← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

بينَه وبينَه، فلَزِمَهما الضَّمانُ، كما لو شَهِدَا بعِتْقِه، ولأنَّهما أزالا يَدَ السَّيِّدِ عن عبدِه بشَهادتِهما المَرْجوعِ عنها، فأشْبَهَ (٣) مَا لو شَهِدَا بحُرِّيَّتِه؛ ولأنَّهما تسَبَّبا إلى إتْلافِ حَقِّه بشهادتِهما بالزُّورِ عليه، فلَزمَهما الضَّمانُ، كشَاهِدَى القِصاص. يُحَقِّقُ هذا، أنَّه إذا ألْزَمَهما القِصاصَ الذى يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فوُجوبُ المالِ أوْلَى. وقولُهم: إنَّهما ما أتْلَفا المالَ. يَبْطُلُ بما إذا شَهِدَا بعِتْقِه، فإِنَّ الرِّقَّ فى الحقيقةِ لا يزُولُ بشهادةِ الزُّورِ، وإنَّما حالَا بين سيِّدِه وبينَه، وفى مَوْضعِ إتْلافِ المالِ، فهُما تسبَّبا إلى تَلَفِه، فيَلْزَمُهما ضَمانُ ما تَلِفَ بسَبَبِهما، كشاهِدَىِ القِصاص، وشُهودِ الزِّنَى، وحافرِ البئْرِ، وناصبِ السِّكِّينِ. ١٩٢٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، غَرِمَا قِيمَتَهُ) أمَّا إذا شَهِدَا بالعَبْدِ أو الأَمَةِ لغَيرِ مالِكِهما (١)، فالحُكْمُ فى ذلك كالحُكْمِ فى الشَّهادةِ بالمالِ، على ما ذكرْنا مِن الخِلافِ فيه؛ لأنَّهما (٢) من جُمْلةِ المالِ. وإن شَهِدَا بحُرِّيَّتِهما، ثم رجَعا عن الشَّهادةِ، لزِمَهُما غَرامةُ قِيمَتِهما لسَيِّدِهما، بغيرِ خلافٍ بينهما فيه، فإِنَّ المُخالِفَ فى التى قبلَها هو الشافعىُّ، وقد وافَقَ ههُنا، وهو حُجَّةٌ عليه فيما خالفَ فيه، فإِنَّ إخْراجَ العبدِ عنَ يد سيِّدِه بالشَّهادةِ بحُرِّيَّتِه، كإخْراجه عنها بالشَّهادةِ به لغيرِ مالكِه، فإذا لزِمَه الضَّمانُ ثَمَّ، لَزِمَه ههُنا، وغَرِما القِيمةَ؛ لأنَّ العَبْدَ (٣) من المُتَقَوَّماتِ (٤)، لا مِن ذَواتِ الأمْثالَ. فصل: وإن شهِدَا بطلاقِ امرأةٍ تَبِينُ به، فحَكَمَ الحاكمُ بالفُرْقةِ، ثم رَجَعا عن الشَّهادةِ، وكان قبلَ الدُّخُولِ، فالواجبُ عليهما نصفُ المُسَمَّى. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافعىُّ، فى أحدِ قَوْلَيْه: يجبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّهما أتْلَفا عليه البُضْعَ،

стр. 7597

فلَزِمَهما عِوضُه، وهو مهرُ المِثْلِ. وفى القولِ الآخَرِ، يَلْزمُهما (٥) نصفُ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما ملَكَ نِصْفَ البُضْعِ، بدليل أنَّه إنَّما يجبُ عليه نِصْفُ المَهْرِ. ولَنا، أَنَّ خُروجَ البُضْعِ من مِلْكِ الزَّوجِ غيرُ مُتقَوَّمٍ؛ بدليلِ ما لو أخْرجَتْه من مِلْكِه برِدَّتِها، أو إسْلامِها، أو قَتْلِها نفسَها، فإنَّها لا تَضْمَنُ شيئًا. ولو فَسَخَت نكاحَها قبلَ الدُّخولِ، برَضاعِ مَن يَنْفَسِخُ به نِكاحُها، لم يَغْرَمْ شيئًا، وإنَّما يجبُ (٦) عليهما (٧) نصفُ المُسَمَّى؛ لأنَّهما ألزْمَاه للزَّوجِ بشهادتِهما، وقَررَّاهُ عليه، [فرجَعَ عنيهما] (٨)، كما يَرْجِعُ به على من فَسَخ نِكاحَه برَضاع أو غيرِه. وقولُه: إنَّه ملكَ نِصْفَ البُضْعِ. غيرُ صحيحٍ؛ فإِنَّ البُضْعَ لا يجوزُ تَمْليكُ (٩) نِصْفِه، ولأنَّ العَقْدَ ورَدَ على جميعِه، والصَّداقَ واجبٌ جميعُه، ولهذا تَمْلِكُه المرأةُ إذا قَبَضتْه، ونَماؤُه لها، وتَمْلِكُ طَلَبَه إذا لم تَقْبِضْه، وإنَّما يَسْقُطُ نِصْفُه بالطلاقِ. وأمَّا إن كان الحُكْم بالفُرْقةِ بعدَ الدُّخولِ، فلا ضَمانَ عليهما. وبه قال أبو حنيفةَ. [وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، عليهما ضَمانُ المُسَمَّى فى الصَّداقِ؛ لأنَّهما فَوَّتا عليه نِكاحًا وجَبَ عليه به عِوَضٌ، فكانَ عليهما ضَمانُ ما وجَبَ به، كما لو شَهِدَا بذلك قبلَ الدُّخولِ] (١٠). وقال الشافعىُّ: يَلَزْمُهما له مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّهما أتْلَفا البُضْعَ عليه. وقد سبقَ الكلامُ معه فى هذا، ولا يصِحُّ القياسُ على ما قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّهما قَرَّرَا عليه نِصْفَ المُسَمَّى، وكان بعَرَض (١١) السُّقوطِ، وههُنا قد تقَرَّر المهْر كلُّه (١٢) بالدُّخولِ، فلم يُقَرِّرَا عليه شيئًا ولم يُخْرِجا عن (١٣) مِلْكِه مُتَقوَّمًا، فأشْبَهَ ما لو أخْرَجاه من مِلْكِه بقَتْلِها، أو أخرَجتْه هى برِدَّتِها.

стр. 7598

فصل: وإن شَهِدَا على امرأةٍ بنكِاحٍ، فحَكمَ به الحاكمُ، ثم رَجَعا، نَظَرْتَ؛ فإن طلَّقها الزَّوْجُ قبلَ دُخُولِه بها، لم يَغْرَما شيئًا؛ لأنَّهما لم يُفَوِّتا عليها شيئًا. وإن دخلَ بها، وكان الصَّداقُ المُسَمَّى بقَدْرِ مَهْرِ المِثْلِ، أو أكثرَ منه، ووصَلَ إليها، فلا شىءَ عليهما؛ لأنَّها أخَذتْ عِوَضَ ما فَوتَّاه عليها، وإن كان دُونَه، فعليهما ما بينَهما، وإن لم يَصلْ إليها (١٤)، فعليهما ضَمانُ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه عِوَضُ ما فَوتَّاهُ عليها. فصل: وإن شَهِدَا بكتابةِ عَبْدِه، ثم رجَعا، نظرتَ؛ فإن عجَزَ، ورُدَّ فى الرِّقِّ، فلا شىءَ عليهما. وإِنْ أدَّى، وعَتَقَ، فعليهما ضَمانُ جميعِه؛ لأنَّهما فَوَّتاه عليه بشهادتِهما، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهما ما بين قِيمَتِه وما قَبَضَه من كِتابتِه. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ ما قَبَضَه مِن كَسْبِ عَبْدِه، فلا يُحْسَبُ عليه، وإن أرادَ تَغْرِيمَهما (١٥) قبلَ انْكِشافِ الحالِ؛ فيَنْبَغِى أن يُغَرِّمَهُما ما بينَ قِيمَتِه سليمًا ومُكاتَبًا. وإن شَهِدَا باسْتيلاد أمتِه، ثم رجَعا، فيَنْبغِى أن يَرْجِعَ عليهما بما نَقصَتْها الشَّهادةُ مِن قِيمَتِها. وإن عَتقَتْ بمَوْتِه، رجعَ الورثةُ بما بَقِىَ من قِيمَتِها. فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ وجبَ الضَّمانُ على الشُّهودِ بالرجوعِ، فإنَّه (١٦) يُوزَّعَ بينهم على عدَدِهم، قلُّوا أو كَثُرُوا. قال أحمدُ، فى روايةِ إسحاقَ بنِ منصورٍ: إذا شهِدَ بشهادةٍ، ثم رجَعَ وقد أتْلَفَ مالًا، فإنَّه ضامِنٌ بقَدْرِ ما كانوا فى الشَّهادةِ، فإنْ كانوا اثْنَيْنِ، فعليه [النِّصْفُ، وإن كانوا ثلاثةً، فعليه] (١٧) الثُّلثُ. وعلى هذا لو كانوا عشرَةً، فعليه العُشرُ، وسواءٌ رجعَ وحْدَه، أو رجَعُوا جميعًا، وسواءٌ رجعَ الزَّائدُ عن القَدْرِ الكافِى فى الشَّهادةِ، أو مَن ليس بزائدٍ، فلو شهدَ أربعةٌ بالقِصاصِ، فرَجَعَ واحدٌ منهم، وقالَ: عَمَدْنا قَتْلَه. فعليه القِصاصُ. وإن قال: أخْطَأْنا فعليه رُبعُ الدِّيَةِ. وإن رجعَ اثنان، فعليهما القِصاصُ أو نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن شهِدَ ستَّةٌ بالزِّنَى على مُحْصَنٍ، فرُجِمَ بشَهادتِهم، ثم رجَعَ واحدٌ، فعليه القِصاصُ، أو سُدسُ الدِّيةِ. وإن رجَعَ اثنانِ، فعليهما القِصاصُ أو ثلثُ الدِّيَةِ. وبهذا قالَ أبو عُبَيْدٍ. وقالَ أبو حنيفةَ: إن رجَعَ واحدٌ أو اثنان، فلا شىءَ عليهما؛ لأنَّ بَيِّنَةَ

стр. 7599

الزِّنَى قائمةٌ، فَدَمُه غيرُ مَحْقُونٍ. وإن رجعَ ثلاثةٌ، فعليهم رُبْعُ الدِّيَةِ. وإن رجَعَ أربعةٌ، فعليهم نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن رجعَ خمسةٌ، فعليهم ثلاثةُ أرباعِها. وإن رجَعَ السِّتَّةُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهم سُدسُها. ومَنْصوصُ الشَّافعىِّ فيما إذا رجَعَ اثْنان، كمذهبِ أبى حنيفةَ. واخْتلَفَ أصحابُه فيما إذا شَهِدَ بالقِصاصِ ثلاثةٌ، فرجَعَ أحدُهم، فقال أبو إسحاقَ (١٨): لا قِصاصَ عليه؛ لأنَّ بَيِّنَةَ القِصاص قائمةٌ، وهل يجبُ عليه ثُلثُ الدِّيَةِ؟ على وَجْهَين. وقال ابنُ الحَدَّادِ (١٩): عليه القِصاصُ. وفرَّقَ بينَه وبينَ الرَّاجعِ مِن شُهودِ الزِّنَى إذا كان زائدًا، بأنَّ (٢٠) دمَ المشْهودِ عليه بالزِّنَى غيرُ مَحْقُونٍ، وهذا دمُه مَحْقونٌ. وإنَّما أُبِيحَ دَمُه لولىِّ القِصاص وحْدَه. واخْتلَفوا فيما إذا شَهِدَ بالمالِ ثلاثةٌ، فرجعَ أحدُهم، على وَجْهَين؛ أحدُهما، يَضْمنُ الثُّلثَ. والثانى، لا شىءَ عليه. ولَنا، أَنَّ الإِتْلافَ حصَلَ بشَهادتِهم، فالرَّاجعُ مُقِرٌّ بالمُشاركةِ فيه عَمْدًا عُدْوانًا لمَن هو مِثْلُه فى ذلك، فلَزِمَه القِصاصُ، كما لو أَقَرَّ بمُشاركتِهم فى مُباشرةِ قَتْلِه، ولأنه أحدُ مَن قُتِلَ المشْهودُ عليه بشَهادتِه، فأشْبَهَ الثَّانىَ مِن شُهودِ القِصاصِ، والرابعَ من شُهودِ الزِّنَى، ولأنَّه أحدُ مَن حصَلَ الإتْلافُ بشَهادتِه، فلَزِمَه مِن الضَّمانِ بقِسْطِه، كما لو رجَعَ الجميعُ، ولأنَّ ما تضمَّنَه كلُّ واحدٍ مع اتِّفاقِهم على الرُّجوعِ، يَضْمَنُه إذا انْفَرَدَ بالرُّجوعِ، كما لو كانوا أربعةً. وقولُهم: إِنَّ دَمه غيرُ مَحْقونٍ. غيرُ صَحيحٍ، فإِنَّ الكلامَ فيما إذا قُتِلَ، ولم يَبْقَ له دمٌ يُوصَفُ بحَقنٍ ولا عَدَمِه، وقيامُ الشَّهادةِ لا يَمْنَعُ وجوبَ القِصاصِ، كما لو شَهِدَتْ لرجلٍ باسْتِحْقاقِ القِصاصِ، فاسْتَوْفاهُ، ثم أقر بأنَّه قَتَلَه ظُلْمًا، وأنَّ الشُّهودَ [شُهودُ زُورٍ] (٢١). والتَّفْريقُ بينَ القِصاصِ والرَّجْمِ بكَوْنِ دمِ القاتلِ غيرَ مَحْقُونٍ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَحْقُونٍ بالنِّسْبةِ إلى مَن قتلَه، ولأنَّ كلَّ واحدٍ مُؤاخَذٌ بإقْرارِه. ولا يُعْتبَرُ قولُ شرَيكِه، ولهذا لو أقَرَّ

стр. 7600

أحدُ الشَّرِيكِيْنِ بعَمْدِهما، وقالَ الآخَرُ: أخْطَأْنا. وجبَ القِصاصُ على المُقِرِّ بالعَمْدِ. فصل: وإذا حكَمَ الحاكمُ فى المالِ بشَهادةِ رجلٍ وامرأتَيْنِ، ثم رجَعُوا عن الشَّهادةِ، تَوَزَّعَ الضَّمانُ عليهم، على الرَّجُلِ نِصْفُه، وعلى كلِّ امرأةٍ رُبعُه. وإن رجعَ أحدُهم وَحْدَه، فعليه من الضَّمانِ حصَّتُه. وإن كان الشُّهودُ رجلًا وعشرَ نِسْوةٍ، فرَجَعوا، فعلى الرَّجلِ السُّدسُ، وعلى كلِّ امرأةٍ نصفُ السُّدسِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ. لأنَّ كلَّ امرأتيْنِ كرجلٍ، فالعَشرُ كخَمْسةِ رجالٍ. ويَحْتمِلُ أن يجبَ عليهنَّ النِّصْفُ، وعلى الرجلِ النِّصْفُ. وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ؛ لأنَّ الرجلَ نصفُ البَيِّنَةِ، بدليلِ أنَّه لو رجَعَ وَحْدَه بعدَ الحُكمِ، كان كرجُوعهنَّ كلِّهنَّ، فيكونُ الرَّجلُ حِزْبًا والنِّساءُ حِزْبًا. فإن رجعَ بعضُ النِّسْوة وحْدَه، أو الرَّجلُ، فعلى الرَّاجعِ مثلُ ما عليه إذا رجعَ الجميعُ. وعندَ أبى حنيفةَ وأصْحابِه، متى رجعَ من النِّسْوةِ ما زادَ على اثْنَيْنِ، فليس على الرَّاجِعاتِ شىءٌ، وقد مضَى الكلامُ معهم (٢٢) فى هذا. فصل: وإذا شهِدَ أربعةٌ بأرْبعِمِائةٍ، فحكمَ الحاكمُ بها، ثم رَجَعَ واحدٌ عن مائةٍ، وآخَرُ عن مائتيْنِ، والثالثُ عن ثلاثمِائِة، والرابعُ عن أربعمِائة، فعلى كلِّ واحدٍ ممَّا رجَعَ عنه بقِسْطِه؛ فعلى الأوَّلِ خمسةٌ وعشرون، وعلى الثانى خمسون، وعلى الثالثِ: خَمسةٌ وسَبعونَ، وعلى الرابعِ: مائةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُقِرٌّ بأنَّه فَوَّتَ على المَشْهودِ عليه رُبعَ ما رجَعَ عنه. ويقْتَضِى مذهبُ أبى حنيفةَ، أن لا يَلْزمَ الرَّاجعَ عن الثَّلاثِمِائة والأربعِمائة أكثرُ من خَمْسين خمسين (٢٣)؛ لأنَّ المائتيْنِ التى رجعَا عنهما قد بَقِىَ بها شاهِدَان. فصل: وإذا شهدَ أربعةٌ بالزِّنَى، واثنان بالإِحْصانِ، فرُجِمَ، ثم رَجعُوا عن الشَّهادةِ، فالضَّمانُ على جَمِيعِهم. وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ على شُهودِ الإِحْصانِ؛ لأنَهم شَهِدُوا بالشَّرطِ دونَ السَّبَبِ المُوجِبِ للقَتْلِ، وإنَّما يثْبُتُ ذلك بشهادةِ الزِّنَى. ولأصْحابِ الشَّافعىِّ وَجْهان، كالمذْهَبَيْنِ. ولَنا، أَنَّ قتلَه حصَلَ بمجْموعِ الشَّهادتيْنِ، فتجبُ الغَرامةُ على الجميعِ، كما لو شهِدُوا جميعُهم بالزِّنَى. وفى

стр. 7601

كيفيَّةِ الضَّمانِ وَجْهان؛ أحدُهما، يُوَزَّعُ عليهم على عَدَدِ رُءوسِهم، كشُهودِ الزِّنَى؛ لأنَّ القتلَ حصَلَ مِن جَميعِهم. والثانى، على شُهودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعلى شُهودِ الإِحْصانِ النِّصْفُ؛ لأنَّهم (٢٤) حِزْبانِ، فلكلِّ حِزْبٍ نِصْفٌ. فإن شهِدَ أربعةٌ بالزِّنَى، وشَهِدَ (٢٥) اثنان منهم بالإِحْصانِ، ثم رجَعُوا، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، على شاهِدَىِ الإِحْصانِ الثُّلثانِ، وعلى الآخَرَيْن الثلثُ؛ لأنَّ على شاهِدَى الإِحْصانِ الثُّلثَ، لشهادتِهما به، والثُّلثَ لشهادتِهما بالزِّنَى، وعلى الآخَرَيْن الثُّلثُ؛ لشهادتِهما بالزِّنَى وحْدَه. وعلى الوَجْه الثانى، على شهودِ الإِحْصانِ ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ؛ لأنَّ عليهما النِّصْفَ لشَهادتِهما بالإِحْصانِ، ونِصْفَ الباقى لشَهادتِهما بالزِّنَى. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَجِبَ على شاهِدَىِ الإِحْصانِ إِلَّا النِّصْفُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما جنَى جِنايتَيْنِ، وجَنَى كلُّ واحدٍ من الآخَرَيْنِ جِنايةً واحدةً، فكانتِ الدِّيةُ بينَهم على عددِ رُءوسِهِم، لا على عَدَدِ جِناياتِهم، كما لو قَتَلَ اثْنان واحدًا، جَرَحَه أحدُهما جُرْحًا، والآخَرُ جُرْحَينِ. فصل: وإذا شَهِدَ شاهدان أنَّه أعْتَقَ هذا العبدَ على ضَمانِ مائةِ درهمٍ، وقيمةُ العبدِ مائتانِ، فحكمَ الحاكمُ بشَهادتِهما، ثم رَجَعا، رجَعَ السَّيِّدُ على الشاهِدَيْنِ بمائةٍ؛ لأنَّها تَمامُ القِيمَةِ. وكذلك إن (٢٦) شَهِدَا على رجلٍ أنَّه طَلَّقَ امْرأتَه (٢٧) قبلَ الدُّخولِ على مائةٍ، ونِصْفُ المُسَمَّى مائتان، غَرِما للزَّوجِ مائةً؛ لأنَّهما فَوَّتاها بشهادتِهما المَرْجوعِ عنها. فصل: وإذا (٢٨) شَهِدَ رجلان على رَجُلٍ بنِكاحِ امرأةٍ، بصَداقٍ ذكَراه، وشهِدَ آخَران بدُخولِه بها، ثم رَجعُوا بعدَ الحكمِ عليه بصَداقِها، فعلى شُهودِ النِّكاحِ الضَّمانُ؛ لأنَّهم ألْزَمُوه المُسَمَّى. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عليهم النِّصْفُ، وعلى الآخَرَين النِّصْفُ؛ لأنَّهما قَرَّرَاهُ، وشاهِدَا النِّكاحِ أوْجَباه، فقُسِمَ بين الأرْبعةِ أرْباعًا. وإِنْ شهِدَ مع هذا شاهِدَان بالطَّلاقِ، لم يَلْزَمْهما شىء؛ لأنَّهما لم يُفوِّتا عليه شيئًا يَدَّعِيه، ولا أوْجَبا عليه ما لم يكُنْ عليه واجِبًا.

стр. 7602

فصل: وإذا (٢٩) شهِدَ شاهِدَا فَرْعٍ على شاهِدَىْ أصْل، فحَكمَ الحاكمُ بشهادتِهما، ثم رجَعَ شاهِدَا الفَرْعِ، فعليهما الضَّمانُ. لا أعْلمُ بينهم فى ذلك خلافًا. وإن رجعَ شاهِدَا الأَصْلِ وَحْدَهما، لَزِمَهما الضَّمانُ أيضًا. وبه قال الشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. وحكَى أبو الخَطَّابِ، عن القاضى، أنَّه لا ضَمانَ عليهما. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ؛ لأنَّ الحُكمَ تعلَّقَ بشَهادَةِ شاهِدَىِ الفَرْع، بدليلِ أنَّهما جعَلا شهادةَ شاهِدَىِ الأصلِ شهادةً، لم يَلْزَمْ شاهِدَىِ الأَصْلِ [ضَمانٌ، لعَدَمِ تَعَلُّقِ الحُكمِ بشَهَادتِهما. ولَنا، أَنَّ الحقَّ ثَبَتَ بشَهادةِ شاهِدَىِ الأَصْلِ] (٣٠)، بدليلِ اعْتبارِ عَدالتِهما، فإذا رَجَعَا، ضَمِنا، كشاهِدَىِ الفَرْعِ. فصل: وإذا حكمَ الحاكمُ بشاهدٍ ويَمِينٍ، فرَجعَ الشَّاهدُ، غَرِمَ جميعَ المالِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ جماعة. وقال مالكٌ، والشَّافعىُّ: يَلْزَمُه النِّصْفُ؛ لأنَّه أحدُ حُجَّتَىِ الدَّعْوَى، فكان عليه [النِّصْفُ كما لو كانا شاهِدَيْنِ. ولَنا، أَنَّ الشاهِدَ حُجَّةُ الدَّعْوَى، فكان الضَّمانُ عليه] (٣١) كالشَّاهِدَيْنِ. يُحَقِّقه أَنَّ اليَمِينَ قولُ الخَصْمِ، وقولُ الخصمِ ليس بحُجَّةٍ على خَصْمِه، وإنَّما هو شَرْطُ الحُكمِ، فجرَت مَجْرَى مُطالبَتِه الحاكمَ بالحُكمِ، وبهذا ينْفَصِلُ عمَّا ذكَرُوه. ولو سَلَّمْنا أنَّها حُجَّةٌ، لكن إنَّما جعَلَها حُجَّةً شَهادةُ الشاهدِ، ولهذا لم يَجُزْ تَقْديمُها على شَهادتِه، بخلافِ شهادةِ الشَّاهدِ الآخَرِ. قال أبو الخَطَّابِ: ويتخَرَّجُ أَنْ لا يَلْزمَه إِلَّا نِصْفُ (٣٢) المحكومُ به، إذا قُلْنا: تُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِى. فصل: وإذا رجَعُوا عن الشَّهادةِ بعدَ الحُكمِ، وقالُوا: عَمَدْنا. ووجَبَ عليهم القِصاصُ، لم يُعَزَّرُوا (٣٣)؛ لأنَّ القِصاصَ يُغْنِى عن تَعْزِيرِهم. وإن كانَ فى مالٍ، عُزِّرُوا، وغَرِمُوا؛ لأنَّهم جَنَوا جنايةً كبيرةً، وارْتكبُوا جَرِيمةً عظيمةً، وهى شهادةُ الزُّورِ. ويَحْتَمِلُ

стр. 7603

أن لا يُعزَّرُوا؛ لأنَّ رجوعَهم تَوبةٌ منهم، فيَسْقُطُ عنهم التَّعْزِيرُ، ولأنَّ شَرْعِيَّةَ تَعْزِيرِهم تمنْعُهم الرُّجوعَ خوفًا منه، فلا يُشْرَعُ. وإن قالوا: أخْطَأْنا. لم يُعَزَّروا؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٣٤). هذا إن كان قولُهم يَحْتَمِلُ الصِّدقَ فى الخطَأِ، وإن لم يَحْتَمِلْه (٣٥)، عُزِّرُوا، ولم يُقْبَلْ قَوْلُهم. ١٩٢١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَطَعَ الْحَاكِمُ يَدَ السَّارِقِ، بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ، أَوْ فَاسِقَانِ، كَانَتْ دِيَةُ اليَدِ فِى بَيْتِ الْمَالِ) وجملتُه أَنَّ الحاكمَ إذا حكَمَ بشَهادةِ اثْنَيْنِ، فى قَطْع أو قَتْلٍ، وأنفَذَ ذلك، ثم بانَ أنَّهما كافرانِ، أو فاسِقانِ، أو عَبْدان، أو أحدُهما، فلا ضمانَ على الشَّاهِدَيْنِ؛ لأنَّهما مُقِيمان على أنَّهما صادِقان فيما شَهِدَا به، وإنَّما الشَّرْعُ مَنَعَ قَبولَ شهادتِهما، بخِلافِ الرَّاجِعَيْنِ عن الشَّهادةِ، فإنَّهما اعْتَرَفا بكَذِبهما، ويجبُ الضَّمانُ على الحاكمِ، أو الإِمامِ الذى تَولَّى ذلك؛ لأنَّه حكمَ بشهادَةِ مَن لا يَجوزُ له الحكمُ بشَهادتِه، ولا قِصاصَ عليه، لأنَّه مُخْطِىءٌ، وتجبُ الدِّيَةُ، وفى مَحَلِّها رِوَايتان؛ إحداهما، فى بيتِ المالِ؛ لأنَّه نائبٌ للمُسلمين ووكيلُهم، وخَطأُ الوَكيلِ فى حَقِّ موكِّلِه عليه؛ ولأنَّ خطأَ الحاكمِ يكْثُرُ، لكثْرةِ (١) تَصَرُّفاتِه وحُكوماتِه، فإيجابُ ضَمانِ ما يَخْطِىءُ فيه على عاقِلَتِه إجْحافٌ بهم، فاقْتَضَى ذلك التَّخْفيفَ عنه، بجَعْلِه فى بيتِ المالِ، ولهذا المعنَى حَمَلَتِ العاقلةُ دِيَةَ الخَطأِ عن القاتلِ. والرِّوايةُ الثانية، هى على عاقلتِه مُخَفَّفةً مُؤجَّلةً؛ لما رُوِىَ أَنَّ امرأةً ذُكِرَتْ عند عمرَ بسُوءٍ، فأرْسلَ إليها، فأجْهَضَتْ ذا بَطْنِها، فبلغ ذلك عمرَ، فشَاورَ الصَّحابةَ، فقال بعضُهم: لا شىءَ عليك، إنَّما أنتَ مُؤدِّبٌ. وقالَ علىٌّ: عليك الدِّيَةُ. فقال عمرُ: عَزمْتُ عليكَ لا تَبْرَحْ حتى تُقَسِّمَها على قَوْمِك (٢). يعنى قريشًا؛

стр. 7604

لأنَّهم [عاقلةُ عمرَ] (٣)، ولو كانتْ فى بيتِ المالِ، لم يُقسِّمْها على قَوْمِه، ولأنَّه من خَطَأِهِ، فتَحْمِلُه عاقِلتُه. كخَطَأهِ فى غيرِ الحُكومةِ. وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ. فإذا قُلْنا: إِنَّ الدِّيَةَ على عاقِلَتِه. لم تَحْمِلْ إِلَّا الثُّلثَ فصاعدًا، ولا تَحْمِلُ الكفَّارةَ؛ لأنَّ العاقِلةَ لا تَحْمِلُ الكفَّارةَ فى مَحَلِّ الوِفاقِ، كذا ههُنا، وتكونُ الكفَّارةُ فى مالِه. وإذا قُلْنا: إنَّه فى بيتِ المالِ. فينَبْغِى أن يكونَ فيه القليلُ والكثيرُ؛ لأنَّ جَعْلَه فى بيتِ المالِ لعِلَّةِ أنَّه نائبٌ عنهم، وخَطَأُ النَّائِبِ على مُسْتَنِيبِه، وهذا يَدخلُ فيه [القليلُ والكثيرُ، ولكَوْنِه] (٤) يكْثُرُ خَطَؤُه، فجَعْلُ الضَّمانِ فى مالِه يُجْحِفُ به وإن قلَّ، لكَثْرةِ تكرُّرِه، وسواءٌ تولَّى الحاكمُ الاسْتِيفاءَ بنفْسِه، أوِ أمرَ مَن تولَّاه. قال أصحابُنا: وإن كان الوَلِىُّ اسْتَوْفاهُ، فهو كما لو اسْتَوْفاه الحاكمُ؛ لأنَّ الحاكمَ سَلَّطه على ذلك، ومَكَّنَه منه، والوَلِىَّ يَدَّعِى أنَّه حَقُّه. فإن قيل: فإذا كانَ الوَلِىُّ اسْتَوْفَى حَقَّه، فيَنْبغِى أن يكونَ الضَّمان عليه، كما لو حكَمَ له بمالٍ فقَبضَه، ثم بانَ فِسْقُ الشُّهودِ (٥)، كان الضَّمانُ على المُسْتَوْفِى دونَ الحاكِم، كذا ههُنا. قُلْنا: ثَمَّ حصَلَ فى يَدِ المُسْتَوْفِى مالُ المحْكومِ عليه بغيرِ حَقٍّ، فوجَبَ عليه رَدُّه أو ضَمانُه إن تَلِفَ (٦)، وههُنا لم يَحْصُلْ فى يَده شىءٌ، وإنَّما أتْلَفَ شيئًا بخَطأِ الإِمامِ وتَسْليطِه عليه، فافْترَقا. فصل: وإن شهِدَ بالزِّنَى أربعةٌ، فزَكَّاهم اثْنان، فرُجِمَ الشهودُ عليه، ثم بانَ أَنَّ الشُّهودَ فَسَقةٌ، أو عَبِيدٌ، أو بعضُهم، فلا ضَمانَ على الشُّهودِ؛ لأنَّهم يزْعُمون أنَّهم مُحِقُون، ولم يُعْلَمْ كذبُهم لقينًا، والضَّمانُ على المُزَكِّيَيْنِ. وبهذا قالَ أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ. وقال القاضى: الضَّمانُ على الحاكمِ؛ لأنَّه حَكَمَ بقَتْلِه من غيرِ تَحَقُّقِ شَرْطِه، ولا ضمانَ على المُزَكِّيَيْنِ؛ لأنَّ شهادتَهما شَرْطٌ، وليستِ المُوجبَةَ. وقال أبو الخَطَّابِ، فى "رُءوسِ المسائلِ": الضَّمانُ على الشُّهودِ الذين شَهِدُوا بالزِّنَى. ولَنا، أَنَّ المُزَكِّيَيْنِ شهِدُوا بالزُّور شهادةً أفْضَتْ إلى قَتْلِه، فلَزِمَهما الضَّمان، كشُهودِ الزنَى إذا

стр. 7605

رجَعُوا، ولا ضَمانَ على الحاكمِ؛ لأنَّه أمْكَنَ إحالةُ الضَّمانِ على الشُّهودِ، فأشْبَهَ ما إذا رجَعُوا عن الشَّهادةِ. وقولُه: إِنَّ شهادتَهم شَرْط. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مِن أصْلِنا أَنَّ شهودَ الإِحْصانِ يَلْزَمُهم الضَّمانُ، وإن لم يَشْهدُوا بالسَّبَبِ. وقد نَصَّ عليه أحمدُ. وقولُ أبى الخَطَابِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ شُهودَ الزِّنَى لم يرْجِعُوا، ولا عُلِمَ كذِبُهم، بخلافِ المُزَكِّيَيْنِ؛ فإنَّه تبَيَّنَ كَذِبُهم، وأنَّهم شهِدُوا بالزُّورِ. وأمَّا إن تبَيَّنَ فِسْقُ المُزَكِّيَيْنِ، فالضَّمانُ على الحاكمِ؛ لأنَّ التَّفْريطَ منه، حيثُ قَبِلَ شهادةَ فاسقٍ من غيرِ تَزْكِيَةٍ ولا بَحْثٍ، فيَلْزَمُه الضَّمانُ، كما لو قَبِلَ شهادةَ شُهودِ الزِّنَى من غيرِ تَزْكِيَةٍ، ثم تَبَيَّنَ فِسْقُهم. فصل: ولو جلَدَ الإِمامُ إنسانًا بشهادةِ شُهودٍ، ثم بانَ أنَّهم فَسَقةٌ، أو كَفَرةٌ، أو عَبِيدٌ، فعلى الإِمامٍ ضَمانُ ما حصَلَ من أثرِ (٧) الضَّربِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبوٍ حنيفةَ: لا ضَمان عليه. ولَنا، أنَّها جنايةٌ صدَرَتْ عن خَطأِ الإِمامِ، فكانتْ مَضْمونةً عليه، كما لو قَطَعَه أو قَتَلَه. فصل: ولو حكمَ الحاكمُ بمالٍ بشَهادةِ شاهديْنِ، ثم بانَ أنَّهما فاسِقان، أو كافِرانِ، فإنَّ الإِمامَ ينْقُضُ حُكْمَه، ويَرُدُّ المالَ إن كان قائمًا، وعِوَضَه إن كان تالِفًا. فإنْ تعذَّر ذلك لإِعْسارِه أو غيرِه، فعاى الحاكمِ ضَمانُه، ثم يَرْجِعُ على المشْهودِ له. وعن أحمدَ، رواية أُخْرَى، لا يَنْقُضُ حُكْمَه إذا كانا فاسِقَيْنِ، ويَغْرَمُ الشُّهودُ المالَ، وكذلك الحكمُ إذا شهِدَ عندَه عَدْلان أَنَّ الحاكمَ قَبْلَهَ حكمَ بشَهادةِ فاسِقَيْنِ، ففيه الرِّوايتان (٨). واخْتَلفَ أصْحابُ الشافعىِّ فيه أيضًا. ولا خلافَ بين الجميعِ فى أنَّه يَنْقُضُ حكمَه إذا كانا كافريْنِ، وينْقُضُ حكمَ غيرِه إذا ثبتَ عندَه أنَّه حَكَمَ بشَهادةِ كافِرَيْنِ، فنَقيسُ على ذلك ما إذا حكَمَ بشهادةِ فاسقَيْنِ، فإِنَّ شهادةَ الفاسِقَيْنِ مُجْمَعٌ على رَدِّها، وقد نَصَّ اللَّه تعالَى على التَّبَيُّنِ فيها، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٩). وأمرَ

стр. 7606

بإشْهادِ العُدُولِ. وقال سُبْحانَه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١٠). واعْتبرَ الرِّضىَ بالشُّهداءِ، فقال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١١). فيجِبُ نَقْضُ الحُكمِ لفوَاتِ العدالةِ، كما يجبُ نَقْضُه لِفَوات الإِسْلامِ؛ ولأنَّ الفِسْقَ معنًى لو ثَبَتَ عندَ الحاكمِ قَبْلَ الحُكمِ مَنَعَه، فإذا شهِدَ شاهدان أنَّه كان مَوْجودًا حالةَ الحُكْمِ، وجَبَ نَقْضُ الحُكمِ، كالكُفرِ والرِّقِّ فى العُقوباتِ. إذا ثبَتَ هذا، فإِنَّ أبا حنيفةَ قال: لا يَسْمَعُ الحاكمُ الشَّهادةَ بفِسْقِ الشاهِدَيْنِ، لا قبلَ الحُكمِ ولا بعدَه. ومتى جرَّحَ المشْهودُ عليه (١٢) البَيِّنَةَ، لم تُسْمعْ بَيِّنتُه بالفِسْقِ، ولكنْ يُسْألُ عن الشاهِدَيْنِ، ولا تُسْمَعُ على الفِسْقِ شَهادةٌ؛ لأنَّ الفِسْقَ لا يتَعلَّقُ به حقُّ أحدٍ، فلا تُسْمعُ فيه الدَّعْوَى والْبَيِّنَةُ. ولَنا، أنَّه معنًى يتعلَّقُ الحكمُ به، فسُمِعتْ فيه الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ، كالتَّزْكِيَةِ. وقولُه: لا يتعلَّقُ به حقُّ أحدٍ. مَمْنوعٌ؛ فإن المشهودَ عليه يتعلَّقُ حَقُه بفِسْقِه (١٣) فى مَنْعِ الحُكمِ عليه قبلَ الحكمِ، ونَقْضِه بعدَه، وتَبْرِئتِه من أخْذِ مالِه أو عُقوبتِه بغيرِ حَقٍّ، فوجبَ أن تُسْمعَ فيه الدَّعْوَى والْبَيِّنَةُ، كما لو ادَّعَى رِقَّ الشاهِدِ (١٤) ولم يَدَّعِه لنفْسِه، ولأنَّه إذا لم تُسْمعِ البَيِّنَةُ بالفِسْقِ (١٥)، أدَّى إلى ظُلْمِ المشْهودِ عليه؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن لا يَعْرِفَ. فِسْقَ الشاهِدَيْنِ إِلَّا شُهودُ المشْهودِ عليه، فإذا لم تُسْمعْ شهادتُهم، وحُكِمَ عليه بشهادةِ الفاسِقَيْن، كان ظالمًا له. فأمَّا إن قامتِ البَيِّنَةُ أنَّه حكَمَ بشهادةِ والِديْنِ، أو وَلدَينِ، أو عَدُوَّيْنِ، نَظَر (١٦) فى الحاكِمِ الذى حَكَمَ بشهادتِهما، فإن كان ممَّن يَرَى الحُكْمَ به، لم يُنْقَضْ حكمُه؛ لأنَّه حَكَمَ باجْتهادِه فيما يَسُوغُ فيه الاجْتِهادُ، ولم يُخالِفْ نَصًّا ولا إجماعًا. وإن كان ممَّن لا يَرَى الحُكْمَ بشهادتِهم، نَقَضَه؛ لأنَّ الحاكمَ به يعْتقِدُ بُطْلانَه. والفَرْقُ بين المالِ والإِتْلافِ، أَنَّ المالَ إن كان باقيًّا، وجبَ رَدُّه إلى صاحبِه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ أحقُّ بمالِه. وإن كان تالِفًا،

стр. 7607

وجبَ ضَمانُه على آخِذِه؛ لأنَّه أخَذَه بغيرِ إذْنِ صاحبِه، ولا اسْتِحْقاقٍ لأخْذِه. أمَّا الإِتْلافُ، فإنَّه لم يحْصُلْ (١٧) فى يَد المُتْلِفِ شىءٌ يَرُدُّه، ولم يُمْكِنْ تَضْمِينُه؛ لأنَّه إنَّما أتْلَفَه بحُكْمِ الحاكمِ، وتَسْليطِه عليه، وهو لا يُقِرُّ بعُدْوانِه، بل يقولُ: اسْتَوْفَيْتُ حقِّى. ولم يثْبُتْ خِلافُ دَعْواه، ولم يُمْكِنْ تَضْمِينُ الشُّهودِ؛ لأنَّهم يقولون: شَهِدْنا بما عَلِمْنا، وأخْبَرْنا بما رأيْنا وسَمِعْنا، ولم تَكْتُمْ شهادةَ اللَّه تعالى التى لَزِمَنا أداؤُها. ولم يثْبُتْ كذِبُهم، فوجَبَ إحالةُ الضَّمانِ على الحاكمِ؛ لأنَّه حَكَمَ من غيرِ وُجودِ شَرْطِ الحُكْمِ، ومَكَّنَ من إتْلافِ المعْصُومِ مِن غيرِ بَحْثٍ عن عدالةِ الشُّهودِ، فكان التَّفْرِيطُ منه، فوجَبَ إحالةُ (١٨) الضَّمانِ عليه. ١٩٢٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أعْتَقَهُ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِه، وَصارَ حُرًّا) رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، فى هذا رِوَايَتان؛ إحْداهما، أَنَّ العِتْقَ يثْبُتُ (١) بشاهدٍ ويَمِينٍ. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، فيثَبْتُ بشاهدٍ ويَمِينٍ، كالبَيعِ والهِبَةِ، ولأنَّه إتْلافٌ للمالِ، فيُقْبَلُ فيه شاهِدٌ ويَمِينٌ، كالإِتْلافِ بالفِعْلِ، وإفْضاؤُه إلى تَكْميلِ الأَحْكامِ، لا يَمْنَعُ ثُبوتَه بشاهدٍ ويَمِينٍ؛ بدليلِ أَنَّ الوِلادةَ تَثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ، ويَنْبَنِى عليها النَّسبُ الذى لا يثْبُتُ بشَهادتِهنَّ. والرِّوايةُ الثانية، لا تثْبُتُ الحُرِّيَّةُ إِلَّا بشاهِدَيْنِ عَدْليْنِ ذَكَريْنِ، لأنَّها ليستْ بمالٍ، ولا المقْصودُ منها المالُ، ويطَّلِعُ عليها الرجالُ فى غالبِ الأحوالِ، فأشْبَهتِ الحُدودَ والقِصاصَ. واللَّه أعلمُ. ١٩٢٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ شَهِد بِشَهَادَةٍ زُورٍ، أُدِّبَ، وأُقِيمَ لِلنَّاسِ فِى الْمَوَاضِعِ الَّتِى يَشْتَهِرُ (١) أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ، إِذَا تَحَقَّقَ تَعَمُّدُهُ لِذَلِكَ)

стр. 7608

وجملةُ ذلك أَنَّ الشَّهادةَ الزُّورَ من أكبرِ الكبائرِ، قد نَهَى اللَّهُ تعالى عنها فى كتابِه، مع نَهْيِه عن الأوْثانِ، فقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٢). ورُوِىَ عن خُرَيمِ بنِ فاتِكٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الإِشْرَاكَ بِاللَّهِ". ثلاثَ مراتٍ. ثم تَلَا قولَه تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. روَاه أبو داودَ (٣). ورُوىَ هذا عن ابنِ مسعودٍ، من قَوْلِه. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ ". قلْنا: بَلَى يا رسولَ اللَّهِ. قال: "الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ". وَكَانَ مُتَّكئًا فَجلسَ، فقال: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ". فما زالَ يُكرِّرُها حتى قُلْنا: لَيْتَه سَكَتَ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). ورَوَى أبو حنيفةَ، عن مُحارِبِ بنِ دِثَارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "شَاهِدُ الزُّورِ، لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى تَجِبَ لَهُ النَّارُ" (٥). فمتى ثَبَتَ عندَ الحاكمِ عن رجلٍ أنَّه شَهِدَ بزُورٍ عَمْدًا، عَزَّرَه، وشَهَّرَه. فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه (٦). وبه يقولُ شُرَيْحٌ، والقاسمُ بنُ محمدٍ، وسالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، والأوْزاعىُّ، وابنُ أبى ليلَى، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وعبدُ الملك بن يَعْلَى (٧) قاضى البَصْرةِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُعَزَّرُ، ولا يُشَهَّرُ؛ لأنَّه قَولُ مُنْكَرٍ وزُورٍ، فلا يُعَزَّرُ به، كالظِّهارِ. ورَوَى عنه الطَّحاوِىُّ أنَّه يُشَهَّرُ. وأنْكرَه المتأخِّرُون. ولَنا، أنَّه قولٌ مُحَرَّمٌ يضُرُّ به الناسَ، فأَوْجَبَ العُقوبةَ على قائلِه، كالسَّبِّ والقَذْفِ، ويُخالِفُ الظِّهارَ من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّه يَخْتَصُّ بضرَرِه. والثانى، أنَّه أوْجبَ كفَّارةً شاقَّةً هى أشدُّ من التَّعْزِيرِ، ولأنَّه قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولم

стр. 7609

نَعْرِف له فى الصَّحابةِ مُخالفًا. وإذا ثبتَ هذا، فإِنَّ تأْديبَه غيرُ مَقْدورٍ، وإنَّما هو مُفَوَّضٌ إلى رَأْىِ الحاكِم (٨)، إِنْ رأَى ذلك بالجَلْدِ جَلَدَه، وإن رآه بحَبْسٍ أو كَشْفِ رأسِه وإهانتِه وتَوْبيخِه، فعَل ذلك، ولا يَزِيدُ فى جَلْدِه على عَشرِ جَلَداتٍ. وقال الشافعىُّ: لا يَزيدُ على تِسْعٍ وثلاثين، لئلَّا يبْلُغَ به أَدْنَى الحُدودِ. وقال ابنُ أبى ليلَى: يُجْلَدُ خمسةً وسبعين سوطًا. وهو أحدُ قَوْلَى أبى يوسفَ. وقال الأَوْزاعِىُّ، فى شاهِدَى الطَّلاقِ: يُجْلَدان مائةً مائةً، ويَغْرَمان الصَّداقَ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلَّا فِى حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعَالى". مُتَّفَقٌ عليه (٩). وقال القاسمُ، وسالمٌ: يُخْفَقُ سَبْعَ خَفَقاتٍ. وقال شُرَيْحٌ: يُجلَدُ أسواطًا (١٠). فأمَّا شُهْرَتُه بينَ الناسِ، فإنَّه يُوقَفُ فى سُوقِه (١١) إِنْ كان من أهلِ السُّوقِ، أو قَبِيلتِه إن كان من أهلِ القبائلِ، أو فى مَسْجدِه إن كان من أهلِ المساجدِ، ويقولُ الموكَّلُ به: إنَّ الحاكمَ يقْرأ عليكم السَّلامَ، ويقولُ: هذا شاهِدُ زُورٍ، فاعْرِفوه. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. وأُتِىَ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ بشاهدِ زورٍ (١٢)، فأمرَ بقَطعِ لسانِه، وعندَه القاسمُ وسالمٌ، فقالا: سبحانَ اللَّهِ، بحَسْبِه (١٣) [أَنْ يُخْفقَ] (١٤) سَبْعَ خَفَقاتٍ، ويُقامَ بعدَ العَصرِ، فيُقالَ: هذا أبو قُبَيْسٍ، وجَدْناه شاهدَ زُورٍ. ففعلَ ذلك (١٥) به. ولا يُسَخَّمُ وَجْهُه، ولا يُرْكَبُ، ولا يُكلَّفُ أن يُنادِىَ على نَفْسِه. وقد رُوِىَ عن عمرَ، رضىَ اللَّهُ عنه، أنَّه يُجلَدُ أربعينَ جلدةً، ويُسَخَّمُ وَجْهُه، ويُطالُ حَبْسُه. روَاه الإِمامُ أحمدُ (١٦). وقال سَوَّارٌ: يُلَبَّبُ (١٧)، ويُدارُ به على

стр. 7610

حِلَقِ المسْجدِ، فيقولُ: مَن رآنى فلا يَشهَدْ بزُورٍ. ورُوِىَ عن (١٨) عبدِ الملكِ بنِ يَعْلَى، قاضى البَصْرةِ، أنَّه أمرَ بحَلْقِ نِصْفِ رُءوسِهم، وتَسْخِيمِ وُجوهِهم، ويُطافُ بهم فى الأسْواقِ، والذى (١٩) شَهِدُوا له معهم. ولَنا، أَنَّ هذا مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن المُثْلَةِ (٢٠). وما رُوِىَ عن عمرَ، فقد رُوِىَ عنه خِلافُه، وأنَّه حبَسَه يومًا وخَلَّى سبيلَه. وفى الجملةِ ليس فى هذا تقديرٌ شَرْعِىٌّ، فما فعلَ الحاكمُ ممَّا رآهُ (٢١)، ما لم يَخْرُجْ إلى مُخالفةِ نَصٍّ أو معنَى نَصٍّ، فله ذلك، ولا يُفْعَلُ به شىءٌ من ذلك (٢٢) حتى يُحَقَّقَ أنَّه شاهِدُ زُورٍ، وتَعَمَّدَ ذلك، إمَّا بإقرارِه (٢٣)، أو يشْهَدُ على رجلٍ بفِعْلٍ فى الشامِ فى وقتٍ، ويُعْلَمُ أَنَّ المشْهودَ عليه فى ذلك الوقتِ فى العِراقِ، أو يشْهَدُ بقتلِ رجلٍ، وهو حَىٌّ، أو أَنَّ هذه البَهِيمةَ فى يدِ هذا مُنْذُ ثلاثةِ أعوامٍ، وسِنُّها أملُّ من ذلك، أو يشْهَدُ على رجلٍ أنَّه فعلَ شيئًا فى وقتٍ، وقد ماتَ قبلَ ذلك الوقتِ، أو لم يُولَدْ إِلَّا بعدَه، وأشْباهُ هذا ممَّا يُتَيقَّنُ به كَذِبُه، ويُعْلَمُ تَعمُّدُه لذلك. فأمَّا تَعارُضُ البَيِّنتَيْنِ، أو ظهورُ فِسْقِه، أو غلَطِه فى شَهادتِه، فلا يُؤدَّبُ به؛ لأنَّ الفِسْقَ لا يَمْنَعُ الصِّدقَ، والتَّعارضَ لا يُعْلَمُ به كذِبُ إحْدَى البَيِّنتيْنِ بعَيْنِها، والغَلَطَ قد يَعْرِضُ للصَّادقِ العَدْلِ ولا يتعمَّدُهُ، فيُعْفَى عنه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢٤). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الْخَطَأِ، والنِّسْيَانِ، [وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ] (٢٥) ". فصل: ومتى علِمَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ شهِدَا بالزُّورِ، تبيَّنَ أَنَّ الحكمَ كان باطلًا، ولَزِم نَقْضُه؛ لأنَّنَّا تَبيَّنَّا كَذِبَهما فيما شَهِدَا به، وبُطْلانَ ما حكمَ به؛ فإن كان المحكومُ به مالًا، رُدَّ إلى صاحبِه، وإن كان إتْلافًا، فعلى الشَّاهِدَيْنِ ضَمانُه؛ لأنَّهما سببُ إتْلافِه، إِلَّا أن

стр. 7611

يثْبُتَ ذلك بإقْرارِهِما على أنْفُسِهما من غيرِ مُوافقةِ المحكومِ له، فيكونَ ذلك رُجوعًا منهما عن شَهادتِهما، وقد بَيَّنَّا حكمَ ذلك. فصل: فإذا تابَ شاهدُ الزُّورِ، وأَتَتْ على ذلك مُدَّةٌ تظْهَرُ فيها تَوْبتُه، وتَبيَّنَ صِدْقُه فيها، وعَدالتُه، قبِلتْ شهادتُه. وبهذا قالَ أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مالكٌ: لا تُقْبَلُ شهادته أبدًا؛ لأنَّ ذلك لا يُؤْمَنُ منه. ولَنا، أنَّه تائِبٌ مِن ذَنْبِه، فقُبِلَتْ تَوْبتُه، كسائرِ التَّائبينَ. وقولُه: لا يُؤْمَنُ منه ذلك. قُلْنا: مُجرَّدُ الاحْتمالِ لا يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ، بدليلِ سائرِ التَّائبين، فإنَّه لا يُؤْمَنُ منهم مُعاوَدةُ ذُنوبِهم ولا غيرِها، وشهادتُهم مَقْبولةٌ. واللَّهُ أعلمُ. ١٩٢٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا غَيَّرَ الْعَدْلُ شَهَادَتَهُ بِحَضرةِ الْحَاكِمِ، فَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ، قُبِلَتْ مِنْهُ، مَا لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِ) وهذا مثلُ أن يشْهدَ بمِائةٍ، ثم يقولَ: هى مائةٌ وخمسون. أو يقولَ: بل هى تِسعون. فإنَّه يُقْبَلُ منه رُجوعُه، ويُحْكَمُ بما شهِدَ به أَخيرًا. وبهذا قالَ أبو حنيفةَ، والثَّوْرىُّ، وسليمانُ بنُ حَبِيبٍ الْمُحارِبىُّ (١)، وإسحاقُ. وقال الزُّهْرىُّ: لا تُقْبَلُ شهادتُه الأُولَى ولا الآخِرةُ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما تَرُدُّ الأُخْرَى وتُعارِضُها، ولأَنَّ الأُولَى مَرجْوعٌ عنها، والثانيةَ غيرُ مَوْثوقٍ بها؛ لأنَّها من مُقِرٍّ بغَلَطِه وخَطِه فى شهادتِه، فلا يُؤْمَنُ أن يكونَ فى الغَلَطِ كالأُولَى. وقال مالكٌ: يُؤْخَذُ بأوَّلِ (٢) قَوْلَيْه؛ لأنَّه أدَّى الشَّهادةَ وهو غيرُ مُتَّهمٍ، فلم يُقْبَلْ رُجوعُه عنها، كما لو اتَّصَلَ بها الحكمُ. ولَنا، أَنَّ شهادتَه الآخِرةَ شهادة (٣) من عَدْلٍ غيرِ مُتَّهَمٍ، لم يَرْجِعْ عنها، فوجَبَ الحكمُ بها، كما لو لم يتَقدَّمْها ما يُخالفُها، ولا تُعارِضُها الأُولَى؛ لأنَّها قد بَطَلَتْ برُجوعِه عنها، ولا يجوزُ الحكمُ بها؛ لأنَّها شرطُ الحكمِ، فيُعْتَبرُ اسْتِمْرارُها إلى انْقضائِه (٤). ويُفارِقُ رُجوعَه بعدَ الحُكمِ؛ لأنَّ الحكمَ قد تمَّ باسْتمرارِ

стр. 7612

شَرْطِه، فلا يُنْقَضُ بعدَ تَمامِه. فصل: وإن شَهِدَ بألَفٍ، ثم قال قبلَ الحُكمِ: قَضاهُ منه (٥) خَمْسَمائةٍ. فسَدَتْ شهادتُه. ذكرَه أبو الخَطَّابِ، فقال: إذا شهدَ أَنَّ له (٦) عليه ألفًا، ثم قال أحدُهما: قَضاهُ (٧) منه خَمْسمائةٍ. بطَلَتْ شهادتُه؛ وذلك أنَّه شَهِدَ بأنَّ الألْفَ جميعَه عليه، وإذا قَضاهُ خَمْسَمائةٍ، لم تكُنِ الألفُ كلُّه عليه، فيكونُ كلامُه مُتناقِضًا، فتَفْسُدُ شهادتُه. وفارَقَ هذا ما لو شهِدَ بألفٍ، ثم قال: بل بخَمْسِمائةٍ. لأنَّ ذلك رجوعٌ عن الشَّهادةِ بخَمْسِمائةٍ، وإقرارٌ بغلَطِ نفسِه، وهذا لا يقولُ هذا على سَبيلِ الرُّجوعِ. والمنْصوصُ عن أحمدَ، أَنَّ شهادتَه تُقْبَلُ بخَمْسِمائةٍ؛ فإنَّه قالَ: إذا شهِدَ بألفٍ، فى قال أحدُهما قبلَ الحُكمِ: قَضاهُ منه خَمْسَمائةٍ. أفْسَدَ شهادتَه، وللمَشْهودِ (٨) له ما اجْتمعَا عليه، وهو خَمْسُمائةٍ. فصحَّحَ شهادتَه فى نِصْف الألْفِ الباقى، وأبْطلَها فى النِّصْفِ الذى ذكرَ أنَّه قَضاهُ؛ لأنَّ ذلك بمنْزلةِ الرُّجوعَ عن الشهادةِ به، فأشْبَهَ ما لو قال: أشْهَدُ بألْفٍ، بل بخَمْسِمائةٍ. قال أحمدُ: ولو جاءَ بعد هذا المجلسِ، فقال: أشْهَدُ أنَّه قَضَاهُ منه خَمْسَمائةٍ. لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه قد أمْضَى الشَّهادةَ. فهذا يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ به أنَّه إذا جاءَ بعدَ الحُكمِ، فشَهِدَ بالقَضاءِ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّ الألْفَ (٩) وجَبَ بشهادتِهما، وحُكْمِ الحاكمِ، ولا تُقْبَلُ شهادتُه بالقضاءِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ بشاهد واحدٍ. فأمَّا إن شَهِدَ أنَّه أقْرَضَه ألفًا، ثم قال: قَضاهُ منه خَمْسَمائةٍ. قُبلَتْ شهادتُه فى باقِى الألْفِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه لا تَناقُضَ فى كلامِه، ولا اخْتلافَ. ١٩٢٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا شَهِد شَاهِدٌ بِأَلْفٍ، وَآخرُ بِخَمْسِمِائَةٍ، حُكِمَ لِمُدَّعِى الأَلْفِ، بِخَمْسِمِائَةٍ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْخَمْسِمِائَةٍ الْأُخْرَى، إِنْ أَحَبَّ)

стр. 7613

وجملةُ ذلك أَنَّه إذا شَهِدَ أحدُ الشَّاهديْنِ بشىءٍ، وشهِدَ الآخَرُ ببَعْضِه، صحَّتِ الشَّهادةُ، وثَبَتَ ما اتَّفقا عليه، وحُكِمَ به. وهذا قولُ شُرَيْحٍ، ومالكٍ، والشَّافعىِّ، وابنِ أبى ليلى، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ. وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّه شهِدَ عندَه رجلان، شَهِدَ أحدُهما أنَّه طلَّقَها تطليقةً، وشهِدَ الآخرُ أنَّه طلَّقَها تَطليقَتَيْن، فقال: قد اخْتلَفْتما، قُوما. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه إذا شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه أقرَّ بألفٍ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ بألْفَيْنِ، لم تَصِحَّ الشَّهادةُ؛ لأنَّ الإِقْرارَ بالأَلْفِ غيرُ الإِقْرارِ بالألْفَيْنِ، ولم يَشْهَدْ بكُلِّ إِقْرارٍ (١) إِلَّا واحدٌ. ولَنا، أَنَّ الشَّهادةَ قد كَمَلَتْ فيما اتَّفَقَا عليه، فحُكِمَ به، كما لم يَزِدْ أحدُهما على صاحبِه. وما ذكَرَه من أَنَّ كلَّ إقْرارٍ إنَّما شَهِدَ (٢) به واحدٌ، يبْطَلُ بما إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقرَّ بألْفٍ غُدْوةً، وشهِدَ الآخَرُ أَنَّه أقَرَّ بألْفٍ عَشِيًّا، فإِنَّ الشَّهادةَ تكْمُلُ، مع أَنَّ كلَّ إقْرارٍ إنَّما شَهِدَ (٢) به واحدٌ. فأمَّا ما انْفَردَ به أحدُهما، فإِنَّ للمُدَّعِى أَنْ يَحْلِفَ معه، ويَسْتَحِقَّ. وهذا قولُ مَن يَرَى الحُكْمَ بِشاهِدٍ ويَمِينٍ. وهذا فيما إذا أطْلَقا الشَّهادةَ، أو لم تَخْتلِفِ الأسْبابُ والصِّفاتُ. فأمَّا إن اخْتلَفتْ، مثل أن يشْهَدَ شاهدٌ بألفٍ من قَرْضٍ، وشَاهِدٌ بخَمْسِمائةٍ مِن ثَمَن مَبِيعٍ، أو يَشْهَدَ (٣) شاهدٌ بألْفٍ بِيضٍ، وآخرُ بخَمْسِمائةٍ سُودٍ، أو يَشْهدَ أحدُهما (٤) بألفِ دينارٍ، والآخَرُ بخَمْسِمائةِ دِرهمٍ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ، وكان له أن يَحْلِفَ مع كلِّ واحدٍ منهما ويسْتحِقَّها، أو يحْلِفَ (٥) مع أحدِهما ويَسْتحِقَّ ما شهِدَ به. فصل: فإن شهِدَ له شاهدان بألْفٍ، وشاهِدَان بخَمْسِمائةٍ، ولم تخْتَلِفِ الأسْبابُ والصِّفاتُ، دخَلَتِ الخمسُمائة فى الألْفِ، ووجَب له بالشَّهادَتيْنِ [ألفٌ] (٦). وإن اخْتَلَفَتِ الأسْبابُ والصِّفاتُ (٧)، وجَبَ له الألفُ والخَمْسُمائة، ولم يَدْخُلْ أحدُهما فى

стр. 7614

الآخَرِ؛ لأنَّهما مُخْتلِفان. فصل: وإن شهِدَ له شاهدٌ، أنَّه باعَه هذا العبدَ بألفٍ، وشَهِدَ آخَرُ، أنَّه باعَه إيَّاهُ بخَمْسِمائةٍ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ؛ لاخْتلافِهما فى صِفَةِ البَيْعِ، وله أن يَحْلِفَ مع أحدِهما، ويثْبُتَ له ما حَلَفَ عليه. وإن شهِدَ له بكلِّ عَقْدٍ شاهِدَانِ، ثبَتَ البَيْعان، وإن أضافا البَيْعَ إلى وقتٍ واحدٍ، مثل أَن يَشْهدَ أنَّه باعَه هذا العبدَ مع الزَّوالِ بألفٍ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه باعَه إيَّاه مع الزَّوالِ بخَمْسِمائةٍ، تَعارَضَتِ البَيِّنتَان، وسقَطَا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اجْتماعُهما، وكلُّ بَيِّنةٍ تُكذِّبُ الأُخْرَى. وإن شَهِدَ بكلِّ واحدٍ من هذَيْن شاهدٌ واحدٌ (٨)، كان له أن يحْلِفَ مع أحدِهما، ولا يَتعارَضان؛ لأنَّ التَّعارُضَ إنَّما يكونُ بىين البَيِّنَتَيْن الكامِلَتيْنِ. فصل: وإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه ثوبًا قِيمتُه دِرْهمان، وشَهِدَ آخَرُ أَنَّ قِيمتَه ثلاثةٌ، ثَبَتَ له ما اتَّفقا عليه، وهو دِرْهمان، وله أن يحْلِفَ مع الآخَرِ على دِرْهِمٍ؛ لأنَّهما اتَّفقَا على دِرْهميْنِ، وانْفَردَ أحدُهما بدرهمٍ (٩)، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَ أحدُهما بألفٍ وآخرُ بخمْسِمائة. وإن شَهِدَ شاهَدِان أَنَّ قِيمَتَه دِرْهمانِ، وشاهِدَان أَنَّ قِيمَتَهَ ثلاثةٌ، ثَبَتَ له دِرْهمان. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: له ثَلاثةٌ؛ لأنَّه قد شَهِدَ بها شاهِدَان، وهما حُجَّةٌ، فيجِبُ الأخْذُ بهما، كما يُؤْخَذُ بالزِّيادةِ فى الأخْبارِ، وكما لو شَهِدَ له شاهِدَان بألْفٍ، وشاهدَان بألفيْنِ، فإنَّه يجِبُ له ألْفان. قال القاضى: ويتَوجَّهُ لنا مثلُ هذا، بناءً على مسألةِ الأَلفِ وخَمْسِمائةٍ، ولَنا، أَنَّ مَن شَهِدَ أَنَّ قيمتَه دِرْهمان، يَنْفِى أَنَّ (١٠) قِيمتَهَ ثلاثةٌ، فقد تَعارضَتِ البَيِّنَتانِ فى الدِّرْهِم، ويُخالِفُ الزِّيادةَ فى الأخْبارِ، فإِنَّ مَن يَرْوِى النَّاقِصَ لا يَنْفِى الزِّيادةَ، وكذلك من شَهِدَ بألفٍ، لا يَنْفِى أَنَّ عليه ألْفًا آخَرَ. فإنْ قيل: فلِمَ قُلتُم: إنَّه إذا شهِدَ بكلِّ واحدٍ من القِيمَتيْنِ شاهِدانْ، تَعارضَتا، وإن شَهِدَ واحدٌ، لم تَتعارَضا، وكان له أن يحْلِفَ مع (٨) الشَّاهدِ بالزِّيادة عليها. قُلْنا: لأنَّ الشاهِدَيْنِ حُجَّةٌ وبَيِّنَةٌ، فإذا كَمَلَتْ من

стр. 7615

الجانِبَيْنِ، تَعارضَتِ الحُجَّتانِ؛ لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بينهما، وأمَّا [الشَّاهِدُ الواحدُ، فليسَ بحُجَّةٍ وَحْده، وإنَّما يصيرُ حُجَّةً مع اليَمِينِ، فإذا حَلَفَ مع أحدِهما كَمَلَتِ الحُجَّة بيمِينِه، ولم] (١١) يُعارِضْهما ما ليس بحُجَّةٍ، كما لو شَهِدَ بأحدِهما شاهِدَان، وبالآخَرِ شاهِدٌ واحدٌ. ١٩٢٦ - مسألة؛ قال: (وَمَن ادَّعَى شَهَادَةَ عَدْلٍ، فَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ ذَلِك وَقَالَ: كُنْتُ أَنْسِيتُهَا. قُبِلَتْ مِنْهُ) وجملة ذلك أَنَّ العَدْلَ إذا أنْكَرَ أن تكونَ عندَه شهادة، ثم شَهِدَ بها، وقال: كنتُ أُنْسِيتُها. قُبِلَتْ، ولم تُرَدَّ شهادتُه. وبهذا قال الثَّورىُّ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ. ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلك لأنَّه يجوزُ أن يكونَ نَسِيَها، وإذا كان ناسيًا لها، فلا شَهادةَ عندَه، فلا نُكَذِّبهُ مع إمْكانِ صِدْقِه. ولا يُشْبِهُ هذا [ما إذا] (١) قال: لا بَيِّنَةَ لى. ثم أتَى ببَيِّنَةٍ، حيثُ لا تُسْمَعُ؛ فإِنَّ ذلك إقْرارٌ منه على نَفْسِه بعَدَمِ البَيِّنَةِ، والإنسانُ يُؤاخَذُ بإقْرارِه، وقولُ الشَّاهدِ: لا شهادةَ عندِى. ليس بإقْرارٍ؛ فإِنَّ الشهادةَ ليستْ له، إنَّما هى حَقٌّ عليه، فيكونُ مُنْكِرًا لها، فإذا اعْتَرَفَ بها، كان إقْرارًا بعدَ الإِنْكارِ، وهو مَسْمُوعٌ، بخلافِ الإِنْكارِ بعَد الإِقْرارِ (٢)، ولأنَّ النَّاسِىَ للشَّهادةِ [لا شَهادةَ] (٣) له (٤) عندَه، فهو صادِقٌ فى إنْكارِه، فإذا ذكَرَها، صارَتْ عندَه، فلا تَنافِىَ بينَ القَوْليْنِ، وصارَ هذا كمَن أنْكَرَ أن يكونَ عندَه شهادة قبلَ أن يُسْتَشْهَدَ، [ثم اسْتُشْهِدَ] (٣) بعدَ ذلك، فصارَتْ عندَه، بخلافِ مَن أنْكَرَ أَنَّ له بَيِّنَةً، [فإنه لا يَخْرُجُ عن أَنْ يكونَ له بَيِّنَةٌ] (٥) بِنِسْيانِها. ١٩٢٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ شَهِد بِشَهَادَةٍ، يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ بَعْضَهَا ، بَطَلَتْ

стр. 7616

شَهَادَتُهُ فِى الْكُلِّ) وجملتُه أَنَّ مَن شهِدَ بشَهادةٍ له بعضُها؛ مثل أن يَشْهَدَ الشَّرِيكُ لشريكِه بمالٍ من الشَّركةِ، أو يَشْهدَ على زيدٍ بدارٍ له ولعمرٍو، فإِنَّ شهادتَه تَبْطُلُ فى الكلِّ. وقال الشَّافعىُّ: فيها قَولانِ؛ أحدُهما، كقولِنا. والثانى، تَصِحُّ شهادتُه لغَيرِه؛ لأنَّه أجْنَبِىٌّ، فتصِحُّ شهادتُه له، كما لو لم يَكُنْ له فيها شِرْكٌ (١). ويَتخرَّجُ لنا مثلُ هذا؛ بِناءً على قولِنا فى عبدٍ بين ثَلاثةٍ، اشْترَى نفسَه منهم بثلاِثمائةِ درهمٍ، فادَّعى أنَّهم قَبضُوها منه، فأنْكَرَ أحدُهم أن يكونَ أخذَ شيئًا، فأقرَّ له اثْنان، وشَهِدَا على المُنْكِرِ بالقَبْضِ، فإِنَّ شهادتَهما تُقْبَلُ عليه، ويُشارِكُهما فيما أخذَ من المالِ. وَلنا، أنَّها شهادةٌ رُدَّ بعضُها للتُّهْمَةِ، فتُرَدٌ جميعُها، كما لو شَهِدَ المُضارِبُ لربِّ المالِ بمالٍ من المُضاربَةِ، ولو شَهِدَ بدَيْنٍ لأبيه وأجْنَبِىٍّ، أو شَهِدَ (٢) بشَهادةٍ تُرَدُّ فى بعضِ ما شَهِدَ به، بطَلَتْ كلُّها. ١٩٢٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ، وَخلَفَ ابْنًا، وَأَلْفَ دِرْهَمٍ، فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَصَدَّقَهُ الْابْنُ (١)، وَادَّعَى آخرُ مِثْلَ ذَلِك، وَصَدَّقَه الابْنُ، فَإِنْ كَانَ فِى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، كانَتِ (٢) الألْفُ بَيْنَهُمَا. وإِنْ كانَ فِى مَجْلِسَيْنِ، كَانَتِ (٢) الأَلْفُ لِلْأَوَّلِ، وَلَا شَىْءَ لِلثَّانِى) وجملتُه أَنَّ الميِّتَ إذا خلَّفَ وارِثًا، وتَركَةً، فأقرَّ الوارثُ لرَجلٍ بدَيْنٍ على الميِّتِ يَسْتَغْرِقُ مِيراثَه، فقد أقَرَّ بتَعلُّقِ دَيْنِه بجميعِ التَّركةِ، واسْتِحْقاقِه لجَميعِها، فإذا أَقَرَّ بعدَ ذلك لآخَرَ، نظَرْتَ؛ فإن كان فى المجلِسِ، صحَّ الإِقْرارُ، واشْتركا فى التَّرِكةِ؛ لأنَّ حالةَ المجلسِ كلَّها كحالةٍ واحدةٍ، بدليلِ القَبْض، [فى ما] (٣) يُعْتَبرُ القَبْضُ فيه، وإمكانِ الفَسْخِ فى البيعِ، ولُحوقِ الزِّيادةِ فى العَقْدِ، فكذلك فى الإِقْرارِ. وإن كان فى مجلسٍ آخَرَ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛

стр. 7617

لأنَّه يُقِرُّ بحَقٍّ على غيرِه، فإنَّه يُقِرُّ بما يَقتْضِى مُشاركةَ الأوَّلِ فى التَّركِةِ، ومُزاحمتَه فيها، وتَنْقِيصَ حقِّه منها. ولا يُقْبَلُ إقْرارُ الإِنسانِ على غيرِه. وقال الشَّافعىُّ: يُقْبَلُ إقْرارُه، ويشْتركِان فيها؛ لأنَّ الوارِثَ يَقومُ مَقامَ الموْرُوثِ، ولو أقَرَّ الموْرُوثُ لهما لقُبِلَ، فكذلك الوارِثُ، ولأنَّ مَنْعَه من الإِقْرارِ يُفْضِى إلى إسْقاطِ حَقِّ الغُرَماءِ، فإنَّه قد لا يتَّفِقُ حضورُهم فى مجلسٍ واحدٍ، فيَبْطُلُ حقُّه بغَيْبَتِه، ولأنَّ مَن قُبلَ إِقْرارُه أوَّلًا، قُبلَ إقْرارُه ثانيًا، إذا لم يتغَيَّرْ حالُه، كالمَوْرُوثِ (٤). ولَنا، أنَّه إقْرارٌ (٥) بما يتعلَّقُ بمحَلٍّ تعلَّقَ به حقُّ غيرِه، على وَجْهٍ يَضُرُّ به، تَعَلُّقًا يَمْنَعُ صحَّةَ (٦) تصرُّفِه فيه، فلم يُقْبَلْ، كإقْرَارِ الراهنِ بجِنايةِ عَبْدِه المرْهُونِ أو الجانِى. وأمَّا الموْرُوثُ، فإنْ أقَرَّ فى صِحَّتِه، صَحَّ؛ لأنَّ الدَّينَ لا يتعلَّقُ بمالِه، [وإنَّما يتعلَّقُ بذمَّتِه] (٧). وإن أقَرَّ فى مَرَضِه لغَريمٍ (٨)، لم يحاصَّ (٩) المُقَرُّ له غُرَماءَ الصِّحَّةِ؛ لذلك. وإِنْ أقَرَّ فى مرضه لغَرِيمٍ يسْتَغْرِقُ دَيْنُه تَركِتَه، ثم أقرَّ لآخَرَ فى مجلس آخَرَ، صحَّ، [وشارَكَ الأوَّلَ] (٧)، والفرْقُ بينه وبين الوارثِ، أَنَّ إقْرارَه الأوَّلَ لم يَمْنَعْه التَّصَرُّفَ فى مالِه، ولا أن يُعَلَّقَ (١٠) به دَيْنٌ آخَرُ، بأن (١١) يَسْتدِينَ دَيْنًا آخَرَ، فلم يَمْنَعْ ذلك تَعَلُّقَ (١٢) الدَّينِ بتَركَتِه بالإِقْرارِ، بخلافِ الوارِثِ، فإنَّه لا يَمْلِكُ أن يُعَلِّقَ بالتَّركةِ دَيْنًا آخَرَ بفِعْلِه، فلا يَمْلِكُه بقَوْلِه، ولا يَمْلِكُ التَّصرُّفَ فى التَّركِةِ، ما لم يَلْتَزِمْ قضاءَ الدَّيْنِ. فصل: وإن ماتَ، وتركَ ألفًا، فأقَرَّ به ابنُه لرجلٍ، ثم أقرَّ به لغيرِه، فهو (١٣) للأوَّلِ، ولا شىءَ للثانى فيه، سواءٌ كان فى مَجْلِسٍ أو مَجْلِسَينِ؛ لأنَّه باعْترافِه للأوَّلِ، ثَبَتَ له

стр. 7618

المِلْكُ فيه، فصارَ إقْرارُه للثانى إقْرارًا له بمِلْكِ غيرِه، فلم يُقْبَلْ. وتَلْزَمُ المُقِرَّ غَرامتُه للثانى؛ لأنَّه فَوَّتَه عليه بإقْرارِه به لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو غصَبَه منه، فدَفَعَه إلى غيرِه. ١٩٢٩ - مسألة؛ قال: (وَمَن ادَّعَى دَعْوَى عَلَى مَرِيضٍ، فَأَوْمَأَ برأْسِهِ، أَىْ: نَعَم. لَمْ يُحْكَمْ بِهَا حَتَّى يَقُولَ بلِسَانِهِ) وجملتُه أَنَّ إشارةَ المريضِ لا تَقومُ مَقامَ نُطْقِه، سواءٌ كان عاجِزًا عن الكَلامِ أو قادرًا عليه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ. وقال الشافعىُّ: يُقْبَلُ إقْرارُه بإشارَتِه، إذا كان عاجزًا عن الكَلامِ لأنَّه إقْرارٌ بالإِشارةِ من عاجزٍ عن الكلامَ، فأشْبَه إقرارَ الأَخْرَسِ. ولَنا، أنَّه غيرُ مأْيوُسٍ مِن نُطْقِه، فلم تَقُمْ إشارتُه مَقامَ نُطْقِه، كالصَّحيحِ. وبهذا فارَقَ الأخْرَسَ، فإنَّه مَأْيوسٌ من نُطْقِه، ولِهذا لو أُرْتِجَ عليه فى الصَّلاةِ، لم تَصِحَّ صلاتُه بغيرِ قراءةٍ، بخلافِ الأَخْرَسِ. والآيِسَةُ يُفرَّقُ بينَها وبينَ مَن ارْتفَعَ حَيْضُها مع إمْكانِه فى العِدَّةِ؛ ولأنَّ عَجْزَه عن النُّطْقِ غيرُ مُتَحقِّقٍ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يَتْرُكَ الكلامَ لصُعوبتِه عليه ومَشَقَّتِه، لا لعَجْزِه. وإن صارَ إلى حالٍ يُتَحقَّقُ (١) الإِياسُ من نُطْقِه، لم يُوثَقْ بإِشارتِه؛ لأنَّ المرضَ الذى أعْجزَه عن النُّطْقِ، لم يخْتَصَّ بلسانِه، فيجوزُ أن يكونَ أثَّرَ فى عَقْلِه أو فى سَمْعِه، فلم يَدْرِ ما قيل له، بخلافِ الأخْرَسِ، ولأنَّ الأخْرسَ قد تكرَّرتْ إشارتُه حتى صارَت عندَ مَن يُعاشِرُه كاليَقينِ، ومُماثلةَ النُّطْقِ، وهذا لم تتكرَّرْ إشارتُه، فلعلَّه لم يُردِ الإِقْرارَ، إنَّما أرادَ الإِنْكارَ، أو إسْكاتَ مَن يسألُه، ومع هذه الفُروقِ، لا يصِحُّ القياسُ. ١٩٣٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى، وَقَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِى. ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، لَمْ تُقْبَلْ؛ لأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِبَيِّنَتِهِ) وبهذا قال محمدُ بنُ الحسنِ. وقال أبو يوسفَ، وابنُ المُنْذِرِ: تُقْبَلُ. وهو ظاهرُ مذهبِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَنْسَى، أو يكونَ الشَّاهِدَان سَمِعا منه، وصاحبُ الحقِّ لا

стр. 7619

يَعْلَمُ، فلا يثْبُتُ بذلك أنَّه كَذَّبَ (١) بَيِّنَتَه. وقال بعضُ أصحابِ الشَّافعىِّ: وإن كان الإِشْهادُ أمرًا توَلَّاهُ بنفسِه، لم تُسْمَعْ بَيِّنَتُه؛ لأنَّه أكْذَبَها، وإن كان وكيلُه أشْهَدَ على المُدَّعَى عليه، أو شَهِدَ من غيرِ عِلْمِه، أو من غيرِ أن يُشْهِدَهم، سُمِعتْ بَيِّنَتُهُ؛ لأنَّه معذورٌ فى نَفْيِه إيَّاها. وهذا القولُ حسن. وَلنا، أنَّه أكْذَبَ بَيِّنَتَه، بإقْرارِه أنَّه لا يَشْهَدُ له أحدٌ، فإذا شَهِدَ له إنسانٌ، كان تكْذِيبًا له، ويُفارِقُ الشَّاهِدَ إذا قال: لا شهادةَ عندى. ثم قال: كنتُ أُنْسِيتُها (٢). لأنَّ ذلك إقْرارٌ لغيرِه بعدَ الإنْكارِ، وههُنا هو مُقِرُّ لخَصْمِه بعَدَمَ (٣) البَيِّنَةِ، فلم يُقْبَلْ رُجوعُه عنه. والحكمُ فيما إِذا (٤) قال: كلُّ بَيِّنَةٍ لى زُورٌ. كالحُكمِ فيما إذا قال: لا بَيِّنَةَ لى. على ما ذكَرْنا من الخِلافَ فيه. فصل: وإذا (٥) قال: ما أعْلَمُ بَيِّنَةً. ثم أتَى بِبَيِّنَةٍ، سُمِعتْ؛ لأنَّه يجوزُ أن تكونَ له بَيِّنَةٌ لم يَعْلمْها، ثم عَلِمَها. قال أبو الخَطَّابِ: ولو قال: ما أعْلَمُ لى بَيِّنَةً. فقال شاهِدَان: نحنُ نَشْهَدُ لك. سُمِعتْ بَيِّنتُه. ١٩٣١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا شَهِدَ الوَصِىُّ عَلَى مَنْ هُو مُوصًى عَلَيْهِمْ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وإِنْ شَهِد لَهُمْ، لَمْ يُقْبَلْ إِذَا كَانُوا فِى حِجْرِهِ) [أمَّا شهادتُه عليهم، فمَقْبولةٌ. لا نَعْلَمُ فيه خلافًا، فإنَّه لا يُتَّهَمُ عليهم، ولا يَجُرُّ بشهادتِه علهم نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنهم بها ضَرَرًا. وأمَّا شهادتُه لهم إذا كانوا فى حِجْرِه] (١)، فغيرُ مَقْبولةٍ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ فهم الشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، والأوْزَاعىُّ، وأبو حنيفةَ، وابنُ أبى ليلَى. وأجازَ شُرَيحٌ (٢) وأبُو ثَوْرٍ شَهادتَه لهم، إذا كان

стр. 7620

الخَصْمُ غيرَه؛ لأنَّه أجْنَبِىٌّ منهم، فقُبِلتْ شَهادتُه لهم، كما بعدَ زَوالِ الوَصِيَّةِ. ولَنا، أنَّه شهِدَ بشىءٍ هو خَصْمٌ فيه، فإنَّه الذى يُطالِبُ بحُقوقِهم، ويُخاصِمُ فيها، ويتَصرَّفُ فيها، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه، كما لو شَهِدَ بمالِ نفسِه، ولأنَّه يأخْذُ من (٣) مالهِمِ عندَ الحاجةِ. فيكونُ مُتَهَمًا فى الشَّهادةِ به. فأمَّا قولُه: إذا كانوا فى حِجْرِه. فإنَّه يَعْنِى أنَّه لو (٤) شَهِدَ لهم بعدَ زَوالِ وِلايتِهِ عنهم، قُبِلَتْ شَهادتُه؛ لزَوالِ المعنى الذى مَنَعَ قبُولَها. والحُكْمُ فى أمينِ الحاكمِ يشْهَدُ للأيْتامِ الذين هم تحتَ ولايتِه، كالحُكْمِ فى الوَصِىِّ، سواءً. ١٩٣٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا شَهِدَ مَنْ يُخْنَقُ فِى الْأَحْيَانِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِى إِفَاقَتِهِ) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، وممَّن حَفِظْنا عنه ذلك؛ مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ولا أحْسَبُه إِلَّا مذهبَ أهلِ الكُوفةِ؛ وذلك لأنَّ الاعْتِبارَ فى الشَّهادةِ بحالِ أدائِها، وهو فى وقتِ الأداءِ من أهلِ التَّحْصيلِ والعَقْلِ الثَّابتِ، فقُبِلتْ شَهادتُه، كالصَّبِىِّ إذا كَبِرَ، ولأنه عَدْلٌ غيرُ مُتَّهَمٍ، فقُبِلتْ شهادتُه، كالصَّحِيحِ، وزَوالُ عَقْلِه فى غيرِ حالِ الشَّهادةِ، لا يَمْنَعُ قَبولَها، كالصَّحيحِ الذى ينامُ، والمريض الذى يُغْمَى عليه فى بعضِ الأحْيانِ. ١٩٣٣ - مسألة؛ قال: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الطَّبِيبِ فِى الْمُوضِحَةِ، إِذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى طَبِيبَيْنِ، وَكَذَلِك الْبَيْطَارُ فِى دَاءِ الدَّابَّةِ) وجملتُه أنَّه إذا اختُلِفَ فى الشَّجَّةِ، هل هى مُوضِحَةٌ أو لا؟ أو فيما كان أكثرَ منها، كالهاشِمَةِ، والمُنَقِّلَةِ، والآمَّةِ، والدَّامِغَةِ، أو أصْغرَ منها، كالباضِعَةِ، والمُتلاحِمَةِ، والسِّمْحاقِ، أو فى الجائفِة، وغيرِها من الجِراحِ، التى لا يَعْرِفُها إِلَّا الأَطِبَّاءُ، أو اخْتلَفا فى داءٍ يَخْتَصُّ بمَعْرِفتِه الأَطِبَاءُ، أو فى داءِ الدَّابَةِ، فظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّه إذا قُدِرَ على طَبِيبيْنِ، أو بَيْطارَيْن، لا يُجْزئُ واحدٌ (١)؛ لأنَّه ممَّا يطَّلِعُ عليه الرجالُ، فلم تُقْبَلْ فيه

стр. 7621

شهادةُ واحدٍ، كسائرِ الحُقوقِ، فإن لم يُقْدَرْ على اثْنَين، أجْزَأَ واحدٌ؛ لأنَّه ممَّا لا يُمْكِنُ كلَّ واحدٍ أن يشْهَدَ به؛ لأنَّه ممَّا يَخْتَصُّ به أهلُ الخبرةِ من أهلِ الصَّنْعةِ، فاجْتُزِئَ فيه بشهادةِ واحدٍ، بمَنْزلةِ العُيوبِ تحتَ الثِّيابِ، يُقْبَلُ قيها قولُ المرأةِ الواحدةِ، فقَبُولُ قولِ الرجلِ الواحد أوْلَى. فصل: قال أحمدُ، ﵀، إذا قال: اشْهَدْ على مائةِ درهمٍ ومائةِ درهمٍ [ومائةِ درهمٍ] (٢). فشَهِدَ على مائةٍ دونَ مائةٍ، كُرِهَ، إِلَّا أن يقولَ: أشْهَدُوِنى (٣) على مائةٍ ومائة ومائةٍ (٤). يَحْكَيه كلَّه للحاكمِ كما كان. وقال أحمدُ: إذا شَهِدَ على ألفٍ، وكانَ الحاكم لا يحْكُمُ إِلَّا على مائةٍ ومائتين، فقال له صاحبُ الحقِّ: أُريدُ أن تَشْهَد لى على مائةٍ، لم يشْهَدْ إِلَّا بألْفٍ. قال القاضى: وذلك أَنَّ على الشَّاهدِ نَقْلَ الشَّهادةِ على ما شَهِدَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ (٥). ولأنَّه لو ساغَ للشَّاهدِ أن يشْهَدَ ببعض ما أُشْهدَ عليه، لَساغَ للقاضى أن يَقْضِىَ ببعض ما شَهِدَ به الشَّاهِدُ. وقال أبو الخَطَّابِ: عندى يجوزُ أن يشْهَدَ بذلك؛ لأنَّ مَن شَهِدَ بأَلْفٍ، فقد شَهِدَ بمائةٍ، فإذا شَهِدَ بمائةٍ، لم يكُنْ كاذبًا فى شَهادتِه، فجازَ، كما لو كان قد أقْرضَه مائةً مَرَّة، وتِسْعَمائةٍ مَرَّةً أُخْرَى. والأَوَّلُ أصحُّ؛ لما ذكرَه القاضى، ولأنَّ شهادتَه بمائةٍ ربَّما أوْهَمَتْ (٦) أَنَّ هذه المائةَ غيرُ التى شهِدَتْ بأصْلِه، فيُؤدِّى إلى إيجابِها عليه مَرَّتَين. فصل: قال أحمدُ: إذا شَهِدَ بألفِ درهمٍ ومائةِ دينارٍ، فله مِن دراهمِ ذلك البلدِ ودَنانيرِه. قال القاضى: لأنَّه لمَا جازَ أن يُحْمَلَ مُطَلقُ العَقْدِ على ذلك، جازَ أَنْ تُحْمَلَ الشهادةُ عليه. واللَّه أعلمُ.

стр. 7622

كتاب الدَّعَاوَى والبَيِّنات الدَّعْوَى [فى اللُّغةِ] (١): إضافةُ الإِنسان إلى نَفْسِه شَيئًا، مِلْكًا، أو اسْتِحْقاقًا، أو صَفْقةً (٢)، أو نحوَ ذلك. وهى فى الشَّرْعِ: إضافتُه إلى نَفْسِه اسْتِحْقَاقَ شىءٍ فى يدِ غيرِه، أو فى ذِمَّتِه. والمُدَّعَى عليه، مَنْ يُضَافُ إليه اسْتِحْقَاقُ شىءٍ عليه. وقال ابنُ عَقِيل: الدَّعْوَى الطَّلبُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ (٣). وقيل: المُدَّعِى مَنْ يَلْتَمِسُ بقَوْلِه أخْذَ شَىءٍ من يد غيْرِه، أو إثْبَاتَ حقٍّ فى ذِمَّتِه. والمُدَّعَى عليه مَنْ يُنْكِرُ ذلك. وقِيل: المدَّعِى مَنْ إذا تُرِكَ لمْ يَسْكُت، والمُدَّعَى عليْه مَنْ إذا تُرِكَ سَكَتَ. وقد يكون كُلُّ وَاحِدٍ منهُما مُدَّعِيًا ومُدَّعًى عليْه؛ بأنْ يَخْتَلِفا فى العَقْدِ، فيَدَّعِى كُلُّ وَاحِدٍ منهُما أَنَّ الثَّمَنَ غيرُ الَّذِى ذَكَرَه صَاحِبُهُ. والأصْلُ فى الدَّعْوَى قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَوْ أُعْطِىَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَموَالَهُمْ، ولكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" [روَاه مسلم] (٤). وفى حديثٍ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْه" (٥). ولا تَصِحُّ الدَّعْوَى إِلَّا من جَائِزِ التَّصَرُّفِ. ١٩٣٤ - مسألة؛ قال أبو القَاسم، ﵀: (وَمَنِ ادَّعَى زوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ، فأنْكَرَتْهُ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يُحَلَّفْ) وجُملتُه أَنَّ النِّكَاحَ لا يُسْتَحْلَفُ فيه، رِوَايةً وَاحدِةً. ذكَرَه القاضى. وهو قَوْلُ أبى حنيفة. ويَتَخَرَّجُ أَنْ يُسْتَحْلَفَ فى كُلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ وابنِ المُنْذِرِ،

стр. 7623

ونحوهُ قَوْلُ أبى يوسفَ ومحمدٍ؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "ولَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (١). ولأنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فيُسْتَحْلَفُ فيه، كالمالِ، ثم اخْتَلَفُوا، فقال أبو يوسفَ ومحمد: يُسْتَحْلَفُ فى النِّكَاحِ، فإنْ نكَل، أُلْزِمَ النِّكَاحَ. وقال الشَّافِعِىُّ: إِنْ نَكَل، رُدَّتِ اليَمِينُ على الزَّوْجِ فحلَفَ، وثَبَتَ النِّكَاحُ. ولَنا، أَنَّ هذا ممَّا لا يَحِلُّ بَذْلُه، فلم يُسْتَحْلَفْ فيه، كالْحَدِّ. يُحقِّقُ هذا أَنَّ الأبْضَاعَ ممَّا يُحْتَاطُ فيها، فلا تُبَاحُ بالنُّكُولِ، ولا به وبيَمِينِ المُدَّعِى، كالحُدُودِ، وذلك لأنَّ النُّكُوَل ليس بحُجَّةٍ قَوِيَّة، إنَّما هو سُكُوتٌ مُجَرَّدٌ يحْتَمِلُ أَنْ يكونَ لخَوْفِه من اليَمِينِ، أو للجَهْلِ بحَقِيقَة الحَالِ، أو للحَياءِ من الحَلِفِ والتَّبَذُّلِ فى مَجْلِسِ الحاكمِ، ومع هذه الاحْتمِالاتِ، لا يَنْبَغِى أن يُقضَى به فيما يُحْتاطُ له، ويَمِينُ المُدَّعِى إنَّما هى قَوْلُ نَفْسِه، لا ينْبَغِى أن يُعْطى بها أمْرًا فيه خَطَرٌ عظِيمٌ، وإثْمٌ كبيرٌ، ويُمَكنُ من وَطْءِ امْرَأةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تكونَ أجْنَبِيَّةً منه. وأمَّا الحَدِيثُ فإنَّما يتَنَاوَلُ (٢) الأَمْوَالَ والدِّمَاءَ، فلا يدْخُلُ النِّكَاحُ فيه، ولو دَخَلَ فيه كُلُّ دَعْوَى، لَكانَ مخصُوصًا بالحُدُودِ، والنِّكَاحُ فى مَعْنَاه، بل النِّكَاحُ أوْلى؛ لأنَّه لا يكادُ يَخْلُو من شُهُودٍ، لكَوْنِ (٣) الشَّهادةِ شَرْطًا فى انْعِقادِه، أو من اشْتِهارِه، فيُشْهَدُ فيه بالاسْتِفَاضَةِ، والحُدودُ بخِلافِ ذلك. إذا ثبتَ هذا، فإنَّه يُفرَّقُ بينهما، ويُحَالُ بينَه وبينَها ويُخْلَى سَبِيلُها. وإِنْ قُلْنَا: إنَّها تحْلِفُ على الاحْتِمالِ الآخَرِ. فنَكَلَتْ، لم يُقْضَ بالنُّكُولِ، وتُحْبَسُ، فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، حتَّى تُقِرَّ أو تَحْلِفَ، وفى الآخَرِ، يُخْلَى سَبِيلُها، وتكُونُ فائِدَةُ شَرْعِ اليَمِينِ التَّخْوِيف والرَّدْعَ، لتُقِرَّ إِنْ كان المُدَّعِى مُحِقًّا، أو تَحْلِفَ، فتَبْرأَ إِنْ كان مُبْطِلًا. فصل: وإذا ادَّعَى رجُلٌ نِكاحَ امرَأةٍ، احتاجَ إلى ذِكْرِ شَرائطِ النِّكاحِ، فيقولُ: تزَوَّجْتُها بولىٍّ مُرْشدٍ وشاهِدَىْ عَدْلٍ ورِضَاهَا. إِنْ كانت ممَّنْ يُعْتبرُ رِضَاها. وهذا مَنْصُوصُ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفة، ومالِكٌ: لا يحْتاجُ إلى ذِكْرِ شَرَائِطِه؛ لأنَّه نَوْع

стр. 7624

مِلْكٍ، فأشْبَهَ مِلْكَ العَبْدِ، ألا تَرَى أنَّه لا يحْتاجُ أَنْ يقولَ: وليْسَتْ مُعْتَدَّةً ولا مُرْتَدَّةً. ولَنا، أَنَّ النَّاسَ اختَلَفُوا فى شَرَائِطِ النِّكاحِ، فمنهم مَنْ يشْتَرِطُ الوَلِىَّ والشُّهُودَ، ومنهم مَنْ لا يشْتَرِطُ، وفهم مَنْ يشْتَرِطُ إذْنَ البِكْرِ البالِغِ لأبيها فى تَزْوِيجِها، ومنهم مَنْ لا يشْتَرِطُه، وقد يدَّعِى نِكاحًا يعْتَقِدُه صحيحًا، والحاكِمُ لا يرَى صِحَّتَه، ولا ينْبَغِى أَنْ يَحْكُمَ بصِحَّتِه مع جَهْلِه بها، ولا [يعْلمُ بها] (٤) ما لم تُذْكَرِ الشُّروطُ، وتقوم البَيِّنَةُ بها، وتُفارقُ المالَ، فإِنَّ أسْبَابَه لا (٥) تَنْحَصِرُ، وقد يخْفَى على المُدَّعِى سَبَبُ ثُبوتِ حَقِّه، والعُقودُ تكْثُرُ شُرُوطُها، ولذلك اشْتَرَطْنَا لِصِحَّة البَيْعِ شُرُوطًا سَبْعةً، وربَّما لا يُحْسِنُ المُدَّعِى عَدَّها ولا يَعْرِفُها، والأمْوَالُ ممَّا يُتسَاهَلُ فيها؛ ولذلك افْترَقا فى اشْتِرَاطِ الوَلِىِّ والشُّهُودِ فى عُقودِه، فافْترَقا فى الدَّعْوَى. وعدمُ العِدَّة والرِّدَّة، [الأصلُ عَدَمُها، ولا يخْتلِفُ النَّاسُ فيه] (٦)، ولا تَخْتَلِفُ به الأغْرَاضُ. فإنْ كانتِ المَرْأةُ أمةً والزَّوْجُ حُرًّا، فقياسُ ما ذكَرْناه، أنَّه يحْتَاجُ إلى ذِكْرِ عَدَمِ الطَّولِ، وخَوْفِ العَنَتِ؛ لأنَّهما من شَرَائِطِ صِحَّةِ نِكَاحِها، وأمَّا إِنْ ادَّعَى اسْتِدَامةَ الزَّوْجِيَّة، ولم يدَّعِ العَقْدَ، لم يحْتَجْ إلى ذِكْرِ شُروطِه، (٧) فى أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه يثبُتُ بالاسْتِفاضَة. ولو اشْتُرِطَ ذِكْرُ الشُّروطِ، لاشْتُرِطَتِ الشَّهادةُ به، ولا يَلْزَمُ ذلك فى شهادَة الاسْتِفَاضَةِ. وفى الثَّانِى يحْتاجُ إلى ذِكْرِ الشُّروطِ؛ لأنَّه دَعْوَى نِكَاحٍ، فأشْبَهَ دَعْوَى العَقْدِ. فصل: وإن ادَّعَتِ المرْأةُ النِّكَاحَ على زَوْجِها، وذكرَتْ معه حقًّا من حُقُوقِ النِّكاحِ، كالصَّداقِ والنَّفَقَة ونحوِها، سُمِعَتْ دَعْوَاها. بغيرِ خِلافٍ نَعْلمُه؛ لأنَّها تدَّعِى حقًّا لها تُضِيفُه إلى سَبَبهِ، فتُسْمَعُ دَعْواها، كما لو ادعَتْ مِلْكًا أضافَتْه إلى الشِّرَاءِ. وإِنْ أفرَدَتْ (٨) دَعْوَى النِّكَاحِ، فقال القاضى: تُسْمَعُ دَعْوَاها أيضًا؛ لأنَّه سَبَبٌ لحقُوقٍ لها، فتُسْمَعُ دَعْواها فيه، كالبَيْعِ. وقال أبو الخَطَّاب: فيه وَجْهٌ آخَرُ، لا تُسْمَعُ دَعْوَاها (٩)؛

стр. 7625

لأنَّ النِّكَاحَ حَقٌّ للزوْجِ عليها، فلا تُسْمَعُ دعْوَاها حَقًّا لغيْرِها. فإن قُلْنا بالأوَّلِ، سُئِلَ الزَّوْجُ، فإنْ أنْكَرَ ولم تكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ قولُه من غير يَمِينٍ؛ لأنَّه إذا لم تُسْتَحْلَفِ المرْأةُ والحقُّ عليها، فَلأَن لا يُسْتَحْلَفَ مَن الحقُّ له، [وهو يُنْكِرُه] (١٠)، أوْلَى (١١). ويَحْتَمِلُ أَنْ يُسْتحْلَفَ؛ لأنَّ دَعْوَاها إنَّما سُمِعَتْ لتَضَمُّنِها دَعْوَى (١٢) حُقُوقٍ مَالِيَّةٍ تُشْرَعُ فيها اليَمِينُ. وإِنْ قامَتِ البَيِّنَة بالنِّكَاحِ، ثَبَتَ لها ما تَضَمَّنَه النِّكَاحُ من حُقُوقِها. وأمَّا إباحَتُها له، فتَنْبَنِىِ على باطِنِ الأَمْرِ، فإنْ عَلِمَ أنَّها امْرأتُه، (١٣) حلَّتْ له؛ لأنَّ إنْكَارَه النِّكَاحَ ليس بطلاقٍ، ولا نَوَى به الطَّلاقَ، وإِنْ عَلِمَ أنَّها ليستِ امْرَأتَه؛ إمَّا لعَدَمِ العَقْدِ، أو لبَيْنُونَتِها منه، لم تَحِلَّ له. وهل يُمَكَّنُ منها فى الظَّاهِرِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن، أحدُهما، يُمَكَّنُ منها؛ لأنَّ الحَاكمَ قد حَكَمَ بالزَّوْجِيَّة. والثَّانِى، لا يُمَكَّنُ منها، لإِقْرَارِه على نَفْسِه بتَحْريمِها عليه، فيُقْبَلُ قوْلُه فى حقِّ نَفْسِه، دونَ ما عليه، كما لو تَزَوَّجَ (١٤) امرأةً، ثم قال: هى أُخْتِى من الرَّضَاعَة. فإذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّ دعْوَاها النِّكَاحَ كدَعْوَى الزَّوْجِ، فيما ذَكَرْنا، من الكَشْفِ عن سَبَبِ النِّكَاحِ، وشَرَائِطِ العَقْدِ. ومذهبُ الشَّافِعىِّ قرِيبٌ ممَّا ذَكَرْنا فى هذا ال فَصْلِ . فصل: فأمَّا سائِرُ العُقُودِ [غيرُ النِّكَاحِ] (١٥)، كالبَيْعِ والإِجَارَةِ والصُّلْحِ وغيرِها، فلا يفْتَقِرُ إلى الكَشْفِ، وذِكْرِ الشُّروطِ، فى أصَحِّ الوَجْهَيْن؛ لأنَّها لا يُحْتَاطُ لها ولا تَفْتَقِرُ إلى الوَلِىّ والشُّهُودِ، فلم تفْتَقِرْ إلى الكَشْفِ، كدَعْوَى العَينِ، وسَوَاءٌ كان المَبِيعُ جَارِيَةً أو غَيْرَها؛ لأنَّها مَبِيعٌ، فأشْبَهَتِ العَبْدَ (١٦)، وكذلك إذا كان المُدَّعَى عَيْنًا أو دَيْنًا، لم يحْتَجْ إلى ذِكْرِ السَّبَبِ؛ لأنَّ أسْبَابَ ذلك تَكْثُرُ ولا تَنْحَصِرُ، وربَّما خفِىَ على المُسْتَحِقِّ سَبَبُ

стр. 7626

استِحْقَاقِه، فلا يُكلَّفُ بيَانَه، ويَكْفِيه أَنْ يقولَ: أسْتَحِقُّ هذه العَيْنَ التى فى يَدِه، أو أسْتَحِقُّ كذا وكذا فى ذِمَّتِه. ويقولَ فى البَيْعِ: إنِّى اشْتَريْتُ منه هذه الجارِيةَ بألْفِ درهمٍ، أو بِعْتُها منه بذلك. ولا يحْتاجُ أَنْ يقولَ: وهى مِلْكُه، [أو وهى ملكى] (١٧) -[ونحوَ ذلك] (١٨) الأمْرِ- وتَفَرَّقْنا عن تَرَاضٍ. وذَكَر أبو الخَطَّاب فى العُقودِ وَجْهًا آخرَ، أنَّه يُشْترَطُ ذِكْرُ شُرُوطِها، قِياسًا على النِّكَاحِ. وذَكَرَ أصْحَابُ الشَّافِعىِّ هذَين الوَجْهَين، ووَجْهًا ثَالثًا، أنَّه إِنْ كان المَبِيعُ جَاريةً، اشْتُرِطَ ذِكْرُ شُرُوطِ البَيْعِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يُسْتَبَاحُ به الوَطْءُ، فأشْبَهَ النِّكاحَ، وإِنْ كان المَبِيعُ غيرَها، لم يُشْترَطْ؛ لعدمِ ذلك. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّها دَعْوَى فيما لا يُشْتَرطُ فيه الوَلِى والشُّهُودُ، أشْبَهَ دَعْوَى العَيْن. وما لَزِم ذِكْرُه فى الدَّعْوَى، فلم يذْكُرْه، سألَه الحاكِمُ عنه، لتَصِيرَ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً، فيُمْكِنَ الحاكمَ الحكمُ بها. وقد ذكَرْنا سائِرَ الدَّعَاوَى فيما سَبَقَ، بما أغْنَى عن إعادَتِه ههُنا. ١٩٣٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ادَّعَى دَابَّةً فِى يَدِ رَجُلٍ، فأَنْكَرَ (١)، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِى بِيِّنَتِهِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَنَا بِسَمَاعِ (٢) بَيِّنَةِ الْمُدَّعِى وَيَمينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ، أَوْ قَالَتْ: وُلِدتْ فِى مِلْكِهِ (٣)) وجُمْلَةُ ذلك أَنَّ مَنْ ادَّعى شَيئًا فى يدِ غيرِه، فأنْكَرَه، ولكُلِّ واحِدٍ منهمُا بَيِّنَةٌ، فإِنَّ بيِّنَةَ المُدَّعِى تُسَمَّى بَيِّنَةَ الخَارِجِ، وبَيِّنَةَ المُدَّعَى عليه تُسَمَّى بَيِّنَة الدَّاخِلِ، وقد اخْتلفَتِ الرِّوَايةُ عن أحمد، فيما إذا تعارَضَتا، فالمشْهُورُ عنه تقْدِيمُ بَيِّنَةِ المُدَّعِى، ولا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عليه بحَالٍ. وهذا قولُ إسحاق. وعنه، روايةٌ ثانِيةٌ، إِنْ شهدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ بسَبَبِ الملكِ، وقالتْ (٤): نُتِجَتْ فى مِلْكِه، أو اشْتَرَاها، أو نَسَجَها. أو كانت بَيِّنَتُه

стр. 7627

أقْدَمَ تاريخًا، قُدِّمَتْ، وإلا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ المُدَّعِى. وهو قول أبى حنيفةَ وأبى ثَوْرٍ، فى النِّتاجِ والنِّساجِ، فيما لا يتكرَّرُ نَسْجُه، فأمَّا ما يتكَرَّرُ نسْجُه، كالصُّوفِ والخَزِّ، فلا تُسْمَعُ بَيِّنَتُه؛ لأنَّها إذا شَهِدتْ بالسَّبَبِ، فقد أفادَتْ ما لا تُفِيدُه اليَدُ، وقد رَوَى جابرُ بنِ عبد اللَّه، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اخْتَصَمَ إليه رجُلان فى دَابةٍ أو بَعيرٍ، فأقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما البَيِّنَةَ بأنَّها له، أنْتَجَها، فقضَى بها رسولُ اللَّه ﷺ للذى هى فى يَدِه (٥). وذكرَ أبو الخَطَّاب، روايةً ثالثةً، أَنَّ بَيِّنَةَ المُدَّعَى عليه تُقَدَّمُ بكلِّ حالٍ. وهو قولُ شُرَيْحٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والحَكَمِ، والشَّافِعىِّ، وأبى عُبَيْد. وقال: هو قولُ أهْلِ المدينة، وأهْلِ الشَّام. ورُوِى ذلك (٦) عن طاوُسٍ. وأنْكَرَ القاضى كَوْنَ هذا روايةً عن أحمدَ، وقال: لا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ إذا لم تُفِدْ إِلَّا ما أفادَتْه يَدُه، روَايةً وَاحِدَةً. واحْتَجَّ مَنْ ذهبَ إلى هذا القَوْلِ بأنَّ جَنَبَةَ المُدَّعَى عليه أقْوَى؛ لأنَّ الأصْلَ معه، ويَمِينُه تُقَدَّمَ على يَمِينِ المُدَّعِى، فإذا تعارَضَتِ البَيِّنَتَان، وَجَبَ إبْقاءُ يَده على ما فيها، وتَقْدِيمُه، كما لو لمْ تكُنْ بَيِّنَةٌ لواحِدٍ منهما. وحديثُ جابر يدُلُّ على هذا، فإنَّه إنَّما قُدِّمَتْ (٧) بَيِّنَتَهُ لِيَدِه. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، والْيَمِينُ على المُدَّعَى علَيْهِ" (٨). فجعَلَ جنْسَ البَيِّنةِ فى جَنَبَةِ المُدَّعِى، فلا يبْقَى فى جَنَبَةِ المُدَّعَى عليه بَيِّنَةٌ، ولأنَّ بَيِّنةَ المُدَّعِى أكثرُ فائِدَة، فوَجَبَ تقْدِيمُها، كتقْدِيمِ بَيِّنَةِ الجَرْحِ على التَّعْدِيلِ. ودليلُ كثرَةِ فائدَتِها، أنَّها تُثْبت شيئًا لم يكُنْ، وبَيِّنَةُ المُنْكِرِ إنَّما تُثْبِتُ ظاهِرًا تدُلُّ اليَدُ عليه، فلم تَكُنْ مُفِيدَةً، ولأنَّ الشَّهادةَ بالمِلْكِ يجُوزُ أَنْ يكونَ مُسْتَنَدُها رُؤْيَةَ اليَدِ والتَّصَرُّف، فإنَّ ذلك جائِزٌ عندَ كَثيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، فصارَتِ البَيِّنَةُ بمنْزِلَة اليَدِ المُفْرَدَةِ، فتقدَّمَ عليها بَيِّنَةُ المُدَّعِى، كما تُقَدَّمَ على اليَدِ، كما أَنَّ شاهِدَىِ الفَرْعِ لمَّا كانا مَبْنِيَّيْن على شَاهِدَى الأَصْلِ، لم تكُنْ لهُما مَزِيَّةٌ عليهما.

стр. 7628

فصل: وأىُّ البَيِّنَتَيْن قدَّمْنَاها، لم يَحْلِفْ صَاحِبُها معها. وقال الشَّافِعىُّ، فى أحَدِ قوْلَيْه: يُسْتَحْلَفُ صَاحِبُ اليَدِ؛ لأنَّ الْبَيِّنَتَيْن سَقَطَتَا بتعارُضِهما، فصَارَا كمَنْ لا بَيِّنةَ لهما، فيَحْلِفُ الدَّاخِلُ (٩) كما لو لِم تَكُنْ لواحدٍ منهما بَيِّنَةٌ. ولَنا، أَنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْن رَاجِحَةٌ، فيَجِبُ الحُكْمُ بها مُنْفرِدَةً، كما لو تَعارَضَ خَبَران، خَاصٌّ وعَامٌّ، أو أحَدُهما أرْجَحُ بوَجْهٍ من الوُجُوه، ولا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الرَّاجِحَةَ تَسْقُطُ، وإنَّما تَرْجُحُ، ويُعْمَلُ بها، وتَسْقُطُ المَرْجُوحَة. فصل: فإنْ كانتِ الْبَيِّنَةُ لأحَدِهما دونَ الآخَرِ، نَظَرْتَ؛ فإنْ كانتِ الْبَيِّنَةُ للمُدَّعِى وَحْدَه، حُكِمَ بها، ولم يَحْلِفْ، بغيْرِ خِلافٍ فى المذهبِ. وهو قولُ أهْلِ الفُتْيَا من أهلِ الأمْصَارِ؛ منهم الزُّهْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشَّافِعىُّ. وقال شُرَيحٌ، وعَونُ بنُ عبد اللَّه (١٠)، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وابن أبى ليْلَى: يُسْتَحْلَفُ الرجُلُ مع بَيِّنَتِه. قال شُرَيحٌ لرجُلٍ (١١): لو أثْبَتَ عِنْدِى كذا وكذا شاهِدًا، ما قَضَيْتُ لك حتَّى تحْلِفَ (١٢). ولَنا، قولُ النَّبىِّ ﷺ للحَضْرَمِىِّ: "بيِّنَتُكَ، أو يَمِينُه، لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذلِكَ" (١٣). وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "البيِّنَةُ على المُدَّعِى، واليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى علَيْهِ". ولأنَّ البَيِّنَةَ إحْدَى حُجَّتَىِ الدَّعْوَى، فيُكْتَفَى بها، كاليَمِينِ. قال أصْحَابُنا: ولا فَرْقَ بين الحَاضِرِ والْغَائِبِ، والحَىِّ والمَيِّتِ، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والمَجْنُونِ والمُكَلَّفِ. وقال الشَّافِعِىُّ: إذا كان المشْهُودُ عليه لا يعبِّرُ عن نَفْسِه، أُحْلِفَ (١٤) المَشْهُودُ له؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه أَنْ يُعَبِّرَ عن نَفْسِه فى دَعْوَى القَضَاءِ والإِبْرَاءِ، فيَقُومُ الحَاكمُ مَقامَه فى ذلك، لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ. وهذا حَسَنٌ؛ فإِنَّ قِيامَ الْبَيِّنَة للمُدَّعِى بثُبُوتِ حَقِّه، لا يَنْفِى احْتِمالَ القَضَاءِ والإِبْرَاءِ، بدَليلِ أَنَّ

стр. 7629

المُدَّعَى عليه لو ادَّعاه، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وبَيِّنَتُه، فإذا (١٥) كان حَاضِرًا مُكَلَّفًا، فسُكُوتُه عن دَعْوَى ذلك دلِيلٌ على انْتِفَائِه، فيُكْتفَى بالْبَيِّنَةِ، وإِنْ كان غائِبًا، أو مِمَّن لا قَوْلَ له، نُفِىَ احْتمالُ ذلك من غيرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ على انْتِفَائِه، فتُشْرعُ اليَمِينُ لنفْيه (١٦). وإِنْ لم تَكُنْ للمُدَّعِى بَيِّنَةٌ، وكانتْ (١٧) للمُنْكرِ بَيِّنَةٌ، سُمِعتْ بَيِّنَتُه، ولم يَحْتَجْ إلى الحَلِفِ مَعها؛ لأنَّا إِنْ قُلْنَا بتَقْدِيمِها مع التَّعَارُضِ، وأنَّه لا يَحْلِفُ معها، فمع انْفِرَادِها أوْلَى، وإِنْ قُلْنَا بتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ المُدَّعَى عليْه، فيَجِبُ أَنْ يُكْتفَى بها عن اليَمِينِ؛ لأنَّها أقْوَى من الْيَمِينِ، فإذا اكْتُفِىَ باليَمِينِ، ففيما (١٨) هو أقْوَى منها أوْلَى. ويحْتَمِلُ أَنْ تُشْرَعَ اليَمِينُ أيضًا؛ لأنَّ البَيِّنَةَ ههُنا يحْتَمِلُ أَنْ تكُونَ مُسْتَنَدُها اليَدَ والتَّصَرُّفَ، فلا تُفِيدُ إِلَّا ما أفادَتْه اليَدُ والتَّصَرُّفُ، وذلك لا يُغْنِى عن اليَمِينِ، فكذلك ما قَامَ مقَامَه. فصل: وإِنْ ادَّعَى الخَارِجُ أَنَّ الدَّابَّةَ مِلْكُه، وأنَّه أوْدَعَها للدَّاخِلِ، أَوْ أعَارَه إيَّاها، أو آجَرَها منه، ولم يكُنْ لوَاحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ قوْلُ المُنْكِرِ مع يَمِينِهِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وإِنْ كان لكُلِّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ؛ فبَيِّنَةُ الخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىُّ. وقال القاضِى: بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَةٌ؛ لأنَّه هو الخَارِجُ فى المعْنَى؛ لأنَّه ثَبتَ أَنَّ المُدَّعِىَ صَاحِبُ اليَدِ، وأنَّ يَدَ الدَّاخِلِ نائِبَةٌ عنه. ولَنا، قولُ النَّبىِّ ﷺ : "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى". ولأنَّ اليَمِينَ فى حَقِّ المُدَّعَى عليه، فتكونُ الْبَيِّنَةُ للمُدَّعِى، كما لو لم يَدَّعِ الإِيدَاعَ، يُحَقِّقُه أَنَّ دَعْوَاه الإِيدَاعَ زِيَادَةٌ فى حُجَّتِه، وشهادَةَ البَيِّنَةِ بها تَقَوِيَةٌ لها، فلا يجوزُ أَنْ تكون مُبْطِلَةً لِبَيِّنَتِه. وإن ادَّعى الخارجُ أَنَّ الداخلَ غصَبه إيَّاها، فأقاما بيِّنتَيْن، فهى (١٩) للخَارِجِ، ويَقْتَضِى قولُ القَاضِى أنَّها للدَّاخِلِ، والأَوْلَى ما ذَكَرْناه. فصل: فإنْ كان فى يَدِ رَجُلٍ جِلْدُ شاةٍ مَسْلُوخَةٍ، ورَأْسُها وسَوَاقِطُها وبَاقِيها فى يَدِ آخَرَ، فادَّعَاها كلُّ واحدٍ منهما كلَّها، ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ منهما، فلكُلِّ واحِدٍ منهما ما فى يَدِه مع

стр. 7630

يَمِينِه. وإِنْ أقاما بيِّنَتَيْن، وقُلْنا: تُقدَّمُ بَيِّنَةُ الخَارِجِ. فلكُلِّ واحِدٍ منهما ما فى يَدِ صَاحبه، وإِنْ قُلْنَا: تُقدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ. فلكُلِّ واحِدٍ منهما ما فى يَده من غيرِ يَمِينٍ. فصل: فإنْ كان فى يَدِ كُلِّ واحِدٍ منهما شاةٌ، فادَّعَى كُل واحِدٍ منهما أَنَّ الشَّاةَ التى فى يَد صَاحِبِه له، ولا بَيِّنَةَ لهما، حلَفَ كُلُّ واحدٍ منهما لصاحِبِه، وكانت الشَّاةُ التى فى يَده له. وإِنْ أقاما بَيِّنَتَيْن، فلكُلِّ واحدٍ منهما الشَّاةُ التى فى يَدِ صاحِبِه، ولا تَعارُضَ بينهما. وإِنْ كان كُلُّ واحدٍ منهما قال: هذه الشَّاةُ التى فى يَدكَ لى، من نِتاجِ شَاتِى هذه. فالتَّعَارُضُ فى النِّتَاجِ، لا فى الملْكِ (٢٠). وإِنْ ادَّعَى كُلُّ واحدٍ منهما أن الشَّاتَيْن لى دونَ صاحِبى، وأقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وانْبَنَى ذلك على القَوْلِ فى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ، فمن قدَّمَ بَيِّنَةَ الخارِجِ، جعلَ لكُلِّ واحدٍ منهما ما فى يَدِ الآخَرِ، ومَنْ قدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، أو قدَّمَها إِذَا شَهِدَت بالنِّتاجِ، جعلَ لكُل واحدٍ منهما ما فى يَدِه. فصل: وإذا ادَّعى زَيْدٌ شاةً فى يَد عَمرٍو، وأقامَ بها بَيِّنَةَ، فحَكَمَ له بها حاكمٌ، ثم ادَّعاها عمرٌو على زيدٍ، وأقامَ بها بَيِّنَةً؛ فإنْ قُلْنا: بَيِّنَةُ الخارِجُ مقَدَّمةٌ. لم تُسْمعْ بَيِّنَةُ عمرٍو؛ لأنَّ بَيِّنَةَ زيدٍ مُقَدَّمَةٌ عليها. وإِنْ قُلْنا: بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَةٌ. نظَرْنا فى الحُكْمِ كيف وَقَعَ؛ فإنْ كان حكم بها لزيدٍ لأنَّ عمْرًا لا بَيِّنَةَ له، رُدَّتْ إلى عمرٍو؛ لأنَّه [قد قامتْ له بَيِّنَةٌ، واليدُ كانت له، وإِنْ كان (٢١) حكمَ بها لزيدٍ لأنَّه يرَى تَقْديمَ بَيِّنَةِ الخارِجِ، لم يُنْقَضْ حُكْمُه؛ لأنَّه] (٢٢) حَكَمَ بما يسُوغُ الاجْتِهادُ فيه. وإِنْ كانت بَيِّنةُ عمرٍو قد شهِدَتْ له أيضًا، ورَدَّها الحاكِمُ لفِسْقِها، ثم عُدِّلَتْ، لم يُنْقَضِ الحكمُ أيضًا؛ لأنَّ الفَاسِقَ إذا رُدَّتْ شهادَتُه لفِسْقِه، ثم أعادَها بعدُ، لم تُقْبَلْ. وإِنْ لم يعْلَمِ الحاكمُ (٢٣) كيف كان، لم يُنْقَضْ؛ لأنَّه (٢٤) حُكْمُ حاكمٍ (٢٥)، الأصْلُ جَرَيانُه على العَدْلِ (٢٦) والإِنْصَافِ والصّحَةِ، فلا

стр. 7631

ينقَضْ بالاحْتمالِ. فإنْ جاءَ ثالِثٌ، فادَّعاها، وأقامَ بها بَيِّنَةً، فبَيِّنتُه وبَيِّنَةُ زيدٍ مُتَعارِضَتان، ولا يحْتاجُ زيدٌ إلى إقامةِ بَيِّنَتِه؛ لأنَّها قد شَهِدتْ مَرَّةً، وهما سواءٌ فى الشَّهادَةِ حالَ التَّنازُعِ، فلم يَحْتَجْ إلى إعَادَتِها، كالبَيِّنَةِ إذا شَهِدتْ، وَوقَف الحكمُ على البَحْثِ عن حالِها، ثم بانَتْ عدالتُها، فإنَّها تُقْبَلُ، ويُحْكَمُ بها (٢٧) من غيرِ إعادَةِ شهادَتِها، كذا ههُنا. فصل: وإذا كان فى يَدِ رَجُلٍ شاةٌ، فادَّعاها رَجُلٌ أنَّها له منذ سنَةِ، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، وادَّعَى الذى هى فى يَدِه أنَّها فى يَدِه (٢٨) منذُ سَنَتَيْن، وأقامَ بذلك بَيِّنَة، فهى للمُدَّعِى، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ بَيِّنَتَه تَشْهَدُ له بالمِلْكِ، وبَيِّنَةُ الدَّاخِلِ تشْهَدُ باليَدِ خَاصَّةً، فلا تعارُضَ بينَهما، لإِمْكَانِ الجَمع بيْنَهما، بأنْ تكونَ اليَدُ عن (٢٩) غيرِ ملكٍ، فكانت بَيِّنةُ المِلْكِ أوْلَى. فإنْ شَهدتْ بَيِّنَةٌ بأنَّها مِلْكُه منذ سنَتيْن، فقد تعَارَضَ تَرْجِيحَان، تَقدُّمُ التَّارِيخِ من جِهَةِ (٣٠) بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وكَوْنُ الأُخرَى بَيِّنَةَ الخَارِجِ، ففيه رِوَايَتان؛ إحدَاهما، تُقدَّمُ بَيِّنةُ الخَارِجِ. وهو قَوْلُ أبى يوسف، ومحمدٍ، وأبى ثَوْرٍ. ويَقْتَضِيه عُمومُ كَلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لقَوْلِه ﷺ : "الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى"، ولأنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يجُوزُ أَنْ يكون مُسْتَنَدُها اليَدَ، فلا تُفِيدُ أكثرَ ممَّا تُفِيدُه اليَدُ، فأشْبَهتِ الصُّورَةَ التى قَبْلَها. والثَّانية، تُقدَّم بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ. وهو قَوْلُ أبى حَنِيفة، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها تضَمَّنَتْ زِيادَةً. فإنْ كانتْ بالعَكْسِ، فشَهِدتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ أنَّه يملِكها منْذُ سَنَةٍ، وشَهِدتْ بَيِّنَةُ الخَارِجِ أنَّه يَمْلِكها مُنذ سَنَتَيْن، قُدِّمت بَيِّنَةُ الخَارِجِ، إلا على الرِّوَايَةِ التى تُقَدَّمُ فيها بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ، فيُخَرَّجُ فيها وَجْهان؛ بِناءً على الرِّوَايَتَيْن فى التى قبلَها. وظَاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِىِّ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ على كُلِّ حَالٍ. وقال بعضُهم: فيها قوْلان. وإن ادَّعَى الخَارِجُ أنَّها مِلْكُه منذُ سَنَةٍ، وادَّعَى الدَّاخِلُ أنَّه اشْتَرَاها منه منذُ سَنَتَيْن، وأقام كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً، قُدِّمتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ. ذكَرَه القاضى. وهو قوْلُ أبى ثَوْرٍ. فإن اتَّفَقَ تاريخُ البَيِّنَتَيْن (٣١)، إِلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ

стр. 7632

الدَّاخِلِ تشْهَدُ بنِتَاجٍ، أو بشراءٍ، أو غَنِيمةٍ، أو إرْثٍ، أو هِبَةٍ من مالكٍ، أو قَطِيعَةٍ من الإِمَامِ، أو سَببٍ (٣٢) من أسْبَابِ المِلْكِ، ففى أيِّهما تُقَدَّمُ؟ رِوَايتان، ذكَرْنَاهُما. وإن ادَّعَى أحَدُهما أنَّه اشْتَراها من الآخَرِ، قُضِىَ له بها؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الابْتِياعِ شَهِدَتْ بأمْرٍ حادِثٍ، خَفِىَ على الْبَيِّنَةِ الأُخْرَى، فَقُدِّمَتْ عليها، كتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الجَرْحِ على بَيِّنَةِ (٣٣) التَّعْدِيلِ. ١٩٣٦ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ كَانَتِ الدَّابَّةُ فِى أَيْديهمَا، فَأَقَامَ أحَدُهُما البَيِّنَةَ أنَّهَا لَهُ، وَأقَامَ الآخرُ الْبَيِّنَةَ أنَّهَا لَهُ، نُتِجَتْ فِى مِلْكِه، سَقَطَتِ الْبَيِّنَتَانِ، وَكَانَا كَمَنْ لا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَكَانَتِ اليَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِى النِّصْفِ المَحْكُومِ لَهُ بِهِ) وجملتُه أنَّه إِذَا تَنازَعَ رجلانِ فى عَيْنٍ فى أيْدِيِهما، فادَّعَى كُلُّ واحِدٍ منهما أنَّها مِلْكُه دُونَ صَاحِبِه، ولم تكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، حلَفَ كُلُّ واحِدٍ منهما لصَاحِبِه، وجُعِلَتْ بينهما نِصْفَيْن. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا؛ لأنَّ يَدَ كلِّ واحِدٍ منهما على نِصْفِها، والقَوْلُ قولُ صَاحِبِ اليَدِ مع يَمِينِه. وإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا عن اليَمِينِ، فهى بينهما أيضًا؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَسْتَحِقُّ ما فى يَد الآخَرِ بنُكُولِه. وإِنْ نَكَلَ أحَدُهما، وحلَف الآخَرُ، قُضِىَ له بجَمِيعِها؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ ما فى يَده بيَمِينِه، وما فى يَدِ صاحبه، إمَّا بنُكُولِه، وإمَّا بيَمِينِه التى رُدَّتْ عليه عندَ نُكُولِ صَاحِبِه. وإِنْ كانَتْ لأَحَدِهما بَيِّنَةٌ دُونَ الآخَرِ، حُكِمَ له بها. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. وإِنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً، وتَسَاوتَا، تعارَضَتِ البيِّنَتَانِ، وقُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما نِصْفيْن. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ؛ لما رَوَى أبو موسى، رَضِىَ اللَّه عنه، أَنَّ رَجُلَيْن اخْتَصَما إلى رسولِ اللَّه ﷺ فى بعيرٍ، [فأقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما شَاهِدَيْن، فقَضَى رسولُ اللَّه ﷺ ] (١) بالبَعيرِ بينهما نِصْفَيْن، رَوَاه أبو دَاود (٢). ولأنَّ كُلَّ

стр. 7633

واحِدٍ منهما دَاخِلٌ فى نِصْفِ العَيْنِ، خَارِجٌ عن (٣) نِصْفِها، فتُقدَّمُ بَيِّنَةُ كلِّ وَاحِدٍ منهما فيما فى يَده عندَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، وفيما فى يَد صَاحِبِه عندَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةِ الخَارِجِ، فيسْتَوِيان على كُلِّ وَاحِدٍ من القَولَيْن. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب فيها، رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّه يُقْرَعُ بينهما، فمَنْ خرَجَتْ قُرْعَتُه (٤)، حلفَ أنَّها له (٥)، لا حَقَّ للآخَرِ فيها، وكانتِ العَيْنُ (٦) له، كما لو كَانتْ فى يَد غيْرِهما. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ للخَبرِ والمَعْنَى. واخْتلَفَتِ الرِّوَايةِ، هل يحْلِفُ كُلُّ واحِدٍ منهما على النِّصْفِ المَحْكُوم له به، أو يكونُ له من غيرِ يَمين؟ فرُوِىَ أنَّه يَحْلِفُ، وهذا (٧) الذى (٥) ذَكَرَ (٨) الْخِرَقِىُّ؛ لأنَّ البَيِّنَتَيْنِ لمَّا لم تَعَارَضَتَا من غيرِ ترْجِيحٍ، وجَبَ إسْقَاطُهما (٩)، كالخَبَرَيْن إذا تَعَارَضَا وتَسَاوَيا، وإذا سَقَطَا صارَ المُخْتَلِفَان كمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما، ويحْلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما على النِّصْفِ المَحْكُومِ له به. وهذا أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ؛ بِناءً على أَنَّ اليَمِينَ تَجِبُ على الدَّاخِلِ مع بَيِّنَتِه، وكُلُّ واحِدٍ منهما دَاخِلٌ فى نِصْفِها، فيُحْكَمُ له به ببيِّنَتِه، ويحْلِفُ معها، فى أحَدِ القَوليْن. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، أَنَّ العيْنَ تُقْسَمُ بينَهما من غيرِ يَمِينٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبى حنيفة، وأحدُ قَوْلَى الشَّافِعِىّ. وهو أصَحُّ، للخَبَرِ والمَعْنَى الذى ذَكَرْناه. ولا يَصِحُّ قياسُ هَاتَيْن البَيِّنَتَيْن على الخَبَرَيْن المُتَسَاوِيَيْن؛ لأنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ رَاجِحَةٌ فى نِصْفِ العَيْن، على كُلِّ وَاحِدٍ من القَوْلَيْن. وقد ذَكَرْنا أَنَّ البَيِّنَةَ الرَّاجِحَةَ يُحْكَمُ بها من غيرِ حَاجَةٍ إلى يَمِينٍ. فأمَّا إِنْ شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْن بأنَّ العَيْنَ لهذا، وشَهِدَتِ الأُخْرَى بأنَّها (١٠) لهذا الآخَرِ، نُتِجَتْ فى مِلْكِه، فقد ذَكَرْنَا فى التَّرْجِيحِ بهذا رِوَايَتَيْن؛ إحْداهما، لا تَرْجُحُ به (١١). وهو اخْتِيارُ الْخِرَقِىِّ؛

стр. 7634

لأنَّهُما تَسَاوَيا فيما يَرْجِع إلى المُخْتلَفِ فيه، وهو مِلْكُ العَيْنِ الآن، فوجَبَ تَساوِيهما فى الحُكْمِ. والثَّانية، تُقَدَّمُ بيِّنَةُ النِّتاجِ وما فى مَعْنَاه. وهو مَذهبُ أبى حَنِيفة؛ لأنَّها تتضَمَّنُ زِيادَة علْمٍ، وهو معْرِفةُ السَّبَبِ، والأُخْرَى خَفِىَ عليها ذلك، فيَحْتَمِلُ أَنْ تكونَ شهادَتُهما مُسْتَنِدَةً إِلى مُجَرَّدِ اليَدِ والتَّصَرُّفِ، فتُقَدَّمُ الأولَى عليها، كتَقْديمِ (١٢) بَيِّنَةِ الجَرْحِ على التَّعْدِيلِ. وهذا قَوْلُ القاضى فيما إذا كانَتِ العَيْنُ فى يَدِ غيرِهما. فصل: فإنْ شهِدَتْ (١٣) إحدَاهما أنَّها له منذُ سَنَةٍ، وشَهِدَتِ الأُخْرَى أنَّها له منذُ سَنَتَيْن، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ التَّسْوِيةُ بينهما، وهو أحَدُ قوْلَى الشَّافِعِىِّ. وقال القاضى: قِياسُ المذهبِ تَقْديمُ أقْدَمِهما تارِيخًا. وهو قَوْلُ أبى حنيفة، والقَوْلُ الثَّانِى للشَّافِعِىِّ، لأنَّ المُتَقَدِّمة التاريخ، أثْبَتَتِ المِلْكَ له فى وَقْتٍ لم تُعارِضْه فيه (١٤) البيِّنَةُ الأُخْرَى، فيثْبُتُ المِلْكُ فيه، ولهذا له المُطالَبةُ بالنَّماءِ فى ذلك الزَّمانِ، وتعارَضَتِ الْبَيِّنَتَان فى المِلْكِ فى الحالِ، فسَقَطَتَا، وبَقِىَ مِلْكُ السَّابقِ تجِبُ اسْتِدَامَتُه، وأنْ لا يثْبُتَ لغيرِه مِلْكٌ، إِلَّا من جِهَتِه. وَوْجُه قَوْلِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّ الشَّاهِدَ بالمِلْكِ الحادِثِ أحَقُّ بالتَّرجِيحِ؛ لجوازِ أَنْ يَعْلَمَ به (١٤) دُونَ الأوَّلِ، ولهذا لو ذَكَرَ أنَّه اشْتَراه من الآخَرِ، أو وَهَبَه له، لَقُدِّمت بَيِّنَتُه اتِّفَاقًا، فإذا لم ترَجَّحْ بهذا، فلا أقَلَّ من التَّسَاوِى. وقولُهم: إنَّه يثْبُتُ المِلْكُ فى الزَّمَنِ الماضِى من غيرِ مُعارَضَةٍ. قُلْنا: إنَّما يثْبُتُ تَبَعًا لثُبُوتِه فى الحَالِ، ولو انْفَرَدَ بأن يَدَّعِىَ المِلْكَ فى الماضِى، لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ ولا بَيِّنَتُه، فإنْ وُقِّتَتْ إحْدَاهُما وأُطْلِقَتِ الأُخْرَى، فهما سَوَاءٌ. ذَكَره القاضِى. وقال أبو الخَطَّاب: يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْكَمَ به لمنْ لم يُوَقِّتْ. وهو قَوْلُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ. ولَنا، أنَّه ليس فى إحْدَاهما ما يَقْتَضِى التَّرْجِيحَ من تَقَدُّمِ المِلْكِ ولا غيرِه، فوَجَبَ اسْتِواؤُهما، كما لو أُطْلِقَتا، أو اسْتَوى تَارِيخُهما. فصل: ولا تَرْجُحُ إحْدَى البَيِّنَتَيْنِ بكَثْرَةِ العَدَدِ، ولا اشْتهارِ العَدالةِ. وبهذا قال أبو

стр. 7635

حنيفة، والشَّافِعِىُّ. ويتخَرَّجُ أَنْ تَرْجُحَ بذلك، مَأْخُوذًا من قَوْلِ الْخِرَقِىِّ: ويَتَّبِعُ الأعْمَى أوْثَقَهُما فى نَفْسِه. وهذا قَوْلُ مَالِك؛ لأنَّ أحدَ الخَبَرَيْن يَرْجُحُ بذلك، فكذلك الشَّهادَةُ، لأنَّها خبرٌ، ولأنَّ الشَّهادَةَ إنَّما اعْتُبِرَتْ لغَلَبَةِ الظَّنِّ بالمَشْهُودِ به، وإذا كَثُرَ العَدَدُ أو قَوَيتِ العدالةُ، كان الظَّنُّ (١٥) به أقْوَى. وقال الأَوْزَاعِىُّ: يُقْسَمُ على عَدَدِ الشُّهُودِ، فإذا شهد لأحدِهما (١٦) شاهِدَان، وللآخَرِ (١٧) أرْبَعةٌ، قُسِمَتِ العَيْنُ بينهما أثْلاثًا؛ لأنَّ الشَّهَادَة سَبَبُ الاسْتِحْقَاقِ، فيُوزَّعُ الحَقُّ عليها. ولَنا، أَنَّ الشَّهادَةَ مقدَّرَةً، بالشَّرْعِ، فلا تخْتَلِفُ بالزِّيَادَة، كالدِّيَّةِ، وتُخالِفُ الخبرَ، فإنَّه مُجْتَهَدٌ فى قبولِ خبرِ الواحِدِ دون العَدَدِ، فرجَحَ بالزِّيَادَةِ. والشَّهادةُ يُتَّفَقُ فيها على خَبرِ الاثْنَيْن، فصارَ الحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بهما (١٨) دون اعْتِبارِ الظَّنِّ، ألَا تَرى أنَّه لو شَهدَ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ، لا تُقْبَلُ شهادتُهُنَّ، وإِنْ كَثُرْنَ حتى صارَ الظَّنُّ بشهادَتِهِنَّ أغْلبَ من شهادةِ الذَّكَرَيْن. وعلى هذا لا تَرْجُحُ شهادةُ الرجلَيْن على شهادةِ الرَّجُلِ والمَرْأَتَيْن فى المالِ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ من البَيِّنَتَيْن حُجَّةٌ فى المَالِ، فإذا اجْتمَعَتا تَعارَضَتا، فأمَّا إِنْ كان لأحدِهما شاهِدَان وللآخَرِ شَاهِدٌ، فبذَلَ يَمِينَه معه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يتَعارضان؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما حُجَّةٌ بمُفْرَدِه، فأشْبَها الرجلَيْنِ مع الرجلِ والمَرْأتين. والثَّانى، يُقَدَّمُ الشَّاهِدَان؛ لأنَّهما حُجَّةٌ متَّفَقٌ عليها، والشَّاهِدُ واليَمِينُ مُخْتلَفٌ فيها (١٩)، ولأنَّ اليَمينَ قوْلُه لنفْسِه، والْبَيِّنَةَ الكامِلَةَ شهادةُ الأجْنَبِيَّيْن، فيجبُ تَقْدِيمُها، كتقدِيمها على يَمِينِ المُنْكِرِ، وهذا الوَجْهُ أصَحُّ، إِنْ شاءَ اللَّه. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَان، كالوَجْهَيْن. فصل: وإذا كان فى أيْدِيهِما دَارٌ، فادَّعَاها أحَدُهما كُلَّها، وادَّعَى الآخَرُ نِصْفَها، ولا بَيِّنَةَ لهما، فهى بينَهما نِصْفَيْن. نَصَّ عليه أحمدُ. وعلى مُدَّعِى النِّصْفِ اليَمِينُ لصَاحِبِه، ولا يَمِينَ عَلى الآخَرِ؛ لأنَّ النِّصْفَ المَحْكُومَ له به لا مُنازِعَ له فيه. ولا أعْلمُ (٢٠) فى هذا
следующие страницы →