← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

ينقَضْ بالاحْتمالِ. فإنْ جاءَ ثالِثٌ، فادَّعاها، وأقامَ بها بَيِّنَةً، فبَيِّنتُه وبَيِّنَةُ زيدٍ مُتَعارِضَتان، ولا يحْتاجُ زيدٌ إلى إقامةِ بَيِّنَتِه؛ لأنَّها قد شَهِدتْ مَرَّةً، وهما سواءٌ فى الشَّهادَةِ حالَ التَّنازُعِ، فلم يَحْتَجْ إلى إعَادَتِها، كالبَيِّنَةِ إذا شَهِدتْ، وَوقَف الحكمُ على البَحْثِ عن حالِها، ثم بانَتْ عدالتُها، فإنَّها تُقْبَلُ، ويُحْكَمُ بها (٢٧) من غيرِ إعادَةِ شهادَتِها، كذا ههُنا. فصل: وإذا كان فى يَدِ رَجُلٍ شاةٌ، فادَّعاها رَجُلٌ أنَّها له منذ سنَةِ، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، وادَّعَى الذى هى فى يَدِه أنَّها فى يَدِه (٢٨) منذُ سَنَتَيْن، وأقامَ بذلك بَيِّنَة، فهى للمُدَّعِى، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ بَيِّنَتَه تَشْهَدُ له بالمِلْكِ، وبَيِّنَةُ الدَّاخِلِ تشْهَدُ باليَدِ خَاصَّةً، فلا تعارُضَ بينَهما، لإِمْكَانِ الجَمع بيْنَهما، بأنْ تكونَ اليَدُ عن (٢٩) غيرِ ملكٍ، فكانت بَيِّنةُ المِلْكِ أوْلَى. فإنْ شَهدتْ بَيِّنَةٌ بأنَّها مِلْكُه منذ سنَتيْن، فقد تعَارَضَ تَرْجِيحَان، تَقدُّمُ التَّارِيخِ من جِهَةِ (٣٠) بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وكَوْنُ الأُخرَى بَيِّنَةَ الخَارِجِ، ففيه رِوَايَتان؛ إحدَاهما، تُقدَّمُ بَيِّنةُ الخَارِجِ. وهو قَوْلُ أبى يوسف، ومحمدٍ، وأبى ثَوْرٍ. ويَقْتَضِيه عُمومُ كَلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لقَوْلِه ﷺ : "الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى"، ولأنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يجُوزُ أَنْ يكون مُسْتَنَدُها اليَدَ، فلا تُفِيدُ أكثرَ ممَّا تُفِيدُه اليَدُ، فأشْبَهتِ الصُّورَةَ التى قَبْلَها. والثَّانية، تُقدَّم بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ. وهو قَوْلُ أبى حَنِيفة، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها تضَمَّنَتْ زِيادَةً. فإنْ كانتْ بالعَكْسِ، فشَهِدتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ أنَّه يملِكها منْذُ سَنَةٍ، وشَهِدتْ بَيِّنَةُ الخَارِجِ أنَّه يَمْلِكها مُنذ سَنَتَيْن، قُدِّمت بَيِّنَةُ الخَارِجِ، إلا على الرِّوَايَةِ التى تُقَدَّمُ فيها بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ، فيُخَرَّجُ فيها وَجْهان؛ بِناءً على الرِّوَايَتَيْن فى التى قبلَها. وظَاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِىِّ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ على كُلِّ حَالٍ. وقال بعضُهم: فيها قوْلان. وإن ادَّعَى الخَارِجُ أنَّها مِلْكُه منذُ سَنَةٍ، وادَّعَى الدَّاخِلُ أنَّه اشْتَرَاها منه منذُ سَنَتَيْن، وأقام كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً، قُدِّمتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ. ذكَرَه القاضى. وهو قوْلُ أبى ثَوْرٍ. فإن اتَّفَقَ تاريخُ البَيِّنَتَيْن (٣١)، إِلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ

стр. 7632

الدَّاخِلِ تشْهَدُ بنِتَاجٍ، أو بشراءٍ، أو غَنِيمةٍ، أو إرْثٍ، أو هِبَةٍ من مالكٍ، أو قَطِيعَةٍ من الإِمَامِ، أو سَببٍ (٣٢) من أسْبَابِ المِلْكِ، ففى أيِّهما تُقَدَّمُ؟ رِوَايتان، ذكَرْنَاهُما. وإن ادَّعَى أحَدُهما أنَّه اشْتَراها من الآخَرِ، قُضِىَ له بها؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الابْتِياعِ شَهِدَتْ بأمْرٍ حادِثٍ، خَفِىَ على الْبَيِّنَةِ الأُخْرَى، فَقُدِّمَتْ عليها، كتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الجَرْحِ على بَيِّنَةِ (٣٣) التَّعْدِيلِ. ١٩٣٦ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ كَانَتِ الدَّابَّةُ فِى أَيْديهمَا، فَأَقَامَ أحَدُهُما البَيِّنَةَ أنَّهَا لَهُ، وَأقَامَ الآخرُ الْبَيِّنَةَ أنَّهَا لَهُ، نُتِجَتْ فِى مِلْكِه، سَقَطَتِ الْبَيِّنَتَانِ، وَكَانَا كَمَنْ لا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَكَانَتِ اليَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِى النِّصْفِ المَحْكُومِ لَهُ بِهِ) وجملتُه أنَّه إِذَا تَنازَعَ رجلانِ فى عَيْنٍ فى أيْدِيِهما، فادَّعَى كُلُّ واحِدٍ منهما أنَّها مِلْكُه دُونَ صَاحِبِه، ولم تكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، حلَفَ كُلُّ واحِدٍ منهما لصَاحِبِه، وجُعِلَتْ بينهما نِصْفَيْن. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا؛ لأنَّ يَدَ كلِّ واحِدٍ منهما على نِصْفِها، والقَوْلُ قولُ صَاحِبِ اليَدِ مع يَمِينِه. وإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا عن اليَمِينِ، فهى بينهما أيضًا؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَسْتَحِقُّ ما فى يَد الآخَرِ بنُكُولِه. وإِنْ نَكَلَ أحَدُهما، وحلَف الآخَرُ، قُضِىَ له بجَمِيعِها؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ ما فى يَده بيَمِينِه، وما فى يَدِ صاحبه، إمَّا بنُكُولِه، وإمَّا بيَمِينِه التى رُدَّتْ عليه عندَ نُكُولِ صَاحِبِه. وإِنْ كانَتْ لأَحَدِهما بَيِّنَةٌ دُونَ الآخَرِ، حُكِمَ له بها. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. وإِنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً، وتَسَاوتَا، تعارَضَتِ البيِّنَتَانِ، وقُسِمَتِ العَيْنُ بينَهما نِصْفيْن. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ؛ لما رَوَى أبو موسى، رَضِىَ اللَّه عنه، أَنَّ رَجُلَيْن اخْتَصَما إلى رسولِ اللَّه ﷺ فى بعيرٍ، [فأقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما شَاهِدَيْن، فقَضَى رسولُ اللَّه ﷺ ] (١) بالبَعيرِ بينهما نِصْفَيْن، رَوَاه أبو دَاود (٢). ولأنَّ كُلَّ

стр. 7633

واحِدٍ منهما دَاخِلٌ فى نِصْفِ العَيْنِ، خَارِجٌ عن (٣) نِصْفِها، فتُقدَّمُ بَيِّنَةُ كلِّ وَاحِدٍ منهما فيما فى يَده عندَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، وفيما فى يَد صَاحِبِه عندَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةِ الخَارِجِ، فيسْتَوِيان على كُلِّ وَاحِدٍ من القَولَيْن. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب فيها، رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّه يُقْرَعُ بينهما، فمَنْ خرَجَتْ قُرْعَتُه (٤)، حلفَ أنَّها له (٥)، لا حَقَّ للآخَرِ فيها، وكانتِ العَيْنُ (٦) له، كما لو كَانتْ فى يَد غيْرِهما. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ للخَبرِ والمَعْنَى. واخْتلَفَتِ الرِّوَايةِ، هل يحْلِفُ كُلُّ واحِدٍ منهما على النِّصْفِ المَحْكُوم له به، أو يكونُ له من غيرِ يَمين؟ فرُوِىَ أنَّه يَحْلِفُ، وهذا (٧) الذى (٥) ذَكَرَ (٨) الْخِرَقِىُّ؛ لأنَّ البَيِّنَتَيْنِ لمَّا لم تَعَارَضَتَا من غيرِ ترْجِيحٍ، وجَبَ إسْقَاطُهما (٩)، كالخَبَرَيْن إذا تَعَارَضَا وتَسَاوَيا، وإذا سَقَطَا صارَ المُخْتَلِفَان كمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما، ويحْلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما على النِّصْفِ المَحْكُومِ له به. وهذا أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ؛ بِناءً على أَنَّ اليَمِينَ تَجِبُ على الدَّاخِلِ مع بَيِّنَتِه، وكُلُّ واحِدٍ منهما دَاخِلٌ فى نِصْفِها، فيُحْكَمُ له به ببيِّنَتِه، ويحْلِفُ معها، فى أحَدِ القَوليْن. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، أَنَّ العيْنَ تُقْسَمُ بينَهما من غيرِ يَمِينٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبى حنيفة، وأحدُ قَوْلَى الشَّافِعِىّ. وهو أصَحُّ، للخَبَرِ والمَعْنَى الذى ذَكَرْناه. ولا يَصِحُّ قياسُ هَاتَيْن البَيِّنَتَيْن على الخَبَرَيْن المُتَسَاوِيَيْن؛ لأنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ رَاجِحَةٌ فى نِصْفِ العَيْن، على كُلِّ وَاحِدٍ من القَوْلَيْن. وقد ذَكَرْنا أَنَّ البَيِّنَةَ الرَّاجِحَةَ يُحْكَمُ بها من غيرِ حَاجَةٍ إلى يَمِينٍ. فأمَّا إِنْ شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْن بأنَّ العَيْنَ لهذا، وشَهِدَتِ الأُخْرَى بأنَّها (١٠) لهذا الآخَرِ، نُتِجَتْ فى مِلْكِه، فقد ذَكَرْنَا فى التَّرْجِيحِ بهذا رِوَايَتَيْن؛ إحْداهما، لا تَرْجُحُ به (١١). وهو اخْتِيارُ الْخِرَقِىِّ؛

стр. 7634

لأنَّهُما تَسَاوَيا فيما يَرْجِع إلى المُخْتلَفِ فيه، وهو مِلْكُ العَيْنِ الآن، فوجَبَ تَساوِيهما فى الحُكْمِ. والثَّانية، تُقَدَّمُ بيِّنَةُ النِّتاجِ وما فى مَعْنَاه. وهو مَذهبُ أبى حَنِيفة؛ لأنَّها تتضَمَّنُ زِيادَة علْمٍ، وهو معْرِفةُ السَّبَبِ، والأُخْرَى خَفِىَ عليها ذلك، فيَحْتَمِلُ أَنْ تكونَ شهادَتُهما مُسْتَنِدَةً إِلى مُجَرَّدِ اليَدِ والتَّصَرُّفِ، فتُقَدَّمُ الأولَى عليها، كتَقْديمِ (١٢) بَيِّنَةِ الجَرْحِ على التَّعْدِيلِ. وهذا قَوْلُ القاضى فيما إذا كانَتِ العَيْنُ فى يَدِ غيرِهما. فصل: فإنْ شهِدَتْ (١٣) إحدَاهما أنَّها له منذُ سَنَةٍ، وشَهِدَتِ الأُخْرَى أنَّها له منذُ سَنَتَيْن، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ التَّسْوِيةُ بينهما، وهو أحَدُ قوْلَى الشَّافِعِىِّ. وقال القاضى: قِياسُ المذهبِ تَقْديمُ أقْدَمِهما تارِيخًا. وهو قَوْلُ أبى حنيفة، والقَوْلُ الثَّانِى للشَّافِعِىِّ، لأنَّ المُتَقَدِّمة التاريخ، أثْبَتَتِ المِلْكَ له فى وَقْتٍ لم تُعارِضْه فيه (١٤) البيِّنَةُ الأُخْرَى، فيثْبُتُ المِلْكُ فيه، ولهذا له المُطالَبةُ بالنَّماءِ فى ذلك الزَّمانِ، وتعارَضَتِ الْبَيِّنَتَان فى المِلْكِ فى الحالِ، فسَقَطَتَا، وبَقِىَ مِلْكُ السَّابقِ تجِبُ اسْتِدَامَتُه، وأنْ لا يثْبُتَ لغيرِه مِلْكٌ، إِلَّا من جِهَتِه. وَوْجُه قَوْلِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّ الشَّاهِدَ بالمِلْكِ الحادِثِ أحَقُّ بالتَّرجِيحِ؛ لجوازِ أَنْ يَعْلَمَ به (١٤) دُونَ الأوَّلِ، ولهذا لو ذَكَرَ أنَّه اشْتَراه من الآخَرِ، أو وَهَبَه له، لَقُدِّمت بَيِّنَتُه اتِّفَاقًا، فإذا لم ترَجَّحْ بهذا، فلا أقَلَّ من التَّسَاوِى. وقولُهم: إنَّه يثْبُتُ المِلْكُ فى الزَّمَنِ الماضِى من غيرِ مُعارَضَةٍ. قُلْنا: إنَّما يثْبُتُ تَبَعًا لثُبُوتِه فى الحَالِ، ولو انْفَرَدَ بأن يَدَّعِىَ المِلْكَ فى الماضِى، لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ ولا بَيِّنَتُه، فإنْ وُقِّتَتْ إحْدَاهُما وأُطْلِقَتِ الأُخْرَى، فهما سَوَاءٌ. ذَكَره القاضِى. وقال أبو الخَطَّاب: يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْكَمَ به لمنْ لم يُوَقِّتْ. وهو قَوْلُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ. ولَنا، أنَّه ليس فى إحْدَاهما ما يَقْتَضِى التَّرْجِيحَ من تَقَدُّمِ المِلْكِ ولا غيرِه، فوَجَبَ اسْتِواؤُهما، كما لو أُطْلِقَتا، أو اسْتَوى تَارِيخُهما. فصل: ولا تَرْجُحُ إحْدَى البَيِّنَتَيْنِ بكَثْرَةِ العَدَدِ، ولا اشْتهارِ العَدالةِ. وبهذا قال أبو

стр. 7635

حنيفة، والشَّافِعِىُّ. ويتخَرَّجُ أَنْ تَرْجُحَ بذلك، مَأْخُوذًا من قَوْلِ الْخِرَقِىِّ: ويَتَّبِعُ الأعْمَى أوْثَقَهُما فى نَفْسِه. وهذا قَوْلُ مَالِك؛ لأنَّ أحدَ الخَبَرَيْن يَرْجُحُ بذلك، فكذلك الشَّهادَةُ، لأنَّها خبرٌ، ولأنَّ الشَّهادَةَ إنَّما اعْتُبِرَتْ لغَلَبَةِ الظَّنِّ بالمَشْهُودِ به، وإذا كَثُرَ العَدَدُ أو قَوَيتِ العدالةُ، كان الظَّنُّ (١٥) به أقْوَى. وقال الأَوْزَاعِىُّ: يُقْسَمُ على عَدَدِ الشُّهُودِ، فإذا شهد لأحدِهما (١٦) شاهِدَان، وللآخَرِ (١٧) أرْبَعةٌ، قُسِمَتِ العَيْنُ بينهما أثْلاثًا؛ لأنَّ الشَّهَادَة سَبَبُ الاسْتِحْقَاقِ، فيُوزَّعُ الحَقُّ عليها. ولَنا، أَنَّ الشَّهادَةَ مقدَّرَةً، بالشَّرْعِ، فلا تخْتَلِفُ بالزِّيَادَة، كالدِّيَّةِ، وتُخالِفُ الخبرَ، فإنَّه مُجْتَهَدٌ فى قبولِ خبرِ الواحِدِ دون العَدَدِ، فرجَحَ بالزِّيَادَةِ. والشَّهادةُ يُتَّفَقُ فيها على خَبرِ الاثْنَيْن، فصارَ الحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بهما (١٨) دون اعْتِبارِ الظَّنِّ، ألَا تَرى أنَّه لو شَهدَ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ، لا تُقْبَلُ شهادتُهُنَّ، وإِنْ كَثُرْنَ حتى صارَ الظَّنُّ بشهادَتِهِنَّ أغْلبَ من شهادةِ الذَّكَرَيْن. وعلى هذا لا تَرْجُحُ شهادةُ الرجلَيْن على شهادةِ الرَّجُلِ والمَرْأَتَيْن فى المالِ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ من البَيِّنَتَيْن حُجَّةٌ فى المَالِ، فإذا اجْتمَعَتا تَعارَضَتا، فأمَّا إِنْ كان لأحدِهما شاهِدَان وللآخَرِ شَاهِدٌ، فبذَلَ يَمِينَه معه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يتَعارضان؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما حُجَّةٌ بمُفْرَدِه، فأشْبَها الرجلَيْنِ مع الرجلِ والمَرْأتين. والثَّانى، يُقَدَّمُ الشَّاهِدَان؛ لأنَّهما حُجَّةٌ متَّفَقٌ عليها، والشَّاهِدُ واليَمِينُ مُخْتلَفٌ فيها (١٩)، ولأنَّ اليَمينَ قوْلُه لنفْسِه، والْبَيِّنَةَ الكامِلَةَ شهادةُ الأجْنَبِيَّيْن، فيجبُ تَقْدِيمُها، كتقدِيمها على يَمِينِ المُنْكِرِ، وهذا الوَجْهُ أصَحُّ، إِنْ شاءَ اللَّه. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَان، كالوَجْهَيْن. فصل: وإذا كان فى أيْدِيهِما دَارٌ، فادَّعَاها أحَدُهما كُلَّها، وادَّعَى الآخَرُ نِصْفَها، ولا بَيِّنَةَ لهما، فهى بينَهما نِصْفَيْن. نَصَّ عليه أحمدُ. وعلى مُدَّعِى النِّصْفِ اليَمِينُ لصَاحِبِه، ولا يَمِينَ عَلى الآخَرِ؛ لأنَّ النِّصْفَ المَحْكُومَ له به لا مُنازِعَ له فيه. ولا أعْلمُ (٢٠) فى هذا

стр. 7636

خِلافًا. إِلَّا أنَّه حُكِىَ عن ابن شُبْرُمَةَ، أَنَّ لِمُدَّعِى (٢١) الكُلِّ ثلاثةَ أرْبَاعِها؛ لأنَّ النِّصْفَ له لا يُنازَعُ (٢٢) فيه، والنِّصْفُ الآخَرَ يُقْسَمُ بينهما على حَسَبِ دَعْوَاهما فيه. ولَنا، أَنَّ يَدَ مُدَّعِى النِّصْفِ على ما يَدَّعِيه، فكان القَوْلُ قوْلَه فيه مع يَمِينِه، كسَائرِ الدَّعَاوى. فإنْ كان لكلِّ وَاحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ بما يَدَّعِيه، فقد تَعارضتْ بَيِّنَتاهما [فى النِّصْفِ، فيكونُ النِّصْفُ] (٢٣) لِمُدَّعِى الكُلِّ، والنَصْفُ الآخَرُ يَنْبَنِى على الخلاف فى أىِّ البَيِّنَتَين تُقَدَّمُ، وظَاهِرُ المذهبِ تَقْدِيمُ بَيِّنةِ المُدَّعِى، فتكونُ الدَّار كُلُّها لِمُدَّعِى الكُلِّ. وهو قَوْلُ أبى حنيفة، وصَاحِبَيْه. فإنْ كانَتِ الدَّارُ فى يَدِ ثالثٍ لا يَدَّعِيها، فالنِّصْفُ لصاحِبِ الكُلِّ، لا مُنازِعَ له فيه، ويُقْرَعُ بينهما فى النِّصْفِ الآخَرِ، فمَنْ خرجتْ له القُرْعَةُ، حلَفَ، وكان له. وإِنْ كان لكُلِّ وَاحِد بَيِّنَةٌ، تعارَضتا وسَقَطَتا، وصارا كمَن لا بَيِّنةَ لهما. وإِنْ قلْنا: تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنتَان. أُقْرِعَ بينهما، وقُدِّمَ مَنْ تقَعُ له القُرْعةُ، فى أحدِ الوَجْهَين. والثانى، يُقْسَمُ النِّصْفُ [المُخْتَلَفُ فيه] (٢٤) بينَهما، فيصِيرُ لِمُدَّعِى الكُلِّ ثلاثةُ أرْبَاعِها. فصل: فإنْ كانت دارٌ (٢٥) فى يَد ثلاثةٍ، ادَّعَى أحدُهم (٢٦) نِصْفَها، وادَّعَى الآخَرُ ثُلثَها، وادَّعَى الآخَرُ سُدسَها، فهذا اتِّفَاقٌ منهم على كَيْفِيَّة مِلْكِهم، وليس ههُنا اخْتِلافٌ ولا تَجَاحُدٌ، فإِنَّ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ منهم أَنَّ بَاقِىَ الدَّارِ وَدِيعَةٌ، أو عَارِيَّة معى، وكانت لِكُلِّ وَاحِدٍ منهم بما ادَّعَاه من المِلْكِ بَيِّنَةٌ، قُضِىَ له به؛ لأنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ له بما ادَّعَاه، ولا مُعارِضَ لها، وإِنْ لم تَكُنْ لوَاحِد منهم (٢٧) بَيِّنَةٌ، حلفَ كُلُّ واحِدٍ منهم، وأُقِرَّ فى يدِه ثُلثُها. فصل: فإن ادَّعَى أحدُهم جَمِيعَها، والآخَرُ (٢٨) نِصْفَها، والآخَرُ ثُلثَها.، فإنْ لم تَكُنْ

стр. 7637

لوَاحِدٍ منهم بَيِّنَةٌ، قُسِمَتْ بينهم أثْلَاثًا، وعلى كُلِّ واحدٍ منهم اليَمِينُ على ما حُكِمَ له به؛ لأنَّ يَدَ كلِّ واحدٍ منهم على ثُلثِها. وإِنْ كانت لأحَدِهم بَيِّنَةٌ، نظَرْتَ، فإنْ كانتْ لِمُدَّعِى الجَمِيع، فهى له، وإِنْ كانت لِمُدَّعِى النِّصْفِ، أخذَه، والبَاقِى بينَ الآخَرَيْن نِصْفَيْن، لِمُدَّعِى الكلِّ السُّدسُ بغيرِ يَمِينٍ، ويَحْلِفُ على نِصْفِ السُّدسِ، ويحْلِفُ الآخَرُ على الرُّبعِ الذى يأخُذُه (٢٩) جميعُه. فإنْ كانتِ الْبَيِّنَةُ لِمُدَّعِى الثُّلثِ، أخذَه، والبَاقِى بين الآخَرَين، لِمُدَّعِى الكلِّ السُّدسُ بغيْر يَمِينٍ، [ويَحْلف على السُّدس الآخَرِ] (٣٠)، ويخْلِفُ (٣١) الآخَرُ على جَمِيعِ ما يأخُذُه. وإِنْ كانتْ لكلِّ واحدٍ بما يَدَّعِيه بَيِّنَةٌ، فإنْ قُلْنَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ صاحِبِ اليَدِ. قُسِمَتْ بينهم أثْلاثًا؛ لأنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ منهم على الثُّلثِ. وإِنْ قُلْنَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الخَارِجِ. فيَنْبَغِى أَنَّ تَسْقُطَ بيَنةُ صاحِبِ الثُّلثِ؛ لأنَّها دَاخِلَةٌ، ولِمُدَّعِى النِّصْفِ السُّدسُ؛ لأنَّ بَيِّنتَهُ خارِجةٌ فيه، ولِمُدَّعِى الكلِّ خَمْسَةُ أسْداسٍ؛ لأنَّ له السُّدسَ بغيرِ بَيِّنَةٍ، لكَوْنِه لا مُنازِعَ له فيه، فإِنَّ أحدًا لا يَدَّعِيه، وله الثُّلثان؛ لكَوْن بَيِّنَتِهِ خارِجَةً عنهما (٣٢). وقيل: بل لِمُدَّعِى الثُّلثِ السُّدسُ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ مُدَّعِى الكلِّ ومُدَّعِى النِّصْفِ تَعَارَضَتَا فَيه، فتَسَاقَطَا، وبَقِىَ لمَنْ هو فى يَده، ولا شىءَ لِمُدَّعِى النِّصْفِ؛ لعَدَمِ ذلك فيه، وسَواءٌ كان لِمُدَّعِى الثُّلثِ بَيِّنَةٌ، أو لم تَكنْ. وإِنْ كانتِ العَيْنُ فى يَدِ غيرِهم، واعْتَرَفَ أنَّه لا يَمْلِكها، ولا بَيِّنَةَ لهم، فالنِّصْفُ لِمُدَّعِى الكُلِّ؛ لأنَّه ليس منهم مَنْ يَدَّعِيه، ويُقْرَعُ بينهم فى النِّصْفِ البَافِى، فإنْ خَرَجَتِ القُرْعةُ لصاحِبِ الكُلِّ، أو لِصَاحِبِ النِّصْفِ، حلَفَ وأخَذَه، وإِنْ خَرَجَتْ لصَاحِبِ الثُّلُثِ، حلَفَ وأخَذَ الثلُثَ، ثم يُقْرَعُ بين الآخَرَين فى السُّدسِ، فمَنْ قَرَعَ صَا حبَه، حَلَفَ وأخَذَه. وإِنْ أقام كُلُّ وَاحِدٍ منهم بَيِّنَةً بما ادَّعَاه، فالنِّصْفُ لِمدَّعِى الكُلِّ؛ لما ذَكَرْنا، والسُّدسُ الزَّائِدُ، يتَنَازَعَه مُدَّعِى الكُلِّ ومُدَّعِى النِّصْفِ، والثُّلثُ يَدَّعِيه الثَّلاثةُ، وقد تَعارَضَتِ البَيِّنَاتُ فيه، فإنْ قُلْنا: تَسْقُطُ البَيِّنَاتُ. أقْرَعْنَا بيْن المُتَنَازِعين فيما تنازَعُوا فيه، فمَنْ قرَعَ صاحِبَه، حَلَفَ وأخَذَه، ويكونُ الحُكْمُ فيه كما لو لم تَكُنْ لهم بَيِّنَةٌ. وهذا قَوْل أبى عُبَيْد، وقَوْلُ الشَّافِعِىِّ إذْ

стр. 7638

كان بالعِراقِ. وعلى الرِّوَايَة التى تقولُ: إذا تَعارَضَتِ البَيِّنَاتُ، قُسِمَتِ العَيْنُ بين المُتَدَاعِين. فلِمُدَّعِى الكُلِّ النِّصْفُ ونِصْفُ السُّدسِ الزَّائِدِ عن الثُّلثِ وثُلثُ الثُّلثِ، ولمُدَّعِى النِّصْف نِصْفُ السُّدسِ وثُلثُ الثُّلثِ، ولمُدَّعِى الثُّلثِ ثُلثُه وهو التُّسْعُ، فتُخَرَّجُ المَسْأَلة من سِتَّةٍ وثَلَاثِين سَهْمًا؛ لِمُدَّعِى الكُلّ النِّصْفُ ثَمَانِيةَ عشرَ سَهْمًا (٣٣)، ونِصْفُ السُّدسِ ثلاثةٌ، والتُّسْعُ أرْبَعةٌ، فذلك خَمْسَةٌ وعِشْرُون سَهْمًا، ولصَاحِبِ النِّصْفِ سَبْعَةٌ، ولِمُدَّعِى الثُّلث أربعةٌ وهو التُّسْعُ. وهذا قِياسُ قَوْلِ قَتادةَ، والحَارِثِ العُكْلِىِّ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وحَمَّادٍ، وأبى حنيفة. وهو قَوْلٌ للشَّافِعِىِّ. وقال أبو ثَوْر: يأْخُذُ مُدَّعِى الكُلِّ النِّصْفَ، ويُوقَفُ الباقِى حتى يَتَبَيَّن. ويُرْوَى هذا عن مَالِكٍ. وهو قَوْلٌ للشَّافِعِىِّ. وقال ابن أبى ليلى، وقَوْمٌ من أهْلِ العراقِ: تُقْسَمُ العَيْنُ بينهم على حَسَبِ عَوْلِ الفَرَائِضِ، لصاحِبِ الكُلِّ سِتَّةٌ، ولصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثة، ولصاحِب الثُّلثِ سَهْمَان، فتَصِحُّ من أحدَ عشرَ سَهْمًا. وسُئِلَ سَهْل بن عبد اللَّه بنِ أبى أُويسٍ (٣٤) عن ثلاثةٍ ادَّعَوا كِيسًا رهو بأيْديهِم، ولا بَيِّنَةَ لهم، وحَلَفَ كُلُّ واحِدٍ منهم على ما ادَّعَاه؛ ادَّعَى أحدُهم جَمِيعَه، وادَّعَى آخَرُ ثُلثَيْه، وادَّعَى آخَرُ نِصْفه؟ فأجَابَ فيها (٣٥) بشِعْرٍ (٣٦): نظرتُ أبا يَعْقوبَ فى الحِسَب التى ... طَرَتْ فأقامَتْ منهمُ كُلَّ قاعِدِ فلِلْمُدَّعِى الثُّلْثَيْن ثُلْثٌ ولِلَّذى ... اسْتَلَاطَ جَمِيعَ المَالِ عند التَّحَاشُدِ من المَالِ نِصْفٌ غَيْرَ ما سَيَنُوبُهُ ... وحِصَّتُه من نِصْفِ ذا المالِ زائِدِ ولِلْمُدَّعِى نِصْفًا من المالِ رُبْعُه ... ويُؤْخَذُ نِصْفُ السُّدْسِ من كُلِّ وَاحِدِ وهذا قوْلُ مَنْ قَسَمَ المالَ بينهم على حسَب العَوْلِ، فكَأنَّ المسْأَلَة عالَتْ [من سِتَّةٍ] (٣٧) إلى ثَلاثةَ عَشَرَ؛ وذلك أنَّه أخَذَ مَخارِجَ (٣٨) الكُسُورِ، وهى سِتَّةٌ، فجعلها لِمُدَّعِى الكُلِّ، وثُلثاها أرْبَعةٌ لِمُدَّعِى الثُّلثيْن، ونِصْفُها ثلاثةٌ، لِمُدَّعِى النِّصْفِ، صارتْ ثَلاثةَ عَشرَ.

стр. 7639

فصل: فإِنْ كانَتِ الدَّارُ فى أيْدِى (٣٩) أربعةٍ، فادَّعَى أحدُهم جمِيعَها، والثَّانِى ثُلثَيْها، والثَّالِثُ نِصْفَها، والرَّابعُ ثُلْثَها، ولا بَيِّنَةَ لهم، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ وله رُبْعُها؛ لأنَّه (٤٠) فى يَدِه، والقَوْلُ قَوْلُ صاحِب اليَدِ مع يَمِينه. وإِنْ أقامَ كُلُّ وَاحِدٍ منهم بما ادَّعاهُ بَيِّنَةً، قُسِمتْ بينهمِ أرْباعًا أيضًا؛ لأَنَّنا إِنْ قُلْنَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ. فكُلُّ وَاحِدٍ منهم دَاخِلٌ فى رُبْعِها، فتُقدَّم بَيِّنَتُه فيه. وإِنْ قُلْنَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الخَارِجِ. فإِنَّ الرَّجُلَيْن إذا ادَّعَيا عَيْنًا فى يَد غيرِهما، فأنْكَرَهما، وأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْوَاهُ، تعَارَضَتَا، وأُقِرَّ الشىءُ فى يَدِ مَنْ هو فى يَدِه. وإِنْ كانَتِ الدَّارُ فى يَدِ خامسٍ لا يدَّعِيها، ولا بَيِّنةَ لواحِدٍ منهم بما ادَّعاهُ، فالثُّلثُ لِمُدَّعِى الكُلِّ؛ لأنَّ أحَدًا لا يُنازِعُه فيه، ويُقْرَعُ بينهم فى الباقِى، فإنْ خَرَجَتِ القُرْعَةُ لصاحِبِ الكُلِّ، أو لِمُدَّعِى الثُّلثَيْن، أخَذَه، وإِنْ وَقَعَتْ لِمُدَّعِى النِّصْفِ، أخَذَه، وأُقْرِعَ بينَ الباقِين فى الباقِى، وإن وَقَعَتْ لصاحِبِ الثُّلث، أخَذَه، وأُقْرِعَ بين الثَّلَاثَة فى الثُّلثِ الباقى. وهذا قَوْلُ أبى عُبَيْد، والشَّافِعِىِّ إذ كان بالعراقِ، إِلَّا أنَّهم عَبَّرُوا عنه بعبارَةٍ أُخْرَى، فقالوا: لِمُدَّعِى الكُلِّ الثُّلثُ، ويُقْرَع بينَه وبينَ مُدَّعِى الثُّلُثَيْن فى السُّدس الزَّائِدِ عن النِّصْفِ، ثم يُقْرَعُ بينهما وبينَ مُدَّعِى النِّصْف فى السُّدس الزَّائدِ عن الثُّلثِ، ثم يُقْرَعُ بين الأربعةِ فى الثُّلُثِ الباقِى، ويكونُ الإِقْرَاعُ فى ثلاثةِ مواضِعَ. وعلى الرِّوَايةِ الأُخْرَى، الثُّلثُ لِمُدَّعِى الكُلِّ، ويُقْسَمُ السُّدسُ الزَّائِدُ عن النِّصْفِ بيْنَه وبينَ مُدَّعى الثُّلثَيْن، ثم يُقْسَمُ السُّدسُ الزَّائِدُ عن الثُّلثِ بينهما وبينَ مُدَّعِى النِّصْفِ أثْلاثًا، ثم يُقْسَمُ الثُّلثُ البَاقِى بين الأَربعةِ أرْباعًا، وتَصِحُّ المَسْأَلَة من سِتَّةٍ وثلاِثين سَهْمًا، لصاحِبِ الكُلِّ ثُلثُها اثْنا عشرَ، ونِصْفُ السُّدسِ الزَّائِدِ عن (٤١) النِّصْفِ ثَلاثَةٌ، وثُلثُ السُّدسِ لزَّائِدِ عن الثُّلُثِ سَهْمَان، ورُبعُ الثُّلثِ الباقِى ثلاثةٌ، فيحْصُلُ له عشرون سَهْمًا، وهى خمسةُ أتساعِ الدَّارِ. ولِمُدَّعِى الثُّلثيْن ثَمانِيةُ أسْهُمٍ، تُسْعان وهى مثلُ ما لِمُدَّعِى الكلِّ بعد الثُّلثِ الذى انْفَرَد به، ولِمُدَّعِى النِّصْفِ خمسةُ أسْهُمٍ، تُسْعٌ ورُبْعُ تُسْعٍ، ولِمُدَّعِى الثُّلثِ ثلاثةٌ، نِصْفُ سُدسٍ (٤٢). وعلى قَوْلِ مَنْ قَسَمَها على العَوْلِ، هى من خمسةَ

стр. 7640

عشرَ، لصاحِبِ الكُلِّ سِتَّةٌ، ولصَاحِب الثُّلثَيْن أربعةٌ، [ولصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةٌ] (٤٣)، ولصاحِبِ الثُّلثِ سَهْمَان. وعلى قَوْلِ أَبى ثَوْرٍ، لصاحِبِ الكُلِّ الثُّلثُ، ويُوقَفُ البَاقِى [حتّى يتَبيَّنَ] (٤٤). ١٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ كَانَتِ الدَّابَّةُ فِى يَدِ غَيْرِهِمَا، وَاعْتَرَف أَنَّهُ لَا يَمْلِكهَا، وَأَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا لَا يَعْرِفُه عَيْنًا، قُرِعَ (١) بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ، وَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ) وجملتُه أَنَّ الرَّجُلَيْن إِذَا تَدَاعَيا عَيْنًا فى يَد غيْرِهما، ولا بَيِّنَةٌ لَهما، فأنْكَرَهما، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، بغيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه (٢). وإِنْ اعْتَرَفَ أنَّه لا يَمْلِكُها، وقال: لا أَعْرِفُ صَاحِبَها. أو قال: هى لأَحَدِكُما، لا أعْرِفُه عَيْنًا. قُرِعَ (٣) بينهما، فمَنْ قرَعَ صَاحِبَه، حَلَفَ أَنَّها له، وسُلِّمَتْ إليه؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَة، أَنَّ رَجُلَيْن تَدَاعَيا عَيْنًا، لم تكُنْ لوَاحِدٍ منهُما بَيِّنَةٌ، فأمَرَهُما النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَسْتَهِمَا على اليَمِين، أحَبَّا أم كَرِهَا. رَوَاه أبو دَاود (٤). ولأنَّهما تَسَاوَيا فى الدَّعْوَى، ولا بَيِّنَةَ لوَاحِدٍ منهما ولا يدٌ، والقُرْعةُ تُمَيِّزُ عنَد التَّسَاوِى، كما لو أعَتْقَ عَبِيدًا لا مالَ له غيرُهم، فى مَرَضِ مَوْتِه. وأمَّا إِنْ كانت لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له (٥) بها، بغيْر خِلافٍ نَعْلَمُه. وإِنْ كانَتْ لكُل وَاحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ، ففِيه رِوَايَتَان، ذكَرَهُما أبو الخَطَّاب؛ إحْدَاهما، تَسْقُطُ البَيِّنَتَان، ويَقْتَرِعُ المُدَّعِيَان على اليَمِينِ، كما لو لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ. وهذا الذى ذَكَرَه القاضى. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىُّ؛ لأنَّه

стр. 7641

ذَكَرَ القُرْعَة، ولم يُفَرِّقْ بين أَنَّ تكُونَ معهما بَيِّنَة أو لم تَكُنْ. ورُوِىَ هذا عن ابنِ عمرَ، وابنِ الزُّبَيْر (٦). وبه قال إسْحَاقُ، وأبو عُبَيْد. وهو رِوَايَةٌ عن مَالِك، وقديم قولِ الشَّافِعِىِّ. وذلك لما رَوَى ابنُ المُسَيَّب، أَنَّ رَجُلَيْن اخْتَصَمَا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فى أمْرٍ، وجَاءَ كُلُّ واحدٍ (٧) منهما بشُهُودٍ عُدُولٍ، على عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ، فأسْهَمَ النَّبِىُّ ﷺ بيْنَهُما. روَاه الشَّافِعِىِّ، فى "مُسْنَدِه" (٨). ولأنَّ البَيِّنتَيْن حُجَّتَانِ تَعَارَضَتَا، من غيْرِ تَرْجِيحٍ لإِحْدَاهما على الأُخرَى، فسَقَطَتَا، كالخَبَرَيْن. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تُسْتَعْمَلُ البيِّنَتان. وفى كَيْفِيَّة استعمالِهما رِوَايَتَان؛ إحْداهما، تُقْسَمُ العَيْنُ بينهما. وهو قَوْلُ الحارث العُكْلِىِّ، وقَتادةَ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وحمَّادٍ، وأبى حنيفة، وقَوْلٌ للشَّافِعِىِّ؛ لما رَوَى أبو موسى، أَنَّ رَجُلَيْن اخْتَصَمَا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فى بَعِيرٍ، وأقامَ كُلُّ وَاحِدٍ منْهُما الْبَيِّنَةَ أنَّه له؛ فقَضَى رَسولُ اللَّه ﷺ به بينهما نِصْفَيْن (٩). ولأنَّهما تَسَاوَيا فى دَعْوَاهُ، فيتَسَاوَيَان فى قِسْمَتِه. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تُقَدَّمُ إحْداهما بالقُرْعَةِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وله قَوْلٌ رابعٌ، يُوقَفُ الأمْرُ حتى يتبيَّن. وهو قَوْلُ أبى ثَوْر؛ لأنَّه اشْتَبَهَ الأَمْرُ، فوَجَبَ التَّوَقُّف (١٠)، كالحَاكِمِ إذا لم يَتَّضِحْ له الحُكْمُ فى قَضِيَّتِه. ولَنا، الخَبَران، وأنَّ تَعَارُضَ الحُجَّتَيْن لا يُوجِبُ التَّوقُّف (١٠)، كالخَبَرْين، بل إذا تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ، أسْقَطاهُما، ورَجَعْنَا إلى دَلِيلٍ غيرِهما. إذا ثبتَ هذا، فإنَّنا إذا قُلْنَا: إِنَّ البَيِّنَتَيْن تسْقُطانِ. أُقْرِعَ بينهما، فَمَنْ خَرَجَتْ له القُرْعَةُ (١١)، حلَفَ، وأَخَذَها، كما لو لم تكُنْ لهما بَيِّنَةٌ. وإِنْ قُلْنَا: يُعْمَلُ بالبَيِّنَتَيْن، ويُقْرَعُ بينهما، فمَنْ خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، أَخَذَهَا من غيرِ يَمِينٍ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ (١٢)؛ لأنَّ البَيِّنَةَ تُغْنِى عن اليَمِينِ. وقال أبو الخَطَّاب: عليه اليَمِينُ مع البَيِّنَةِ،

стр. 7642

تَرْجِيحًا لها. وعلى هذا القَوْلِ تكونُ هذه الرِّوَايةُ كالأُولَى فى هذا الحُكْمِ، وإنَّما يَظْهَرُ الفَرْقُ (١٣) بيْنَهُما فى شىءٍ آخَرَ، سنذكُرُه، إِنْ شاءَ اللَّه تعالى. فصل: فإنْ أنْكَرَها مَن العَيْنُ فى يَده، وكانت لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها. وإِنْ أقامَ كُلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، فإنْ قُلْنا: تُسْتَعْمَلُ البَيِّنَتَان. أُخِذَتِ العَيْنُ مِن يَدِه، وقُسِمَتْ بينهما، على قَوْلِ منْ يرَى القِسْمَة، أو تُدْفعُ إلى منْ تَخْرُجُ له القُرْعَة، على قوْلِ من يَرى ذلك. وإن قُلْنا: تسْقُطُ البَيِّنَتان، حَلَفَ صاحِبُ اليَدِ، وأُقِرَّتْ فى يَده، كما لو لم تكُنْ لهما بَيِّنَةٌ. وإِنْ أقَرَّ بها بعدَ ذلك لهما، أو لأحَدِهما، قُبِلَ إقْرَارُه. وإِنْ أقرَّ بها فى الابتِدَاءِ لأحَدِهما، صارَ المُقَرُّ له صاحِبَ اليَدِ؛ لأنَّ مَنْ هى فى يَده مُقِرٌّ بأنَّ يدَه نائبَةٌ عن يَده. وإِنْ أقرَّ لهما جميعًا، فاليَدُ لكُلِّ واحِدٍ منهما، فى الجُزْءِ الذى أقَرَّ له به؛ لذلك. فصل: وإِنْ تَداعَيا عيْنًا فى يَد غيرِهما، فقال: هى لأحدِهما (١٤) لا أعْرِفُه عيْنًا. أو قال: لا أعْرِفُ صَاحِبَها، أهو أحدُكما أو غيرُكما. أو قال: أوْدَعَنِيها أَحدُكما. أو: رَجُلٌ (١٥) لا أعْرِفُه عيْنًا. فادَّعَى كُلُّ واحِدٍ منهما أنَّك تعْلَمُ أنِّى صَاحِبُها، أو أنِّى الذى أوْدَعْتُكَها، وطلبَ (١٦) يَمِينَه، لَزِمَه أَنْ يحْلفَ له؛ لأنَّه لو أقَرَّ له، لَزِمَه تَسْلِيمُها إليه، ومن لَزِمَه الحَقُّ مع الإِقرَارِ، لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الانْكارِ، ويحْلِفُ على ما ادعَّاه مِن (١٧) نَفْىِ العلمِ. وإِنْ صَدَّقاهُ، فلا يَمِينَ عليه. وإِنْ صَدَّقَه أحدُهما، حَلَفَ للآخَرِ. وإِنْ أقَرَّ بها لوَاحِدٍ منهما، أو غيرِهما، صارَ المُقَرُّ له صَاحِبَ الْيَدِ. فإنْ قال غيرُ المُقَرِّ له: احْلِفْ لى أَنَّ العَيْنَ ليستْ مِلْكِى، أو أنِّى لستُ الذى أوْدَعْتُكها. لَزِمَتْه (١٨) اليَمِينُ على ما ادَّعاهُ مِن ذلك؛ لِمَا ذكرْنا. وإِنْ نَكَلَ عن اليَمِينِ، قُضِىَ عليه بقِيمَتِها. وإِنْ اعتَرَفَ بها لهما،

стр. 7643

كان الحُكْمُ فيها كما لو كانت فى أيْديهما ابْتِدَاءً، وعليه اليَمِينُ لكُلِّ وَاحِدٍ منهما فى النِّصْفِ المحكُومِ به لصَاحِبِه، وعلى كُلِّ وَاحِدٍ منهما اليَمِينُ لصَاحِبِه (١٩) فى النِّصْفِ المحْكُومِ له به. فصل: وإذا كان فى يَد رَجُلٍ دَارٌ، فادَّعَاها نَفْسَان، قال أحدُهما: أجَرْتُكها. وقال الآخَرُ: هى دَارِى أعَرْتُكَها. أو قال: هى دَارِى وَرثْتُها من أبى. أو قال: هى دَارِى. ولم يذْكُرْ شيْئًا آخَرَ، فأنكَرهما صَاحِبُ اليَدِ، وقال: هى دَارِى. فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه. وإِنْ كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها. وإن أقام كُلُّ واحِدٍ منهما بما ادَّعاه بَيِّنَةً، تَعارَضتَا (٢٠)، وكان الحُكْمُ على ما ذكَرْنا فيما مَضَى، إِلَّا على الرِّوَاية التى تُقدَّم فيها البَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بالسَّبَبِ، فإِنَّ بَيِّنَةَ مَن ادَّعَى أنَّه وَرِثَها مُقَدَّمَةٌ؛ لشهادَتِها بالسَّبَبِ. وإِنْ أقَامَ أحدُهما بَيِّنَةً أنَّه [غَصَبَهُ إيَّاهَا] (٢١) منه، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه أقَرَّ له بها، فهى للمَغْصُوبِ منه، ولا تَعارُضَ بينهما؛ لأنَّ الجَمْعَ بينهما مُمْكِنٌ، بأنْ يكونَ غَصَبَها من هذا، وأقَرَّ بها لغيْرِه، وإقْرَارُ الغَاصِبِ باطِلٌ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. فتُدْفَعُ إلى المَغْصُوبِ منه، ولا يَغرَمُ للمُقَرِّ له شَيْئًا؛ لأنَّه ما حَالَ بينَه وبينَها، وإنَّما حَالَتِ البَيِّنَةُ بينهما. ولو أقَرَّ بها لأحَدِهما، وأقَرَّ (٢٢) أنَّه غَصبَها من غيرِه، لَزِمَه تَسْليمُها إلى مَن أقَرَّ له بها أوَّلًا، ولَزِمَه (٢٣) غَرَامتُها للآخَرِ؛ لأنَّه حَالَ بيَّنَه وبينها بإِقْرَارِه الأوَّلِ (٢٤). فصل: نقَل ابنُ منصورٍ، عن أحمدَ، فى رَجُلٍ أخذَ من رَجُلَيْن ثَوْبَيْن، أحدَهما بعشرةٍ والآخَرَ بعشْرِين، ثم لم يَدْرِ أيُّهما ثَوْبُ هذا من ثَوْبِ هذا، فادَّعَى أحدُهما ثوْبًا من هذَيْن الثَّوْبَيْن، يعنى وادَّعاه الآخرُ، يُقْرَعُ بينهما، فأيُّهما أصَابَتْه القُرْعَة حَلَفَ وكان الثَّوْبُ الجَيِّدُ له، والآخَرُ للآخَرِ. وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّهما تَنَازَعا عَيْنًا فى يَدِ غيْرِهما.

стр. 7644

فصل: إذا تَدَاعَيَا عَيْنًا، فقال كُلُّ واحِدٍ منهما: هذه العَيْنُ لى، اشْتَرَيْتُها من زيدٍ بمَائةٍ، ونَقَدْتُه إيَّاها. ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ منهما، فإنْ أَنْكَرَهما زيدٌ، حَلَفَ، وكانتِ العَيْنُ له. وإِنْ أقرَّ بها لأحَدِهما، سَلَّمَها إليه، وحَلَفَ للآخَرِ. وإن أقرَّ لكُلِّ واحِدٍ منهما بنِصْفِها، سُلِّمتْ إليهما، وحَلَفَ لكُلِّ (٢٥) واحدٍ منهما على نِصْفِها. وإِنْ قال: لا أعْلَمُ لمَنْ هى منكما. أُقْرِعَ بينَهما، فمنْ خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَفَ وأخذَها. وإِنْ حَلَفَ البائِعُ أنَّها له، ثم أقَرَّ بها لأحَدِهما، سُلِّمَتْ (٢٦) إليه، ثم إِنْ أقَرَّ بها للآخَرِ، لَزِمَه (٢٧) غَرَامَتُها له. وإِنْ أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بما ادَّعاه بَيِّنَةً، نظَرْنا؛ فإنْ كانت البَيِّنَتَان مُؤرَّختَيْن بتارِيخَيْن مُخْتَلِفَين، مثل أَنْ يدَّعِىَ أحدُهما أنَّه اشْتَراها فى المُحرَّمِ، وادَّعى الآخَرُ أنَّه اشْتَرَاها فى صَفَر، وشهدَتْ بينِّةُ كُلِّ واحِدٍ منهما للآخَرِ بدَعْواه، فهى للأوَّلِ؛ لأنَّه ثَبَتَ أنَّه باعَها للأوَّل، فزالَ مِلْكُه عنها، فيكونُ بَيْعُه فى صَفر باطِلًا، لكَوْنِه باعَ ما لا يَمْلِكُه، ويُطالَبُ برَدِّ الثَّمَنِ. وإِنْ كانتا مؤَرَّخَتيْن بتَاريخ واحِدٍ، أو مُطْلَقَتَيْن، أو إحداهُما مُطْلَقةٌ والأُخْرَى مُؤرَّخَةٌ، تَعارَضَتَا؛ لتِعذُّرِ الجَمْعِ، فيُنْظَرُ فى العَيْنِ، فإنْ كانتْ فى يَدِ أحَدِهما، انْبَنَى ذلك على الخِلافِ فى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخَارِجِ، فمنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، جَعَلها لمنْ هى فى يَده، ومنْ قَدَّم بَيِّنَةٌ الخَارِجِ، جَعَلها للخَارِجِ. وإِنْ كانتْ فى يدِ البَائِعِ، وقُلْنا: تسْقُطُ البيِّنتان. رُجِعَ إلى البَائِعِ، فإنْ أنْكَرَهما، حلفَ لهما، وكانتْ له، وإِنْ أقرَّ لأحَدِهما، سُلِّمَتْ إليه، وحَلَفَ للآخَرِ، وإِنْ أقَرَّ لهما، فهى بينهما، ويَحْلِفُ لكُلِّ واحِدٍ منهما على نِصْفِها، كما لو لم تكُنْ لهما بَيِّنَةٌ. وإِنْ قُلْنا: لا تسْقطُ البَيِّنَتَان. لم يُلْتَفَتْ إلى إنْكَارِه ولا اعْتِرَافه. وهذا قولُ القَاضِى، أكثرِ أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه قد ثَبَتَ زَوَالُ مِلْكِه، وأنَّ يدَهُ لا حُكْمَ لها، فلا حُكْم لِقَوْلِه، فمنْ قال: يُقْرَعُ بينهما. [أُقْرِعَ بينهما] (٢٨)، فمَنْ خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، فهى له مع يَمِينِه. وهذا قَوْلُ القَاضِى، لم يذكُرْ شيْئًا

стр. 7645

سِوَى هذا. ومنْ قال: تُقْسَمُ بينهما. قُسِمَتْ. وهذا ذكَرَه أبو الخَطَّاب. وقد نَصَّ عليه أحمد، فى رِوَاية الكَوْسَج، فى رَجُلٍ أقَامَ البَيِّنةَ أنَّه اشْتَرَى سِلْعَةً بمائةٍ، وأقَامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاها بمائتَيْن، فكُلُّ واحِدٍ منهما يَسْتَحِقُّ نِصْفَ (٢٩) السِّلْعَةِ بنِصْفِ الثَّمنِ، فيكُونان شَرِيكَيْن. وحملَ القَاضِى هذه الرِّوَايةَ، على أَنَّ العَيْنَ فى أيْديهِما، أو على أَنَّ البَائِعَ أقَرَّ لهما جميعًا. وإطْلاقُ الرِّوَايةَ يَدُلُّ على صِحَّة قَوْلِ أبى الخَطَّاب. فعلى هذا، إِنْ كانَ المَبِيعُ ممَّا لا يَدْخُلُ فى ضَمَانِ المُشْتَرِى إِلَّا بقَبْضِهِ، فلكُلِّ واحِدٍ منهما الخِيارُ؛ لأنَّ الصَّفْقَة تبعَّضَتْ عليه. فإنْ اخْتَارا الإِمْسَاكَ، رَجَعَ كلُّ واحدٍ منهما بنِصْفِ الثَّمنِ، وإِنْ اخْتَارَا الفَسْخَ رجعَ كلُّ واحدٍ منهما بجَمِيعِ الثمنِ، وإِنْ اخْتَار أحدُهما الفَسْخَ، توفَّرَتِ السِّلْعَة كُلُّها على الآخَرِ، إِلَّا أَنْ يكونَ الحاكمُ قد حكَمَ له بنِصْفِ السِّلْعةِ ونِصْفِ الثَّمنِ، فلا يَعُودُ النِّصْفُ الآخَرُ إليه. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ فى كُلِّ مَبِيعٍ. فصل: فإِنَّ ادَّعَى أحدُهما أنَّه اشْتَرَاها من زَيْدٍ بمائةٍ، وهى مِلْكُه، وادَّعَى الآخَرُ أنَّه اشْتَرَاها من عَمرو، وهى مِلْكُه، وأقامَ كُل واحِدٍ منهما (٣٠) بدَعْوَاهُ بَيِّنَةً، فهذه تُشْبِهُ التى قبْلَها فى المعْنَى، فإنْ كانتْ فى يَدِ أحدِ المُشْترِيَيْن، انْبَنَى ذلك على الرِّوَايتَيْن فى تقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخَارِج. وإِنْ كانت فى يَدَيْهِما (٣١)، قُسِمَتْ بينهما؛ لأنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ منهما دَاخِلَةٌ فى أحَدِ النِّصْفَيْن، خَارِجَةٌ فى النِّصْفِ الآخَرِ. وإِنْ كانتْ فى يَدِ أحَدِ البائِعَين، فأنْكرَهما، وادَّعاها لنَفْسِه. فإنْ قُلْنا: تسْقُطُ البَيِّنَتان. حلَفَ، وكانتْ له. وإِنْ أقَرَّ بها لأحَدِهما، صارَ الدَّاخِلَ، إِلَّا أَنْ يُقِرَّ له بعدَ أنْ يحْلِفَ أنَّها له. وإِنْ قُلْنا: يُقَدَّمُ أحَدُهما (٣٢) بالقُرْعَةِ. فهى لمنْ تخرُجُ له القُرْعَةُ مع يَمِينِه. وإِنْ قُلْنا: تُقْسَمُ بينَهما. قُسِمَتْ، ورَجَعَ كلُّ واحدٍ منهما بنِصْفِ ثَمنِها. وإِنْ كان المبيعُ ممَّا يدْخُلُ فى ضَمانِ المُشْتَرِى بنَفْس العَقْد، أو كان المُشْتَرِى مُقِرًّا بقَبْضِهِ، فلا خِيارَ لوَاحِدٍ منهما ولا رُجُوعَ

стр. 7646

بشَىءٍ من الثَّمَنِ؛ لاعْتِرافِه بسُقُوطِ الضَّمَان عن البَائِعِ، وإِنْ كان من المَكِيلِ والمَوْزُونِ، ولم يُقْبَضْ، فلِكُلِّ واحِدٍ منهما الخِيارُ فى الفَسْخِ والإِمْضَاءِ، فإنْ اخْتَارَ أحدُهما الفَسْخَ، لم يتوفَّرِ المَبِيعُ على الآخَرِ؛ لأنَّ البائِعَ اثنان، بخِلافِ التى قبلَها. فصل: ولو كان فى يدِ رَجُلٍ دارٌ، فادَّعى عليه رَجُلان، كلُّ واحِدٍ منهما يزْعُمُ أنَّه غصَبَها منه، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، فالحُكْمُ فى هذه كالحُكْمِ فيما إذا ادَّعًى كلُّ واحِدٍ منهما أنِّنى اشْتَرَيْتُها منه، على ما مَضَى من التَّفْصيلِ فيه. وإِنْ اتَّفَقَ تارِيخُهما، أَوْ كانَتا مُطْلَقَتَيْن، أو إحدَاهما، تَعارَضَتا، وإِنْ تقدَّم (٣٣) تاريخَ إحْدِاهُما، فهل تَرْجُحُ بذلك؟ على وَجْهَيْن. فأمَّا إِنْ شَهِدتِ البَيِّنَةُ أنَّه أقَرَّ بغَصْبِه (٣٤) من كُلِّ واحدٍ منهما، لَزِمَه دَفْعُه (٣٥) إلى الذى أقَرَّ له به (٣٦) أوَّلًا، ويَغْرَمُ قِيمَتَهُ (٣٧) للآخَرِ. فصل: فإِن ادَّعى كُلُّ واحِدٍ منهما أنَّك اشْتَرَيْتَها مِنى (٣٨) بألْفٍ، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، واتَّفَق تَاريخُهما، مثل أَنْ يقولَ [كلُّ واحِدٍ منهما] (٣٩): اشْتَرَاها منِّى مع الزَّوَالِ، يومَ كذا. ليومٍ واحدٍ، فهما مُتَعارِضَتَان. فإنْ قُلْنا: تسْقطان. رُجِعَ إلى قَوْلِ (٤٠) المُدَّعَى عليه، فإنْ أنْكَرهما، حلَفَ لهما، وبَرِئَ. وإِنْ أقرَّ لأحدِهما، فعليه له الثمنُ، ويحْلِفُ للآخَرِ. وإِنْ أقَرَّ لهما معًا (٤٠)، فعليه لكُلِّ واحدٍ منهما الثَّمَنُ (٤١)؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أَنْ يشْتَرِيَها من أحدِهما، ثم يَهَبَها للآخَرِ ويَشْتَرِيَها منه. وإِنْ قال: اشْتَرَيتُها منكما صَفْقَةً واحِدَةً بألفٍ. فقد أقَرَّ لكلِّ واحدٍ منهما بنِصْفِ الثَّمَنِ، وله أَنْ يُحَلِّفه على الباقِى. وإِنْ قُلْنا: يُقْرَع

стр. 7647

بينهما (٤٢). فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، وَجَبَ له الثَّمَنُ، ويَحْلِفُ للآخَرِ، ويَبْرأُ. وإِنْ قُلْنا: يُقْسَمُ (٤٣). قُسِمَ الثَّمُنُ بينهما، ويَحْلِفُ لكُلِّ وَاحِدٍ منهما على الباقِى. وإِنْ كانَ التَّارِيخَان مُخْتَلِفَيْن، أو كانَتا مُطْلَقَتَيْن، أو إحدَاهما مُطْلَقَةً، والأُخْرَى مُؤَرَّخَةً، ثبَت العَقْدان، ولَزِمَه الثَّمنان؛ لأنَّه يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَها من أحَدِهما ثم يَمْلِكَها الآخَرُ، فيَشْتَرِيَها منه، وإذا أمْكَن صِدْقُ البَيِّنَتَيْن والجَمْعُ بينهما، وَجَبَ تصْدِيقُهما. فإنْ قيل: فلم قُلْتُم إنَّه إذا كان البَائِعُ واحِدًا والمُشْتَرِى اثْنَيْن (٤٤)، فأقام أحدُهما بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاهُ (٤٥) فى المُحرَّمِ، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاهُ (٤٦) فى صَفَر، يكونُ الشِّرَاءُ (٤٧) الثَّانِى باطِلًا؟ قُلْنا: لأنَّه إذا ثبَتَ المِلْكُ للأوَّلِ، لم يُبْطِلُه بأنْ يَبِيعَه الثَّانِى ثانِيًا، وفى مَسْألِتنا ثُبوتُ شِرَائِه من كُلِّ واحِدٍ منهما يُبْطِلُ مِلْكَه؛ لأنَّه لا يجوزُ أَنْ يَشْتَرِىَ ثانِيًا مِلْكَ نَفْسِه، ويجوزُ أَنْ يَبِيعَ البَائِعُ ما ليس له (٤٨)، فافْتَرَقا. فإنْ قِيلَ: فإذا كانتِ البَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْن، أو إحْداهُما مُطْلَقةً، احْتَمَلَ أَنْ يكونَ تارِيخُهما وَاحِدًا، فيَتَعارَضَان، والأصْلُ بَراءةُ ذِمَّةِ المَشْهُودِ عليه، فلا تُشْغَلُ (٤٩) بالشَّكِّ. قُلْنا: إنَّه (٥٠) متى أمْكَنَ صِدْقُ البيِّنَتَيْن، وَجَبَ تصْدِيقُهما، ولم يكُنْ ثَمَّ شَكٌّ، وإنَّما يَبْقَى الوَهْمُ، والوَهْمُ لا تَبْطُلُ به الْبَيِّنةُ؛ لأنَّها لو بَطَلَتْ به، لم يثْبُتْ به (٥١) حَقٌّ أصْلًا؛ لأنَّه ما من بَيِّنَةٍ إِلَّا ويَحْتَمِلُ أَنْ تكونَ كاذِبَةً، أو غيرَ عَادِلَةٍ، أو مُتَّهمةً، أو مُعارَضَةً، ولم يُلْتفَتْ إلى هذا الوَهْمِ، كذا ههُنا. فصل: إذا ماتَ رَجُلٌ، فشَهِدَ رَجُلان أَنَّ هذا الغُلامَ ابنُ هذا المَيِّتِ، لا نعْلَمُ له وَارِثًا

стр. 7648

سِوَاهُ، وشهِدَ آخَران لآخَرَ أَنَّ هذا الغلامَ ابنُ هذا المَيِّتِ، لا نَعْلَمُ له وَارِثًا سِواهُ، فلا تعَارُضَ بينهما، وثَبَتَ (٥٢) نَسَبُ الغُلامَيْن منه، ويكونُ الإِرْثُ بينهما؛ لأنَّه يجوزُ أن تَعْلَمَ كلُّ بَيِّنَةٍ ما لم تَعْلَمْهُ الأُخْرَى. فصل: وإذا ادَّعَى رَجُلٌ عبدًا فى يَدِ آخَرَ أنَّه اشْتَراهُ منه، وادَّعَى العَبْدُ أَنَّ سَيِّدَه أعْتَقَه، ولا بَيِّنةَ لهما، فأنْكَرَهما، حَلَفَ لهما، والعبدُ له. وإِنْ أقَرَّ لأحَدِهما، ثبَت ما أقَرَّ له (٥٣) به (٥٤)، ويحلفُ للآخَرِ. وإِنْ أقامَ أحدُهما بَيِّنَةً بما ادَّعَاه، ثَبَتَ. وإِنْ أقامَ كُل واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْوَاهُ، وكانتا مُؤَرَّخَتَيْن بتَارِيخَيْن مُخْتَلِفَيْن، قَدَّمْنا الأُولَى (٥٥)، وبطَلَتِ الأُخْرَى، لأنَّه إِنْ سَبَقَ العِتْقُ، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ لأنَّ بَيْعَ الحُرِّ لا يَصِحُّ، وإِنْ سَبَقَ البَيْعُ، لم يصِحَّ العِتْقُ؛ لأنَّه أعتَقَ عبْدَ غيرِه. فإنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّه عادَ إلى مِلْكِه فأعْتَقه. قُلْنا: قد ثَبَتَ المِلْكُ للمُشْتَرِى، فلا يُبْطِلُه عِتْقُ البَائِعِ. وإِنْ كانتا مُؤَرَّخَتَيْن بتَارِيخٍ واحدٍ، أو مُطْلَقَتَيْن، أو إحْدَاهما مُطْلقةً، تَعارَضَتَا؛ لأنَّه لا تَرْجِيحَ لإِحْداهما على الأُخْرَى. فإنْ كان فى يَدِ المُشْتَرِى، انْبنَى ذلك على الخِلافِ فى تَقْدِيمِ بَيِّنةِ الدَّاخِلِ أو الخَارِجِ (٥٦)، فإنْ قَدَّمْنا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، فهو للمُشْتَرِى، وإن قَدَّمنا بَيِّنَةٌ الخَارِجِ، قُدَّم العِتْقُ؛ لأنَّه خَارِجٌ. وإِنْ كان فى يَدِ البَائِعِ، وقُلْنا: إِنَّ البيِّنَتَيْن تسْقُطَان بالتَّعارُضِ، صارَا كمَنْ لا بيِّنَةَ لهما، [ويرْجعُ إلى السَّيِّدِ] (٥٧)، فإنْ أنكَرَهما، حَلَفَ لهما، وإِنْ أقرَّ بالعِتْقِ، ثَبَتَ، ولم يَحْلفِ العَبْدُ؛ لأنَّه لو أقَرَّ بأنَّه ما أعْتقه، لم يَلْزَمْه شىءٌ، فلا فائِدَةَ فى إحْلَافِه، ويَحْلِف البائِعُ للمُشْتَرِى. وإِنْ أقَرَّ للمُشْتَرِى ثبتَ المِلْكُ له (٥٨)، ولم يحْلِفْ للعَبْدِ (٥٩)؛ لأنَّه لو أقَرَّ له أنَّه

стр. 7649

كان أعْتَقَه، لم يَلْزَمْه غُرْمٌ، فلا فائِدةَ فى إحْلَافِه. وإِنْ قُلْنا (٦٠): تَرْجُحُ (٦١) إحْدَى البيِّنَتَيْن بالقُرْعَةِ قَرَعْنا (٦٢) بينهما، فمَنْ خرجَتْ قُرْعتُه، قدَّمْنَاه. قال أبو بكر: هذا قِياسُ قَوْلِ أبى عبدِ اللَّه. فعلَى هذا، يحْلِفُ مَنْ خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، فى أحدِ الوَجْهَين. وإِنْ قُلْنا: يُقْسَمُ. قَسَمْنا العَبْدَ، فجعَلنا نِصْفَه مَبِيعًا ونِصْفَه حُرًّا، وشَرى العِتْقُ إلى جَمِيعِه إِنْ كان البَائعُ مُوسِرًا؛ لأنَّ البَيِّنةَ قامتْ عليه بأنَّه أعْتَقَه مُخْتَارًا، وقد ثَبَتَ العِتْقُ فى نِصْفِه بشهادَتِهما. فصل: إذا ادَّعى رَجُلٌ زَوْجِيَّةَ امْرَأةٍ، فأقَرَّتْ بذلك، قُبلَ إقْرَارُها؛ لأنَّها أقَرَّتْ على نَفْسِها وهى غيرُ مُتَّهَمَةٍ، فإنَها لو أرَادَتِ ابتِداءَ النِّكَاحِ، لم تُمْنَعْ منه. وإِنْ ادَّعَاها اثْنان، فأقَرَّتْ لأحَدِهما، لم (٦٣) يُقْبَلْ منها؛ لأنَّ الآخَرَ يدَّعِى مِلْكَ نِصْفِها، وهى مُعْتَرفَةٌ أَنَّ ذلك قد مَلَكَ عليها، فصَارَ إقْرَارُها بحَقِّ غيرْها؛ ولأنَّها مُتَّهَمَةٌ، فإنَّها لو أرَادَتِ ابْتِدَاءَ تَزْوِيج أحدِ المُتَدَاعِيَيْن، لم يَكُنْ لها ذلك قبلَ الانْفِصالِ من دَعْوَى الآخَرِ. فإِنَّ قيلَ: فلو تَداعَيا عَيْنًا فى يَد ثَالِثٍ، فأقَرَّ لأحَدِهما، قُبِلَ. قُلْنَا: لا يثْبُتُ المِلْكُ بإقْرارِه فى العَيْنِ، وإنَّما يَجْعَلُه كصاحِبِ اليَدِ، فيَحْلِفُ، النِّكَاحُ لا يُسْتَحَقُّ باليَمِين، فلم يَنْفَعِ الإِقْرارُ به ههُنا، فإنْ كان لأَحَدِ المُدَّعِيَيْن (٦٤) بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له (٦٥) بها؛ لأنَّ البَيِّنَةَ حُجَّة فى النِّكاحِ وغيرِه. وإِنْ أقَاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وسَقَطَتَا، وحِيلَ بينهما وبينَها (٦٦)، ولا يَرْجُحُ أحدُ المُتَدَاعِيَيْن بإقْرَارِ المَرْأَةِ؛ لمَا ذَكَرْنا، ولا بكَوْنِها فى بَيْتِهِ ويَده؛ لأنَّ اليَدَ لا تثْبُتُ على حُرَّةٍ، ولا سَبِيلَ إلى القِسْمَة ههنا، ولا إلى القُرْعَةِ؛ لأنَّه لا يَدَ مع القُرْعةِ من (٦٧) اليَمِينِ، ولا مدْخَلَ لها [فى النِّكاحِ] (٦٨).

стр. 7650

فصل: إذا قال السَّيِّدُ لعَبْدِه: إِنْ قُتِلْتُ فأنْتَ حُرٌّ. ثم مَاتَ، فادَّعَى العبدُ أنَّه قُتِلَ، وأنْكَرَ الوَرَثَةُ، فالقَوْلُ قَوْلُهم مع أيْمَانِهم؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَتْلِ، فإنْ أقامَ بَيِّنَةً بدَعْوَاه، عَتَقَ، وإِنْ أَقامَ الوَرَثَةُ بَيِّنَةً بمَوْتِه، قُدِّمَتْ بَيِّنةُ العَبْدِ، فى أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّها تشهَدُ بزِيَادَةٍ، وهى القَتْلُ. والثَّانِى، تتَعارضَان؛ لأنَّ إحدَاهُما تشْهدُ بضِدِّ ما شَهِدتْ به الأُخْرَى، فيبْقَى على الرِّقِّ. وإِنْ قالَ: إِنْ مِتُّ فى رَمضانَ، فعَبْدِى سالمٌ حُرٌّ، وإِنْ مِتُّ فى شوال فعبدِى غَانِمٌ حُرٌّ. ثم مات، فادَّعَى كُلُّ واحِدٍ منهما مَوْتَه [فى الشَّهْرِ الذى يعْتِقُ بمَوْتِه] (٦٩) فيه، وأنْكَرَهما الوَرَثَةُ، فالقَولُ قوْلُهم مع أيْمانِهم. وإِنْ أَقرُّوا لأحَدِهما، عَتَقَ بإقْرارِهم. وإِنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بمُوجِبِ عِتْقِه، ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ، أحدُها، تُقدَّم بَيِّنَةُ سالمٍ؛ لأنَّ معها زِيادةَ عِلْم، فإنَّها أثْبتَتْ ما يجوزُ أَنْ يَخْفَى على الْبَيِّنَةِ الأُخْرَى، وهو مَوْتُه فى رَمضانَ. والثَّانِى، يتَعارَضان، ويَبْقَى العَبْدان على الرِّقِّ؛ لأنَّهما سَقَطا، فصارَا، كمَن لا بَيِّنَةَ لهما. والثَّالِثُ، يُقْرَعُ بينهما، فيَعْتِقُ مَن تقَعُ له القُرْعَةُ، وإِنْ قال: إِنْ بَرِئْتُ من مَرَضِى هذا (٧٠)، فسَالم حُرٌّ، وإِنْ مِتُّ منه، فغانِمٌ حُرٌّ. فمات، وادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ منهما مُوجِبَ عِتْقِه، أُقْرِعَ بينهما، فمَن خرَجَتْ له القُرْعةُ، عَتَقَ؛ لأنَّه لا يَخْلُو من أَنْ يكرنَ بَرَأَ أو لم يَبْرأْ، فيَعْتِقُ أحدُهما على كُلِّ حَالٍ، ولم تُعْلَمْ عينُه فيُخْرَجُ بالقُرْعةِ، كما لو أعْتَقَ أحدَهما، فأشْكَلَ عليْنا. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُقدَّمَ قَوْلُ غانمٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ البُرْءِ. وإِنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بمُوجبِ عِتْقِه، فقالَ أصْحابُنا: يتَعَارَضَان، ويبْقى العَبْدَان على الرِّقِّ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ منهما تُكَذِّبُ الأُخْرَى، وتُثْبِتُ زِيَادَةً تَنْفِيها الأُخْرَى. ولا يَصِحُّ هذا القَوْلُ؛ لأنَّ التَّعارُضَ أثَرُه فى إِسْقَاطِ البَيِّنَتَيْن، ولو لم يَكُونَا أصْلًا لَعَتَقَ احدُهُما، فكذلك إذا سَقَطًا، وذلك لأنَّه لا يَخْلُو من إحْدَى الحالَتَيْن اللَّتَيْن علَّقَ على كلِّ واحِدَةٍ منهما عِتْقَ أحدِهما، فيَلْزَمُ وجُودُه، كما لو قال: إِنْ كانَ هذا الطائِرُ غُرابًا، فسالِمٌ حرٌّ.، وإِنْ لم يكُنْ غُرابًا فغانمٌ حُرٌّ. ولم يُعْلَمْ حالُه، ولكنْ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أَنْ يُقرَعَ بينهما، كما فى مسْألةِ الطائرِ؛ لأنَّ (٧١) البَيِّنَتَيْن إذا تَعارَضَتا

стр. 7651

قُدِّمَتْ إحداهُما بالقُرْعَةِ، فى رِوَايَةٍ. والثَّانِى، تُقدَّمُ بَيِّنَةُ سالمٍ؛ لأنَّها شَهِدتْ بزِيَادَةٍ، وهى البُرْءُ. وإِنْ أقَرَّ الوَرَثَةُ لأحَدِهمْ، عَتَقَ بإِقْرَارِهم، ولم يسْقُطْ حَقُّ الآخَر ممَّا ذكَرْنا، إِلَّا أَنْ يشْهَدَ اثْنَان عَدْلان منهم بذلك، مع انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، فيَعْتِقَ وَحْدَه إذا لم تَكُنْ للآخَرِ بَيِّنَةٌ. فصل: وإذا ادَّعَى سالِمٌ أَنَّ سيِّدَه أعْتَقَه فى مَرَضِ مَوتِه، وادَّعَى عبدُه الآخَرُ غانمٌ أَنَّه أعْتَقَه فى مَرِض مَوْتِه، وكُلُّ واحِدٍ منهما ثُلثُ (٧٢) مالِه، فأقامَ كُلُّ واحدٍ منهما بدَعْوَاه بَيِّنَةً، فلا تَعَارُضَ بينهما؛ لأنَّ ما شَهِدَتْ به كُلُّ بَيِّنَةٍ لا يَنْفِى ما شهِدَتْ به الأُخْرَى، ولا تُكَذِّبُ إحْدَاهما الأُخْرَى، فيثْبُتُ إعْتَاقُه لهما، ثمَّ يُنْظَرُ، فإنْ كانتِ البَيِّنَتَان مُؤَرَّخَتَيْن بتَارِيخَيْن مُخْتَلِفَيْن، عتَق الأوَّلُ منهما. ورَقَّ الثَّانِى، إِلَّا أَنْ يُجيزَ (٧٣) الوَرَثَةُ؛ لأنَّ المَرِيضَ إِذا تَبَرَّعَ بتبرُّعاتٍ، يَعْجَزُ ثُلُثُه عن جَميعِها، قُدِّمَ الأوَّل فالأَوَّل (٧٢)، وإِنْ اتَّفَقَ تاريخُهما، أو أُطْلِقَتا، أو إحْداهما، فهما سَواءٌ؛ لأنَّه لا مَزِيَّة لإِحْداهما على الأُخْرَى، فيسْتَويان، ويُقْرَعُ بينهما، فمَنْ خرَجَتْ له القُرْعةُ، عَتَقَ، ورَقَّ الآخَرُ، إِلَّا أَنْ يُجِيزَ (٧٣) الوَرَثَةُ؛ لأنَّه لا يَخْلُو؛ مِن (٧٤) أَنْ يكونَ أعْتَقَهُما معًا، فيُقْرَعَ بينهما، كما فعَلَ النَّبِىُّ ﷺ فى العَبِيدِ السِّتَّةِ الذين أعتْقَهم سَيِّدُهم عندَ مَوْتِه، ولم يكُنْ له مالٌ غيرَهمِ (٧٥)، أو يكونَ أَعْتَقَ أحدَهما قبلَ صَاحِبِه، وأشْكَلَ عليْنا، فيُخْرَجَ بالقُرْعَةِ، كما فى مسأَلَةِ الطَّائرِ. وقِيلَ: يَعْتَقُ من كُلِّ واحِدٍ نِصْفُه. وهو قَوْلٌ للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه أقْرَبُ إلى التَّعْدِيلِ بيْنهما فى القُرْعَةِ، قد يَرِقُّ السَّابِقُ المُسْتَحِقُّ للعتْقِ، ويَعْتِقُ الثَّانِى المُسْتَحِقُّ للرِّقِّ، وفى القِسْمَة لا يَخْلُو المُسْتَحِقُّ للعِتْقِ من حُرِّيَّةٍ، ولا المُسْتَحِقُّ للرِّقِّ من رِقٍّ، ولذلك قَسَمْنا المُخْتَلَفَ فيه على إحْدَى الرِّوَايَتَيْن، إذا تَعَارَضَتْ به بَيِّنتَان. والأَوَّلُ المذهبُ؛ لأنَّه لا يَخْلُو من شُبْهَةٍ بِإِحْدَى الصُّورَتَيْن اللَّتَيْن ذكَرْناهما. والقُرْعَةُ ثَابِتَةٌ فى كُلِّ واحِدَةٍ منهما. وقولُهم: إِنَّ فى القُرْعَةِ احْتِمَالَ إِرْقَاقِ (٧٦) الحُرِّ. قُلْنا: وفى القِسْمَة إرْقاقُ نِصْفِ الحُرِّ يَقِينًا، وتَحْرِيرُ نِصْفِ الرَّقِيقِ يَقِينًا، وهو أعْظَمُ ضَرَرًا. وإِنْ كانت قِيمَةُ أحَدِهما الثُّلُثَ، وقِيمَةُ الآخَرِ دُونَ

стр. 7652

الثُّلثِ، فكان الأَوَّلُ أو الذى خَرجَتْ قرعَتُه الثُّلُثَ، عَتَقَ، ورَقَّ الآخَرُ. وإِنْ كان هو النَّاقِصَ عن الثُّلثِ، عَتَقَ، وعَتَقَ من الآخَرِ تَمامُ الثُّلثِ. وإِنْ كان لأحدِهما بَيِّنَةٌ، ولا بَيِّنَةَ للآخَرِ، أو بَيِّنتُه فاسِقَةٌ، عَتَقَ صَاحِبُ البَيِّنَةِ العادِلَةِ، ورَقَّ الآخَرُ. وإِنْ كان لكُلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، إِلَّا أَنَّ إحْداهما تَشْهَدُ أَنَّهُ أعْتَقَ سَالِمًا فى مَرَضِه، والأُخْرَى تشْهَدُ بأنَّه وَصَّى بعِتقِ غانمٍ، وكان سالمٌ ثُلُثَ المالِ، عَتَقَ وَحْدَه ووقَفَ عِتْقُ غانمٍ على إجازَةِ الوَرَثَةِ؛ لأَنَّ التَّبَرُّعَ يُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ. وإِنْ كان سالمٌ أقَلَّ من الثُّلثِ، عَتَقَ من غانمٍ تَمامُ الثُّلثِ. وإِنْ شَهِدتْ إحْدَاهما أَنَّه وَصَّى بعِتْقِ سَالمٍ، وشَهِدَتِ الأُخْرَى أنَّه وَصَّى بعِتْقِ غانمٍ، فهما سَواءٌ، ويُقْرَعُ بينهما، سَواءٌ اتَّفَقَ تارِيخُهما أو اخْتَلَفَ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ يَسْتَوِى فيها المُتقَدِّمُ والمُتَأخِّرُ. وقال أبو بكرٍ، وابنُ أبى موسى: يَعْتِقُ [نِصْفُ كُلِّ واحِدٍ] (٧٧) منهما بغيرِ قُرْعةٍ؛ لأنَّ القُرْعَةَ إنَّما تَجِبُ إذا كان أحدُهما عبْدًا والآخَرُ حُرًّا، ولا كذلك ههُنا، فيجبُ أن تُقْسَمَ الوَصِيَّةُ بينهما، ويدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ منهما بقَدْرِ وَصيَّتِه، كما لو وَصَّى لاثْنَيْن بمالٍ. والأَوَّلُ قِياسُ المذهبِ؛ لأنَّ الإِعْتاقَ بعدَ المَوْتِ كالإِعْتاقِ فى مَرَض المَوْتِ، وقد ثبَتَ فى الإِعْتاقِ فى مَرَضِ المَوْتِ أَنَّه يُقْرَعُ بينهما بحديثِ (٧٨) عِمْران ابن حُصَيْن، فكذلك بعدَ المَوْتِ، ولأنَّ المَعْنَى المُقْتَضِىَ لتكْمِيلِ العِتْقِ فى أحدهما فى الحياةِ موْجُودٌ بعد المَماتِ، فيَثْبُتُ. فأَمَّا إِنْ صَرَّحَ، فقال: إذا مِتُّ، فنِصْفُ كُلِّ واحِدٍ من سالمٍ وغانمٍ حُرٌّ. أو كان فى لَفْظِه ما يَقْتَضِيه، أو دَلَّتْ عليه قَرِينَةٌ، ثَبَتَ ما اقْتَضَاهُ. فصل: وإن خَلَّفَ المَرِيضُ ابْنَيْن، لا وَارِث له سواهما، فشهِدَا (٧٩) أنَّه أعْتَقَ سَالِمًا فى مَرَضِ مَوْتِه، وشهدَ أجْنَبِّيَان أنَّه أعْتَقَ غانِمًا فى مَرض مَوْتِه، وكُلُّ واحِدٍ ثُلثُ مَالِه، ولم يَطْعَنِ الابْنانِ فى شَهادَتِهما، وكانت البَيِّنَتَان عادِلَتَيْن، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا

стр. 7653

كانتا (٨٠) أجْنَبِيَّتَين (٨١) سَواءً؛ لأنَّه قد ثبَتَ أَنَّ المَيِّتَ أعْتقَ العَبْدَيْن. فإنْ طَعَنَ الابْنان (٨٢) فى شهادَةِ الأجْنَبِيَّين (٨٣)، وقالا: ما أعْتَقَ غانِمًا (٨٤)، إنَّمَا أعْتَقَ سَالِمًا. لم يُقْبَلْ قَوْلُهما فى رَدِّ شهادَةِ الأجْنَبِيَّةِ؛ لأنَّها بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ مُثْبِتةٌ، والأُخْرَى نَافِيَةٌ، وقَوْلُ المُثْبِتُ يقَدَّمُ على قَوْل النَّافِى، ويكونُ حُكْمُ ما شَهِدتْ به حُكمَه (٨٥) إذا لم يَطْعَنِ الوَرَثَةُ فى شِهَادَتِهما، فى أنَّه يَعْتِقُ إِنْ تَقَدَّمَ تَاريخُ عِتْقِه، أو خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، ويَرقُّ إذا تأَخَّرَ تارِيخُه، أو خَرَجَتِ القُرْعَةُ لغيرِه. وأمَّا الذى شَهِدَ به الابْنان، فيَعْتِقُ كُلُّه، لإِقْرَارِهما بإعْتاقِه وحْدَه، واسْتِحْقَاقِه للحُرِّيَّة (٨٦). وهذا قَوْلُ القَاضى. وقِيلَ: يَعْتِقُ ثُلثاهُ إِنْ حُكِمَ بعِتْقِ سالمٍ، وهو ثُلثُ الباقى؛ لأنَّ العبْدَ الذى شَهِدَ به الأجْنَبِيَّان كالمَغْصُوبِ من (٨٧) التِّرِكَةِ، والذَّاهِبِ (٨٨) من التَّرِكَةِ بمَوْتٍ أو تَلَفٍ (٨٩)، فيَعْتِقُ ثُلثُ البَاقِى. وهو ثُلثا غانمٍ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ المُعْتَبَر خُرُوجُه من الثُّلثِ حالَ المَوْتِ، وحالَ المَوْتِ فى قَوْلِ الابْنَيْن لم يَعْتِقْ سَالمٌ، إنَّما عَتَقَ بالشَّهادةِ بعد المَوْتِ، فيكونُ ذلك بمنْزِلَةِ مَوْتِه بعدَ مَوْتِ سَيِّدِه، فلا يَمْنَعُ من عِتْقِ مَنْ خَرَجَ من الثُّلثِ قَبْلَ مَوْتِه. فإنْ كان الابْنَان فاسِقَيْن ولم يَرُدَّا شهادَةَ الأجْنَبِيَّةِ، ثبَتَ العِتْقُ لسَالمٍ، ولم يُزَاحِمْه مَنْ شهِدَ له الابْنَان، لفِسْقِهِما، [لأنَّ شهادَة الفاسِقِ كعَدَمِها] (٩٠)، فلا يُقْبَل قَوْلُهما فى إسْقَاطِ حَقٍّ ثبَتَ بِبَيِّنةٍ عادِلةٍ، وقد أَقَرَّ الابْنَان بعِتْقِ غانمٍ، فيُنْظَرُ؛ فإنْ تقدَّم تَاريخُ عِتْقِهِ، أو أُقْرِعَ بينهما فخَرَجَتِ القُرْعَةُ له، عَتَقَ كُلُّه،

стр. 7654

كما قُلْنا فى التى قبلَها. وإِنْ تأخَّرَ تاريِخُ عِتْقِه، أو خَرَجَتِ القُرْعَةُ لغيْرِه، لم يَعْتِقْ منه شىءٌ؛ لأنَّ الابْنَيْن لو كانا عَدْلَيْن، لم يَعْتِقْ منه شىءٌ، فإذا كانا فَاسِقَيْن أوْلَى. وقال القاضى، وبعضُ أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ: يعْتِقُ نِصْفُه فى الأَحْوَالِ كُلِّها؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ العِتْقَ بإقْرَارِ الوَرَثَةِ، مع ثُبُوتِ العتْقِ للآخرِ (٩١) بالبَيِّنَةِ العَادِلَةِ، فصارَ بالنِّسْبَةِ كأنَّهُ أعْتَقَ العَبْدَيْن، فيَعْتِقُ منه نِصْفُه. وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّه لو أعْتَقَ العَبْدَيْن، لأَعْتَقْنَا أحدَهما بالقُرْعَة، ولأنَّه (٩٢) فى حالِ تَقَدُّمِ تَارِيِخِ عِتْقِ من شَهِدتْ له البَيِّنَةُ، لا يَعْتِقُ منْه شىءٌ ولو كانتْ بَيِّنَتُهُ عَادِلَةً، فمع فُسُوقِها أوْلَى، وإِنْ كَذَّبَتِ الوارِثَةُ (٩٣) الأَجْنَبِيَّةَ، فقالتْ: ما أَعْتَقَ سالمًا (٩٤)، إنَّما أعتَقَ غَانمًا (٩٤)، عتَقَ العَبْدان. وقِيل: يَعْتِقُ مِنْ سالمٍ ثُلثاه. والأَوَّلُ أَوْلَى. فصل: فإنْ شَهِدَ عَدْلان أجْنَبيَّان، أنَّه وَصَّى بعِتْقِ سَالمٍ، وشَهِدَ عَدْلان وارِثَان، أنَّه رجَعَ عن الوَصِيَّةِ بعِتْقِ سَالمٍ، ووَصَّى بعِتْقِ غَانِمٍ، وقِيمَتُهما سَواءٌ، أو كانت قِيمَةُ غانمٍ أكَثرَ، قُبِلَتْ شهادَتُهما، وبَطَلَتْ وَصِيَّة سَالمٍ؛ لأنَّهما لا يجُرَّان إلى أنفُسِهما نَفْعًا ولا (٩٥) يدْفَعَان عنها ضَرَرًا. فإنْ قيلَ: فهما يُثْبِتان لأنْفُسِهما ولاءَ غانمٍ. قُلْنَا: وهما يُسْقِطان ولاءَ سالمٍ، وعلى أَنَّ الوَلاءَ إثْباتُ سَبَبِ الميرَاثِ، وهذا لا يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادَةِ، بدَليلِ ما لو شَهِدَا بعِتْقِ غانمٍ من غيْرِ مُعارضٍ، ثَبَتَ عِتْقُه، ولهما وَلاؤُه، ولو شَهِدَا بثُبُوتِ نَسَبِ أخٍ لهما، قُبِلتْ شهادَتُهما، مع ثُبُوتِ سَبَبِ (٩٦) الإِرْثِ لهما، وتُقْبَلُ شَهادَةُ المَرْءِ (٩٧) لأخِيه بالمالِ، وإِنْ جازَأنْ يَرِثَه، فإنْ كان الوَارِثان فاسِقَيْن، لم تُقْبَلْ شهادَتُهُما فى الرُّجُوعِ، ويَلْزَمُهما إقْرَارُهما لغانمٍ، فيَعْتِقُ سالمٌ بالبَيِّنَةِ العادِلَةِ، ويَعْتِقُ غانمٌ بإقْرَارِ

стр. 7655

الوارِثَةِ (٩٨) بالوَصِيَّة بإعْتَاقِه وَحْدَه. وذَكَرَ القاضى، وأصْحابُ الشَّافِعِىِّ، أَنَّه إنَّما يَعْتِقُ ثُلثاه؛ لأنَّه لمَّا عَتَقَ (٩٩) سالمٌ بشهادَةِ الأجْنَبِيَّيْن، صارَ كالمَغْصُوبِ، فصارَ غانمٌ نِصْفَ التَّركِةِ، فيَعْتِقُ ثُلثاه، وهو ثُلثُ التَّركِةِ. ولَنا، أَنَّ الوارِثَةَ (١٠٠) تُقِرُّ بأنَّه حينَ المَوْتِ ثُلثُ التَّرِكَةِ، وأنَّ عِتْقَ سالمٍ إنَّما كان بشهادَتِهما بعدَ المَوْتِ، فصارَ كالمَغْصُوبِ بعدَ المَوْتِ، ولو غُصِبَ بعدَ المَوْتِ، لم يَمْنَع عِتْقَ غانمٍ كُلَّه، فكذلك الشَّهادَةُ بعِتْقِه. وقد ذَكَر القاضى، فيما إذا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عادِلةٌ بإعْتاقِ سَالمٍ فى مَرَضِه، ووَارِثةٌ فَاسِقَةٌ بإعْتاقِ غانمٍ فى مَرَضِه، وأنَّه لم يُعْتِقْ سَالِمًا، أَنَّ غانِمًا يَعْتِقُ كُلُّه. وهذا مثلُه. فأمَّا إِنْ كانتْ قِيمَةُ غانمٍ أقَلَّ من قِيمَةٍ سَالمٍ، فالوَارِثةُ مُتَّهَمَةٌ؛ لكَوْنِها تَرُدُّ إلى الرِّقِّ مَنْ كَثُرَتْ قيمتُه، فتُرَدُّ شهادَتُها (١٠١) بالرُّجُوعِ (١٠٢)، كما تُرَدُّ شهادَتُها (١٠٣) بالرُّجُوعِ عن الوَصِيَّةِ، ويَعْتِقُ سَالمٌ، ويعْتِقُ (١٠٤) غانم كُلُّه، أو ثُلثَا (١٠٥) الباقى، على ما ذَكَرْنا من الاخْتِلافِ (١٠٦) فيما إذا كانتْ فاسِقَةً. فإنْ لم تَشْهَدِ الوَارِثَةُ بالرُّجُوعِ عن عِتْقِ سالمٍ، لكن شَهِدتْ بالوَصِيَّةِ بِعِتْقِ غانِمٍ، وهى بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، ثبتَتِ الوَصِيَّتَان، سَوَاءٌ كانتْ قِيمَتُهما سَواءً، أو مُخْتَلِفةً، فيَعْتِقَان (١٠٧) إِنْ خَرَجَا من الثُّلثِ، وإِنْ لم يخْرُجَا من الثُّلثِ، أُقْرِعَ بينهما، فيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، ويَعْتِقُ تَمامُ الثُّلثِ من الآخَرِ، سَواءٌ تقَدَّمتْ إحْدَى الوَصِيَّتَيْن على الأُخْرَى أو اسْتَوَتَا؛ لأنَّ المُتَقَدِّمَ والمُتَأَخِّرَ من الوَصَايا سَواءٌ. فصل: ولو شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، أنَّه وَصَّى لزيدٍ بثُلثِ مالِه، وشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّه رَجَعَ عن الوَصِيَّةِ لزيدٍ، ووَصَّى لعمرٍو بثُلثِ مالِه، وشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ ثَالِثَةٌ، أنَّه رَجَعَ عن

стр. 7656

الوَصِيَّةِ لعَمْرٍو، ووَصَّى لبكرٍ بثُلثِ مالِه، صَحَّتِ الشّهاداتُ (١٠٨) كُلُّها، وكانتِ الوَصِيَّةُ لبكرٍ، سَواءٌ كانتِ البَيِّنَتَان من الوَرَثَةِ، أو لم تكُنْ؛ لأَنَّه لا تُهْمَةَ فى حَقِّهم. وإِنْ كانتْ شهادَةُ البَيِّنَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّه رَجَعَ عن إِحْدَى الوَصِيَّتَيْن، لم تُفِدْ هذه الشّهادَةُ شَيْئًا (١٠٩)؛ لأنَّه قد ثَبَتَ بالبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ أنَّه رَجَعَ عن وَصِيَّة زيدٍ، وهى إحْدَى الوَصِيَّتَيْن. فعلى هذا، تثْبُتُ الوَصِيَّةُ لعَمْرٍو. وإنَّ كانتِ البَيِّنَةُ الثَّانِيَة شَهِدتْ بالوَصِيَّةِ لعَمْرٍو، ولم تَشْهَدْ بالرُّجُوعِ عن وَصِيَّةِ زيدِ، فشَهِدَتِ الثَّالِثَةُ برُجوعِه (١١٠) عن إحْدَى الوَصِيَّتَيْن لا بعَيْنِها، فقال القاضى: لا تَصِحُّ الشَّهادةُ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّهما لم يُعَيِّنا المَشْهُودَ عليه، ويصيرُ كما لو قَالَا: نشْهَدُ أَنَّ لهذا على أحدِ هذَين ألْفًا. أو أَنَّ (١١١) لأحَدِ هذَيْن على هذا ألْفًا. ويكونُ الثُّلُثُ بينَ الجميعِ أثْلاثًا. وقال أبو بكر: قياسُ قوْلِ أبى عبدِ اللَّه، أنَّه يصِحُّ الرُّجوعُ عن إِحْدَى الوَصِيَّتَيْن، ويُقْرَعُ بينَهما، فمَنْ خَرجَتْ له قُرْعَةُ الرُّجُوعِ عن وَصِيَّتِهِ، بَطَلَتْ وَصِيَّتُه. وهذا قَوْلُ ابن أبى موسى. وإذا صَحَّ الرُّجُوعُ عن إحْداهما بغيرِ تَعْيِينٍ، صَحَّتِ الشَّهادةُ به كذلك. ووَجْهُ ذلك، أَنَّ الوَصِيَّةَ تَصِحُّ بالمَجْهولِ، وتصِحُّ الشَّهادةُ فيها بالمَجْهُول، فجازَتْ فى الرُّجُوعِ من غيرِ تَعْيِينِ المَرْجُوعِ عن وَصِيَّتِه. فصل: وإِنْ شَهِدَ شاهِدَان أنَّه وَصَّى لزيدٍ بثُلثِ مَالِه، وشَهِدَ واحِدٌ أنَّه وَصَّى لعمرٍو بثُلثِ مالِه، انْبنَى هذا على أَنَّ الشَّاهِدَ واليَمِينَ هل يُعارِضُ الشَّاهِدَيْن أو لا؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يُعارِضُهما، فيَحْلِفُ عمرٌو مع شَاهِدِه، ويُقْسَمُ الثُّلُثُ بينهما؛ لأنَّ الشَّاهِدَ واليَمِينَ حُجَّةٌ فى المالِ، فأشْبَهَ الشَّاهِدَيْن. والثَّانى، لا يُعارِضُهما؛ لأنَّ الشَّاهِدَيْن أقْوَى، فيَرْجُحان على الشَّاهِد واليَمِينِ. فعلى هذا، يَنْفَرِدُ زيدٌ بالثُّلُثِ، وتَقِفُ وَصِيَّةُ عَمْرٍو على إجازَةِ الوَرَثَةِ. فأَمَّا إِنْ شَهِدَ واحِدٌ أنَّه رَجَعَ عن وَصِيَّةِ زيدٍ، ووَصَّى لعمرٍو بثُلثِه، فلا تَعارُضَ بينَهما، ويحْلِفُ عَمْرٌو مع شَاهِدِه، وتثْبُتُ الوَصِيَّةُ لعَمْرٍو. والفَرْقُ بين المَسْأَلتَيْن، أَنَّ فى الأُولى، تَقابَلَتِ البَيِّنَتَان، فقَدَّمْنا أقْواهُما، وفى الثَّانِيةِ لم يَتَقابَلا،

стр. 7657

وإنَّما يثْبُتُ الرُّجوعُ، وهو يثْبُتُ بالشَّاهِدِ واليَمِينِ؛ لأنَّ المَقْصُودَ به المالُ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. واللَّهُ أعْلَمُ. ١٩٣٨ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ كَانَ (١) فِى يَدهِ دَارٌ، فَادَّعَاهَا رَجُلٌ، فَأَقَرَّ بِهَا لِغيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا (٢) حَاضِرًا، جُعِلَ الخَصْمَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، وَكَانَتْ لِلْمُدَّعِى بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِى بِبَيِّنَتِه، وَكَانَ الغائِب عَلَى خصُومَتِهِ مَتَى حَضرَ) وجملتُه أَنَّ الإِنسانَ إِذَا ادَّعَى دَارًا فى يدِ غيرِه، فقال الذى هى فى يَدِه: ليستْ لى، إنَّما هى لفلانٍ. وكان المُقَرُّ له بها حاضِرًا، سُئِلَ عن ذلك، فإنْ صَدَّقَه، صارَ الخَصْمَ فيها، وكان صاحِبَ اليَدِ؛ لأنَّ مَنْ هى فى يَدِه اعْتَرَفَ أَنَّ يدَه نائِبَةٌ عن يَدِه، وإقْرَارُ الإِنْسانِ بما فى يَدِه إقْرَارٌ صَحيحٌ، فيصيرُ خَصْمًا للمُدَّعِى، فإنْ كانتْ للمُدَّعِى بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها، وإِنْ لم تَكُنْ له بَيِّنَةٌ، فاِلقَوْلُ قولُ المُدَّعَى عليْه مع يَمِينِه. وإِنْ قال المُدَّعِى: أحْلِفُوا لى (٣) المُقِرَّ الذى كانتِ العَيْنُ فى يَدِه، أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّها لى. فعليه اليَمِينُ؛ لأنَّه (٤) لو أَقَرَّ له بها [بعدَ اعْتِرَافِه] (٥)، لَزِمَه الغُرْمُ، كما لو قال: هذه العَيْنُ لزيدٍ. ثمَّ قال: هى لعمرٍو. فإنَّها تُدْفَعُ إلى زيدٍ، ويَغْرَمُ (٦) قِيمتَها لعمرٍو. ومَنْ لَزِمَه الغُرْمُ مع الإِقْرَارِ، لَزِمَتْه اليَمِينُ (٧) مع الإِنْكارِ (٨)، فإنْ رَدَّ المُقَرُّ له الإِقْرَارَ، وقال: ليْسَتْ لى، وإنَّما هى للمُدَّعِى. حُكِمَ له بها. وإِنْ لم يَقُلْ: هى للمُدَّعِى، ولكن قال: ليستْ لى. فإنْ كانتْ للمُدَّعِى بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها، وإِنْ لم تَكُنْ له بَيِّنَةٌ، ففيه وَجْهَان؛ أحدُهما، تُدْفَعُ إلى المُدَّعِى؛ لأنَّه

стр. 7658

يَدَّعِيها، ولا مُنَازِعَ له فيها، ولأنَّ مَنْ هى فى يَدِه لو ادَّعَاها، ثمَّ نَكَلَ، قَضَيْنَا له (٩) بها (١٠)، فمع عَدَمِ إدِّعَائِه لها أَوْلَى. والثَّانى، لا تُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه بريثْبُتْ لها مُسْتَحِقٌّ؛ لأنَّ المُدَّعِىَ لا يَدَ له، ولا بَيِّنَةَ، وصَاحِبُ اليَدِ مُعْتَرِفٌ أنَّها ليست له، فيأْخُذُها الإِمامُ فيحْفَظُها لصاحِبِها. وهذا الوجْهُ الذى (١١) ذَكَرَه القاضى. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لما ذَكَرْنا من (١٢) دَلِيلِه. ولأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهان كهذَيْن، ووَجْهٌ ثالِثٌ، أَنَّ المُدَّعِىَ يَحْلِفُ (١٣) أَنَّها له، وتُسَلَّمُ إليه. ويتخَرَّجُ لنا مِثْلُه؛ بِناءً على القوْلِ برَدِّ اليَمِين إذا نكلَ المُدَّعَى عليه. وإِنْ قالَ المُقَرُّ له: هى لثالثٍ (١٤). انتَقَلَتِ الخُصُومَةُ إليه، وصَارَ بمَنْزِلَةِ صاحِبِ اليَدِ؛ لأنَّه أقَرَّ له بها مَن اليَدُ له (١٥) حُكْمًا. وأمَّا إِنْ أَقَرَّ بها المُدَّعَى عليه لمَجْهُولٍ، قِيلَ له: ليس هذا بجَوابٍ. فإنْ أقْرَرْتَ بها لمَعْرُوفٍ، وإلَّا جَعَلْنَاك ناكِلًا، وقَضَيْنَا عليك. فإنْ أصَرَّ، قُضِىَ عليه بالنُّكُولِ. وإِنْ أقَرَّ بها (١٦) لغَائِبٍ (١٧)، أو لغير مُكلَّفٍ مُعَيَّن، كالصَّبِىِّ والمَجْنُون (١٨)، صَارَتِ الدَّعْوَى عليه. فإنْ لم تكُنْ للمُدَّعِى بَيِّنَةٌ، لم يُقْضَ له بها؛ لأنَّ الحاضِرَ يعْتَرِفُ أنَّها ليستْ له، ولا يُقْضَى على الغائِبِ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، ويَقِفُ الأمْرُ حتَّى يَقْدَمَ الغَائِبُ، ويصيرَ غيرُ المُكلَّفِ مُكَلَّفًا، فتكونَ الخُصُومَةُ معه. فإنْ قال المُدَّعِى: أحْلِفُوا لى المُدَّعَى عليه. أحْلَفْنَاه؛ لما تَقَدَّمَ. وإِنْ أقَرَّ بها للمُدَّعِى، لم تُسَلَّمْ إليه؛ لأنَّه اعْتَرَفَ أَنَّها لغيرِه، ويَلْزَمُه أَنْ يَغْرَمَ له قِيمتَها؛ لأنَّه فَوَّتَها عليه بإقْرَارِه بها لغيرِه.

стр. 7659

وإِنْ كان للمُدَّعِى (١٩) بَيِّنَةٌ، [سَمِعَها الحاكمُ، وقَضَى بها، وكان الغَائِبُ على خُصُومَتِه، متى حَضَرَ، له أَنْ يَقْدَحَ فى بَيِّنَةِ المُدَّعِى، وأنْ يقِيمَ بَيِّنَةً] (٢٠) تَشْهَدُ بانْتقِالِ المِلْكِ إليه من المُدَّعِى. وإن أقامَ بَيِّنَةً أنَّها مِلْكُه، فهل يُقْضَى بها؟ على وَجْهَيْن؛ بِناءً على تقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِل أو الخَارِجِ (٢١)؛ فإنْ قُلْنا: تُقدَّمُ بَيِّنَةُ الخَارِجِ. فأقَامَ الغَائِبُ بَيِّنَةً تشْهَدُ له بالمِلْكِ والنِّتاجِ، أو سَبَبٍ من أَسْبابِ المِلْكِ، فهل تُسْمَعُ بَيِّنَتُه، ويُقْضَى بها؟ على وَجْهَيْن. وإِنْ كان مع المُقِرِّ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بها للغَائِبِ، سَمِعَها الحاكمُ، ولم يَقْضِ بها؛ لأنَّ البَيِّنَةَ. للغَائِبِ، والغَائِبُ لم يَدَّعِها هو ولا وَكِيلُه، وإنَّما سَمِعَها الحاكمُ؛ لما فيها من الفائِدَةِ، وهو زَوَالُ التُّهْمَةِ عن الحاضِرِ، وسُقُوطُ اليَمِينِ عنه، إذا ادَّعَى عليه أَنَّك تعْلَمُ أنَّها لى. ويتخَرَّجُ أَنْ يُقضَى بها، إذا قُلْنا بتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وإنَّ للمُودَعِ المخَاصَمَةَ فى الوَدِيعَةِ إذا غُصِبَتْ. ولأنَّها بَيِّنَةٌ مَسْمُوعَةٌ، فيُقْضى بها، كبَيِّنَةِ المُدَّعِىٍ إذا لم تُعَارِضْها بَيِّنَةٌ أُخْرَى. فإنْ ادَّعَى مَنْ هى فى يَدِه، أنَّها معه بإجَارَةٍ أو عَارِيَّةٍ، وأقامَ بَيِّنَةً بالمِلْكِ للغائِبِ، لم يُقْضَ بها؛ لوَجْهَيْن؛ أحدُهما، أَنَّ ثُبُوتَ الإِجَارَةِ والعَارِيَّةِ يتَرَتَّبُ على المِلْكِ للمُؤْجِرِ، [ولا يُمْكِنُ ثُبوت المِلْكِ للمُؤْجِرِ] (٢٢) بهذه البَيِّنَةِ، فلا تثْبُتُ الإِجَارَةُ المتَرَتِّبَةُ عليها. والثانى، أَنَّ بَيِّنَةَ الخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ على بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، ويتَخَرَّجُ (٢٣) القَضاءُ بها على رِوايةِ (٢٤) تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وكوْنِ الحَاضِرِ له فيها حَقٌّ؛ [فإنَّه يُقضَى بها، وَجْهًا واحِدًا] (٢٥). ومتى عاد المُقِرُّ بها لغيْرِه، فادَّعاها لنَفْسِه، لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ لأنَّه أَقَرَّ بأنَّه لا يمْلِكُها، فلا يُسْمَعُ منه الرُّجُوعُ عن إِقْرَارِهِ. والحكْمُ فى غيرِ المُكَلَّفِ، كالحُكْمِ فى الغَائِبِ، على ما ذكَرْنَا.

стр. 7660

فصل: وإِذَا طَلَبَ المُدَّعِى أَنْ يكْتُبَ له مَحْضَرًا بما جَرَى، لَزِمَتْه إجَابَتُه (٢٦)، فيكتبُ له (٢٧): حضرَ القاضىَ فُلانَ بنَ فُلانٍ الفُلانىَّ، قاضىَ عبدِ اللَّهِ الإِمامِ فُلانِ بنِ فُلانٍ الفُلانىِّ، أو خَليفتَه (٢٨) فُلانَ بنُ فُلانٍ الفُلانىَّ (٢٩)، إِنْ كان نَائبًا، [فُلانُ بنُ فلانٍ الفلانىُّ] (٣٠)، وأحْضَرَ معه فُلانَ بنَ فُلانٍ الفُلانِىَّ، فادَّعَى دَارًا فى يَدَيْه -ويعيِّنُها، ويَذْكُرُ حُدُودَها وصِفَتَها- فاعْتَرَفَ بها المُدَّعَى عليه لفُلانِ بن فُلانٍ الفُلانىِّ، وهو حِينَئِذٍ غَائِبٌ عن بَلَدِ القاضِى، فأقامَ المُدَّعِى بَيِّنَةً، وهى فُلانُ بنُ فلانٍ الفُلانِىُّ، وفُلانُ بنُ فُلانٍ الفُلانىُّ، فشَهِدَا عندَه للمُدَّعِى بما ادَّعَاه، وعَرَفَ الحاكمُ عَدالَتَهما بما يَسُوغُ معه قبولُ شهادَتِهما، أو شَهِدَ عنده بعدَالتِهما فُلانٌ، وفُلانٌ، فقَبِلَ شَهادتَهما، فقضَى بها على الغائِبِ، وجَعَلَ (٣١) كُلَّ ذِى حُجَّةٍ على حُجَّتِهِ. فإنْ كان الغَائِبُ قد قَدِمَ، ولم يأْتِ بحُجَّةٍ، زَادَ: وقَدِمَ الغائبُ المُقَرُّ له بها فُلانٌ، ولم يَأْتِ بحُجَّةٍ (٣٢) تدْفَعُ المُدَّعِىَ عن دَعْوَاه. وإِنْ أقامَ عند حُضُورِه بَيِّنَةً، زَادَ: وأقامَ بَيِّنَةً. وكانت بَيِّنَةُ المدَّعِى مُقَدَّمَةً على بَيِّنَتِهِ؛ لأنَّها بَيِّنَةُ خارِجٍ. فصل: وإذا ادَّعَى إنسَانٌ أَنَّ أباه ماتَ، وخَلَّفَه وأخًا له غائِبًا، لا (٣٣) وَارِثَ له سِواهما، وترَكَ دَارًا فى يَد هذا الرَّجُلِ، فأنْكَرَ (٣٤) صاحِبُ اليَدِ، وأقامَ المُدَّعِى بَيِّنَةً بِما ادَّعَاه، ثَبَتَتِ الدَّارُ لِلمَيِّتِ، وانْتُزِعَتِ الدَّارُ من يَد المُنْكِرِ، ودُفِعَ نِصْفُها إلى المُدَّعِى، وجُعِلَ النِّصْفُ الآخَرُ فى يَد أمِينٍ للغَائِبِ، يَكْرِيه له. وكذلك إِنْ كان المُدَّعَى ممَّا يُنْقَلُ ويُحوَّلُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أَبُو حنيفةَ: إِنْ كان ممَّا لا (٣٥) يُنْقَلُ ولا يُحوَّلُ، أو

стр. 7661

ممَّا (٣٦) ينْحَفِظُ ولا يُخافُ هَلَاكُه، لم يُنْزَعْ نَصِيبُ الغَائِبِ من يَد المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ الغَائِبَ لم يَدِّعِه هو ولا وَكِيلُه، فلم يُنْزَعْ من يَد مَنْ هو فى يَدهِ، كما لو ادَّعَى أحَدُ الشَّرِيكَيْن دَارًا مُشْتَرَكَةً بينَه وبينَ أجْنَبِىٍّ، فإنَّه يُسَلَّمُ إلى المُدَّعِى نَصِيبُه، ولا يُنْزَعُ نَصِيبُ الغَائِبِ، كذا هذا (٣٧). ولَنا، أَنَّها تَرِكةُ مَيِّتٍ، ثبتَتْ بِبَيِّنَةٍ، فوَجَبَ أَنْ يُنْزَعَ نَصِيبُ الغَائِبِ، كالْمَنْقُولِ، وكما لو كان أخُوه صَغِيرًا أو مَجْنُونًا، ولأنَّ فيما قالَه ضَرَرًا؛ لأنَّه قد يتعَذَّرُ على الغَائِبِ إقامَةُ البَيِّنَةِ، وقد يَمُوتُ الشَّاهِدَان أو يَغيبَا، أو تَزُولُ عنْهُما (٣٨) عَدَالتُهُما، ويُعْزَلُ الحَاكمُ، فيَضِيعُ حَقُّه، فوَجَبَ أَنْ يُحْفظَ بانْتِزِاعِه، كالمَنْقُولِ. ويُفَارِقُ الشَّرِيكُ الأجْنَبِىَّ إجْمالًا وتَفْصِيلًا؛ أمَّا الإِجْمَال، فإنّ المَنْقُولَ يُنتزَعُ فيه (٣٩) نَصِيبُ شَرِيكِه فى المِيرَاثِ، ولا يُنْتزَعُ نَصِيبُ شَرِيكِه الأجْنَبِىِّ، وأمَّا التَّفْصِيلُ، فإِنَّ البَيِّنَةَ ثَبَتَ بها الحقُّ للميِّتِ، بدَلِيلِ أنَّه يُقْضَى منه ديُونُه، وتُنْفَذُ منه وَصاياه، ولأنَّ الأخَ يُشاركُه فيما أخَذَه، إذا تَعَذَّرَ عليه أخْذُ البَاقِى. فأمَّا إِنْ كان دَيْنًا فى ذِمَّة إنْسانٍ، فهل يقْبِضُ الحاكمُ نَصِيبَ الغَائِبِ؟ فيه وجْهَان؛ أحدُهما، يقْبِضُه، كما يَقْبضُ العَيْنٍ. والثانى، لا يقْبضُه؛ لأنَّه إذا كان فى ذِمَّةِ مَنْ هو (٤٠) عليه، كان أحْوَطَ من أَنْ يكَونَ أمانَةً فى يَد الأمِين؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ عليه التَّلَفُ إذا قَبَضَه. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه فى الذِّمَّةِ أَيْضًا (٤١) يَعْرِضُ للتَّلَفِ بالفلَس، والموْتِ، وعَزْلِ الحاكِمِ، وتعَذُّرِ البَيِّنَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّنا إذا دَفْعَنا إلى الحَاضِرِ نِصْفَ الدَّارِ أو الدَّيْنِ، لم نُطَالِبْه بضَمِين؛ لأنَّنَا دفَعْناه بقَوْل الشُّهُودِ، والمطَالَبةُ بالضَّمِينِ طَعْنٌ عليهم. قال أصْحَابُنا: سَوَاءٌ كان الشَّاهِدَان من أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، أو لم يكُونَا. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا تُقبَلَ شَهادَتُهما فى نَفْى وَارِثٍ آخَرَ، حتَّى يكونا من أهْلِ الخبْرةِ الباطِنَةِ، والمعَرِفَةِ المُتَقادِمَةِ؛ لأنَّ مَنْ ليس من أهْلِ المعْرِفَةِ ليس جَهْلُه (٤٢) بالوَارِثِ دَليلًا على عَدَمِه، ولا يُكْتَفَى به. وهذا قوْلُ الشَّافِعِىِّ. فعلى هذا، تكونُ الدَّارُ مَوْقُوفَةً، ولا يُسَلَّمُ إلى الحاضِرِ

стр. 7662

نِصْفُها، حتَّى يسْألَ الحاكمُ، ويكْشِفَ عن الموَاضِعِ التى كان يطْرُقُها (٤٣)، ويأمُرَ مُنَادِيًا يُنادِى: إِنَّ فلانًا ماتَ، فإنْ كان له وَارِثٌ، فلَيأتِ. فإذا غَلَبَ على ظَنِّه أنَّه لو كان وَارِثٌ لَظَهَرَ، دَفَعَ إلى الحاضِرِ نَصِيبَه. وهل يطْلُبُ منه ضَمِينًا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن. وهكذا الحُكْمُ إذا كان الشَّاهِدَان من أهْلِ الخبْرَةِ الباطِنَةِ، ولكن لم يقُولا: ولا نَعْلَمُ له وارِثًا سِوَاهُ. فإنْ كان مع الابنِ ذُو فَرْضٍ، فعلى ظَاهِرِ المذهبِ، يُعْطى فَرْضَه كامِلًا. وعلى هذا التَّخْرِيِج، يُعْطى اليَقِينَ. فإنْ كانتْ له زَوْجَةٌ، أُعْطِيَتْ رُبْعَ الثُّمنِ؛ لجَوازِ أَنْ يَكونَ له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، وإِنْ كانتْ له جَدَّةٌ، ولم يَثْبُتْ مَوْتُ أُمِّه، لم تُعْطَ شَيْئًا، وإِنْ ثَبَتَ مَوْتُها، أُعُطِيَتْ ثُلثَ السُّدسِ، لجَوَازِ أَنْ يكونَ له ثَلاثُ جَدَّاتٍ، ولا تُعْطى العَصَبَةُ شَيْئًا. فإنْ كان الوَارِثَ أخًا، لم يُعْطَ شَيْئًا، لجَوَازِ أَنْ يكون للمَيِّتِ وَارِثٌ يَحْجُبُه. وإِنْ كان معه أُمٌّ، اُعْطِيَتِ السُّدسَ عائِلًا، والمَرْأَةُ رُبْعَ الثُّمنِ عائِلًا، والزَّوْجُ الرُّبعَ عائِلًا؛ لأنَّه اليَقِينُ، فإِنَّ المَسْألةَ قد تَعُولُ مع وُجُودِ الزَّوْجِ، مثل أَنْ يُخَلِّفَ أبوَيْن وابْنَيْن وزَوْجًا، فإذا كشفَ الحاكمُ أعطَى الزَّوجَ نَصِيبَه، وكَمَّلَ لذَوِى الفُرُوضِ فُرُوضَهم. فصل: وإذا اخْتُلِفَ فى دَارٍ، فى يَدِ أحَدِهما، فأقامَ المدَّعِى بَيِّنَةً، أَنَّ هذه الدَّارَ كانتْ أمسِ مِلْكَه، أو منذُ شَهْرٍ، فهل تُسْمَعُ هذه البَيِّنَةُ، ويُقْضَى بها؟ على وَجْهَيْن؛ أحدهما، تُسْمَعُ، ويُحْكَمُ بها؛ لأنَّها تُثْبِتُ المِلْكَ فى الماضِى، وإذا ثَبَتَ اسْتُدِيمَ حتَّى يُعْلَمَ زَوَالُه. والثَّانى، لا تُسْمَعُ. قال القاضِى: هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الدَّعْوَى لا تُسْمَعُ ما لم يَدَّعِ المُدَّعِى المِلْكَ فى الحَالِ، فلا تُسْمَعُ بَيِّنَةٌ على ما لم يَدَّعِهِ، لكن إن انْضَمَّ إلى شَهادَتِهِما بَيانُ سَبَبِ يَدِ الثَّانِى، وتَعْرِيفُ تَعدِّيها، فقالا: نَشْهدُ أَنَّها كانتْ مِلْكَه أمسِ، فغَصَبَها (٤٤) هذا منه، أو سَرَقَها، أو ضَلَّتْ منه فالْتَقَطَها هذا. ونحوَ ذلك، سُمِعَتْ، وقُضِىَ بها؛ لأنَّها إذا لم تُبَيَّنِ السَّبَبَ، فاليَدُ دَلِيلُ المِلْكِ، ولا تَنافِىَ بينَ ما شَهِدتْ به البَيِّنَةُ، وبيْنَ دَلالَةِ اليَدِ، لجَوَازِ أَنْ تكونَ مِلْكَه أمسِ، ثمَّ تَنْتَقِلُ إلى صاحِبِ اليَدِ. فإذا ثَبَتَ أَنَّ سَبَبَ اليَدِ عُدْوانٌ، خَرَجَتْ عن كوْنِها دَلِيلًا، فوَجَبَ القضاءُ باسْتدامةِ المِلْكِ

стр. 7663

السَّابقِ. وإن أَقَرَّ المُدَّعَى عليه أنَّها كانتْ مِلْكًا للمُدَّعِى أمس، أو فيما مَضَى، سُمِع إِقْرارُه، وحُكِمَ به، فى الصَّحيحِ؛ لأنَّه حينَئذٍ يحْتاجُ إلى بَيانِ سَبَب انتْقالِها إليه، فيصيرُ هو المُدَّعِى، فيَحْتاجُ إلى البَيِّنَةِ. ويُفارِقُ الْبَيِّنَةَ من وَجْهَيْن، أحدهما، أنَّه أقْوَى من الْبَيِّنَةِ، لكَوْنِه شهادةً من الإِنسانِ على نَفْسِه، ويزولُ به النِّزَاعُ، بخلافِ البَيِّنَةِ، ولهذا يُسْمَعُ [فى المَجْهُولِ، ويُقْضَى به، بخِلافِ البَيِّنَةِ. والثَّانى، أَنَّ الْبَيِّنَةَ لا تُسْمَعُ] (٤٥) إِلَّا على ما ادَّعَاهُ، والدَّعْوَى يجبُ أَنْ تكونَ مُعَلَّقَةً بالحالِ، والإِقْرَارُ يُسْمَعُ ابْتِداءً. وإِنْ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ أَنَّها كانتْ فى يَده أمسِ، ففى سَمَاعِها وَجْهَان. وإِنْ أَقَرَّ المُدَّعَى عليه بذلك، فالصَّحِيحُ أنَّها تُسْمَعُ، ويُقْضَى به؛ بما ذَكَرْنا. فصل: وإن ادَّعَى أمَةً أنَّها له، وأقَامَ بَيِّنَةً، فشَهِدَتْ أنَّها ابنَةُ أمَتِه، أو ادَّعَى ثَمَرَةً، فشهدَتْ له البَيِّنَةُ أنَّها ثَمَرَةُ شَجَرَتِه، لم يُحْكَمْ له بها، لجَوَازِ أَنْ تكونَ وَلَدَتْها قبل تَملُّكِها (٤٦)، وأثْمَرَتِ الشَّجَرَةُ هذه الثَّمَرَة قبلَ مِلْكِه إيَّاها. وإِنْ قالت البَيِّنَةُ: وَلَدتْها فى مِلْكِه، أو أثْمَرتها فى مِلْكِه. حُكِمَ له بها؛ لأنَّها شَهِدَتْ أَنَّها نَمَاءُ مِلْكِه، [ونَمَاءُ مِلْكِهْ] (٤٥) مِلْكُه، ما لم يَرِدْ سَبَبٌ ينْقُلُه عنه. فإنْ قيلَ: فقد قُلْتُمْ: لا تُقْبَلُ شهادَتُه بالمِلْكِ السَّابِقِ، على الصَّحِيحِ، وهده شَهادَةٌ بمِلْكٍ سابقٍ. قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما، على تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، أَنَّ النَّماءَ تَابعٌ للمِلْكِ فى الأَصْلِ، فإثْباتُ مِلْكِه فى الزَّمَنِ الماضِى على وَجْهِ التَّبَعِ، وجَرَى مَجْرَى ما لو قال: مَلَكْتُه منذُ سَنَةٍ. وأقَامَ البَيِّنَةَ بذلك، فإِنَّ مِلْكَه يَثْبُتُ فى الزَّمَنِ الماضِى تَبعًا للحَالِ، ويكونُ له النَّماءُ فيما مَضَى، ولأنَّ الْبَيِّنَةَ ههُنا شَهِدَتْ بسَبَبِ المِلْكِ، وهو وِلادَتُها، أو وُجُودُها فى مِلْكِه، فقَوِيَتْ بذلك، ولهذا لو شَهدَتْ بالسبَّبَ فى الزَّمَنِ الماضِى، فقالتْ: أقْرَضَه ألفًا، أو بَاعَه. ثَبَتَ (٤٧) المِلْكُ وإِنْ لم يذكُرْه، فمع ذِكْرِه أوْلَى. وإِنْ شَهِدَتْ له البَيِّنَةُ أَنَّ هذا [الغَزْلَ من قُطْنِهِ] (٤٨)، وهذا الدَّقِيقَ من حِنْطَتِه، أو أَنَّ (٤٩) هذا الطَّائِرَ من بَيْضَتِه، حُكِمَ له به وإِنْ لم يُضِفْهُ إلى مِلْكِه؛ لأنَّ الغَزْلَ

стр. 7664

عَيْنُ القُطْنِ، وإنَّما تَغَيَّرَتْ صِفَتُه، والدَّقِيقَ أجْزَاءُ الحِنْطَةِ تفَرَّقَتْ، والطَّيْرَ هو أجْزَاءُ البَيْضَةِ اسْتَحَالَ، فكأنَّ البَيِّنَةَ قالت: هذا غَزْلُه ودَقِيْقُه وطَيْرُه. وليس كذلك الوَلَدُ (٥٠) والثَّمَرَةُ، فإنَّهما غيرُ الأُمِّ والشَّجَرَةِ. ولو شَهِدَا (٥١) أَنَّ هذه البَيْضَةَ من طَيْرِه، لم يُحْكُمْ له بها حتَّى يقُوَلا: باضَها فى مِلْكِه. لأنَّ البَيْضَةَ غيرُ الطَّيْرِ، وإنَّما هى من نَمَائِه، فهى كالوَلَدِ. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ فى هذا ال فَصْلِ كُلِّه؛ ذكَرْنا. فصل: وإذا كانَتْ فى يَدِ زيدٍ دَارٌ، فادَّعَاها عمرٌو، وأَقامَ بَيِّنَةً أَنَّه اشْتَرَاها من خَالدٍ بثَمَنٍ مُسَمَّى نَقَدَه إيَّاه، أَوْ أَنَّ خَالِدًا وَهَبَه تِلْكَ الدَّارَ، لم تُقْبَلْ بَيِّنَتُه بهذا حتَّى يُشْهِدَ أن خَالِدًا باعَه إيَّاها، أو وَهَبَها له وهو يَمْلِكُها، أو يُشْهِدَ أنَّها دَارُ عمرٍو اشْتَراها من خالدٍ، أو يُشْهِدَ أنَّه بَاعَها أو وَهَبَها له، وسَلَّمَها إليه. وإنَّما لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ بمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ والهبَةِ؛ لأنَّ الإِنسانَ قد يَبِيعُ ما لا يَمْلِكُه ويَهَبُه، فلا تُقْبَلُ شهادتُهم به، فإنْ انَضَّم إلى ذلك الشهادةُ للبَائِعِ بالمِلْكِ، أو شَهِدُوا للمُشْتَرِى بالمِلْكِ، أو شَهِدُوا بالتَّسْلِيمِ، فقد شَهِدُوا بتقَدُّمِ اليَدِ، أو بالمِلْكِ للمُدَّعِى، أو لمن بَاعَه، فالظَّاهِرُ أنَّه مِلْكُه؛ لأنَّ اليَدَ تدُلُّ على المِلْكِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وإنَّما قِبلْنَاها وهى (٥٢) شهادَة بمِلْكٍ ماضٍ؛ لأنَّها شَهِدَتْ بالمِلْكِ مع السَّبَبِ، والظَّاهِرُ اسْتِمْرَارُه، بخِلافِ ما إذا لم يُذْكَرِ السَّبَبُ. فصل: وإذا كان فى يَدِ رَجُلٍ طِفْلٌ لا يُعبِّرُ عن نَفْسِه، فادَّعى أنَّه مَمْلُوكُه، قُبِلَتْ دَعْوَاهُ، ولم يُحَلْ بيْنَه وبيْنَه؛ لأنَّ اليَدَ دَلِيلُ المِلْكِ، والصَّبِىُّ ما لم يُعَبِّرُ عن نَفْسِه، فهو كالبَهِيمَةِ والْمَتاعِ (٥٣)، إِلَّا أَنْ يُعْرَفَ أن (٥٤) سَبَبَ يَدِه غيرُ المِلْكِ، مثل أَنْ يلْتَقِطَه، فلا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لرِقِّه؛ لأنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِه، وأمَّا غيرُه فقد وُجِدَ فيه دليلُ المِلْكِ من غَيْرِ مُعارِضٍ، فيُحْكَمُ برِقِّه. فإذا بَلَغَ، فادَّعَى الحُرِّيَّةَ، لم تُقْبَلْ دَعْوَاهُ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ

стр. 7665

برِقِّه قبلَ دَعْوَاهُ. وإِنْ لم يَدَّعِ مِلْكَه، لكنَّه (٥٥) كان يَتَصَرَّفُ فيه بالاسْتِخْدَامِ وغيرِه، فهو كما لو ادَّعَى رِقَّه، ويُحْكَمُ له (٥٦) برِقِّه؛ لأنَّ اليَدَ دَلِيلُ المِلْكِ. فإِنَّ ادَّعَى أجْنَبِىٌّ نَسَبَه، لم يُقْبَلْ؛ لما فيه من الضَّرَرَ على السَّيِّدِ؛ لأنَّ النَّسَبَ مُقَدَّمٌ على الوَلاءِ فى المِيرَاثِ. فإنْ أقامَ البَيِّنَةَ بِنَسَبِه، ثَبُتَ، ولم يَزُلِ المِلْكُ عنه؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ وَلَدَه (٥٧) وهو مَمْلُوكٌ، بأن يَتَزَوَّجَ بأُمِّه، أو يُسْبَى الصَّغِيرُ ثمَّ يُسْلِمَ أبوه، إِلَّا أَنْ يكونَ الأبُ عَرَبِيًّا، فلا يُسْتَرَقُّ ولدُه، فى رِوَايةٍ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ القَديمُ. وإِنْ أقامَ بَيِّنَةً أَنَّه ابنُ حُرَّةٍ، فهو حُرٌّ؛ لأنَّ وَلَدَ الحُرَّةِ لا يَكُونُ إِلَّا حُرًّا. وإِنْ كان الصَّبِىُّ مُمَيِّزًا، يُعبِّرُ عن نَفْسِه، فادَّعَى مَنْ هو فى يَدِه رِقَّهُ، ولم يُعْرَفْ تَقَدُّمُ اليَدِ عليه قبَل تَمْييزِه (٥٨)، إِلَّا أَنَّنَا (٥٩) رَأَيْنَاهُ فى يَدِه وهما يَتَنازَعان، ففيه وَجْهَان، أحدُهما، لا يثْبُتُ مِلْكُه عليه؛ لأنَّه مُعْرِبٌ عن نَفْسِه، ويدَّعِى الحُرِّيَّة، أشْبَهَ البَالِغ. والثَّانِى، يثْبُتُ مِلْكُه عليه؛ لأنَّه صَغِيرٌ ادَّعَى مِلْكَه (٦٠) وهو فى يَدِه، فأشْبَهَ الطِّفْلَ. فأمَّا البَالِغُ إذا ادَّعَى رِقَّه فأنْكَرَ، لم يثْبُتْ رِقُّه إِلَّا ببَيِّنَةٍ. وإن لم تكُنْ بَيِّنَةٌ، فالْقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه فى الحُرِّيَّة؛ لأنَّها الأَصْلُ. وهذا ال فَصْلُ بجَمِيعِه مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، إِلَّا أَنَّ أصْحَابَ الرَّأْىِ قالوا: مَتَى أقامَ إنسانٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ ولدُه، ثَبَتَ النَّسَبُ والحُرِّيَّةُ؛ لأنَّ ظُهُورَ الحُرِّيَّةِ فى وَلَدِ الحُرِّ أكثرُ من احْتِمالِ الرِّقِّ الحَاصِل باليَدِ، لا سِيَّما إذا لم يُعْرَفْ من الرَّجُلِ كُفْرٌ، ولا تَزَوَّج بأمَةٍ، فلا يَبْقَى (٦١) احْتِمالُ الرِّقِّ. وهذا القَوْلُ هو الصَّوَابُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالى. فصل: وإِنْ ادَّعَى اثْنَان رِقَّ بالِغٍ فى أَيْدِيهما، فأنْكَرَهما، فالقَوْلُ قَوْلُه معِ يَمِينِه. وإِنْ اعْتَرَفَ لهما بالرِّقِّ، ثبَتَ رِقُّه. فإن ادَّعَاه كُلُّ وَاحِدٍ منهما لِنَفْسِه، فاعْتَرَف لأحَدِهما، فهو لمَن اعْتَرَفَ له. وبهذا قالَ الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يكونُ بينهما نِصْفَيْن؛ لأنَّ

стр. 7666

يدَهما عليه، فأشْبَهَ الطِّفْلَ والثَّوْبَ. ولَنا، أنَّه إنَّما (٦٢) حكمَ برِقِّه باعْتِرافِه، فكان مَمْلُوكًا لمن اعْتَرَفَ له، كما لو لم تكُنْ يَدُه عليه. ويُخالِفُ الثَّوْبَ والطِّفْلَ؛ فإِنَّ المِلْكَ حَصَلَ فيهما باليَد، وقد تسَاوَيا فيها (٦٣)، وههُنا حَصَلَ بالاعْتِرَافِ، وقد اخْتَصَّ به أحدُهما، فكان مُخْتَصًّا به. فإنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنة أَنَّه مَمْلُوكُه، تعارَضَتا، وسَقَطَتَا، أو يُقْرَعُ (٦٤) بينَهما، أو يُقْسَمُ بينَهما (٦٥)، على ما مَضَى من التَّفْصِيلِ فيه. فإنْ قُلْنا بسُقُوطِهما، ولم يعْتَرِفْ لهما بالرِّقِّ، فهو حُرٌّ، وإِنْ اعْتَرَفَ لأحَدِهما، فهو لمَن اعْتَرَفَ له، وإِنْ أقرَّ لهما معًا، فهو بينهما؛ لأنَّ البَيِّنتَيْن سَقَطَتَا، وصارَتا كالمعْدُومَتَيْن. فإنْ قُلْنا بالقُرْعَةِ أو القِسْمَة، فأنْكَرَهما، لم يُلْتفَتْ إلى إنْكَارِه، وإِنْ اعْتَرَف لأحَدِهما، لم يُلْتفَتْ إلى اعْتِرَافِه؛ لأنَّ رِقَّهُ ثَابتٌ بالبَيِّنَةِ، فلم تَبْقٍ له يَدٌ على نَفْسِه، كما قُلْنا فيما إذا ادَّعَى رَجُلان دَارًا فى يد ثَالثٍ، وأقامَ كُلُّ واحِد منهما بَيِّنَةً أنَّها مِلْكُه، واعْتَرَفَ أنَّها ليستْ له، ثم أقرَّ أنَّها (٦٦) لأحَدِهما، لم يَرْجُحْ بإقْرَارِه. فصل: ولو كان فى يَده صَغيرَةٌ، فادَّعَى نِكاحَها، لم يُقْبَلْ منه، ولا يُخْلَى بينَها وبينَه. ولو ادَّعَى رِقَّها قُبِلَ منه، إذا كانت طِفْلَة لا تُعَبِّرُ عن نَفْسِها؛ لأنَّ اليَدَ دَلِيلُ المِلْكِ، وأمَّا المُدَّعِى للنِّكَاحِ (٦٧)، فهو مُقِرٌّ بحُريَّتِها، أو بأنَّها غيرُ مَمْلُوكةٍ له، واليَدُ لاتثْبُتُ علي الحُرِّ، فإذا كبِرَتْ فاعْتَرَفَتْ له بالنِّكَاحِ، قُبِلَ إقْرَارُها. فصل: ولو ادَّعَى مِلْكَ عَيْنٍ، وأقامَ به بيِّنَةً، وادَّعَى آخَرُ أنَّه باعَها منه، أو وَهَبَها إيَّاهُ، أو وَقَفَها عليه، أو ادَّعَتْ امرَأتُه أنَّه أصْدَقَها إيَّاهَا، أو أعْتَقَها، وأقَامَ بذلك بَيِّنَةً، قُضِىَ له بها. بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ بَيِّنَةَ هذا شَهِدَتْ بأمْرٍ (٦٨) خَفِىَ على البَيِّنَةِ الأُخْرَى، والبَيِّنَةُ الأُخْرَى شَهِدَتْ بالأصْلِ، فيُمْكِنُ أنَّه كان مِلْكَه، ثم صَنَعَ به ما

стр. 7667

شَهِدَّتْ به البَيِّنَةُ الأُخْرَى. ولو مات رجلٌ، وَتَرَكَ (٦٩) دَارًا، فادَّعَى ابنُه أنَّه خَلَّفَها مِيرَاثًا، وادَّعَتِ امْرَأتُه أنَّه أصْدَقَها إيَّاهَا، وأقاما بذلك بَيِّنَتَيْن، حُكِمَ بها للمَرْأةِ، لأنَّها تَدَّعِى أمْرًا زَائِدًا خَفِىَ على بَيِّنَةِ الابْنِ، وسَواءٌ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بالشِّراءِ وما فى مَعْناه، بأنَّه باعَ مِلْكَه أو ما فى يَده، أو لم تَشْهَدْ بذلك، وسَواءٌ شَهِدَتْ بالبَيْعِ والقَبْضِ، أو لم تَذْكُرِ القَبْضَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيِفةَ: لا يَثْبُتُ المِلْكُ للمُشْتَرِى، ولا تُزالُ يَدُ البَائِعِ، إلا أَنْ تَشْهَدَ البَيِّنةُ بأنَّه بَاعَ مِلْكَه أو ما فى يَده؛ لأنَّ البَيْعَ المُطْلَقَ ليس بحُجَّةٍ؛ لأنَّه قد يَبِيعُ مالا يَمْلِكُ. ولَنا، أَنَّ بَيِّنَةَ البائِعِ أثبتَت المِلْكَ له، فإذا قامَتْ (٧٠) بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ عليه، كانتْ حُجَّةً عليه فى إزَالَةِ مِلْكِه عنها إلى المُشْتَرِى، فوَجَبَ القَضَاءُ له بها. ولو ادَّعَى إنسانٌ دارًا فى يَدِ رَجُلٍ أنَّها لى منذُ سنةٍ، وأقامَ بهذا بَيِّنَةً، فجاءَ ثالِثٌ، فادَّعَى أنَّه اشْتَرَاها من مُدَّعِيها منذُ سَنَتَيْن، وأقامَ بهذا بَيِّنَةً، ثَبتَتْ (٧١) لِمُدَّعِى الشِّرَاءِ، وليس فى شهادَةِ الْبَيِّنَةِ الأُوَلى أنَّه تملَّكَها منذُ سَنَةٍ، ما يُبْطِلُ أنَّها له منذُ سَنَتَيْن؛ لأنَّه لا تَنافِىَ بين مِلْكِها منذُ سَنَتَيْن، ومِلْكِها منذُ سَنَةٍ، فإِنَّ المالِكَ منذُ سَنَتَيْن، يسْتَمِرُّ مِلْكُه فى السنَّةَ الثَّانِيةِ. فإنْ قالتْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ: وهو (٧٢) مَالِكُها. ثَبَتَ المِلْكُ، بغيرِ خِلافٍ، وإِنْ لم تَقُلْ ذلك، كان فيه من الخِلافِ ما قد ذَكَرْنَاه. فصل: ولو ادَّعَى رَجُلٌ مِلْكَ دَارٍ فى يَد آخَرَ، وادَّعَى صَاحِبُ اليَدِ أنَّها فى يَدِه منذُ سَنَتَيْن، وأقام كُلُّ وَاحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْوَاهُ، فهى لمُدَّعِى المِلْكِ، بلا خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه لا تَنَافِىَ بينَ الدَّعْوَتَيْن ولا البيِّنَتَيْن؛ لأنَّها قد تكونُ مِلْكًا له وهى فى يَدِ الآخَرِ. وإِنْ ادَّعى دَابَّةً أنَّها له منذُ عَشْرِ سِنينَ، وأقامَ بهذا بيِّنَةً، فوُ جِدَتِ الدَّابَّةُ لها أقلُّ من عشرِ سِنِينَ، فالبَيِّنَةُ كاذِبَةٌ، والدَّابَّةُ لمَنْ هى فى يَدِه. فصل: وإذا شَهِدَ شاهدِان على رجلٍ أنَّه أقرَّ لفُلان بألْفٍ، وشَهِدَ أحدُهما أنَّه قَضَاهُ،

стр. 7668

ثَبَتَ الإِقْرَارُ، فإنْ حَلَفَ مع شاهِدِه (٧٣) على القضَاءِ، ثَبَتَ، وإِلَّا حَلفَ المُقَرُّ له أنَّه لم يَقْضِه، ويثْبُتُ (٧٤) له الألْفُ. وإِنْ شَهِدَ أحدُهما أنَّ له عليه ألْفًا، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَضَاهُ ألفًا، لم (٧٥) تَثْبُتْ عليه الألْفُ؛ لأنَّ شاهِدَ القَضاءِ لم يَشْهَدْ بألْفٍ عليه، وإنَّما تَضَمَّنَتْ شَهادَتُه أنَّها كانت عليه، والشَّهادَةُ لا تُقْبَلُ إلا صَرِيحَةً، بخِلافِ المسْألَةِ الأُولَى؛ فإِنَّ البَيِّنَةَ أثبَتَتْ الألفَ بشهَادَتِها الصَّرِيحةِ بها. ولو ادَّعَى أنَّه أقْرَضَه ألفًا، فقال: لا يَسْتحِقُّ علىَّ شيْئًا. فأقامَ بَيِّنَةً بالقَرْضِ، وأقام المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً أنَّه قَضاهُ ألفًا، ولم يُعْرَفِ التَّارِيخُ، بَرِى بالقَضاءِ؛ لأنَّه لم يثْبُتْ عديه إلا ألفٌ وَاحِدٌ، ولا يكونُ القَضاءُ إِلَّا لما عليه، فلهذا جُعِلَ القَضاءُ للألفِ الثَّابتَةِ (٧٦). وإِنْ قال: ما أقرَضْتَنِى (٧٧). ثم أقَامَ بَيَنةً بالقَضاءِ، لم تُقْبَلْ بَيِّنَتُه [فى أنَّه قضَاهُ القَرْضَ] (٧٨)؛ لأنَّه بإنْكَارِه القَرْضَ تعَيَّن صَرْفُها إلى قَضاءِ غيرِه. ولو لم يُنْكِرِ القَرْضَ، إِلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ القَضاءِ كانت مُؤَرَّخَة بتَارِيخٍ سَابِقٍ على القَرْضِ، لم يجُزْ صَرْفُها إلى قَضَاءِ القَرْضِ؛ لأنَّه لا يُقْضَى القَرْضُ قبلَ وُجُودِه. ١٩٣٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَادَّعَى المُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَادَّعَى الْكَافِرُ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ كَافِرًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَافِرِ مَعَ يَمينِه؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ ب اعْتِرَافِهِ بأُخُوَّةِ الْكَافِرِ، مُعْتَرِفٌ (١) أَنَّ (٢) أَبَاهُ كانَ كَافِرًا، مُدَّعٍ (٣) لإِسْلَامِهِ. وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفَ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بِأُخُوَّتِهِ، كَانَ الْمِيْرَاثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِتَسَاوِى أيْدِيهِمَا) وجملتُه أنَّه إذا مات رجلٌ، لا يُعْرَفُ دِينُه، وخَلَّفَ تَركِةً وابْنَيْن، يَعْتَرِفان أنَّه أبُوهما،

стр. 7669

أحدُهما مُسْلمٌ، والآخَرُ كَافِرٌ، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه مات على دِينِه، وأنَّ المِيرَاثَ له دونَ أخِيهِ، فالمِيراثُ للكافِرِ؛ لأنَّ دَعْوَى المُسْلِمِ لا تَخْلُو من أَنْ يَدَّعِىَ كَوْنَ المَيِّتِ مُسْلِمًا أصْلِيًّا، فيجبَ كونُ أوْلَادِه مُسْلِمِين، ويكونَ أخُوهُ الكَافِرُ مُرْتَدًّا، وهذا خِلافُ الظَّاهِرِ، فإِنَّ المُرْتَدَّ لا يُقَرُّ على رِدَّتِه فى دَارِ الإِسْلَامِ. أو يقولَ: إِنَّ إبَاه كان كَافِرًا، فأسْلَمَ قبلَ مَوْتِه. فهو مُعْتَرِفٌ بأنَّ الأصْلَ ما قالَه أخُوهُ، مُدَّعٍ زَوَالَه وانْتِقالَه، والأصْلُ بَقَاءُ ما كان عليه (٤) على ما كان، حتى يثْبُتَ زَوَالُه. وهذا معنى قَوْلِ الخِرَقِى: إِنَّ المسْلِمَ باعْتِرَافِه بأخُوَّةِ الكَافِرِ مُعْتَرِفٌ أن أبَاه كان كَافِرًا، مُدَّعٍ (٥) لإِسْلَامِه. وذكر ابن أبى موسى، عن أحمدَ، رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّهما فى الدَّعْوَى سَواءٌ، فالمِيرَاثُ بينهما نِصْفَيْن، كما لو تَنازَعَ اثْنان عَيْنًا فى أيْدِيهما. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ المِيرَاثُ للمُسْلِمِ منهما. وهو قوْلُ أبى حنِيفةَ؛ لأنَّ الدَّارَ دارُ الإِسلامِ، يُحْكَمُ بإسْلامِ لَقِيطِها، ويَثْبُتُ للميِّتِ (٦) فيها، إذا لم يُعْرَفْ [أصْلُ دِينِه] (٧)، حُكْمُ الإِسلامِ؛ فى الصَّلاةِ عليه، ودَفْنِه، وتَكْفِينِه من الوَقْفِ الموْقُوفِ على أكْفَانِ مَوْتَى المسلمين، ولأنَّ هذا حُكْمُه حُكْمُ (٨) المسلمين فى تَغْسِيلِه، والصَّلاةِ عليه، ودَفْنِه فى مَقَابِرِ المُسْلِمين، وسائِرِ أحْكَامِه، فكذلك فى مِيراثِه، ولأنَّ الإِسْلامَ يعْلُو ولا يُعْلَى عليه (٦)، ويجوزُ أَنْ يكونَ أخُوه الكافِرُ مُرْتدًّا، لم تَثْبُتْ عند الحَاكِمِ رِدَّتُه، ولم يَنْتَهِ إلى الإِمامِ خبرُه، وظُهورُ الإِسلامِ بِناءً على هذا أكثرُ من ظُهورِ الكُفْرِ بِناءً على كُفْرِ أبيهِ، ولهذا جَعَلَ الشَّرْعُ أحْكَامَه أحْكامَ المسلمين، فيما عَدَا المُتَنَازَعَ فيه. وقال القاضى: قياسُ المذهِبِ أنَّا نَنْظُرُ؛ فإنْ كانتِ التَّرِكَةُ فى أيْديهما، قُسِمَتْ بينهما نِصْفَيْن، وإِنْ لم تكُنْ فى أيْدِيهما، قُرِعَ (٩) بينهما، فمنْ قَرَعَ صَاحِبَه، حَلَفَ، واسْتَحَقَّ، كما قُلْنا فيما إذا تَدَاعَيا عَيْنًا. ويقْتَضِى كَلامُه، أنَّها إذا كانت فى يَد أحَدِهما، فهى له مع يَمِينِه. وهذا لا يَصْلُحُ (١٠)؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يعْتَرِفُ أَنَّ هذه التّركَةَ تَركِةُ هذا المَيِّتِ، وأنَّه إنّما

стр. 7670

يَسْتَحِقُّها بالمِيرَاثِ، فلا حُكْمَ ليَدِه. وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يقِفَ الأَمْرُ حتَّى يُعْرَفَ أصْلُ دِينِه، أو يصْطَلِحَا (١١). وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. ولَنا، ما ذَكَرْناه من الدَّلِيلِ على ظُهُورِ كُفْرِه، وعند ذلك يَتَعَيَّنُ التَّرْجِيحُ لقَوْلِه، وصَرْفُ المِيرَاثِ إليه، وأمَّا ظُهُورُ حُكْمِ الإِسْلَامِ فى الصَّلَاةِ عليه؛ فلأنَّ الصَّلاةَ لا ضَرَرَ فيها على أحَدٍ، وكذلك تَغْسِيلُه ودَفْنُه. وأمَّا قَوْلُه: إِنَّ الإِسلامَ يعلُو ولا يُعْلَى. فإنَّما يعْلُو إذا ثَبَتَ، والنِّزَاعُ فى ثُبُوتِه. وهذا فيما إذا لم يَثْبُتْ [أصْلُ دِينِه] (١٢)، فأمَّا إِنْ ثَبَتَ أصْلُ دِينِه، فالقولُ قولُ مَنْ يَنْفِيه عليه مع يَمِينِه. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو حنِيفةَ: القوْلُ قولُ المُسْلِمِ على كُلِّ حَالٍ؛ لما ذَكَرَ (١٣) فى التى قَبْلَها. ولَنا؛ أَنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما كان عليه، فكان القوْلُ قولَ مَنْ يَدَّعِيهِ، كسائِرِ المواضِعِ. فأمَّا إِنْ لم يَعْتَرِفِ المُسْلِمُ بأخُوَّةِ الكَافِرِ، وادَّعى كُلُّ وَاحِدٍ منهما أَنَّ المَيِّتَ أبوهُ دونَ الآخَرِ، فهما سَواءٌ فى الدَّعْوَى (١٤)؛ لتَسَاوِى أيْدِيهما ودَعَاوِيهما، فإِنَّ المسلمَ والكَافِرَ فى الدَّعْوَى سَواءٌ، ويُقْسَمُ مِيراثه نِصْفَيْن، كما لو كان فى أيْدِيهما دَارٌ، فادَّعَاها كُلُّ واحِدٍ منهما، ولا بَيِّنَةَ لهما. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ قولُ المسْلِمِ؛ لما ذَكَرْنا. واللَّهُ أعلمُ. ١٩٤٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أَقَامَ الْمُسْلِمُ بَيِّنَةً أنَّه مَاتَ مُسْلِمًا، وَأَقَامَ الْكافِرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا، أُسْقِطَتِ الْبيِّنَتَانِ، وَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا. وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا . وَقَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَانَ مُسْلِمًا، فَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأنَّ الْإِسْلَامَ يَطْرَأُ على الْكُفْرِ إِذَا لَمْ يُؤرِّخِ (١) الشُّهُودُ (٢) مِعْرِفَتَهُمْ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا خَلَّفَ الميِّتُ وَلَدَيْن، مُسْلِمًا وكَافِرًا، فادَّعَى المُسْلِمُ أنَّه ماتَ مُسْلِمًا، وأقامَ [بذلك بَيِّنَةً، وأقامَ] (٣) الكَافِرُ بيِّنَةً من المُسْلِمِين، أنَّه مات كَافِرًا، ولم
следующие страницы →