← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

فصل: ولو ثبَتَ لرَجلٍ على رجلٍ دَينٌ ببَيِّنَةٍ، لم يَمْنَعْ ذلك قبُولَ شَهادتِه عليه بدَينٍ أو وَصِيَّةٍ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إِلَّا ابنَ أبى ليلَى، قال: لا تُقْبَلُ شَهادتُه على غرِيمِه الميِّتِ بذلك. فيَحْتَمِلُ أنَّه مَنَعَ من ذلك لئَلَّا يُواطِئَ مَن يَشْهَدُ له بدَينٍ، فيُحاصَّ (٥) الغُرَماءَ بما شَهدَ له به ثم يُقاسمُه. ولَنا، أنَّه عَدْلٌ غيرُ مُتَّهمٍ، فتُقْبَلُ شَهادتُه له كغَيرِه، وذلك لأنَّه لا يَجرُّ بشَهادتِه إلى نفسِه نَفْعًا، ولا يَدْفعُ بها ضُرًّا، بل يَضُرُّ نفسَه، لكَوْنِ المَشْهودِ له يُزاحِمُه فى الاسْتيفاءِ، ويَنْقُصُ ما يَأخذُه، فهو أقْرَبُ إلى الصِّدْقِ، وأحْرَى أن تُقْبلَ شَهادتُه، وما ذكرْناه له من الاحتمالِ يُوجَدُ فى الأجْنَبِىِّ، ولم يَمْنعْ قَبولَ شَهادتِه. ١٩١١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ هَلَكَ رَجُلٌ عَنِ ابْنَيْنِ، وَلَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ، وَعَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ مَا يَسْتَغرِقُ مِيرَاثَهُ، فَأَبَى الْوَارِثَانِ أَنْ يَحْلِفَا مَعَ الشَّاهِدِ، لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمَيِّتِ، ويَسْتَحِقَّ، فَإِنْ حَلَفَ الْوَارِثَانِ مَعَ الشَّاهِدِ، حُكِمَ بِالدَّيْنِ، فَدُفِعَ إِلَى الْغَرِيمِ) وجملتُه أَنَّ الرَّجلَ إذا ماتَ مُفْلِسًا، وادَّعَى وَرثتُه دَينًا له على رَجلٍ، فأنْكَرَ، فأقامُوا شاهِدًا عَدْلًا، وحَلَفُوا معه، حُكِمَ بالدَّينِ للميِّتِ، ثم تُقْضَى منه دُيونُه، ثم تُنَفَّذُ وَصاياهُ من الثُّلثِ، إِلَّا أن يُجِيزَ الوَرثةُ، فإن أبى الوَرثةُ أن يَحْلِفُوا، لم يكُنْ للغَريمِ أَنْ يحْلِفَ [مع شاهدِ الميِّتِ. وبهذا قالَ إسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، والشَّافعىُّ فى الجَديدِ، وقال فى القَديمِ: للغَريمِ أن يَحْلِفَ] (١)، ويَستحِقَّ. وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّ حقَّه مُتعَلِّقٌ به، بدليلِ أنَّه لو ثبَتَ المالُ، قُدِّمَ حقُّه على الوَرثةِ، وكانتْ له اليَمِينُ كالوارثِ. ولَنا، أَنَّ الدَّينَ للوَرثةِ دونَ الغَريمِ، فلم يكُنْ له أن يَحْلِفَ عليه، كما لو لم يَسْتغرِقِ الدَّينُ مِيراثَه، والدَّليلُ على أنَّه للوارثِ، أنَّه يُكْتَفَى بيَمينِه، ولو كان لغَيرِه لَما اكْتُفِىَ بها، ولأنَّ حقَّ الغريمِ فى ذِمَّةِ المَيِّتِ، والدَّينُ للميِّتِ، ولهذا يَشْهدُ الشَّاهدُ بأنَّ الدَّينَ للميِّتِ، والذى يَحْلِفُ معه

стр. 7562

إنَّما يَحْلفُ على هذا، ولا يجوزُ للغَريِم أن يَحْلِفَ أَنَّ (٢) لى (٣) فى ذِمَّةِ المُدَّعَى عليه دَيْنًا، بالاتِّفاقِ، فلم يَجُزْ أن يَحْلِفَ على دَينِ غيرِه الذى لا فِعْلَ له فيه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما جَعَلَ اليَمِينَ للمالِكِ، ولا يَلْزَمُ على هذا الوكيلَ؛ لأنَّه يَحْلِفُ على فِعْلِ نفسِه؛ ولأنَّ الغَريمَ لو حَلَفَ مع الشَّاهدِ، ثم أَبَرْأَ الميِّتَ من الدَّينِ، لَرَجَعَ الدَّينُ إلى الوَرثةِ، ولو كان قد ثبَتَ له (٣) بيَمِينِه، لم يَرْجِعْ إليهم. وهكذا لو وَصَّى الميِّتُ لإِنسانٍ، ثم لم يَحْلِفِ الوَرثَةُ، لم يكُنْ للمُوصَى له أن يَحْلِفَ؛ لما ذكرْناه. فصل: فإن حلَفَ أحدُ الابْنَيْنِ مع الشَّاهدِ، لم يَثْبُتْ من الدَّينِ إِلَّا قَدْرُ حِصَّتِه. وهكذا إذا ادَّعَى الوَرثةُ وَصِيَّةً لأِبيهمِ أو دَينًا، وأقاموا شاهدًا، لم يَثْبُتْ جَميعُه إِلَّا بأيْمانِ جَميعِهم. وإن حلَفَ بَعضُهم، ثبَتَ من الدَّينِ والوَصِيَّةِ بقَدْرِ حَقِّه، ولا يُشارِكُه فيه باقى الوَرثةِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ لهم حَقٌّ بدُونِ أيمانِهم، ولا يجوزُ أن يَسْتحِقُّوا بيَمِينِ غيرِهم، ويَقْضِى مِن دَيْنِ أبيه بقَدْرِ ما ثَبَتَ له، فإن كان فى الوَرثةِ صَغيرٌ أو مَعتوهٌ، وُقِفَ حَقُّه، حتى يَبْلُغَ الصَّغيرُ ويَعْقِلَ المَعْتوهُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يْحلِفَ على حالِه، ولا يَحْلِفُ وَلِيُّه؛ لكَوْنِ اليَمِينِ لا تَدْخُلُها النِّيابةُ. وإن كان فيهم أخْرَسُ مَفهومُ الإِشارَةِ، حلَفَ وأُعْطِىَ حِصَّتَه، وإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، وُقِفَ حقَّه أيضًا. فإن ماتَ، أو ماتَ الصَّبِىُّ والمَعْتوهُ، قام وَرثتُهم مَقامَهم فى اليَمِينِ والاسْتحقاقِ. فإن طالبَ أولياؤُهما فى حَياتِهما بحَبْسِ المُدَّعَى عليه حتى يَبلُغَ الصَّبىُّ، ويُفيقَ المَجنونُ، ويَعْقِلَ الأخْرَسُ الإِشارةَ، أو بإقامةِ كَفيلٍ، لم يُجابُوا إلى ذلك؛ لأنَّ الحَبْسَ عذابٌ لا يُسْتحَقُّ على مَن لم يَثْبُتْ عليه حَقٌّ. فصل: وتَركِةُ الميِّتِ يَثْبُتُ المِلْكُ فيها لوَرثتِه، وسواءٌ كان عليه دَينٌ أو لم يَكُنْ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى مَن أفْلَسَ، ثم ماتَ، قال: قد انتقلَ المَبِيعُ (٤) إلى الوَرثةِ، وحصلَ مِلْكًا (٥) لهم. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان الدَّينُ يَسْتغرِقُ التَّرِكَةَ، مُنِعَ نَقْلُها إلى الوَرثةِ، وإِنْ كان لا يَسْتغرِقُها، لم يُمْنَعِ انْتِقالُ شَىءٍ منها. وقال أبو سعيد الإِصْطَخْرِىُّ:

стр. 7563

يُمْنَعُ بقَدْرِه. وقد أومأَ أحمدُ إلى مثل هذا، فإنَّه قال، فى أربعةِ بَنِينَ تركَ أبوهم دارًا وعليه دَينٌ، فقال أحدُ البَنِينَ: أنا أُعْطِى، ودَعُوا لى الرُّبعَ. فقال أحمدُ: هذه الدَّارُ للغُرَماءِ، لا يَرثون شيئًا حتى يُؤدُّوا (٦) الدَّينَ. وهذا يدُلُّ أنَّها لم تنتقلْ إليهم عندَه؛ لأنَّه مَنَعَ (٧) الوارثَ من إمْساكِ الرُّبعِ بدَفْعِ قِيمَتِه؛ لأنَّ الدَّينَ لم يَثْبُتْ فى ذِمَمِ الوَرثةِ، فيَجِبُ أن يَتعلَّقَ بالتَّرِكِة. والمذهبُ الأوَّلُ، ولهذا قُلْنا: إِنَّ الغريمَ لا يَحْلِفُ على دَينِ الميِّتِ. وذلك لأنَّ (٨) الدَّينَ مَحَلُّه الذِّمَّةُ، وإنما يَتعلَّقُ بالتَّركِةِ، فيتخيَّرُ الوَرثةُ بين [قَضاءِ الدَّينِ] (٩) منها، أو مِن غيرِها، كالرَّهْنِ والجانِى، ولهذا لا يَلْزَمُ الغُرماءَ (١٠) نَفَقةُ العبيدِ، ولا يكونُ نَماءُ التَّركةِ لهم، ولأنَّه لا يَخْلُو مِن أن تَنْتقِلَ إلى الوَرثةِ، أو إلى الغُرَماءِ، أو تَبْقَى للميِّتِ، أو لا تَكونَ لأحدٍ، لا يجوزُ أن تَنْتقِلَ إلى الغُرَماءِ؛ لأنَّها لو انْتقَلتْ إليهم، لَزِمَهم نَفَقةُ الحيوانِ (١١)، وكان نَماؤُها لهم غيرَ مَحْسوبٍ مِن دَيْنِهم، ولا يجوزُ أن تَبْقَى للميِّتِ؛ لأنَّه لم يَبْقَ أهْلًا للمِلْكِ، ولا يجوزُ أن [لا تَكونَ] (١٢) لأحَدٍ؛ لأنَّه مالٌ مَمْلُوكٌ، فلابُدَّ مِن مالكٍ؛ ولأنَّها لو بَقِيَتْ بغَيرِ مالِكٍ، لأُبيحَتْ لمَن يَتَملَّكُها، كسائِرِ المُباحاتِ، فثَبَتَ أنَّها انْتَقَلَتْ إلى الوَرثةِ. فعلى هذا، إذا نَمَتِ التَّركِةُ، مثل أَنْ غَلَتِ الدَّارُ، وأثْمرَتِ النَّخيلُ، ونُتِجَتِ الماشيةُ، فهو للوارِثِ، يَنْفرِدُ به، لا يتَعلَّقُ به حقُّ الغُرماءِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه، فأشْبَهَ كَسْبَ الجانى. ويَحْتمِلُ أن يَتعلَّقَ به حقُّ الغُرَماءِ؛ كنَماءِ الرَّهْنِ. ومَن اخْتارَ الأوَّلَ، قال: تَعَلُّقُ الحقِّ بالرَّهنِ آكَدُ؛ لأنَّه ثَبَتَ باخْتيارِ المالكِ ورِضاهُ، ولهذا مُنِعَ التَّصرُّفُ فيه، وهذا يَثْبُتُ بغَيرِ رضَى المالِكِ، ولم يُمْنَعِ التَّصرفُ، فكان أشْبَهَ بالجَانِى. وعلى الروايةِ الأُخْرَى، يَكونُ نَماءُ التَّركِةِ حُكْمُه حُكمُ التَّركِةِ، وما يُحْتاجُ إليه من المُؤْنَةِ منها. وإن تَصرَّفَ الوَرَثةُ فى التَّركِةِ، بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو قِسْمَةٍ، فعلى الرِّوايةِ الأُولَى، تَصرُّفُهم صَحيحٌ، فإن قَضُوا الدَّيْنَ وإلَّا نُقِضَتْ

стр. 7564

تَصرُّفاتُهم، كما لو تَصرَّفَ السَّيِّدُ فى العَبدِ الجانِى ولم يَقْضِ دَيْنَ الجِنايةِ. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، تَصرُّفاتُهم فاسدةٌ؛ لأنَّهم تَصرَّفوا فيما لم يَمْلِكوهُ. فصل: إذا خَلَّفَ ثَلاثَةَ بَنِينَ وأبَوْينِ، فادَّعَى البَنونَ أَنَّ أباهم وَقَفَ دارَه عليهم فى صِحَّتِه، وأقاموا بذلك شاهِدًا واحدًا، حلَفُوا معه، وصارَتْ وَقْفًا عليهم، وسقطَ حقُّ الأَبَوَيْن، وإن لم يَحْلِفُوا معه، ولم يَكُنْ على الميِّتِ دَيْنٌ ولا له وَصِيَّةٌ، حلَفَ الأبَوَان، وكان نَصِيبُهما طَلْقًا لهما، ونَصِيبُ البَنينِ وَقْفًا عليهم بإقْرارِهم؛ لأنَّه يَنفُذُ بإقْرارِهم. وإن كان على المَيِّتِ دَينٌ، أو وَصَّى بشَىءٍ، قُضِىَ دَيْنُه، ونَفَذَتْ وَصِيَّتُه، وما بَقِىَ بينَ الوَرثةِ، فما حصَلَ للبَنينَ كان وَقْفًا عليهم بإقْرارِهم. وإن حَلَفَ واحدٌ منهم، كان ثُلثُ الدَّارِ وَقْفًا عليه، والباقى يُقْضَى منه الدَّينُ وما فَضَلَ يَكونُ مِيراثًا، فىا حصَلَ للابْنَيْنِ منه كان وَقْفًا عليهما، ولا يَرِثُ الحالفُ شيئًا؛ لأنَّه يَعْترِفُ أنَّه لا يَسْتحِق منها شيئًا سِوَى ما وُقِفَ عليه. وإن حَلَفُوا كلُّهم، فثَبَتَ الوَقْفُ عليهم، لم يَخْلُ مِن أن يكونَ الوَقْفُ مُرَتَّبًا على بَطْنٍ، ثم على بَطْنٍ بعدَ بَطْنٍ أبدًا، أو مُشْتَرَكًا، فإن كان مُرَتَّبًا، فإذا انْقَرَضَ الأولادُ الثلاثةُ، انَتقلَ الوقفُ إلى البَطنِ الثانى، بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّه قد ثبَتَ كونُه وَقْفَا بالشَّاهِدِ (١٣) ويَمِينِ الأَوْلادِ، فلم يَحْتَجْ من انْتقَلَ (١٤) إليه إلى بَيِّنَةٍ، كما لو ثبَتَ بشاهِدَينِ، وكالمالِ المَوْرُوثِ. وكذاك إذا انْقرضَ الأولادُ، ورَجَع إلى المساكينِ، لم يَحْتاجُوا فى ثُبوتِه لهم إلى يَمِينٍ؛ لما ذكرْناه. وإن انْقرضَ أحدُ الأولادِ، انتقلَ نَصِيبُه منه إلى إخْوتِه، أو إلى مَن شَرَطَ الواقفُ انتقَالَه (١٥) إليه، بغَيْرِ يَمِينٍ؛ لما ذكرْنا. فإن امْتنَعَ البَطْنُ الأوَّلُ من اليَمِينِ، فقد ذكرْنا أَنَّ نَصِيبَهم يكونُ وَقْفًا عليهم بإقْرارِهم، فإذا انْقَرَضُوا، كان ذلك وَقْفًا على حَسْبِ ما أقرُّوا به، فإن كان إقْرارُهم أنَّه وَقْفٌ عليهم، ثم على أولادِهم، فقال أولادُهم: نحن نَحْلِفُ مع شاهدِنا، لتكونَ جميع الدَّارِ وَقْفًا لنا. فلهم ذلك؛ لأنَّهم يَنْقُلونَ الوَقفَ من الواقِفِ، فلهم إثْباتُه، كالبَطْنِ الأوَّلِ. فأمَّا إن حلَفَ أحدُ البنينَ، ونَكَلَ أخَواهُ، ثم مات الحالِفُ؛ نَظَرْتَ، فإن ماتَ بعدَ مَوْتِ إخْوَتِه، صُرِفَ نصيبُه إلى أولادِه، وَجْهًا واحدًا.

стр. 7565

وإن ماتَ فى حياةِ إخْوَتِه، ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَنْصرِفُ إلى إخْوتِه؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ للبطْنِ الثانى شىءٌ مع بَقاءِ أحدٍ من البَطنِ الأوَّلِ. والثانى، يَنْتقِلُ إلى أولادِه؛ لأنَّ أَخَويه أسْقَطَا حَقَّهما بنُكولِهما، فصارا كالمَعْدُومَيْنِ. والثالث، يُصْرَفُ إلى أقربِ عَصَبَةِ الواقفِ، [لأنَّه لم يُمْكِنْ صَرْفُه إلى الأخوَيْنِ، ولا إلى البَطنِ الثانى، لما ذكرْنا، فيُصْرَفُ إلى أقْربِ عَصَبةِ الواقفِ] (١٦)، إلى أن يَمُوتَ الأخَوانِ، ثم يعودُ إلى البَطْنِ الثانى. والأَوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ الأخَوَيْنِ لم يُسْقِطا حُقوقَهما، وإنَّما امْتَنَعَا من إقامةِ الحُجَّةِ عليه، ولذلك لو اعْتَرف لهما الأبَوانِ، ثبَتَ الوَقْفُ من غيرِ يَمِينٍ، وههُنا قد حصَلَ الاعْترافُ من البَطنِ الثانى، فوجبَ أن يَنْصَرِفَ إليهما؛ لحُصولِ الاتِّفاقِ من الجميعِ على استحقاقِهما له (١٧). فإن قيل: فإذا كان البَطْنُ الثانى صِغارًا، فما حصَلَ الاعْتِراف منهم. قُلْنا: قد حصَلَ الاعْترافُ من الحالِفِ الذى ثَبتَتِ الحُجَّةُ بيَمِينِه، وبالبَيِّنَةِ التى ثبَتَ بها الوَقْفُ، وبها يَسْتَحِقُّ البطنُ الثانى، فاكْتُفِىَ بذلك فى انْتِقالِه إلى الأخَويْنِ، كما يُكْتفَى به فى انْتقالِه إلى البطنِ الثانى بعدَ انْقراضٍ الأخَوَيْنِ، ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا، أنَّنا اكْتفَيْنا بالبَيِّنَةِ فى أصْلِ الوَقْفِ، وفى كَيفيَّتِه، وصِفتِه، وتَرْتِيبه، فيما عدا هذا المختلَفَ فيه، فيجِبُ أن يُكْتفَى به فيه. فأَما إن كان شَرْطُ الواقِفِ (١٨) أَنَّ مَن ماتَ منهم عن ولدٍ، انْتقَلَ نَصِيبُه إليه، انْتَقلَ إلى أولادِه، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه (١٩) لا مُنازِعَ لهم فيه. وإن ماتَ عن (٢٠) غيرِ ولدٍ، انْتقَلَ إلى أخَوَيْهِ (٢١)، على الوَجْهِ الصَّحِيحِ، ويُخَرَّجُ فيه الوَجْهانِ الآخَرانِ. الحال الثانى، إذا كانَ الوقفُ مُشْتَرَكًا، وهو أن يَدَّعُوا أَنَّ أبَاهم وَقَفَ دارَه على وَلدِه، ووَلَدِ ولدِه ما تَناسَلوا، فقد شَرَّكَ بين البُطونِ، ففى هذه الحالِ، إذا حلَفَ أولادُه الثَّلاثةُ مع شاهدِهم، ولم يكُنْ أحدٌ من أولادِهم معهم مَوجودًا، ثبَتَ الوَقفُ على الثَّلاثةِ. وإن كان مْن أوْلادِهم أحدٌ مَوجُودًا، فهو شَرِيكُهم، فإن كانَ كبيرًا حلَفَ واسْتحقَّ، وإن لم يَحلِفْ كان نَصيبُه مِيراثًا

стр. 7566

تُقْضَى منه الدُّيونُ، وتَنْفُذُ الوَصايَا، وباقِيه للوَرثةِ؛ لأنَّه يأْخُذُ الوقفَ ابتداءً من الواقفِ بغَيرِ واسِطَةٍ، فهو كأحَدِ البَنِينَ. وإن كانَ صغيرًا، أو حدَثَ لأحدِ البَنِينَ ولدٌ يُشارِكُهم فى الوَقْفِ، أو كان أحدُ البَنِينَ صَغيرًا، أُوقفَ (٢٢) نَصِيبُه مِن الوَقفِ عليه، ولا يُسلَّمُ إلى وَلِيِّه حتى يَبْلُغَ، فيَحْلِفَ أو يَمْتنِعَ؛ لأنَّه يَتلقَّى الوقفَ من غيرِ واسِطَةٍ. فإن قيل: فلِمَ لم يَسْتحِقَّ بغيرِ يَمِين، لكَوْنِ البَنِينَ المُسْتحِقِّينَ مُعْترِفينَ له بذلك، فيُكْتفَى باعْترافِهم، كما لو كان فى أيديهم دارٌ فاعْترَفُوا لصَغيرٍ منها بشِرْكٍ، فإنَّه يُسَلَّمُ إلى وَلِيِّه؟ قُلْنا: الفرقُ بينَهما أَنَّ الدَّارَ التى فى أيْدِيهم لم يَكُنْ لهم فيها مُنازِعٌ، ولا يُوجَبُ على أحدٍ منهم فيها يَمِينٌ، وهذه يُنازِعُهم فيها الأبوَانِ، وأصْحابُ الدُّيونِ والوَصايا، وإنَّما يَأْخُذونَها بأَيْمانِهم، فإذا أقَرُّوا بمُشارِكٍ لهم، فقد اعْترَفُوا بأنَّه كواحدٍ منهم، لا يَسْتحِقُّ إِلَّا بيَمِينِه، كما لا يَسْتحِقُّ واحدٌ منهم إِلَّا بالْيَمِينِ. ويُفارِقُ ما إذا كانَ الوقفُ مُرَتَّبًا على بَطنٍ بعدَ بَطنٍ، فإنَّه لا يُشارِكُهم أحدٌ من البَطْنِ الثانى. فإذا بلغَ الصَّغيرُ الموقوفُ نَصِيبُه، فحلَفَ، كان له، وإنِ امْتَنعَ نَظَرْتَ، فإن كانَ (٢٣) مَوجودًا حينَ الدَّعْوَى، أو قبلَ حَلِفِهم، كان نَصِيبُه مِيراثًا، كما لو كان بالِغًا، فامْتنَعَ منِ اليَمينِ، فإذا (٢٤) حدثَ بعدَ أيْمانِهم وثُبوتِ الوقفِ نَماءٌ، كان له نَصِيبُه أيضًا؛ لأنَّ الوَقف ثبَتَ فى جميعِ الدَّارِ بأيْمانِ البَنِينَ، فلا يَبْطُلُ بامْتِناعِ مَن حدثَ، إِلَّا أنَّه إِنْ أقَرَّ أنَّها ليست وَقْفًا، وكذَّبَ البَنِينَ فى ذلك، كان نَصِيبُه من الغَلَّةِ مِيراثًا، حكمُه حُكْمُ (٢٥) نَمَاءِ المِيراثِ، وإن لم يُكَذِّبْهِم، فنَصِيبُه وَقْفٌ له. وقال القاضى: إن امْتنَعَ من اليَمِينِ، رُدَّ نَصِيبُه إلى الأولادِ الثَّلاثةِ، ولم يُفرَّقْ بين مَن كان موجودًا حالَ الدَّعوَى والحادِثِ بعدَها؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَسْتَحِقَّ شيئًا بغيرِ يَمِينِه، ولا يجوزُ أن يَبْطُلَ الوقفُ الثَّابتُ بأيْمانِهم، فتعيَّنَ رَدُّ نَصِيبِه إليهم. ولَنا، أنَّه إن كانَ مَوجودًا حالَ الدَّعْوَى وحَلِفِهم، فهو شَرِيكُهم حين يَثْبُتُ الوقفُ، فلم يَجُزْ أن يَثْبُتَ الوَقفُ فى نَصِيبِه بغَيرِ يَمِينِه، كالبالِغِ، وإن كان حادِثًا بعدَ ثُبوتِ الوَقفِ بأيْمانِهم، فهم مُقِرُّون له بمالٍ، ولأنَّهم يُقِرُّون

стр. 7567

بأنَّهم لا يَسْتحقُّونَ أكثرَ من ثَلاثةِ أرْباعِ الوَقْفِ، فلا يجوزُ لهم أخْذُ أكثرَ من ذلك. وإن مات الصَّغيرُ قبلَ بُلوغِه، قامَ وارثُه مَقامَه، فيما ذكرْنا. وإن ماتَ أحدُ البَنِينَ البالغِينَ قبلَ بُلوغِ الصَّغيرِ، وُقِفَ أيضًا نَصِيبُه ممَّا كان لعمِّه الميِّتِ، وكان الحكمُ فيه، كالحُكْمِ (٢٦) فى نَصِيبِه الأصْلِىِّ. وقال القاضى: إن بلغ فامْتنَعَ من اليَمِينِ، فالرُّبعُ مَوقوفٌ إلى حينِ مَوْتِ الثالثِ، ويُقْسَمُ عليه (٢٧) بين البالِغِينَ ووَرثَةِ الميِّتِ؛ لأنَّه كان بين الثَّلاثةِ، ونَصِيبُه [من الميِّتِ] (٢٨) للبالغَيْن الحَيَّيْنِ خاصَّةً؛ لأنَّهما مُسْتحِقَّا الوَقْفِ. ١٩١٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى، وَذَكَرَ أَنَّ بَيِّنتَهُ بالْبُعدِ مِنهُ، فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِى بَيِّنَتَهُ، حُكِمَ بهَا، وَلَمْ تكُنِ الْيَمِينُ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ) وجملتُه أَنَّ المُدَّعِىَ إذا ذكرَ أَنَّ بيِّنتَه بعَيدةٌ منه، أو لا يُمْكِنُه إحْضارُها، [أو لا] (١) يُرِيدُ إقامَتَها، فطلبَ اليَمِينَ مِن المُدَّعَى عليه، أُحْلِفَ له، فإذا حلَفَ، ثم أحْضَرَ المُدَّعِى بَيِّنَةً، حُكِمَ له. وبهذا قال شُرَيْحٌ، والشَّعْبىُّ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والشَّافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسُفَ، وإسحاقُ. وحُكِىَ عن ابنِ أبى ليلَى، وداودَ، أَنَّ بَيِّنَتَه لا تُسْمَعُ؛ لأنَّ اليَمِينَ حُجَّةُ المُدَّعى عليه، فلا تُسْمَعُ بعدَها حُجَّةُ المُدَّعِى، كما لا تُسْمَعُ يَمِينُ المُدَّعَى عليه بعدَ بَيِّنَةِ المُدَّعِى. ولَنا، قولُ عمرَ، رضىَ اللَّهُ عنه: الْبَيِّنَةُ الصَّادِقةُ، أحبُّ إلىَّ من اليَمِينِ الفاجرَةِ (٢). وظاهرُ هذه البَيِّنَةِ الصِّدْقُ، ويَلْزَمُ مِن صِدْقِها فُجورُ اليَمِينِ المتقدِّمةِ، فتكونُ أَوْلَى، ولأنَّ كلَّ حالةٍ يَجِبُ عليه الحقُّ فيها بإقْرارِه، يَجِبُ عليه بالْبَيِّنَةِ، كما قبلَ اليَمِينِ، ومأ ذكَراهُ (٣) لا يَصحُّ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ الأصلُ، واليَمِينَ بَدلٌ عنها.

стр. 7568

ولهذا لا تُشْرَعُ إِلَّا عندَ تَعذُّرِها، والبَدَلُ يَبْطُلُ بالقُدرةِ على المُبدَلِ، كبُطْلانِ التَّيمُّمِ بالقُدْرةِ على الماءِ، ولا يَبْطُلُ الأصْلُ بالقُدرةِ على البدَلِ، ويَدُلُّ على الفَرْقِ بينهما، أنَّهما حالَ اجْتماعِهما، وإمْكانِ سَماعِهما، تُسْمَعُ البَيِّنَةُ، ويُحْكَمُ بها، ولا تُسْمَعُ اليَمِينُ، ولا يُسْألُ عنها. فصل: وإِنْ طلَبَ المُدَّعِى حَبْسَ المُدَّعَى عليه، أو إقامةَ كَفيلٍ به إلى أن تَحضُرَ بَيِّنَتُه البَعيدةُ، لم يُقْبَلْ منه، ولم يَكُنْ له مُلازَمةُ خَصْمِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لم يَثبُتْ له قِبَلَه حَقٌّ يُحْبَسُ به، ولا يُقِيمُ به كَفِيلًا، ولأنَّ الحَبْسَ عَذابٌ، فلا يَلْزَمُ مَعصومًا لم يتَوجَّهْ عليه حقٌّ، ولأنَّه لو جازَ ذلك، لتَمكَّنَ كلُّ ظالمٍ مِن حَبْسٍ مَن شاءَ مِن النَّاسِ بغَيرِ حَقٍّ. وإن كانَتْ بيِّنَتُه قَريبةً، فله مُلازَمتُه حتى يُحْضِرَها؛ لأنَّ ذلك مِن ضَرورةِ إقامَتِها، فإنَّه لو لم يَتمَكَّنْ مِن مُلازَمتِه، لَذَهَبَ مِن مَجلسِ الحاكمِ، ولا تُمْكنُ إقامتُها إِلَّا بحَضْرتِه، ولأنَّه لما تمَكَّنَ مِن إحْضارِه مَجْلِسَ الحاكمِ ليُقِيمَ البَيِّنةَ عليه، تَمكَّنَ مِن مُلازَمتِه فيه حتى تَحْضُرَ البَيِّنَةَ. وتُفارِقُ البَيِّنَةَ البَعيدةَ، أو مَن لا يُمْكِنُ حُضورُها، فإِنَّ إلْزامَه الإِقامةَ إلى حينِ حُضورِها يَحْتاجُ إلى حَبْسٍ، أو ما يَقومُ مَقامَه، ولا سَبِيلَ إليه. فصل: ولو أقامَ المُدَّعِى شاهِدًا واحدًا، ولم يَحْلِفْ معه، وطلبَ يَمِينَ المُدَّعَى عليه، أحْلِفَ له، ثم إن (٤) أَحضَرَ شاهدًا آخَرَ بعدَ ذلك، كَمَلَتْ بَيِّنتُه، وقُضِىَ بها؛ لما ذكرْنا فى التى قبلَها. وإن قال المُدَّعِى: لى بَيِّنةٌ حاضِرةٌ، وأُريدُ إحْلافَ المُدَّعَى عليه، ثم أقِيمُ البَيِّنَةَ عليه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، له ذلك، ويَسْتحلِفُ خَصْمَه؛ لأنَّه يَمْلِكُ اسْتِحْلافَه إذا كانت بَيِّنتُهُ بعيدةً، فكذلك إذا كانت قَريبةً؛ ولأنَّه لو قال: لا أُرِيدُ إقامةَ بَيِّنَتِى القَريبةِ. ملَكَ اسْتِحْلافَه، فكذلك إذا أرادَ إقامتَها. الثانى، لا يَمْلِكُ اسْتِحْلافَه؛ لأنَّ فى البَيِّنَةِ غُنْيَةً عن اليَمِينِ، فلم تُشْرعْ معها؛ ولأنَّ البَيِّنَةَ أصلٌ، واليَمِينَ بَدَلٌ، فلا يُجْمَعُ بين البَدلِ والأصلِ، كالتَّيمُّمِ مع الماءِ. وفارَقَ البَعيدةَ، فإنَّها فى الحالِ كالمُعْدومَةِ للعَجْزِ عنها، وكذلك التى لا يريدُ إقامتَها؛ لأنَّه قد تكونُ عَليه مَشقَّةٌ فى إحْضارِها، أو عليه فى الحضورِ مَشَقَّةٌ، فيَسْقطُ ذلك للمَشقَّةِ، بخلافِ التى يُريدُ إقامتَها.

стр. 7569

١٩١٣ - مسألة؛ قال: (وَالْيَمِينُ التى يَبْرَأُ بِهَا المَطْلُوبُ، هِىَ (١) الْيَمِينُ بِاللَّهِ، وَإِنْ كَانَ الحَالِفُ كَافِرًا) وجملتُه، أَنَّ اليَمِينَ المَشْروعةَ فى الحُقوقِ التى يَبْرأُ بها المطلوبُ، هى اليَمِينُ باللَّهِ تعالى. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إِلَّا أَنَّ مالكًا أحبَّ أن يحْلِفَ باللَّهِ الذى لا إلهَ إِلَّا هو، وإن اسْتَحْلفَ حاكمٌ باللَّهِ، أجْزأَ. قال ابنُ المُنْذرِ: هذا أحبُّ إلىَّ؛ لأنَّ ابن عباسٍ روَى، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَحْلفَ رجلًا، فقال له: "قُلْ: وَاللَّهِ الَّذِى لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، مَالَهُ عِنْدَكَ شَىْءٌ". روَاه أبو داودَ (٢). وفى حديثِ عُمرَ، حين حلَف لأُبَىٍّ، قال (١): وَاللَّهِ الذى لا إِله إلا هو، إِنَّ النَّخلَ لَنخْلِى، وما لأُبَىٍّ فيها شىءٌ (٣). وقال الشَّافعىُّ: إن كان المُدَّعَى قِصاصًا، أو عَتاقًا، أو حَدًّا، أو مالًا يبْلُغُ نِصابًا غُلِّظَتِ اليَمِينُ، فيَحْلِفُ باللَّهِ الذى لا إلهَ إِلَّا هو، عالِم الغَيْبِ والشَّهادةِ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، الذى يَعلمُ مِن السِّرِّ ما يَعْلمُ من العَّلانِيَةِ. وقال فى القَسامةِ: عالِم خَائنةِ الأعْيُنِ وما تُخْفِى الصُّدورُ. وهذا اخْتيارُ أبى الخَطَّابِ. وذكرَ القاضى أَنَّ هذا فى أيْمانِ القَسامةِ خاصَّةً (٤)، وليس بِشرطٍ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنًا﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ (٦). وقال تعالى فى اللِّعانِ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٧). وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٨). قال بعضُ أهلِ التَّفسيرِ: مَن أقْسمَ باللَّهِ، فقد أقْسَمَ جَهْدَ اليَمِينِ. واسْتَحْلفَ النَّبِىُّ ﷺ رُكانَةَ بنَ عبدِ يَزِيدَ فى الطَّلاقِ، فقال:

стр. 7570

"آللَّهِ مَا أَردْتَ إِلَّا وَاحِدَةً" (٩). وفى حديثِ الحَضْرَمِىِّ والكِنْدِىِّ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ". قال: لا، ولكن احَلِّفُهُ، واللَّهِ ما يَعْلَمُ أنَّها أرْضِى غَصَبَنِيها. رواه أبو داودَ (١٠). وقال عثمانُ لابنِ عمرَ: تحْلِفُ باللَّهِ لقد بِعْتَه وما به داءٌ تَعْلَمُه (١١). ولأنَّ فى اللَّهِ (١٢) كفايةً، فوجبَ أن يُكْتفَى باسْمِه فى اليَمِينِ، كالمَوْضعِ الذى سَلَّمُوه. فأمَّا حديثُ ابنِ عباس وعمرَ، فإنَّه يدُلُّ على جوازِ الاسْتِحْلافِ كذلك، وما ذكرْناه يدُلُّ على الاكْتفاءِ باسمِ اللَّهِ وحدَه، وما ذكرَه الباقون فتَحَكّمٌ لا نَصَّ فيه، ولا قِياسَ يَقْتضِيه. إذا ثبتَ هذا، فإِنَّ اليَمِينَ فى حقِّ المُسلمِ والكافرِ جميعًا باللَّهِ تعالى، لا يَحْلفُ أحدٌ بغَيرِه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. ولِقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ ليَصْمُتْ" (١٣). فصل: وتُشْرَعُ اليَمِينُ فى حقِّ كلِّ مُدَّعًى عليه، سواءٌ كان مُسلمًا أو كافرًا، عَدْلًا أو فاسقًا، امرأةً أو رَجلًا؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (١٤). وروَى شَقِيقٌ، عن الأشْعَثِ بنِ قَيْسٍ، قال: كان بينى وبينَ رَجلٍ من اليهودِ أرضٌ، فَجَحَدَنِى، فقَدَّمْتُه إلى النَّبِىِّ ﷺ فقال لى رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ ". قلتُ: لا. قال لليَهُودِىِّ: "احْلِفْ". قلتُ: إذًا يَحْلِفُ، فيَذْهَبُ بمالى. فأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١٥). إلى آخرِ الآيةِ. روَاه البُخارىُّ وأبو داودَ وابنُ ماجَه (١٦). وفى حديثِ الحَضْرَمِىِّ، قلتُ: إنَّه رجلٌ فاجِرٌ،

стр. 7571

لا يُبالى على مَا حلَفَ عليه. قال: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ (١٧) إِلَّا ذَلِكَ". ١٩١٤ - مسألة؛ قال: (إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَهُودِيًّا، قِيلَ لَهُ: قُلْ: وَاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى. وَإِنْ كَانْ نَصْرَانِيًّا، قِيلَ لَهُ: قُلْ: وَاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ الْإنْجِيلَ عَلَى عِيسَى. وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَوَاضِعُ يُعَظِّمُونَهَا، وَيَتَوَقَّونَ (١) أَنْ يَحْلِفُوا فِيهَا كَاذِبِينَ، حُلِّفُوا فِيهَا) ظاهرُ كلامِ الْخِرقىِّ، ﵀، أَنَّ اليَمِينَ لا تُغلَّظُ إِلَّا فى حقِّ أهلِ الذِّمَّةِ، ولا تُغلَّظُ فى حقِّ المسلمينَ. ونحوَ هذا قال أبو بكرٍ. ووَجْهُ تَغْليظِها فى حقِّهم، ما روَى أبو هُريْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ يَعنى لليهودِ (٢) -: "نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ فِى التَّورَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ ". روَاه أبو داودَ (٣). وكذلك قال الْخِرَقىُّ: تُغَلَّظُ بالمكانِ، فيُحَلَّفُ فى [المواضعِ التى يُعَظِّمُها] (٤)، ويَتَوَقَّى الكَذِبَ فيها. ولم يذْكُرِ التَّغلْيظَ بالزَّمانِ. وقال أبو الخَطَّابِ: إن رأَى التَّغْليظَ فى اليَمينِ فى اللَّفْظِ بالزمانِ والمكانِ، فلَه ذلك. قال: وقد أَوْمأَ إليه أحمدُ، فى رِوايةِ المَيْمُونِىِّ. وذكَرَ التَّغْليظَ فى حقِّ المَجُوسِىِّ، قال: فيُقالُ لَه: قُلْ: واللَّهِ الذى خلقَنى ورزَقَنِىَ. وإن كان وَثَنِيًّا حَلَّفه باللَّهِ وحدَه. وكذلك إن كان يَعْبُدُ اللَّه؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُحَلَّفَ بغَيرِ اللَّهِ؛ لقولَ النَّبِىِّ ﷺ

стр. 7572

"مَنْ كَان حَالِفًا، فَلْيحْلِفْ بِاللَّهِ، أَو ليَصْمُتْ" (٥). ولأنَّ هذا [إن لم يكُنْ] (٦) يَعْتَدُّ هذه يمينًا، فإنَّه يَزْدادُ بها إثْمًا وعُقوبةً، وربَّما عُجِّلَتْ عُقوبتُه، فيتَّعِظُ بذلك، ويَعْتَبِرُ به غيرُه. وهذا كلُّه ليس بَشْرطٍ فى اليَمِينِ، وإنَّما للحاكمِ فِعْلُه إذا رأَى. وممَّنْ قال: يَسْتحْلِفُ أهلَ الكِتابِ باللَّهِ وحْدَه. مَسْروق، وأبو عُبَيْدةَ بنُ عبدِ اللَّهِ (٧)، وعَطاءٌ، وشُرَيْحٌ، والحسنُ، وإبراهيمُ بنُ كعبِ بنُ سُورٍ، ومالكٌ، والثَّورىُّ، وأبو عُبَيْدٍ. وممَّن قال: لا يُشْرَعُ التَّغْليظُ بالزمانِ والمكانِ فى حقِّ مُسْلمٍ. أبو حنيفةَ وصاحِبَاه. وقال مالكٌ، والشافعىُّ: تُغَلَّظُ. ثم اخْتلَفا؛ فقال مالكٌ: يُحَلَّفُ فى المدينةِ على مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ويُحلَّفُ قائمًا، ولا يُحَلَّفُ قائمًا إِلَّا على مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ويُسْتَحْلَفون فى غيرِ المدينةِ فى مساجدِ الجماعاتِ، ولا يُحلَّفُ عندَ المِنْبرِ إِلَّا على ما يُقْطَعُ فيه السارقُ فصاعدًا، وهو ثلاثةُ دراهمَ. وقال الشافعىُّ: يُسْتَحْلَفُ المسلمُ بين الرُّكْنِ والمَقامِ بمكَّةَ، وفى المدينةِ عندَ مِنْبَرِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وفى سائرِ البُلدانِ فى الجوامعِ عند المِنْبَرِ، وعندَ الصَّخْرةِ فى بيتِ المَقْدسِ، وتُغلَّظُ فى الزمانِ فى الاسْتحْلافِ بعدَ العَصْرِ، ولا تُغلَّظُ فى المالِ إِلَّا فى نِصابٍ فصاعِدًا، وتُغلَّظُ فى الطَّلاقِ والعَتاقِ والحَدِّ والقِصاصِ. وهذا اختيارُ أبى الخَطَّابِ. وقال ابنُ جَرِيرٍ: تُغلَّظُ فى القليلِ والكثيرِ. واحْتجُّوا بقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ (٨). قيل: أرادَ بعدَ العَصْرِ. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِى هذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٩). فثَبتَ أنَّه يَتعلَّقُ بذلك تأكيدُ اليَمينِ. ورَوَى مالكٌ، قال: اختصمَ زيدُ بنُ

стр. 7573

ثابتٍ وابنُ مُطِيعٍ، فى دارٍ كانت بينهما، إلى مَرْوانَ بنِ الحكمِ، فقال زيدٌ: أحْلِفُ له مكانِى. فقال مروانُ: لا واللَّهِ، إِلَّا عندَ مَقاطعِ الحُقوقِ. قال: فجَعلَ زيدٌ يَحْلِفُ أَنَّ حَقَّه لَحَقٌّ، ويأْبَى أن يَحْلِفَ عندَ المِنْبَرِ، فجعلَ مَرْوانُ يَعْجَبُ (١٠). ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ (١١). ولم يَذكرْ مَكانًا ولا زَمَنًا، ولا زِيادةً فى اللَّفظِ. واسْتَحْلَف النَّبِىُّ ﷺ رُكانةَ فى الطَّلاقِ، فقالَ: "آللَّهِ مَا أَردْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ ". قال: اللَّهِ ما أُردْتُ إِلَّا واحدةً (١٢). ولم يُغْلِّظْ يَمِينَه بزمَنٍ، ولا مَكانٍ، ولا زيادةِ لفظ، وسائرِ ما ذكرْنا فى التى قبلَها. وحلَفَ عمرُ لأُبَىٍّ حينَ تحاكَما إلى زيدٍ فى مَكانِه، وكانا فى بيتِ زِيدٍ (١٣). وقال عثمانُ لابنِ عمرَ: تَحْلِفُ باللَّهِ لقد بِعْتَه وما به داءٌ تَعْلَمُه (١٤)؟ وفيما ذَكروه (١٥) تَقْيِيدٌ لمُطلقِ هذه النُّصوصِ، ومُخالَفةُ الإِجْماعِ. فإِنَّ ما ذكرْنا عن الخَليفتيْن عمرَ وعثمانَ، مع مَن حضرَهما، لم يُنكَرْ، وهو فى (١٦) مَحلِّ الشُّهرةِ، فكان إجماعًا. وقولُه تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾. إنَّما (١٧) كانَ فى حقِّ أهلِ الكتاب فى الوَصِيَّةِ فى السَّفَر، وهى قَضِيَّةٌ خُولِفَ فيها القِياسُ فى مَواضِعَ؛ منها قبولُ شَهادةِ أهَلِ الكتابِ على المسلمين، ومنها اسْتِحْلافُ الشَّاهِدَين، ومنها اسْتِحْلافُ خُصومِهما عندَ العُثورِ علىِ اسْتحقاقِهما الإِثْمَ، وهم لا يعملون (١٨) بها أصلًا، فكيفَ يحَتجُّون بها؟ ولما ذكرَ أيْمانَ

стр. 7574

المسلمين أطْلَقَ اليَمِينَ، ولم يُقيِّدها. والاحْتِجاجُ بهذا (١٩) أوْلَى مِن المصيرِ إلى ما خُولِفَ فيه القِياسُ (٢٠) وتُرِكَ العملُ به. وأمَّا حديثُهم، فليس فيه دليلٌ على مَشْروعِيَّةِ اليَمِينِ عند المِنْبرِ، إنَّما فيه تَغليظُ الإِثم (٢١) على الحالفِ عندَه، ولا يَلْزَمُ من هذا الاسْتِحْلافُ عندَه. وأمَّا قِصَّةُ مَرْوانَ، فمِن العجبِ احْتِجاجُهم بها، وذَهابُهم إلى قولِ مَرْوانَ فى قَضِيَّةٍ خالفَه زيدٌ فيها، وقولُ زيدٍ، فَقِيهِ الصَّحابةِ وقاضيهم وأفْرَضِهم، أحقُّ أن يُحتَجَّ به مِن قَولِ مَرْوانَ؛ فإِنَّ قولَ مَرْوانَ لو انْفَردَ، ما جازَ الاحْتِجاجُ به، فكيف يجوزُ الاحْتِجاجُ به على مُخالفةِ إجماعِ الصَّحابةِ، وقولِ أئمَّتِهم وفُقهائِهم (٢٢)، ومُخالَفته فعلَ النَّبِىِّ ﷺ ، وإطلاقَ كتاب اللَّهِ تعالى؟ وهذا ما لا يجوزُ. وإنَّما ذكرَ الْخِرَقِىُّ التَّغْلِيظَ بالمكانِ واللَّفظِ فى حقِّ الذِّمِّىِّ، لِاسْتِحْلافِ النَّبىِّ ﷺ اليهودَ، بقولِه: "نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ التَّورَاةَ عَلَى مُوسَى". ولقولِ اللَّهِ تَعالى فى حقِّ الكِتابِيَّيْن: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾. ولأنَّه رُوِىَ عن كعبِ بن سُورٍ، فى نَصْرانِىٍّ قال: اذهبوا به إلى المَذْبحِ، واجْعَلُوا الإِنْجِيلَ فى حِجْرِه، والتَّوراةَ على رَأسِه. وقال الشَّعْبِىُّ فى نَصْرانىٍّ: اذْهَبْ به إلى البِيعَةِ، فاسْتحلِفْه بما يُسْتَحْلَفُ به مِثْلُه. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلمُ حُجَّةَ تُوجِبُ أَنْ يُسْتحْلَفَ فى مكانٍ بِعَيْنِه، ولا بيَمِين غيرِ [الذى يُسْتَحْلَفُ] (٢٣) بها المسلمون. وعلى كلِّ حالٍ، فلا خلافَ بين أهلِ العلمِ، فى أَنَّ التَّغْلِيظَ بالزمانِ والمكانِ والألْفاظِ غيرُ واجبٍ، إِلَّا أَنَّ ابنَ الصَّبَّاغِ ذكرَ أَنَّ فى وُجوبِ التَّغْليظِ بالمكانِ قَوْلَيْنِ للشَّافعىِّ. وخالفَه ابنُ القَاصِّ، فقال: لا خلافَ بين أهلِ العلمِ، فى أَنَّ القاضىَ حيثُ اسْتَحْلَفَ المُدَّعَى عليه فى عمَلِه وبلدِ قَضائِه (٢٤)، جازَ، وإنَّما التَّغْليظُ بالمكانِ فيه اخْتِيارٌ. فيكونُ التَّغْليظُ عندَ مَن رآه اخْتيارًا واسْتِحْسانًا. فصل: قال ابنُ المُنْذِرِ: لم نَجِدْ أحدًا يُوجِبُ اليَمِينَ بالمُصْحَفِ. وقال الشافعىُّ: رأيتُهم يُؤكِّدون بالمُصْحَفِ، ورأيت ابنَ مَازِنٍ، وهو قاضى بصنعاءَ، يُغلِّظُ اليَمِينَ

стр. 7575

بالمُصْحَفِ. قال أصحابُه: فيُغَلَّظُ عليه بإحْضارِ المُصْحَفِ؛ لأنَّه يَشْتمِلُ على كلامِ اللَّهِ تعالى وأسْمائِه. وهذا زيادةٌ على ما أمرَ به رسولُ اللَّهِ ﷺ فى اليَمِينِ، وفَعَله (٢٥) الخلفاءُ الرَّاشِدون (٢٦) وقُضاتُهم، مِن غيرِ دليلٍ ولا حُجَّةٍ يُسْتَنَدُ إليها، ولا يُتْرَكُ فِعْلُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه (٢٦) لِفعلِ ابنِ مازنٍ ولا غيرِه. ١٩١٥ - مسألة؛ قال: (وَيَحْلِفُ الرَّجُلُ فِيمَا عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ. وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ (١) عَلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ عَلَى الْعِلْمِ) معنى البتِّ: القطعُ. أى يَحْلِفُ باللَّهِ مالَه علىَّ شىءٌ. وجملةُ الأمرِ أَنَّ الأيْمانَ كلَّها على البَتِّ والقَطْعِ، إلا على نَفْىِ فعلِ الغيرِ، فإنَّها على نَفْىِ العِلْمِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ. وقال الشَّعبىُّ، والنَّخَعِىُّ: كلُّها على العلمِ. وذكرَه ابنُ أبى موسى رِوايةً عن أحمدَ. وذكرَ أحمدُ حديثَ الشَّيْبانىِّ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تَضْطرُّوا النَّاسَ فِى أَيْمَانِهِم أَن يَحْلِفوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ" (٢). ولأنَّه لا يُكَلُّفُ ما لا عِلْمِ له به. وقال ابنُ أبى ليلَى: كلُّها على البَتِّ، كما يَحْلِفُ على فِعْلِ نَفْسِه. ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ استحلَفَ رَجلًا فقالَ له: "قُلْ: وَاللَّهِ الَّذِى لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، مَالَهُ عَلَيْكَ حَقٌّ" (٣). ورَوَى (٤) الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ، أَنَّ رجلًا مِن كِنْدَةَ، ورجلًا من حضْرَمَوْتَ، اخْتَصما إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فى أرْضٍ من اليَمنِ، فقال الحَضْرَمِىُّ: يا رسولَ اللَّه، إِنَّ أرْضِى اغْتصَبَنيها أبو هذا، وهى فى يدِه. فقال: "هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ ". قال: لا، ولكَن، أُحَلِّفُه واللَّهِ ما يَعْلَمُ أنَّها أرْضِى اغْتَصَبَنِيها (٥) أبُوه. فتهيَّأ الكِنْدِىُّ لليَمينِ. روَاه أبو داود (٦). ولم يُنْكِرْ ذلك النَّبِىُّ ﷺ . وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه (٧) الإِحاطةُ بِفعْلِ

стр. 7576

نفسِه، ولا يُمْكنُه ذلك فى فِعْلِ غيرِه، فافْترَقا فى اليَمِينِ، كما افْتَرقَتِ الشَّهادةُ، فإنَّها تكونُ بالقَطْعِ فيما يُمْكنُ القَطْعُ فيه من العُقودِ، وعلى الظَّنِّ فيما لا يُمْكِنُ فيه القَطْعُ من الأمْلاكِ والأنْسابِ، وعلى نَفْىِ العلمِ فيما لا تُمْكِنُ الإِحاطةُ بانْتفِائِه، كالشَّهادةِ على أنَّه لا وارثَ له غيرُ فُلانٍ وفُلانٍ. وحديث القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، مَحْمُولٌ على اليَمِينِ على نَفْىِ فعلِ الغيرِ. إذا ثبَتَ هذا، فإنَّه يَحْلِفُ فيما عليه على البَتِّ، نَفْيًا كان أو إثْباتًا. وأمَّا ما يتعلَّقُ بفعلِ غيرِه، فإن كان إثْباتًا، [مثلَ أن يَدَّعِىَ أنَّه أقَرَّ أو باعَ، ويُقيمَ شاهِدًا بذلك، فإنَّه يَحْلِفُ مع شاهدِه على البَتِّ والقَطْعِ. وإن كان على نَفْىِ العلمِ] (٨)، مثلَ أن يَدَّعىَ عليه دَينٌ أو غَصْبٌ أو جِنايةٌ أو خِيانةٌ (٩)، فإنَّه يَحْلِفُ على نَفْىِ العلمِ، لا غيرُ. وإن حلَفَ عليه على البَتِّ كَفاهُ، وكان التَّقْديرُ فيه العلمَ، كما فى الشَّاهد إذا شهِدَ بعَدَدِ الوَرثةِ، وقال: ليس له وارثٌ غيرَهم. سُمِعَ ذلك، وكان التَّقْديرُ فيه عِلْمَه. ولو ادُّعِىَ عليه أَنَّ عبدَه جنَى أو اسْتدانَ، فأنْكرَ ذلك، فيَمِينُه على نَفْىِ العلمِ؛ لأنَّها يَمين على نَفْىِ فعلِ الغَيرِ، فأشْبَهتْ يَمِينَ الوارثِ على نَفْىِ المَوروثِ. فصل: قال ابنُ أبى موسى: اخْتَلفَ قولُ أحمدَ، فى مَن باعَ سِلعةً، فظَهرَ المُشْترِى على عَيْبٍ بها، وأنْكَرَه البائعُ، هل اليَمِينُ على البَتَاتِ أو على عِلْمِه؟ على رِوايتَيْنِ. ولو أبَقَ عَبْدُ المُشْترِى، فادَّعَى على البائعِ أنَّه اسبقَ عندَه، فأنْكَرَ، هل يَلْزمُه أن يخْلِفَ أنَّه لم يَأْبِقْ قَطُّ، أو على نَفْىِ عِلْمِه؟ على روَايَتيْنِ، إلا أَنْ يكون ولدَه، [فيَلْزَمُه أن يَحْلِفَ] (١٠) أنَّه لم يَأْبِقْ قَطُّ. ووجهُ كَونِ اليَمينِ على (١١) عِلْمِه، أنَّها على نَفْىِ فعلِ الغيرِ، فأشْبَهَ ما لو ادَّعى عليه أَنَّ عبدَه جنَى. ووَجْهُ الأُخْرَى، أنَّه إذا (١٢) ادَّعى عليه أنَّه باعَه مَعِيبًا، يَسْتَحِقُّ به ردَّه عليه، فلَزِمَتْه اليَمِينُ على البَتِّ، كما لو كان إثْباتًا. فصل: ومَن توجَّهتْ عليه يَمِينٌ هو فيها صادقٌ، أو توجَّهتْ له، أُبِيحَ له الحَلِفُ،

стр. 7577

ولا شىءَ عليه مِن إثْمٍ ولا غيرِه؛ لأنَّ اللَّه تعالى شرَعَ اليَمِينَ، ولا يَشْرَعُ مُحَرَّمًا. وقد أمرَ اللَّهُ تعالى نَبِيَّه، ﵇، أن يُقْسِمَ على الحقِّ، فى ثلاثةِ مَواضِعَ مِن كتابِه. وحلفَ عمرُ لأُبَىٍّ على نَخيلٍ، ثم وَهَبَه له، وقال: خِفْتُ إن لم أحْلِفْ أن يَمْتنِعَ الناسُ من الحَلِفِ على حُقوقِهم، فتَصِيرَ سُنَّةً (١٣). قال حَنْبَلٌ: بُلِىَ أبو عبدِ اللَّهِ بنحو هذا، جاءَ إليه ابنُ عمِّه، فقال: لى قِبَلَكَ حقٌّ من ميراثِ أبى، وأُطالِبُك بالقاضى، وأحَلِّفُك. فقيل لأبى عبدِ اللَّهِ: ما تَرَى؟ قال: أحْلِفُ له، إذا لم يكُنْ له قِبَلى حَقٌّ، وأنا غيرُ شاكٍّ فى ذلك، حَلَفتُ له، كيفَ لا أحْلِفُ، وعمرُ (١٤) قد حلَفَ، وأنا مَن أنا؟ وعزمَ أبو عبدِ اللَّهِ على اليَمِينِ، فكَفَاه اللَّهُ ذلك، ورجَعَ الغلامُ عن تلكَ المُطالَبةِ. واختُلِفَ فى الأَوْلَى، فقالَ قومٌ: الحَلِفُ أوْلَى من افْتداءِ يَمِينِه؛ لأنَّ عمرَ حَلَفَ؛ ولأنَّ فى الحَلِفِ فائدتَيْنِ؛ إحداهما، حِفْظُ مالِه عن الضَّياعِ، وقد نَهَى النَّبىُّ ﷺ عن إضاعتِه (١٥). والثانية، تخْليصُ أخيه الظَّالمِ مِن ظُلْمِه، وأكلِ المالِ بغيرِ حَقِّه، وهذا من نَصِيحتِه ونُصْرتِه بكَفِّه عن ظُلمِه (١٦)، وقد أشارَ النَّبِىُّ ﷺ على رجلٍ أن يَحْلِفَ ويأْخُذَ حقَّه (١٧). وقال أصْحابُنا: الأفْضَلُ افتْداءُ يَمِينِه؛ فإِنَّ عثمانَ افْتدَى يَمِينَه، وقال: خِفْتُ أن تُصادِفَ قَدرًا، فيقالُ: حلَفَ فعُوقِبَ، أو هذا شُؤْمُ يَمِينِه (١٨). وروَى الخلَّالُ، بإسنادِه، أَنَّ حُذَيفَةَ عرَفَ جَمَلًا سُرِقَ له، فخاصَمَ فيه إلى قاضِى المُسلمين، فصارَتِ اليَمِينُ على حُذَيْفةَ، فقال: لك عَشرةُ دَراهمَ. فأبَى، فقال [لك عِشرون، فأبَى، فقال: ] (١٩) لك ثَلاثون. فأبَى، فقال: لك أرْبَعونَ. فأبَى، فقال حُذَيفةُ: أَتُرانِى أتْرُكُ جَمَلى؟ فحلَفَ باللَّهِ أنَّه له ما باعَ ولا وَهَبَ (٢٠). ولأنَّ فى اليَمِينِ عند الحاكِم تَبذُّلًا، ولا يَأْمَنُ أن يُصادِفَ قَدَرًا، فيُنْسَبَ إلى

стр. 7578

الكَذبِ، وأنَّه عُوقبَ بحَلِفِه كاذبًا، وفى ذَهابِ مالِه له (٢١) أجْرٌ، وليس هذا تَضْيِيعًا للمالِ، فإنَّ أخاه المسلمَ يَنْتَفِعُ به فى الدُّنْيا ويَغرَمُه له فى الآخِرَةِ. وأمَّا عمرُ، فإنَّه خافَ الاسْتِنانَ به، وتَرْكَ الناسِ الحَلِفَ على حُقوقِهم، فيدُلُّ على أنَّه لولا ذلك، لَما حَلَفَ، وهذا أوْلَى. واللَّهُ تعالى أعلمُ. فصل: فأمَّا الحلِفُ الكاذبُ ليَقتَطِعَ به مالَ أخيه، ففيه إثمٌ كَبيرٌ. وقد قيلَ: إنه مِن الكبائرِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى وعدَ عليه العذابَ الأليمَ، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٢). قال الأشْعَثُ بنُ قَيْس: [فِىَّ] (٢٣) نزلَتْ هذه الآيةُ، كان لى بئرٌ فى أرض ابنِ عمٍّ لى، فأتيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال: "بَيِّنَتُكَ، أَوْ يَمِينُهُ". قلتُ: إذًا يَحْلِفُ عليها. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، هُوَ فيها فاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِىَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". أخْرَجه البُخارِىُّ (٢٤). وروَى ابنُ مَسعودٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ (٢٥)، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجرٌ، لَقِىَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". متَّفقٌ عليه (٢٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ ، فى حديثِ الكِنْدِىِّ: "لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ

стр. 7579

ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ" (٢٧). وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِىَ فى حديثٍ: أَنَّ يَمِينَ الغَمُوسِ تَذَرُ الدِّيارَ بَلاقعَ (٢٨). ويُسْتحَبُّ للحاكمِ أن يُخوِّفَ المُدَّعَى عليه من اليَمِينِ الفاجِرَةِ، ويَقْرأ عليه الآيةَ والأخْبارَ. فصل: ومَنِ ادُّعِىَ عليه دَينٌ وهو مُعْسِرٌ به، لم يَحِلَّ له أن يحْلِفَ أنَّه لا حَقَّ له علىَّ، وبهذا قالَ المُزَنِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: له ذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢٩). ولأنَّه لا يَسْتحِقُّ مُطالبتَه به فى الحالِ، ولا يَجبُ عليه أداؤُه إليه، ولنا، أَنَّ الدَّينَ فى ذِمَّتِه، وهو حقٌّ له عليه، ولو لم يَكُنْ عليه حقٌّ، لم يَجِبْ إنْظارُه به. فصل: ويَمينُ الحالفِ على حَسَبِ جَوابِه، فإذا ادَّعَى عليه أنَّه غصَبَه، أو اسْتَودَعَه وَديعة، أو اقترضَ منه، نَظرنا فى جوابِ المُدَّعَى عليه؛ فإنْ قالَ: ما غصَبْتُكَ، ولا استودَعْتَنى، ولا أقرضْتَنى. كُلِّفَ أن يَحْلِفَ على ذلك. فإن قال: ما لَكَ علىَّ حقٌّ، أو لا تَسْتحِقُ علىَّ شيئًا، أو لا تَسْتحِقُّ علىَّ ما ادَّعَيْتَه، ولا شَيئًا منه. كان جَوابًا صحيحًا. ولا يُكلَّفُ الجوابَ عن الغَصْبِ والوَديعةِ والقَرْضِ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ غصَبَ منه ثم رَدَّه عليه، فلو (٣٠) جَحَدَ ذلك كان كاذبًا، وإن أقر به، ثم ادَّعَى الرَّدَّ، لم يُقبَلْ منه، فإذا طُلِبَ منه اليَمينُ، حَلَفَ على حَسَبِ ما أجابَ. ولو ادَّعَى أنِّى ابْتَعْتُ منك الدارَ التى فى يَدِك، فأنْكَرَه، وطلبَ يَمِينَه، نظرْنا فى جوابِه؛ فإن أجابَ بأنَّكَ لا تَسْتحِقُّها. حلَفَ على ذلك، ولم يَلْزَمْه أن يحْلِفَ أنَّه ما ابْتاعَها؛ لأنَّه قد يَبْتاعُها منه ثم يَردُّها عليه. وإن أجابَ بأنَّك [لم] (٣١) تَبْتَعْها منِّى. حَلَفَ على ذلك. قال أحمدُ، فى رجلٍ ادَّعَى على رجلٍ أنَّه أوْدَعَه، فأنْكَرَه، هل يَحْلِفُ: ما أوْدَعْتَنى؟ قال: إذا حَلَفَ: ما لَكَ عندى شىءٌ، ولا لَكَ فى يدى شىءٌ. فهو يأتِى على ذلك. وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يَلْزَمُه الحَلِفُ على حَسَبِ الجوابِ، وأنَّه متى حلَفَ: ما لَكَ قِبَلى حقٌّ. بَرِئ بذلك. ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان، كهذَيْنِ.

стр. 7580

فصل: ولا تدخلُ اليَمينَ النِّيابةُ، ولا يَحْلِفُ أحدٌ عن غيرِه، فلو كان المُدَّعَى عليه صغيرًا أو مَجنونًا، لم يُحْلَفْ عنه، ووُقِفَ الأمرُ حتى يَبلُغ الصَّبِىُّ ويَعْمِلَ المجنونُ، ولم يَحْلِفْ عنه وَليُّه. ولو ادَّعَى الأبُ لابنِه الصَّغيرِ حقًّا، أو ادَّعاه الوَصِىَّ أو الأمِينُ له، فأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فالقولُ قولُه مع يَمينِه، فإن نَكَلَ قُضِىَ عليه. ومَن لم يَرَ القضاءَ بالنُّكولِ، ورأَىَ رَدَّ اليَمِينِ على المُدَّعِى، لم يُحْلِفِ الوَلِىَّ (٣٢) عنهما، ولكن تَقِفُ اليَمِينُ، ويكْتُبُ الحاكمُ مَحْضرًا بنُكولِ المُدَّعَى عليه. وإن ادَّعَى على العبدِ دَعْوَى، نَظَرْتَ؛ فإن كانَتْ ممَّا يُقْبَلُ قَولُ العَبدِ فيها على نَفسِه، كالقِصاصِ، والطَّلاقِ، والقَذْفِ، فالخُصومةُ معه دونَ سيِّدِه. فإن قُلْنا: إِنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ فى هذا. حَلَفَ (٣٣) العبدُ دون سيِّده، وإن نكَلَ لم يَحْلِفْ غيرُه، وإن كانَ ممَّا لا يُقْبَلُ قولُ العَبدِ فيه، كإتْلافِ مالٍ، أو جِنَايةٍ تُوجبُ المالَ، فالخَصْمُ السَّيِّدُ، واليَمِينُ عليه، ولا يَحْلِفُ العبدُ فيها بحالٍ. فصل: وإذا نَكَلَ مَن توجَّهتْ عليه اليَمينُ عنها، وقال: لى بَيِّنَةٌ أُقِيمُها، أو حِسابٌ أسْتثْبِتُه، لأَحلِفَ على ما أتيَقَّنُ. فذكرَ أبو الخَطَّابِ، أنَّه لا يُمْهَلُ، وإِنْ لم يَحْلِفْ، جُعِلَ ناكِلًا. وقيل: لا يكونُ ذلك نُكولًا، ويُمْهَلُ مُدَّةً قريبةً. وإن قال: ما أُريدُ أن أحْلِفَ. أو سَكَتَ، فلم يَذَكُرْ شيئًا، نظرْنا فى المُدَّعَى؛ فإن كان مالًا، أو المقصودُ منه المالَ، قُضِىَ عليه بنُكولِه، ولم تُرَدَّ اليَمِينُ على المُدَّعِى. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: أنا لا أرَى رَدَّ اليَمِينِ، إِنْ حلَفَ المُدَّعَى عليه، وإلَّا دَفَعَ إليه حَقَّه. وبهذا قال أبو حنيفةَ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ، أَنَّ له رَدَّ اليَمِينِ على المُدَّعِى، إِنْ رَدَّها حلَفَ المُدَّعِى، وحُكِمَ له بما ادَّعاه. قال: وقد صوَّبه أحمدُ، فقال: ما هو ببعيدٍ، يَحْلِفُ ويَسْتَحِقُّ (٣٤). وقال: هو قولُ أهلِ المدينةِ، رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعىُّ، وابنُ سِيرينَ، ومالك فى المالِ خاصَّةً. وقالَه (٣٥) الشَّافعىُّ فى جميعِ

стр. 7581

الدَّعاوَى؛ لما رُوِىَ عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَدَّ اليَمِينَ على طالبِ الحَقِّ. روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (٣٦)، ولأنَّه إذا نَكَلَ ظهرَ صِدْقُ المُدَّعِى، وقَوِىَ جانِبُه، فتُشْرَعُ اليَمِينُ فى حَقِّه، كالمُدَّعَى عليه قبلَ نُكولِه، وكالمُدَّعِى إذا شهِدَ له شاهدٌ واحدٌ، ولأنَّ النُّكوَل قد يكونُ لجَهلهِ بالحالِ، وتَورُّعِه عن الحَلِفِ على ما لا يتحقَّقُه، أو للخَوْفِ من عاقبةِ اليَمِينِ، أو تَرَفُّعًا عنها، مع عِلْمِه بصِدْقِه فى إنْكارِه، ولا يَتعيَّنُ بنُكولِه صِدْقُ المُدَّعِى، فلا يجوزُ الحُكْمُ له مِن غيرِ دَليلٍ، فإذا حلَفَ كانتْ يَمِينُه دليلًا عندَ عَدَمِ ما هو أقْوَى منها، كما فى مَوْضعِ الوِفاقِ. وقال ابنُ أبى ليلَى: لا أدَعُه حتى يُقِرَّ أو يَحْلِفَ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى (٣٧) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٣٨). فحصَرَها فى جانِبِ المُدَّعَى عليه. وقولُه: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٣٨). [فجعلَ جِنْسَ اليَمِينِ فى جَنَبةِ المُدَّعَى عليه] (٣٩)، كما جعلَ جِنْسَ البَيِّنةِ فى جَنَبةِ المُدَّعِى. وقال أحَمدُ: قدِمَ ابنُ عمرَ إلى عُثمانَ فى عبدٍ له، فقال له: احْلِفْ أنَّك ما بِعْتَه وبه عَيْبٌ عَلِمْته. فأبَى ابنُ عمرَ أن يَحْلِفَ، فرَدَّ العبدَ عليه، ولم يَرُدَّ اليَمِينَ على المُدَّعِى. ولأنَّها بَيِّنَةٌ فى المالِ، فحُكِمَ فيها بالنُّكولِ، كما لو ماتَ مَن لا وارثَ له، فوجدَ الإِمامُ فى دَفْتَرِه دَيْنًا له على إنسانٍ، فطالَبَه به، فأنْكرَه، وطلبَ منه اليَمِينَ، فأنْكَرَه، فإنَّه لا خلافَ أَنَّ اليَمِينَ لا تُرَدُّ. وقد ذكرَ أصْحابُ الشَّافعىِّ فى هذا، أنَّه يُقْضَى بالنُّكولِ، فى أحَدِ الوَجْهيْنِ، وفى الآخَرِ، يُحْبَسُ المُدَّعَى عليه، حتى يُقِرَّ، أو يَحْلِفَ. وكذلك لو ادَّعَى رجلٌ على ميِّتٍ أنَّه وَصَّى إليه بتَفْريقِ ثُلثِه، وأنْكرَ الورثةُ، ونَكَلُوا عن اليَمِينِ، قُضِىَ عليهم. والخبرُ لا تُعْرَفُ صِحَّتُه، ومُخالَفةُ ابنِ عمرَ له فى القصَّةِ التى ذكرْناها، تدُلُّ على ضَعْفِه، فإنَّه لم يَرُدَّ اليَمِينَ على المُدَّعِى، ولا ردَّها عثمانُ. فعلى هذا، إذا نكَلَ عن اليَمِينِ، قال له الحاكمُ: إن

стр. 7582

حَلَفْتَ، وإلَّا قَضَيْتُ عليك. ثلاثًا، فإن حَلَفَ، وإلَّا قَضَى عليه. وعلى القَوْلِ الآخَرِ، يقولُ له: لكَ رَدُّ اليَمِينِ على المُدَّعِى. فإن رَدَّها، حلَفَ، وقَضَى له، وإن نَكَلَ عن اليَمِينِ، سُئِلَ عن سَبَبِ نُكولِه، فإنْ قال: لى بَيِّنَةٌ أُقِيمُها، أو حسابٌ أسْتَثْبِتُه، لأحْلفَ على ما أَتيقَّنُه. أُخِّرَتِ الحُكومةُ. وإن قالَ: ما أريدُ أن أحْلِفَ. سقَطَ حقُّه من اليَمِينِ، فلو بذلَها فى ذلكَ المجْلسِ بعدَ هذا، لم تُسْمَعْ منه، إلى أَنْ يعودَ فى مجلسٍ آخَرَ. فإن قيل: فالمُدَّعَى عليه لو امْتنَعَ من اليَمِينِ، ثم بذَلَها، سُمِعتْ منه، فلم مَنَعْتُم سَمَاعَها ههُنا؟ قُلْنا: اليَمِينُ فى حقِّ المُدَّعَى عليه هى الأصلُ، فمتى قَدَرَ عليها، أو بَذَلَها، وَجَبَ قَبولُها، والمَصِيرُ إليها، كالمُبْدَلاتِ مع أبْدالِها، وأمَّا يَمِينُ المُدَّعِى، فهى بَدَلٌ، فإذا امْتنَعَ منها، لم يَنْتَقِلِ الحَقُّ إلى غيرِه، فإذا امْتنَعَ منها، سَقَطَ حَقُّه منها؛ لضَعْفِها. وأمَّا إذا حلَفَ، وقُضِىَ له، فعادَ المُدَّعَى عليه، وبذلَ اليَمِينَ، لم يُسْمَعْ منه، وهكذا لو بذَلَها بعدَ الحُكْمِ عليه بنُكُولِه، لم يُسْمَعْ؛ لأنَّ الحكمَ قد تَمَّ، فلا يُنْقَضُ، كما لو قامتْ به بَيِّنةٌ. فأمَّا غيرُ المالِ، وما لا يُقْصَدُ به المالُ، فلا يُقْضَى فيه بالنُّكولِ. نَصَّ عليه أحمدُ فى القِصاصِ. ونُقلَ عنه، فى رجل ادَّعَى على رجلٍ أنَّه قَذَفَه، فقال: اسْتحْلِفُوه، فإن قال: لا أحْلِفُ. أُقِيمَ عليه. قال أبو بكرٍ: هذا قولٌ قديمٌ، والمذهبُ أنَّه لا يُقْضَى فى شىءٍ مِن هذا بالنُّكولِ، ولا فَرْقَ بين القِصاصِ فى النَّفْسِ، والقِصاصِ فى الطَّرَفِ (٤٠). وبهذا قال أبو يوسفَ ومحمدٌ. [وقال أبو حنيفةَ] (٤١): يُقْضَى بالنُّكولِ فى القِصاصِ فيما دُونَ النَّفْسِ. وعن أحمدَ مثلُه. والأَوَّلُ هو المذهبُ؛ لأنَّ هذا أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فأشْبَهَ النَّوعَ الآخَرَ. فعلى هذا، ما يُصنَعُ به؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يُخْلَى سَبِيلُه؛ لأنَّه لم يثْبُتْ عليه حُجَّةٌ، وتكونُ فائدةُ شَرْعِيَّةِ (٤٢) اليَمِينِ الرَّدعَ والزَّجْرَ. والثانى، يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ أو يَحْلِفَ. وأصلُ الوَجْهَيْنِ المرأةُ إذا نكلَتْ عن اللِّعانِ. فصل: وإذا حَلَفَ، فقال: إن شاءَ اللَّهُ تعالَى. أُعِيدَتْ عليه اليَمِينُ؛ لأنَّ

стр. 7583

الاسْتِثْناءَ يُزيلُ حكمَ اليَمِينِ. وكذلك إذا (٤٣) وصلَ يَمِينَه بشَرْطٍ أو كلامٍ غيرِ مَفْهومٍ. وإن حَلَفَ قبلَ أن يسْتَحْلِفَه الحاكمُ، أُعِيدَتْ عليه، ولم يُعْتَدَّ بما حَلَفَ قبلَ الاسْتِحْلافِ. وكذلك إن اسْتَحْلَفَه الحاكمُ قبلَ أن يسْألَه المُدَّعِى اسْتِحْلافَه، لم يُعْتَدَّ بها. فصل: ولو ادَّعَى على رجلٍ دَيْنًا، أو حَقًّا، فقال: قد أبْرَأْتَنِى منه، أو اسْتَوْفَيْتَه منِّى. فالقولُ قولُ مَن ينكِرُ الإبراءَ والاسْتِيفاءَ مع يَمِينِه، ويَكْفِيه أن يحْلِفَ باللَّهِ أَنَّ هذا الحقَّ -ويُسمِّيه تَسْمِيَةً يَصيرُ بها مَعْلومًا- ما بَرِئَتْ ذِمَّتُك منه، ولا (٤٤) مِن شىءٍ منه، أو ما بَرِئَتْ ذِمَتُك من ذلك الحقِّ، [ولا من شىءٍ منه] (٤٥). وإن ادَّعَى اسْتِيفاءَه، أو البَراءةَ بجِهَةٍ معلومةٍ، حَلَفَ على تلك الجهةِ وَحْدَها، وكَفَاهُ. فصل: والحقوقُ على ضَرْبيْنِ؛ أحدهما، ما هو حقٌّ لآدمىٍّ. والثانى، ما هو حقٌّ للَّهِ تعالى. فحقُّ الآدمىِّ يَنْقَسِمُ قسميْنِ؛ أحدُهما، ما هو مالٌ، أو المقصود منه المالُ، فهذا تُشْرَعُ فيه اليَمِينُ، بلا خِلافٍ بين أهلِ العلمِ، فإذا لم تكُنْ للمُدَّعِى بيِّنَةٌ، حلَفَ المُدَّعَى عليه، وَبرِئَ. وقد ثبتَ هذا فى قَضِيَّةِ (٤٦) الحَضْرَمِىِّ والكِنْدِىِّ اللَّذَيْن اخْتلَفا فى الأَرضِ، وعمومِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٤٧). القسم الثانى، ما ليسَ بمالٍ، رلا المقصودُ منه المالُ، وهو كلُّ (٤٨) ما لا يَثْبُتُ إِلَّا بشاهِدَيْنِ؛ كالقِصاصِ، وحدِّ القَذفِ، والنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والرَّجعةِ، والعِتْقِ، والنَّسَبِ، والاسْتِيلادِ، والولاءِ، والرِّقِّ، ففيه رِوَايتان؛ إحداهما، لا يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه، ولا تُعْرَضُ عليه اليَمِينُ. قال أحمدُ: لم أسمَعْ مَن مَضَى جَوَّزُوا الأيْمانَ إِلَّا فى الأمْوالِ والعَرُوضِ خاصَّةً. وهذا قولُ مالكٍ. ونحوُه قولُ أبى حنيفةَ، فإنَّه قال: لا يُسْتَحْلَفُ فى النِّكاحِ، وما

стр. 7584

يتعلَّقُ به مِن دَعْوَى الرَّجْعَةِ والفَيْئَةِ فى الإِيلاءِ، ولا فى الرِّقِّ وما يتعلَّقُ به من الاسْتِيلادِ والوَلاءِ والنَّسبِ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ لا يَدْخلُها البَدَلُ، وإنما تُعْرَضُ اليَمِين فيما يدْخلُه البَدَلُ؛ فإِنَّ المُدَّعَى عليه مُخَير بينَ أن يَحْلِفَ أو يُسَلِّمَ، ولأنَّ هذه الأشياءَ لا تَثْبُتُ إِلَّا بشاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ، فلا تُعْرَضُ فيها اليَمِينُ، كالحُدودِ. والروايةُ الثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ فى الطَّلاقِ، والقِصاصِ، والقَذْفِ. وقال الْخِرَقىُّ: إذا قال: ارْتَجَعْتُكِ. فقالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتى قبلَ رَجْعَتِكَ. فالقولُ قولُها مع يَمِينِها. وإذا اختُلِفَ فى مُضِىِّ الأربعةِ أشْهُرٍ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. فيخَرَّجُ مِن هذا، أنَّه يُسْتَحْلَفُ فى كلِّ حَق لآدمىٍّ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ، وأبى يُوسفَ، ومحمدٍ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَوْ يُعْطى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، ولَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". أخرجَه مسلمٌ (٤٩). وهذا عامٌّ فى كلِّ مُدَّعًى عليه، وهو ظاهِرٌ فى دَعْوَى الدِّماءِ؛ لذِكْرِها فى الدَّعَوى مع عُمومِ الأحاديثِ، ولأنَّها دَعْوَى صَحيحةٌ فى حقٍّ لآدَمِىٍّ (٥٠)، فجازَ أَنْ يَحْلِفَ فيها المُدَّعَى عليه، كدَعْوَى المالِ. الضَّرْبُ الثانى، حقوقُ اللَّهِ تعالى، وهى نَوعان؛ أحدُهما، الحدودُ، فلا تُشْرَعُ فيها يَمِينٌ. لا نَعْلمُ فى هذا خِلافًا؛ لأنَّه لو أقَرَّ، ثم رجَعَ عن إقْرارِه، قُبِلَ منه، وخُلِّىَ من غيرِ يَمِينٍ، فَلأَنْ لا يُسْتحْلَفَ مع عَدَمِ الإِقْرارِ أوْلَى، ولأنَّه يُسْتحَبُّ سَتْرُه، والتَّعْريضُ للمُقِرِّ به، بالرُّجوعِ عن إقْرارِه، وللشُّهودِ بتَرْكِ الشَّهادةِ والسَّتْرِ عليه، قال النَّبِىُّ ﷺ ، لهَزَّالٍ، فى قصَّةِ ماعِزٍ: "يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَه بثَوْبِكَ، لَكَانَ خَيْرًا لَكَ" (٥١). فلا تُشْرَعُ فيه يَمِينٌ بحالٍ. النوعُ الثانى، الحقوقُ الماليَّةُ، كدَعْوَى السَّاعِى الزَّكاةَ على ربِّ المالِ، وأنَّ الحوَل قد تَمَّ كمَلَ النِّصابُ، فقال أحمدُ: القولُ قولُ ربِّ المالِ، من غيرِ يَمِينٍ، ولا يُسْتحْلَفُ الناسُ على صَدَقاتِهم. وقال الشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: يُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّها دَعْوَى مَسْموعةٌ، أشْبَهَ حقَّ الآدَمِىِّ. ولَنا، أنَّه حقٌّ للَّهِ تعالى، أشْبَهَ الحدَّ، ولأن ذلك عبادةٌ، فلا يُسْتحلَفُ عليها، كالصَّلاةِ. ولو ادَّعى عليه، أَنَّ عليه كفَّارةَ يَمِينٍ أو ظِهارٍ، أو نَذْرَ صدقةٍ أو غيرِها، فاقولُ قولُه فى نَفْىِ ذلك مِن غيرِ

стр. 7585

يَمِينٍ، ولا تُسْمَعُ الدَّعْوَى فى هذا، ولا فى حدٍّ للَّهِ تعالى؛ لأنَّه لا حقَّ للمُدَّعِى فيه، ولا وِلايةَ له عليه، فلا تُسْمَعُ منه دَعْواهُ حقًّا لغيرِه من غيرِ إذْنِه، ولا وِلايةَ له عليه. فإن تضَمَّنتْ دَعْواه حقًّا له، مثل أن يَدَّعِىَ سَرقةَ مالِه، ليُضَمِّنَ السارِقَ، أو يأخُذَ منه ما سرَقَه، أو يَدَّعِىَ عليه الزِّنَى بجارَيَتِه؛ ليأْخُذَ مَهْرَها منه، سُمِعَتْ دَعْواهُ، ويُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه لِحَقِّ الآدَمِىِّ، دونَ حقِّ اللَّهِ تعالى. ١٩١٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا شَهِدَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ اثْنَانِ، أَنَّ هَذَا زَنَى بِهَا فِى هَذَا الْبَيْتِ، وَشَهِد الآخرَانِ أنَّه زَنَى بِهَا فِى الْبَيْتِ الآخرِ، فَالْأَرْبَعَةُ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ) وجملتُه، أَنَّ مِن شَرْطِ صحَّةِ الشَّهادةِ على الزِّنَى، اجْتماعُ الشُّهودِ الأرْبعةِ على فعلٍ واحدٍ، فإنْ لم يَجْتمِعُوا، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، وكان الجميعُ قَذَفَةً، وعليهم الحدُّ، فإذا شهِدَ اثنان أنَّه زنَى بها فى هذا البيتِ، واثنان أنَّه زَنَى بها فى بيتٍ آخَرَ، فما اجْتمَعُوا على الشَّهادةَ بزنًى واحدٍ؛ لأنَّ الزِّنَى فى هذا البيتِ غيرُ الزِّنَى فى الآخَرِ، فلم تَكْمُلْ شهادتُهم، ويُحَدُّون حدَّ القَذْفِ. وبهذا قال مالكٌ، والشَّافعىُّ فى أحدِ قَوْلَيْهِ. وقال أبو بكرٍ: تَكْمُلُ شهادتُهم، ويُحَدُّ المشهودُ عليه. واسْتَبْعدَه أبو الخَطَّابِ، وقال: هذا سَهْوٌ من النَّاقلِ؛ لأنَّه يخالِفُ الأُصولَ والإِجْماعَ، والحدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فكيف يجبُ بها! وقال النَّخَعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ، والشَّافعىُّ فى قَولٍ: لا حَدَّ على الشُّهودِ؛ لأنَّهم كَمَلُوا أربعةً، ولاعلى المشْهودِ عليه؛ لأنَّهم لم يَشْهَدوا بزنًى واحدٍ يَجبُ الحدُّ به. ولَنا، أنَّهم لم يَشْهَدوا بزنًى واحدٍ، فلَزِمَهُمُ الحدُّ، كما لو شهِدَ اثنان أنَّه زنَى بامْرأةٍ، واثنانِ أنَّه زنَى بغَيْرِها، ولأنَّه لا يَخْلُو مِن أن تكونَ شَهادتُهم بزنًى واحدٍ أو باثْنَينِ، فإن كانَتْ بفِعلٍ واحدٍ، مثل أن يُعَيِّنَ الجميعُ وقتًا واحدًا، لا يُمْكِنُ زِنَاهُ فيه فى المَوْضِعيْنِ، فاثنانِ منهم كاذِبان يَقينًا، واثنان منهم لو خلَوا عن المُعارَضةِ لِشَهادتِهما (١)، لَكانا قَذَفَةً، فمع التَّعارُض أوْلَى. وإن كانتْ شهادتُهم بفِعْلَيْنِ، كانوا قَذَفَةً، كما لو عَيَّنُوا فى شهادَتِهم أنَّه

стр. 7586

زَنَى مرَّةً أُخْرَى. وما ذكرُوه يَبْطُلُ بالأصلِ الذى ذَكرْناه. فصل: وكذلك كلُّ شَهادةٍ على فِعْليْنِ، مثل أن يَشْهدَ اثنان أنَّه زنَى بامرأةٍ، وآخَران أنَّه زنَى بأُخْرَى، أو يَشْهدَا (٢) أنَّه زَنَى بها فى يومٍ، وآخَرانِ أنَّه زَنَى بها فى آخَرَ، أو يَشْهدَا (٢) أنَّه زنَى بها ليلًا، وآخَرانِ أنَّه زنَى بها نهارًا، أو يَشْهدَا (٢) أنَّه زنَى بها غُدْوةً، ويَشْهدَ آخَرانِ أنَّه زنَى بها عَشِيًّا، وأشْباه هذا، فإنَّهم قَذَفَةٌ فى هذه المواضعِ، وعليهم الحدُّ؛ لما ذكرْناه. فإن شهِدَ اثنان أنَّه زنَى بها فى زَاويةِ بيتٍ، وشَهِدَ آخَران أنَّه زنَى بها فى زاويةٍ منه أُخْرَى، وكانتا مُتباعِدَتَيْن، فالحُكمُ فيه كما ذكرْنا. وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ شهادتُهم، ويُحَدُّ المشْهودُ عليه، اسْتِحْسانًا. وهو قولُ أبى بكرٍ. ولَنا، أنَّهما مَكانان لا يُمْكِنُ وُقوعُ الفعلِ الواحدِ فيهما، ولا يَصِحُّ نِسْبتُه إليهما، فأشْبَها البَيْتينِ. وأمَّا إن كانتا مُتقارِبَتيْنِ، تُمْكِنُ نِسْبتُه إلى كلِّ واحدةٍ منهما، لقُرْبِه منها، كَمَلَتِ الشَّهادةُ؛ لإِمْكانِ صِدْقِهم فى نِسْبتِه إلى الزَّاوِيَتيْنِ جميعًا. فصل: ومتى كانتِ الشَّهادةُ على فعلٍ، فاخْتلَفَ الشاهدانِ فى زمنِه، أو مكانِه، أو صِفةٍ له تدُلُّ على تَغايُرِ الفِعْليْنِ، لم تَكْمُلْ شَهادتُهما، مثل أن يشْهدَ أحدُهما أنَّه غصَبَه دِينارًا يومَ السَّبتِ، ويشْهدَ الآخَرُ أنَّه غصَبَه دينارًا يومَ الجُمعةِ، أو يشْهدَ أحدُهما أنَّه غصَبَه بدمشقَ، ويشْهدَ الآخَرُ أنَّه غصبَه بمِصْرَ، أو يشْهدَ أحدُهما أنَّه غصَبَه دينارًا، ويشْهدَ الآخَرُ أنَّه غصَبه ثوبًا، فلا تَكْمُلُ الشَّهادةُ؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ لم يَشْهَدْ به شاهدان. وهكذا إن اخْتلَفا فى زمنِ القَتلِ، أو مكانِه، أو صِفَتِه، أو فى شُرْبِ الخمرِ، أو القَذْفِ، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ ما شهِدَ به أحدُ الشاهِدَيْنِ غيرُ الذى شهِدَ به الآخَرُ، فلم يَشْهَدْ بكلِّ واحدٍ من الفِعْليْنِ إِلَّا شاهِدٌ واحدٌ، فلم يُقْبَلْ إِلَّا على قولِ أبى بكرٍ، فإِنَّ هذه الشَّهادةَ (٣) تَكْمُلُ. ويَثْبُتُ المشْهودُ به إذا اخْتلَفا فى الزَّمانِ والمكانِ، فأمَّا إن اختلَفا فى صِفَةِ الفِعْلِ، فشهِدَ أحدُهما أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا أبْيَضَ، وشهِدَ آخَرُ أنَّه سَرقَ مع الزَّوال كِيسًا أسودَ، أو شهِدَ أحدُهما أنَّه سرَقَ هذا الكِيسَ غُدْوة، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه سَرَقَه عَشِيًّا،

стр. 7587

لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ. ذكرَه ابنُ حامدٍ. وقال أبو بكرٍ: تَكْمُلُ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ لم يَشْهَدْ به إلًا واحدٌ، على ما قدَّمناه. وإن اخْتلَفا فى صِفَةِ المشْهودِ به اخْتلافًا يُوجِبُ تَغايُرَها (٤)، مثل أن يشْهَدَ أحدُهما بثَوبٍ والآخَرُ بدينارٍ، فلا خلافَ فى أَنَّ الشَّهادةَ لا تَكْمُلُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إيجابُهما جميعًا؛ لأنَّه يكونُ إيجابًا بالحقِّ عليه بشَهادةِ واحدٍ، ولا إيجابُ أحدِهما بعَيْنِه؛ لأنَّ الآخَرَ لم يَشْهَدْ به، وليس أحدُهما أوْلَى من الآخَرِ. فأمَّا إِنْ شهِدَ بكلِّ فعلٍ شاهدانِ، واخْتلَفا فى الزَّمانِ، أو المَكانِ، أو الصِّفَةِ، ثَبَتَا جَمِيعًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما قد شهِدَتْ به بَيِّنةٌ عادلةٌ، لو انْفَردَتْ أثْبتَتِ الحقَّ، وشَهادةُ الأُخْرَى لا تُعارِضُها؛ لإِمْكانِ الجَمْعِ بينهما، إِلَّا أن يكونَ الفِعلُ ممَّا لا يُمْكِنُ تَكرُّرُه، كقتلِ رجلٍ بعَيْنِه، فتَتعارَضُ البَيِّنَتانِ، لِعْلمِنا أَنَّ إحْداهما كاذبةٌ، ولا نعلمُ أيَّتُهما هى، بخلافِ ما يتكرَّرُ ويُمْكِنُ صِدْقُ البَيِّنتَيْنِ فيه، فإنَّهما جميعًا يَثْبُتانِ إنِ ادَّعاهُما، وإن لم يَدَّعِ إِلَّا إحْداهما، ثَبَتَ له ما ادَّعاه دونَ ما لم يَدَّعِه. وإن شهدَ اثْنانِ أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا أسْوَدَ، وشهِدَ آخَران أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا أبْيَضَ، أو شهِدَ اثنان أنَّه سَرَقَ هذا الكِيسَ غُدْوةً، وشهِدَ آخَران أنَّه سرقَه عَشِيًّا، فقال القاضى: يَتَعارَضان. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ. كما لو كان المشْهودُ به قَتْلًا. والصَّحيحُ أَنَّ هذا لا تَعارُضَ فيه؛ لأنَّه (٥) يُمْكِنُ صِدْقُ البَيِّنتَيْنِ، بأنْ يَسْرِقَ عند الزَّوالِ كِيسَيْنِ أبيضَ وأسودَ، فتشْهدُ كلُّ بَيِّنَةٍ بأحَدِهما، ويُمْكِنُ أن يسْرِق كِيسًا غُدْوةً ثم يعودَ إلى صاحبِه أو غيرِه، فيَسْرقَه عَشِيًّا، ومع إمْكانِ الجَمْعِ لا تَعارُضَ. فعلى هذا، إن ادَّعاهما المشهودُ له، ثَبَتَا له فى الصُّورةِ الأولَى، وأمَّا فى الصَّورةِ الثانية، فيَثْبُتُ له الكِيسُ المشْهودُ به حَسْبُ، فإنَّ المشْهودَ به وإن كانا (٦) فِعْليْنِ، لكنَّهما فى مَحَلِّ واحدٍ، فلا يَجبُ أكثرُ من ضَمانِه. وإن لم يدَّعِ المشهودُ له إِلَّا أحدَ الكِيسَيْنِ، ثَبَتَ له، ولم يَثْبُتْ له الآخَرُ؛ لعَدَمِ دَعْواه إيَّاهُ. وإن شهِدَ له شاهدٌ بسَرِقةِ كِيسٍ فى يومٍ، وشهِدَ آخَرُ بسَرِقةِ كِيس فى يومٍ آخَرَ، أو شهِدَ أحدُهما فى مَكانٍ، وشهِدَ آخَرُ (٧)

стр. 7588

بسَرقةٍ (٨) فى مكانٍ آخَرَ، أو شهِدَ أحدُهما بغَصْبِ كيسٍ أبيضَ، وشهِدَ آخرُ بغَصْبِ كيسٍ أسوَد، فادَّعاهما المشهودُ له، فله أن يَحْلِفَ مع كل واحدٍ منهما، ويُحْكَمَ له به؛ لأنَّه مال قد شهِدَ له به شاهدٌ. وإن لم يَدَّعِ إِلَّا أحدَهما، ثَبَتَ له ما ادَّعاه، ولم يَثْبُتْ له الآخَرُ؛ لعَدَمَ دَعْواه إيَّاهُ. فصل: فأمَّا الشهادةُ على الإِقرارِ، مثل أن يشْهَدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ عندِى يومَ الخميسِ بدمشقَ أنَّه قتلَه، أو قذفَه، أو غصَبَه كذا، أو أَنَّ له فى ذِمَّتِه كذا، ويشْهَدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ عندى بهذا يومَ السبتِ بحِمْصَ، كَمَلَتْ شهادتُهما. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال زُفَرُ: لا تَكْمُلُ شهادتُهما؛ لأنَّ كلَّ إِقْرارٍ لم يشْهَدْ به إِلَّا واحدٌ، فلم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، فأشْبَهَ الشَّهادةَ على الفِعْلِ. ولَنا، أَنَّ المُقِرَّ به واحدٌ، وقد شهِدَ اثنان بالإِقْرارِ به، فكَمَلَتْ شَهادتُهما، كما لو كان الإِقْرارُ بهما واحدًا، وفارَقَ الشَّهادةَ على الفعلِ؛ فإن الشَّهادةَ فيها على فِعْليْنِ مُخْتلِفيْنِ، فنَظِيرُه من الإِقْرارِ أن يشْهَدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ عندِى أنَّه قتلَه فى يومِ الخميسِ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ أنَّه قتلَه يومَ الجمعةِ، فإنَّ شهادتَهما لا تُقْبَلُ ههُنا. ويُحَقِّقُ ما ذكَرْناه، أنَّه لا يُمْكِنُ جَمْعُ الشُّهودِ لسَماعِ الشهادةِ فى حق كلِّ واحدٍ، والعادةُ جارِيةٌ بطلَبِ الشُّهودِ فى أماكنِهم، لا فى جَمْعِهم إلى المشْهودِ له، فيَمْضِى إليهم فى أوْقاتٍ مُتفَرِّقةٍ، وأماكنَ مُخْتلِفةٍ، فيُشْهِدُهم على إقْرارِه. وإن كان الإِقْرارُ على فِعْلَيْنِ مُخْتلِفَيْنِ، مثل أن يقولَ أحدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقر عندِى أنَّه قتلَه يومَ الخميس. وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِى أنَّه قتله يومَ الجمعةِ. أو قال أحدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِى أنَّه قَذَفَه بالعربيَّةِ. وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِى أنَّه قَذَفَه بالعَجَمِيَّةِ. لم تكُمُلِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ الذى شهِدَ به أحدُهما غيرُ الذى شهِدَ به صاحبُه، فلما تَكْمُلِ الشَّهادةُ، كما لو شهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ أنَّه غَصَبَه [دنانيرَ، وشهِدَ الآخرُ أنَّه أقَرَّ أنَّه غصَبَه] (٩) دَراهمَ، لم تَكْمُكِ الشَّهادةُ. وعلى قولِ أبى بكرٍ، تَكْمُلُ الشهادةُ فى القتْلِ، والقَذْفِ؛ لأنَّ القَذْفَ بالعربيَّة أو العَجَمِيَّةِ، والقَتْلَ بالبَصرةِ أو الكُوفةِ، ليس من المُقْتَضِى، فلا يُعْتبَرُ فى الشَّهادةِ، ولم يُؤثِّرْ. والأَوَّلُ أصَحُّ.

стр. 7589

فصل: فإن شهِدَ أحدُهما أنَّه باعَ أمْسِ، وشهِدَ الآخَرُ، أنَّه باعَ اليومَ، أو شهِدَ أحدُهما أنَّه طلَّقَها أمْسِ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه طَلَّقَها اليومَ، فقال أصْحابُنا: تَكْمُلُ الشَّهادةُ. وقال الشافعىُّ: لا تَكْمُلُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من البَيْعِ والطَّلاقِ لم يَشْهَدْ به إِلَّا واحدٌ، أشْبَهَ ما لو شهِدَ بالغَصْب فى وَقْتَيْنِ. ووَجْهُ قولِ أصْحابِنا، أَنَّ المشْهودَ به شىءٌ واحدٌ، يجوزُ أن يُعادَ مَرَّةً بعدَ أُخْرَى، ويكونَ واحدًا، فاخْتلافُهما فى الوقتِ ليس باخْتلافٍ فيه، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو شهِدَ أحدُهما بالعربيَّةِ والآخَرُ بالفارِسيَّةِ. فصل: وكذلك الحُكمُ فى كلِّ شهادةٍ على قولٍ، فالحكمُ فيه كالحكمِ فى البَيْعِ، إِلَّا النِّكاحَ، فإنَّه كالفِعْلِ (١٠). فإذا شهِدَ أحدُهما أنَّه تزوَّجَها أمْس، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه تزوَّجَها اليومَ، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، فى قولِهم جميعًا؛ لأنَّ النِّكاحَ أمْس غيرُ النِّكاحِ اليومَ، فلم يَشْهَدْ بكلِّ واحدٍ من العَقْدَيْنِ إلا شاهِدٌ واحِدٌ، فلم يثْبُتْ، كما لو كانتِ الشَّهادةُ على فعلٍ، وكذلك القَذْفُ، فإنَّه لا تَكْمُلُ الشهادةُ إِلَّا أَنْ يَشْهدَا على قَذْفٍ واحدٍ. فصل: فإن شَهِدَأحدُهما أنَّه غَصَبَهُ (١١) هذا العبدَ، وشهدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ بغَصْبِه منه، كَمَلَتِ الشَّهادةُ، وحُكِمَ بها؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ الغَصْبُ الذى أقَرَّ به هو الذى شهِدَ الشَّاهِدُ به، فلم يخْتَلِفِ الفعلُ، كمَلَتِ الشَّهادةُ، كما لو شَهِدَا فى وَقْتيْنِ على إقرارِه بالغَصْبِ. وقال القاضى: لا تَكْمُلُ الشهادةُ، ولا يُحْكَمُ بها. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ما أقَرَّ به غيرَ ما شهِدَ به الشَّاهِدُ. وهذا يَبْطُلُ بالشهادةِ على إقْرارَيْنِ؛ فإنَّه يجوزُ أن يكونَ ما أقَرَّ به عندَ أحدِ الشَّاهَدِيْنِ غيرَ ما أقرَّ به عند الآخَرِ، إذا كانا فى وَقْتيْنِ مُخْتلِفَيْن، ولأنَّه إذا أمْكَنَ جَعْلُ الشَّهادةِ على واحدٍ، لم تُحْمَلْ على اثْنَيْنِ، كالإقْرارَيْنِ، وكما لو شهِدَ بالغَصْب اثنان، وشهِدَ على الإِقْرارِ به اثنان. وإن شهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَ هذا العبدَ من زيد، أَو أنَّه أقَرَّ بغَصْبِه منه، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه مِلْكُ زَيْدٍ (١٢)، لم تكْمُلْ شَهادتُهما؛ لأنَّهما لم يَشْهدَا على شىءٍ واحدٍ. وإن شهِدَ أنَّه أخذَه من يَدَيْه، ألْزمَه الحاكِمُ

стр. 7590

رَدَّه إلى يَدَيْه؛ لأنَّ اليدَ دليلُ المِلْكِ، فتُرَدُّ إلى يَدِه، لتكونَ دلالتُها (١٣) ثابتةً له. قال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللَّه، عن رجلٍ ادَّعَى دارًا فى يَد رجلٍ، وأقامَ شاهِدَيْنِ، شهِدَ أحدُهما (١٤) أَنَّ هذه الدَّارَ لفُلانٍ، وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أَنَّ هذه الدَّارَ دارُ فلانٍ (١٥). قال: شَهادتُهما جائزةٌ. فصل: ومَن شهِدَ بالنِّكاحِ، فلابُدَّ مِن ذِكْرِ شُروطِه؛ لأنَّ النَّاسَ يَخْتلفُون فى شُروطِه، فيَجِبُ ذِكْرُها، لئَلَّا يكونَ الشاهِدُ يعْتَقِدُ أَنَّ (١٦) النِّكاحَ صحيحٌ (١٧)، وهو فاسدٌ. وإن شهِدَ بعَقْدٍ سِوَاهُ؛ كالبَيْعِ، والإِجارةِ، فهل يُشْترَطُ ذِكْرُ شُروطِه؟ على رِوَايتَيْن؛ إحْداهما، يُشْترَطُ ذِكْرُها؛ لأنَّ الناسَ يخْتلِفون فى شُروطِه، فاشْتِراطُ ذكْرِها كالنِّكاحِ. والثانية، لا يُشْترَطُ ذِكْرُ شُروطِه؛ لأنَّه لا يُشْتَرطُ ذكرُها فى الدَّعْوَى، فكذلك فى الشَّهادةِ به (١٨)، بخلافِ النِّكاحِ. وإن شهِدَ بالرَّضاعِ، فلابُدَّ من ذِكْرِ أنَّه شَرِبِ من ثَدْيها، أو مِن لَبَنٍ حُلِبَ منه، وعَدَدِ الرَّضَعاتِ؛ لأنَّ الناسَ يختْلِفون فى عَدَدِ الرَّضَعاتِ، وفى الرَّضاعِ (١٨) المُحرِّمِ. وإن شهِدَ أنَّه ابْنُها من الرَّضاعِ، لم يَكْفِ؛ لاخْتلافِ الناس فيما يصِيرُ به ابْنَها، ولابُدَّ من ذِكْرِ أَنَّ ذلك كان فى الحَوْلَيْنِ. وإن شَهِدَ بالقَتْلِ، فلابُدَّ مِن وَصْفِ القَتْلِ، فيقولُ: جَرَحَه فقتلَه، أو ضرَبَه بكذا فقتلَه. ولو قال: ضَرَبَه فماتَ. لم يُحْكَمْ بذلك؛ لجَوازِ أن يكونَ ماتَ بغيرِ هذا. وقد رُوِىَ عن شُرَيْحٍ، أنَّه شهِدَ عندَه رجلٌ، فقال: أشْهَدُ أنَّه اتَّكأَ عليه بمِرْفَقِه، فماتَ. فقال له شُرَيْحٌ: فماتَ منه، أو فقتلَه؟ فأعادَ القولَ الأوَّلَ، وأعادَ عليه (١٨) شُرَيْحٌ سُؤالَه، فلم يَقُلْ:

стр. 7591

فقَتَلَه. ولا: فماتَ منه. فقال له شُرَيْحٌ: قُمْ، فلا شهادةَ لك. رواه سَعيدٌ (١٩). ومَن شهِدَ بالزِّنَى، فلابُدَّ مِن ذِكْرِ الزَّانِى، والمَزْنِىِّ بها، ومَكانِ الزِّنَى، وصِفَتِه؛ لأنَّ اسمَ الزِّنَى يُطْلَقُ على ما لا يُوجِبُ الحَدَّ، وقد يعْتقِدُ الشَّاهِدُ ما ليس بزِنًى زِنًى، فاعْتُبِرَ ذِكْر صِفَتِه؛ ليَزُولَ الاحْتمالُ، واعْتُبِرَ ذِكْرُ المرأةِ؛ لئَلَّا تكونَ ممَّن تَحِلُّ له، أو له فى وَطْئِها شُبْهةٌ، وذِكْرُ المكانِ؛ لئَلَّا تكونَ الشهادةُ منهم على فِعْلَينِ. ومِن أصْحابِنا مَن قال: لا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِ الْمَزْنِىِّ بها، ولا ذِكْرِ المكانِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للفعلِ، فلم يُعْتبَرْ ذِكْرُه، كالزمانِ. وإن شهِدَ بالسَّرقةِ، فلابُدَّ مِن ذِكْرِ سَرقةِ نِصابٍ من الحِرْزِ، وذِكْرِ المَسْروقِ منه، وصِفَةِ السَّرِقةِ. وإن شهِدَ بالقَذْفِ، فلابُدَّ من ذِكْرِ المقْذوفِ، وصِفَةِ القَذْفِ. وإن شهِدَ بمالٍ، احْتاجَ إلى تحْريرِه بمثْلِ ما ذكرْنا فى الدَّعْوَى. وإن تركَ الشَّاهِدُ ذِكْرَ شىءٍ يُحْتاجُ إلى ذِكْرِه، سألَه الحاكمُ عنه، كما سألَ شُرَيْحٌ الشاهِدَ الذى شهِدَ عندَه أنَّه اتَّكَأَ عليه بمِرْفَقِه حتى ماتَ. وإن حَرَّرَ المُدَّعِى دَعْواهُ، أو حَرَّرَ أحدُ الشاهِدَيْنِ شَهادتَه، وشهِدَ بها، وقال الآخَرُ: أشْهَدُ بمثلِ ذلك. أو قال حينَ حَرَّرَ المُدَّعِى دَعْواه: أشْهَدُ بذلك، أو بهذا. أَجْزَأَهُ. ١٩١٧ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ جَاءَ أَرْبَعَةٌ مُتَفَرِّقُونَ، وَالْحَاكِمُ جَالِسٌ فِى مَجْلِسِ حُكْمِهِ، لَمْ يَقُمْ قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ. وَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بعْد أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ، كَانُوا قَذَفَةً، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ) هذه المسألةُ قد ذكرْناها فى كتابِ الحُدودِ (١)، بما أغْنَى عن إعادَتِها ههُنا. ١٩١٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمَا بِجَرْحٍ أَوْ قَتْلٍ، ثُمَّ رَجَعَا، فَقَالَا: عَمَدْنَا، اقْتُصَّ مِنْهُمَا. وَإِنْ قَالَا: أَخْطَأنَا. غَرِمَا الدِّيَةَ، أَوْ أَرْشَ الجَرْحِ) وجملةُ الأمرِ أَنَّ الشُّهودَ إذا رَجعُوا عن شَهادتِهم بعدَ أدائِها، لم يَخْلُ من ثلاثةِ أحوالٍ؛

стр. 7592

أحدها، أن يرْجِعُوا قبلَ الحُكْمِ بها، فلا يجوزُ الحكمُ بها. فى قولِ عَامَّةِ أهلِ العلمِ. وحُكىَ عن أبى ثَوْرٍ، أنَّه شَذَّ عن أهلِ العلمِ، وقال: يُحْكَمُ بها؛ لأنَّ الشَّهادةَ قد أُدِّيَتْ، فلا تَبْطُلُ برُجوعِ. مَن شهِدَ بها، كما لو رَجَعا بعدَ الحُكْمِ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ الشَّهادةَ شرطُ الحُكْمِ، فإذا زالَتْ قبلَه، لم يَجُزْ، كما لو فَسَقا؛ ولأنَّ رُجوعَهما يَظْهَرُ به كَذِبُهما، فلم يَجُزِ الحكمُ بها، كما لو شهِدَا بقَتْلِ رجلٍ، ثم عَلِمَ حياتَه، ولأنَّه زالَ ظنُّه فى أَنَّ ما شُهِدَ به حقٌّ، فلم يَجُزْ له الحكمُ به، كما لو تغيرَّ اجْتهادُه، وفارَقَ ما بعدَ الحُكْمِ، فإنَّه تَمَّ بشَرْطِه (١)؛ ولأنَّ الشَّكَّ لا يُزيلُ ما حُكِمُ به، كما لو تَغيرَّ اجْتهادُه. الحالُ الثانى، أن يَرْجِعا بعدَ الحُكْمِ وقبلَ الاسْتِيفاءِ، فيُنْظَرَ؛ فإن كان المحكومُ به عُقوبةً، كالحَدِّ والقِصاصِ، لم يَجُزِ اسْتِيفاؤُه؛ لأنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ورُجوعُهما من أعْظمِ الشُّبُهاتِ، ولأنَّ المحكومَ به عُقوبةٌ، ولم [يَبْقَ ظَنُّ] (٢) اسْتِحْقاقِها، ولا سبيلَ إلى جَبْرِها، فلم يَجُزِ اسْتِيفاؤُهَا (٣)، كما لو رَجَعا قبلَ الحُكْمِ. وفارَقَ المالَ؛ فإنَّه يُمْكِنُ جَبْرُه، بإلْزامِ الشَّاهِدَيْنِ عِوَضَه، والحدُّ والقِصاصُ لا ينْجَبِرُ بإيجابِ مِثْلِه على الشَّاهِدَيْن؛ لأنَّ ذلك ليس بجَبْرٍ، ولا يَحْصُلُ لمن وَجَبَ له منه عِوَضٌ، وإنَّما شُرِعَ للزَّجْرِ والتَّشَفِّى والانْتِقامِ، لا للجَبْرِ. فإن قيل: فقد قُلْتُم: إنَّه إذا حُكِمَ بالقِصاصِ، ثم فَسَقَ الشَّاهِدَان، اسْتُوفِىَ. فى أحَدِ الوَجْهيْنِ. قُلْنا: الرُّجوعُ أعْظَمُ فى الشُّبْهةِ مِن طَرَيانِ الفِسْقِ؛ لأنَّهما يُقِرَّانِ أَنَّ شهادتَهما زُورٌ، وأنَّهما كانا فاسِقَيْن حين شَهِدَا، وحينَ حَكمَ الحاكمُ بشَهادتِهما، وهذا الذى طَرَأَ فِسْقُه لا يتحقَّقُ كونُ شهادتِه كَذِبًا، ولا أنَّه كان فاسقًا حينَ أدَّى الشَّهادةَ، ولا حينَ الحُكمِ بها، ولهذا لو فَسَقَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، لم يَلْزَمْه شىءٌ، والرَّاجِعان تَلْزَمُهما غَرامةُ ما شهِدَا به، فافْترَقا. وإن كان المشهودُ به مالًا، استُوفِىَ، ولم ينقض الحُكْمُ (٤). فى قولِ أهلِ الفُتْيا مِن عُلْماءِ الأمصْارِ. وحُكِىَ عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، والأوْزَاعِىِّ، أنَّهما قالا: يُنْقَضُ الحكمُ، وإن اسْتُوفِىَ الحقُّ؛ [لأنَّ الحقَّ] (٥) ثبَتَ بشَهادتِهما، فإذا رَجعا، زالَ ما ثَبَتَ به

стр. 7593

الحكمُ، فنُقِضَ الحكمُ، كما لو تَبيَّنَ أنَّهما كانا كافرَيْنِ. ولَنا، أَنَّ حقَّ المشْهودِ له وجبَ له، فلا يَسْقُطُ بقولِهما، كما لو ادَّعَياه لأنْفُسِهما، يُحَققُ هذا أَنَّ حقَّ الإِنسانِ لا يَزُولُ إِلَّا ببَيِّنَةٍ أو إقْرارِه (٦)، ورُجوعُهما ليس بشَهادةٍ، ولهذا لا يَفْتَقِرُ إلى لفظِ الشَّهادةِ، ولا هو إقْرارٌ من صاحبِ الحَقِّ. وفارَقَ ما إذا تبيَّنَ أنَّهما كانا كافِرَيْنِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه لم يُوجَدْ شرطُ الحُكْمِ، وهو شَهادةُ العُدولِ، وفى مسألتِنا لم يتبيَّنْ ذلك؛ لِجَوازِ (٧) أن يكونا عَدْلَين صادِقَينِ فى شهادتِهما، وإنَّما كذَبا فى رُجوعِهما، ويُفارِقُ العُقوباتِ، حيثُ لا تُسْتَوْفَى (٨)؛ لأنَّها (٩) تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. الحالَ الثالث، أن يَرْجِعا بعدَ الاسْتِيفاء؛ فإنَّه لا يَبْطُلُ الحكمُ، ولا يَلْزَمُ المشْهودَ له شىءٌ، سَواءٌ كان المشْهودُ به مالًا أو عُقوبةً؛ لأَنَّ الحُكمَ قد تمَّ باسْتِيفاءِ المحْكومِ به، ووُصولِ الحقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، ويَرْجِعُ به على الشَّاهِدَيْنِ، ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان المشْهودُ به إتْلافًا فى مِثْلِه القِصاصُ، كالقتلِ والجَرْحِ (١٠)، نظرْنا فى رُجوعِهما، فإن قالا: عَمَدْنا الشَّهادةَ عليه بالزُّورِ؛ ليُقْتَلَ أو يُقطَعَ. فعليهما القِصاصُ. وبهذا قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى ليلَى، والأوْزاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا قَوَدَ عليهما؛ لأنَّهما لم يُباشِرا الإِتْلافَ، فأشْبَهَا حافِرَ البِئرِ، وناصِبَ السِّكِّينِ، إذا تَلِفَ بهما شىءٌ. ولَنا، أَنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، شهِدَ عندَه رَجلان على رجلٍ بالسَّرِقةِ، فقطَعَه، ثم عادا، فقالا: أخْطَأْنا، ليس هذا هو السَّارِقَ. فقال علىٌّ: لو عَلِمْتُ أنَّكما تَعَمَّدْتُما، لقَطَعْتُكما (١١). ولا مُخالِفَ له فى الصَّحابةِ، فيكونُ إجماعًا، ولأنَّهما تسبَّبا إلى قَتْلِه أو قَطْعِه، بما يُفْضِى إليه غالبًا، فلَزِمَهما القِصاصُ، كالمُكْرَهِ، وفارَقَ الحَفْرَ ونَصْبَ السِّكِّينِ، فإنَّه لا يُفْضِى إلى القَتلِ غالبًا. وقد ذكرْنا هذه المسألةَ فى القِصاص (١٢). فأمَّا إِنْ قالا: عَمَدْنا الشَّهادةَ عليه، ولم (١٣) نعلمْ أنَّه يُقْتَلُ بهذا.

стр. 7594

وكانا ممَّن يجوزُ أن يجْهَلَ (١٤) ذلك، وجبَتِ الدِّيَةُ فى أمْوالهِما مُغَلَّظةً؛ لأنَّه شِبْهُ عَمْدٍ، ولم تَحْمِلْه الحاقلةُ؛ لأنَّه ثَبتَ باعْترافِهما، والعاقلةُ لا تحْمِلُ اعْترافًا. وإن قال أحدُهما: عمَدْتُ قَتْلَه. وقال الآخَرُ: أخْطأْتُ. فعلى العامدِ نصْفُ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ، وعلى الآخَرِ نِصْفُ دِيَةٍ مُخفَّفةٍ، ولا قِصاصَ، فى الصَّحِيحِ من المذهبِ؛ لأنَّه قَتْلُ عَمْدٍ وخَطَأٍ. وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: عَمَدْتُ، وأخْطأَ صاحبِى. احْتَمَلَ أن يجبَ القِصاصُ عليهما؛ لاعْترافِ كلِّ واحدٍ منهما بعَمْدِ نفسِه. واحْتَمَلَ وُجوبَ الدِّيَةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما إنَّما اعْترفَ بعَمْدٍ شارَكَ فيه مُخْطِئًا، وهذا لا يُوجِبُ القِصاصَ، والإِنْسانُ إنَّما يُؤاخَذُ بإقْرارِه، لا بإقرارِ غيرِه. فعلى هذا، تَجبُ عليهما دِيَةٌ مُغَلَّظةٌ. وإن قال أحدُهما: عَمَدْنا جميعًا. وقال الآخَرُ: عَمَدْتُ، وأخْطأ صاحبِى. فعلى الأوَّلِ القِصاصُ، وفى الثانى وَجْهان، كالتى قَبْلَها. وإن قالا جميعًا: أخْطَأْنا معًا (١٥). فعليهما الدِّيَةُ مُخَفَّفةً فى أمْوالِهما؛ لأنَّ العاقلةَ لا تحْمِلُ الاعْترافَ. وإن قال أحدُهما: عَمَدْنَا معًا. وقال الآخَرُ: أخْطأْنا معًا. فعلَى الأوَّلِ القِصاصُ، وعلى الثانى نِصْفُ دِيَةٍ مُخفَّفةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ (١٦) منهما يُؤاخَذُ بحُكْمِ إقْرارِه. وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: عَمَدْتُ، ولا أدْرِى ما فعلَ صاحبِى. فعليهما القِصاصُ؛ لإِقْرارِ كلِّ واحدٍ منهما بالعَمْدِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يجِبَ عليهما القِصاصُ؛ لأنَّ إقْرارَ كلِّ واحدٍ منهما لو انْفَرَدَ، لم يجِبْ عليه قِصاصٌ، وإنَّما يُؤاخَذُ الإِنسانُ بإقْرارِه، لا بإقْرارِ صاحبِه. وإن قالَ أحدُهما: عَمَدْتُ، ولا أدْرِى ما قَصَدَ صاحبِى. سُئِلَ صاحبُه، فإنْ (١٧) قال: عَمَدْتُ، ولا أدْرِى ما قَصَدَ صاحبِى. فهى كالتى قبلَها. وإن قال: عَمَدْنا مَعًا (١٨). فعليه القِصاصُ، وفى الأوَّلِ وَجْهانِ. وإن قَال: أخْطَأْتُ، أو أخْطَأْنا. فلا قِصاصَ على واحدٍ منهما. وإن جُهِلَ حالُ الآخَرِ، بأن يُجَنَّ، أو يَمُوتَ، أو لا يُقْدَرَ عليه، فلا قِصاصَ على المُقِرِّ، وعليه نَصيبُه من الدِّيَةِ المُغَلَّظةِ.

стр. 7595

فصل: وإن رجعَ أحدُ الشَّاهَدِيْنِ وحدَه، فالحُكمُ فيه كالحُكمِ فى رُجوعِهما، فى أَنَّ الحاكمَ لا يَحْكُمُ بشهادتِهما، إذا كان رجوعُه [قبلَ الحُكْمِ، وفى أنَّه لا يَسْتَوْفِى العقوبةَ إذا رجعَ] (١٩) قبلَ اسْتِيفائِها؛ لأنَّ الشَّرْطَ يَخْتلُّ برُجوعِه، كاخْتِلالِه برُجوعِهما. وإن كانَ رُجوعُه بعدَ الاسْتِيفاءِ، لَزِمَه حبهمُ إقْرارِه وحدَه، فإنْ أقَرَّ بما يُوجِبُ القِصاصَ، وجَبَ عليه، وإِنْ أقرَّ بما يُوجِبُ دِيَةً مُغَلَّظَةً، وجبَ عليه قِسْطُه منها، وإن أقَرَّ بالخطأِ، وجَبَ عليه نَصِيبُه من الدِّيَةِ المُخففةِ. وإن كان الشُّهَودُ أكثرَ من اثْنَيْنِ فى الحُقوقِ الماليَّةِ، أو القِصاص، ونحوِه، [ممَّا يثْبُتُ] (٢٠) بشاهِدَيْنِ، أو أكثرَ من أربعةٍ، فرجعَ الزائدُ منهم قبلَ الحُكمِ والاسْتِيفاءِ (٢١)، لم يَمْنَعْ ذلك الحكمَ ولا الاسْتيفاءَ؛ لأنَّ ما بَقِىَ من الْبَيِّنَةِ كافٍ فى إثْباتِ الحُكمِ واسْتِيفائِه. وإن رجعَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، فعليه القِصاصُ إن أقَرَّ بما يُوجِبُه، أو قِسْطُه من الدِّيةِ، أو من الْمُفَوَّتِ بشَهادتِهم إن كان غيرَ ذلك. وفى ذلك اختلافٌ سنَذكُرُه، إن شاءَ اللَّه تعالى. ١٩١٩ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بِمَالٍ، غَرِمَاهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا) أمَّا كَوْنُه لا يرْجِعُ به (١) على المَحْكومِ له (١) به، فلا نَعْلمُ فيه بين أهلِ العلمِ خِلافًا، سِوَى ما حَكَيْناه عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والأوْزاعىِّ، وقد ذكرْنا الكلامَ معهما فيما مضى (٢). فأمَّا الرُّجوعُ به على الشَّاهِدَيْنِ، فهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وهو قولُ الشَّافعىِّ القَديمُ، وقال فى الجديدِ: لا يَرْجِعُ عليهما بشىءٍ، إِلَّا أَنْ يَشْهَدَا بعِتْقِ عبدٍ، فيَضْمَنا قِيمتَه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منهما إتْلاف للمالِ، ولا يَدٌ عادِيةٌ عليه، فلم يَضْمَنا، كما لو رُدَّتْ شهادتُهما. ولَنا، أنَّهما أخْرَجا مالَه من يدِه بغيرِ حَقٍّ، وحالَا

стр. 7596

بينَه وبينَه، فلَزِمَهما الضَّمانُ، كما لو شَهِدَا بعِتْقِه، ولأنَّهما أزالا يَدَ السَّيِّدِ عن عبدِه بشَهادتِهما المَرْجوعِ عنها، فأشْبَهَ (٣) مَا لو شَهِدَا بحُرِّيَّتِه؛ ولأنَّهما تسَبَّبا إلى إتْلافِ حَقِّه بشهادتِهما بالزُّورِ عليه، فلَزمَهما الضَّمانُ، كشَاهِدَى القِصاص. يُحَقِّقُ هذا، أنَّه إذا ألْزَمَهما القِصاصَ الذى يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فوُجوبُ المالِ أوْلَى. وقولُهم: إنَّهما ما أتْلَفا المالَ. يَبْطُلُ بما إذا شَهِدَا بعِتْقِه، فإِنَّ الرِّقَّ فى الحقيقةِ لا يزُولُ بشهادةِ الزُّورِ، وإنَّما حالَا بين سيِّدِه وبينَه، وفى مَوْضعِ إتْلافِ المالِ، فهُما تسبَّبا إلى تَلَفِه، فيَلْزَمُهما ضَمانُ ما تَلِفَ بسَبَبِهما، كشاهِدَىِ القِصاص، وشُهودِ الزِّنَى، وحافرِ البئْرِ، وناصبِ السِّكِّينِ. ١٩٢٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، غَرِمَا قِيمَتَهُ) أمَّا إذا شَهِدَا بالعَبْدِ أو الأَمَةِ لغَيرِ مالِكِهما (١)، فالحُكْمُ فى ذلك كالحُكْمِ فى الشَّهادةِ بالمالِ، على ما ذكرْنا مِن الخِلافِ فيه؛ لأنَّهما (٢) من جُمْلةِ المالِ. وإن شَهِدَا بحُرِّيَّتِهما، ثم رجَعا عن الشَّهادةِ، لزِمَهُما غَرامةُ قِيمَتِهما لسَيِّدِهما، بغيرِ خلافٍ بينهما فيه، فإِنَّ المُخالِفَ فى التى قبلَها هو الشافعىُّ، وقد وافَقَ ههُنا، وهو حُجَّةٌ عليه فيما خالفَ فيه، فإِنَّ إخْراجَ العبدِ عنَ يد سيِّدِه بالشَّهادةِ بحُرِّيَّتِه، كإخْراجه عنها بالشَّهادةِ به لغيرِ مالكِه، فإذا لزِمَه الضَّمانُ ثَمَّ، لَزِمَه ههُنا، وغَرِما القِيمةَ؛ لأنَّ العَبْدَ (٣) من المُتَقَوَّماتِ (٤)، لا مِن ذَواتِ الأمْثالَ. فصل: وإن شهِدَا بطلاقِ امرأةٍ تَبِينُ به، فحَكَمَ الحاكمُ بالفُرْقةِ، ثم رَجَعا عن الشَّهادةِ، وكان قبلَ الدُّخُولِ، فالواجبُ عليهما نصفُ المُسَمَّى. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافعىُّ، فى أحدِ قَوْلَيْه: يجبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّهما أتْلَفا عليه البُضْعَ،

стр. 7597

فلَزِمَهما عِوضُه، وهو مهرُ المِثْلِ. وفى القولِ الآخَرِ، يَلْزمُهما (٥) نصفُ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما ملَكَ نِصْفَ البُضْعِ، بدليل أنَّه إنَّما يجبُ عليه نِصْفُ المَهْرِ. ولَنا، أَنَّ خُروجَ البُضْعِ من مِلْكِ الزَّوجِ غيرُ مُتقَوَّمٍ؛ بدليلِ ما لو أخْرجَتْه من مِلْكِه برِدَّتِها، أو إسْلامِها، أو قَتْلِها نفسَها، فإنَّها لا تَضْمَنُ شيئًا. ولو فَسَخَت نكاحَها قبلَ الدُّخولِ، برَضاعِ مَن يَنْفَسِخُ به نِكاحُها، لم يَغْرَمْ شيئًا، وإنَّما يجبُ (٦) عليهما (٧) نصفُ المُسَمَّى؛ لأنَّهما ألزْمَاه للزَّوجِ بشهادتِهما، وقَررَّاهُ عليه، [فرجَعَ عنيهما] (٨)، كما يَرْجِعُ به على من فَسَخ نِكاحَه برَضاع أو غيرِه. وقولُه: إنَّه ملكَ نِصْفَ البُضْعِ. غيرُ صحيحٍ؛ فإِنَّ البُضْعَ لا يجوزُ تَمْليكُ (٩) نِصْفِه، ولأنَّ العَقْدَ ورَدَ على جميعِه، والصَّداقَ واجبٌ جميعُه، ولهذا تَمْلِكُه المرأةُ إذا قَبَضتْه، ونَماؤُه لها، وتَمْلِكُ طَلَبَه إذا لم تَقْبِضْه، وإنَّما يَسْقُطُ نِصْفُه بالطلاقِ. وأمَّا إن كان الحُكْم بالفُرْقةِ بعدَ الدُّخولِ، فلا ضَمانَ عليهما. وبه قال أبو حنيفةَ. [وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، عليهما ضَمانُ المُسَمَّى فى الصَّداقِ؛ لأنَّهما فَوَّتا عليه نِكاحًا وجَبَ عليه به عِوَضٌ، فكانَ عليهما ضَمانُ ما وجَبَ به، كما لو شَهِدَا بذلك قبلَ الدُّخولِ] (١٠). وقال الشافعىُّ: يَلَزْمُهما له مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّهما أتْلَفا البُضْعَ عليه. وقد سبقَ الكلامُ معه فى هذا، ولا يصِحُّ القياسُ على ما قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّهما قَرَّرَا عليه نِصْفَ المُسَمَّى، وكان بعَرَض (١١) السُّقوطِ، وههُنا قد تقَرَّر المهْر كلُّه (١٢) بالدُّخولِ، فلم يُقَرِّرَا عليه شيئًا ولم يُخْرِجا عن (١٣) مِلْكِه مُتَقوَّمًا، فأشْبَهَ ما لو أخْرَجاه من مِلْكِه بقَتْلِها، أو أخرَجتْه هى برِدَّتِها.

стр. 7598

فصل: وإن شَهِدَا على امرأةٍ بنكِاحٍ، فحَكمَ به الحاكمُ، ثم رَجَعا، نَظَرْتَ؛ فإن طلَّقها الزَّوْجُ قبلَ دُخُولِه بها، لم يَغْرَما شيئًا؛ لأنَّهما لم يُفَوِّتا عليها شيئًا. وإن دخلَ بها، وكان الصَّداقُ المُسَمَّى بقَدْرِ مَهْرِ المِثْلِ، أو أكثرَ منه، ووصَلَ إليها، فلا شىءَ عليهما؛ لأنَّها أخَذتْ عِوَضَ ما فَوتَّاه عليها، وإن كان دُونَه، فعليهما ما بينَهما، وإن لم يَصلْ إليها (١٤)، فعليهما ضَمانُ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه عِوَضُ ما فَوتَّاهُ عليها. فصل: وإن شَهِدَا بكتابةِ عَبْدِه، ثم رجَعا، نظرتَ؛ فإن عجَزَ، ورُدَّ فى الرِّقِّ، فلا شىءَ عليهما. وإِنْ أدَّى، وعَتَقَ، فعليهما ضَمانُ جميعِه؛ لأنَّهما فَوَّتاه عليه بشهادتِهما، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهما ما بين قِيمَتِه وما قَبَضَه من كِتابتِه. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ ما قَبَضَه مِن كَسْبِ عَبْدِه، فلا يُحْسَبُ عليه، وإن أرادَ تَغْرِيمَهما (١٥) قبلَ انْكِشافِ الحالِ؛ فيَنْبَغِى أن يُغَرِّمَهُما ما بينَ قِيمَتِه سليمًا ومُكاتَبًا. وإن شَهِدَا باسْتيلاد أمتِه، ثم رجَعا، فيَنْبغِى أن يَرْجِعَ عليهما بما نَقصَتْها الشَّهادةُ مِن قِيمَتِها. وإن عَتقَتْ بمَوْتِه، رجعَ الورثةُ بما بَقِىَ من قِيمَتِها. فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ وجبَ الضَّمانُ على الشُّهودِ بالرجوعِ، فإنَّه (١٦) يُوزَّعَ بينهم على عدَدِهم، قلُّوا أو كَثُرُوا. قال أحمدُ، فى روايةِ إسحاقَ بنِ منصورٍ: إذا شهِدَ بشهادةٍ، ثم رجَعَ وقد أتْلَفَ مالًا، فإنَّه ضامِنٌ بقَدْرِ ما كانوا فى الشَّهادةِ، فإنْ كانوا اثْنَيْنِ، فعليه [النِّصْفُ، وإن كانوا ثلاثةً، فعليه] (١٧) الثُّلثُ. وعلى هذا لو كانوا عشرَةً، فعليه العُشرُ، وسواءٌ رجعَ وحْدَه، أو رجَعُوا جميعًا، وسواءٌ رجعَ الزَّائدُ عن القَدْرِ الكافِى فى الشَّهادةِ، أو مَن ليس بزائدٍ، فلو شهدَ أربعةٌ بالقِصاصِ، فرَجَعَ واحدٌ منهم، وقالَ: عَمَدْنا قَتْلَه. فعليه القِصاصُ. وإن قال: أخْطَأْنا فعليه رُبعُ الدِّيَةِ. وإن رجعَ اثنان، فعليهما القِصاصُ أو نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن شهِدَ ستَّةٌ بالزِّنَى على مُحْصَنٍ، فرُجِمَ بشَهادتِهم، ثم رجَعَ واحدٌ، فعليه القِصاصُ، أو سُدسُ الدِّيةِ. وإن رجَعَ اثنانِ، فعليهما القِصاصُ أو ثلثُ الدِّيَةِ. وبهذا قالَ أبو عُبَيْدٍ. وقالَ أبو حنيفةَ: إن رجَعَ واحدٌ أو اثنان، فلا شىءَ عليهما؛ لأنَّ بَيِّنَةَ

стр. 7599

الزِّنَى قائمةٌ، فَدَمُه غيرُ مَحْقُونٍ. وإن رجعَ ثلاثةٌ، فعليهم رُبْعُ الدِّيَةِ. وإن رجَعَ أربعةٌ، فعليهم نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن رجعَ خمسةٌ، فعليهم ثلاثةُ أرباعِها. وإن رجَعَ السِّتَّةُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهم سُدسُها. ومَنْصوصُ الشَّافعىِّ فيما إذا رجَعَ اثْنان، كمذهبِ أبى حنيفةَ. واخْتلَفَ أصحابُه فيما إذا شَهِدَ بالقِصاصِ ثلاثةٌ، فرجَعَ أحدُهم، فقال أبو إسحاقَ (١٨): لا قِصاصَ عليه؛ لأنَّ بَيِّنَةَ القِصاص قائمةٌ، وهل يجبُ عليه ثُلثُ الدِّيَةِ؟ على وَجْهَين. وقال ابنُ الحَدَّادِ (١٩): عليه القِصاصُ. وفرَّقَ بينَه وبينَ الرَّاجعِ مِن شُهودِ الزِّنَى إذا كان زائدًا، بأنَّ (٢٠) دمَ المشْهودِ عليه بالزِّنَى غيرُ مَحْقُونٍ، وهذا دمُه مَحْقونٌ. وإنَّما أُبِيحَ دَمُه لولىِّ القِصاص وحْدَه. واخْتلَفوا فيما إذا شَهِدَ بالمالِ ثلاثةٌ، فرجعَ أحدُهم، على وَجْهَين؛ أحدُهما، يَضْمنُ الثُّلثَ. والثانى، لا شىءَ عليه. ولَنا، أَنَّ الإِتْلافَ حصَلَ بشَهادتِهم، فالرَّاجعُ مُقِرٌّ بالمُشاركةِ فيه عَمْدًا عُدْوانًا لمَن هو مِثْلُه فى ذلك، فلَزِمَه القِصاصُ، كما لو أَقَرَّ بمُشاركتِهم فى مُباشرةِ قَتْلِه، ولأنه أحدُ مَن قُتِلَ المشْهودُ عليه بشَهادتِه، فأشْبَهَ الثَّانىَ مِن شُهودِ القِصاصِ، والرابعَ من شُهودِ الزِّنَى، ولأنَّه أحدُ مَن حصَلَ الإتْلافُ بشَهادتِه، فلَزِمَه مِن الضَّمانِ بقِسْطِه، كما لو رجَعَ الجميعُ، ولأنَّ ما تضمَّنَه كلُّ واحدٍ مع اتِّفاقِهم على الرُّجوعِ، يَضْمَنُه إذا انْفَرَدَ بالرُّجوعِ، كما لو كانوا أربعةً. وقولُهم: إِنَّ دَمه غيرُ مَحْقونٍ. غيرُ صَحيحٍ، فإِنَّ الكلامَ فيما إذا قُتِلَ، ولم يَبْقَ له دمٌ يُوصَفُ بحَقنٍ ولا عَدَمِه، وقيامُ الشَّهادةِ لا يَمْنَعُ وجوبَ القِصاصِ، كما لو شَهِدَتْ لرجلٍ باسْتِحْقاقِ القِصاصِ، فاسْتَوْفاهُ، ثم أقر بأنَّه قَتَلَه ظُلْمًا، وأنَّ الشُّهودَ [شُهودُ زُورٍ] (٢١). والتَّفْريقُ بينَ القِصاصِ والرَّجْمِ بكَوْنِ دمِ القاتلِ غيرَ مَحْقُونٍ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَحْقُونٍ بالنِّسْبةِ إلى مَن قتلَه، ولأنَّ كلَّ واحدٍ مُؤاخَذٌ بإقْرارِه. ولا يُعْتبَرُ قولُ شرَيكِه، ولهذا لو أقَرَّ

стр. 7600

أحدُ الشَّرِيكِيْنِ بعَمْدِهما، وقالَ الآخَرُ: أخْطَأْنا. وجبَ القِصاصُ على المُقِرِّ بالعَمْدِ. فصل: وإذا حكَمَ الحاكمُ فى المالِ بشَهادةِ رجلٍ وامرأتَيْنِ، ثم رجَعُوا عن الشَّهادةِ، تَوَزَّعَ الضَّمانُ عليهم، على الرَّجُلِ نِصْفُه، وعلى كلِّ امرأةٍ رُبعُه. وإن رجعَ أحدُهم وَحْدَه، فعليه من الضَّمانِ حصَّتُه. وإن كان الشُّهودُ رجلًا وعشرَ نِسْوةٍ، فرَجَعوا، فعلى الرَّجلِ السُّدسُ، وعلى كلِّ امرأةٍ نصفُ السُّدسِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ. لأنَّ كلَّ امرأتيْنِ كرجلٍ، فالعَشرُ كخَمْسةِ رجالٍ. ويَحْتمِلُ أن يجبَ عليهنَّ النِّصْفُ، وعلى الرجلِ النِّصْفُ. وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ؛ لأنَّ الرجلَ نصفُ البَيِّنَةِ، بدليلِ أنَّه لو رجَعَ وَحْدَه بعدَ الحُكمِ، كان كرجُوعهنَّ كلِّهنَّ، فيكونُ الرَّجلُ حِزْبًا والنِّساءُ حِزْبًا. فإن رجعَ بعضُ النِّسْوة وحْدَه، أو الرَّجلُ، فعلى الرَّاجعِ مثلُ ما عليه إذا رجعَ الجميعُ. وعندَ أبى حنيفةَ وأصْحابِه، متى رجعَ من النِّسْوةِ ما زادَ على اثْنَيْنِ، فليس على الرَّاجِعاتِ شىءٌ، وقد مضَى الكلامُ معهم (٢٢) فى هذا. فصل: وإذا شهِدَ أربعةٌ بأرْبعِمِائةٍ، فحكمَ الحاكمُ بها، ثم رَجَعَ واحدٌ عن مائةٍ، وآخَرُ عن مائتيْنِ، والثالثُ عن ثلاثمِائِة، والرابعُ عن أربعمِائة، فعلى كلِّ واحدٍ ممَّا رجَعَ عنه بقِسْطِه؛ فعلى الأوَّلِ خمسةٌ وعشرون، وعلى الثانى خمسون، وعلى الثالثِ: خَمسةٌ وسَبعونَ، وعلى الرابعِ: مائةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُقِرٌّ بأنَّه فَوَّتَ على المَشْهودِ عليه رُبعَ ما رجَعَ عنه. ويقْتَضِى مذهبُ أبى حنيفةَ، أن لا يَلْزمَ الرَّاجعَ عن الثَّلاثِمِائة والأربعِمائة أكثرُ من خَمْسين خمسين (٢٣)؛ لأنَّ المائتيْنِ التى رجعَا عنهما قد بَقِىَ بها شاهِدَان. فصل: وإذا شهدَ أربعةٌ بالزِّنَى، واثنان بالإِحْصانِ، فرُجِمَ، ثم رَجعُوا عن الشَّهادةِ، فالضَّمانُ على جَمِيعِهم. وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ على شُهودِ الإِحْصانِ؛ لأنَهم شَهِدُوا بالشَّرطِ دونَ السَّبَبِ المُوجِبِ للقَتْلِ، وإنَّما يثْبُتُ ذلك بشهادةِ الزِّنَى. ولأصْحابِ الشَّافعىِّ وَجْهان، كالمذْهَبَيْنِ. ولَنا، أَنَّ قتلَه حصَلَ بمجْموعِ الشَّهادتيْنِ، فتجبُ الغَرامةُ على الجميعِ، كما لو شهِدُوا جميعُهم بالزِّنَى. وفى
следующие страницы →