← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

والشَّافعىُّ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه. ورُوِىَ ذلك عن النَّخَعىِّ، وأبى هاشمٍ، واخْتُلِفَ فيه (١) عن (٢) الحسنِ، وإياسٍ، وابنِ أبى ليلَى. وأجازَ الشَّافعىُّ شَهادتَه بالاسْتِفاضَةِ والتَّرْجَمَةِ، وإذا أقرَّ عندَ أُذُنِه ويَدُ الأعْمَى على رأسِه، ثم ضبَطَه حتى حضرَ عندَ الحاكمِ، فشَهِدَ عليه، ولم يُجِزْها فى غيرِ ذلك؛ لأنَّ مَن لا تجوزُ شهادتُه على الأفْعالِ، لا تجوزُ على الأَقْوالِ، كالصَّبِىِّ، ولأنَّ الأصْوَاتَ تَشْتَبِهُ، فلا يَحْصُلُ اليقينُ، فلم يَجُزْ أن يشْهدَ بها، كالخَطِّ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣). وسائرُ الآياتِ فى الشَّهادةِ، ولأنَّه رَجلٌ عَدلٌ مَقْبولُ الرِّوايةِ، فقُبِلَتْ شهادتُه، كالبَصيرِ، وفارَقَ الصَّبِىَّ، فإنَّه ليس برَجلٍ ولا عَدْلٍ ولا مَقْبولِ الرِّوايةِ، ولأنَّ السَّمعَ أحدُ الحواسِّ التى يَحْصُلُ بها اليقينُ، وقد يكونُ المشهودُ عليه مَن أَلِفَه الأعْمَى، وكثُرَتْ صُحْبتُه له، وعَرَفَ صَوْتَه يَقِينًا، فيَجِبُ أن تُقْبَلَ شهادتُه فيما تَيَقَّنَه، كالبَصِيرِ، ولا سَبيلَ إلى إنْكارِ حُصولِ اليَقينِ فى بعض الأحْوالِ. قال قَتادةُ: للسَّمعِ قِيافَةٌ كقِيافَةِ البَصرِ. ولهذا قال أصحابُ الشَّافعىِّ: تُقْبَلُ شَهادتُه فيما يَثْبُتُ بالاسْتِفاضةِ، ولا يَثْبُتُ عندَهم حتى يَسْمَعها مِن عَدْلَيْنِ، ولابُدَّ أن يعْرِفَهما حتى يَعْرِفَ عَدالتَهما، فإذا صَحَّ أن يعْرِفَ الشاهِدَيْنِ، صَحَّ أن يَعْرِفَ المُقِرَّ. ولا خِلافَ فى قَبُولِ رِوَايتِه، وجَوازِ اسْتِماعِه من زَوْجتِه إذا عرَفَ صَوْتَها، وصِحَّةِ قَبولِه لِلنِّكاحِ (٤)، وجوازُ اشْتباهِ (٥) الأصْواتِ، كجَوازِ اشْتباهِ الصُّوَرِ، وفارَقَ الأفْعالَ؛ فإنَّ مَدْرَكَها الرُّؤْيَةُ، وهى غيرُ مُمْكِنةٍ مِن الأعْمَى، والأقْوالُ مُدْرَكُها السَّمْعُ، وهو يُشارِكُ (٦) البَصيرَ فيه، وربَّما زادَ عليه، ويُفارِقُ الخطَّ، فإنَّه لو تَيقَّنَ مَن كَتبَ الخطَّ، أو رآهُ وهو يَكتُبُه، لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ بما كتبَ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يجوزُ أن يَشْهدَ إِلَّا إذا تَيقَّنَ الصَّوْتَ، وعَلِمَ المشْهودَ عليهَ يَقينًا. فإن جَوَّزَ أن يكونَ صَوتَ غيرِه، لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ به، كما لو اشْتبَهَ على البَصيرِ المَشْهودُ عليه، فلم يَعْرِفْه.

стр. 7527

فصل: فإن تَحمَّلَ الشَّهادةَ على فِعلٍ، ثم عَمِىَ، جاز أن يَشْهدَ به، إذا عَرَفَ المشهودَ عليه باسْمِه ونَسَبه. وبهذا قالَ الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تجوزُ شَهادتُه أصلًا؛ لأَنَّه لا يجوزُ أن يكَونَ حاكِمًا. ولَنا، ما تَقدَّمَ؛ ولأنَّ العَمَى فَقْدُ حاسَّةٍ لاتُخِلُّ بالتَّكْليفِ، فلم يَمْنَعْ قَبولَ الشَّهادةِ كالصَّمَمِ، ويُفارِقُ الحُكْمَ، فإنَّه يُعْتبَرُ له من شُروطِ الكمالِ ما لا يُعْتبَرُ للشَّهادةِ، ولذلك يُعْتَبرُ له السَّمعُ والاجْتهادُ وغيرُهما، فإنْ لم يَعْرِفِ المَشْهودَ عليه باسْمِه ونَسَبِه، لكنْ تَيقَّنَ صَوْتَه؛ لكَثْرَةِ إلْفِه له، صحَّ أن يَشْهدَ به أيضًا؛ لما ذكرْنا فى أوَّلِ المسألةِ. وإن شَهِدَ عند الحاكمِ، ثم عَمِىَ قبلَ الحُكْمِ بشَهادتِه، جاز الحُكْمُ بها. وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومُحمَّد. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ الحُكْمُ بها؛ لأَنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ قبولَ الشَّهادةِ مع صِحَّةِ النُّطقِ، فمنَعَ الحُكْمَ بها، كالفِسْقِ. ولَنا، أنَّه مَعْنًى طَرَأَ بعدَ أداءِ الشهادةِ، لا يُورِثُ تُهْمَةً فى حالِ الشَّهادةِ، [فلم يَمْنَعْ قَبولَها كالموتِ، وفارَقَ الفِسْقَ؛ فإنَّه يُورِثُ تُهْمةً حالَ الشَّهادةِ] (٧). فصل: ولا تَجوزُ شَهادةُ الأخْرسِ بحالٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فقال: لا تَجوزُ شَهادةُ الأخْرَسِ. قيل له: وإن كتَبَها؟ قال: لا أدْرِى. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ، والشَّافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: تُقْبَلُ إذا فُهِمَتْ إشارتُه؛ لأنَّها تَقومُ مَقامَ نُطْقِه فى أحْكامِه، مِن طلاقهِ، ونِكاحِه، وظِهارِه، وإيلائِه، فكذلك فى شَهَادتِه. واسْتدَلَّ ابنُ المُنْذِرِ بأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، أشارَ وهو جالِسٌ فى الصَّلاةِ إلى الناسِ وهم قيامٌ، أنِ اجْلِسوا. فجَلَسُوا (٨). ولَنا، أنَّها شَهادةٌ بالإِشارةِ، فلم تَجُزْ، كإشارَةِ النَّاطقِ، يُحقِّقُه أَنَّ الشَّهادةَ يُعْتَبرُ فيها اليَقِينُ، ولذلك لا يُكْتفَى بإيماءِ النَّاطقِ، ولا يَحْصُلُ اليَقِينُ بالإِشارةِ، وإنَّما اكْتُفِىَ (٩) بإشارتِه فى أحكامِه المُختصَّةِ به للضَّرورةِ، ولا ضَرورةَ ههُنا، ولهذا لم يَجُزْ أن يكون حاكمًا، ولأنَّ الحاكمَ لا يُمْضِى حُكْمَه إذا وَجدَ حُكْمَه بخطِّه تحت خَتْمِه، ولم يَذْكُرْ حُكمَه، والشاهدُ لا يَشْهدُ برُؤْيَةِ خَطِّه، فلئلَّا يَحْكُمَ بخَطِّ غيرِه أوْلَى. وما اسْتدَلَّ به ابنُ المُنْذرِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان قادِرًا على الكَلامِ،

стр. 7528

وعمِلَ بإشارتِه فى الصَّلاةِ. ولو شهِدَ النَّاطِقُ بالإِيماءِ والإِشارةِ، لم يَصِحَّ إجْماعًا، فعُلِمَ أَنَّ الشَّهادةَ مُفارِقَةٌ لغيرِها من الأحْكامِ. ١٨٩٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا تجُوزُ شَهَادَةُ الوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوَا، للْوَلَدِ وإِنْ سَفُلَ، ولا شَهَادَةُ الوَلَدِ وإِنْ سَفُلَ، لَهُمَا وَإِنْ عَلَوَا) ظاهرُ المذهبِ أَنَّ شهادةَ الوالدِ لولدِه لا تُقْبَلُ، ولا لِولدِ ولدِه، وإن سَفُلَ، وسَواءٌ فى ذلك وَلدُ البَنِينَ وولدُ البناتِ. ولا تُقْبَلُ شَهادةُ الوَلدِ لوالدِه، ولا لِوالدتِه، ولا جَدِّه، ولا جَدَّتِه مِن قِبَلِ أبيه وأمِّه وإن عَلَوَا، وسواءٌ فى ذلك الآباءُ والأُمَّهاتُ، وأباؤهُما وأمهاتُهما. وبه قال شُرَيحٌ، والحَسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعىُّ (١)، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، رِوايةٌ ثانيةٌ، تُقْبَلُ شَهادةُ الابنِ لأبيهِ، ولا تُقْبَلُ شهادةُ الأبِ له؛ لأنَّ مالَ (٢) الابنِ فى حُكمِ مالِ الأبِ، له أن يَتَملَّكَه إذا شاءَ، فشهادتُه له شَهادةٌ لنَفْسِه، أو يَجُرُّ بها لنفسِه نَفْعًا. قال النَّبِىُّ ﷺ : "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبيكَ" (٣). وقال: "إِنَّ أَطَيْبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ" (٤). ولا يُوجَدُ هذا فى شَهادةِ الابنِ لأبيه. وعنه، رِوايةٌ ثَالِثةٌ، تُقْبَلُ شَهادةُ كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه، فى ما لا تُهْمَةَ فيه، كالنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والقِصاصِ، والمالِ إذا كان مُستغْنًى عنه؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لا يَنْتِفعُ بما يثْبُتُ للآخَرِ من ذلك، فلا تُهْمةَ فى حَقِّه. ورُوِىَ عن عمرَ بنِ الخطَّاب، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَنَّ شَهادةَ كلِّ واحدٍ منهما للآخَرِ مَقبولَةٌ. ورُوىَ ذلك عن شُرَيحٍ (٥). وبه قال عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو ثَوْرٍ، والمُزَنِىُّ، وداودُ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لعُمومِ الآياتِ، ولأنَّه عَدْلٌ تُقْبَلُ شَهادتُه فى غيرِ هذا الموضعِ، فتُقْبَلُ شهادتُه فيه، كالأجْنَبِىِّ. ولنا، ما رَوَى

стр. 7529

الزُّهْرِىُّ، عن عُروَةَ، عن عَائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِى قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ" (٦). والظَّنِينُ: المُتَّهمُ، والأبُ يُتَّهمُ لولدِه؛ لأنَّ مالَه كما لِه بما ذكرْناهُ، ولأنَّ بينهما بَعْضِيَّةً، فكأنَّه يشْهَدُ لنَفسِه، ولهذا قال ﷺ : "فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّى، يَرِيبُنِى مَا رَابَهَا" (٧). ولأنَّه مُتَّهمٌ فى الشَّهادةِ لولدِه، كتُهمَةِ العَدوِّ فى الشَّهادةِ على عَدُوِّه، والخَبرُ أخَصُّ من الآياتِ، فتُخَصُّ به. فصل: فأمَّا شهادةُ أحدِهما على صاحبِه، فتُقْبَلُ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، ولم أجِدْ (٨) فى "الجامعِ" فيه خلافًا؛ وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٩). فأمَرَ بالشَّهادةِ عليهم، ولو لم تُقْبَلْ لَما أمرَ بها، ولأنَّها إنَّما رُدتْ (١٠) للتُّهمَةِ فى إيصالِ النَّفْعِ، ولا تُهْمَةَ فى شهادتِه عليه، فوجَبَ أن تُقْبَلَ، كشهادةِ الأجْنبىِّ، بل أوْلَى، فإِنَّ شهادتَه لِنفسِه لمَّا رُدَّتْ للتُّهْمةِ فى إيصالِ النَّفعِ إلى نفسِه، كان إقْرارُه عليها (١١) مَقْبولًا. وحَكَى القاضى، فى "المُجردِ" رِوايةً أُخْرَى، أَنَّ شهادةَ أحدِهما لا تُقْبَلُ على صاحبِه؛ لأنَّ شهادتَه له غيرُ مَقْبولةٍ، فلا تُقبَلُ عليه، كالفاسقِ. وقال بعضُ الشَّافعيَّةِ: لا تُقبَلُ شَهادَةُ الابنِ على أبيه فى قِصاصٍ، ولا حدِّ قَذفٍ؛ لأنَّه لا يُقْتَلُ بقَتْلِه، ولا يُحَدُّ بقَذْفِه، فلا يَلْزَمُه ذلك. والمذهبُ الأَوَّلُ؛ لما ذكرْنا، ولأنَّه [يُتَّهمُ له ولا] (١٢) يُتَّهمُ عليه، فشهادتُه عليه أبْلَغُ فى الصِّدْقِ، كإقْرارِه على نفسِه. فصل: وإن شَهِدَ اثْنانِ بطلاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِما، أو قَذْفِ (١٣) زَوْجِها لها، قُبِلَت

стр. 7530

شَهادتُهما؛ لأنَّ حقَّ أُمِّهما لا يزْداد به، وسواءٌ كان المشْهودُ عليه أباهما أو أجْنَبِيًّا، وتَوفيرُ المِيراثِ لا يَمنْعُ (١٤) قَبولَ الشَّهادةِ؛ بدليلِ قَبولِ شَهادةِ الوَارِثِ لمَوْرُوثِه. فصل: وتَجوزُ شَهادةُ الرَّجلِ لابنِه من الرَّضاعةِ، وأبِيه منها (١٥)، وسائرِ أقارِبه منها (١٥)؛ لأَنَّه (١٦) لا نَسبَ بينهما أوْجبَ (١٧) الإِنْفاقَ، والصِّلةَ، وعِتْقَ أحدِهما على صاحبِه، وتَبسُّطَه فى مالِه، بخلافِ قَرابةِ النَّسَبِ. ١٨٩٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا السَّيِّد لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدهِ) أمَّا شَهادَةُ السَّيدِ لعَبدِه، فغيرُ مَقبولةٍ؛ لأنَّ مالَ العَبدِ لسيِّدِه، فشهادتُه له شَهادةٌ لنَفسِه، ولهذا قال النَّبىُّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ" (١). ولا نَعْلمُ فى هذا خِلافًا. ولا تُقْبَلُ شهادتُه له أيضًا بنكاحٍ، ولا لأَمتِه بطَلاقٍ؛ لأنَّ فى طلاقِ أَمتِه تَخْليصَها له، وإباحةَ بُضْعِها (٢) له، وفى نِكاحِ العَبدِ نَفْعٌ له، ونَفْعُ مالِ الإِنسانِ نَفْعٌ له. ولا تُقْبَلُ شَهادةُ العَبدِ لسيِّدِه؛ لأَنَّه (٣) يَتبسَّطُ فى مالِ سيِّدِه، ويَنْتفِعُ به، ويَتصرَّفُ فيه (٤)، وتَجبُ نَفقتُه منه، ولا يُقْطَعُ بسَرقَتِه، فلا تُقْبَلُ شَهادتُه له، كالابنِ مع أبِيه. ١٨٩٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا) وبهذا قالَ الشَّعْبِىُّ (١)، والنَّخَعىُّ، ومَالِكٌ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ. وأجازَ شَهادةَ كلِّ

стр. 7531

واحدٍ منهما لصاحبِه شُرَيحٌ، والحَسَنُ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأَنَّه عَقْدٌ على مَنْفعَةٍ، فلا يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادَةِ، كالإِجارَةِ. وعن أحمدَ، رِواية أُخْرَى، كقولِهم. وقال الثَّورِىُّ، وابنُ أبى ليلَى: تُقْبَلُ شَهادَةُ الرَّجُلِ لامْرأتِه؛ لأَنَّه لا تُهْمَةَ فى حقِّه، ولا تُقَبلُ شَهادتُها له؛ لأنَّ يَسارَه وزِيادَةَ حقِّها من النَّفقةِ، تَحْصُلُ بشهادتِها له بالمالِ (٢)، فهى مُتَّهَمةٌ لذلك. ولَنا، أَنَّ كلَّ واحد منهما يَرِثُ الآخَرَ مِن غيرِ حَجْبٍ، ويَنْبسِطُ فى مالِه عادةً، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه له، كالابنِ مع أبيه؛ ولأنَّ يَسارَ الرَّجلِ يَزِيدُ نَفقةَ امْرأتِه، ويَسارَ المرأةِ تَزِيدِ به قِيمةُ بُضْعِها (٣) المملوكِ لزَوجِها، فكان كُلُّ واحدٍ منهما يَنتفِعُ بشَهادتِه لصاحبِه، فلم تُقْبَلْ، كشهادتِه لنفسِه. ويُحَقِّقُ هذا أَنَّ مالَ كلِّ واحدٍ منهما يُضافُ إلى الآخَرِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾ (٤). وقال: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ﴾ (٥). فأضافَ البُيوتَ إليهنَّ تارةً، وإلى النَّبِىِّ ﷺ أُخْرَى، وقال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٦). وقال عُمرُ، للذى قال له: إِنَّ (٧) غُلامى سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأتى: لا قَطعَ عليه، عَبْدُكم سرَقَ مالَكم (٨). ويُفارِقُ عَقْدَ الإِجارَةِ من هذه الوُجوهِ كلِّها. ١٨٩٩ - مسألة؛ قال: (وَشَهادَةُ الأَخِ لِأَخِيهِ جَائِزَةٌ) قال ابنُ المُنذرِ: أجمعَ أهلُ العِلمِ على أَنَّ شهادةَ الأَخِ لأخيهِ جائزِة. رُوِىَ هذا عنِ ابنِ الزُّبيرِ (١). وبه قالَ شُرَيحٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعىُّ، والثَّورىُّ، ومالكٌ، والشَّافعى، وأبو عُبيدٍ، وإسحاقُ، وأبو ثور، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ فى ابنِ المُنْذِرِ، عن الثَّوْرِىِّ، أنَّه لا تُقْبَلُ شَهادةُ كل ذى رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وعن مالكٍ، أنَّه لا تُقْبَلُ

стр. 7532

شهادتُه لأخيه إذا كان مُنقطعًا إليه فى صِلَتِه وبِرِّه؛ لأَنَّه مُتَّهَمٌ فى حَقِّه. وقال ابنُ المُنْذِرِ: قال مالكٌ: لا تجوزُ شَهادةُ الأَخِ لأخيِه فى النَّسَبِ، وتجوزُ فى الحُقوقِ. ولَنا، عمومُ الآياتِ، ولأنَّه عَدْل غيرُ مُتَّهَمٍ، فتُقْبَلُ شهادتُه له، كالأَجْنَبِىِّ، ولا يَصحُّ القياسُ على الوالدِ والولدِ؛ لأنَّ بينَهما بَعْضِيَّة وقَرابة قَوِيَّة، بخِلافِ الأَخِ. فصل: وشَهادةُ العمِّ وابنِه، والخالِ وابنِه، وسائرِ الأقارب، أوْلى بالجَوازِ؛ فإِنَّ شهادةَ الأَخِ إذا أُجِيزَتْ مع قُرْبِه، كان تَنْبِيهًا على شَهادةِ مَن هو أبعَدُ منه، بطَريقِ الأوْلَى. فصل: وتُقْبَلُ شَهادةُ أحدِ الصَّديقيْنِ لصَاحبِه، فى قولِ عامَّةِ العُلماءِ، إِلَّا مالكًا، قال: لا تُقْبَلُ شَهادةُ الصَّدِيقِ المُلاطِفِ؛ لأَنَّه يَجُرُّ إلى نفسِه نَفْعًا بها، فهو مُتَّهَمٌ، فلم تُقْبَلْ شهادتُه، كشَهادةِ العَدُوِّ على عَدُوِّه. ولَنا، عُمومُ أدلَّةِ الشَّهادةِ، وما قالَه يَبْطُلُ بشَهادَةِ (٢) الغَرِيمِ للمَدينِ قَبْلَ الحَجْرِ، وإن كان رُبَّما قَضاه دَيْنَه منه، فَجَرَّ إلى نفسِه نَفْعًا أعْظمَ ممَّا يُرْجَى ههُنا بينَ الصَّديقيْنِ. فأمَّا العَداوةُ، فسببُها مَحْصورٌ (٣)، وفى الشَّهادةِ عليه شِفاءُ غَيْظِه منه، فخالَفَتِ الصَّداقةَ. ١٩٠٠ - مسألة؛ قال: (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِى كُلِّ شَىْءٍ، إِلَّا فِى الْحُدُودِ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا تَجُوزُ فِيه شَهَادَةُ النِّسَاءِ) الكلامُ فى هذهِ المسألةِ فى فُصولٍ ثلاثةٍ؛ أحدُها: فى قَبولِ شَهادةِ العبدِ فيما عدا الحُدودَ والقِصاصَ، فالمذهبُ أنَّها مَقْبولةٌ. رُوىَ ذلك عن علىٍّ، وأنس، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. قال أنَسٌ: ما عَلِمْتُ أَنَّ أحدًا رَدَّ شهادةَ العبدِ. وبه قال عُرْوَةُ، وشُريْحٌ، وإياسٌ، وابنُ سِيرينَ، والْبَتِّىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ (١)، وابنُ المُنْذِرِ. وقال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والحَسنُ، ومالكٌ، والأوْزاعىُّ، والثَّورىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه؛ لأَنَّه غيرُ ذى مُروءةٍ، ولأنَّها مَبْنِيَّةٌ على

стр. 7533

الكَمالِ لا تَتَبعَّضُ، فلم يَدْخُلْ فيها العبدُ، كالميراثِ. وقال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ: تُقْبَلُ فى الشَّىْءِ اليَسيرِ. ولَنا، عمومُ آياتِ الشَّهادةِ، وهو داخل فيها، فإنَّه مِن رِجالِنا، وهو عَدْل تُقْبَلُ رِوايتُه وفُتْياه وأخْبارُه الدِّينيَّةُ. ورَوَى عُقبةُ بنُ الحارثِ، قال: تَزوَّجتُ أُمَّ يَحيى بنتَ أبى إهابٍ، فجاءَتْ أُمة سَوداءُ، فقالَتْ: قد أرْضَعتُكما. فذكرْتُ ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: "كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ؟ ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفى رواية أبى داودَ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها لَكاذِبة. قال: "وَمَا يُدْرِيكَ، وَقَدْ قَالَتْ مَا قَالَتْ، دَعْهَا عَنْكَ". ولأنَّه عَدْل غيرُ مُتَّهَمٍ، فتُقْبَلُ شَهادتُه، كالحُرِّ. ولا نُسلِّمُ أنَّه غيرُ ذى مُروءةٍ، فإنَّه كالحُرِّ ينْقَسِمُ إلى مَن له مُروءةٌ، ومَن لا مُروءةَ له، وقد يكونُ منهم الأمراءُ والعُلَماءُ والصَّالحونَ والأتْقياءُ. سُئلَ إياسُ بنُ مَعاويةَ، عن شَهادةِ العبدِ (٣)، فقال: أنا أرُدُّ شَهادةَ عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيْب (٤)! وكان منهم زِيادٌ مَوْلَى [ابنِ عَيَّاشٍ] (٥)، من العُلماءِ الزُّهَّادِ، وكان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَرفعُ قدرَه، ويُكرِمُه. ومنهم عِكْرِمةُ مولَى ابنِ عبَّاسٍ، أحدُ العلماءِ الثِّقاتِ. وكثيرٌ من العُلماءِ الموالى كانوا عبيدًا، أو أبْناءَ عَبيدٍ، لم يَحْدُثْ فيهم بالإِعْتاقِ إِلَّا الحُرِّيَّةُ، والحرِّيَّةُ لا تُغَيِّرُ طَبْعًا، ولا تُحْدِثُ عِلْمًا، [ولا دِينًا] (٦)، ولا مُروءَةً، ولا يُقْبَلُ منهم إلا مَن كان ذَا مُروءَةٍ. ولا يَصحُّ قياسُ الشَّهادَةِ على المِيراثِ، [فإِنَّ المِيراثَ] (٧) خِلافَةٌ للمَوروثِ فى مالِه وحُقوقِه، والعَبْدُ لا يُمْكِنُه الخِلافةُ؛ لأنَّ ما يَصيرُ إليه يَمْلِكُه سيِّدُه، فلا يُمْكِنُ أن يُخْلَف فيه (٨)، ولأنَّ الميراثَ يَقْتَضِى التَّمْليكَ، والعَبدُ لا يَمْلِكُ، ومَبْنَى الشَّهادةِ على العَدالةِ التى هى مَظِنَّةُ الصِّدْقِ، وحُصولِ الثِّقَةِ من القَوْلِ، والعبدُ أهلٌ لذلك، فوجَبَ أن تُقْبَلَ شَهادتُه.

стр. 7534

ال فصل الثانى: أَنَّ شهادتَه لا تُقْبَلُ فى الحَدِّ، وفى القِصاص احْتِمالان، أحدهما، تُقبَلُ شهادتُه فيه؛ لأَنَّه حَق آدَمِى، لا يَصِحُّ الرُّجوعُ عن الإِقرارِ به، فأشْبَهَ الأموالَ. والثانى، لا تُقْبَلُ؛ لأَنَّه عُقوبَةٌ بَدَنيَّةٌ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فأشْبَهَ الحدودَ (٩). وذكرَ الشَّريفُ، وأبو الخَطَّاب، فى العُقوباتِ كلِّها من الحُدودِ والقِصاص رِوَايتَيْن؛ إحداهما، تُقْبَلُ؛ لما ذكرْنا، ولأنَّه رَجلٌ عَدْلٌ، فتُقْبَلُ شَهادتُه فيها، كالحُرِّ. والثانية، لا تُقْبَلُ. وهو ظاهرُ المذهَبِ؛ لأنَّ الاخْتِلافَ فى قَبولِ شَهادتِه فى الأمْوالِ نَقْصٌ وشُبْهَةٌ، فلم تُقْبَلْ شهادَتُه [فيما يُدْرَأ (١٠) بالشُّبهاتِ؛ ولأنَّه ناقِصُ الحالِ، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه] (١١) فى الحَدِّ والقِصاص، كالمَرأةِ. الفصل الثالث: أَنَّ (١٢) شَهادةَ الأَمَةِ جائِزةٌ فيما تجوزُ فيه شَهادةُ النِّساءِ؛ لأنَّ النِّساءَ لا تُقْبَلُ شَهادتُهنَّ فى الحُدودِ والقِصاص، وإنَّما تُقْبَلُ فى المالِ أو شِبْهِهِ (١٣)، والأمَةُ كالحُرَّةِ فيما عداهما، فساوَتْهُنَّ فى الشَّهادةِ، وقد دلَّ عليه حديثُ عُقْبةَ بنِ الحارثِ (١٤). فصل: وحُكمُ المكاتَبِ والمُدَبَّرِ وأُمِّ الولدِ والمُعْتَقِ بعضُه، حكمُ الِقنِّ، فيما ذكرْنا؛ لأنَّ الرِّقَّ فيهم، وقد رُوِىَ عن عُمرَ رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قالَ: لا تجوزُ شَهادةُ المُكاتَبِ. وبه قال عَطاءُ، والشَّعْبىُّ، والنَّخَعىُّ. ولَنا، ما ذكرْناه فى العبدِ، وإذا ثبَتَ الحُكمُ فى القِنِّ، ففى هؤلاءِ أوْلى؛ لأنَّهم أكملُ منه، لوُجودِ أسْبابِ الحُرِّيَّةِ فيهم. ١٩٠١ - مسألة؛ قال: (وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنى جَائِزَة، فِى الزِّنَى وَغَيْرِهِ) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاء، والحَسَنُ، والشَّعْبىُّ، والزُّهْرِىُّ، والشَّافِعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ: لا تجوزُ شهادتُه فى الزِّنَى وَحْدَه؛ لأَنَّه مُتَّهَمٌ، فإِنَّ العادةَ فى مَن فعلَ قَبِيحًا، أنَّه يُحِبُّ أن

стр. 7535

يكونَ له نُظَراءُ. وحُكِىَ عن عثمانَ، أنَّه قال: وَدَّتِ الزَّانيةُ أَنَّ النساءَ كلَّهنَّ زَنَيْنَ. ولَنا، عمومُ الآياتِ، أنَّه عَدْلٌ مَقْبولُ الشَّهادةِ فى غيرِ الزِّنَى، فيُقْبَلُ (١) فى الزِّنَى كغيرِه، ومَن قُبلَتْ شهادتُه فى القَتْلِ، قُبلَتْ فى الزِّنَى، كوَلدِ الرِّشْدةِ (٢). قال ابنُ المُنْذِرِ: وما احْتجُّوا به غَلَطٌ من وُجوهٍ؛ أحدِها، أَنَّ ولَدَ الزنَى لم يَفْعَلْ فِعْلًا قَبيحًا، يُحِبُّ أن يكونَ له نُظَراءُ فيه. والثانى, أنَّنِى لا أعْلَمُ ما ذُكر عن عثمانَ ثابتا عنه، وأشْبَهُ ذلك أن لا يكونَ ثابتًا عنه (٣) وغيرُ جائزٍ أن يُطْلِقَ عثمانُ كَلامًا بالظَّنِّ عن ضَميرِ امرأةٍ لم يَسْمَعْها تَذْكرُه. الثالث، أنَّ الزَّانِىَ لو تابَ، لَقُبِلَتْ شهادتُه، وهو الذى فَعَلَ الفِعْلَ القبيحَ، فإذا قُبلَتْ شَهادتُه مع ما ذَكَروه، فغيرُه أوْلَى؛ فإنَّه لا يجوزُ أن يَلْزمَ ولدَه من وِزْرِه [أكثرُ مما لَزِمَه، ولا (٤) يَتعدَّى الحُكْمُ إلى غيرِه مِن غيرِ أن يَثْبُت فيه، مع أَنَّ ولدَه لا يَلْزَمُه شىءٌ من وِزْرِه] (٥)؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٦). ووَلَدُ الزِّنَى لم يَفْعَلْ شيئًا يَسْتَوْجِبُ به حُكْمًا. ١٩٠٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ، قُبِلَتْ شَهَادَتهُ) وجملتُه أنَّ القَاذِفَ إِنْ كان زَوْجًا، فحقَّقَ قَذْفَه ببيِّنةٍ أو لِعانٍ، أو كان أجْنَبِيًّا، فحقَّقَه بالبَيِّنةِ أو بإقْرارِ المقْذوفِ، لم يَتعلَّقْ بقَذْفِه فِسْقٌ، ولا حَدٌّ، ولا رَدُّ شَهادَةٍ، وإن لم يُحقِّقْ (١) قَذْفَه بشىءٍ من ذلك، تَعلَّقَ به وُجوبُ الحَدِّ عليه، والحُكمُ بفِسْقِه، وردِّ شَهادتِه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). فإن تابَ، لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ، وزَالَ الفِسْقُ، بلا خِلافٍ. وتُقْبَلُ شَهادتُه عندَنا. ورُوِىَ

стр. 7536

ذلك عن عُمرَ، وأبى الدَّرْداءِ، وابنِ عباس (٣). وبه قال عَطاءٌ، وطَاوسٌ، ومُجاهدٌ، والشَّعْبىُّ، والزُّهْرىُّ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عُتبةَ، وجَعفرُ بنُ أبى ثابتٍ، وأبو الزِّنادِ، ومالكٌ، والشَّافِعىُّ، والبَتِّىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وذكرَه ابنُ عبدِ البَرِّ، عن يحيى ابنِ سعيدٍ، ورَبيعةَ. وقالَ شُرَيحٌ، والحَسنُ، والنَّخَعىُّ، وسَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه إذا جُلِدَ، وإن تابَ. وعند أبى حنيفةَ، لا تُرَدُّ شَهادتُه قبلَ الجَلْدِ، وإن لم يَتُبْ. فالخِلافُ معه فى فَصلَيْنِ، أحدِهما، أنَّه عندَنا تَسْقُطُ شَهادتُه بالقَذْفِ [إذا لم يُحَقِّقْه] (٤)، وعندَ أبى حنيفةَ ومالكٌ، لا تَسْقُطُ إِلَّا بالجَلْدِ. والثانى، أنَّه إذا تابَ، قُبِلَتْ شهادتُه وإن جُلِدَ. وعندَ أبى حنيفةَ، لا تُقْبَلُ. وتعلَّقَ بقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. ورَوَى ابنُ ماجَه (٥)، بإسْنادِه عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِى الإِسْلَامِ". واحْتَجَّ فى الفصِل الآخَرِ بأنَّ القَذْفَ قبلَ حُصولِ الجَلْدَ يجوزُ أن تقومَ به البَيِّنَةُ، فلا يَجبُ به التَّفْسِيقُ. ولَنا، فى الفصل الأوَّلِ، إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّه يُرْوى عن عمرَ، رضِىَ اللَّه عنه، أنَّه كان يقولُ لأبى بَكْرةَ، حين شَهِدَ على المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ: تُبْ، أقْبَلْ شَهادتَك (٦). ولم يُنكِرْ ذلك مُنكِر، فكان إجْماعًا. قال سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: شَهِدَ على المُغيرةِ ثَلاثةُ رجالٍ؛ أبو بَكرةَ، ونافِعُ بنُ الحارثِ، وشِبْلُ بنُ مَعْبَدٍ، ونكَلَ زيادٌ، فجلدَ عُمرُ الثَّلاثةَ، وقال لهم: تُوبوا، تُقْبَلْ شَهادتُكم. فتَابَ رجلان، وقَبِلَ عُمرُ شهادتَهما، وأبى أبو بَكرةَ، فلم يَقْبَلْ شهادتَه (٦). وكان قد عادَ مثلَ النَّصْلِ مِن العِبادةِ. ولأنَّه تابَ من ذَنْبِه، فقُبِلَتْ شَهادتُه، كالتَّائبِ من الزِّنَى، يُحَقِّقُه أَنَّ الزِّنَى أعْظمُ من القَذْفِ به (٧)، وكذلك قَتْلُ النَّفسِ التى حرَّمَ اللَّهُ، وسائرُ الذُّنوبِ، إذا تابَ فاعلُها، قُبلَتْ شهادتُه، فهذا أوْلَى. وأمَّا الآيةُ، فهى حُجَّةٌ لنا، فإنَّه اسْتثنَى التَّائبين،

стр. 7537

بقولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٨). والاسْتِثْناءُ من النَّفِى إثْباتٌ، فيكونُ تَقْديرُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فاقْبَلوا شَهادتَهم، ولَيسوا بفاسِقينَ. فإن قال (٩): إنَّما يَعودُ الاسْتِثْناءُ إلى الجُملةِ التى تَلِيه؛ بدليلِ أنَّه لا يَعودُ إلى الجَلْدِ. قُلْنا: بل يعودُ إليه أيضًا؛ لأنَّ هذه الجُمَلَ مَعطوفٌ بعضُها على بعضٍ بالواوِ، وهى للجَمْعِ تَجْعَلُ الجُمَل كلَّها كالجُملةِ الواحدةِ، فيعودُ الاسْتِثْناءُ إلى جميعِها، إِلَّا ما مَنَعَ منه مانِعٌ، ولهذا لمَّا قال النَّبِىُّ ﷺ : "لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ (١٠) فِى بَيْتِهِ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بإِذْنِهِ" (١١). [عادَ الاسْتِثْناءُ إلى الجُملتيْنِ جميعًا، ولأن الاسْتِثْناءَ يُغايِرُ ما قبلَه، فعادَ إلى الجُمَلِ المعطوفِ] (١٢) بعضُها على بعضٍ بالواوِ، كالشَّرطِ، فإنَّه لو قال: امرأتُه طالقٌ، وعبدُه (١٣) حُرٌّ، إِنْ لم يَقُمْ. عادَ الشرطُ إليهما، كذا الاسْتثناءُ، بل عَوْدُ الاسْتِثْناءِ إلى رَدِّ الشَّهادةِ أوْلَى؛ لأنَّ رَدَّ الشَّهادةِ هو المأمورُ به، فيكونُ هو الحُكْمَ، والتَّفْسِيقُ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبرِ والتَّعْليلِ لردِّ الشَّهادةِ، فعَودُ الاسْتِثْناءِ إلى الحُكْمِ المقصودِ، أوْلَى. مِن رَدِّه إلى التَّعليلٍ، وحديثُهم ضَعِيفٌ، يَرْوِيه الحجَّاجُ بنُ أَرْطاة، وهو ضَعيفٌ. قال ابنُ عبدِ الْبَرِّ: لم يَرْفعْه مَن فى (١٤) رِوايتهِ حُجَّةٌ. وقد رُوىَ من غيرِ طريقه، ولم تُذْكَرْ فيه هذه الزِّيادةُ فدلَّ ذلك على أنَّها من غلَطِه، ويَدُلُّ على خَطأِهِ قَبولُ شَهادةِ كلِّ مَحْدودٍ فى غيرِ القَذفِ بعدَ تَوْبتِه، ثم لو قُدِّرَ صِحَّتُه، فالمُرادُ به مَن لم يَتُبْ، بدليلِ: كلُّ مَحدودٍ تائبٌ سِوَى هذا. وأما الفصل الثانى فدَليلُنا فيه الآيةُ، فإنَّه رَتَّبَ على رَمْىِ المُحْصَناتِ ثَلاثةَ أشياءَ؛ إيجابُ الجَلْدِ، ورَدُّ الشَّهادةِ، والفِسْقُ، فيَجبُ أن يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهادةِ بوُجودِ الرَّمْى الذى لم يُمْكِنْه تَحْقيقُه، كالجَلْدِ؛ ولأن الرَّمْىَ هو المعصيةُ، والذَّنْبُ الذى يَسْتحِقُّ به العقوبةَ، وتثبُتُ به المَعْصِيةُ الموجِبَةُ لردِّ الشَّهادةِ، والحدُّ كفَّارةٌ وتطْهيرٌ، فلا يجوزُ تعْليقُ رَدِّ الشهادةِ به، وإنَّما الجَلْدُ

стр. 7538

ورَدُّ الشَّهادةِ حُكْمانِ للقَذْفِ، فيَثْبُتان جميعًا به، وتخلُّفُ اسْتِيفاءِ أحدِهما، لا يَمْنَعُ ثُبوتَ الآخَرِ. وقولُهم: إنَّما يتَحقَّقُ بالجَلْدِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الجلدَ حُكْمُ القَذْفِ الذى تَعذَّرَ تَحْقيقُه، فلا يُسْتَوْفَى قبلَ تَحَقُّقِ القَذْفِ، كيف يجوزُ أن يُسْتوفَى حَدٌّ قبلَ تَحقُّقِ سَبَبِه، ويَصيرَ مُتحَقِّقًا بعدَه (١٥)؟ هذا باطِلٌ. فصل: والقاذفُ فى الشَّتْمِ تُرَدُّ شهادتُه ورِوايتُه حتى يَتُوبَ، والشَّاهِدُ بالزِّنَى إذا لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ، تُقْبَلُ رِوايتُه دونَ شَهادتِه. وحُكِىَ عن الشَّافعىِّ، أَنَّ شهادتَه لا تُرَدُّ. ولَنا، أَنَّ عُمرَ لم يَقْبَلْ شهادةَ أبى بَكْرَةَ، وقال له: تُبْ، أَقْبَلْ شَهادتَك. ورِوايتُه مَقْبولةٌ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا فى قبولِ رِواية أبى بَكْرَةَ، مع رَدِّ عُمرَ شَهادتَه. ١٩٠٣ - مسألة؛ قال: (وَتَوبَتُهُ أَنْ يُكْذِبَ نَفْسَهُ) ظاهرُ كلامِ أحمدَ والْخِرَقِىِّ، أَنَّ تَوْبَةَ القاذِفِ إكْذابُه (١) نَفْسَه، فيقولُ: كَذَبْتُ فيما قلتُ. وهذا مَنْصوصُ الشَّافعىِّ، واخْتيارُ الإصْطَخْرِىِّ من أصْحابِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وممَّن (٢) قالَ هذا سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، والشَّعْبِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ؛ لما رَوَى الزُّهْرِىُّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، عن عُمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال، فى قولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). قال: "تَوْبَتُهُ إِكْذَابُ نَفْسِهِ" (٤)؛ ولأنَّ عِرْضَ المَقْذوفِ تَلوَّثَ بقَذْفِه، فإكْذابُه نفسَه يُزيلُ ذلك التَّلْوِيثَ، فتكونُ التَّوبةُ به. وذكرَ القاضى أَنَّ القَذْفَ إن كان سَبًّا، فالتَّوبةُ منه إكْذَابُ نفسِه، وإن كانَ شَهادةً، فالتَوبةُ منه أن يقولَ: القَذْفُ حرامٌ باطِلٌ، ولن أعُودَ إلى ما قُلتُ. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشَّافعىِّ. قال: وهو المَذهبُ؛ لأَنَّه قد يكونُ صادقًا، فلا يُؤْمَرُ بالكَذِبِ، والخَبرُ مَحْمولٌ على الإِقْرارِ بالبُطْلانِ؛ لأَنَّه نوعُ

стр. 7539

إكْذابٍ. والأَوْلَى أنَّه متى عَلِمَ مِن نَفسِه الصِّدْقَ فيما قذَفَ به (٥)، فتَوْبتُه الاسْتِغفارُ، والإِقْرارُ ببُطْلانِ ما قالَه وتَحْريمِه، وأنَّه لا يَعُودُ إلى مثلِه. وإن لم يَعْلَمْ صِدْقَ نَفسِه، فتوْبَتُه إكْذابُ نفسِه، سواءٌ كان القَذْفُ بشَهادةٍ أو سَبٍّ؛ لأَنَّه قد يكونُ كاذبًا فى الشَّهادةِ، صادقًا فى السَّبِّ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أَنَّ اللَّهَ تعالى سمَّى القاذِفَ كاذِبًا إذا لم يَأْتِ بأربعةِ شُهداءَ على الإِطْلاقِ، بقولِه سبحانه: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٦). فتَكْذيبُ الصَّادقِ نفسَه يَرْجِعُ إلى أنَّه كاذِبٌ فى حُكمِ اللَّهِ، وإن كان فى نفسِ الأمْرِ صادقًا. فصل: وكلُّ ذَنْبٍ تَلْزَمُ فاعلَه التَّوبةُ منه، ومتى (٧) تابَ منه، قَبلَ اللَّه توبتَه، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٨) الآية. وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٩). ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ" (١٠). وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: بَقيَّةُ عمرِ المرءِ (١١) لا قِيمةَ له، يُدْرِكُ فيه ما فاتَ، ويُحْيِى فيه ما أماتَ، ويُبدِّلُ اللَّه سيئاتِه حَسَناتٍ. والتَّوْبةُ على ضَرْبَيْنِ؛ باطِنةٌ، وحُكْمِيَّة، فأمَّا الباطنةُ، فهى ما بينَه وبينَ ربِّه تعالى، فإن كانتِ المَعْصِيَةُ لا تُوجِبُ حقًّا عليه فى الحُكمِ، كقُبْلَةِ أجْنَبيَّةٍ، أو الخَلْوَةِ بها، وشُرب مُسْكرٍ، أو كَذِبٍ، فالتَّوبةُ منه النَّدمُ، والعَزْمُ على أن لا يعُودَ. وقد رُوِىَ عن النَّبِىَّ ﷺ ، أنَّه قال: "النَّدَمُ تَوْبَةٌ" (١٢). وقيل: التَّوبةُ النَّصُوحُ

стр. 7540

تَجمَعُ أربعةَ أشياءَ؛ النَّدَمَ بالقَلبِ، والاسْتِغفارَ باللِّسانِ، وإضْمارَ أن لا يَعُودَ، ومُجانَبةَ خُلطَاءِ السُّوءِ. وإن كانتْ تُوجِبُ عليه حقًّا للَّهِ تعالى، أو لآدَمِىٍّ؛ كمَنْعِ الزَّكاةِ والغَصْبِ، فالتَّوبةُ منه بما ذكرنا، وتَرْكِ المَظْلَمةِ حَسْبَ إمْكانِه، بأن يُؤَدِّىَ الزَّكاةَ، ويَرُدَّ المَغصْوبَ، أو مِثْلَه إن كان مِثْلِيًّا، وإلَّا قِيمَتَه. وإن عَجَزَ عن ذلك، نَوَى رَدَّه متى قَدَرَ عليه. فإن كانَ عليه فيها حَقٌّ فى البَدَنِ، فإن كان حقًّا لآدَمِىٍّ، كالقِصاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، اشْترِطَ فى التَّوبةِ التَّمْكِينُ (١٣) من نفسِه، وبَذْلُها للمُسْتحِقِّ، وإن كان حقًّا للَّه تعالى، كحدِّ الزِّنَى، وشُرْبِ الخمرِ، فتَوْبتُه أيضًا بالنَّدمِ، والعَزْمِ على تَركِ العَوْدِ، ولا يُشْترَطُ الإِقْرارُ به، فإن كان ذلك لم يَشتَهِرْ عنه، فالأَوْلَى له سَتْرُ نفسِه، والتَّوبةُ فيما بينَه وبينَ اللَّه تعالى؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ هَذهِ الْقَاذُورَاتِ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا (١٤) صَاْفحَتَهُ أقَمنا عَليْهِ الْحَدَّ" (١٥). فإِنَّ الغامديَّةَ حين أقرَّتْ بالزِّنَى، لم يُنْكِرْ عليها النَّبِىُّ ﷺ ذلك (١٦). وإن كانَتْ مَعْصِيَةً مَشْهورةً، فذكرَ القاضى أَنَّ الأَوْلَى الإِقرارُ به، ليُقامَ عليه الحَدُّ؛ لأَنَّه إذا كان مَشْهورًا، فلا فائدةَ فى تَرْكِ إقامةِ الحدِّ عليه. والصَّحيحُ أنَّ تَركَ الإِقْرار أَوْلَى؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ عرضَ للمُقِرِّ عندَه بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ؛ فعرَّضَ لماعزٍ (١٧)، وللمُقِرِّ عندَه بالسَّرِقةِ (١٨) بالرُّجوعِ, مع اشْتهارِه عنه بإقْرارِه، وكَرِهَ الإِقْرارَ، حتى إنَّه قيلَ لَمَّا قطَع السارقَ: كأنَّما أُسِفَّ وجْهُه رمادًا (١٩). ولم يَرِدِ الأمْرُ بالإِقْرارِ، ولا الحَثُّ عليه فى كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا يَصِحُّ له قِياسٌ، إنَّما وَرَدَ الشَّرْعُ بالسَّتْرِ، والاسْتِتارِ، والتَّعْريضِ للمُقِرِّ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ وقال لهَزَّالٍ، وكان هو الذى

стр. 7541

أمرَ ماعِزًا بالإِقْرارِ: "يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ" (٢٠). وقال أصحابُ الشَّافعىِّ: تَوبة هذا إقْرارُه ليُقامَ عليه الحدُّ. وليس بِصَحيحٍ؛ لما ذَكرْنا، ولأنَّ التَّوْبةَ تُوجَدُ حَقيقتُها بدون الإِقْرارِ، وهى تَجُبُّ ما قَبْلَها، كما وَرَدَ فى الأخبارِ، مع ما دلَّتْ عليه الآياتُ فى مَغْفرةِ الذُّنوبِ بالاسْتِغْفارِ، وتَرْكِ الإِصْرارِ. وأمَّا البِدْعةُ، فالتَّوبة منها بالاعْترافِ بها، والرُّجوعِ عنها، واعْتقادِ ضِدِّ ما كان يَعْتَقِدُ منها. فصل: ظاهرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقىِّ، أنَّه لا يُعْتبَرُ فى ثُبوتِ أحكام التَّوبةِ، من قَبولِ الشَّهادةِ، وصِحَّةِ وِلايتِه فى النِّكاحِ، إصْلاحُ العَملِ. وهو أحدُ [القوليْنِ للشَّافعىِّ] (٢١)، وفى القَوْلِ الآخَرِ، يُعْتبَرُ إصْلاحُ العَملِ، إِلَّا أن يَكونَ ذَنْبُه الشَّهادةَ بالزِّنَى، ولم يَكْمُلْ عددُ الشُّهودِ، فإنَّه يَكْفِى مُجرَّدُ التَّوْبةِ مِن غيرِ اعْتبارِ إصْلاحٍ، وما عَداه فلا تَكْفِى التَّوبةُ حتى تَمضِىَ عليه سَنةٌ، تَظْهرُ فيها تَوْبتُه، ويَتَبيَّنُ فيها صَلاحُه. وذكرَ أبو الخَطَّاب هذا رِوايةً [عن أحمدَ] (٢٢)؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾. وهذا نَصٌّ، فإنَّه نَهَى عن قَبولِ شَهادتِهم، ثم اسْتَثْنَى التَّائبَ المُصلِحَ؛ ولأنَّ عُمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لمَّا ضَربَ صَبيغًا أمرَ بهِجْرانِه، حتى بلغَتْه تَوْبتُه، فأمرَ أن لا يُكلَّم إِلَّا بعدَ سَنَةٍ (٢٣). ولَنا، قولُه ﷺ . "التَّوبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا" (٢٤). وقولُه: "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ" (٢٥). ولأنَّ المغْفرةَ تَحْصُلُ بمُجَرَّدِ التَّوبةِ، فكذلكَ الأحكامُ، ولأنَّ التَّوبةَ مِن الشِّرْكِ بالإِسلامِ لا تَحْتاجُ إلى اعْتِبارِ ما بعدَه، وهو أعظمُ الذُّنوبِ كلِّها (٢٦)، فما دونَه أوْلَى. فأمَّا الآيةُ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ الإِصلاحُ هو التَّوْبةَ،

стр. 7542

وعَطفُه (٢٧) عليها لاخْتلافِ اللَّفْظَيْنِ، ودليلُ ذلك، قولُ عُمرَ لأبى بَكْرَةَ: تُبْ، أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ. ولم يَعْتبِرْ أمرًا آخرَ، ولأن مَن كان غاصِبًا، فرَدَّ ما فى يَدَيْه، أو مانِعًا للزَّكاةِ، فأدَّاها وتابَ إلى اللَّهِ تعالى، قد حصَلَ منه الإِصْلاحُ، وعُلِمَ نُزوعُه عن مَعْصيَتِه بأداءِ ما عليه، ولو لم يُرِدِ التَّوبةَ، لَما (٢٨) أدَّى ما فى يَدَيْه (٢٩)، ولأنَّ تَقْييدَه بالسَّنَةِ تَحَكُّمٌ لم يَرِدِ الشَّرْعُ به (٣٠)، والتَّقديرُ إنَّما يَثْبُتُ بالتَّوْقيفِ، وما وَرَدَ عن عمرَ فى حقِّ صُبَيْغِ إنَّما كان لأَنَّه تائبٌ من بِدْعةٍ، وكانت تَوْبتُه بسببِ الضَّربِ والهِجْرانِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أظْهَرَ التَّوبةَ تَسَتُّرًا، بخلافِ مَسْألتِنا. وقد ذكرَ القاضى، أَنَّ التائبَ من البِدْعةِ يُعتبَرُ له مُضِىُّ سَنَةٍ، لحديثِ صُبَيْغٍ. روَاه أحمدُ فى "الوَرعِ"، قال: ومِن عَلامَةِ تَوْبَتِه، أن يَجْتنِبَ مَن كانَ يُوَالِيه مِن أهلِ البِدَعِ، ويُوالِى مَن كان يُعادِيه مِن أهلِ السُّنَّةِ. والصَّحيحُ أَنَّ التَّوبةَ مِن البِدْعةِ كغَيرِها، إِلَّا أن تَكونَ التَّوبةُ بفِعْلٍ يُشْبِهُ الإِكْراهَ، كَتَوبةِ صُبَيْغٍ، فيُعْتبَرُ له مُدَّةٌ تُظْهِرُ أنَّ تَوْبتَه عن (٣١) إخْلاصٍ، لا عن إكْراهٍ. وللحاكِم أن يَقولَ للمُتظاهِرِ بالمَعْصَيةِ: تُبْ، أقْبَلْ شَهادتَكَ. وقال مالكٌ: لا أعْرفُ هذا. قال الشَّافعىُّ: كيفَ لا يعْرِفُه، وقد أمرَ النَّبِىُّ ﷺ بالتَّوْبةِ، وقالَه عُمرُ لأبى بَكْرَةَ! . ١٩٠٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ شَهِد بِشَهَادَةٍ قَدْ كَانَ شَهِد بِهَا وَهُوَ غَيْرُ عَدْلٍ، ورُدَّتْ عَلَيْهِ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ فِى حَالِ عَدَالَتِهِ (١)) وجملتُه أَنَّ الحاكمَ إذا شهِدَ عندَه فاسِقٌ، فرَدَّ شَهادتَه لفِسْقِه، ثم تابَ وأَصلحَ، وأعادَ تلك الشَّهادةَ، لم يكُنْ له أن يَقْبَلَها. وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ، والمُزَنىُّ، وداودُ: تُقْبَلُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: والنَّظرُ يَدُل على هذا؛ لأَنَّها شَهادةُ

стр. 7543

عَدْلٍ، فتُقْبَلُ، كما لو شَهِدَ وهو كافرٌ فرُدَّتْ شَهادتُه، ثم شَهِدَ بها بعدَ إسْلامِه. ولَنا، أنَّه مُتَّهَمٌ فى أدائِها؛ لأَنَّه يُعيَّرُ برَدِّها، ولَحِقَتْه غَضاضَةٌ لكَوْنِها رُدَّتْ بِسببِ نَقْصٍ يتعَيَّرُ به، وصلاحُ حالِه بعدَ ذلك مِن فِعْلِه يَزْولُ به العارُ، فتَلْحَقُه التُّهْمةُ فى أنَّه قَصَدَ إظْهارَ العَدالةِ، وإعادةَ الشَّهادةِ لتُقْبَلَ، فيَزولُ ما حصَلَ بردها؛ ولأنَّ الفِسْقَ يَخْفَى، فيُحْتاجُ فى معرفتِه إلى بَحْثٍ واجْتهادٍ، فعندَ ذلك نقولُ: شَهادةٌ مَردودةٌ بالاجْتهادِ، فلا تُقْبَلُ بالاجْتهادِ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى نَقْضِ الاجْتهادِ بالاجْتهادِ. وفارَقَ ما إذا رُدَّتْ شَهادةُ كافرٍ لكُفْره، أو صَبِىٍّ لصِغَرِه، أو عبدٍ لرِقِّه، ثم أسلمَ الكافرُ، وبلَغَ الصَّبِىُّ، وعَتَقَ العَبدُ، وأعادَوُا تلك الشَّهادةَ، فإنَّها لا تُرَدُّ؛ لأنَّها لم تُرَدَّ أوَّلًا بالاجْتهادِ، وإنَّما رُدَّتْ باليَقينِ، ولأنَّ البُلوغَ والحُرِّيَّةَ ليسا مِن فِعْلِ الشاهِدِ، فيُتَّهمُ فى أنَّه فعلَهما لتُقْبَلَ شهادتُه، والكافرُ لا يَرَى كُفْرَه عارًا، ولا يتْرُكُ دِينَه من أجْلِ شَهادةٍ رُدَّتْ عليه. وقد رُوِىَ عن النَّخَعىِّ، والزُّهْرىِّ، وقَتادةَ، وأبى الزِّنادِ، ومالِكٍ، أنَّها تُرَدُّ أيضًا فى حقِّ مَن أسْلَمَ وبلَغَ، وعن أحمدَ، رِوايةٌ (٢) كذلك؛ لأنَّها شَهادةٌ مَرْدُودَةٌ، فلم تُقْبَلْ، كشهادةِ مَن كان فاسِقًا. وقد ذكرْنا ما يَقْتَضِى فَرْقًا بينَهما فيفْتَرِقان (٣). ورُوِىَ عن أحمدَ، فى العَبدِ إذا رُدَّتْ شَهادتُه لرِقِّه، ثم عَتَقَ، وأعادَ (٤) تلك (٥) الشَّهادةَ، رِوَايتان. وقد ذكرْنا أَنَّ الأَوْلَى أَنَّ شَهادتَه تُقْبَلُ؛ لأنَّ العِتْقَ مِن غيرِ فِعْلِه، وهو أمرٌ يَظْهرُ، بخِلافِ الفِسْقِ. فصل: وإن شهِدَ السَّيِّدُ لمُكاتَبِه، فرُدَّت شَهادتُه، أو شَهِدَ وارثٌ لمَوْرُوثِه بالجَرْحِ قبلَ الانْدِمال، فرُدَّتْ شهادته، ثم عَتَقَ المُكاتَبُ، وَبرَأَ الجُرْحُ، وأعادوا (٦) تلك الشَّهادةَ، ففى قَبُولِها وَجْهان؛ أحدُهما، تُقْبَلُ؛ لأنَّ زَوالَ المانعِ ليس من فِعْلِهم، فأشْبَهَ زَوالَ الصَبَّىَ بالبُلوغِ، ولأنَّ رَدَّها بسببٍ لا عارَ فيه، فلا يُتَّهَمُ فى قَصْدِ نَفْىِ العارِ بإعادَتِها، بخلافِ الفِسْقِ. والثانى، لا تُقْبَلُ؛ لأَنَّه رَدَّها باجْتهادِه، فلا يَنْقُضُها

стр. 7544

باجْتهادِه. والأَوَّلُ أشْبَهُ بالصِّحَّةِ، فإنَّ الأصلَ قَبولُ شَهادةِ العَدْلِ، ما لم يَمنَعْ منه مانِعٌ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على الشَّهادةِ المَرْدُودَةِ [للفِسقِ؛ لما ذكرْنا بينهما من الفَرْقِ. ويُخرَّجُ على هذا كلُّ شَهادةٍ مَرْدودَةٍ] (٧)؛ إمَّا للتُّهْمَةِ، أو لعدمِ الأهْلِيَّةِ، إذا أعادَها بعدَ زوالِ التُّهْمَةِ، ووُجودِ الأهْلِيَّةِ، فهل تُقْبَلُ؟ على وَجْهَين. ١٩٠٥ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، حَتَّى صَارَ عَدلًا، قُبِلَتْ منهُ) وذلك لأنَّ التَّحمُّلَ لا تُعْتبَرُ فيه العَدالةُ، ولا البُلوغ، ولا الإِسلامُ؛ لأَنَّه لا تُهَمةَ فى ذلك، وإنَّما يُعْتبَرُ ذلك [فى الأداءِ] (١)، فإذا رأى الفاسقُ شيئًا، أو سَمِعَه، ثم عُدِّلَ، وشهِدَ به، قُبلَتْ شَهادتُه، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه، وهكذا الصَّبِىُّ، والكافرُ إذا شهِدَا بعدَ الإِسلامِ والبُلوغِ، قُبلَتْ. [وكذلك الرِّوايةُ] (٢)، ولذلك كان الصِّبْيانُ فى زَمَنِ النَّبِىِّ ﷺ يَرْوُونَ عنه بعدَ أن كَبِرُوا؛ كالحَسنِ، والحسينِ، وابنِ عبَّاسٍ، والنُّعمانِ بنِ بَشِيرٍ، وابنِ الزُّبيرِ، وابنِ جَعفرٍ، والشَّهادةُ فى معنَى الرِّواية، ولذلك اعْتُبِرَتْ لها العَدالةُ وغيرُها من الشُّروطِ المُعْتبَرَةِ للشَّهادةِ. ١٩٠٦ - مسألة؛ قال: (ولَوْ شَهِدَ وَهُوَ عَدلٌ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ حَتَّى حَدثَ مِنْهُ مَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ مَعَهُ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا) وجملةُ ذلك أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذا شَهِدَا عندَ الحاكمِ، وهما ممَّن تُقْبَلُ شهادتُه، ثم لم (١) يَحْكُمْ بها حتى فَسَقَا، أو كَفَرَا، لم يَحْكُمْ بشَهادتِهما. وبهذا قال أبو يوسفَ، والشَّافعىُّ. وقالَ أبو ثَوْرٍ، والمُزَنىُّ: يَحْكُمُ بها؛ لأنَّ بَقاءَ أهْلِيَّةِ الشَّهادةِ ليس شَرْطًا فى الحُكْمِ؛ بدليلِ ما لو ماتا؛ ولأنَّ فِسْقَهما تَجَدَّدَ بعدَ أداءِ الشَّهادةِ، فأشْبَهَ ما لو تجدَّدَ

стр. 7545

بعدَ الحُكمِ بها. ووَجْهُ ذلك من طريقَيْنِ، أحدُهما، أَنَّ عدالةَ الشَّاهِد شَرْطٌ للحُكْمِ فيُعْتبَرُ دَوامُها إلى حينِ الحُكْمِ؛ لأنَّ الشُّرُوطَ لابُدَّ من وُجودِها فى المَشْروطِ، وإذا فَسَقَ انْتفَى الشَّرْطُ، فلم يَجُزِ الحُكْمُ. والثانى، أَنَّ ظُهورَ فِسْقِه وكفْرِه، يَدُلُّ على تَقدُّمِه؛ لأنَّ العادةَ أَنَّ الإِنْسانَ يُسِرُّ الفِسْقَ، ويُظْهرُ العَدالةَ، والزِّنْديقُ يُسِرُّ كُفْرَه، ويُظْهِرُ إسْلامَه، فلا نأْمَنُ كَونه كافرًا أو فاسقًا حين أداءِ الشَّهادةِ، فلم يَجُزِ الحُكْمُ بها مع الشَّكِّ فيها، فأمَّا إن حدَثَ هذا منه بعدَ الحُكْمِ بشهَادتِهِ (٢)، لم يُنْقَضْ؛ لأنَّ الحُكْمَ وقعَ صَحِيحًا، لاسْتِمْرارِ شرطِه إلى انْتَهائِه؛ ولأنَّه قد وُجِدَ مَقْرونًا بشَرْطِه ظاهرًا، فلا يُنْقَضُ بالشَّكِّ، كما لو رجَعَ عن الشَّهادةِ، وكما لو صلَّى بالتَّيَمُّمِ، ثم وجدَ الماءَ، لكن إن كان ذلك قَبلَ الاستيفاءِ، وكان حَدًّا للَّهِ تعالى، لم يَجُزِ اسْتِيفاؤُه؛ [لأَنَّه يُدْرَأ بالشُّبهاتِ] (٣)، وهذا شُبْهَةٌ فيه، فأشْبَهَ ما لو رَجَعَ عن الإِقْرارِ به قبلَ اسْتيفائِه. وإن كان مالًا اسْتُوفِىَ؛ لأنَّ الحُكْمَ قد تَمَّ، وثبَتَ الاسْتحقاقُ بأمرٍ ظاهرِ الصِّحَّةِ، فلا يَبْطُلُ بأمرٍ مُحْتَمِلٍ، ولذلك لم يَبطُلْ رُجوعُه عن إقْرارِه. وإن كان حدَّ قَذفٍ أو قِصاصًا، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، يُسْتَوْفَى. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّه حقُّ آدَمِى مُطالَبٌ. به، أشْبَهَ المالَ. والثانى، لا يُسْتَوْفَى. وهو قولُ محمدٍ؛ لأَنَّه عُقوبةٌ على البَدَنِ (٤)، تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، أشْبَهَ الحَدَّ. وللشافعىِّ وَجْهان، كهذَيْن. فأمَّا ما حدَثَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، فلا يُؤَثِّرُ فى حَدٍّ ولا حَقٍّ؛ لأنَّ الحقَّ اسْتُوفِىَ بما ظاهرُه الصِّحَّةُ، وسَوَّغَ الشَّرْعُ استيفاءَه، فلم يُؤَثِّرْ فيه ما طَرَأَ بعدَه (٥)، كما لو لم يَظْهَرْ شَىْءٌ. فصل: فأمَّا إن أدَّيا الشَّهادةَ، وهما مِن أهْلِها، ثم ماتا قَبلَ الحُكْمِ بها، حَكَمَ الحاكمُ بشهادتِهما، سواءٌ ثَبتَتْ عَدالتُهما فى حياتِهما، أو بعدَ مَوْتِهما، وسواءٌ كان المَشْهودُ به حَدًّا أو غيرَه. وكذلك إن جُنُّوا، أو أُغْمِىَ عليهم. وبهذا قال الشَّافعىُّ؛ لأنَّ الموتَ لا يُؤَثِّرُ فى شهادتِه، ولا يَدُلُّ على الكذبِ فيها. ولا يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَوْجودًا حالَ أداءِ الشَّهادةِ،

стр. 7546

والجُنونُ والإِغْماءُ فى معناه، بخلافِ الفِسْقِ والكُفْرِ. ١٩٠٧ - مسألة؛ قال: (وَشَهَادَةُ الْعَدْلِ عَلَى شَهَادَةِ الْعَدْلِ جَائِزَةٌ فِى كُلِّ شَىْءٍ، إِلَّا فِى الْحُدُودِ، إِذَا كَانَ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا) الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فُصولٍ ثَلاثةٍ؛ أحدِها، فى جَوازها. والثَّانى، فى موضِعِها. والثالث، فى شَرْطِها. أمَّا الأَوَّلُ: فإِنَّ الشَّهادةَ على الشَّهادةِ جائزةٌ، بإجْماعِ العلماءِ. وبه يقولُ مالكٌ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال أبو عُبَيْد: أجْمعَتِ العُلماءُ مِن أهلِ الحِجازِ والعِراقِ، على إمْضاءِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ فى الأمْوالِ. ولأنَّ الحاجةَ داعِيَةٌ إليها، فإنَّها لو (١) لم تُقْبَلْ لَبطَلَتِ الشَّهادةُ على الوُقُوفِ (٢)، وما يَتأخَّرُ إثْباتُه عندَ الحاكمِ ثم يَمُوتُ شُهودُه، وفى ذلك ضَرَرٌ على الناسِ، ومَشقَّةٌ شَديدةٌ، فوَجبَ أن تُقْبَلَ، كشَهادةِ الأَصْلِ. الفصل الثانى: أنَّها تُقْبَلُ فى الأموالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ، بإجماعٍ، كما ذكرَ أبو عُبَيْدٍ، ولا تُقْبَلُ فى حَدٍّ. وهذا قولُ النَّخَعىِّ، والشَّعْبِىِّ، وأبى حَنيفةَ، وأصْحابِه. وقال مالكٌ، والشَّافعىُّ فى قولٍ، وأبو ثَوْرٍ: تُقْبَلُ فى الحُدودِ، وكلِّ حقٍّ؛ لأنَّ ذلك يَثْبُتُ بشَهادةِ الأَصْلِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ. ولَنا، أَنَّ الحُدودَ مَبْنِيَّةٌ على السَّتْرِ، والدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ، والإِسْقاطِ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ، والشَّهادةُ على الشهادةِ فيها شُبْهَةٌ؛ فإنَّها يَتَطَرَّقُ إليها احْتمالُ الغَلَطِ والسَّهْوِ والكَذبِ فى شُهودِ الفَرْعِ، مع احْتمالِ ذلك فى شُهودِ (٣) الأصلِ، وهذا احْتمالٌ زائدٌ، لا يُوجَدُ فى شَهادةِ الأَصْلِ، وهو مُعْتبَرٌ، بدَليلِ أنَّها لا تُقْبَلُ مع القُدرَةِ على شُهودِ الأَصْلِ، فوجَبَ أن لا تُقْبَلَ فيما يَنْدرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّها إنَّما تُقْبَلُ للحاجَةِ، ولا حاجةَ إليها فى الحَدِّ؛ لأنَّ سَتْرَ صاحبِه أوْلَى مِن الشَّهادةِ عليه، ولأنَّه لا نَصَّ فيها، ولا يَصِحُّ قياسُها على الأمْوالِ؛ لما بينَهما من الفَرْقِ

стр. 7547

فى الحاجةِ والتَّساهُلِ فيها، ولا يَصِحُّ قياسُها على شهادةِ الأَصْلِ؛ لما ذكرْنا مِن الفَرْقِ، فبَطَلَ إثْباتُها. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّها لا تُقْبَلُ فى القِصاص أيضًا، ولا حَدِّ القَذْفِ؛ لأَنَّه قال: إنَّما تَجوزُ فى الحقوقِ، أمَّا الدِّماءُ والحَدُّ فلا. وهذا قولُ أبى حنيفة. وقال مالكٌ، والشَّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ: تُقْبَلُ. وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لقولِه: فى كلِّ شىءٍ إِلَّا فى الحُدودِ. لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، لا يَسْقطُ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ به، ولا يُسْتحَبُّ سَتْرُه، فأشْبَهَ الأموالَ. وذكرَ أصحابُنا هذا رِوايةً عن أحمدَ؛ لأنَّ ابنَ مَنْصورٍ نقلَ أَنَّ سُفيانَ قال: شَهادةُ رَجلٍ مَكانَ رجلٍ فى الطَّلاقِ جَائزةٌ. قال أحمدُ: ما أحْسَنَ ما قال. فجعلَه أصحابُنا رِوايةً فى القِصاصِ. وليس هذا برِوايةٍ؛ فإِنَّ الطَّلاقَ لا يُشْبِهُ القِصاصَ. والمذهبُ أنَّها لا تُقْبَلُ فيه؛ لأَنَّه (٤) عُقوبةٌ بَدَنِيَّهٌ، تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وتُبْنَى على الإِسْقاطِ، فأشْبهَتِ الحُدودَ، فأمَّا ما عدا الحُدودَ والقِصاصَ والأموالَ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ، وسائرِ ما لا يَثْبُتُ إِلَّا بشَاهِدَيْنِ، فنَصَّ أحمدُ على قَبُولِها فى الطَّلاقِ والحُقوقِ، فيَدُلُّ على قَبُولِها فى جميعِ هذه الحُقوقِ. وهو قولُ الْخِرَقِىِّ. وقال ابنُ حامدٍ: لا تُقْبَلُ فى النِّكاحِ. ونحوُه قولُ أبى بَكر. فعلَى قولِهما، لا تُقْبَلُ إِلَّا فى المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ. وهو قولُ أبى عُبَيْدٍ؛ لأَنَّه حَقٌّ لا يثْبُتُ إِلَّا بشاهِدَيْنِ، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه حَقٌّ لا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ [على الشَّهادةِ] (٥)، كالمالِ، وبهذا فارَقَ الحُدود. الفصلُ الثالثُ: فى شُروطِها، ولها ثلاثة شُروطٍ؛ أحدُها، أن تتعذَّرَ شهادةُ الأصلِ؛ لمَوْتٍ، أو غَيْبَةٍ، أو مَرضٍ، أو حَبْسٍ، أو خَوفٍ من سُلْطانٍ [أو غيرِه] (٦). وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ. وحُكِىَ عن أبى يوسف، ومحمدٍ، جَوازُها مع القُدْرةِ على شَهادةِ الأصْلِ، قياسًا على الرِّوايةِ وأخْبارِ الدِّياناتِ. ورُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّها لا تُقْبَلُ إِلَّا أن يَمُوتَ شاهدُ الأَصْلِ؛ لأنَّهما إذا كانا حَيَّيْنِ، رُجِىَ حُضورُهما، فكانا كالحاضرَيْنِ. وعن أحمدَ مثلُ هذا، إِلَّا أَنَّ القاضىَ تأوَّلَه على الموتِ، وما فى معناه مِن الغَيْبَةِ

стр. 7548

البَعيدَةِ ونحوِها. ويُمْكِنُ تأْويلُ قولِ الشَّعْبِىِّ على هذا، فيَزُولُ هذا الخلافُ. ولَنا، على اشْتِراطِ [تَعذُّرِ شَهادةِ شاهدِ الأَصْلِ، أنَّه إذا أمْكَنَ] (٧) الحاكمَ أن يَسمَعَ (٨) شهادةَ شاهِدَىِ الأصل، اسْتغْنَى عن البحثِ عن عَدالةِ شاهِدَىِ الفَرْعِ، وكان أحْوطَ للشَّهادةِ، فإِنَّ سماعَه منهما مَعْلومٌ، وصِدْقَ شاهِدَىِ الفَرعِ عليها (٩) مَظْنونٌ، والعملُ باليقينِ مع إمْكَانِه، أوْلَى من اتِّباعِ الظَّنِّ، ولأنَّ شَهادةَ الأَصْلِ تُثْبِتُ نفسَ الحقِّ، وهذه إنَّما تُثْبِتُ الشَّهادةَ عليه، ولأنَّ فى شهادةِ الفَرْعِ ضَعْفًا؛ لأَنَّه يَتطرَّقُ إليها احْتمالان؛ احتمالُ غَلَطِ شاهِدَى الأَصْلِ، واحْتمالُ غَلَطِ شاهِدَىِ الفَرْعِ، فيَكونُ ذلك وَهْنًا فيها، ولذلك لم تَنْتَهِضْ لإثْباتِ الحُدودِ والقِصاصِ، فيَنْبَغِى أن لا تَثْبُتَ إِلَّا عندَ عَدَمِ شهادةِ (١٠) الأَصْلِ، كسائرِ الأبْدالِ، ولا يَصِحُّ قياسُها على أخْبارِ الدِّياناتِ؛ لأَنَّه خُفِّفَ فيها، ولهذا لا يُعتَبَرُ فيها العددُ، ولا الذُّكورِيَّةُ، ولا الحُرِّيَّةُ، ولا اللَّفْظُ، والحاجةُ داعِيَةٌ إليها فى حَقِّ عُمومِ الناسِ، بخلافِ مَسْألِتنا. ولَنا، على قَبُولِها عندَ تعذُّرِها بغيرِ الموت، أنَّه تَعذَّرَتْ شهادةُ الأَصْلِ، فتُقْبَلُ شَهادةُ الفَرْعِ، كما لو ماتَ شاهِدَا الأَصْلِ، ويُخالِفُ الحاضِرَيْن؛ فإِنَّ سَماعَ شَهادَتِهما مُمْكِنٌ، فلم يَجُزْ غيرُ ذلك. إذا ثبَتَ هذا، فذكرَ القاضى أن الغَيْبَةَ المُشْترَطةَ لسَماعِ شَهادةِ الفَرْعِ، أن يكونَ شاهدُ الأَصلِ بمَوْضع لا يُمْكِنُه أن يَشْهَدَ ثم يَرْجِعَ من يَوْمِه. وهذا قالَه أبو يوسفَ، وأبو حامدٍ من أصحاب الشَّافعىِّ؛ لأنَّ الشَّاهدَ تَشُقُّ عليه المُطالَبةُ بمِثْلِ هذا السَّفَرِ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (١١). وإذا لم يُكلَّفِ الحُضورَ، تَعذَّرَ سَماعُ شَهادتِه، فاحْتِيجَ إلى سَماعِ شَهادَةِ الفَرْعِ. وقال أبو الخَطَّابِ: تُعْتَبَرُ مسافةُ القَصْرِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى الطَّيِّبِ الطّبرىِّ (١٢)، مع اخْتِلافِهم فى مَسافةِ القَصْرِ كلٌّ على أصْلِه؛ لأنَّ ما دونَ ذلك فى

стр. 7549

حُكمِ الحاضرِ، فى التَّرَخُّصِ وغيرِه، بخلافِ مسافةِ القَصْرِ. ويُعْتبَرُ دَوامُ هذا الشَّرْطِ إلى الحُكْمِ، فلو شهِدَ شَاهِدَا الفَرْعِ، فلم يُحْكَمْ بشهادتِهما حتى حضرَ شاهِدَا الأَصْلِ، لَوقفَ (١٣) الحُكْمُ على سماعِ شَهادتِهما؛ لأَنَّه قَدَرَ على الأَصْلِ قبلَ العملِ بالبَدَلِ، فلم يَجُزِ العملُ به، كالمُتَيَمِّم يَقْدِرُ على الماءِ قبلَ الصلاةِ، ولأنَّ حضورَهما لو وُجِدَ قبلَ أداءِ شَهادةِ الفَرْعِ، مَنَعَ، فإذا طَرأَ قبلَ الحُكْمِ، مَنَعَ منه، كالفِسْقِ. الشرط الثانى، أن تَتحقَّقَ شُروطُ الشَّهادةِ، من العَدالةِ وغيرِها، فى كلِّ واحدٍ مِن شُهودِ الأَصْلِ والفَرْعِ، على الوَجْهِ الذى ذكرناه؛ لأنَّ الحُكْمَ يَنْبَنِى على الشَّهادتيْنِ جميعًا، فاعْتُبِرَتِ الشُّروطُ فى كلِّ واحدٍ منهما. وخلافَ فى هذا نَعْلَمُه. فإن عَدَّلَ شهودُ الفَرْعِ شُهودَ الأَصْلِ، فشهِدَا بعَدالتِهما وعلى شَهادتِهما، جازَ، بغَيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه. وإن لم يَشْهَدا بعَدالَتِهما، جازَ، ويَتولَّى الحاكمُ ذلك، فإن عَلِمَ عَدالتَهما، حكَمَ، وإن لم يَعرِفْها بَحَثَ عنها (١٤). وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال الثَّوْرىُّ (١٥)، وأبو يوسفَ: إن لم يُعَدِّلْ شاهِدَا الفَرْعِ شَاهِدَىِ الأَصْلِ، لم يَسْمعِ الحاكمُ شَهادتَهما؛ لأنَّ تَرْكَ تَعْديلِه يَرْتابُ به الحاكمُ. وليس بصَحيحٍ؛ لأَنَّه يجوزُ أَنْ لا يَعْرفا ذلك، فيُرْجَعُ فيه إلى بَحْثِ الحاكمِ، ويَجوزُ أن يَعْرِفا عَدالتَهما ويَتْرُكاها، اكْتفاءً بما يَثْبُتُ عندَ الحاكمِ مِن عَدالَتِهما، ولابُدَّ من اسْتِمرارِ هذا الشَّرْطِ، ووُجودِ العَدالةِ فى الجميعِ إلى انْقِضاءِ الحُكْمِ؛ لما ذَكرْنا فى شاهدِ الأصلِ قبلَ هذا. وإن ماتَ شُهودُ الأَصْلِ أو الفَرْعِ، لم يَمْنعِ الحُكمَ، وكذلك لو ماتَ شهودُ الأَصْلِ قبلَ أداءِ الفُروعِ شَهادتَهم، لم يَمْنَعْ من أدائِها، والحُكْمِ بها؛ لأنَّ مَوْتَهم مِن شَرْطِ سماعِ شَهادةِ الفُروعِ والحُكمِ، فلا يجوزُ جَعْلُه مانِعًا، وكذلك إن جُنُّوا؛ لأنَّ جُنونَهم بمَنْزِلةِ مَوتِهم. الشَّرط الثالث، أن يُعَيِّنا شاهِدَىِ الأَصْلِ، ويُسمِّياهُما. وقال ابنُ جَرِيرٍ: إذا قالا: ذكَرَيْنِ، حُرَّيْنِ، عَدْلَينِ. جازَ، وإن لم يُسَمِّيَا؛ لأنَّ الغَرضَ مَعْرفةُ الصِّفاتِ دُونَ العَينِ. وليس بصَحيحٍ؛ لجَوازِ أن يَكونا عَدْلينِ عندَهما، مَجْروحَيْنِ عندَ غيرهما؛ ولأنَّ المشْهودَ عليه رُبَّما أمْكَنَه جَرْحُ الشُّهودِ، فإذا لم يَعْرِفْ أعْيانَهما، تعذَّر عليه ذلك.

стр. 7550

الشَّرْط الرابع، أن يَسْتَرْعِيَه شاهدُ الأَصْلِ الشَّهادةَ (١٦)، فيقولَ: اشْهَدْ على شَهادتى أنِّى أشْهَدُ أَنَّ لفُلانٍ على فلانٍ كذا، أو أقَرَّ عندى بكذا. أو يَسْمَعَ (١٧) شاهدًا يَسْتَرْعِى آخَرَ شَهادةً يُشْهِدُه عليها، فيجوزُ لهذا السَّامعِ أن يَشْهَد بها؛ لحُصولِ الاسْتِرْعاءِ، ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ له أن يَشْهَدَ إِلَّا أن يَسْتَرْعِيَه بعَيْنِه. وهو قولُ أبى حنيفةَ. قال أحمدُ: لا تَكونُ شَهادةً إِلَّا أن يُشْهِدَكَ، فأمَّا إذا سَمِعْتَه يَتحدَّثُ، فإنَّما ذلك حَدِيث. وبما ذكَرْناه قال الشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأبو عُبَيْدٍ. فأمَّا إن سمِعَ شاهِدًا يشْهَدُ عندَ الحاكِم بحَقٍّ، أو سَمِعَه يَشْهَدُ بحَقٍّ يَعْزِيه إلى سَبَبٍ، نحو أن يقولَ: أشْهَدُ أَنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ ألفًا مِن ثمنِ مَبِيعٍ. فهل يَشْهَدُ به؟ . قال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوَايتانِ. وذكرَ القاضى، أَنَّ له الشَّهادةَ به. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأَنَّه بالشَّهادةِ عندَ الحاكمِ، ونِسْبَتِه للحقِّ (١٨) إلى سَبَبِه، يَزولُ الاحْتِمالُ، ويَرْتَفِعُ الإِشْكالُ، فتجوزُ له الشَّهادةُ على شَهادتِه، كما لو اسْتَرْعاه. والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا يجوزُ أن يَشْهدَ على شَهادتِه. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ الشَّهادةَ على الشَّهادةِ فيها معنَى النِّيابةِ، فلا يَنُوبُ عنه إِلَّا بإذْنِه. ومَن نصرَ الأوَّلَ قال: هذا يَنْقُلُ شَهادتَه، ولا يَنُوبُ عنه؛ لأَنَّه لا يَشْهدُ مِثلَ شهادتِه، وإنَّما يَشْهدُ على شَهادتِه. فأمَّا إن قالَ: اشْهَدْ أنِّى أشْهَدُ على فُلانٍ بكذا. فالأشْبَهُ أن يجوزَ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه. وهذا قولُ أبى يوسفَ؛ لأنَّ معنَى ذلك: اشْهَدْ على شَهادتِى. [وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يجوزُ إِلَّا أَنْ يَقولَ: اشْهَدْ على شَهادتِى] (١٩) أنِّى أَشْهَدُ. لأَنَّه إذا قال: اشْهَدْ. فقد أمرَه بالشَّهادةِ، ولم يَسْتَرْعِه. وما عَدا هذه المَواضِعَ، لا يجوزُ أن يشْهدَ فيها على الشَّهادةِ، فإذا سَمِعَه يقولُ: أشْهَدُ أَنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ ألفَ دِرهمٍ. لم يَجُزْ أن يَشْهدَ على شَهادتِه؛ لأَنَّه لم يَسْتَرْعِه الشَّهادةَ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ وَعَدَه بها. وقد يُوصَفُ الوَعْدُ بالوجوبِ مَجازًا؛ فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الْعِدَةُ دَيْنٌ" (٢٠). ويَحْتَمِلُ أن يُريدَ بالشَّهادةِ

стр. 7551

العِلْمَ، فلم يَجُزْ لسامِعِه الشَّهادةُ به. فإن قيلَ: فلو سَمِعَ رجلًا يقولُ: لفُلانٍ علىَّ ألفُ دِرهمٍ. جازَ أن يَشْهدَ بذلك، فكذا هذا. قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أَنَّ الشَّهادةَ تَحْتَمِلُ العِلْمَ، ولا يحْتَمِلُ الإقْرارُ ذاكَ (٢١). الثانى، أَنَّ الإِقْرارَ أوْسَعُ فى لُزُومِه من الشَّهادةِ؛ بدليلِ صِحَّتِه فى المَجْهولِ، وأنَّه لا يُراعَى فيه العَددُ، بخلافِ الشَّهادةِ، ولأنَّ الإِقْرارَ قَولُ الإِنسانِ على نفسِه، وهو غيرُ مُتَّهَمٍ، فيكونُ أقْوَى منها، ولهذا لا تُسْمَعُ الشَّهادةُ فى حَقِّ المُقِرِّ، ولا يُحْكَمُ بها. ولو قال شاهدُ الأصْلِ: أنا أشْهَدُ أَنَّ لفُلانٍ على فلانٍ ألْفًا، فاشْهَدْ به أنتَ عليه. لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه؛ لأنَّه ما اسْتَرْعَاهُ شَهادتَه، فيَشْهَدُ عليها، ولا هو شاهِدٌ بالحقِّ؛ لأنَّه ما سَمِعَ الاعْترافَ به ممَّن هو عليه، ولا شاهدَ سَبَبه. فصل: فأمَّا كيفيَّةُ الأداءِ إذا كان قد اسْتَرْعاه الشَّهادةَ، فإنَّه يقولُ: أشْهَدُ أَنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ، وقد عَرَفْتُه بعَيْنِه واسْمهِ ونَسَبِهِ وعَدالتِه، أشْهدَنِى أنَّه يَشهَدُ أَنَّ لِفُلانِ بنِ فُلانٍ، على فُلانِ بنِ فُلانٍ، كذا وكذا، أو أَنَّ فُلانًا أقرَّ عندى بكذا. وإن لم يَعْرِفْ عدالتَه لم يذْكُرْها. وإن سَمِعَه يُشْهِدُ غيرَه، قال: أشْهَدُ أَنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ، أشْهَدَ على شَهادتِه أَنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ، على فُلانِ بنِ فُلانٍ، كذا وكذا. وإن كان سمِعَه يَشْهَدُ عندِ الحاكمِ قال: أشْهَدُ أَنَّ فُلانَ بنَ فلانٍ، شهِدَ على فُلانِ بنِ فُلانٍ، عندَ الحاكمِ بكذا (٢٢). وإن كان نَسَبَ الحقَّ إلى سَبَبِه، قال: أشْهَدُ أَنَّ فلانَ بنَ فَلانٍ قال: أشْهَدُ أَنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ، على فُلانِ بنِ فُلانٍ كذا وكذا، [من جِهَةِ كذا وكذا] (٢٣). وإذا أَرادَ الحاكمُ أن يَكْتُبَ ذلك، كَتَبَه، على ما ذكرْنا فى الأدَاءِ. فصل: واخْتلفَتِ الرِّوايةُ فى شَرْطٍ خامسٍ، وهو الذُّكُورِيَّةُ فى شُهودِ الفَرْعِ؛ فعَن أحمدَ، أنَّها شَرْطٌ، فلا يُقْبَلُ فى شُهودِ الفَرْعِ نِساءٌ بحالٍ، سواءٌ كان الحقُّ ممَّا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ، أو لا. وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافعىِّ؛ لأنَّهم يُثْبِتونَ بشهادتِهم

стр. 7552

شَهادةَ شُهودِ الأَصْلِ دونَ الحَقِّ. وليس ذلك بمالٍ، ولا المقْصودُ منه المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرجالُ، فأشْبَهَ القِصاصَ والحَدَّ. والثانية، للنِّساءِ مَدْخَلٌ فيما لو كانَ المشهودُ به يَثْبُتُ بشهادتِهنَّ فى الأصْلِ. قال حَرْبٌ: قيلَ لأحمدَ: فشَهادةُ امْرأتيْنِ على شَهادةِ امْرأَتيْنِ، تَجوزُ؟ قال: نعم. يعنى إذا كان معهما (٢٤) رَجلٌ. وذكَرَ الأَوْزاعِىُّ، قال: سَمِعْتُ نُمَيْرَ بنَ أوسٍ (٢٥) يُجِيزُ شَهادةَ المرأةِ على شهادةِ (٢٦) المرأةِ. ووَجْهُه، أَنَّ المقْصودَ بشَهادةِ الفُروعِ (٢٧)، إثْباتُ الحقِّ الذى يَشْهَدُ به شُهودُ الأصْلِ، فقُبلَتْ فيه شَهادتُهنَّ، كالبَيعِ. ويُفارِقُ الحدَّ والقِصاصَ؛ فإنَّه ليس القَصْدُ من الشَّهادةِ به إثْباتَ مالٍ بحالٍ (٢٤). فأمَّا شهودُ الأصْلِ، فيَدْخُلُ النِّساءُ فيه، فيجوزُ أن يَشْهدَ رَجلان على شَهادةِ رجُلٍ وامرأتيْنِ، فى كلِّ حقٍّ يَثْبُتُ بشَهادتهِنَّ مع الرِّجالِ، فى قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وذكرَ أبو الخَطَّابِ فى المَنْعِ منه رِوايةً أُخْرَى؛ لأنَّ فى الشَّهادةِ على الشَّهادةِ ضَعْفًا، لما ذكرْنا من قَبْلُ، فلا مَدْخلَ للنِّساءِ فيها، لأنَّها تَزْدادُ بشَهادتِهنَّ ضَعْفًا. ولَنا، أَنَّ شُهودَ الفَرْعِ إن كانوا يُثْبِتونَ شَهادةَ الأصْلِ (٢٨)، فهى (٢٩) تَثْبُتُ بشَهادتِهنَّ (٣٠)، وإن كانوا يُثْبِتُون نَفْسَ الحقِّ، فهى تَثْبُتُ بشَهادتِهنَّ، ولأنَّ النِّساءَ شهِدْنَ بالمالِ، أو ما يُقصَدُ به المالُ، فيَثْبُتُ بشَهادتِهنَّ، كما لو أدَّيْنَها عندَ الحاكِم. وما ذُكِرَ للرِّوايةِ الأُخْرَى، لا أصْلَ له. فصل: ويجوزُ أن يَشْهَدَ على (٢٦) كلِّ واحدٍ من شاهِدَىِ الأَصْلِ شاهدُ فَرْعٍ، فيَشْهَدَ شاهدَا فَرْعٍ على شاهِدَىْ أصْلٍ. قال القاضى: لا يَخْتلِفُ كلامُ أحمدَ فى هذا. وهو قولُ شُرَيْحٍ، والشَّعْبِىِّ، والحَسنِ، وابن شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى ليلَى، والثَّورىِّ، وإسْحاقَ،

стр. 7553

والْبَتِّىِّ، والْعَنْبَرىِّ، ونُمَيْرِ بنِ أوسٍ. قال إسْحاقُ: لم يَزَلْ أهلُ العلمِ على هذا، حتى جاء هؤلاء. وقال أحمدُ: وشاهدٌ على شاهدٍ يَجوزُ، لم يَزَلِ الناسُ على ذا؛ شُرَيْحٌ فمَن دُونَه، إِلَّا أَنَّ أبا حنيفةَ أنْكَرَه. وذهَبَ أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ بَطَّةَ، إلى أنَّه لا يُقْبَلُ على كلِّ شاهدِ أصْلٍ إِلَّا شاهدا فَرْعٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشَّافعىِّ؛ لأنَّ شاهِدَىِ الفَرْعِ يُثْبتانِ شَهادةَ شاهِدَىِ الأَصْلِ، فلا تَثْبُتُ شهادةُ كلِّ واحد منهما بأقلَّ من شاهِدَيْنِ، كما لا يَثْبُتُ إقْرارُ مُقِرَّيْنِ بشهادةِ اثْنَيْنِ، يَشْهدُ على كلِّ واحدٍ منهما واحدٌ. ولَنا، أَنَّ هذا يَثْبُتُ بشاهِدَيْنِ، وقد شهِدَ اثنان بما يُثْبتُه، فيَثْبُتُ، كما لو شَهِدَا بنَفْسِ الحقِّ، ولأنَّ شاهِدَى الفَرْعِ بدَلٌ مِن شُهودِ الأَصْلِ، فَيَكْفِى فى عَددِهما (٣١) ما يَكْفِى فى شَهادةِ الأصلِ، ولأنَّ هذا إجْماعٌ، على ما ذكرَه أحمدُ وإسْحاقُ، ولأنَّ شاهِدَىِ الفَرْعِ لا يَنْقُلانِ عن شاهِدَىِ الأَصْلِ حقًّا عليهما، فوجَبَ أن يُقْبَلَ فيه قولُ واحدٍ، كأخْبارِ الدِّياناتِ، فإنَّهم إنَّما يَنْقُلون الشَّهادَةَ، وليست حقًّا عليهما (٣٢)، ولهذا لو أنْكرَاها لم يُعِدِ الحاكمُ عليهما، ولم يَطْلُبْها منهما. وهذا الجوابُ عمَّا ذكَرُوه. فإذا ثبَتَ هذا، فمَن اعْتبَرَ لكُلِّ شاهِدِ أصْلٍ شاهِدَىْ فَرْعٍ، أجازَ أن يشْهدَ شاهدان على كلِّ واحدٍ من شاهِدَىِ الأَصْلِ. وبهذا قال مالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال الشَّافعىُّ: ورأيتُ كثيرًا من الحُكَّامِ والمُفْتِينَ يُجيزُه. وخرَّجَه على قَوْلَيْنِ؛ أحدُهما، جوازُه. والآخَرُ، لا يَجوزُ حتى يكونَ شُهودُ الفَرْعِ أرَبعةً، على كلِّ شاهدِ أصلٍ شاهدَا فَرْعٍ. واخْتارَه المُزَنِىُّ؛ لأنَّ مَن يَثْبُتُ به أحَدُ طَرَفَى الشَّهادةِ، لا يَثْبُتُ به الطَّرفُ الآخَرُ، كما لو شهِدَ أصْلًا (٣٣) [مع شاهدٍ] (٣٤)، ثم شهِدَ مع آخَرَ على شَهادةِ (٣٥) شاهِدِ الأَصْلِ الآخَرِ. ولَنا، أنَّهما شَهِدَا على قَوْليْنِ، فوجَبَ أن يُقْبَلَ، كما لو شهِدَا [بإقْرار اثْنَيْن، أو بإقْرَارَيْن بحَقَّيْن] (٣٦). وإنَّما لم يَجُزْ أن يَشْهدَ شاهدُ الأَصْلِ فَرْعًا؛ لأنَّه يُؤدِّى إلى أن يكونَ بَدَلٌ أصْلًا فى شهادةٍ بحقٍّ، وذلك لا يجوزُ، ولأنَّهم

стр. 7554

يُثْبِتونَ بشَهادتِهم شَهادةَ الأَصْلِ، وليست شَهادةُ أحدِهم ظَرْفًا لشَهادةِ الآخَرِ، فعلى قولِ الشَّافعىِّ أن يَثْبُتَ الحقُّ بشَهادةِ رَجلٍ وامرأتيْنِ، وجَبَ أن يكونَ شُهودُ الفَرْعِ سِتَّةً، وإن كان حقٌّ يَثبُ بأربعِ نِسْوةٍ، وجَبَ (٣٧) أن يكونَ شُهودُ الفَرْعِ ثمانيةً، وإن كانَ المشْهودُ به زنًى، خُرِّج فيه خمسةُ أقوالٍ، أحدُها، لا مَدْخلَ لشهادةِ الفَرْعِ فى إثْباتِه. والثانى، يجوزُ، ويَجبُ أن يكونَ شُهودُ الفَرْعِ سِتَّةَ عشرَ، فيَشْهدَ على شَهادةِ كلِّ واحدٍ من شُهودِ الأصلِ أرَبعةٌ. الثالثُ، يَكْفى ثَمانيةٌ. والرابع، يَكونون أربعةً، يَشْهدونَ على كلِّ واحدٍ. والخامس، يَكْفِى شاهدان يَشْهَدان على كلِّ واحدٍ من شُهودِ الأَصْلِ. وهذا إثباتٌ لحدِّ الزنَى بشاهِدَيْنِ، وهو بَعِيدٌ. فصل: وإن شهِدَ بالحقِّ شاهدَا أصْلٍ، وشاهِدَا فَرْع، يَشْهدان على شَهادةِ أصلٍ آخَرَ، جازَ. وإن شَهِدَ شاهدُ أصلٍ، وشاهدُ فَرْعٍ، خُرِّجَ فيه من الخلافِ ما ذكرْنا مِن قَبْلُ، وإن شهدَ شاهدُ أصلٍ، ثم شهدَ هو وآخَرُ فَرْعًا على شاهدِ أصْلٍ آخَرَ، لم تُفِدْ شَهادتُه (٣٨) الفَرْعِيَّةُ شيئًا، وكان حُكْمُ ذلك حُكْمَ ما لو شَهِدَ على شَهادتِه (٣٩) شاهِدٌ واحدٌ. ١٩٠٨ - مسألة؛ قال: (وَيَشْهَدُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِلشَّاهِدِ: اشْهَدْ عَلَىَّ) اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فى هذهِ المسألةِ، فالمذهبُ ما ذكرَه الخِرَقىُّ، وبه قال الشَّعْبِىُّ، والشَّافِعىُّ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ ثانيةٌ، لا يَشْهَدُ حتى يُقولَ له المُقِرُّ: اشْهَدْ علىَّ. كما أنَّه لا يجوزُ أن يَشْهَدَ على شَهادةِ رجلٍ حتى يَسْترْعِيَه إيَّاها، ويقولَ له: اشْهَدْ على شَهادتِى. وعنه، روايةٌ ثالثَةٌ، إذا سَمِعَه يُقِرُّ بقَرْضٍ، لا يَشْهَدُ، وإذا سمِعَه يُقِرُّ بدَيْنٍ، يَشْهَدُ (١)؛

стр. 7555

لأنَّ المقِرَّ بالدَّيْنِ (٢) مُعْتَرِفٌ أنَّه عليه، والمُقِرَّ بالقَرْضِ لا يَعْتَرِفُ بذلك، لجَوازِ أن يكونَ اقْتَرَض منه، ثم وَفَّاهُ. وعنه روايةٌ رابعةٌ، إذا سمِعَ شيئًا، فدُعِىَ إلى الشَّهادةِ به (٢)، فهو بالخِيارِ، إن شاءَ شَهِدَ، [وإن شاءَ] (٣) لم يَشْهَدْ. قال: ولكن يَجِبُ عليه إذا أُشْهِدَ أن يَشْهَدَ إذا دُعِىَ، ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٤). قال: إذا أُشْهدُوا. وقال ابنُ أبى موسى: إذا سَمِعَ رجلًا يُقِرُّ لرَجلٍ بحَقٍّ، ولم يَقُل: اشْهَدْ علىَّ بذلك. وَسِعَ (٥) الشَّاهدَ (٦) أن يَشْهدَ عليه، فيقولَ: أشْهَدُ أنِّى حضَرْتُ إقْرارَ فُلانٍ بكذا. ولا يقولُ: أشْهَدُ على إقْرارِه. وإن سمعَه يقولُ: اقْترَضْتُ من فلانٍ، أو قَبَضْتُ من فُلانٍ. لم يَجُزْ أن يشْهَدَ به. [والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الشاهِدَ يَشْهَدُ بما عَلِمَه، وقد حصَلَ له العلمُ بسَماعِه، فجازَ أن يَشْهَدَ به] (٧)، كما يجوزُ أن يَشْهَدَ بما رآهُ مِن الأفْعالِ. وذكرَ القاضى أَنَّ فى الأفْعالِ رِوَايَتيْنِ؛ إحداهما، لا يَشْهَدُ به حتى يقولَ المشْهودُ عليه: اشْهَدْ. وهذا إن أرادَ به العُمومَ فى جميعِ الأفْعالِ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّى إلى مَنْعِ الشَّهادةِ عليها بالكُلِّيَّةِ، فإِنَّ الغاصِبَ لا يقولُ لأحدٍ: اشْهَدْ علىَّ أنِّى أغْصِبُ. ولا السَّارِقُ، ولا الزَّانِى، ولا القاتلُ، وأشْباهُ هؤلاء. وقد شهِدَ أبو بَكْرةَ وأصحابُه على المُغِيرةِ بالزِّنَى، فلم يَقُلْ عمرُ: هل أَشْهدَكم أو لا (٨). ولا قالَه للذين (٩) شَهِدُوا على قُدامَةَ بشُربِ الخَمْرِ (١٠)، ولا قالَه عثمان (١١) للذين شهِدوا بذلك (١٢) على الوَليدِ بنِ عُقْبَةَ (١٣).

стр. 7556

[ولم يقُلْ هذا أحدٌ من الصحابةِ، ولا من غيرِهم] (١٤). وإن أرادَ به الأفعالَ التى تكونُ بالتَّراضِى، كالقَرْضِ، والقَبْضِ فيه، وفى الرَّهنِ والبَيْعِ، والافْتراقِ، ونحوِ ذلك، جازَ. فصل: ولو حضرَ شاهدان حِسابًا بين اثْنَيْنِ (١٥)، شَرَطَا عليهما أن لا يَحْفظَا عليهما شيئًا، كان للشَّاهِدَيْنِ أن يَشْهَدَا بما سَمِعاه منهما، ولم يَسْقُطْ ذلك بشَرْطِهما (١٦)؛ لأنَّ للشَّاهدِ أن يَشْهدَ بما سمِعَه أو عَلِمَه، وذلك قد حصَلَ له، سواءٌ أشَهدَه أو سَمِعَه، وكذلك يَشْهدانِ على العُقودِ بحُضورِها، وعلى الجناياتِ بمُشاهَدتِها، ولا يَحْتاجان إلى إشْهادٍ. وبهذا قال ابنُ سِيرينَ، ومالكٌ، والثَّورىُّ، والشَّافعىُّ. فصل: والحقوقُ على ضَرْبَيْنِ؛ أحدهما، حقٌّ لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، كالحقوقِ الماليَّةِ، والنِّكاحِ، وغيرِه من العُقودِ والعُقوباتِ، كالقِصاصِ، وحدِّ القَذْفِ، والوقْفِ على آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، فلا تُسْمَعُ الشَّهادةُ فيه إِلَّا بعدَ الدَّعْوَى، لأنَّ الشَّهادةَ فيه حقٌّ لآدَمِىٍّ، فلا تُسْتَوْفَى إِلَّا بعدَ مُطالبَتِه وإذْنِه، ولأنَّها حُجَّةٌ على الدَّعْوَى، ودَليلٌ لها، فلا يجوزُ تَقَدُّمُها (١٧) عليها. والضَّرْب الثانى، ما كان حقًّا لآدَمِىٍّ غيرِ مُعَيَّنٍ، كالوَقْفِ على الفُقراءِ، والمساكينِ، أو جميعِ المُسلمين، أو على مَسْجدٍ، أو سِقايةٍ، أو مَقْبَرةٍ مُسَبَّلَةٍ، أو الوَصيَّةِ لشَىءٍ من ذلك، ونحوِ هذا، أو ما كان حقًّا للَّهِ تعالى، كالحُدودِ الخَالِصةِ للَّه تعالى، أو الزَّكاةِ، أو الكفَّارةِ، فلا تَفتَقِرُ الشَّهادةُ به إلى تَقَدُّمِ الدَّعْوَى؛ لأنَّ ذلك ليس له مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ من الآدَمِيِّين يَدَّعِيه، ويُطالِبُ به، ولذلك شهِدَ أبو بَكْرَةَ وأصْحابُه على المُغيرةِ، وشَهِدَ الْجَارودُ وأبو هُرَيْرَةَ على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ بشُرْبِ الخمرِ، وشَهِدَ الذين شَهِدُوا على الوَليدِ بنِ عُقْبةَ بشُرْبِ الخَمرِ أيضًا، من غيرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى، فأُجِيزَتْ شَهادتُهم، ولذلك لم يُعْتَبَرْ فى ابْتداءِ الوَقْفِ قَبولٌ من أحدٍ، ولا رِضًى منه. وكذلك ما لا يتعلَّقُ به حقُّ أحدِ الغَرِيمَيْنِ (١٨)، كتَحْريِم الزَّوجةِ بالطَّلاقِ، أو الظِّهارِ، أو إعْتاقِ الرَّقيقِ، تجوزُ الحِسْبَةُ به، ولا تُعْتَبرُ فيه دَعْوَى. ولو شهِدَ شاهِدان بعِتْقِ عَبدٍ أو أمَةٍ

стр. 7557

ابْتداءً، ثَبَتَ ذلك، سَواءٌ صدَّقَهما [المشْهودُ بعِتْقِه، أو لم يُصَدِّقْهما] (١٩). وبهذا قال الشَّافعىُّ. وبه قال أبو حنيفةَ فى الأَمَةِ. وقال فى العبدِ: لا يَثْبُتُ، ما لم يُصدِّقِ العبدُ به، ويَدَّعِيه؛ لأنَّ العِتْقَ حقُّه، فأشْبَهَ سائرَ حُقوقِه. ولَنا، أنَّها شَهادةٌ بعِتْقٍ، فلا تَفْتقِرُ إلى تَقدُّمِ (٢٠) الدَّعْوَى، كعِتْقِ الأَمَةِ، ويُخالِفُ سائرَ الحُقوقِ؛ لأنَّه حقٌّ للَّهِ تعالى، ولهذا لا يَفْتقرُ إلى قَبولِ العِتْقِ (٢١). ودليلُ ذلك الأمَةُ. وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بعِتْقِ الأَمَةِ. فإن قال (٢٢): الأمَةُ يتعلَّقُ بإعْتاقِها تَحْريمُ الوَطْءِ. قُلْنا: هذا لا أثرَ له، فإِنَّ البَيْعَ (٢٣) يُوجِبُ تحْريمَها عليه، ولا تُسْمَعُ الشَّهادةُ به (٢٤) إِلَّا بعدَ الدَّعْوَى. فصل: ومَن كانت عندَه شهادةٌ (٢٥) لآدَمِىٍّ، لم يَخْلُ؛ إمَّا أن يكونَ عالمًا بها، أو غيرَ عالمٍ، فإن كان عالمًا بها، لم يَجُزْ للشَّاهدِ أداؤُها حتى يَسْأَلَه ذلك؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُوَنهُمْ، ثُمَّ يَأْتِى قَوْم يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ". روَاه البُخارِىُّ (٢٦). ولأنَّ أداءَها حقٌّ للمَشْهودِ له، فلا يُسْتَوْفَى إِلَّا بِرِضاهُ كسائرِ حُقوقِه. وإن كان المشهودُ له غيرَ عالمٍ بها، جازَ للشاهدِ أداؤُها قبلَ طَلَبِها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أَلَا أنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِى يأْتِى بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلهَا". روَاه مُسلمٌ، وأبو داودَ، ومالِكٌ (٢٧).

стр. 7558

وقال مالكٌ: هو الذى يأتى بشَهادتِه، ولا يَعْلَمُ بها الذى هى له. وهذا الحديثُ وإن كان مُطْلَقًا، فإنَّه يَتعيَّنُ حَمْلُه على هذه الصُّوَرِ، جَمْعًا بين الحَديثيْنِ؛ ولأنَّه إذا لم يَكُنْ عالمًا بها، فتَرْكُه طلبَها لا يَدُلُّ على أنَّه لا يُرِيدُ إقامتَها، بخِلافِ العالمِ بها. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. فصل: ويُعْتَبَرُ لفظُ الشَّهادةِ فى أدائِها، فيَقولُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ بكذا. ونحوَه. ولو قال: أعلمُ، أو أُحِقُّ، أو أتَيقَّنُ، أو أَعرِفُ. لم يُعْتَدَّ به؛ لأنَّ الشَّهادةَ مَصدرُ شَهِدَ يَشْهَدُ شَهادَةً، فلابُدَّ من الإِتْيانِ بفِعْلِها المُشْتقِّ منها، ولأنَّ فيها معنًى لا يَحْصُلُ فى غيرِها من اللَّفَظاتِ؛ بدليلِ أنَّها تُسْتعمَلُ فى اليَمِينِ، فيُقالُ: أشْهَدُ باللَّهِ. ولهذا تُسْتَعْمَلُ فى اللِّعانِ، ولا يَحْصُلُ ذلك من غيرِها. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ، ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا. ١٩٠٩ - مسألة؛ قال: (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُسْتَخْفِى، إِذَا كَانَ عَدْلًا) المُستَخْفِى: هو الذى يُخْفِى نَفسَه عن المَشْهودِ عليه؛ ليَسْمَعَ إقْرارَه، ولا يَعْلَمُ به، مثلُ مَن يَجْحَدُ الحَقَّ عَلانِيَةً، ويُقِرُّ به سِرًّا، فيَخْتَبِئُ شاهدان فى مَوْضعٍ لا يَعْلَمُ بهما، ليَسْمَعا إقْرارَه به، ثم يَشْهَدا به، فشَهادتُهما مَقْبولَةٌ، على الرِّوايةِ الصَّحيحةِ. وبهذا قالَ عمرُو (١) بنُ حُرَيْثٍ. وقال: كذلك يُفْعَلُ بالخائنِ والفاجر (٢). ورُوِىَ مثلُ ذلك عن شُرَيْحٍ (٣). وهو قولُ الشَّافِعىِّ. ورُوِىَ عن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى، لا تُسْمَعُ شَهادتُه، وهو اخْتيارُ أبى بكرٍ، وابنِ أبى موسى. ورُوِىَ ذلك عن شُرَيْحٍ (٤)، والشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (٥). ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ

стр. 7559

ثُمَّ الْتَفَتَ، فَهِىَ أَمَانَةٌ" (٦). يَعنى أنَّه لا يجوزُ لسامعه ذِكْرُه عنه؛ لالْتِفاتِه وحَذَرِه. وقال مالكٌ: إن كان المشْهودُ عليه ضَعِيفًا ينْخَدِعُ (٧)، لم يُقْبَلا عليه، وإن لم يَكنْ كذلك، قُبلَتْ. ولَنا، أنَّهما شَهِدَا بما سَمِعاه يَقينًا، فقُبِلَتْ شهادتُهما، كما لو عَلِمَ بهما (٨).

стр. 7560

كتاب الأَقْضِيَة ١٩١٠ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ، ﵀: (وَإِذَا هَلَك رَجُلٌ، وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ وَمِائَتَىْ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ دَيْنًا عَلَى أبِيه لِأَجْنَبِىٍّ، دَفَعَ إِلَى المُقَرِّ لَهُ نِصْفَ مَا فِى يَدهِ مِنْ إِرْثِهِ عَنْ أَبِيه، إِلَّا أَنْ يَكُونَ المُقِرُّ عَدْلًا، فَيَشَاءَ الْغَرِيمُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَةِ الِابْنِ، وَيَأْخُذَ مِائَةً، وَتَكُونَ الْمِائَةُ الْبَاقِيةُ بَيْنَ الابْنَيْنِ) هذه المسألةُ فى الإِقْرارِ مِن بعض الوَرثَةِ، وقد ذكرْناها فى بابِ الإِقْرارِ (١)، وأنَّه إنَّما يَلْزمُ المُقِرَّ مِن الدَّينِ بقَدْرِ مِيرَاثِه منه، ومِيراثُه ههُنا النِّصْفُ، فيَكونُ عليه نِصفُ الدَّينِ؛ وهو نِصْفُ المِائةِ، ونِصْفُها الباقى يَشْهَدُ به على أخيه، فإنْ كان عَدْلًا، فشاءَ الغَرِيمُ، حَلَفَ مع شَهادتِه، واسْتحَقَّ الباقىَ؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ فى حقِّ الابنِ المُقِرِّ، فإنَّه لا يَجُرُّ إلى نفسِه بهذه الشَّهادةِ نَفْعًا، ولا يَدْفعُ بها ضُرًّا. وإن شهِدَ أجْنَبِىٌّ مع الوارِثِ المُقِرِّ، كَمَلَتِ الشَّهادةُ، وحُكِمَ للمُدَّعِى بما شهِدا به له، إذا كانا عَدْلَين، وأدَّيا الشَّهادةَ بلفظِ الشَّهادةِ، ولا يُكْتفَى بلَفْظِ الإِقرارِ فى الشَّهادةِ؛ لما ذكرْنا مِن قَبْلُ. وإن كان الإِقْرارُ من اثْنيْنِ مِن الوَرثةِ عَدْلَينِ؛ مثل أن يُخلفَ ثلاثةَ بَنِينَ، فيُقرَّ اثْنانِ منهم بالدَّينِ، ويَشْهدانِ به، فإِنَّ شَهادتَهما تُقْبَلُ، ويَثْبُتُ باقى الدَّينِ فى حقِّ المُنْكرِ. وبهذا كله قال الحَسنُ، والشَّعْبىُّ (٢)، والشَّافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال حمَّادٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: المُقَرُّ به كلُّه فى نَصِيبِ المُقِرِّ. وهو قَولُ الشَّعْبِىِّ، وعلى هذا يَنْبَغِى (٣) أَنْ لا تُقْبَلَ شَهادةُ المُقِرِّ بالدَّينِ؛ لأنَّه يَجُرُّ بشَهادتِه نَفْعًا إلى نَفْسِه، وهو إسْقاطُ بعض ما أقَرَّ به عن نفسِه. والإِقْرارُ بوَصِيَّةٍ تَخْرُجُ من الثُّلثِ، كالإِقْرارِ بالدَّينِ، فيما (٤) ذكرْناه.

стр. 7561

فصل: ولو ثبَتَ لرَجلٍ على رجلٍ دَينٌ ببَيِّنَةٍ، لم يَمْنَعْ ذلك قبُولَ شَهادتِه عليه بدَينٍ أو وَصِيَّةٍ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إِلَّا ابنَ أبى ليلَى، قال: لا تُقْبَلُ شَهادتُه على غرِيمِه الميِّتِ بذلك. فيَحْتَمِلُ أنَّه مَنَعَ من ذلك لئَلَّا يُواطِئَ مَن يَشْهَدُ له بدَينٍ، فيُحاصَّ (٥) الغُرَماءَ بما شَهدَ له به ثم يُقاسمُه. ولَنا، أنَّه عَدْلٌ غيرُ مُتَّهمٍ، فتُقْبَلُ شَهادتُه له كغَيرِه، وذلك لأنَّه لا يَجرُّ بشَهادتِه إلى نفسِه نَفْعًا، ولا يَدْفعُ بها ضُرًّا، بل يَضُرُّ نفسَه، لكَوْنِ المَشْهودِ له يُزاحِمُه فى الاسْتيفاءِ، ويَنْقُصُ ما يَأخذُه، فهو أقْرَبُ إلى الصِّدْقِ، وأحْرَى أن تُقْبلَ شَهادتُه، وما ذكرْناه له من الاحتمالِ يُوجَدُ فى الأجْنَبِىِّ، ولم يَمْنعْ قَبولَ شَهادتِه. ١٩١١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ هَلَكَ رَجُلٌ عَنِ ابْنَيْنِ، وَلَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ، وَعَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ مَا يَسْتَغرِقُ مِيرَاثَهُ، فَأَبَى الْوَارِثَانِ أَنْ يَحْلِفَا مَعَ الشَّاهِدِ، لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمَيِّتِ، ويَسْتَحِقَّ، فَإِنْ حَلَفَ الْوَارِثَانِ مَعَ الشَّاهِدِ، حُكِمَ بِالدَّيْنِ، فَدُفِعَ إِلَى الْغَرِيمِ) وجملتُه أَنَّ الرَّجلَ إذا ماتَ مُفْلِسًا، وادَّعَى وَرثتُه دَينًا له على رَجلٍ، فأنْكَرَ، فأقامُوا شاهِدًا عَدْلًا، وحَلَفُوا معه، حُكِمَ بالدَّينِ للميِّتِ، ثم تُقْضَى منه دُيونُه، ثم تُنَفَّذُ وَصاياهُ من الثُّلثِ، إِلَّا أن يُجِيزَ الوَرثةُ، فإن أبى الوَرثةُ أن يَحْلِفُوا، لم يكُنْ للغَريمِ أَنْ يحْلِفَ [مع شاهدِ الميِّتِ. وبهذا قالَ إسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، والشَّافعىُّ فى الجَديدِ، وقال فى القَديمِ: للغَريمِ أن يَحْلِفَ] (١)، ويَستحِقَّ. وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّ حقَّه مُتعَلِّقٌ به، بدليلِ أنَّه لو ثبَتَ المالُ، قُدِّمَ حقُّه على الوَرثةِ، وكانتْ له اليَمِينُ كالوارثِ. ولَنا، أَنَّ الدَّينَ للوَرثةِ دونَ الغَريمِ، فلم يكُنْ له أن يَحْلِفَ عليه، كما لو لم يَسْتغرِقِ الدَّينُ مِيراثَه، والدَّليلُ على أنَّه للوارثِ، أنَّه يُكْتَفَى بيَمينِه، ولو كان لغَيرِه لَما اكْتُفِىَ بها، ولأنَّ حقَّ الغريمِ فى ذِمَّةِ المَيِّتِ، والدَّينُ للميِّتِ، ولهذا يَشْهدُ الشَّاهدُ بأنَّ الدَّينَ للميِّتِ، والذى يَحْلِفُ معه

стр. 7562

إنَّما يَحْلفُ على هذا، ولا يجوزُ للغَريِم أن يَحْلِفَ أَنَّ (٢) لى (٣) فى ذِمَّةِ المُدَّعَى عليه دَيْنًا، بالاتِّفاقِ، فلم يَجُزْ أن يَحْلِفَ على دَينِ غيرِه الذى لا فِعْلَ له فيه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما جَعَلَ اليَمِينَ للمالِكِ، ولا يَلْزَمُ على هذا الوكيلَ؛ لأنَّه يَحْلِفُ على فِعْلِ نفسِه؛ ولأنَّ الغَريمَ لو حَلَفَ مع الشَّاهدِ، ثم أَبَرْأَ الميِّتَ من الدَّينِ، لَرَجَعَ الدَّينُ إلى الوَرثةِ، ولو كان قد ثبَتَ له (٣) بيَمِينِه، لم يَرْجِعْ إليهم. وهكذا لو وَصَّى الميِّتُ لإِنسانٍ، ثم لم يَحْلِفِ الوَرثَةُ، لم يكُنْ للمُوصَى له أن يَحْلِفَ؛ لما ذكرْناه. فصل: فإن حلَفَ أحدُ الابْنَيْنِ مع الشَّاهدِ، لم يَثْبُتْ من الدَّينِ إِلَّا قَدْرُ حِصَّتِه. وهكذا إذا ادَّعَى الوَرثةُ وَصِيَّةً لأِبيهمِ أو دَينًا، وأقاموا شاهدًا، لم يَثْبُتْ جَميعُه إِلَّا بأيْمانِ جَميعِهم. وإن حلَفَ بَعضُهم، ثبَتَ من الدَّينِ والوَصِيَّةِ بقَدْرِ حَقِّه، ولا يُشارِكُه فيه باقى الوَرثةِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ لهم حَقٌّ بدُونِ أيمانِهم، ولا يجوزُ أن يَسْتحِقُّوا بيَمِينِ غيرِهم، ويَقْضِى مِن دَيْنِ أبيه بقَدْرِ ما ثَبَتَ له، فإن كان فى الوَرثةِ صَغيرٌ أو مَعتوهٌ، وُقِفَ حَقُّه، حتى يَبْلُغَ الصَّغيرُ ويَعْقِلَ المَعْتوهُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يْحلِفَ على حالِه، ولا يَحْلِفُ وَلِيُّه؛ لكَوْنِ اليَمِينِ لا تَدْخُلُها النِّيابةُ. وإن كان فيهم أخْرَسُ مَفهومُ الإِشارَةِ، حلَفَ وأُعْطِىَ حِصَّتَه، وإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، وُقِفَ حقَّه أيضًا. فإن ماتَ، أو ماتَ الصَّبِىُّ والمَعْتوهُ، قام وَرثتُهم مَقامَهم فى اليَمِينِ والاسْتحقاقِ. فإن طالبَ أولياؤُهما فى حَياتِهما بحَبْسِ المُدَّعَى عليه حتى يَبلُغَ الصَّبىُّ، ويُفيقَ المَجنونُ، ويَعْقِلَ الأخْرَسُ الإِشارةَ، أو بإقامةِ كَفيلٍ، لم يُجابُوا إلى ذلك؛ لأنَّ الحَبْسَ عذابٌ لا يُسْتحَقُّ على مَن لم يَثْبُتْ عليه حَقٌّ. فصل: وتَركِةُ الميِّتِ يَثْبُتُ المِلْكُ فيها لوَرثتِه، وسواءٌ كان عليه دَينٌ أو لم يَكُنْ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى مَن أفْلَسَ، ثم ماتَ، قال: قد انتقلَ المَبِيعُ (٤) إلى الوَرثةِ، وحصلَ مِلْكًا (٥) لهم. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان الدَّينُ يَسْتغرِقُ التَّرِكَةَ، مُنِعَ نَقْلُها إلى الوَرثةِ، وإِنْ كان لا يَسْتغرِقُها، لم يُمْنَعِ انْتِقالُ شَىءٍ منها. وقال أبو سعيد الإِصْطَخْرِىُّ:

стр. 7563

يُمْنَعُ بقَدْرِه. وقد أومأَ أحمدُ إلى مثل هذا، فإنَّه قال، فى أربعةِ بَنِينَ تركَ أبوهم دارًا وعليه دَينٌ، فقال أحدُ البَنِينَ: أنا أُعْطِى، ودَعُوا لى الرُّبعَ. فقال أحمدُ: هذه الدَّارُ للغُرَماءِ، لا يَرثون شيئًا حتى يُؤدُّوا (٦) الدَّينَ. وهذا يدُلُّ أنَّها لم تنتقلْ إليهم عندَه؛ لأنَّه مَنَعَ (٧) الوارثَ من إمْساكِ الرُّبعِ بدَفْعِ قِيمَتِه؛ لأنَّ الدَّينَ لم يَثْبُتْ فى ذِمَمِ الوَرثةِ، فيَجِبُ أن يَتعلَّقَ بالتَّرِكِة. والمذهبُ الأوَّلُ، ولهذا قُلْنا: إِنَّ الغريمَ لا يَحْلِفُ على دَينِ الميِّتِ. وذلك لأنَّ (٨) الدَّينَ مَحَلُّه الذِّمَّةُ، وإنما يَتعلَّقُ بالتَّركِةِ، فيتخيَّرُ الوَرثةُ بين [قَضاءِ الدَّينِ] (٩) منها، أو مِن غيرِها، كالرَّهْنِ والجانِى، ولهذا لا يَلْزَمُ الغُرماءَ (١٠) نَفَقةُ العبيدِ، ولا يكونُ نَماءُ التَّركةِ لهم، ولأنَّه لا يَخْلُو مِن أن تَنْتقِلَ إلى الوَرثةِ، أو إلى الغُرَماءِ، أو تَبْقَى للميِّتِ، أو لا تَكونَ لأحدٍ، لا يجوزُ أن تَنْتقِلَ إلى الغُرَماءِ؛ لأنَّها لو انْتقَلتْ إليهم، لَزِمَهم نَفَقةُ الحيوانِ (١١)، وكان نَماؤُها لهم غيرَ مَحْسوبٍ مِن دَيْنِهم، ولا يجوزُ أن تَبْقَى للميِّتِ؛ لأنَّه لم يَبْقَ أهْلًا للمِلْكِ، ولا يجوزُ أن [لا تَكونَ] (١٢) لأحَدٍ؛ لأنَّه مالٌ مَمْلُوكٌ، فلابُدَّ مِن مالكٍ؛ ولأنَّها لو بَقِيَتْ بغَيرِ مالِكٍ، لأُبيحَتْ لمَن يَتَملَّكُها، كسائِرِ المُباحاتِ، فثَبَتَ أنَّها انْتَقَلَتْ إلى الوَرثةِ. فعلى هذا، إذا نَمَتِ التَّركِةُ، مثل أَنْ غَلَتِ الدَّارُ، وأثْمرَتِ النَّخيلُ، ونُتِجَتِ الماشيةُ، فهو للوارِثِ، يَنْفرِدُ به، لا يتَعلَّقُ به حقُّ الغُرماءِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه، فأشْبَهَ كَسْبَ الجانى. ويَحْتمِلُ أن يَتعلَّقَ به حقُّ الغُرَماءِ؛ كنَماءِ الرَّهْنِ. ومَن اخْتارَ الأوَّلَ، قال: تَعَلُّقُ الحقِّ بالرَّهنِ آكَدُ؛ لأنَّه ثَبَتَ باخْتيارِ المالكِ ورِضاهُ، ولهذا مُنِعَ التَّصرُّفُ فيه، وهذا يَثْبُتُ بغَيرِ رضَى المالِكِ، ولم يُمْنَعِ التَّصرفُ، فكان أشْبَهَ بالجَانِى. وعلى الروايةِ الأُخْرَى، يَكونُ نَماءُ التَّركِةِ حُكْمُه حُكمُ التَّركِةِ، وما يُحْتاجُ إليه من المُؤْنَةِ منها. وإن تَصرَّفَ الوَرَثةُ فى التَّركِةِ، بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو قِسْمَةٍ، فعلى الرِّوايةِ الأُولَى، تَصرُّفُهم صَحيحٌ، فإن قَضُوا الدَّيْنَ وإلَّا نُقِضَتْ

стр. 7564

تَصرُّفاتُهم، كما لو تَصرَّفَ السَّيِّدُ فى العَبدِ الجانِى ولم يَقْضِ دَيْنَ الجِنايةِ. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، تَصرُّفاتُهم فاسدةٌ؛ لأنَّهم تَصرَّفوا فيما لم يَمْلِكوهُ. فصل: إذا خَلَّفَ ثَلاثَةَ بَنِينَ وأبَوْينِ، فادَّعَى البَنونَ أَنَّ أباهم وَقَفَ دارَه عليهم فى صِحَّتِه، وأقاموا بذلك شاهِدًا واحدًا، حلَفُوا معه، وصارَتْ وَقْفًا عليهم، وسقطَ حقُّ الأَبَوَيْن، وإن لم يَحْلِفُوا معه، ولم يَكُنْ على الميِّتِ دَيْنٌ ولا له وَصِيَّةٌ، حلَفَ الأبَوَان، وكان نَصِيبُهما طَلْقًا لهما، ونَصِيبُ البَنينِ وَقْفًا عليهم بإقْرارِهم؛ لأنَّه يَنفُذُ بإقْرارِهم. وإن كان على المَيِّتِ دَينٌ، أو وَصَّى بشَىءٍ، قُضِىَ دَيْنُه، ونَفَذَتْ وَصِيَّتُه، وما بَقِىَ بينَ الوَرثةِ، فما حصَلَ للبَنينَ كان وَقْفًا عليهم بإقْرارِهم. وإن حَلَفَ واحدٌ منهم، كان ثُلثُ الدَّارِ وَقْفًا عليه، والباقى يُقْضَى منه الدَّينُ وما فَضَلَ يَكونُ مِيراثًا، فىا حصَلَ للابْنَيْنِ منه كان وَقْفًا عليهما، ولا يَرِثُ الحالفُ شيئًا؛ لأنَّه يَعْترِفُ أنَّه لا يَسْتحِق منها شيئًا سِوَى ما وُقِفَ عليه. وإن حَلَفُوا كلُّهم، فثَبَتَ الوَقْفُ عليهم، لم يَخْلُ مِن أن يكونَ الوَقْفُ مُرَتَّبًا على بَطْنٍ، ثم على بَطْنٍ بعدَ بَطْنٍ أبدًا، أو مُشْتَرَكًا، فإن كان مُرَتَّبًا، فإذا انْقَرَضَ الأولادُ الثلاثةُ، انَتقلَ الوقفُ إلى البَطنِ الثانى، بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّه قد ثبَتَ كونُه وَقْفَا بالشَّاهِدِ (١٣) ويَمِينِ الأَوْلادِ، فلم يَحْتَجْ من انْتقَلَ (١٤) إليه إلى بَيِّنَةٍ، كما لو ثبَتَ بشاهِدَينِ، وكالمالِ المَوْرُوثِ. وكذاك إذا انْقرضَ الأولادُ، ورَجَع إلى المساكينِ، لم يَحْتاجُوا فى ثُبوتِه لهم إلى يَمِينٍ؛ لما ذكرْناه. وإن انْقرضَ أحدُ الأولادِ، انتقلَ نَصِيبُه منه إلى إخْوتِه، أو إلى مَن شَرَطَ الواقفُ انتقَالَه (١٥) إليه، بغَيْرِ يَمِينٍ؛ لما ذكرْنا. فإن امْتنَعَ البَطْنُ الأوَّلُ من اليَمِينِ، فقد ذكرْنا أَنَّ نَصِيبَهم يكونُ وَقْفًا عليهم بإقْرارِهم، فإذا انْقَرَضُوا، كان ذلك وَقْفًا على حَسْبِ ما أقرُّوا به، فإن كان إقْرارُهم أنَّه وَقْفٌ عليهم، ثم على أولادِهم، فقال أولادُهم: نحن نَحْلِفُ مع شاهدِنا، لتكونَ جميع الدَّارِ وَقْفًا لنا. فلهم ذلك؛ لأنَّهم يَنْقُلونَ الوَقفَ من الواقِفِ، فلهم إثْباتُه، كالبَطْنِ الأوَّلِ. فأمَّا إن حلَفَ أحدُ البنينَ، ونَكَلَ أخَواهُ، ثم مات الحالِفُ؛ نَظَرْتَ، فإن ماتَ بعدَ مَوْتِ إخْوَتِه، صُرِفَ نصيبُه إلى أولادِه، وَجْهًا واحدًا.

стр. 7565

وإن ماتَ فى حياةِ إخْوَتِه، ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَنْصرِفُ إلى إخْوتِه؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ للبطْنِ الثانى شىءٌ مع بَقاءِ أحدٍ من البَطنِ الأوَّلِ. والثانى، يَنْتقِلُ إلى أولادِه؛ لأنَّ أَخَويه أسْقَطَا حَقَّهما بنُكولِهما، فصارا كالمَعْدُومَيْنِ. والثالث، يُصْرَفُ إلى أقربِ عَصَبَةِ الواقفِ، [لأنَّه لم يُمْكِنْ صَرْفُه إلى الأخوَيْنِ، ولا إلى البَطنِ الثانى، لما ذكرْنا، فيُصْرَفُ إلى أقْربِ عَصَبةِ الواقفِ] (١٦)، إلى أن يَمُوتَ الأخَوانِ، ثم يعودُ إلى البَطْنِ الثانى. والأَوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ الأخَوَيْنِ لم يُسْقِطا حُقوقَهما، وإنَّما امْتَنَعَا من إقامةِ الحُجَّةِ عليه، ولذلك لو اعْتَرف لهما الأبَوانِ، ثبَتَ الوَقْفُ من غيرِ يَمِينٍ، وههُنا قد حصَلَ الاعْترافُ من البَطنِ الثانى، فوجبَ أن يَنْصَرِفَ إليهما؛ لحُصولِ الاتِّفاقِ من الجميعِ على استحقاقِهما له (١٧). فإن قيل: فإذا كان البَطْنُ الثانى صِغارًا، فما حصَلَ الاعْتِراف منهم. قُلْنا: قد حصَلَ الاعْترافُ من الحالِفِ الذى ثَبتَتِ الحُجَّةُ بيَمِينِه، وبالبَيِّنَةِ التى ثبَتَ بها الوَقْفُ، وبها يَسْتَحِقُّ البطنُ الثانى، فاكْتُفِىَ بذلك فى انْتِقالِه إلى الأخَويْنِ، كما يُكْتفَى به فى انْتقالِه إلى البطنِ الثانى بعدَ انْقراضٍ الأخَوَيْنِ، ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا، أنَّنا اكْتفَيْنا بالبَيِّنَةِ فى أصْلِ الوَقْفِ، وفى كَيفيَّتِه، وصِفتِه، وتَرْتِيبه، فيما عدا هذا المختلَفَ فيه، فيجِبُ أن يُكْتفَى به فيه. فأَما إن كان شَرْطُ الواقِفِ (١٨) أَنَّ مَن ماتَ منهم عن ولدٍ، انْتقَلَ نَصِيبُه إليه، انْتَقلَ إلى أولادِه، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه (١٩) لا مُنازِعَ لهم فيه. وإن ماتَ عن (٢٠) غيرِ ولدٍ، انْتقَلَ إلى أخَوَيْهِ (٢١)، على الوَجْهِ الصَّحِيحِ، ويُخَرَّجُ فيه الوَجْهانِ الآخَرانِ. الحال الثانى، إذا كانَ الوقفُ مُشْتَرَكًا، وهو أن يَدَّعُوا أَنَّ أبَاهم وَقَفَ دارَه على وَلدِه، ووَلَدِ ولدِه ما تَناسَلوا، فقد شَرَّكَ بين البُطونِ، ففى هذه الحالِ، إذا حلَفَ أولادُه الثَّلاثةُ مع شاهدِهم، ولم يكُنْ أحدٌ من أولادِهم معهم مَوجودًا، ثبَتَ الوَقفُ على الثَّلاثةِ. وإن كان مْن أوْلادِهم أحدٌ مَوجُودًا، فهو شَرِيكُهم، فإن كانَ كبيرًا حلَفَ واسْتحقَّ، وإن لم يَحلِفْ كان نَصيبُه مِيراثًا
следующие страницы →