القَاذِفِ، فيُقاسُ عليه كلُّ مُرْتكِبِ كبيرةٍ، ولا يُخْرِجُه عن العَدالةِ فِعلُ صَغيرَةٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٥). قل: اللَّمَمُ صِغارُ الذّنوبِ. ولأنَّ التَّحرُّزَ منها غيرُ مُمْكِنٍ، جاءَ عنِ

стр. 7498

النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وأىُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا (٦) أىْ لم يُلِمَّ. فإنَّ "لا" مع الماضِى بمَنزلةِ "لم" مع المُسْتَقْبَلِ. وقيل: اللَّمَمُ أن يُلِمَّ بالذَّنْبِ، ثم لا يعُودَ فيه. والكَبائرُ كلُّ مَعصيةٍ فيها حَدٌّ (٧)، والإشْراكُ باللهِ، وقَتْلُ النَّفسِ التى حَرَّمَ اللهُ، وشَهادةُ الزُّورِ، وعُقوقُ الوالديْنِ. ورَوَى أبو بَكْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ، وعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ". وكان مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فقال: "ألَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وشَهَادَةُ (٨) الزُّورِ". فما زالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. مُتَّفقٌ عليه (٩). قال أحمدُ: لا تَجُوزُ شهادة آكِلِ الرِّبَا، والعَاقِّ، وقَاطِعِ الرَّحِمِ، ولا تُقْبَلُ شَهادةُ مَن لا يُؤَدِّى زَكاةَ مالِه، وإذا أخْرجَ فى طَريقِ المُسلمينَ الأُصْطُوانةَ (١٠) والكنِيفَ لا يكونُ عَدْلًا، ولا يكونُ ابنُه عَدْلًا إذا ورِثَ أباه حتى يَرُدَّ ما أخَذَ (١١) من طريقِ المُسلمين، ولا يَكونُ عَدْلًا إذا كذَبَ الكَذِبَ الشَّديدَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَدَّ شهادةَ رجلٍ فى كَذِبِه (١٢). وقال: عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تَجُوزُ شَهادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ فِى حَدٍّ، وَلَا ذِى غِمْرٍ عَلَى

стр. 7499

أَخِيهِ فِى عَدَاوَةٍ، وَلَا الْقَانِعِ (١٣) لِأهْلِ الْبَيْتِ، وَلَا مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، وَلَا ظَنِينٍ فِى وَلَاءٍ، وَلَا قَرَابَةٍ" (١٤). وقد روَاه أبو داودَ (١٥)، وفيه: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ". فأمَّا الصَّغائرُ، فإن كان مُصِرًّا عليها، رُدَّتْ شهادتُه، وإن كانَ الغالبُ من (١٦) أمْرِه الطاعاتِ، لم يُرَدَّ؛ لما ذكرْنا من عَدَمِ إمْكانِ التَّحرُّزِ منه. فأمَّا المُروءةُ فاجْتِنابُ الأُمورِ الدَّنيئةِ المُزْرِيَةِ به، وذلك نَوْعانِ؛ أحدُهما، من الأفعالِ، كالأكْلِ فى السُّوقِ. يَعْنِى به الذى يَنصِبُ مائدةً فى السُّوقِ، ثم يأْكلُ والناسُ يَنْظرون. ولا يَعنى به (١٧) أَكلَ الشىءِ اليَسيرِ، كالكِسْرةِ ونحوِها. وإن كان يَكْشِفُ ما جَرَتِ العادةُ بتَغْطِيَتِه مِن بَدَنِه، أو يَمُدُّ رِجْلَيْه فى مَجْمَعِ النَّاسِ، أو يتَمَسْخرُ بما يُضْحِكُ الناسَ بِه، أو يُخاطِبُ امْرأتَه أو جارِيتَه أو غيرَهما بحَضْرةِ الناسِ بالخِطابِ الفاحِشِ، أو يُحَدِّثُ الناسَ بمُباضَعةِ (١٨) أهلِه، ونحوِ هذا مِن الأفعالِ الدَّنِيئَةِ، ففاعِلُ هذا لا تُقبَلُ شَهادتُه؛ لأنَّ هذا سُخْفٌ ودَناءَةٌ، فمَن رَضِيَه لنَفْسِه واستحسَنَه، فليستْ له مُروءةٌ، فلا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بقولِه. قال أحمدُ، فى رجلٍ شَتَمَ بَهيمَةً: قال الصَّالحونَ: لا تُقْبَلُ شهادتُه حتَّى يَتُوبَ. وقد رَوَى أبو مسعودٍ البَدْرِىُّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى، إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ" (١٩). يَعنى مَن لم يَستَحِ (٢٠) صَنَعَ ما شاءَ. ولأنَّ المُروءَةَ تَمْنَعُ الكَذِبَ، وتَزْجُرُ عنه، ولهذا يمْتَنِعُ منه ذو المُروءةِ وإن لم يَكُنْ ذا دِينٍ. وقد رُوىَ عن أبى سفيانَ، أنَّه حين سألَه قَيْصَرُ عن النَّبِىِّ ﷺ وصِفَتِه قال: واللهِ لولا أنِّى كَرِهْتُ أن يُؤْثَرَ عنِّى الكَذِبُ، لَكَذَبْتُه (٢١). ولم يكنْ يومَئذٍ ذا

стр. 7500

دِينٍ. ولأن الكَذِبَ دَناءَةٌ، والمُروءةُ تَمْنَعُ مِن (٢٢) الدناءَةِ. وإذا كانتِ المروءةُ مانعةً من الكَذِبِ، اعْتُبِرتْ فى العَدالةِ، كالدِّينِ، ومَن فعلَ شيئًا مِن هذا مُختَفِيًا به، لم يَمْنَعْ مِن قَبُولِ شهادتِه؛ لأنَّ مُروءتَه لا تَسْقُطُ به. وكذلك إن فعلَه مَرَّةً، أو شيئًا قليلًا، لم تُرَدَّ شهادتُه؛ لأنَّ صغيرَ الْمَعاصى لا يَمْنَعُ الشَّهادةَ إذا قَلَّ، فهذا أوْلَى، ولأنَّ المُروءةَ لا تَخْتَلُّ بقليلِ هذا، ما لم تَكُنْ عادةً (٢٣). النوع الثانى، فى الصِّناعاتِ الدَّنِيئَةِ؛ كالكَسَّاحِ والكَنَّاسِ، لا تُقبلُ شهادتُهما؛ لما رَوَى سعيدٌ، فى "سُنَنِه" أنَّ رجلًا أتى ابنَ عُمرَ، فقال له: إنِّى رجلٌ كنَّاسٌ. فقال: أىَّ شىءٍ تَكْنُسُ، الزِّبلَ؟ . قال: لا. قال: العَذِرَةَ؟ قال: نعم. [قال: منه كسَبْتَ المال، ومنه تزوَّجْتَ، ومنه حَجَجْتَ؟ قال: نعم] (٢٤). قال: الأجْرُ خبيثٌ، وما تزوَّجْتَ خَبِيثٌ، حتى تَخْرُجَ منه كما دخَلْتَ فيه. وعن ابنِ عبَّاسٍ مثلُه فى الكَسَّاحِ (٢٥). ولأنَّ هذا دَناءةٌ يَجْتنِبُه أهلُ المُروءاتِ، فأشْبَهَ الذى قبلَه. فأمَّا الزَّبَّالُ والْقَرَّادُ (٢٦) والحجَّامُ ونحوُهم، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا تُقْبَلُ شهادتُهم؛ لأنَّه دناءةٌ يجْتَنِبُه أهلُ المُروءاتِ، فهو (٢٧) كالذى قبلَه. والثانى، تُقْبَلُ؛ لأنَّ بالناسِ إليه حاجةً. فعلى هذا الوَجْهِ، إنَّما تُقْبَلُ شهادتُه إذا كان يَتنظَّفُ للصَّلاةِ فى وَقْتِها ويُصَلِّيها، فإن صلَّى بالنَّجاسةِ، لم تُقْبَلْ شهادته، وَجْهًا واحدًا. وأمَّا الحائِكُ والحارسُ والدَّبَّاغُ، فهى أعلَى مِن هذه الصَّنائعِ، فلا تُرَدُّ بها الشهادةُ. وذكرَها أبو الخَطابِ فى جُملةِ ما فيه وَجْهان. وأمَّا سائرُ الصِّناعاتِ التى لا دَناءةَ فيها، فلا تُرَدُّ الشهادةُ بها، إلَّا مَن كان منهم يحْلِفُ كاذِبًا، أو يَعِدُ ويُخْلِفُ، وغَلبَ هذا عليه، فإنَّ شهادتَه تُرَدُّ. وكذلك مَن كان منهم يُؤخِّرُ الصَّلاةَ عن أوْقاتِها، أو لا يَتنزَّه عن النَّجاساتِ، فلا شهادةَ له، ومَن كانت صِناعتُه مُحَرَّمةً؛ كصانعِ المَزاميرِ والطَّنابِيرِ،

стр. 7501

فلا شَهادةَ له. ومَن كانت صِناعتُه يَكْثُرُ فيها الرِّبَا، كالصَّائغِ والصَّيْرَفِىِّ، ولم يَتَوَقَّ ذلك، رُدَّتْ شهادتُه. فصل: فى اللَّعبِ: كلُّ لعِبٍ فيه قِمارٌ، فهو مُحَرَّمٌ، أىَّ لَعِبٍ كان (٢٨)، وهو مِن المَيْسِرِ الذى أمرَ اللَّهُ تعالى باجْتنابِه، ومَن تكرَّرَ منه ذلك رُدَّتْ شهادتُه. وما خَلا من الْقِمارِ، وهو اللَّعِبُ الذى لا عِوَضَ فيه من الجانِبيْنِ، ولا مِن أحدِهما، فمِنه ما هو مُحرَّمٌ، ومنه ما هو مُباحٌ؛ فأمَّا المُحرَّمُ فاللَّعبُ بالنَّرْدِ (٢٩). وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأكثرِ أصحابِ الشَّافعىِّ. وقال بعضُهم: هو مَكْروهٌ، غيرُ مُحرَّمٍ. ولَنا، ما رَوَى أبو موسى، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول (٣٠): "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ". وروَى بُرَيْدَةُ، أَنَّ النَّبِى ﷺ ، قال: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّما غَمَسَ يَدَهُ فِى لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ". روَاهما أبو داودَ (٣١). وكان سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ إذا مَرَّ على أصحابِ النَّرْدَشِيرِ، لم يُسلِّمْ عليهم. إذا ثَبَتَ هذا، فمَن تكرَّرَ منه اللَّعِبُ به (٣٢)، لم تُقْبَلْ [له شهادةٌ] (٣٣)، سواءٌ لعِبَ به قِمارًا أو غيرَ قِمارٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، وظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. قال مالكٌ: مَن لَعِبَ بالنَّرْدِ والشِّطرَنْجِ، فلا أرَى شهادتَه طائِلةً؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٣٤). وهذا ليس مِن الحقِّ، فيكونُ من الضَّلالِ.

стр. 7502

فصل: فأمَّا الشِّطْرَنْجُ فهو كالنَّرْدِ فى التَّحْريمِ، إِلَّا أَنَّ النَّرْدَ آكَدُ منه فى التَّحْريمِ؛ لوُرودِ النَّصِّ فى تَحْريمِه، لكنْ هذا فى مَعناه، فيَثْبُتُ فيه حُكْمُه، قياسًا عليه. وذكرَ القاضى أبو الحُسينِ ممَّن ذهبَ إلى تَحْريمِه؛ علىَّ بنَ أبى طالبٍ، وابنَ عمرَ، وابنَ عباسٍ (٣٥)، وسعيدَ بنَ المُسيَّبِ، والقاسمَ، وسالمًا، وعُرْوَةَ، ومحمَّدَ [بنَ علىِّ] (٣٦) ابنِ الحُسينِ، ومَطرًا الورَّاقَ (٣٧)، ومالكًا. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وذهبَ الشَّافعىُّ إلى إباحتِه. وحَكَىَ ذلك أصحابُه عن أبى هُرَيْرةَ، وسعيدِ بنِ المُسيَّبِ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ. واحْتجُّوا بأنَّ الأصلَ الإِباحةُ، ولم يَرِدْ بتَحْريمِها نَصٌّ، ولا هى فى مَعنَى المَنْصوصِ (٣٨) عليه، فَتبْقَى على الإِباحَةِ. ويُفارِقُ الشِّطْرَنْجُ النَّرْدَ من وَجْهيْن؛ أحدهما، أَنَّ فى الشِّطْرَنْجِ تَدْبِيرَ الحَربِ، فأشْبَهَتِ (٣٩) اللَّعِبَ بالحِرابِ، والرَّمْىَ بالنُّشَّابِ، والمُسابقَةَ بالخيلِ. والثانى، أن المُعَوَّلَ فى النَّرْدِ ما يُخْرِجُه الكَعبتانِ (٤٠)، فأشْبَهَ الأزْلَامَ، والمُعَوَّلُ فى الشِّطْرَنْجِ على حِذْقِه وتَدْبِيرِه، فأشْبَهَ المُسابَقةَ بالسِّهامِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٤١). قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: الشِّطْرَنْجُ من المَيْسِرِ (٤٢). ومَرَّ علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على قومٍ يَلْعبون بالشِّطْرَنْجِ، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِى أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (٤٢). قال أحمدُ:

стр. 7503

أصحُّ ما فى الشِّطْرَنْجِ، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. ورَوَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ فِى كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، لَيْسَ لِصَاحِبِ الشَّاهِ فِيهَا نَصِيبٌ". روَاه أبو بكرٍ بإسْنادِه (٤٣). ولأنَّه لَعِبٌ يَصُدُّ عن ذِكْرِ اللَّهِ تعالى وعن الصَّلاةِ، فأشْبَهَ اللَّعِبَ بالنَّرْدِ. وقولُهم: لا نَصَّ فيها. قد ذَكرْنا فيها نصًّا، وهى أيضًا فى معنى النَّرْدِ المنْصوصِ على تَحْرِيمِه. وقولُهم: إِنَّ (٤٤) فيها تَدْبيرَ الحرب. قُلْنا: لا يُقْصَدُ هذا منها، وأكثرُ اللَّاعبين بها إنَّما يَقْصِدون منها اللَّعِبَ والقِمارَ (٤٥). وقولُهم: إِنَّ المُعَوَّلَ فيها على تَدْبِيرِه. فهذا (٤٦) أبْلَغُ فى اشْتِغالِه بها، وصَدِّها عن ذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ (٤٧). إذ اثبتَ هذا، فقال أحمدُ: النَّرْدُ أشَدُّ من الشِّطْرَنْجِ. وإنما قالَ ذلك؛ لوُرودِ النَّصِّ فى النَّرْدِ، والإِجْماعِ على تحريمِها، بخلافِ الشِّطْرَنْجِ. وإذا ثبَتَ تحريمُها (٤٨)، فقالَ القاضى: هو كالنَّرْدِ فى رَدِّ الشَّهادةِ به. وهذا قولُ مالكٍ، وأبى حَنيفَةَ؛ لأَنَّه مُحرَّمٌ مثلُه. وقال أبو بكر: إن فعَلَه مَن يَعْتقِدُ تَحْريمَه، فهو كالنَّرْدِ فى حقِّه، وإن فعلَه مَن يَعْتَقِدُ إباحتَه، لم تُرَدَّ شهادتُه، إِلَّا أن يَشْغلَه عن الصَّلاةِ فى أوْقاتِها، أو يُخْرِجَه (٤٩) إلى الحَلِفِ الكاذبِ، ونحوِه من المُحَرَّماتِ، أو يَلْعبَ بها على الطَّريقِ، أو يَفْعَلَ فى لَعِبهِ ما يُسْتَخفُّ به من أجْلِه، ونحوَ هذا، ممَّا يُخرِجُه عن المُروءَةِ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ وذلك لأَنَّه مُخْتلَفٌ فيه، فأَشْبَهَ سائرَ المُخْتَلَفِ فيه. فصل: واللَّاعِبُ بالحمامِ يُطيِّرُها، لا شهادةَ له. وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْىِ. وكان شُرَيْحٌ لا يُجِيزُ شَهادةَ صاحبِ حَمامٍ ولا حَمَّامٍ؛ وذلك لأَنَّه سَفَهٌ ودناءَةٌ وقِلَّةُ مُروءَةٍ، ويَتضمَّنُ أذَى الجِيرانِ بطَيْرِه، وإشْرافِه على دُورِهم، ورَمْيِه (٥٠) إيَّاها بالحِجارةِ. وقد

стр. 7504

رأَى النَّبِىُّ ﷺ رجلًا يَتبَعُ حَمامًا، فقال: "شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً" (٥١). وإنِ اتَّخذَ الحمامَ لطَلبِ فِراخِها، أو لحَمْلِ الكُتبِ، أو لِلأُنْسِ بها مِن غيرِ أذًى يَتعدَّى إلى النَّاسِ، لم تُرَدَّ شهادتُه. وقد رَوَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رجلًا جاءَ إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فشَكَا إليه الوَحْشَةَ، فقال: "اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ" (٥٢). فصل: فأمَّا المُسابَقةُ المَشْروعةُ، بالخَيْلِ وغيرِها من الحيواناتِ، أو على الأقْدامِ، فمُباحٌ (٥٣) لا دناءَة فيه (٥٤)، ولا تُرَدُّ به الشَّهادَةُ، وقد ذكرْنا مَشروعيَّةَ ذلك فى بابِ المُسَابقةِ (٥٥). وكذلك ما فى معناه من الثِّقافِ، واللَّعِبِّ بالحِرابِ. وقد لعِبَ الحَبَشةُ بالحِرابِ بين يَدىْ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وقامتْ عائشةُ خَلْفَه تَنْظُرُ إليهم، وتَسْتَتِرُ به، حتى مَلَّتْ (٥٦). ولأنَّ فى هذا تَعلُّمًا للحَرْبِ، فإنَّه مِن آلاتِه، فأشْبَهَ المُسابقةَ بالخَيلِ، والمُناضَلةَ، وسائِرُ اللَّعِبِ، إذا لم يَتضمَّنْ ضررًا، ولا شَغْلًا عن فَرْضٍ، فالأصلُ إباحتُه، فما كان منه فيه دَناءَةٌ يَترفَّعُ عنه ذَوُو المُروءاتِ، مَنَعَ الشَّهادةَ إذا فَعلَه ظاهرًا، وتَكرَّرَ منه، وما كان منه لا دَناءةَ فيه، لم تُرَدَّ به (٥٧) الشَّهادةُ بحالٍ. فصل: فى الْمَلاهى: وهى على ثلاثةِ أَضْرُبٍ؛ مُحَرَّمٍ، وهو ضَرْبُ الأوْتارِ والنَّاياتِ، والمَزامِيرِ كلِّها، والعُودِ، والطُّنبُورِ، والمَعْزَفةِ، والرَّبابِ، ونحوِها، فمَن أدامَ اسْتماعَها، رُدَّت شَهادتُه؛ لأَنَّه يُرْوَى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِذَا ظَهَرَتْ فِى أُمَّتِى خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً، حَلَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ" (٥٨). فذكرَ منها

стр. 7505

إظْهارَ المعازِفِ والْمَلاهِى. وقال سعيدٌ (٥٩): ثنا فَرَجُ بنُ فَضَالَةَ، عن علىِّ بنِ يَزِيدَ، عن القَاسِمِ، عن أبى أُمامَةَ، قال: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِى بِمَحْقِ الْمَعَازِفِ وَالْمَزَامِيرِ، لَا يَحلُّ بَيْعُهُنَّ وَلَا شِرَاؤُهُنَّ وَلَا تَعْلِيمُهُنَّ وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ (٦٠). يعنى الضَّارباتِ. ورَوَى نافعٌ، قال: سمِعَ ابنُ عمرَ مِزْمارًا، قال: فوضَعَ إصْبعَيْهِ فى أُذُنَيْه، ونَأَى عن الطَّريقِ، وقال لى: يا نافعُ، هل تسْمَعُ شيئًا؟ قال: فقلتُ: لا. قال: فرفَعَ إصْبَعيْهِ من أُذُنَيْه، وقال: كنتُ مع النَّبِىِّ ﷺ ، فسمِعَ مِثلَ هذا، فصنَعَ مِثلَ هذا. رواه الخَلَّالُ، فى "جامعِه" من طريقيْنِ، وروَاه أبو داودَ، فى "سُنَنِه" (٦١)، وقال: حديثٌ مُنْكَرٌ. وقد احْتَجَّ قومٌ (٦٢) بهذا الخبرِ على إباحةِ المِزْمارِ، وقالوا: لو كان حرامًا لَمَنعَ النَّبِىُّ ﷺ ابنَ عُمرَ من سَماعِه، وَمَنعَ ابنُ عُمرَ نافعًا من سَماعِه (٦٣)، ولأنْكرَ على الزَّامِرِ بها. قلْنا: أمَّا الأوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُحرَّمَ اسْتماعُها دون سَماعِها، والاسْتِماع غيرُ السَّماعِ، ولهذا فرَّقَ الفُقهاءُ فى سُجودِ التِّلاوةِ بين السَّامعِ والمُستمِعِ، ولم يُوجِبُوا على مَن سمِعَ شيئًا (٦٤) مُحَرَّمًا سَدَّ أُذُنيْه, وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (٦٥). ولم يَقلْ: سَدُّوا آذانَهم. والمُسْتمِعُ هو الذى يَقْصِدُ السَّماعَ، ولم يُوجَدْ هذا مِن ابنِ عمرَ، وإنَّما وُجدَ منه السَّماعُ، ولأنَّ بالنَّبِىِّ ﷺ حاجةً إلى مَعْرِفةِ انْقطاعِ الصَّوْتِ عنه؛ لأَنَّه عدَلَ عن الطَّريقِ، وسدَّ أُذُنيْه، فلم يكُنْ ليَرْجِعَ إلى الطَّريقِ، ولا يَرفعَ إصْبَعَيْه عن أُذُنَيْه، حتى يَنْقطِعَ الصَّوْتُ عنه، فأُبِيحَ للحاجَةِ. وأمَّا الإِنْكارُ، فلعلَّه كان فى أوَّلِ الهِجرةِ، حين لم يكُنِ الإِنْكارُ واجبًا، أو قبلَ إمْكانِ الإِنْكارِ؛ لكَثْرَةِ الكُفَّارِ، وقلَّةِ أهلِ الإِسْلامِ. فإن قيلَ: فهذا الخَبرُ ضَعيفٌ. فإِنَّ أبا

стр. 7506

داودَ روَاه، وقال: هو (٦٦) حديثٌ مُنكَرٌ. قُلْنا: قد روَاه الخَلَّالُ بإسْنادِه من طريقَيْنِ، فلعلَّ أبا داودَ ضعَّفَه لأَنَّه لم يقَعْ له إِلَّا مِن إحْدَى الطَّريقَيْنِ. وضَربٌ مُباحٌ؛ وهو الدُّفُّ؛ فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ". أخْرجَه مسلمٌ (٦٧). وذكرَ أصحابُنا، وأصْحابُ الشَّافعىِّ، أنَّه مَكْروهٌ فى غيرِ النِّكاحِ؛ لأَنَّه يُرْوَى عن عمرَ، أنَّه كان إذا سمِعَ صَوْتَ الدُّفِّ، بعَثَ فنظَرَ، فإن كان فى وَليمةٍ سكَتَ، وإن كانَ فى غيرِها، عَمَدَ بالدِّرَّةِ (٦٨). ولَنا، ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّ امرأةً جاءَته، فقالتْ: إنِّى نَذَرْتُ إن رجعْتَ من سفَرِك سالمًا، أن أضْرِبَ على رأسِكَ بالدُّفِّ (٦٩). فقال النَّبِىُّ ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكِ". روَاه أبو داودَ (٧٠). ولو كانَ مَكروهًا لم يأمُرْها به وإن كان مَنْذورًا. ورَوَتِ الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ، قالت: دخلَ علىَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ صبِيحةَ بُنِىَ بى، فجَعَلَتْ جُوَيْريَاتٌ يَضْربنَ بدُفِّ لهنَّ، ويَنْدُبْنَ مَن قُتِلَ مِن آبائى يومَ بَدْرٍ، إلى أن قالَتْ إحداهُنَّ: وفينا نَبىٌّ يَعْلَمُ ما فى غَدٍ. فقال: "دَعِى هَذَا، وَقُولِى الَّذِى كُنْتِ تَقُولِينَ". مُتَّفقٌ عليه (٧١). وأما الضَّرْبُ به للرِّجالِ فمَكروهٌ على كلِّ حالٍ؛ لأَنَّه إنَّما كان يَضْرِبُ به النِّساءُ، والمُخَنَّثُون (٧٢) المُتَشبِّهون بهِنَّ، ففى ضَرْب الرِّجالِ به تَشَبُّهٌ بالنِّساءِ، وقد لَعَنَ النَّبِىُّ ﷺ المُتشبِّهين مِنَ الرِّجالِ بالنِّساءِ (٧٣). فأمَّا الضَّرْبُ

стр. 7507

بالقَضِيبِ، فيُكْرَهُ (٧٤) إذا انْضَمَّ إليه مُحَرَّمٌ أو مَكْروهٌ، كالتَّصْفِيقِ والغِناءِ والرَّقْصِ، وإِنْ خلا عن ذلك كلِّه لم يُكْرَهْ؛ لأَنَّه ليس بآلةٍ ولا بِطَرَبٍ، ولا يُسْمَعُ مُنْفرِدًا، بخلافِ الْمَلاهى. ومذهبُ الشَّافعىِّ فى هذا ال فصلِ كما قُلْنا. فصل: واخْتَلفَ أصْحابُنا فى الغِناءِ؛ فذهبَ أبو بكرٍ الخَلَّالُ، وصاحبُه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، إلى إباحتِه. قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: والغِناءُ والنَّوحُ معنًى واحدٌ، مُباحٌ ما لم يَكُنْ معه مُنْكَرٌ، ولا فيه طَعْنٌ. وكان الخلَّالُ يَحْمِلُ الكَراهةَ (٧٥) من أحمدَ على الأفعالِ المَذْمومةِ، لا على القَوْلِ بعَيْنِه. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه سمِعَ من (٧٦) عندِ ابنِه صالحٍ قَوَّالًا، فلم يُنْكِرُ عليه، وقال له صالحٌ: يا أبَة، أليس كُنتَ تكْرَه هذا؟ فقال: إنَّه قيلَ لى: إنَّهم يَسْتَعمِلون المُنْكَرَ. وممَّن ذهبَ إلى إباحتِه مِن غيرِ كَراهَةٍ، سعدُ بنُ إبراهيمَ، وكثيرٌ مِن أهلِ المدينةِ، والعَنْبَرىُّ؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالتْ: كانتْ عندى جارِيَتان تُغنِّيان، فدَخلَ (٧٧) أبو بكرٍ، فقال: مَزْمورُ الشَّيطانِ فى بيتِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ! فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُمَا، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٧٨). وعن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: الغِناءُ زادُ الرَّاكبِ. واخْتارَ القاضى أنَّه مَكْروهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ. وهو قولُ الشَّافعىِّ، قال: هو مِن اللَّهْوِ المَكْروهِ. وقالَ أحمدُ: الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاقَ (٧٩) فى القَلبِ، لا يُعْجِبُنِى. وذهبَ آخَرون من أصْحابِنا إلى تَحْريمِه. قال أحمدُ: فى مَن مات وخَلَّفَ ولدًا يتيمًا، وجاريةً مُغنِّيَةً، فاحْتاجَ الصَّبِىُّ إلى بَيْعِها، تباعُ سَاذَجَةً. قيل له: إنَّها تُساوِى

стр. 7508

مُغَنِّيَةً ثلاثين ألفًا، وتُساوى ساذَجَةً عِشرين دينارًا. قال: لا تُباعُ إِلَّا على أنَّها ساذَجَةٌ. واحتجُّوا على تَحْريمِه بما رُوِىَ عن ابنِ الحَنفِيَّةِ فى قولِه تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٨٠). قال: الغِناءُ. وقالَ ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ مسعودٍ، فى قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٨١). قال: هو الغِناءُ (٨٢). وعن أبى أُمامةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن شِراءِ المُغَنِّياتِ، وبَيْعِهنَّ، والتِّجارَةِ فيهنَّ، وأكْلُ أثْمانِهنِ حَرامٌ. أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (٨٣)، وقال: لا نَعْرفُه إِلَّا (٨٤) مِن حديثِ علىِّ بنِ يَزِيدَ، وقد (٨٥) تكلَّمَ فيه أهلُ العِلْمِ. ورَوَى ابنُ مَسعودٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِى الْقَلْبِ" (٨٦). والصَّحيحُ أنَّه مِن قَوْلِ ابنِ مسعودٍ. وعلى كلِّ حالٍ، مَن اتَّخذَ الغِناءَ صِناعةً، يُؤتَى له، ويَأْتِى له، أو اتَّخذَ غُلامًا أو جاريِةً مُغَنِّيَيْنِ، يَجْمَعُ عليهما الناسَ، فلا شَهادةَ له؛ لأنَّ هذا عندَ مَن لم يُحَرِّمْه سَفَهٌ ودَناءةٌ وسُقوطُ مُروءَةٍ، ومَن حَرَّمَه فهو مع سَفَهِه عاصٍ. مُصِرٌّ مُتظاهِرٌ بفُسوقِه. وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وإن كان لا يَنْسِبُ نفسَه إلى الغِناءِ، وإنَّما يَتَرنَّمُ لنَفسِه، ولا يُغَنِّى النَّاسَ، أو كانَ غُلامُه وَجَارِيَتُهُ إنَّما يُغَنِّيانِ له، انْبَنَى هذا على الخلافِ فيه. فمَن أباحَه أو كَرِهَه، لم تُرَدَّ شهادتُه، ومَن حرَّمَهُ، قال: إن داوَمَ (٨٧) عليه، رُدَّت شهادتُه، كسائرِ الصَّغائرِ، وإن لم يُداوِمْ عَلَيْهِ، لم تُرَدَّ شَهادتُه. وإِنْ فعله مَن يَعْتقِدُ حِلَّه، فقِياسُ المذهبِ أنَّه لا تُرَدُّ شهادتُه بما لا يشْتهرُ به منه، كسائرِ المُخْتلَفِ فيه مِن الفُروعِ. ومَن كان يَغْشَى بُيوتَ الغِناءِ، أو يَغْشَاهُ الْمُغَنُّونَ للسَّماعِ (٨٨)، مُتَظاهِرًا بذلك، وكَثُرَ منه، رُدَّت شَهادتُه، فى قولِهم جميعًا؛ لأَنَّه سَفهٌ ودَناءَةٌ. وإن كان

стр. 7509

مُسْتَتِرًا (٨٩) به، فهو كالمُغَنِّى لنَفْسِه، على ما ذُكِرَ من التَّفْصيلِ فيه. فصل: فأمَّا الحُدَاءُ، وهو الإِنْشادُ الذى تُساقُ به الإِبِلُ، فمُباحٌ، لا بَأْسَ (٩٠) فى فِعْلِه وِاسْتِماعِه؛ لما رُوِىَ عن (٩١) عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهَا، قالت: كُنَّا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ فى سَفرٍ، وكان عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحَةَ جيِّدَ الحُدَاءِ، وكان مع الرِّجالِ، وكان أَنْجَشَةُ مع النِّساءِ، فقال النَّبِىُّ ﷺ لابن رَواحَةَ: "حَرِّكْ بِالْقَوْمِ". فانْدَفَعَ يَرْتَجزُ، فتَبِعَه أَنْجَشَةُ، فَأعْنَقَتِ الإِبلُ، فقالَ النَّبِىُّ ﷺ لأنْجَشَةَ: "رُوْيدَكَ، رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ" (٩٢). يَعنى النِّساءَ. وكذلك نَشِيدُ الأَعْرابِ، وهو النَّصْبُ، لا بأْسَ به، وسائرُ أنواعِ الإِنْشادِ، ما لم يَخْرُجْ إلى حدِّ الغِناءِ. وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يَسْمَعُ إْنشادَ الشِّعرِ، فلا يُنْكِرُه. والغِناءُ، من الصَّوتِ، مَمْدودٌ مَكْسورٌ. والغِنَى، من المالِ، مَقْصورٌ. والحُداءُ، مَضْمومٌ مَمْدودٌ، كالدُّعاءِ والرُّعاءِ، ويَجوزُ الكَسُر، كالنِّداءِ والهِجاءِ والغِذاءِ. فصل: والشِّعرُ كالكَلامِ؛ حَسنُه كحَسنِه، وقَبيحُه كقَبيحِه. وقد رُوىَ عن النَّبِىِّ ﷺ , أنَّه قال: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا" (٩٣)، وكان يَضَعُ لحسَّانَ مِنْبرًا يَقومُ عليه، فيَهْجُو مَن

стр. 7510

هَجَا رَسولَ اللَّهِ ﷺ والمسلمينَ (٩٤). وأنْشَدَه كَعْبُ بنُ زُهَيرٍ قَصِيدةَ: * بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِى الْيَومَ مَتْبُولُ * فى المسجدِ (٩٥). وقالَ له عمُّه العبَّاسُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى أُريدُ أَنْ أمْتَدِحَكَ. فقال: "قُلْ، لَا يَفْضُضِ اللَّهُ فاكَ". فأنْشدَه: مِنْ قَبْلِها طِبْتَ فِى الظِّلالِ وفى ... مُسْتَوْدَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ (٩٦) وقال عمرُو بنُ الشَّرِيدِ: أرْدَفَنى رسولُ اللَّهِ ﷺ فقال: "أَمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ؟ ". قلتُ: نعم. فأنشَدْتُه بيتًا، فقالَ: "هِيهِ". فأنشَدْتُه بيتًا، فقالَ: "هِيهِ". حتى أنشدتُه مِائَةَ قَافيةٍ (٩٧). وقال النَّبِىُّ ﷺ يومَ حُنَيْنٍ: أَنَا النَّبِىُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ (٩٨) وقد اخْتُلِفَ فى هذا، فقيل: ليس بشِعرٍ، وإنُّما هو كَلامٌ مَوزُونٌ. وقيلَ: بل هو شِعرٌ، ولكنَّه بَيْتٌ واحدٌ قَصيرٌ، فهو كالنَّثْرِ. ويُرْوَى (٩٩) أَنَّ أبا الدَّرْداءِ قِيلَ له: ما مِن أهلِ بيتٍ فى الأنْصارِ، إِلَّا وقد قالَ الشِّعْرَ. قالَ: وأنا قد قُلْتُ:

стр. 7511

يُريدُ المَرءُ أن يُعْطَى مُناهُ ... ويَأْبَى اللَّهُ إِلَّا ما أَرادَا يَقولُ المَرءُ فَائِدَتِى ومَالِى ... وتَقْوَى اللَّهِ أَفْضلُ ما اسْتفادَا (١٠٠) وليس فى إباحةِ الشِّعر خِلافٌ، وقد قالَه الصَّحابةُ والعُلَماءُ، والحاجَةُ تدْعُو إليه لمَعرِفةِ اللُّغةِ والعربيَّةِ (١٠١)، والاسْتشهادِ به فى التَّفْسيرِ، وتَعَرُّفِ معانى كَلامِ اللَّهِ تعالى، وكلامِ رَسولِه ﷺ ، ويُسْتَدلُّ به أيضًا على النَّسَبِ، والتَّاريخِ (١٠٢)، وأيَّامِ العَربِ. ويُقال: الشِّعْرُ ديوانُ العَربِ. فإن قيل: فقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ (١٠٣) وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ، خَيْرٌ له مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا". رواه أبو دَاودَ، وأبو عُبيدٍ (١٠٤). وقال: مَعنَى يَرِيَهُ، يَأكلُ جوفَه، يُقالُ: وَرَاه يَرِيه، قال الشَّاعرُ (١٠٥): وَرَاهُنَّ رَبِّى مثلَ ما قَدْ وَرَيْنَنِى ... وأحْمَى على أكْبادِهِنَّ الْمَكاوِيَا قُلْنا: أمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها مَن أسْرَفَ وكَذَبَ؛ بدليلِ وَصْفِه لهم بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (١٠٦). ثم اسْتثْنَى المؤمِنينَ، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١٠٧). ولأنَّ الغالبَ على

стр. 7512

الشُّعراءِ قِلَّةُ الدِّينِ، والكَذِبُ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ، وهجاءُ الأبْرياءِ، سِيَّمَا مَن كان فى ابْتداءِ الإِسْلامِ، ممَّن يَهْجُو المُسلمين، ويَهْجُو النَّبِىَّ ﷺ ، ويَعيبُ الإِسلامَ وأهلَه (١٠٨)، ويَمْدحُ الكُفَّارَ، فوقَعَ الذَّمُّ على الأغْلبِ، واسْتَثْنَى مِنهم مَن لا يَفْعَلُ الخِصالَ المَذْمومةَ، فالآيةُ دليلٌ على إباحتِه، ومَدْحِ أهلِه المتَّصفِينَ بالصِّفاتِ الجَميلةِ. وأمَّا الخبرُ؛ فقال أبو عُبَيْدٍ: مَعناهُ أن يَغْلِبَ عليه الشِّعرُ حتى يَشْغلَه عن القُرآنِ والفِقْهِ. وقيل: المُرادُ به ما كان هِجاءً وفُحْشًا، فما كان من الشِّعرِ يَتضمَّنُ هَجْوَ المُسلمينَ، والقَدْحَ فى أعراضِهم، أو التَّشْبيبَ (١٠٩) بامْرأةٍ بعَيْنِها، بالإِفْراطِ (١١٠) فى وَصْفِها، فذكرَ أصحابُنا أنَّه مُحَرَّمٌ. وهذا إن أُرِيدَ به أنَّه مُحرَّمٌ على قائلِه، فهو صَحيحٌ، وأما على رَاوِيه فلا يَصِحُّ؛ فإِنَّ الْمَغازِىَ تُرْوَى فيها قَصائدُ الكُفَّارِ الذين هَجَوْا بها (١١١) أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، لا يُنْكِرُ ذلك أحدٌ. وقد رُوِىَ أن النَّبِىَّ ﷺ أذِنَ فى الشِّعرِ الذى تَقاوَلَتْ به الشُّعراءُ فى يومِ بدرٍ وأُحدٍ وغيرِهما، إِلَّا قصيدةَ أُميَّةَ بنِ أبى الصَّلْتِ الحائيَّةَ (١١٢). وكذلك يُرْوَى شِعرُ قَيسِ بنِ الخَطِيم (١١٣)، فى التَّشْبِيب بعَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ، أُختِ عبدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ، وأُمِّ النُّعمانِ بنِ بَشِيرٍ. وقد سمعَ النَّبِىُّ ﷺ قَصيدةَ كَعبِ بنِ زُهَيرٍ، وفيها التَّشْبيبُ بسُعادَ. ولم يَزلِ النَّاسُ يَرْوُونَ أمثالَ هذا، ولا يُنكَرُ. ورَوَينا أَنَّ النُّعمانَ بنَ بَشيرٍ دخلَ مَجلِسًا فيه رَجلٌ يُغنِّيهم بقصيدةِ قَيسِ ابنِ الخَطِيمِ، فلمَّا دَخلَ النُّعمانُ سَكَّتوه من قِبَلِ أَنَّ فيها ذِكرَ أُمِّه، فقالَ النُّعمانُ: دَعُوه، فإنَّه لم يَقُلْ بَأسًا، إنَّما قال: وعَمْرَةُ مِن سَرَوَاتِ النِّسا ... ءِ تَنْفَحُ بالمِسْكِ أرْدَانُها (١١٤) وكان عِمرانُ بنُ طَلحةَ فى مجلسٍ، فغَنَّاهم رَجلٌ بشِعرٍ فيه ذِكْرُ أُمِّه، فسكَّتُوه من

стр. 7513

أجْلِه، فقال: دَعُوه، فإِنَّ قائلَ هذا الشِّعرِ، كان زوجَها. فأمَّا الشاعرُ، فمتى كان يَهْجُو المسلمين أو يَمْدَحُ بالكَذِبِ، أو يَقْذِفُ مُسلِمًا أو مُسلِمةً، فإنَّ شهادتَه تُرَدُّ، وسواءٌ قَذَفَ المُسلمةَ بنَفسِه أو بغيرِه. وقد قيلَ: أعْظَمُ الناسِ ذَنْبًا، رجلٌ يُهاجِى رَجلًا، فيَهجو القَبيلةَ بأسْرِها. وقد رَوينا أَنَّ أبا دُلامةَ (١١٥) شهِدَ عند قَاضٍ، أظُنُّه ابنَ أبى ليلَى، [ولعلَّ القاضىَ سَوَّارٌ] (١١٦)، فخافَ أن يَرُدَّ شهادتَه. فقال: إنِ النَّاسُ غَطُّونِى تَغطَّيْتُ عنهمُ ... وإِنْ بَحثُوا عنِّى فَفِيهم مَباحِثُ فقال القاضى: ومن يَبْحَثُكَ يا أبا دُلامةَ. وغَرِمَ المالَ مِن عندِه، ولم يُظْهِرْ أنَّه رَدَّ شهادتَه. فصل: فى قِراءةِ القُرآنِ بالألْحَانِ: أمَّا قراءتُه مِن غيرِ تَلْحِين، فلا بَأْسَ بِه، وإن حسَّنَ صَوْتَه، فهو أفْضَلُ، فإنًّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: ["زَيِّنُوا أصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ". ورُوِىَ] (١١٧): "زَيِّنُوا القُرْآنَ بأَصْوَاتِكُمْ" (١١٨). وقال: "لَقَدْ أُوتِىَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاودَ" (١١٩). [ورُوِى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لأبى موسى: "لَقَدْ مَرَرْتُ بِكَ البَارِحَةَ، وَأَنْتَ تَقْرَأُ، وَلَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ] (١٢٠) ". فقال أبو موسى: لو أعلمُ أنَّك تَسْمَعُ، لحَبَّرتُه لك تَحْبيرًا (١٢١). ورُوِىَ أَنَّ عائِشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أبْطأَتْ على النَّبِىِّ ﷺ ليلةً، فقال: "أَيْنَ كُنْتِ يَا عَائِشَةُ؟ ". فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، كنتُ أسْتَمِعُ قراءةَ رَجلٍ فى المسجدِ، لم أسْمَعْ أحدًا يَقْرأُ أحْسَنَ مِن قراءَتِه. فقامَ النَّبِىُّ ﷺ , فاسْتمَعَ قِراءتَه, ثم قال: "هَذَا سَالِمٌ مَولَى أَبِى حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى جَعَلَ فِى أُمَّتِى مِثْلَ هَذَا" (١٢١). وقال صالح: قلتُ لأبى: "زَيِّنُوا القُرآنَ بأصْواتِكُمْ". ما مَعناه؟

стр. 7514

قال: أن يُحسِّنهَ. وقيل له: ما مَعنَى: "مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقُرْآنِ". قال: يَرْفَع صَوْتَه به. وهكذا قال الشَّافعىُّ. وقال اللَّيْثُ: يَتحزَّنُ به، ويَتخشَّعُ به، ويَتَباكَى به. وقال ابنُ عُيَيْنَةَ، وعَمْرُو بنُ الحارِثِ، ووَكِيعٌ: يَستَغْنِى به. فأمَّا القِراءةُ بالتَّلْحينِ، فيُنْظَرُ فيه؛ فإن لم يُفْرِطْ فى التَّمْطيطِ والْمَدِّ وإشْباعِ الحَرَكاتِ، فلا بأْسَ به؛ فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قد قرأَ، ورجَّعَ، ورفَعَ صَوْتَه. قال الرَّاوِى: لولا أَنْ يَجتمعَ النَّاسُ علىَّ، لَحَكَيْتُ لكم قراءَتَه (١٢٢). وقال ﵇: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" (١٢٣). وقال: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَىْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِىٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ" (١٢٣). ومعنى أَذِنَ: اسْتَمَعَ. قال الشاعرُ (١٢٤): * فى سَمَاعٍ يَأْذَنُ الشَّيْخُ له * وقال القاضى: هو مَكْروهٌ على كلِّ حالٍ. ونحوُه قولُ أبى عُبَيْدٍ، وقال (١٢٥) مَعنَى قولِه: "لَيْسَ مِنَّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بالقُرْآنِ". أى: يَسْتغنِى به. قال الشَّاعِرُ: وَكنتُ امْرَءًا زَمنًا بالعِراقِ ... عَفيفَ المُناخِ كَثيرَ التَّغنِّى قال: ولو كانَ من الغِناءِ بالصَّوتِ، لَكانَ مَن لم يُغنِّ بالقُرآنِ ليس من النَّبِىِّ ﷺ .

стр. 7515

ورُوِىَ نحوُ هذا التَّفسيرِ عن ابنِ عُيَيْنةَ. وقال القاضى أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتِىُّ (١٢٦): هذا قولُ مَن أدرَكْنا مِن أهلِ العلمِ. وقال الوليدُ بنُ مسلمٍ: يَتغنَّى بالقُرآنِ، يَجهرُ به. وقيلَ: يُحسِّنُ صوتَه به (١٢٧). والصَّحيحُ أَنَّ هذا القَدْرَ من التَّلْحينِ لا بأسَ به؛ لأَنَّه لو كانَ مَكْروهًا، لم يَفْعَلْه النَّبِىُّ ﷺ . ولا يَصحُّ حَمْلُه (١٢٨) التَّغَنِّىَ فى حديثِ: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَىْءٍ، كَإِذْنِه لِنَبىٍّ يَتَغَنَّى (١٢٩) بِالْقُرْآنِ". على الاسْتِغْناءِ؛ لأنَّ معنَى أذِنَ: اسْتمَعَ، وإنَّما تُسْتمَعُ القِراءةُ، ثم قال: يَجْهَرُ به. والجَهْرُ صِفَةُ القِراءَةِ، لا صِفةُ الاسْتِغناءِ. فأمَّا إِن أفْرَطَ فى الْمَدِّ والتَّمْطيطِ وإشْباعِ الحَرَكاتِ، بحيثُ يَجْعلُ الضَّمَّةَ واوًا، والفَتْحةَ ألفًا، والكَسرةَ ياءً، كُرِهَ ذلك. ومنِ أصْحابِنا مَن يُحرِّمُه؛ لأَنَّه يُغَيِّرُ القُرآنَ، ويُخرِجُ الكَلماتِ عن وَضْعِها، ويَجْعلُ الحَركاتِ حُروفًا. وقد روينَا عن أبى عبدِ اللَّه، أَنَّ رجلًا سألَه عن ذلك، فقال له: ما اسمُك؟ قال: محمدٌ. قال: أيَسُرُّكَ (١٣٠) أَنَّ يُقال لك: يَا مُو حَامَّد؟ . قال: لا. فقال: لا يُعجِبُنى أن يَتعلَّمَ الرَّجلُ الألحانَ، إِلَّا أن يَكونَ جِرْمُه (١٣١) مِثلَ جرْمِ (١٣٢) أبى موسى. فقال له رجلٌ: فيُكَلَّمون؟ فقال: لا، كُلْ ذا. واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّه تُسْتَحبُّ قِراءةُ القُرآنِ بالتَّحْزينِ والتَّرْتيلِ والتَّحْسينِ. ورَوَى بُرَيْدَةُ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأُوا الْقُرْآنَ بِالْحُزْنِ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِالْحُزْنِ" (١٣٣). وقال المَرُّوذِىُّ: سَمِعتُ أَبا عَبدِ اللَّهِ قال لرَجُلِ: لو قَرَأتَ. وجعلَ أبو عبدِ اللَّهِ ربَّما تَغَرْغَرَتْ عَيْنُه. وقال زُهَيْرُ ابنُ حَربٍ: كنَّا عندَ يحيى القطَّانِ، فجاءَ محمدُ بنُ سعيدٍ التِّرْمِذِىُّ، فقال له يحيى:

стр. 7516

اقْرأْ (١٣٤). فقرأْ، فغُشِىَ على يحيى حتى حُمِلَ فأُدخِلَ. وقال محمدُ بنُ صالحٍ العَدَوىُّ: قَرأتُ عند يحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، فغُشىَ عليه، حتى فاتَه خَمسُ صَلَواتٍ. فصل: ولا تُقْبَلُ شَهادةُ الطُّفَيْلِىِّ؛ وهو الذى يأْتِى طَعامَ الناس مِن غيرِ دَعْوةٍ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالفًا؛ وذلك لأَنَّه يُرْوَى عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ أَتَى إِلَى طَعَامٍ لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، دَخَل سَارِقًا، وَخَرَجَ، مُغِيرًا" (١٣٥). ولأنَّه يأْكلُ مُحَرَّمًا، ويَفْعلُ ما فيه سَفَهٌ ودَناءةٌ وذَهابُ مُروءَةٍ، فإن لم يَتَكرَّرْ هذا منه، لم تُرَدَّ شهادتُه؛ لأَنَّه مِن الصَّغائرِ. فصل: ومَن سألَ مِن غيرِ أن تَحِلَّ له المسألةُ، فأكثرَ، رُدَّتْ شهادتُه (١٣٦)؛ لأَنَّه فَعَلَ مُحرَّمًا، وأكلَ سُحْتًا، وأتى دَناءَةً. وقدرَوَى قَبِيصَةُ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَسأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أو سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ (١٣٧) ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ. فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَه الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، فَمَا سِوَى ذَلِكَ [مِنَ الْمَسْأَلَةِ] (١٣٨) فَهُوَ سُحْتٌ، يَأْكُلُهُ صَاحِبُه سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". روَاه مُسلمٌ (١٣٩). فأمَّا السَّائلُ ممَّن تُباحُ له المَسألةُ، فلا تُرَدُّ شهادتُه بذلك، إِلَّا أن يكونَ أكثرَ عُمرِه سائلًا، أو يَكْثُرَ ذلك منه، فيَنْبَغِى أن تُرَدّ شهادتُه؛ لأنَّ ذلك دَناءةٌ وسُقوطُ مُروءَةٍ. ومَن أخذَ من الصَّدقةِ ممَّن يجوزُ له الأخْذُ مِن غيرِ مَسألةٍ، لم تُرَدَّ شهادتُه؛ لأَنَّه فِعلٌ جائزٌ، لا دَناءَةَ فيه. وإن أخذَ منها

стр. 7517

ما لا يجوزُ له، وتكرَّر ذلك منه، رُدَّتْ شَهادتُه؛ لأَنَّه مُصِرٌّ على الحَرامِ. فصل: ومَن فعلَ شيئًا مِن الفُروعِ مُختَلَفًا فيه، مُعْتِقدًا إباحتَه، لم تُرَدَّ شهادتُه، كالمتزوِّجِ بغيرِ وَلىٍّ، أو بغيرِ شُهودٍ، وآكِلِ مَتْروكِ التَّسْمِيَةِ، وشارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى شاربِ النَّبيذِ، يُحَدُّ، ولا تُرَدُّ، شَهادتُه. وبهذا قالَ الشَّافعىُّ. وقال مالكٌ: تُرَدُّ شهادتُه؛ لأَنَّه فَعلَ ما يَعْتقِدُ الحاكِمُ تحْرِيمَه، فأشْبَهَ المُتَّفَقَ على تَحْريمِه. ولَنا، أَنَّ الصَّحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، كانوا يَخْتَلِفون فى الفُروعِ، فلم يَكُنْ بَعضُهم يَعِيبُ مَن خالَفَه، ولا يُفَسِّقُه، ولأنَّه فَرْعٌ (١٤٠) مُخْتَلفٌ فيه، فلم تُرَدَّ شهادةُ فاعلِه، كالذى يوافِقُه عليه الحاكمُ. وإن فعلَ ذلك مُعْتقِدًا تحْريمَه، رُدَّتْ شهادتُه (١٤١) إذا تَكرَّرَ. وقال أصحابُ الشَّافعىِّ: لا تُرَدّ شَهادتُه به؛ لأَنَّه فِعلٌ لا تُرَدُّ به شهادةُ بعضِ النَّاسِ، فلا تُرَدَّ به شهادةُ البعضِ الآخَرِ، كالمُتَّفَقِ على حِلِّه. ولَنا، أنَّه فِعْلٌ يَحْرُمُ على فاعلِه، ويَأْثَمُ به، فأشْبَهَ المُجْمَعَ على تَحْريمِه، وبهذا فارَقَ مُعتَقِدَ حِلِّه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى منَ يجبُ عليه الحَجُّ فلا يَحجُّ: تُرَدُّ شهادتُه. وهذا يُحْمَلُ على مَن اعْتقَدَ وُجوبَه على الفَوْرِ. فأمَّا مَن يَعْتقِدُ أنَّه على التَّراخِى، ويَتْرُكُه بِنيَّةِ فِعْلِه، فلا تُرَدُّ شَهادتُه، كسائرِ ما ذكرْنا. ويَحْتَمِلُ أن تُرَدَّ شهادتُه مُطلقًا؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا" (١٤٢). وقال عُمرُ: لقد هَممْتُ أن أنظُرَ فى النَّاسِ، فمَن وَجَدْتُه يَقْدِرُ على الحَجِّ ولا يَحَجُّ، ضَربْتُ عليه الجِزْيةَ، ثم قال: ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين. ١٨٩١ - مسألة؛ قال: (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ، فِى الْوَصِيَّةِ فِى السَّفَرِ، إذا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ) وجملتُه، أنَّه إذا شهِدَ بوَصِيَّةِ المُسافِرِ الذى ماتَ فى سَفَرِه شاهِدانِ مِن أهلِ الذِّمَّةِ، قُبِلَتْ شَهادتُهما، إذا لم يُوجَدْ غَيرُهما، ويُسْتَحْلَفانِ بعدَ العَصْرِ ما خَانا ولا كَتَما، ولا

стр. 7518

اشْتَرَيا بهَ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ (١). قال ابنُ المُنذرِ: وبهذا قالَ أكابر الماضِين. يَعنى الآيةَ التى فى سُورَةِ المائدةِ. وممَّن قالَه شُرَيْحٌ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعىُّ، ويحيى بنُ حَمزَةَ (٢). وقَضَى بذلك ابنُ مَسعودٍ، وأبو موسى، رَضِىَ اللَّهُ عنهما (٣). وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ؛ والشَّافعىُّ: لا تُقْبَلُ؛ لأنَّ مَن لا تُقبَلُ شَهادتُه [على غيرِ الوَصيَّةِ، لا تُقْبَلُ فى الوصِيَّةِ؛ كالفاسِقِ (٤) لا تُقْبَلُ شَهادتُه] (٥)، فالكَافِرُ أوْلَى. واخْتلَفوا فى تَأْويلِ الآيةِ؛ فمنهم مَن حَمَلَها على التَّحمُّلِ دونَ الأداءِ، ومِنهم مَن قال: المُرادُ بقولِه: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (١). أى مِن غَيرِ عَشِيرَتِكم. ومنهم مَن قال: الشَّهادةُ فى الآيةِ اليَمِينُ. ولَنا، قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. الآية (١). وهذا نصُّ الكِتابِ، وقد قَضَى به (٦) رسولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُه، فرَوَى ابنُ عباسٍ، قال: خرجَ رجلٌ مِن بنى سَهْمٍ مِع تَمِيمِ الدَّارِىِّ، وعَدِىِّ بنِ زَيدٍ، فماتَ السَّهْمِىُّ بأرضٍ ليس بها مُسْلمٌ، فلما قَدِما بتَرِكَتِه فَقَدُوا (٧) جَامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا (٨) بالذَّهبِ، فأحْلَفَهما رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ثم وَجَدُوا الجَامَ بمَكَّةَ، فقالوا: اشْتَرْيناه مِن تَمِيمٍ وعَدِىٍّ، فقامَ رجلان مِن أوْلياءِ السَّهْمِىِّ، فحلَفا باللَّهِ:

стр. 7519

لَشَهادتُنا أحَقُّ مِن شَهادتِهما، وإنّ الجامَ لصاحبِهم. فنزلَتْ فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية. وعن الشَّعْبىِّ أن رَجلًا مِن المُسلمين حَضَرتْه الوَفاةُ بِدَقُوقُا (٩)، ولم يَجِدْ أحدًا من المُسلمين يُشْهِدُه على وَصيَّتِه، فأشْهدَ رجلَينِ مِن أهلِ الكِتابِ، فقَدِما الكُوفةَ، فأَتَيا الأشْعَرِىَّ، فأَخْبَراه، وقَدِما بتَرِكَتِه ووَصيَّتِه، فقالَ الأشْعَرىُّ: هذا أمرٌ لم يَكُنْ بعدَ الذى كان فى عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأحْلَفَهما بعدَ العَصرِ ما خانا، ولا كَذَبَا، ولا بَدَّلا، ولا كَتَما، ولا غَيَّرا، وأنَّها لَوَصَّةُ الرّجلِ، وتَرِكَتُه، فأمْضَى شَهادتَهما. روَاهُما أبو دَاودَ، فى "سُنَنِه" (١٠). ورَوَى الْخَلَّالُ حديثَ أبى موسى بإسْنادِه. وحَمْلُ الآيةِ على أنَّه أرادَ مِن غيرِ عشيرَتِكمِ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الآيةَ نزلَتْ فى قِصَّةِ (١١) عَدَىٍّ وتَمِيمٍ، بلا خِلافِ بين المُفَسِّرينَ، وقد فسَّرَهَا بما قُلنا سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابُن سِيرِينَ، وعَبِيدةُ، وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ، والشَّعْبىُّ، وسُليمانُ التَّيمىُّ، وغيرُهم، ودلَّتْ عليه الأحاديثُ التى رَوَيناها. ولأنَّه لو صَحَّ ما ذكروه، لم تَجِبِ الأَيْمان؛ لأنَّ الشَّاهديْنِ من (١٢) المسلمِينَ لا قَسَامَةَ عليهم. وحَمْلُها على التَّحمُّلِ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه أمرَ بإحْلافِهم، ولا أيْمانَ فى التَّحمُّلِ. وحَمْلُها على اليَمينِ لا يَصِحُّ؛ لقولِه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾. الآية. ولأنه عَطفَها على ذَوِىِ العَدْلِ من المُؤمنينَ، وهما شَاهِدان. ورَوَى أبو عُبَيد، فى "النَّاسخِ والمَنْسوخِ" (١٣) أَنَّ ابنَ مَسعودٍ قَضَى بذلك فى زَمنِ عُثمانَ. قال أحمدُ: أهلُ المَدينةِ ليس عِندَهم حديثُ أبى مُوسى، مِن أين يَعْرِفونَه؟ فقد ثَبَتَ هذا الحُكمُ بكتابِ اللَّهِ، وقَضاءِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، وقَضاءِ الصَّحابةِ به (١٤)، وعمَلِهم بما ثَبَتَ (١٤) فى الكِتابِ والسُّنَّةِ، فتَعيَّنَ المَصِيرُ إليه،

стр. 7520

والعَملُ به، سواءٌ وافَق القِياسَ أو خالَفَه. ١٨٩٢ - مسألة؛ قال: (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِى غَيْرِ ذَلِك) مَذهبُ أبى عبدِ اللَّهِ أَنَّ شَهادةَ أهلِ الكِتابِ لا تُقْبَلُ فى شىءٍ على مُسْلمٍ ولا كافرٍ غَيرِ ما ذكرْنا. روَاه عنه نحوٌ مِن عِشرينَ نَفْسًا. وممَّن قالَ: لا تُقْبَلُ شهادتُهم؛ الحسنُ، وابنُ أبى لَيلَى، والأَوْزاعىُّ، ومَالِكٌ، والشَّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. ونقَلَ حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أَنَّ شَهادَةَ بَعضِهم على بعضٍ (١) تُقْبَلُ. وخطَّأَه الخَلَّالُ فى نَقْلِه هذا، وكذلك صاحبُه أبو بكرٍ، قال: هذا غَلَطٌ لا شكَّ فيه. وقال ابنُ حامدٍ: بل المَسألَةُ على رِوَايتيْنِ. وقال أبو حَفْصٍ البَرْمَكِىُّ (٢): تُقْبَلُ شَهادةُ السَّبْىِ بعضِهم لبعضٍ فى النَّسَبِ، إذا ادَّعَى أحدُهم أَنَّ الآخَرَ أخوه. والمَذهبُ الأوَّلُ، والظَّاهِرُ غَلَطُ مَنْ رَوَىَ خِلافَ ذلك. وذهبَتْ طائفةٌ مِن أهلِ العلمِ، إلى أَنَّ شهادةَ بعضِهم على بَعضٍ تُقْبَلُ، ثم اخْتلَفوا؛ فمنهم مَن قال: الكُفرُ كلُّه مِلَّةٌ واحدةٌ، فتُقبَلُ شَهادةُ اليَهُودىِّ على النَّصْرانِىِّ، والنَّصْرانىِّ على اليهودِىِّ. وهذا قولُ حَمَّادٍ، وسَوَّارٍ، والثَّوْرىِّ، والبَتِّىِّ، وأبى حَنيفةَ، وأصحابِه. وعن قَتادَةَ، والحَكَمِ، وأبى عُبيدٍ، وإسْحاقَ: تُقْبَلُ شَهادةُ كُلِّ مِلَّةٍ بَعضِها على بعضٍ، ولا تُقبَلُ شَهادةُ يَهُودِىٍّ على نَصْرانىٍّ، ولا نَصْرانىٍّ على يَهُودِىٍّ. ورُوِىَ عن الزُّهْرىِّ، والشَّعْبِىِّ، كقَولِنا، وكقولِهم. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن (٣) جابرٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أجازَ شَهادةَ أهلِ الذِّمَّةِ بعضِهم على بعضٍ. رواه ابنُ ماجَه (٤). ولأنَّ بعضَهم يَلِى على بَعضٍ، فتقْبَلُ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ، كالمسلمين. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٦). والكافِرُ ليس بذِى عَدْلٍ، ولا هو مِنَّا، ولا مِن رجالِنا، ولا

стр. 7521

ممَّن نَرْضاه؛ ولأنَّه لا تُقْبَلُ شهادتُه على غيرِ أهلِ دينِه، فلا تُقْبَلُ على أهلِ دينِه، كالحَرْبِىِّ، والخبرُ يَرْويه مُجالِدٌ وهو ضَعيفٌ، وإن ثَبتَ فيَحْتمِلُ أنَّه أرادَ اليمينَ، فإنَّها تُسَمَّى شهادةً، قال اللَّه تعالى فى اللِّعان: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٧). وأمَّا الوَلايةُ فمُتعلَّقُها القَرابةُ والشَّفَقةُ، وقَرَابتُهم ثابِتةٌ، وشفقَتُهم كشَفقةِ المُسلمين، وجازَتْ لمَوضِعِ الحَاجَةِ، فإِنَّ غيرَ أهلِ دينِهم لا يَلِى عليهم، والحاكِمُ يَتعذَّرُ عليه ذلك، لكَثْرتِهم، بخِلافِ الشهادةِ، فإنَّها مُمْكِنَةٌ مِن المُسلمين، وقد رُوِىَ عن مُعاذٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان لا يَقْبَلُ شَهادةَ أهلِ دينٍ إِلَّا المُسلمينَ (٨)؛ فإنَّهم عُدولٌ على أنْفُسِهِم، وعلى غيرِهم. ١٨٩٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ، وَلَا جَارٍّ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَا دَافِعٍ عَنْهَا) أمَّا الخَصْمُ، فهو نَوْعان؛ أحدُهما، كلُّ مَن خاصَمَ فى حقٍّ لا تُقبْلُ شهادتُه فيه، كالوَكيلِ لا تُقبَلُ شهادتُه فيما هو وَكيلٌ فيه، ولا الوَصِىِّ فيما هو وَصِىٌّ (١) فيه، ولا الشَّريكِ فيما هو شَريكٌ فيه، ولا المُضارِبِ بمالٍ أو حقٍّ للمُضارَبَةِ. ولو غُصِبَتِ (٢) الوَديعةُ مِن المُودَعِ، وطالَبَ بها، لم (٣) تُقْبَلْ شَهادتُه فيها، وكذلك ما أشْبَهَ هذا؛ لأَنَّه خَصْمٌ فيه، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه به، كالمالِكِ. والثانى، العَدُوُّ، فشهادتُه غيرُ مَقْبُولَةٍ على عَدُوِّه، فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِىَ ذلك عن رَبيعَةَ، والثَّورِىِّ، وإسْحاقَ، ومالكٍ، والشَّافعىِّ. ويُرِيدُ بالعَداوةِ ههُنا العَداوةَ الدُّنْيَويَّةَ، مثل أن يَشْهَدَ المَقذوفُ على القَاذِفِ،

стр. 7522

والمَقْطوعُ عليه الطَّريقُ على القَاطِعِ، والمَقْتولُ وَلِيُّه على القاتلِ، والمَجْروحُ على الجارحِ، والزَّوجُ يَشْهَدُ على امرأتِه بالزِّنَى، فلا تُقْبَلُ شَهادتُه؛ لأَنَّه يُقِرُّ على نفسِه بعَداوتِه لها (٤)، لإِفْسادِها فِراشَه. فأمَّا العَداوَةُ فى الدِّينِ، كالمُسلمِ يَشْهدُ على الكافرِ، أو المُحِقِّ من أهلِ السُّنَّةِ يَشْهدُ على المُبْتدِعِ (٥)، فلا تُرَدُّ شَهادتُه؛ لأنَّ العدالةَ بالدِّينِ، والدِّينُ يَمْنعُه مِن ارْتِكابِ مَحْظورِ دينِه. وقال أبو حنيفةَ: لا تَمْنَعُ العَداوةُ الشَّهادةَ؛ لأنَّها لا تُخِلُّ بالعَدالةِ، فلا تَمْنعُ الشَّهادةَ، كالصَّداقةِ. ولنا، ما رَوَى عمرُو بنُ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِىِ غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ". رواه أبو داودَ (٦). الغِمْرُ: الحِقْدُ. ولأنَّ العَداوةَ تُورِثَ التُّهْمَةَ. فتَمْنَعُ الشَّهادةَ، كالقَرابَةِ القَريبةِ، وتُخالفِ الصَّداقَةَ؛ فإِنَّ فى شهادَةِ الصَّديقِ لصَديقِه بالزُّورِ نَفْعَ غَيرِه بمَضرَّةِ نَفْسِه، وَبيْعَ آخِرَتِه بدُنيا غيرِه، وشِهادةُ العَدُوِّ على عدُوِّه يَقْصِدُ بها نَفعَ نفسِه، بالتَّشفِّى مِن عَدُوِّه، فافْتَرقا. فإن قيلَ: فلِمَ قَبِلْتُم شَهادةَ المسلمين على الكُفَّارِ مع العَداوَةِ؟ قُلْنا: العَداوَةُ ههُنا دِينِيَّةٌ، والدِّينُ لا يَقْتضِى شَهادةَ الزُّورِ، ولا أن يَترُكَ دِينَه بمُوجِبِ دِينِه. فصل: فإن شَهِدَ على رَجلٍ بحَقٍّ، فقَذَفَه المشْهودُ عليه، لم تُرَدَّ شهادتُه بذلك؛ لأنَّنا لو أَبْطلْنا شهادتَه بهذا لتمَكَّنَ كُلُّ مَشْهودٍ عليه من إبْطالٍ شَهادةِ الشَّاهدِ بأن يقْذِفَه، ويُفارِقُ ما لو طَرَأَ الفِسقُ بعدَ أداءِ الشَّهادةِ، وقَبلَ الحُكمِ، فإِنَّ رَدَّ الشَّهادةِ فيه لا يُفْضِى إلى ذلك، بل إلى عَكْسِه، ولأنَّ طَرَيانَ الفِسْقِ يُورِثُ تُهْمةً فى حالِ أداءِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ العادةَ إسْرارُه، فظُهورُه بعدَ أداءِ الشَّهادةِ، يدُلُّ على أنَّه كان يُسِرُّه حالةَ أدائِها، وههُنا حصَلَت العَداوةُ بأمرٍ لا تُهْمةَ على الشَّاهدِ فيه (٧). وأمَّا المُحاكَمةُ فى الأمْوالِ، فليستْ بعَداوَةٍ تمْنَعُ الشَّهادةَ فى غيرِ ما حاكمَ فيه. وأمَّا قولُه: ولا جارٍّ إلى نَفْسِه. [فإنَّ الجارَّ إلى نَفْسِه] (٨) هو

стр. 7523

الذى يَنْتَفعُ بشهادتِه، ويَجُرُّ إليه بها نَفْعًا، كشَهادةِ الغُرَماءِ للمُفْلِس بدَينٍ أو عَيْنٍ، وشَهادتِهم للميِّتِ بدَينٍ أو مالٍ، فإنَّه لو ثَبَتَ للمُفْلِسٍ أو الميِّتِ دَينٌ أو مالٌ، تعلّقتْ حقوقُهم به، ويُفارِقُ ما لو شهِدَ الغُرَماءُ لحىٍّ لا حَجْرَ عليه بمالٍ، فإِنَّ شَهادتَهم تُقْبَلُ؛ لأنَّ حقَّهم لا يتَعلَّقُ بمالِه، وإنَّما يتعلَّقُ بِذِمَّتِه. فإن قيل: إذا كان مُعْسِرًا سقَطَتْ عنه المُطالَبةُ، فإذا شَهِدَا له بمالٍ، مَلَكا مُطالبَتَه، فجرُّوا إلى أنْفُسِهم نَفْعًا. قُلْنا: لم تَثبُتِ المُطالبةُ بشَهادتِهم، إنما تَثْبُتُ بيَسارِه وإقْرارِه، لدَعْواه (٩) الحقَّ الذى شَهِدوا به. ولا تُقْبَلُ شهادةُ الوارِثِ للمَوْروثِ بالجَرْحِ قبلَ الانْدِمالِ؛ لأَنَّه قد يَسْرِى الجَرْحُ إلى نَفسِه، فتَجبُ الدِّيَةُ لهم بشهادتِهم. ولا شَهادةُ الشَّفيعِ ببَيْعِ شِقْصٍ له فيه الشُّفعةُ. ولا شَهادةُ السَّيِّدِ لعبدِه المأذونِ له فى التَّجارةِ، ولا لمُكاتَبِهِ. قال القاضى: ولا تُقْبَلُ شَهادةُ الأَجِيرِ لمَن اسْتَأَجرَه. وقال: نَصَّ عليه أحمدُ. فإن قيلَ: فلِمَ قَبِلْتُم شَهادةَ الوارثِ لمَوْرُوثِه، مع أنَّه إذا ماتَ وَرِثَه، فقد جَرَّ إلى نفسِه بشهادتِه نَفْعًا؟ قُلْنا: لا حَقَّ له فى مالِه حينَ الشَّهادةِ، وإنَّما يحْتَمِلُ أن يَتجدَّدَ له حَقٌّ، وهذا يَمْنعُ قَبولَ الشَّهادةِ، كما لو شَهِدَ لامرأةٍ يَحْتَمِلُ أن يَتزوَّجَها، أو لِغَريمٍ له بَمالٍ يَحْتَمِلُ أن يُوَفِّيَه منه، أو يُفْلِسَ، فيَتعلَّقُ حقُّه به، وإنَّما المانعُ ما يحصُلُ للشَّاهدِ (١٠) به نَفْعٌ حالَ الشَّهادةِ. فإن قيلَ: فقد مَنعْتُم قَبولَ شَهادتِه لمَورْوثِه بالجَرْحِ قبلَ الانْدِمالِ؛ لجَواز أن يَتجدَّد له حقٌّ، [اوإن لم يَكنْ له حَقٌّ] (١١) فى الحالِ، فإن (١٢) قُلْتُم: قد انْعقَدَ سَببُ حقِّه. قُلْنا: يَبْطُلُ بالشَّاهدِ لمَوْرُوثِه المريضِ بحقٍّ، فإن شهادتَه تُقْبَلُ مع انْعِقادِ سَببِ اسْتحقاقِه؛ بدليلِ أَنَّ عطيَّتَه له (١٣) لا تَنْفُذُ، وعَطيَّتَه لغيرِه تَقِفُ على الخُروجِ مِن الثُّلثِ. قُلْنا: إنَّما منَعْنا الشَّهادةَ لمَوْرُوثِه (١٤) بالجَرْحِ؛ لأَنَّه ربما أفْضَى إلى الموتِ، فتَجبُ الدِّايَةُ للوارِثِ الشاهدِ به ابْتداءً، فيكونُ شاهدًا لنَفسِه،

стр. 7524

مُوجِبًا له بها حقًّا ابْتداءً، بخِلافِ الشَّاهدِ للمَرِيضِ أو المجْروحِ بمالٍ، فإنَّه إنَّما يَجبُ للمَشْهودِ له، ثم يجوزُ أن يَنتقِلَ، ويجوزُ أن لا يَنْتَقِلَ، فلم يَمْنَعِ الشَّهادَةَ له، كالشَّهادةِ لِغَريمِه. فإن قيلَ: فقد أجَزْتُم شَهادةَ الغَريمِ لغَريمِه بالجَرْحِ قبلَ الانْدِمالِ، كما أجَزْتُم شهادتَه له بالمالِ (١٥)؟ . قُلْنا: إنَّما أجزْناها لأنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ للشَّاهدِ ابْتداءً، إنَّما تَجبُ للقَتيلِ، أو لورثَتِه، ثم يَسْتَوْفِى الغَريمُ منها، فأشْبهَتِ الشَّهادةَ له (١٦) بالمالِ. وأمَّا الدَّافعُ عن نفسِه، فمِثلُ أن يَشْهدَ المشْهودُ عليه بجَرْحِ الشُّهودِ، أو تَشْهدَ عاقِلُة القاتلِ خَطأ بجَرْحِ الشُّهودِ الذين شَهِدُوا به، لما فيه من دَفْعِ الدِّيَةِ عن أنْفُسِهم. فإن كان الشَّاهدان بالجَرْحِ فقيرَيْنِ، احْتَمَلَ قَبولَ شهادتِهما؛ لأنَّهما لا يَحْمِلان شيئًا من الدِّيَةِ، واحْتَمَلَ أن لا تُقْبَلَ؛ لأَنَّه يُخافُ أن يُوسِرَا قبلَ الحَولِ. فيَحْمِلَا (١٧). وكذلك الخِلافُ فى البَعيدِ الذى لا يَحْمِلُ (١٨) لبُعْدِه، فإنَّه لا يَأْمنُ أن يَموتَ مَن هو أقْرَبُ منه قبلَ الحَوْلِ، فيَحْمِلَ. ولا تُقبَلُ شَهادةُ الضَّامِنِ للمَضْمونِ عنه (١٩) بقضاءِ الحقِّ، أو الإِبْراءِ منه. ولا شَهادةُ أحدِ الشَّفيعَيْنِ على الآخَرِ بإسْقاطِ شُفعَتِه؛ لأَنَّه يُوفِّرُ الحقَّ على نفسِه. ولا شَهادةُ بعض غُرَماءِ المُفْلسِ على بَعضِهم بإسْقاط دَيْنِه، أو اسْتِيفائِه. ولا بَعضِ مَن أوْصَى له بمالٍ على آخَرَ، بما يُبْطِلُ وَصِيَّتَه، إذا كانت وَصِيَّتُه تحْصُلُ بها مزاحَمتُه؛ إمَّا لضِيقِ الثُّلثِ عنهما، أو لكَوْنِ الوَصِيَّتيِن بمُعَيَّنٍ. فهذا وأشْباهُه لا تُقْبَلُ الشَّهادةُ فيه؛ لأنَّ الشَّاهدَ به مُتَّهَمٌ؛ لما يَحْصُلُ بشهادتِه مِن نَفْعِ نفسِه، ودفعِ الضَّررِ عنها، فيَكونُ شاهدًا لنَفسِه. وقد قال الزُّهْرىُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ فى الإِسلامِ، أن لا تجوزَ شَهادةُ خَصْمٍ، ولا ظَنينٍ. والظَّنِينُ: المُتَّهَمُ. ورَوَى طَلْحَةُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عَوْفٍ، قال: قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ ، أن لا شَهادةَ لخَصْمٍ، ولا ظَنِينٍ (٢٠). وممَّن رَدَّ شَهادةَ الشَّريكِ لشريكِه شُرَيحٌ، والنَّخَعِىُّ،

стр. 7525

والثَّورِىُّ، والشَّافِعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. [ولا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا] (٢١). فصل: وإن شهِدَ الشَّريكُ لشريكِه، فى غيرِ ما هو شَريكٌ فيه، أو الوَكيلُ لمُوكِّلِه، فى غيرِ ما هو وَكيلٌ فيه، أو العَدوُّ لعَدوِّه، أو الوَارثُ لمَوْروثِه بمَالٍ، أو بالجَرْحِ بعدَ الانْدِمالِ، أؤ شَهِدَ أحدُ الشَّفيعَيْنِ، بعدَ أن أسْقطَ شُفْعتَه على الآخَرِ، بإسْقاطِ شُفعتِه، أو أحدُ الوَصِيَّيْنِ بعدَ سُقوطِ وَصيَّتِه على الآخرِ، بما يُسْقِطُ وَصِيَّتَه، أو كانتْ إحدَى الوَصِيَّتينِ لا تُزاحِمُ (٢٢) الأَخْرَى، ونحو ذلك ممَّا لا تُهْمَةَ فيه، قُبِلَتْ؛ لأنَّ المُقتَضِىَ لقَبولِ الشَّهادةِ مُتحَقِّقٌ، والمانعُ مُنْتَفٍ فوجَبَ قَبولُها، عَملًا بالمُقْتَضِى. ١٨٩٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادةُ مَنْ يُعْرَفُ (١) بِكَثْرَةِ الْغلَطِ وَالْغَفْلَةِ) وجملتُه أنَّه يُعْتَبرُ فى الشَّاهِدِ أن يَكونَ مَوْثُوقًا بقَولِه؛ لتَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ بصِدْقِه، ولذلك اعْتبرْنا العَدالةَ، ومَن يَكثرُ غَلطُه وتَغفُّلُه، لا يُوثَقُ بقولِه؛ لاحْتمالِ أن يكونَ من غَلَطاتِه، فرُبما شهِدَ على غيرِ من اسْتُشْهِدَ عليه، أو لغيرِ مَن شهِدَ له، أو بغيرِ ما اسْتُشهِدَ به، وإذا كان مُغفَّلًا، فربَّما اسْتَزَلَّه الخَصْمُ بغيرِ شَهادتِه، فلا تَحْصُلُ الثِّقةُ بقولِه. ولا يَمْنَعُ من (٢) الشَّهادةِ وُجودُ غَلَطٍ نادرٍ، أو غَفْلةٍ نادِرةٍ؛ لأنَّ أحدًا لا يَسْلَمُ مِن ذلك، فلو مَنعَ ذلك الشَّهادةَ، لَا نْسدَّ بابُها، فاعْتَبرْنا الكَثرةَ فى المَنْعِ، كما اعْتبرْنا كَثرةَ المعاصِى فى الإِخْلالَ بالعَدَالةِ. ١٨٩٥ - مسألة؛ قال: (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى، إِذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ) رُوِىَ هذا عن علىٍّ، وابنِ عبَّاسٍ. وبه قال ابنُ سِيرينَ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرىُّ، ومَالِكٌ، وابنُ أبى ليلَى، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ،

стр. 7526

والشَّافعىُّ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه. ورُوِىَ ذلك عن النَّخَعىِّ، وأبى هاشمٍ، واخْتُلِفَ فيه (١) عن (٢) الحسنِ، وإياسٍ، وابنِ أبى ليلَى. وأجازَ الشَّافعىُّ شَهادتَه بالاسْتِفاضَةِ والتَّرْجَمَةِ، وإذا أقرَّ عندَ أُذُنِه ويَدُ الأعْمَى على رأسِه، ثم ضبَطَه حتى حضرَ عندَ الحاكمِ، فشَهِدَ عليه، ولم يُجِزْها فى غيرِ ذلك؛ لأنَّ مَن لا تجوزُ شهادتُه على الأفْعالِ، لا تجوزُ على الأَقْوالِ، كالصَّبِىِّ، ولأنَّ الأصْوَاتَ تَشْتَبِهُ، فلا يَحْصُلُ اليقينُ، فلم يَجُزْ أن يشْهدَ بها، كالخَطِّ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣). وسائرُ الآياتِ فى الشَّهادةِ، ولأنَّه رَجلٌ عَدلٌ مَقْبولُ الرِّوايةِ، فقُبِلَتْ شهادتُه، كالبَصيرِ، وفارَقَ الصَّبِىَّ، فإنَّه ليس برَجلٍ ولا عَدْلٍ ولا مَقْبولِ الرِّوايةِ، ولأنَّ السَّمعَ أحدُ الحواسِّ التى يَحْصُلُ بها اليقينُ، وقد يكونُ المشهودُ عليه مَن أَلِفَه الأعْمَى، وكثُرَتْ صُحْبتُه له، وعَرَفَ صَوْتَه يَقِينًا، فيَجِبُ أن تُقْبَلَ شهادتُه فيما تَيَقَّنَه، كالبَصِيرِ، ولا سَبيلَ إلى إنْكارِ حُصولِ اليَقينِ فى بعض الأحْوالِ. قال قَتادةُ: للسَّمعِ قِيافَةٌ كقِيافَةِ البَصرِ. ولهذا قال أصحابُ الشَّافعىِّ: تُقْبَلُ شَهادتُه فيما يَثْبُتُ بالاسْتِفاضةِ، ولا يَثْبُتُ عندَهم حتى يَسْمَعها مِن عَدْلَيْنِ، ولابُدَّ أن يعْرِفَهما حتى يَعْرِفَ عَدالتَهما، فإذا صَحَّ أن يعْرِفَ الشاهِدَيْنِ، صَحَّ أن يَعْرِفَ المُقِرَّ. ولا خِلافَ فى قَبُولِ رِوَايتِه، وجَوازِ اسْتِماعِه من زَوْجتِه إذا عرَفَ صَوْتَها، وصِحَّةِ قَبولِه لِلنِّكاحِ (٤)، وجوازُ اشْتباهِ (٥) الأصْواتِ، كجَوازِ اشْتباهِ الصُّوَرِ، وفارَقَ الأفْعالَ؛ فإنَّ مَدْرَكَها الرُّؤْيَةُ، وهى غيرُ مُمْكِنةٍ مِن الأعْمَى، والأقْوالُ مُدْرَكُها السَّمْعُ، وهو يُشارِكُ (٦) البَصيرَ فيه، وربَّما زادَ عليه، ويُفارِقُ الخطَّ، فإنَّه لو تَيقَّنَ مَن كَتبَ الخطَّ، أو رآهُ وهو يَكتُبُه، لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ بما كتبَ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يجوزُ أن يَشْهدَ إِلَّا إذا تَيقَّنَ الصَّوْتَ، وعَلِمَ المشْهودَ عليهَ يَقينًا. فإن جَوَّزَ أن يكونَ صَوتَ غيرِه، لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ به، كما لو اشْتبَهَ على البَصيرِ المَشْهودُ عليه، فلم يَعْرِفْه.

стр. 7527

فصل: فإن تَحمَّلَ الشَّهادةَ على فِعلٍ، ثم عَمِىَ، جاز أن يَشْهدَ به، إذا عَرَفَ المشهودَ عليه باسْمِه ونَسَبه. وبهذا قالَ الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تجوزُ شَهادتُه أصلًا؛ لأَنَّه لا يجوزُ أن يكَونَ حاكِمًا. ولَنا، ما تَقدَّمَ؛ ولأنَّ العَمَى فَقْدُ حاسَّةٍ لاتُخِلُّ بالتَّكْليفِ، فلم يَمْنَعْ قَبولَ الشَّهادةِ كالصَّمَمِ، ويُفارِقُ الحُكْمَ، فإنَّه يُعْتبَرُ له من شُروطِ الكمالِ ما لا يُعْتبَرُ للشَّهادةِ، ولذلك يُعْتَبرُ له السَّمعُ والاجْتهادُ وغيرُهما، فإنْ لم يَعْرِفِ المَشْهودَ عليه باسْمِه ونَسَبِه، لكنْ تَيقَّنَ صَوْتَه؛ لكَثْرَةِ إلْفِه له، صحَّ أن يَشْهدَ به أيضًا؛ لما ذكرْنا فى أوَّلِ المسألةِ. وإن شَهِدَ عند الحاكمِ، ثم عَمِىَ قبلَ الحُكْمِ بشَهادتِه، جاز الحُكْمُ بها. وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومُحمَّد. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ الحُكْمُ بها؛ لأَنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ قبولَ الشَّهادةِ مع صِحَّةِ النُّطقِ، فمنَعَ الحُكْمَ بها، كالفِسْقِ. ولَنا، أنَّه مَعْنًى طَرَأَ بعدَ أداءِ الشهادةِ، لا يُورِثُ تُهْمَةً فى حالِ الشَّهادةِ، [فلم يَمْنَعْ قَبولَها كالموتِ، وفارَقَ الفِسْقَ؛ فإنَّه يُورِثُ تُهْمةً حالَ الشَّهادةِ] (٧). فصل: ولا تَجوزُ شَهادةُ الأخْرسِ بحالٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فقال: لا تَجوزُ شَهادةُ الأخْرَسِ. قيل له: وإن كتَبَها؟ قال: لا أدْرِى. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ، والشَّافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: تُقْبَلُ إذا فُهِمَتْ إشارتُه؛ لأنَّها تَقومُ مَقامَ نُطْقِه فى أحْكامِه، مِن طلاقهِ، ونِكاحِه، وظِهارِه، وإيلائِه، فكذلك فى شَهَادتِه. واسْتدَلَّ ابنُ المُنْذِرِ بأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، أشارَ وهو جالِسٌ فى الصَّلاةِ إلى الناسِ وهم قيامٌ، أنِ اجْلِسوا. فجَلَسُوا (٨). ولَنا، أنَّها شَهادةٌ بالإِشارةِ، فلم تَجُزْ، كإشارَةِ النَّاطقِ، يُحقِّقُه أَنَّ الشَّهادةَ يُعْتَبرُ فيها اليَقِينُ، ولذلك لا يُكْتفَى بإيماءِ النَّاطقِ، ولا يَحْصُلُ اليَقِينُ بالإِشارةِ، وإنَّما اكْتُفِىَ (٩) بإشارتِه فى أحكامِه المُختصَّةِ به للضَّرورةِ، ولا ضَرورةَ ههُنا، ولهذا لم يَجُزْ أن يكون حاكمًا، ولأنَّ الحاكمَ لا يُمْضِى حُكْمَه إذا وَجدَ حُكْمَه بخطِّه تحت خَتْمِه، ولم يَذْكُرْ حُكمَه، والشاهدُ لا يَشْهدُ برُؤْيَةِ خَطِّه، فلئلَّا يَحْكُمَ بخَطِّ غيرِه أوْلَى. وما اسْتدَلَّ به ابنُ المُنْذرِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان قادِرًا على الكَلامِ،

стр. 7528

وعمِلَ بإشارتِه فى الصَّلاةِ. ولو شهِدَ النَّاطِقُ بالإِيماءِ والإِشارةِ، لم يَصِحَّ إجْماعًا، فعُلِمَ أَنَّ الشَّهادةَ مُفارِقَةٌ لغيرِها من الأحْكامِ. ١٨٩٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا تجُوزُ شَهَادَةُ الوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوَا، للْوَلَدِ وإِنْ سَفُلَ، ولا شَهَادَةُ الوَلَدِ وإِنْ سَفُلَ، لَهُمَا وَإِنْ عَلَوَا) ظاهرُ المذهبِ أَنَّ شهادةَ الوالدِ لولدِه لا تُقْبَلُ، ولا لِولدِ ولدِه، وإن سَفُلَ، وسَواءٌ فى ذلك وَلدُ البَنِينَ وولدُ البناتِ. ولا تُقْبَلُ شَهادةُ الوَلدِ لوالدِه، ولا لِوالدتِه، ولا جَدِّه، ولا جَدَّتِه مِن قِبَلِ أبيه وأمِّه وإن عَلَوَا، وسواءٌ فى ذلك الآباءُ والأُمَّهاتُ، وأباؤهُما وأمهاتُهما. وبه قال شُرَيحٌ، والحَسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعىُّ (١)، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، رِوايةٌ ثانيةٌ، تُقْبَلُ شَهادةُ الابنِ لأبيهِ، ولا تُقْبَلُ شهادةُ الأبِ له؛ لأنَّ مالَ (٢) الابنِ فى حُكمِ مالِ الأبِ، له أن يَتَملَّكَه إذا شاءَ، فشهادتُه له شَهادةٌ لنَفْسِه، أو يَجُرُّ بها لنفسِه نَفْعًا. قال النَّبِىُّ ﷺ : "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبيكَ" (٣). وقال: "إِنَّ أَطَيْبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ" (٤). ولا يُوجَدُ هذا فى شَهادةِ الابنِ لأبيه. وعنه، رِوايةٌ ثَالِثةٌ، تُقْبَلُ شَهادةُ كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه، فى ما لا تُهْمَةَ فيه، كالنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والقِصاصِ، والمالِ إذا كان مُستغْنًى عنه؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لا يَنْتِفعُ بما يثْبُتُ للآخَرِ من ذلك، فلا تُهْمةَ فى حَقِّه. ورُوِىَ عن عمرَ بنِ الخطَّاب، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّ شَهادةَ كلِّ واحدٍ منهما للآخَرِ مَقبولَةٌ. ورُوىَ ذلك عن شُرَيحٍ (٥). وبه قال عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو ثَوْرٍ، والمُزَنِىُّ، وداودُ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لعُمومِ الآياتِ، ولأنَّه عَدْلٌ تُقْبَلُ شَهادتُه فى غيرِ هذا الموضعِ، فتُقْبَلُ شهادتُه فيه، كالأجْنَبِىِّ. ولنا، ما رَوَى

стр. 7529

الزُّهْرِىُّ، عن عُروَةَ، عن عَائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِى قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ" (٦). والظَّنِينُ: المُتَّهمُ، والأبُ يُتَّهمُ لولدِه؛ لأنَّ مالَه كما لِه بما ذكرْناهُ، ولأنَّ بينهما بَعْضِيَّةً، فكأنَّه يشْهَدُ لنَفسِه، ولهذا قال ﷺ : "فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّى، يَرِيبُنِى مَا رَابَهَا" (٧). ولأنَّه مُتَّهمٌ فى الشَّهادةِ لولدِه، كتُهمَةِ العَدوِّ فى الشَّهادةِ على عَدُوِّه، والخَبرُ أخَصُّ من الآياتِ، فتُخَصُّ به. فصل: فأمَّا شهادةُ أحدِهما على صاحبِه، فتُقْبَلُ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، ولم أجِدْ (٨) فى "الجامعِ" فيه خلافًا؛ وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٩). فأمَرَ بالشَّهادةِ عليهم، ولو لم تُقْبَلْ لَما أمرَ بها، ولأنَّها إنَّما رُدتْ (١٠) للتُّهمَةِ فى إيصالِ النَّفْعِ، ولا تُهْمَةَ فى شهادتِه عليه، فوجَبَ أن تُقْبَلَ، كشهادةِ الأجْنبىِّ، بل أوْلَى، فإِنَّ شهادتَه لِنفسِه لمَّا رُدَّتْ للتُّهْمةِ فى إيصالِ النَّفعِ إلى نفسِه، كان إقْرارُه عليها (١١) مَقْبولًا. وحَكَى القاضى، فى "المُجردِ" رِوايةً أُخْرَى، أَنَّ شهادةَ أحدِهما لا تُقْبَلُ على صاحبِه؛ لأنَّ شهادتَه له غيرُ مَقْبولةٍ، فلا تُقبَلُ عليه، كالفاسقِ. وقال بعضُ الشَّافعيَّةِ: لا تُقبَلُ شَهادَةُ الابنِ على أبيه فى قِصاصٍ، ولا حدِّ قَذفٍ؛ لأنَّه لا يُقْتَلُ بقَتْلِه، ولا يُحَدُّ بقَذْفِه، فلا يَلْزَمُه ذلك. والمذهبُ الأَوَّلُ؛ لما ذكرْنا، ولأنَّه [يُتَّهمُ له ولا] (١٢) يُتَّهمُ عليه، فشهادتُه عليه أبْلَغُ فى الصِّدْقِ، كإقْرارِه على نفسِه. فصل: وإن شَهِدَ اثْنانِ بطلاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِما، أو قَذْفِ (١٣) زَوْجِها لها، قُبِلَت

стр. 7530

شَهادتُهما؛ لأنَّ حقَّ أُمِّهما لا يزْداد به، وسواءٌ كان المشْهودُ عليه أباهما أو أجْنَبِيًّا، وتَوفيرُ المِيراثِ لا يَمنْعُ (١٤) قَبولَ الشَّهادةِ؛ بدليلِ قَبولِ شَهادةِ الوَارِثِ لمَوْرُوثِه. فصل: وتَجوزُ شَهادةُ الرَّجلِ لابنِه من الرَّضاعةِ، وأبِيه منها (١٥)، وسائرِ أقارِبه منها (١٥)؛ لأَنَّه (١٦) لا نَسبَ بينهما أوْجبَ (١٧) الإِنْفاقَ، والصِّلةَ، وعِتْقَ أحدِهما على صاحبِه، وتَبسُّطَه فى مالِه، بخلافِ قَرابةِ النَّسَبِ. ١٨٩٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا السَّيِّد لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدهِ) أمَّا شَهادَةُ السَّيدِ لعَبدِه، فغيرُ مَقبولةٍ؛ لأنَّ مالَ العَبدِ لسيِّدِه، فشهادتُه له شَهادةٌ لنَفسِه، ولهذا قال النَّبىُّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ" (١). ولا نَعْلمُ فى هذا خِلافًا. ولا تُقْبَلُ شهادتُه له أيضًا بنكاحٍ، ولا لأَمتِه بطَلاقٍ؛ لأنَّ فى طلاقِ أَمتِه تَخْليصَها له، وإباحةَ بُضْعِها (٢) له، وفى نِكاحِ العَبدِ نَفْعٌ له، ونَفْعُ مالِ الإِنسانِ نَفْعٌ له. ولا تُقْبَلُ شَهادةُ العَبدِ لسيِّدِه؛ لأَنَّه (٣) يَتبسَّطُ فى مالِ سيِّدِه، ويَنْتفِعُ به، ويَتصرَّفُ فيه (٤)، وتَجبُ نَفقتُه منه، ولا يُقْطَعُ بسَرقَتِه، فلا تُقْبَلُ شَهادتُه له، كالابنِ مع أبِيه. ١٨٩٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا) وبهذا قالَ الشَّعْبِىُّ (١)، والنَّخَعىُّ، ومَالِكٌ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ. وأجازَ شَهادةَ كلِّ
следующие страницы →