← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

يدَهما عليه، فأشْبَهَ الطِّفْلَ والثَّوْبَ. ولَنا، أنَّه إنَّما (٦٢) حكمَ برِقِّه باعْتِرافِه، فكان مَمْلُوكًا لمن اعْتَرَفَ له، كما لو لم تكُنْ يَدُه عليه. ويُخالِفُ الثَّوْبَ والطِّفْلَ؛ فإِنَّ المِلْكَ حَصَلَ فيهما باليَد، وقد تسَاوَيا فيها (٦٣)، وههُنا حَصَلَ بالاعْتِرَافِ، وقد اخْتَصَّ به أحدُهما، فكان مُخْتَصًّا به. فإنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنة أَنَّه مَمْلُوكُه، تعارَضَتا، وسَقَطَتَا، أو يُقْرَعُ (٦٤) بينَهما، أو يُقْسَمُ بينَهما (٦٥)، على ما مَضَى من التَّفْصِيلِ فيه. فإنْ قُلْنا بسُقُوطِهما، ولم يعْتَرِفْ لهما بالرِّقِّ، فهو حُرٌّ، وإِنْ اعْتَرَفَ لأحَدِهما، فهو لمَن اعْتَرَفَ له، وإِنْ أقرَّ لهما معًا، فهو بينهما؛ لأنَّ البَيِّنتَيْن سَقَطَتَا، وصارَتا كالمعْدُومَتَيْن. فإنْ قُلْنا بالقُرْعَةِ أو القِسْمَة، فأنْكَرَهما، لم يُلْتفَتْ إلى إنْكَارِه، وإِنْ اعْتَرَف لأحَدِهما، لم يُلْتفَتْ إلى اعْتِرَافِه؛ لأنَّ رِقَّهُ ثَابتٌ بالبَيِّنَةِ، فلم تَبْقٍ له يَدٌ على نَفْسِه، كما قُلْنا فيما إذا ادَّعَى رَجُلان دَارًا فى يد ثَالثٍ، وأقامَ كُلُّ واحِد منهما بَيِّنَةً أنَّها مِلْكُه، واعْتَرَفَ أنَّها ليستْ له، ثم أقرَّ أنَّها (٦٦) لأحَدِهما، لم يَرْجُحْ بإقْرَارِه. فصل: ولو كان فى يَده صَغيرَةٌ، فادَّعَى نِكاحَها، لم يُقْبَلْ منه، ولا يُخْلَى بينَها وبينَه. ولو ادَّعَى رِقَّها قُبِلَ منه، إذا كانت طِفْلَة لا تُعَبِّرُ عن نَفْسِها؛ لأنَّ اليَدَ دَلِيلُ المِلْكِ، وأمَّا المُدَّعِى للنِّكَاحِ (٦٧)، فهو مُقِرٌّ بحُريَّتِها، أو بأنَّها غيرُ مَمْلُوكةٍ له، واليَدُ لاتثْبُتُ علي الحُرِّ، فإذا كبِرَتْ فاعْتَرَفَتْ له بالنِّكَاحِ، قُبِلَ إقْرَارُها. فصل: ولو ادَّعَى مِلْكَ عَيْنٍ، وأقامَ به بيِّنَةً، وادَّعَى آخَرُ أنَّه باعَها منه، أو وَهَبَها إيَّاهُ، أو وَقَفَها عليه، أو ادَّعَتْ امرَأتُه أنَّه أصْدَقَها إيَّاهَا، أو أعْتَقَها، وأقَامَ بذلك بَيِّنَةً، قُضِىَ له بها. بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ بَيِّنَةَ هذا شَهِدَتْ بأمْرٍ (٦٨) خَفِىَ على البَيِّنَةِ الأُخْرَى، والبَيِّنَةُ الأُخْرَى شَهِدَتْ بالأصْلِ، فيُمْكِنُ أنَّه كان مِلْكَه، ثم صَنَعَ به ما

стр. 7667

شَهِدَّتْ به البَيِّنَةُ الأُخْرَى. ولو مات رجلٌ، وَتَرَكَ (٦٩) دَارًا، فادَّعَى ابنُه أنَّه خَلَّفَها مِيرَاثًا، وادَّعَتِ امْرَأتُه أنَّه أصْدَقَها إيَّاهَا، وأقاما بذلك بَيِّنَتَيْن، حُكِمَ بها للمَرْأةِ، لأنَّها تَدَّعِى أمْرًا زَائِدًا خَفِىَ على بَيِّنَةِ الابْنِ، وسَواءٌ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بالشِّراءِ وما فى مَعْناه، بأنَّه باعَ مِلْكَه أو ما فى يَده، أو لم تَشْهَدْ بذلك، وسَواءٌ شَهِدَتْ بالبَيْعِ والقَبْضِ، أو لم تَذْكُرِ القَبْضَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيِفةَ: لا يَثْبُتُ المِلْكُ للمُشْتَرِى، ولا تُزالُ يَدُ البَائِعِ، إلا أَنْ تَشْهَدَ البَيِّنةُ بأنَّه بَاعَ مِلْكَه أو ما فى يَده؛ لأنَّ البَيْعَ المُطْلَقَ ليس بحُجَّةٍ؛ لأنَّه قد يَبِيعُ مالا يَمْلِكُ. ولَنا، أَنَّ بَيِّنَةَ البائِعِ أثبتَت المِلْكَ له، فإذا قامَتْ (٧٠) بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ عليه، كانتْ حُجَّةً عليه فى إزَالَةِ مِلْكِه عنها إلى المُشْتَرِى، فوَجَبَ القَضَاءُ له بها. ولو ادَّعَى إنسانٌ دارًا فى يَدِ رَجُلٍ أنَّها لى منذُ سنةٍ، وأقامَ بهذا بَيِّنَةً، فجاءَ ثالِثٌ، فادَّعَى أنَّه اشْتَرَاها من مُدَّعِيها منذُ سَنَتَيْن، وأقامَ بهذا بَيِّنَةً، ثَبتَتْ (٧١) لِمُدَّعِى الشِّرَاءِ، وليس فى شهادَةِ الْبَيِّنَةِ الأُوَلى أنَّه تملَّكَها منذُ سَنَةٍ، ما يُبْطِلُ أنَّها له منذُ سَنَتَيْن؛ لأنَّه لا تَنافِىَ بين مِلْكِها منذُ سَنَتَيْن، ومِلْكِها منذُ سَنَةٍ، فإِنَّ المالِكَ منذُ سَنَتَيْن، يسْتَمِرُّ مِلْكُه فى السنَّةَ الثَّانِيةِ. فإنْ قالتْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ: وهو (٧٢) مَالِكُها. ثَبَتَ المِلْكُ، بغيرِ خِلافٍ، وإِنْ لم تَقُلْ ذلك، كان فيه من الخِلافِ ما قد ذَكَرْنَاه. فصل: ولو ادَّعَى رَجُلٌ مِلْكَ دَارٍ فى يَد آخَرَ، وادَّعَى صَاحِبُ اليَدِ أنَّها فى يَدِه منذُ سَنَتَيْن، وأقام كُلُّ وَاحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْوَاهُ، فهى لمُدَّعِى المِلْكِ، بلا خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه لا تَنَافِىَ بينَ الدَّعْوَتَيْن ولا البيِّنَتَيْن؛ لأنَّها قد تكونُ مِلْكًا له وهى فى يَدِ الآخَرِ. وإِنْ ادَّعى دَابَّةً أنَّها له منذُ عَشْرِ سِنينَ، وأقامَ بهذا بيِّنَةً، فوُ جِدَتِ الدَّابَّةُ لها أقلُّ من عشرِ سِنِينَ، فالبَيِّنَةُ كاذِبَةٌ، والدَّابَّةُ لمَنْ هى فى يَدِه. فصل: وإذا شَهِدَ شاهدِان على رجلٍ أنَّه أقرَّ لفُلان بألْفٍ، وشَهِدَ أحدُهما أنَّه قَضَاهُ،

стр. 7668

ثَبَتَ الإِقْرَارُ، فإنْ حَلَفَ مع شاهِدِه (٧٣) على القضَاءِ، ثَبَتَ، وإِلَّا حَلفَ المُقَرُّ له أنَّه لم يَقْضِه، ويثْبُتُ (٧٤) له الألْفُ. وإِنْ شَهِدَ أحدُهما أنَّ له عليه ألْفًا، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَضَاهُ ألفًا، لم (٧٥) تَثْبُتْ عليه الألْفُ؛ لأنَّ شاهِدَ القَضاءِ لم يَشْهَدْ بألْفٍ عليه، وإنَّما تَضَمَّنَتْ شَهادَتُه أنَّها كانت عليه، والشَّهادَةُ لا تُقْبَلُ إلا صَرِيحَةً، بخِلافِ المسْألَةِ الأُولَى؛ فإِنَّ البَيِّنَةَ أثبَتَتْ الألفَ بشهَادَتِها الصَّرِيحةِ بها. ولو ادَّعَى أنَّه أقْرَضَه ألفًا، فقال: لا يَسْتحِقُّ علىَّ شيْئًا. فأقامَ بَيِّنَةً بالقَرْضِ، وأقام المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً أنَّه قَضاهُ ألفًا، ولم يُعْرَفِ التَّارِيخُ، بَرِى بالقَضاءِ؛ لأنَّه لم يثْبُتْ عديه إلا ألفٌ وَاحِدٌ، ولا يكونُ القَضاءُ إِلَّا لما عليه، فلهذا جُعِلَ القَضاءُ للألفِ الثَّابتَةِ (٧٦). وإِنْ قال: ما أقرَضْتَنِى (٧٧). ثم أقَامَ بَيَنةً بالقَضاءِ، لم تُقْبَلْ بَيِّنَتُه [فى أنَّه قضَاهُ القَرْضَ] (٧٨)؛ لأنَّه بإنْكَارِه القَرْضَ تعَيَّن صَرْفُها إلى قَضاءِ غيرِه. ولو لم يُنْكِرِ القَرْضَ، إِلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ القَضاءِ كانت مُؤَرَّخَة بتَارِيخٍ سَابِقٍ على القَرْضِ، لم يجُزْ صَرْفُها إلى قَضَاءِ القَرْضِ؛ لأنَّه لا يُقْضَى القَرْضُ قبلَ وُجُودِه. ١٩٣٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَادَّعَى المُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَادَّعَى الْكَافِرُ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ كَافِرًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَافِرِ مَعَ يَمينِه؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ ب اعْتِرَافِهِ بأُخُوَّةِ الْكَافِرِ، مُعْتَرِفٌ (١) أَنَّ (٢) أَبَاهُ كانَ كَافِرًا، مُدَّعٍ (٣) لإِسْلَامِهِ. وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفَ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بِأُخُوَّتِهِ، كَانَ الْمِيْرَاثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِتَسَاوِى أيْدِيهِمَا) وجملتُه أنَّه إذا مات رجلٌ، لا يُعْرَفُ دِينُه، وخَلَّفَ تَركِةً وابْنَيْن، يَعْتَرِفان أنَّه أبُوهما،

стр. 7669

أحدُهما مُسْلمٌ، والآخَرُ كَافِرٌ، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه مات على دِينِه، وأنَّ المِيرَاثَ له دونَ أخِيهِ، فالمِيراثُ للكافِرِ؛ لأنَّ دَعْوَى المُسْلِمِ لا تَخْلُو من أَنْ يَدَّعِىَ كَوْنَ المَيِّتِ مُسْلِمًا أصْلِيًّا، فيجبَ كونُ أوْلَادِه مُسْلِمِين، ويكونَ أخُوهُ الكَافِرُ مُرْتَدًّا، وهذا خِلافُ الظَّاهِرِ، فإِنَّ المُرْتَدَّ لا يُقَرُّ على رِدَّتِه فى دَارِ الإِسْلَامِ. أو يقولَ: إِنَّ إبَاه كان كَافِرًا، فأسْلَمَ قبلَ مَوْتِه. فهو مُعْتَرِفٌ بأنَّ الأصْلَ ما قالَه أخُوهُ، مُدَّعٍ زَوَالَه وانْتِقالَه، والأصْلُ بَقَاءُ ما كان عليه (٤) على ما كان، حتى يثْبُتَ زَوَالُه. وهذا معنى قَوْلِ الخِرَقِى: إِنَّ المسْلِمَ باعْتِرَافِه بأخُوَّةِ الكَافِرِ مُعْتَرِفٌ أن أبَاه كان كَافِرًا، مُدَّعٍ (٥) لإِسْلَامِه. وذكر ابن أبى موسى، عن أحمدَ، رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّهما فى الدَّعْوَى سَواءٌ، فالمِيرَاثُ بينهما نِصْفَيْن، كما لو تَنازَعَ اثْنان عَيْنًا فى أيْدِيهما. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ المِيرَاثُ للمُسْلِمِ منهما. وهو قوْلُ أبى حنِيفةَ؛ لأنَّ الدَّارَ دارُ الإِسلامِ، يُحْكَمُ بإسْلامِ لَقِيطِها، ويَثْبُتُ للميِّتِ (٦) فيها، إذا لم يُعْرَفْ [أصْلُ دِينِه] (٧)، حُكْمُ الإِسلامِ؛ فى الصَّلاةِ عليه، ودَفْنِه، وتَكْفِينِه من الوَقْفِ الموْقُوفِ على أكْفَانِ مَوْتَى المسلمين، ولأنَّ هذا حُكْمُه حُكْمُ (٨) المسلمين فى تَغْسِيلِه، والصَّلاةِ عليه، ودَفْنِه فى مَقَابِرِ المُسْلِمين، وسائِرِ أحْكَامِه، فكذلك فى مِيراثِه، ولأنَّ الإِسْلامَ يعْلُو ولا يُعْلَى عليه (٦)، ويجوزُ أَنْ يكونَ أخُوه الكافِرُ مُرْتدًّا، لم تَثْبُتْ عند الحَاكِمِ رِدَّتُه، ولم يَنْتَهِ إلى الإِمامِ خبرُه، وظُهورُ الإِسلامِ بِناءً على هذا أكثرُ من ظُهورِ الكُفْرِ بِناءً على كُفْرِ أبيهِ، ولهذا جَعَلَ الشَّرْعُ أحْكَامَه أحْكامَ المسلمين، فيما عَدَا المُتَنَازَعَ فيه. وقال القاضى: قياسُ المذهِبِ أنَّا نَنْظُرُ؛ فإنْ كانتِ التَّرِكَةُ فى أيْديهما، قُسِمَتْ بينهما نِصْفَيْن، وإِنْ لم تكُنْ فى أيْدِيهما، قُرِعَ (٩) بينهما، فمنْ قَرَعَ صَاحِبَه، حَلَفَ، واسْتَحَقَّ، كما قُلْنا فيما إذا تَدَاعَيا عَيْنًا. ويقْتَضِى كَلامُه، أنَّها إذا كانت فى يَد أحَدِهما، فهى له مع يَمِينِه. وهذا لا يَصْلُحُ (١٠)؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يعْتَرِفُ أَنَّ هذه التّركَةَ تَركِةُ هذا المَيِّتِ، وأنَّه إنّما

стр. 7670

يَسْتَحِقُّها بالمِيرَاثِ، فلا حُكْمَ ليَدِه. وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يقِفَ الأَمْرُ حتَّى يُعْرَفَ أصْلُ دِينِه، أو يصْطَلِحَا (١١). وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. ولَنا، ما ذَكَرْناه من الدَّلِيلِ على ظُهُورِ كُفْرِه، وعند ذلك يَتَعَيَّنُ التَّرْجِيحُ لقَوْلِه، وصَرْفُ المِيرَاثِ إليه، وأمَّا ظُهُورُ حُكْمِ الإِسْلَامِ فى الصَّلَاةِ عليه؛ فلأنَّ الصَّلاةَ لا ضَرَرَ فيها على أحَدٍ، وكذلك تَغْسِيلُه ودَفْنُه. وأمَّا قَوْلُه: إِنَّ الإِسلامَ يعلُو ولا يُعْلَى. فإنَّما يعْلُو إذا ثَبَتَ، والنِّزَاعُ فى ثُبُوتِه. وهذا فيما إذا لم يَثْبُتْ [أصْلُ دِينِه] (١٢)، فأمَّا إِنْ ثَبَتَ أصْلُ دِينِه، فالقولُ قولُ مَنْ يَنْفِيه عليه مع يَمِينِه. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو حنِيفةَ: القوْلُ قولُ المُسْلِمِ على كُلِّ حَالٍ؛ لما ذَكَرَ (١٣) فى التى قَبْلَها. ولَنا؛ أَنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما كان عليه، فكان القوْلُ قولَ مَنْ يَدَّعِيهِ، كسائِرِ المواضِعِ. فأمَّا إِنْ لم يَعْتَرِفِ المُسْلِمُ بأخُوَّةِ الكَافِرِ، وادَّعى كُلُّ وَاحِدٍ منهما أَنَّ المَيِّتَ أبوهُ دونَ الآخَرِ، فهما سَواءٌ فى الدَّعْوَى (١٤)؛ لتَسَاوِى أيْدِيهما ودَعَاوِيهما، فإِنَّ المسلمَ والكَافِرَ فى الدَّعْوَى سَواءٌ، ويُقْسَمُ مِيراثه نِصْفَيْن، كما لو كان فى أيْدِيهما دَارٌ، فادَّعَاها كُلُّ واحِدٍ منهما، ولا بَيِّنَةَ لهما. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ قولُ المسْلِمِ؛ لما ذَكَرْنا. واللَّهُ أعلمُ. ١٩٤٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أَقَامَ الْمُسْلِمُ بَيِّنَةً أنَّه مَاتَ مُسْلِمًا، وَأَقَامَ الْكافِرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا، أُسْقِطَتِ الْبيِّنَتَانِ، وَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا. وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا . وَقَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَانَ مُسْلِمًا، فَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأنَّ الْإِسْلَامَ يَطْرَأُ على الْكُفْرِ إِذَا لَمْ يُؤرِّخِ (١) الشُّهُودُ (٢) مِعْرِفَتَهُمْ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا خَلَّفَ الميِّتُ وَلَدَيْن، مُسْلِمًا وكَافِرًا، فادَّعَى المُسْلِمُ أنَّه ماتَ مُسْلِمًا، وأقامَ [بذلك بَيِّنَةً، وأقامَ] (٣) الكَافِرُ بيِّنَةً من المُسْلِمِين، أنَّه مات كَافِرًا، ولم

стр. 7671

يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه، فهما مُتَعَارِضَتَان. وإِنْ عُرِفَ أصْلُ دِينِه، نظَرْنا فى لَفْظِ الشَّهَادَة؛ فإنْ شَهِدَت كُلُّ وَاحِدَةٍ منهما أنَّه كان آخِرُ كَلامِه التَّلفُّظَ بما شَهِدَتْ به، فهما مُتَعَارِضَتَان، وإِنْ شَهدَتْ إحدَاهما أنَّه مات على دِينِ الإِسلامِ، وشَهِدَتِ الأُخْرَى أنَّه مات على دينِ الكُفْرِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَهُّ مَنْ يَدَّعِى انْتِقَالَه عن دِينِه؛ لأنَّ الْمُبقِيةَ له على أصْلِ دِينِه، ثبتَت شهادَتُها على الأَصْلِ الذى تعْرفُه؛ لأنَّهما إذا عَرَفا أصْلَ دِينِه ولم يَعْرِفا انْتِقَالَه عنه، جازَ لهما أن يَشْهَدَا أنَّه ماتَ على دِينِه الذى عَرفَاه، والبَيِّنةُ الأُخْرَى معها عِلْمٌ لم تَعْلَمْه الأُولَى، فُقدِّمتْ عليها، كما لو شَهدَا (٤) بأنَّ هذا العَبْدَ كان مِلْكًا لفُلانٍ إلى أَنْ ماتَ، وشَهِدَ آخَرِان أنَّه أعْتَقَه أو بَاعَه قَبْلَ مَوْتِه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ العِتْقِ والبَيْعِ. فأمَّا إِنْ قال شاهِدَان: نَعْرِفُه [قبل مَوْتِه قد] (٥) كان مُسْلِمًا. وقال شَاهِدَان: نعْرِفُه كان (٦) كَافِرًا. نَظَرْنَا فى تَاريخِهما؛ فإنْ كانَتَا مُؤَرَّخَتَيْن بتَاريِخَيْن مُخْتَلِفَيْن، عُمِلَ بالآخِرةِ منهما؛ لأنَّه ثبتَ أنَّه انْتَقَلَ عمَّا شَهِدَتْ به الأُولَى، إلى ما شَهدَتْ به الآخِرَةُ. وإن كانَتا مُطْلَقَتَيْن، أو إحدَاهما مُطْلَقَةٌ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ المسلمِ؛ لأنَّ المسلِمَ لا يُقَرُّ على الكُفْرِ فى دارِ الإِسْلامِ، وقد يُسْلِمُ الكافِرُ، فيُقَرُّ. وإِنْ كانَتا مُؤَرَّخَتَيْن بتارِيخٍ واحِدٍ، نَظَرْتَ فى شَهادَتهما، فإنْ كانتْ على اللَّفْظِ، فهما مُتَعارِضَتان. وإِنْ لم تكُن على اللَّفْظِ، ولم يُعْرَف أصْلُ دِينِه، فهما مُتَعارِضَتان. وإِنْ عُرِفَ أصْلُ دِينِه، قُدِّمَتِ النَّاقلِةُ له عن أصْلِ دِينِه. وكُلُّ مَوْضِعٍ تَعارَضَتِ البَيِّنَتانِ، فقال الخِرَقِىُّ: تسْقُطُ البَيِّنَتَان، ويكُونان كمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما. وقد ذَكَرْنا رِوَايَتَيْن أُخْرَيَيْن؛ إحْداهُما، يُقْرَعُ بينهما، فمَنْ خَرجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَفَ، وأخذَ. والثَّانيةُ، تُقْسَمُ بينهما. ونحوَ هذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: تُقَدَّمُ بيِّنَةُ الإِسلامِ على كُلِّ حَالٍ. وقد مَضَى الكلامُ معه. وقولُ الْخِرَقِىِّ، فيما إذا قال شَاهِدان: نَعْرِفُه كان مسلمًا. وقال شَاهِدان: نَعْرِفُه كان كَافِرًا. محمولٌ على مَنْ لم يُعْرَفْ أصْلُ دِينِه، أو عُلِمَ (٧) أَنَّ (٨) أصْلَ دِينِه الكُفْرُ. أمَّا مَنْ كان مُسْلِمًا فى الأَصْلِ، فيَنْبَغِى أَنْ تُقدَّمَ بَيِّنَةُ

стр. 7672

الكُفْرِ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الإِسلامِ يَجُوزُ أَنْ تَسْتَنِدَ إلى ما كان عليه فى الأصْلِ. فصل: وإِنْ خَلَّفَ ابْنًا مُسْلِمًا، وأَخًا كَافِرًا، فاخْتَلفَا فِى دِينِه حالَ مَوْتِه (٩)، فالحُكْمُ فيها كالتى قبلَها. وهكذا سائِرُ الأقَارِب، إلا أَنْ يُخَلِّفَ [أبَوَيْن وابْنَيْن] (١٠)، أو غيرَهما من الأَقَارِبِ، ويخْتَلِفُون فى دِينِه، فإِنَّ كَوْنَ الأبَوَيْن كافِرَيْن بمَنْزِلَة مَعْرفةِ أصْلِ دِينِه؛ لأنَّ الوَلَدَ قبلَ بُلُوغِه محْكُومٌ له بدِينِ أُبَوَيْه، فيثْبُتُ (١١) أنَّه كان كَافِرًا، وأنَّ الابْنَيْن يَدَّعِيان إسْلَامَه، فيكونُ القَوْلُ قَوْلَ الأبَوَيْن. وإِنْ كانا (١٢) مُسْلِمَين، فالقولُ قولُهما فى إسْلامِه؛ لأنَّ كُفْرَه يَنْبَنِى على أنَّه كان مُسْلِمًا فارْتَدَّ، أو أَنَّ (١٣) أُبويْه كانا كافِرَيْن، فأسْلَمَا بعد بُلُوغِه، والأصْلُ خِلافُه. فصل: ولو مات مُسْلِمٌ، وخلَّفَ زَوْجَةً ووَرَثَةً سِواهَا، وكانتِ الزَّوْجَةُ كَافِرَةً، ثم أسْلَمَتْ، فادَّعَتْ أنَّها أسْلَمَتْ قبلَ مَوْتِه، فأنْكَرَها الوَرَثَةُ، فالقَوْلُ قولُ الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك. وإِنْ لم يثْبُتْ أنَّها كافِرَةٌ، فادَّعَى عليها الوَرَثَةُ أنَّها كانت كَافِرَةً، فأنْكَرَتْهم، فالقَوْلُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ما ادَّعُوه عليها. وإِنْ ادَّعُوا أنَّه طَلَّقَها قبلَ مَوْتِه، فأنْكَرَتْهم، فالقَوْلُ قولُها. وإن اعْتَرَفَتْ بالطَّلَاقِ، وانْقِضَاءِ العِدَّةِ، فادَّعَتْ أنَّه رَاجَعَها، فالقَوْلُ قَوْلُهم. وإن اخْتَلَفُوا فى انْقِضَاءِ عِدَّتِها، فالقَوْلُ قوْلُها، فى أنَّها لم تَنْقَضِ؛ لأنَّ الأصْلَ بقَاؤُها. ولا نَعْلَمُ فى هذا كُلِّه خِلَافًا. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ. ولو خَلَّفَ وَلَدَيْن مُسْلِمَيْن، اتَّفَقَا على أن أحدَهما كان مُسْلِمًا حينَ موتِ أبيه، وادَّعَى الآخَرُ أنَّه أسْلَمَ فى حياةِ أبيه، وجَحَدَه أخُوه، فالمِيرَاثُ للمُتَّفَقِ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الكُفْرِ إلى أَنْ يُعْلَمَ زَوَالُه، وعلى أخِيه اليَمينُ، وتكون على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّها على نَفْىِ فِعْلِ أخِيه، إِلَّا أَنْ يكون ثَبَتَ أنَّه كان مُسْلِمًا قبلَ القِسْمَةِ، فإِنَّ مَنْ أسْلَمَ على مِيرَاثٍ تبلَ أَنْ يُقْسَمَ، قُسِمَ له. وإِنْ كان أحَدُهما حُرًّا، والآخَرُ رَقِيقًا، ثم عَتَقَ، واخْتلفا

стр. 7673

فى حُرِّيِّتِه عندَ المَوْتِ، فالقولُ قولُ مَنْ ينْفِيها. وإِنْ لم يثْبُتْ أنَّه كان رَقِيقًا ولا كَافِرًا، فادَّعَى عليه أنَّه كان كذلك، فأنْكَرَ، فالقَوْلُ قولُه، والمِيرَاثُ بينهما؛ لأنَّ الأصْلَ الحُرِّيَّةُ والإِسلامُ، وعَدَمُ ما سِواهُما. فصل: وإِنْ أسْلَمَ أحدُ الابْنَيْن فى غُرَّةِ شعبان، والآخَرُ (١٤) فى غُرَّةِ رمضان، واخْتلَفا فى مَوْتِ أبيهما، فقال الأوَّلُ منهما: مات فى شعبان، فوَرِثْتُه وَحْدِى. وقال الآخَرُ: مات فى رمضَان. فالمِيرَاثُ بينَهما، لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ حَيَاتِه حتى يُعْلَمَ زَوَالُها. فإنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْوَاه، ففيه وَجْهَان؛ أحدُهما، يتعارَضَان. والثَّانِى، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مَوْتِه فى شَعْبان؛ لأنَّ معها زِيادةَ عِلْمٍ؛ لأنَّها بَيَّنَتْ مَوْتَه فى شعبان، ويجوزُ أَنْ يَخْفَى ذلك على الْبَيِّنَةِ الأُخْرَى. فصل: وَإنِ اخْتَلفا فى دارٍ، فادَّعَى أحدُهما، أنَّ هذه الدَّارَ (١٥) دارِى، وَرِثْتُها من أَبى. وادَّعَى الآخَرُ، أنَّها دارُه، وَرِثَها من أبِيهِ. وليس أحدُهما أخًا للآخَر، وكانتْ فى يَدِ أحدِهما، فهى للَّذى هى فى يَده، سواءٌ كانَ مسلمًا أو كافرًا، وإن كانتْ فى أيْدِيهِما، فهى بينَهما، وإن كانتْ (١٦) لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، وهى فى أيْدِيهِما، تَعارَضَتا، وكان الحُكْمُ فيها على ما قدَّمْنا فى مِثْلِها. ١٩٤١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَاتَتِ امْرأَةٌ وابْنُهَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَاتَتْ قَبْلَ ابْنِهَا، فَوَرِثْنَاهَا، ثمَّ مَاتَ ابْنِى، فَوَرِثْتُهُ. وَقَالَ أخُوهَا: مَاتَ ابْنُهَا، فَوَرِثَتْهُ، ثمَّ مَاتَتْ، فَوَرِثْنَاهَا. حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَكَانَ مِيرَاثُ الابْنِ لِأَبِيهِ، وَمِيرَاثُ المَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ) وجملتُه أنَّه إذا مَات جَماعَةٌ يَرِثُ بَعْضُهم بَعْضًا، واخْتَلَفَ الأحْياءُ من وَرَثَتِهِم فى أسْبَقِهم بِالْمَوْتِ، كامْرأةٍ وابْنِها ماتا، فقال الزَّوجُ: ماتتِ الْمرأةُ أوَّلًا، فصارَ ميراثُها كُلُّه

стр. 7674

لى ولابْنِى، ثمَّ ماتَ ابْنِى فصار ميراثُه لى. وقال أخُوها: ماتَ ابْنُها أوَّلًا، فَوَرِثَتْ ثُلثَ مالِه، ثم ماتَت، فَكانَ مِيراثُها بَيْنِى وبَيْنَكَ نِصْفَيْنِ. حَلَفَ كُلُّ واحِدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوَى صاحِبِه، وجَعَلْنا مِيراثَ كلِّ واحدٍ منهما للأحْياءِ مِن وَرَثَتِه، دُونَ مَنْ مات مَعَه؛ لأنَّ سَبَبَ اسْتِحْقاقِ الحىِّ من مَوْرُوثِه مَوجُودٌ، وإنَّما يَمْتَنِعُ لبقاءِ (١) مَورُوثِ الآخَرِ بعدَه، وهذا أمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فلا نَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ، فيكونُ مِيراثُ الابْنِ لأبِيه، لا مُشَارِكَ له فيه، ومِيراثُ الْمَرْأَةِ بينَ أخِيها وزَوْجِها نِصْفَيْنِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. فإنْ قِيلَ: فقد أعْطَيتُم الزَّوجَ النِّصْفَ (٢)، وهو لا يَدَّعِى إِلَّا الرُّبْعَ. قُلْنا: بل هو مُدَّعٍ له كلِّه؛ رُبْعِه بمِيرَاثِهِ منها، وثلاثةِ أَرْباعِهِ بإِرْثِه مِن ابنِه. قال أبو بَكْرٍ: وقدْ ثبَتَتِ البُنُوَّةُ بيقينٍ، فلا يُقْطعُ ميراثُ الأَبِ منه إلا بِبَيِّنَةٍ تقُومُ لِلْأَخِ. وهذا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِ الْخِرَقِىِّ فى هذه المسْأَلةِ. وذَكَرَ قَوْلًا آخَرَ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ المِيراثَ بينَهما نِصْفَيْنِ. قال: وهذا اخْتِيارِى أَنَّ كلَّ رَجُلَينِ ادَّعَيا ما لا يُمْكِنُ صِدْقُهما فِيهِ، فهو بينَهما نِصْفينِ. وَهذا لَا يُدْرَى ما أرادَ به، إِنْ أرادَ أنَّ مالَ المراة بينَهما نِصْفَيْن، فهو قولُ الْخِرَقىِّ، وليس بِقولٍ آخرَ، وإِنْ أرادَ أنَّ مالَها ومالَ (٣) الابْنِ بينَهما نِصْفَين، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إعْطاءِ الأَخِ مالا يَدَّعِيه، ولَا يَسْتَحقُّه لقينًا؛ لأنَّه لا يَدَّعِى من مالِ الابْنِ أكثرَ من سُدسِه، ولا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أكثرَ مِنه، وإِنْ أرادَ أن ثُلثَ مالِ الابْنِ يُضَمُّ إلى مالِ المرأةِ، فيَقْتَسِمانِه نِصْفَيْنِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ نِصفَ ذلك للزَّوجِ باتِّفاقٍ منهما، لا يُنازِعُه الأخُ فيه، وإنَّما النِّزَاعُ بينهما فى نِصْفِه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكون هذا مُرادَه (٤)، كما لو تَنازَعَ رجلانِ دارًا فى أيْدِيهما، فادَّعاها أحدُهما كُلَّها، وادَّعَى الآخَرُ نِصْفَها، فإِنَّها تُقْسَمُ بينهما نِصْفَيْنِ، وتكونُ اليَمِينُ على مُدَّعِى النِّصْفِ، إِلَّا أنَّ الفَرْقَ بينَ هذه المسْأَلَةِ وتلك، أن الدَّارَ فى أيْدِيهما، فكُلُّ واحدٍ منهما فى يَده نِصْفُها، فمُدَّعِى النِّصْف يدَّعِيه وهو (٥) فى يَدِه، فقُبِلَ قولُه فيه مع يَمِينِه، وفى مسألَتِنَا

стр. 7675

يَعْتَرِفانِ أن هذا ميراثٌ عن الميِّتَيْنٍ، فلا يَدَ لأحدِهما عليه؛ لاعْتِرَافِهما بأنَّه لم يكُنْ لهما، وإنَّما هو مِيراثٌ يَدَّعِيَانِهِ مِن (٦) غَيْرِهِما، وإِنْ أَرادَ (٧) أنَّه (٨) يُضَمُّ سُدسُ مالِ الابْنِ إلى نِصْفِ مالِ المَرْأَةِ، فيُقْسَمُ بينهما نِصْفَينِ، فلَه وَجْهٌ؛ لأنَّهما تساوَيا فى دَعْوَاه، فيُقْسَمُ بينَهما، كما لو تنازَعا دابَّةً فى أيْدِيهما، وعلى كُلِّ وَاحدٍ منهما اليَمِينُ فيما حُكِمَ له به. والذى يَقتَضِيهِ قولُ أصْحَابِنا فى الغَرْقَى والهَدْمَى، أَنْ يكونَ سُدسُ ميِراثِ الابْنِ لِلْأَخ، وباقى المِيراثَيْنِ للزَّوْجِ؛ لأنَّنا نُقَدِّرُ أَنَّ المرأةَ ماتَتْ أوَّلًا، فيكونُ مِيراثُها [لابْنِها وزَوْجها، ثم مات الابْنُ، فوَرِثَ الزَّوْجُ كُلَّ ما فى يدِهِ، فصارَ مِيرَاثُها] (٩) كلُّه لِزَوْجِها، ثم تَقَدِّرُ أَنَّ الابْنَ مات أوَّلًا، فَوَرِثِه أَبَوَاهُ؛ لأُمِّهِ الثُّلثُ، ثم مَاتَتْ، فصار الثُّلثُ بَيْنَ أخِيها وزَوْجِها نِصْفيْنِ، لِكُلِّ واحِدٍ منهما السُّدسُ، فلم يَرِثِ الأَخُ إِلَّا سُدسَ مالِ الابْنِ، كما ذَكَرْنا. وَلعل هذا (١٠) القولَ يَخْتَصُّ بِمَنْ جُهِلَ مَوْتُهما، واتَّفَقَ ورَّاثُهما (١١) على الجَهْلِ به. والْقَوْلانِ المُتَقَدِّمان؛ قولُ الْخِرَقِىِّ، وقَوْلُ أبى بَكْرٍ، فيما إذا ادَّعَى وَرَثَةُ كُلِّ مَيِّتٍ أنَّه مات أخِيرًا، وأنَّ الآخَرَ مات قَبْلَهُ، فَإِنْ كان لأَحدِهِمَا بَيِّنَةً بما ادَّعاهُ، حُكِمَ بها، وإِنْ أقاما بَينِّتَيْنِ، تعارَضَتا، وهل تَسْقُطانِ، [أو يُقْرَعُ] (١٢) بينهما، أو يَقْتَسِمان ما اخْتَلَفَا فيه؟ يُخَرَّجُ على الرِّواياتِ الثَّلاثِ. واللَّه أعلم. فصل: ولو كان فى يَدِ رجلٍ دارٌ، فادَّعَتِ امْرَأتُه أنَّه أصْدَقَها إيَّاها، أو أنَّها اشْتَرَتْها منه، فأَنْكَرَها، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ القَوْلَ قولُ المُنْكِرِ مع يَمِينِهِ. وإِنْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ المَرْأَة؛ لأنَّها تَشْهَدُ بزِيادَةٍ خَفِيَتْ على بَيِّنَةِ الزَّوْجِ. وإِنْ مات الرجلُ، وخَلَّفَ ابنًا، فادَّعَى الابْنُ أنَّه خَلَّفَ الدَّار مِيراثًا، وادَّعَتِ المَرْأةُ أنَّه

стр. 7676

أَصْدَقَها إيَّاها، أو باعَها إيَّاها، وأقاما بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَت بَيِّنةُ المَرْأَةِ؛ لذلك، فإِنْ لم تَكُنْ بَيِّنَةً، فالقَوْلُ قَوْلُ الابْنِ مع يَمِينِهِ. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. فصل: إذا ادَّعَى رجلٌ أنَّه أكْرَى (١٣) بَيْتًا [فى دارِه] (١٤) لرجُلٍ شَهْرًا بعشرةٍ، فادَّعَى الرجلُ أنَّه اكْتَرَى الدَّارَ كُلَّها بعشرةٍ، ذلك الشَّهْرَ، ولا بَيِّنَةَ لِواحِدٍ منهما، فقد اخْتَلَفا فى صِفَةِ الْعَقْدِ، [إِلَّا أنَّهما اخْتلَفا] (١٥) فى قَدْرِ المُكْتَرَى، فَيَتَحالَفانِ، وقد مَضَى حُكْمُ التَّحالُفِ فى البَيْعِ (١٦). وذَكَرَ أبو الخَطَّاب، فيما إذا ادَّعَى البائِعُ أنَّه باعَه عبْدَه هذا بِعشرةٍ، وقال المُشْتَرِى: بَلْ هو والعَبْدُ الآخَرُ بِعشرةٍ. فالقَوْلُ قول البائِعِ مع يَمِينِه. ولم يَجْعَلْ بينهما تحالُفًا؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ يدَّعِى بَيْعًا فى العَبْدِ الزَائِدِ، يُنْكِرُه البائِعُ، والقَوْل قَولُ المُنْكِرِ. وهذا مِثْلُهُ. فعلى هذا يكونُ القَوْلُ قَوْلُ المُكْرِى (١٧) مع يَمِينِهِ إذا عُدِمَتِ البَيِّنَةُ. فانْ أقامَ أَحدُهما بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةً، حُكِم له، وِإنْ كان مع كُلِّ واحِدٍ منهما (١٨) بَيِّنَةٌ، تعارَضَتا، سواءٌ كانتا مُطْلَقَتَيْنِ، أو مُؤَرَّخَتَيْنِ بتارِيخ واحِدٍ، أو إِحْداهُما مُؤَرَّخَةٌ وَالأُخْرَى مُطْلَقَةٌ؛ لأنَّ العَقْدَ على البَيْتِ مُفْرَدًا، وعلى الدَّارِ كُلِّها، فى زَمَنٍ واحِدٍ، مُحالٌ، فإنْ قُلْنا: تَسْقُطَانِ. فالحُكْمُ فيه كما لو لم يكُنْ بينَهما بَيِّنَةٌ، وإِنْ قُلْنَا: يقْرَعُ بينَهما. قدَّمْنا قَوْلَ مَنْ تَقَعُ له الْقرْعَةُ. وهذا قَوْلُ القاضى، وظاهرُ مذهبِ الشَّافِعِىِّ. وعلى قَوْلِ أبى الخَطَّابِ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ المُكْتَرِى؛ لأنَّها تَشْهَدُ بزِيادةٍ. وهو قَوْلُ بعضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. فإِنْ قِيلَ: فهَلَّا أوْجَبْتُم الْأُخْرَيَيْنِ معًا على المِّكْتَرِى، كما قُلْتُم فيما إذا قامَتِ الْبَيِّنَةُ أنَّه تَزَوَّجَها يومَ الخَمِيسِ بأَلْفٍ، وقامت [البيِّنَةُ الأُخْرَى] (١٩) أَنَّهُ تَزَوَّجَها يومَ الجُمعةِ بمائةٍ: يجِبُ المَهْرَانِ؟ قُلْنَا: ثمَّ يجوزُ أَنْ يكونَ المَهْرَانِ مُسْتَقِرَّيْنِ، بِأنْ يَتَزَوَّجَها يومَ الخميسِ، ويَدْخُلَ بها، ثم يُخَالِعَها، ثم يَتَزَوَّجَها يومَ الجُمعةِ. وأمَّا الأُجْرَةُ،

стр. 7677

فلا تَسْتَقِرُّ إِلَّا بمُضِىِّ الزَّمانِ، فإِذا عَقَدَ عَقْدًا قبلَ مُضِىِّ المُدَّةِ، لم يجزْ أَنْ تَجِبَ الأُجْرَتَانِ. ١٩٤٢ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدانِ على رَجُلٍ، أَنَّهُ أَخَذَ من صَبِىٍّ أَلْفًا، وَشَهِدَ آخَرَانِ على رَجُلٍ آخَرَ، أَنَّهُ أخَذَ مِنَ الصَّبِىِّ ألْفًا، كَانَ على وَلِىِّ الصَّبِىِّ أَنْ يُطَالِبَ أحَدهُمَا بالْأَلْفِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّ بَيِّنَةٍ لَمْ تَشْهَدْ بِالْأَلْفِ الَّتِى (١) شَهِدتْ بِهَا (٢) الْأُخْرَى، فَيَأْخَذَ الوَلِىُّ الأَلْفَيْنِ) أمَّا إذا كانتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِأَلْفٍ غيرِ مُعَيَّن، فإِنَّ الوَلِىَّ يُطَالِبُ بالأَلفَيْنِ جميعًا؛ لأَنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ ثَبَتَ عليه أَحَدُ الْأَلفَيْنِ، فَيَلْزَمُه أداؤُه (٣)، وعلى الوَلِىِّ المُطالَبةُ (٤) بها، كما لو أَقرَّ كل واحِدٍ منهما بِأَلْفٍ. وأَمَّا إِنْ كان المَشْهُودُ به ألْفًا مُعَيَّنًا، فشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ هذا الرجلَ هو الآخِذُ لها (٥)، لَمْ يَجبْ إلا ألْفٌ واحِدٌ (٦)، وللوَلِىِّ مُطَالَبَةُ أيِّهما شاء؛ لأنَّه قد ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما أَخَذَ الْأَلفَ، فإِنْ كان لم يَرُدَّهُ، فقد استَقَرَّ فى ذِمَّتِه، وإِنْ كان رَدَّهُ إلى الصَّبِىِّ، لم تَبْرأْ ذِمَّتُه بِرَدِّه إلَيْه؛ لأنَّه ليس له قَبْضٌ صَحيحٌ. فإِنْ غَرِمَهُ الَّذى لم يَرُدَّه، لم يَرجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّهُ استَقَرَّ علَيْهِ، وإن غَرِمَه الرَّادُّ لَهُ، رَجَعَ على الذى لم يَرُدَّه. فإِنْ غَرِمَهُ أحَدُهما، فادَّعَى أَنَّ الضَّمَانَ استَقَر على صَاحِبِهِ، ليَرْجِعَ عليه، فالقَوْلُ قَوْلُ الآخَرِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ اسْتِقْرارِهِ عليهِ. ١٩٤٣ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَرْبِيَّيْنِ جَاءَانَا (١) من أَرْضِ الْحَرْبِ، فذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَخُو صَاحِبِهِ، جَعَلْنَاهُمَا أَخَوَيْنِ. وَإِنْ كَانَا سَبْيًا، فَادَّعَيَا ذَلِكَ بَعْد أَنْ أُعْتِقَا (٢)، فَمِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُعْتِقِهِ، إِذَا لَمْ يُصَدِّقْهُمَا، إِلَّا أَنْ

стр. 7678

تَقُومَ بِمَا ادَّعَيَاهُ (٣) بَيِّنَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَثْبُتَ النَّسَبُ، وَيُوَرَّثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَخِيهِ) وجُملتُه أَنَّ أهلَ الحَرْبِ إذا دَخَلُوا إِلينا مُسْلِمِينَ، أو غير مُسْلِمِينَ، فأَقَرَّ بَعْضُهم بِنَسَبِ بعضٍ، ثَبَتَ نَسَبُهم، كما يَثْبُتُ نَسَبُ أَهلِ دارِ الإِسلام مِن المسلمِين وأَهْلِ الذِّمَّةِ بإِقْرَارِهِمْ، ولأنَّه إِقْرارٌ لا ضَرَرَ على أحدٍ فِيه، فقُبِلَ، كَإِقْرَارِهِمْ بالحُقوقِ المالِيَّةِ، ولا، نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. وِإنْ كانُوا سَبْيًا، فأقَرَّ بَعْضُهم بنَسَبِ بعضٍ، وقامَتْ بذلك بَيِّنَةٌ من المسلمين، ثَبَتَ أيْضًا، سَواءٌ كان الشَّاهِدُ أَسِيرًا عندَهُم، أو غيرَ أَسِيرٍ. وَيُسَمَّى الوَاحِدُ من هؤلاءِ حَمِيلًا، أىْ مَحْمُولًا، كما يقال للْمَقْتُولِ قَتِيلٌ، ولِلْمَجْرُوحِ جَرِيحٌ؛ لأنَّهُ حُمِلَ من دارِ الكُفْرِ. وقِيلَ: سُمِّىَ حَمِيلًا؛ لِأَنَّه حَمَلَ نَسَبَه على غيرِه. وإِنْ شَهِدَ بِنَسَبِهِ الكُفَّارُ، لم تُقْبَلْ. وعَنْ أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ شَهادَتَهم فى ذلك تُقْبَلُ؛ لِتَعَذُّرِ شَهادَةِ المسلمين به فى الْغالِب، فأشْبَهَ شَهادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ على الوَصِيَّةِ فى السَّفَرِ، إذ لم يكُنْ غَيْرُهم. والمذهبُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّنا إذا لم نَقْبَلْ شَهادَةَ الفاسِقِ، فشَهادَةُ الكافِرِ أَوْلَى، وإِنَّما لم يُقْبَلْ إقْرَارُهم؛ لمَا فى ذلك مِن الضَّرَرِ على المُعْتِقِ (٤)، بتَفْويتِ إرْثِهِ بِالوَلاءِ، على تَقْدِيرِ العِتْقِ. وِإنْ صَدَّقَهما مُعْتِقُهما، قُبِلَ؛ لأنَّ الحَقَّ له. وإِنْ لم يُصَدِّقْهما، ولم تَقُمْ بَيِّنَةٌ بذلك، لم يَرِثْ بعضُهم مِن بعضٍ، ومِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ منهما لِمُعْتِقِهِ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، فيما إذا أَقَرَّ بِنَسَبِ أَبٍ، أَوْ أَخٍ، أَوْ جَدٍّ، أو ابْنِ عَمٍّ. وَإِنْ أقَرَّ بِنَسَبِ ولدٍ (٥)، ففيه ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أحَدُها، لا يُقْبَلُ. والثانى، يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَوْلِدَ، فَمَلَكَ الإِقْرارَ به. والثَّالِثُ، إِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَسْتَوْلِدَ بعدَ عِتْقِه، قُبِلَ؛ لِأنَّه يَمْلِكُ الاسْتِيلادَ بعدَ عِتْقِهِ، وإِلَّا لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه (٦) قَبْلَ عِتْقِهِ (٧). وَيُرْوَى عن ابنِ مَسْعُودٍ،

стр. 7679

ومَسْرُوقٍ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، أَنَّ إِقْرَارَهُ يُقْبَلُ فيما يُقْبَلُ فيه (٨) الأَحْرَارُ الأصْلِيُّون (٩). وبه قال أبو حنيفَةَ؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ أقَرَّ بِنَسَب وَارِثٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، يُمْكِنُ صِدْقُه فيه، ويُوافِقُ (١٠) المُقَرُّ له فيه، فقُبِلَ، كما لو أقَرَّ مَنْ له أَخٌ بِنَسَبِ ابْنٍ، وبهذا الْأَصْلِ يَبْطُلُ ما ذكَرْتُموه (١١). ولَنا، ما رَوَى الشَّعْبِىُّ، أن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ، أَنْ لا تُوَرَثْ حَمِيلًا، حتى تقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ. رَوَاه سَعيدٌ (١٢). وقال أيضًا (١٢): حَدَّثَنا سفيانُ، عن ابنِ جُدْعَانَ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: كَتَبَ عمرُ بنُ الخطَّابِ: أَنْ لَا تُوَرَثْ حَمِيلًا إِلَّا بِبيِّنَةٍ. ولأَنَّ إقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ إِسْقاطَ حَقِّ (١٣) مُعْتِقِهِ من مِيراثِه، فلمْ يُقبَلْ، كما لو أَقَرَّ انَّه مَوْلًى لِغَيْرِهِ، [أو أَنَّ] (١٤) غيرَه شَرِيكُهُ فى وَلَائِهِ، وفارَقَ الْإِقْرارَ مِن الحُرِّ الذى له أَخٌ؛ لأَنَّ الْوَلَاءَ نَتِيجَةُ المِلْكِ، فجرى مَجْرَاهُ، ولأَنَّ الْوَلَاءَ ثَبَتَ عن عِوَضٍ، وَالأُخُوَّةَ بخِلافِه، أَلا تَرَى أَنَّه لو قال لِغَيْرِهِ: أَعتِقْ عَبْدَكَ عَنِّى وعلىَّ ثَمَنُه. صَحَّ، وَلَمْ يَثْبُتْ له (١٥) الْوَلاءُ؟ وَإذا ثَبَتَ أنَّه بعِوَضٍ، كان أَقْوَى مِن النَّسَبِ، وإنَّما قَدَّمْنا النَّسَبَ فى المِيرَاثِ لِقُرْبِهِ، لا لِقُوَّتهِ، كما نُقَدِّمُ ذوِى الفُرُوضِ على العَصَبَةِ مع قُرْبِهِم (١٦). فصل: فإنْ (١٧) كانا مُخْتَلِفَى الدِّين، لم يَثبُتِ النَّسَبُ بإقرارِه (١٨)، وإِنْ لم يتوارَثا؛

стр. 7680

لِأنَّه يَحْتَمِلُ أَنْ يُسْلِمَ الْكافِرُ منهما فيَرِثَ، ولذلك لو أَقَرَّا بِالنَّسَبِ فى حالِ رِقِّهِما، لم يَثْبُتْ؛ لاحْتِمالِ التَّوَارُثِ بِالْعِتْقِ. وَإِنْ وُلِدَ لِكُلِّ واحِدٍ منهما [ابْنٌ مِن حُرَّةٍ، فأَقَرَّ كُلُّ واحِدٍ منهما] (١٩) للآخَرِ أنَّه ابْنُ عَمِّهِ، احْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ إِقْرارُهُ؛ لأنَّه لا وَلاءَ عليه، فيُقْبَلُ إِقْرَارُه؛ لِوُجُودِ المُقْتَضِى لِقَبُولِهِ (٢٠)، وانْتِفَاءِ المُعَارِضِ. واحْتَمَلَ أَنْ (٢١) لا يُقبَلَ؛ لأنَّه يَرِثُهُ المسلمون، ولأنَّه إذا لم يُقْبَلْ إِقْرَارُ الأُصُولِ، فالفُروعُ أَوْلَى. فَإِنْ قُلْنَا: يُقْبَلُ إِقْرارُهما. فأَقرَّ أَحَدُهما لأبى الآخَرِ أَنَّهُ عَمُّه، لم يَثْبُتِ الإِقْرَارُ بالنِّسْبَةِ إلى أنَّه ابْنُ أخيهِ؛ لأنَّه لو ثَبَتَ لَوَرِثَ عَمُّهُ دُونَ مَوْلاهُ الْمُعْتِقِ له. وهل يَثْبُت بِالنِّسْبَةِ إِلى العَمِّ، فيَرِثُ ابنَ أخيهِ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ؛ لانْتِقَالِ (٢٢) الْوَلاءِ عَنِ ابْنِ الأَخِ، فلا تُفْضِى صِحَّةُ الإِقْرارِ إِلى إِسْقاطِ الوَلاءِ. والأَوْلَى أنَّه لا يَثْبُت؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ بِالنِّسْبَةِ إِلى أَحَدِ الطَّرَفَينِ، فلم يَثْبُتْ فى الْآخَرِ. ١٩٤٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ فِى البَيْتِ، فَافْتَرَقَا، أَوْ مَاتَا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِى الْبَيْتِ أَنَّهُ لَهُ، أَوْ وَرِثَهُ، حُكِمَ بمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ لِلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلنِّسَا ءِ لِلْمَرْأَةِ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا (١)، فَهُوَ (٢) بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) وجُمْلةُ ذلك أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا اخْتَلَفَا فى مَتاعِ الْبَيْتِ، أو فى بعضِه، فقال كُلُّ وَاحِدٍ منهما: جَمِيعُهُ لى. أَو قال كُلُّ واحِدٍ منهما: هذِه العَيْنُ لِى. وَكانَتْ لأحَدِهِما بَيِّنَةٌ، ثَبَتَ له، بلا خِلافٍ، وَإِنْ لم يَكُنْ لِواحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ، فالمَنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّ ما يَصْلُحُ لِلرِّجالِ؛ مِن العَمائِم، وَقُمْصَانِهم، وجبابِهمْ، والأَقْبِيَة، والطَّيَالِسَةِ، والسِّلاحِ، وأَشْباهِ ذلك، القَوْلُ فيه قَوْلُ الرجلِ مع يَمِينِهِ، وما يَصْلُحُ لِلنِّساءِ؛ كَحَلْيِهِنَّ، وَقُمُصِهِنَّ، ومَقانِعِهِنَّ، ومَغازِلِهِنَّ، فالقَوْلُ قَوْلُ المَرْأَة مع يَمِينِها. وَما يَصْلُحُ لهما؛

стр. 7681

كالمفارِشِ، والأَوانِى، فهو بينهما، وسَواءٌ كان فى أيْدِيهما مِنْ طَرِيقِ المُشَاهَدَةِ، أَوْ مِنْ طَريقِ الحُكْمِ، وسَواءٌ اخْتَلَفا فى حالِ الزَّوْجِيَّةِ، أو بعدَ البَيْنُونَةِ، وسواءٌ اخْتَلَفا، أو اخْتَلَفَ وَرَثَتُهما، أو أحَدُهما ووَرَثةُ الآخَرِ. قال أحمدُ، فى رِوَاية الجماعةِ؛ منهم يَعْقُوبُ ابنُ بَخْتانَ، فى الرجلِ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ، او يَمُوتُ، فتَدَّعِى الْمَرْأَةُ المتاعَ: فما كان يَصْلُحُ لِلرِّجالِ، فهو لِلرّجلِ، وماكان مِنْ مَتاعِ النِّساءِ، فهو لِلنساءِ، وما اسْتَقامَ ان يَكُونَ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فهو بينهما. وِإنْ كان الْمَتَاعُ على يَدَىْ غيرِهما، فمنْ أقام البَيِّنَةَ، دُفِعَ إِليه، وِإنْ لم تَكُنْ لهما (٣) بَيِّنَةٌ، أُقْرِعَ بينَهما، فَمَنْ كانَتْ له الْقُرْعَةُ، حَلَفَ وأُعْطِىَ المَتاعَ. وقال، فى رِوَايةِ مُهَنَّا: وكذلك إنِ اخْتَلَفا، وأحَدُهما مَمْلوكٌ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى. وقال القاضى: هذا إِنَّما هو فِيما (٤) كانَتْ أيْديهما عليه مِنْ طَرِيقِ الحُكْمِ، أمَّا ما كان فى يَدِ أحَدِهما مِنْ طَرِيقِ المُشاهَدَةِ، فهو له مع يَمِينِهِ. وإِنْ كان فى أَيْدِيهما، قُسِمَ بينَهما نِصْفَيْنِ، سَواءٌ كان يَصْلُحُ لهما، أو لِأَحَدِهما. وهذا قَوْلُ أبى حنيفَةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ، إِلَّا أنَّهما قالا: ما يَصْلُحُ لهما، وَيَدُهما عليه مِنْ طَرِيقِ الحُكْمِ، فالقَوْلُ فيهِ (٥) قَوْلُ الرجلِ مع يَمِينِهِ. وِإذا اخْتَلَفَ أحَدُهُما ووَرَثَةُ الآخَرِ، فالقَوْلُ قَوْلُ النَّافِى (٦) منهما؛ لأَنَّ الْيَدَ المُشاهَدَةَ أَقْوَى مِن الْيَدِ الحُكْمِيَّةِ، بِدَليلِ أَنَّهُ لو تَنازَعَ الخَيَّاطُ وصاحِبُ الدَّارِ فى الإِبْرَةِ والْمِقَصِّ، كانَتْ لِلْخَيَّاطِ. وقال أبو يوسفَ: القَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ، فيما جَرَتِ العادًةُ أنَّه قَدْرُ جِهازِ مِثْلِها. وقال مالِكٌ: ما صَلَحَ (٧) لِكُلِّ واحِدٍ منهما، فهو له، ومَا صَلَحَ لهما، كان للرجلِ، سواءٌ كان فى أَيْدِيهِما مِنْ طَرِيقِ المُشاهَدَةِ، أو مِنْ طَريقِ الحُكْمِ؛ لأَنَّ الْبَيْتَ لِلرَّجُلِ، وَيَدُهُ عليه أَقْوَى؛ لأنَّ عليه السُّكْنَى. وقال الشَّافِعِىُّ، وَزُفَرُ، والبَتّىُّ: كُلُّ ما فى البَيْتِ بينَهما نِصْفيْنِ، فيَحْلِفُ كُلُّ واحِدٍ منهما على نِصْفِهِ ويأْخُذُه. ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللَّهُ

стр. 7682

عنه؛ لأنَّهما تَسَاوَيَا فى ثُبُوتِ يَدهما على المُدَّعَى، وعَدَمِ البَيِّنَةِ، فلم يُقَدَّمْ أحَدُهما على صاحِبِه، كالَّذى يَصْلُحُ لهما، أَوْ كما [لو كان] (٨) فى يَدهما مِنْ حَيْثُ المُشاهَدَةِ، عندَ مَنْ سَلَّمَ ذلك. ولَنا، أَنَّ أَيْدِيَهما جميعًا على مَتاعِ البَيْتِ، بدَلِيلِ ما لو نازَعَهما فيه أَجْنَبِىٌّ، كان القَوْلُ قَوْلَهما، وقد يَرْجُحُ أحدُهما على صَاحِبِه يَدًا وتَصَرُّفًا، فيَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ، كما لو تَنازَعَا دَابَّةً، أحَدُهما رَاكِبُها، والآَخَرُ آخِذٌ بِزِمامِها، أو قَميصًا أحَدُهما لَابِسُه، والآخَرُ آخِذٌ بِكُمِّهِ، أو جِدَارًا مُتَّصِلًا بدَارَيْهِما، مَعْقودًا ببناءِ أحَدِهِما، أو له عليه أزَجٌ (٩). ولَنا، على أَبى حنِيفة والقاضى، أَنَّهما تَنَازَعَا ما (١٠) فى أَيْدِيهما، [ولا مَزِيَّةَ لأحَدِهِما عَلَى صَاحِبِه] (١١)، أشْبَهَ ما [إِذا كان فى اليَدِ الحُكْمِيَّةِ. فأَمَّا ما كان يَصْلُحُ لهما، فإِنَّه فى أيْديهِما، ولا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحِبِه، أَشبَهَ مَا] (١٢) اذا كان فى أَيْدِيهما مِنْ جِهَةِ المُشاهَدَةِ، والدَّلَالَةُ على أَنَّهُ ليس لِلنَّافِى (١٣)، منهما (١٤)، أَنَّ وَارثَ المَيِّتِ قَائِمٌ مَقامَهُ، أشْبَهَ ما لو وَكَّلَ أحَدُهما لِنَفْسِهِ وَكِيلًا. فأمَّا إذا لم يكُنْ لَهُما يَدٌ حُكْمِيَّةٌ، بل تنازَعَ رَجُلٌ وامْرأَةٌ فى عَيْنٍ غيرِ قُماشٍ بينَهما، فلا يَرْجُحُ أحدُهما بصَلاحِيَةِ ذلك له، بل إِنْ كانتْ فى أَيْدِيهِما، فهى بَيْنَهما، وإِنْ كانتْ فى يَد أَحَدِهما، فهى له، وِإنْ كانَتْ فى يَدِ غَيْرِهما، اقْتَرَعا عليها (١٥)، فمَنْ خَرَجَتْ له الْقُرْعَةُ فهى لهُ، واليَمِينُ على مَنْ حَكَمْنا بها له فى كُلِّ الْمَوَاضِعِ؛ لأنَّه ليس لَهُما (١٦) يَدٌ حُكْمِيَّةٌ، فأَشْبَها سائِرَ المُخْتَلِفِينَ. فصل: وإذا كان فى الدُّكَّانِ نَجَّارٌ وعَطَّارٌ، فاخْتَلَفا فيما فيها، حُكِمَ بِآلةِ كُلِّ صِناعَةٍ لصَاحِبِها، فَآلَةُ الْعَطَّارِينَ لِلْعَطَّارِ، وَآلةُ النَّجَّارِينَ لِلنَّجَّارِ. وإِنْ لم يَكُونا فى دُكَّانٍ واحِدٍ،

стр. 7683

لكِنِ اخْتَلَفا فى عَيْنٍ، لم يَرْجُحْ احَدُهما بصَلَاحِيَةِ العَيْنِ المُخْتَلَفِ فيها له، كما ذَكَرْنَا فى الزَّوْجَيْنِ، ويَكونُ ذلك كتَنازُعِ الأَجْنَبِيَّيْنِ. فصل: وإذا اخْتَلَفَ المُكْرِى والمُكْتَرِى فى شىءٍ فى الدَّارِ، نَظَرْتَ؛ فإنْ كان مِمَّا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ؛ كالْأثاثِ، والْأَوَانِى، والْكُتُبِ، فهو لِلْمُكْتَرِى؛ لِأنَّ العادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُكْرِى دَارَهُ فَارِغَةً مِنْ رَحْلِهِ وقُماشِهِ، وِإنْ كان فى شَىْءٍ مِمَّا يَتْبَعُ فى الْبَيْعِ؛ كالأبْوَابِ المَنْصُوَبةِ، والخَوَابِى (١٧) المَدْفُونَةِ، والرُّفُوفِ الْمُسَمَّرَةِ، والسَّلَالِيمِ المُسَمَّرةِ (١٨)، والْمَفَاتيحِ، والرَّحَا المَنْصُوَبةِ، وحَجَرِهَا التَّحْتَانِىِّ، فهو للمُكْرِى، لِأنَّه مِنْ تَوَابِعِ الدَّارِ، فأشْبَهَ الشَّجَرَةَ المَغْرُوسَةَ فيها. وإِنْ كانتِ الرُّفُوفُ مَوْضُوعَةً على أوْتادٍ، فقال أحمدُ: إذا اخْتَلَفا فى الرُّفُوفِ، فهى لِصاحِبِ الدَّارِ. فظاهِرُ هذا الْعُمُومُ فى الرُّفوفِ كُلِّها. وقَال القاضى: [كلامُ أحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسَمَّرَةِ، فَأمَّا غَيْرُ المُسَمَّرَةِ] (١٩) فهى (٢٠) بيْنَهُما إذا تَحالَفَا؛ لِأنَّها لا تَتْبَعُ فى البَيْعِ، فَأشْبَهَتِ القُماشَ. وهذا ظاهِرٌ يَشْهَدُ للمُكْتَرِى، ولِلْمُكْرِى ظَاهِرٌ يُعارِضُ هذا، وهو أَنَّ المُكْرِىَ يَتْرُكُ (٢١) الرُّفُوفَ فى الدَّارِ، ولا ينْقُلُها عنها، فإذا تَعارَضَ الظَّاهِرَانِ مِن الجَانِبَيْنِ، اسْتَوَيا. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. فعلى هذا، إِنْ (٢٢) تَحَالَفَا، كانتْ بينهما، وإِنْ حَلَفَ أَحَدُهما، ونَكَلَ الآخَرُ، فهى لِمَنْ حَلَفَ. وذَكَرَ القاضى فى مَوْضِعٍ آخَرَ، وأبو الْخطَّابِ، أَنَّهُ إِنْ كان لِلرَّفِّ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فى الدَّارِ، فهو لِصاحِبِ الدَّارِ مع يَمينِهِ، وإِنْ لم يكُنْ له شَكْلٌ مَنْصوبٌ تَحَالَفَا، وكان بَيْنَهما؛ لأنَّه إذا كان له شَكْلٌ مَنْصوبٌ فى الدَّارِ؛ فالمَنْصُوبُ (٢٣) تابعٌ لِلدَّارِ، فهو لِصاحِبِها، والظَّاهِرُ أَنَّ أحَدَ الرَّفَّيْنِ لِمَنْ له الآخرُ، وكذلك إِنِ اخْتَلَفا فى مِصْرَاعِ بابٍ

стр. 7684

مَقْلُوعٍ، فالحُكْمُ فيه كما ذَكَرْنا؛ لأنَّ أحَدَهما لا يَسْتَغْنِى عن صَاحِبِهِ، فكان أحَدُهما لِمَنْ له الآخَرُ، كالحَجَرِ الفَوْقانِىِّ مِنَ الرَّحَى، والمِفْتاحِ مع السّكَّرَةِ (٢٤). ووَجْهُ ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، فى أَنَّ الرُّفوفَ لِصاحِبِ الدَّارِ على كُلِّ حالٍ، أَنَّ العادَةَ جَارَيةٌ بِتَرْكِ الرُّفوفِ فى الدَّارِ، وَلَمْ تَجْرِ بِنَقْلِ المُكْتَرِى لها معه، فكانَتْ لِصاحِبِ الدَّارِ، كالذى له شَكْلٌ مَنْصُوبٌ، ولأنَّها إذا كانَتْ لها أوْتادٌ مَنْصُوبَةٌ، فالأَوْتادُ لِصاحِبِ الدَّارِ، فكذلك ما نُصِبَتْ له، كالحَجَرِ الفَوْقَانِىِّ [مِن الرَّحَى] (٢٥) إذا كان السُّفْلَانِىُّ مَنْصُوبًا، ومِفْتاحِ السّكَّرَةِ المُسَمَّرَةِ (٢٦). فصل: وإذا كان الخيَّاطُ فى دارِ غيرِه، فاخْتَلَفا فى الإِبْرَةِ والْمِقَصِّ، فهى لِلْخَيَّاطِ؛ لأنَّ تَصَرفه فيهما أكثرُ وأظْهَرُ، والظَّاهِرُ معه؛ لأنَّ الإِنْسانَ إذا دَعَا خَيَّاطًا لِيَخِيطَ (٢٧) له، فالْعادةُ أنَّه يَحْمِلُ معه إِبْرَتَهُ ومِقَصَّهُ. وإنِ اخْتَلَفا فى القَمِيصِ، فهو لِصاحِبِ الدَّارِ؛ إذْ لَيست العادَةُ أَنَّ يَحْمِلَ الْقَمِيصَ معه يَخِيطُه فى دارِ غيرِه، وإِنَّما الْعادَةُ أَنْ يَخِيطَ قَمِيصَ صاحِبِ الدَّارِ فيها. وإنِ اخْتَلَفَ صاحِبُ الدَّارِ والنَّجَّارُ فى القَدُومَ، والْمِنْشَارِ، وآلَةِ النِّجَارَةِ، فهى للنَّجَّارِ. وإنِ اخْتَلَفَا فى الْخَشَبَةِ المَنْجُورَةِ، والأَبْوابِ، والرُّفوفِ المَنْشُورَةِ، فهى لِصاحِبِ الدَّارِ. وإنِ اخْتَلَفَ النَّجَّادُ ورَبُّ الدَّارِ فى قَوْسِ النَّدْفِ، فهو لِلنَّجَّادِ. وِإنِ اخْتَلَفا فى الفَرْيقِ وَالْقُطنِ والصُّوفِ، فهو لِصاحِبِ الدَّارِ. وإن اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّارِ وَالسَّقَّا فى الْقِرْبَةِ، فهى لِلسَّقَّا. وَإنِ اخْتَلَفا فى الخَابِيَةِ والْجِرَارِ، فهى لِصاحِبِ الدَّارِ؛ لما ذَكَرْنَا. فصل: وإذا تنازَعَ رجُلانِ دَابَّةً، أَحدُهما راكِبُها، والآخَرُ آخِذٌ بزِمامِها، فالرَّاكِبُ أوْلَى بها؛ لأنَّ تصَرُّفه فيها أَقْوَى، ويَدَه آكَدُ، وهو الْمُسْتَوْفِى لمَنْفَعتِها. وإِنْ كان لأَحدِهما عليْها (٢٨) حِمْلٌ، والآخَرُ آخِذٌ بزِمامِها، فهى لصاحِبِ الْحِمْلِ؛

стр. 7685

لذلك (٢٩). وإِنْ كان لأحدِهما عليها حِمْلٌ، والآخَرُ راكِبٌ عليها، فهى لِلرَّاكِبِ؛ لأَنَّهُ أقْوَى تصَرُّفًا. وإنِ اخْتَلَفا فى الحِمْلِ، فادَّعاهُ الرَّاكِبُ وصاحِبُ الدَّابَّةِ، فهو للرَّاكِبِ؛ لأنَّ يدَهُ على الدَّابَّةِ والحِمْلِ مَعًا، فأشْبَهَ ما لو اختَلَف السّاكِنُ وصاحبُ الدَّارِ فى قُماشٍ فيها. وإن تنازَعَ صاحِبُ الدَّابَّةِ والرَّاكِبُ فى السَّرْجِ، فهو لصاحِبِ الدَّابَّةِ؛ لأنَّ السَّرْجَ فى العادَةِ يكونُ لصاحِبِ الفَرَسِ. ولو (٣٠) تنازَعَ اثْنانِ فى ثِيابٍ على عَبْدٍ لِأَحَدِهما، فهى لصاحِبِ الْعَبْدِ؛ لِأنَّ يَدَ الْعَبْدِ عليها. وإِنْ تنازَعَ صاحِبُ الثِّيابِ والآخَرُ فى العَبْدِ اللَّابِسِ لها، فهما سَواءٌ؛ لأنَّ نَفْعَ الثّيابِ يعودُ إلى (٣١) العَبْدِ، لا إلى صاحِبِ الثِّيابِ. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ فى هذا ال فَصْلِ ، والَّذى قبلَهُ، كما ذَكَرْنا. فصل: وإن اخْتَلَفَ صاحِبُ أَرْضٍ ونَهْرٍ فى حائطٍ بينَهما، فهو لهما، ويَحْلِفُ كُلُّ واحِدٍ منهما على النِّصْفِ المحْكومِ لَه به (٣٢). وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: هو لصاحِبِ النَّهْرِ؛ لأنَّهُ لِنَفْعِهِ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: هو لصاحِبِ الأَرْضِ؛ لأنَّهُ مُتَّصِلٌ بَأَرْضِه. ولَنا، أنَّه حاجِزٌ بين مِلْكَيْهِما، فكانتْ يَدُهما عليه، فيكونُ لهما، كما لو تنازَعَ صاحِبُ العُلْوِ والسُّفْلِ فى السَّقْفِ الذى بينهما، أو حائطٍ بَيْنَ دَارَيْهما. وما ذَكَرُوه من التَّرْجِيحَيْنِ مُتَقابِلان (٣٣)، فيَسْتَوِيان. وإن تنازَعَ صاحِبُ الْعُلْوِ والسُّفْل فى السَّقْفِ الذى بَيْنَهما، فهو بيْنَهما، كذلِكَ (٣٤). وكُلُّ مَوْضِع قُلْنا: يُقْسَمُ بينهما نِصْفيْنِ. فإنَّما يَحْلِفُ كُلُّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ الذى يحْصُلُ له، دونَ النِّصْفِ الآخَرِ؛ لأنَّ ما لا (٣٥) يحْصُلُ له لا يُفيدُهُ الحَلِفُ عليه شَيْئًا، فلا يُسْتَحْلَفُ عليه، كالمُدَّعِى لا يحْلِفُ على ما يأخُذُه المُدَّعَى عليه.

стр. 7686

فصل: وإِنْ تنازَعا عِمامَةً، طَرَفُها فى يد أحدِهما، وباقِيها فى يَد الآخَرِ، أو قَميصًا، كُمُّهُ فى يدِ أحدِهما، وباقيه مع الآخَرِ، فهما سواءٌ فيهما (٣٦)؛ لأَنَّ يدَ المُمْسِكِ بالطَّرَفِ عليها، بدَلِيلِ أنَّه لو كان باقِيها على الأَرْضِ، فنازَعَه فيها غَيْرُه، كانتْ لَه، وإذا كانَتْ فى أَيْدِيهما تساوَيا فيها. ولو كانت دارٌ فيها أربعةُ أبْياتٍ، وفى أَحَدِ أبْياتِها ساكنٌ، وفى الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ ساكنٌ آخَرُ، فاخْتَلَفا فيها، كان لِكُلِّ واحِدٍ ما هو ساكِنٌ فيه؛ لأنَّ كُلَّ بَيْتٍ ينفصِلُ عن صاحبِهِ، ولا يُشارِكُ الخارِجُ منه السَّاكِنَ فيه فى ثُبُوتِ اليَدِ عليه. ولو تنازَعا السَّاحَةَ التى يُتطَرَّقُ منها إلى البُيُوتِ، فهى بينَهما نِصْفَيْن؛ لِاشْتِراكِهِما فى ثُبُوتِ الْيَدِ عليها، فأشْبَهَتِ العِمامَةَ فيما ذَكَرْنا. ١٩٤٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كانَ لَهُ علَى أحَدٍ حَقٌّ، فَمَنَعَهُ مِنْهُ، وقَدَرَ لَهُ علَى مالٍ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ مِقْدارَ حَقِّهِ؛ لِمَا رُوِىَ عنِ النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خانَكَ " (١)) وجملتُه أنَّه إذا كانَ [لرجل على غيرِهِ] (٢) حَقٌّ، وهو مُقِرٌّ به، باذِلٌ له، لم يكُنْ له أَنْ يَأْخُذَ من مالِهِ إِلَّا ما يُعْطِيهِ. بلا خِلافٍ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ، فإنْ أَخَذَ من مالِهِ شَيْئًا بغيرِ إِذْنِهِ، لَزِمَهُ رَدُّه إليه، وإِنْ كان قَدْرَ حَقِّهِ؛ [لأنَّه لا يجوزُ أن يَمْلِكَ عليه عَيْنًا من أَعْيانِ مالِهِ، بغير اخْتِيارِهِ، لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وإن كانتْ من جِنْسِ حَقِّهِ] (٣)؛ لأنَّهُ قد يكونُ للإِنْسانِ غَرَضٌ فى العَيْنِ. وإن أَتْلَفَها، أو تَلِفَتْ فصارت دَيْنًا فى ذِمَّته، وكان الثَّابتُ فى ذِمَّتِهِ من جِنْسِ حَقِّهِ، تقَاصَّا، فى قياسِ الْمذهبِ، والمَشْهورِ من مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ. وإن كان مانِعًا له لِأمْرٍ يُبِيحُ المَنْعَ، كالتَّأْجِيلِ (٤) والإِعْسارِ (٥)، لم يَجُزْ أخْذُ شىءٍ من مالِهِ، بغيرِ خلافٍ. وإن

стр. 7687

أَخذَ شَيْئًا، لَزِمَه رَدُّه إن كان باقِيًا، أو عِوَضُه إن كان تالِفًا، ولا يحصُلُ التَّقاصُّ ههُنا؛ لأنَّ الدَّيْنَ الذى له لا (٦) يَسْتَحِقُّ أخذَه فى الحالِ، بخلافِ التى قبلَها. وإن كان مانِعًا له بغيرِ حَقٍّ، وقَدَرَ على استِخْلاصِهِ بالحاكِمِ أو السُّلْطانِ، لم يَجُزْ له الأَخْذُ أيضًا بغيرِه؛ لِأنَّهُ قدَرَ على استِيفَاءِ حَقِّهِ بمَنْ يَقُومُ مَقامَهُ، فأشْبَهَ ما لَو قَدَرَ على استِيفَائِهِ من وَكِيلِهِ. وإن لم يقْدِرْ على ذلك؛ لِكَوْنِه جاحِدًا له، ولا بَيِّنَةَ له (٧) به، أو لِكَوْنِهِ لا يُجيبُهُ إلى المُحاكَمَةِ، ولا يُمْكِنُهُ إجْبارُه على ذلك، أو نحو هذا، فالمشهور فى المذهبِ، أنَّه ليس له أَخذُ قَدْرِ حَقِّه. وهو إِحْدَى الرِّوايتَيْنِ عن مالكٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد (٨) جعَل أصحابُنا الْمُحدَثونَ لجَوازِ الأَخْذِ وجْهًا فى المَذْهَبِ، [أخذًا من] (٩) حديثِ (١٠) هِنْد، حينَ (١١) قال لها النَّبِىُّ ﷺ : "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمعْرُوفِ" (١٢). وقال أبو الخَطَّابِ: ويتخَرَّجُ لنا (١٣) جوازُ الأخْذِ؛ فإِنْ كان المَقْدُورُ عليه من جِنْسِ حَقِّهِ، أخَذَ بقَدْرِهِ، وإن كان من غَيْر جِنْسِهِ، تحَرَّى، واجْتَهَدَ فى تَقْويمِه، مَأخوذٌ من حَديثِ هِنْد، ومِنْ قولِ أحمدَ فى المُرْتَهَنِ: يَرْكَبُ ويَحْلُبُ، بقَدْرِ ما يُنْفِقُ، والمَرْأَةُ تأْخُذُ مُؤْنَتَها، وبائِعُ السِّلعَةِ يأْخُذُها مِنْ مالِ المُفْلِسِ بغَيْر رِضَاهُ (١٤). وقال الشَّافِعِىُّ: إن لم يَقْدِر على استِخْلاص حَقِّهِ بِبَيِّنَةٍ (١٥)، فلَهُ أخْذُ قدْرِ حَقِّهِ من جِنْسِه أو من غَيْرِ جِنْسِهِ، وإن كانت له بِبَيِّنَةٌ، وقدَرَ على استِخْلاصِهِ، ففيه وَجْهانِ. والمشهورُ من مذهبِ مالِكٍ، أنَّهُ إن لم يكُنْ لغيرِهِ عليه دَيْن، فله أن يَأْخُذَ بقَدْرِ حَقِّه، وإن كان عليه دَيْنٌ، لم يَجُزْ؛ لِأنَّهما يتَحاصَّان (١٦) فى مالِهِ إذا أَفْلَسَ. وقال

стр. 7688

أبو حنيفةَ: له أن يأْخُذَ بقَدْرِ حَقِّهِ إن كان عَيْنًا، أو وَرِقًا، أو مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، وإن كان المَالُ عَرْضًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ أَخْذَ العَرْضِ عن حَقِّهِ اعْتِياضٌ، ولا تجُوزُ المُعاوَضَةُ إِلَّا برِضًى مِنَ المُتَعَاوِضَيْن، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١٧). واحتَجَّ مَنْ أجازَ الأَخْذَ بحدِيثِ هِنْد، حينَ جاءتْ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أبا سُفْيَانَ رجلٌ، شَحِيحٌ، وليس يُعْطينى من النَّفَقَةِ ما يكفِينى وولدِى. فقال: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ". مُتَّفَقٌ علَيْه. وإذا جاز لها أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مالِهِ ما يكْفِيها بغيرِ إذْنِهِ، جاز للرَّجُلِ الذى له الحقُّ على الرَّجُلِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "أَدِّ الْأَمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ". روَاه التِّرْمِذِىُّ (١٨)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ. ومتى أخَذَ منه قَدْرَ حقِّهِ من مالِهِ بغَيْرِ عِلْمِهِ، فقد خانَهُ، فيدْخُلُ فى عُمومِ الْخَبَرِ، وقال ﷺ : "لا يَحِلُّ مَالُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" (١٩). ولأَنَّهُ إن أخَذَ من غيرِ جِنْسِ حَقِّهِ، كان مُعاوَضَةً بغير تَراضٍ، وإن أَخَذَ من جِنْسِ حَقِّهِ، فليس له تَعْيينُ الحقِّ بغَيْرِ رِضَى صاحبِهِ، فإِنَّ التَّعْيِينَ إليه، ألا تَرَى أنَّه لا يجُوزُ له أن يقولَ: اقْضِنِى حَقِّى مِنْ هذا الكِيسِ دونَ هذا. ولأنَّ كُلَّ ما لا يجُوزُ له تَمَلُّكُه إذا لم يكُنْ له دَيْنٌ، لا يجوزُ له أخْذُهُ إذا كان له دَيْنٌ، كما لو كان باذِلًا له. فأمَّا حديثُ هِنْد، فإِنَّ أحمدَ اعْتَذَرَ عنه بأنَّ حَقَّها واجبٌ عليه فى كلِّ وَقْتٍ. وهذا إشارَةٌ منه إِلَى الفَرْقِ بالْمَشَقَّةِ فى المُحاكَمَةِ فى كُلِّ وَقْتٍ، والمْخاصَمَةِ كُلَّ يَوْمٍ تجِبُ فيه النَّفَقَهُ، بخِلَافِ الدَّيْنِ. وفَرَّقَ أبو بَكْرٍ بينَهما بفرْقٍ آخَرَ، وهو أَنَّ قِيامَ الزَّوْجِيَّة كقيام البَيِّنَةِ، فكأَنَّ الحَقَّ صار معلومًا، بِعِلْمِ قيامِ مُقْتَضِيهِ، وبينهما فَرْقانِ آخَرانِ؛ أحدُهما، أنّ للمَرأةِ من التَّبَسُّطِ فى مالِهِ، بحُكْمِ العادَةِ، ما يُؤَثِّرُ فى إباحَةِ أخْذِ الحقِّ، وبَذْلِ اليَدِ فيه بالمَعْروفِ، بخِلافِ الأَجْنَبِىِّ. الثانى، أَنَّ النفَقَةَ تُرادُ لإِحْياءِ النَّفْسِ، وإبْقاءِ المُهْجَةِ، وهذا مِمَّا (٢٠) لا يُصْبَرُ عنه، ولا

стр. 7689

سَبِيلَ إلى تَرْكِهِ، فجازَ أخْذُ ما تَنْدَفعُ به هذه (٢١) الحاجَةُ، بخِلافِ الدَّيْنِ، حتى نقولَ: لو صارَتِ النَّفَقَةُ ماضِيَةً، لم يكُنْ لها أخْذُها، ولو وَجَبَ لها عليه دَيْنٌ آخَرُ، لم يكُنْ لها أخْذُه. فعلَى هذا، إن أخَذَ شيْئًا، لزِمَهُ رَدُّهُ، إن كان باقِيًا، وإن كان تالِفًا، وجَبَ مِثْلُه إن كان مِثْلِيًّا، أو قيمَتُه إن كان مُتَقَوَّمًا، فإنْ كان مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ، تقاصَّا، وتساقَطَا، فى قياس المَذْهَبِ، وإن كان من غيرِ جِنْسِهِ، لَزمَه غُرْمُه، ومَنْ جَوَّزَ مِنْ أصْحابِنا الأَخْذَ، فإنَّه قال: إن وجَد (٢٢) جِنْسَ حَقِّهِ، جازَ له الأَخْذُ منه بقَدْرِ حَقِّه، مِنْ غيرِ زِيادَةٍ، وليسِ له الأَخْذُ من غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ بقُدْرَتِهِ على أخْذِهِ [مِن جِنْسِهِ] (٢٣)، وإن لم يَجِدْ إِلَّا من غَيْرِ جِنْسِ حَقِّه، فيَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ لهُ تَمَلُّكُهُ؛ لأنَّهُ لا يجُوزُ أن يَبِيعَهُ من نَفْسِهِ، وهذا يَبِيعُه من نَفْسِه، وتَلْحَقُهُ فيه تُهْمَةٌ. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ له ذلك، كما قالوا: الرَّهْنُ يُنْفَقُ عليه، إذا كان مَرْكوبًا، أو مَحْلوبًا، يُرْكَبُ، ويُحْلَبُ، بقَدْرِ النَّفَقَةِ، وهى من غير الجِنْسِ. واختلَفَ أصحابُ الشَّافِعِىِّ، فمنهم مَنْ جوَّز له هذا، ومنهم من قال: يُوَاطِئُ رجلًا يَدَّعِى عليه عندَ الحاكِمِ دَيْنًا، فيُقِرُّ له بمِلْكِ الشَّىءِ الذى أخذَه، فيَمْتَنِعُ مَنْ عليه الدَّعْوَى مِنْ قَضاء الدَّينِ، لِيَبيعَ الحاكِمُ الشَّىءَ المأخوذَ، ويدفَعَهُ إليه. فصل: إذا ادَّعَى إنسانٌ على إنسانٍ حَقًا، وأقامَ به شاهِدَيْنِ، فلم يَعْرِفِ الحاكِمُ عدالتَهما، فسألَ حَبْسَ غَرِيمِهِ حتى تثْبُتَ عَدالةُ شُهودِهِ، أُجِيبَ إلى ذلِكَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ من المسلِمينَ العَدالَةُ، ولأنَّ الذى على الغَريِم قد أَتَى به، وإنَّما بَقِىَ ما على الحاكِمِ، وهو الكَشْفُ عن عدالَةِ الشُّهودِ. وإِنْ أقامَ شاهدًا واحدًا، وسألَ حَبْسَ غرِيمِهِ لِيُقيمَ شاهدًا آخرَ، وكان الحَقُّ ممَّا لا يثْبُتُ إلّا بشاهدَيْنِ، لِم يُحْبَسِ المُدَّعَى عليه؛ لِأنَّ البيِّنَةَ ما تمَّتْ، والحَبْسُ عذابٌ، فلا يَتَوَجَّهُ عليهِ (٢٤) دون تَمامِ البَيِّنَةِ. وإن كان الحَقُّ ممَّا يثْبُتُ بشاهِدٍ ويَمِينٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُحْبَسُ له؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ الواحِدَ حُجَّةٌ فى المالِ،

стр. 7690

وإنَّما اليَمِينُ مُقَوِّيَةٌ (٢٥) له. والثَّانى، لا يُحْبَسُ. وهو الصَّحيحُ؛ لِأَنَّهُ إن حُبِسَ له (٢٦) ليُقِيمَ شاهِدًا آخرَ يُتِمُّ بهما (٢٧) البَيِّنَةَ، فهو كالحُقوقِ التى لا تثْبُتُ إِلَّا بشاهِدَيْنِ، وإن حُبسَ لِيَحْلِفَ معه، فلا حاجَةَ إليه، فإِنَّ الحَلِفَ مُمْكِنٌ فى الحالِ، فإن حلَفَ، ثبَتَ حَقُهُ، وإلَّا، لم يَجِبْ شىءٌ. ويَحْتَمِلُ أن يُقالَ: إن كان المُدَّعِى باذِلًا لليَمِينِ، والتَّوَقُّفُ لأجْلِ إثْبات عَدالَةِ الشَّاهِدِ، حُبِسَ؛ لما ذَكَرْنا فى التى قبلَها. وإن كان التَّوَقُّفُ عن الحُكمِ لِغَيْرِ (٢٨) ذلك، لم يُحْبَسْ؛ لما [ذكرْناه. قال القاضى] (٢٩): وكُلُّ مَوْضِعٍ حُبِسَ فيه بشاهِدَيْنِ، اسْتُدِيمَ الحَبْسُ حتى تثْبُتَ عَدالَةُ الشُّهودِ أو فِسْقُهم، وكُلُّ مَوْضِعٍ حُبِسَ (٣٠) بشاهِدٍ واحدٍ، فإِنَّهُ يُقالُ للمَشْهُودِ له: إن جِئْتَ بشاهِدٍ آخَرَ إلى ثلاثٍ (٣١) وإلَّا أطْلَقْنَاهُ. فصل: وإنِ ادَّعَى العَبْدُ أَنَّ سيِّدَه أعتَقَهُ، وأقام شاهِدَيْنِ، ولم يُعدَّلَا، فسأل العَبْدُ الحاكِمَ أن يحُولَ بينَه وبينَ سيِّدِه، إلى أن يَبْحَثَ الحاكِمُ عن عَدَالَةِ الشُّهودِ، فعلى الحاكِمِ ذلك، ويُؤْجِرُه من ثِقَةٍ، ويُنْفِقُ عليه من كَسْبهِ، ويَحْبسُ الباقىَ، فإن عُدِّلَ الشّاهِدانِ، سُلِّم إليه الباقِى من كَسْبِهِ، وإن فُسِّقَا (٣٢)، رُدَّ إلى سَيِّدِه. وإنّما حُلْنا بينهما؛ لما ذكَرْناه فى الفَصْلِ الذى قبلَ هذا، ولِأَنَّنا لو لم نَحُلْ بينَهما، أفْضَى إلى أن تكُونَ أمَةً، فيطأَها. وإن أقامَ شاهِدًا واحِدًا، وسأل أن يُحالَ بينَهما، ففيه وَجْهان. وإن أقامَتِ المَرْأَةُ شاهِدَيْنِ يشهدَانِ بطَلَاقِها، ولم تُعْرَفْ عَدالَةُ الشُّهودِ، حِيلَ بينَهُ وبَيْنَها، وإن أقامَتْ شاهِدًا واحِدًا، لم يُحَلْ بينَهما؛ لِأنَّ البَيِّنَةَ لم تَتِمَّ، وهذا ممَّا لا يثْبُتُ إِلَّا بشاهِدَيْنِ، فلا يثْبُتُ بشاهِدٍ واحدٍ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 7691

كتاب العِتْقِ العِتْقُ فى اللُّغَةِ: الخُلوصُ. ومنه عِتاقُ الْخَيْلِ، وعِتاقُ الطِّيْرِ، أى خالِصَتُها، وسُمِّىَ البَيْتُ الحَرامُ عَتِيقًا، لخُلوصِهِ من أَيدى الجبابِرَةِ. وهو فى الشَّرْعِ: تَحْريرُ الرَّقَبَةِ، وتخليصُها من الرِّق. يُقال (١): عَتَقَ العَبْدُ، وأعتَقْتُه أنا، وهو عَتِيقٌ، ومُعتَقٌ (٢). والأَصْلُ فيه الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ. أمَّا الكِتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣). وقال اللَّه تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٤). وأما السُّنَّةُ، فما رَوَى أبو هُرَيْرَة، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُومِنَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إرْبٍ مِنْهَا إرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ، حَتَّى إنَّهُ لَيُعْتِقُ الْيَدَ بِاليَدِ، والرجْلَ بالرِّجْلِ، والْفَرْجَ بالفَرْجِ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). فى أخبارٍ كثيرةٍ سِوَى هذا. وأَجْمَعَتِ الأَمَّةُ على صِحَّةِ العِتْقِ، وحصولِ القُرْبَةِ به. فصل: والعِتْقُ من أَفْضَلِ القُرَبِ إلى اللَّه تعالى؛ لأنَّ اللَّه تعالى جعلَهُ كفَّارَةً للقتلِ، والوَطْءِ فى رمضانَ، والأَيْمانِ، وجعلَه النَّبىُّ ﷺ فِكَاكًا لمُعْتِقِه من النَّار، ولِأَنّ فيه [تخْلِيصَ الْآدَمِى] (٦) المعصومِ من ضَرَرِ الرِّقِّ، ومِلْكَ نَفْسِه ومنافعِه، وتَكْمِيلَ أحكامٍ، وتَمَكُّنَه من التصرُّفِ فى نَفْسِه ومَنافِعه، على حَسْبِ إرادتِهِ واخْتيارِهِ. وإِعتاقُ

стр. 7692

الرَّجُلِ أفضلُ من إعْتاقِ المرأةِ؛ لما رَوَى كَعْبُ بن مُرَّة البَهْزِىّ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، يقول: "أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا، كانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّار، يُجْزَى بكلِّ عَظْمٍ من عظامِهِ عَظْمًا من عظامِهِ، وأيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أعْتَقَ امرَأتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ، كانتا فِكاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ من عِظامِهِمَا عَظْمًا مِنْ عِظامِهِ، وأيُّمَا امرأةٍ مُسْلِمَةٍ أعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً، كانَتْ فِكاكَهَا من النَّارِ، تُجْزَى بكُلِّ عَظْمٍ من عِظامِها عَظْمًا من عِظامِها" (٧). والمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ له دِينٌ وكسْبٌ يَنْتَفِعُ بالعِتْقِ، فأمّا من يتضرَّرُ بالعِتْقِ، كمَنْ لا كَسْبَ له، تسْقُطُ نفقَتُهُ عن سيِّدِهِ بإعْتاقِه (٨)، فيَضيعُ، أو يصيرُ كَلًّا على النَّاسِ، ويحْتاجُ إلى المسْأَلَةِ، فلا يُسْتَحَبُّ عِتْقُه. وإن كان ممَّنْ يُخَافُ عليه المُضِىُّ إلى دار الحَرْبِ، والرُّجوعُ عن دِينِ (٩) الإِسْلامِ، أو يُخافُ عليه الفَسادُ، كعَبْدٍ يُخافُ أنَّه إذا أُعْتِقَ واحْتاجَ سَرَقَ، وفسقَ، وقطَعَ الطرَّيقَ، أو جارِيَةٍ يُخافُ منها الزِّنَى والفسادُ، كُرِهَ إعْتاقُهُ. وإن غَلَبَ على الظَّنِّ إفْضاؤُهُ إلى هذا، كان مُحَرَّمًا؛ لِأَنَّ التَّوَسُّلَ إلى الحرامِ حرامٌ. وإن أَعْتَقَهُ صَحَّ؛ لأَنَّهُ إعْتاقٌ صَدَرَ من أهْلِهِ فى مَحلِّهِ، فصَحَّ، كإعْتاقِ غيرِه. فصل: ويحْصُلُ العِتْقُ بالقَوْلِ، والمِلْكِ، والاسْتِيلادِ (١٠). ونذكُرُ ذلك فى مواضِعِهِ إن شاء اللَّه تعالى. ولا يحْصُلُ بالنِّيَّةِ المُجرَّدَةِ؛ [لِأَنَّهُ إزالةُ مِلْكٍ، فلا يحْصُلُ بالنِّيَّةِ المجرَّدة] (١١)، كسائِرِ الإزالَةِ. وألْفاظُهُ تنْقسِمُ إلى صرِيحٍ وكنايةٍ؛ فالصَّريحُ لفظُ الحُرِّيَّةِ، والعِتْقِ، وما تصرَّفَ منهما، نحو: أنت حُر، أو محرَّرٌ، أو عَتيقٌ، أو مُعْتَقٌ، أو أَعْتَقْتُكَ. لأنَّ هذين اللَّفْظَيْنِ ورَدا فى الكتابِ والسُّنَّةِ، وهما يُسْتَعمَلانِ فى العِتْقِ عُرْفًا، فكانا صَرِيحَيْنِ فيه، فمتى أتَى بشَىْءٍ من هذه الألفاظِ، حصَلَ به العِتْقُ، وإن لم يَنْوِ شَيْئًا، عَتَقَ أيضًا. قال أحمدُ، فى رجُلٍ لقِىَ امرأةً فى الطريقِ، فقال: تَنَحَّىْ يا حُرَّةُ. فإذا

стр. 7693

هى جاريتُهُ، قال: قد عَتَقَتْ عليه. وقال فى رجلٍ قال لخَدَمٍ قِيامٍ فى وَلِيمَةٍ: مُرُّوا، أنتُم أحْرارٌ. وكانتْ معَهم أمُّ وَلَدٍ له، لم يعْلَمْ بها، قال: هذا عندى تَعْتِقُ أُمُّ ولَدِهِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَعْتِقَ فى هذَيْن الموضِعَيْن؛ لِأَنَّه قصَد باللَّفظةِ الأولَى غيرَ العِتْقِ، فلم تَعْتِقْ بها، كما لو قال: عبدى حُرٌّ. يُرِيدُ أنَّه عَفيفٌ كريمُ الأخلاقِ، وباللَّفْظَةِ الثانية أراد غيرَ أُمِّ وَلَدِهِ، فأشْبَهَ ما لو نادَى امرأةً من نِسائِهِ، فأجابَتْهُ غيرُها، فقال: أنتِ طالِقٌ. يحسَبُها التى نادَاها، فإِنَّها لا تَطلُقُ، على رِوايَةٍ، فكذا ههُنا. فأمَّا إن قصَد غيرَ العِتْقِ، كالرَّجُلِ يقولُ: عبدى هذا حُرٌّ. يُرِيدُ عِفَّتَه، وكرَمَ أخلاقِهِ. أو يقولُ لعبدِهِ: ما أنتَ إِلَّا حُرٌّ. أى: إنَّكَ لا تُطيعُنى، ولا تَرَى لى عَلَيْكَ حقا ولا طاعَةً، فلا يَعْتِقُ فى ظاهِرِ المذهبِ. قال حَنْبَلٌ: سُئِلَ أبو عبدِ اللَّهِ، عن رجُلٍ قال لِغُلامِهِ: أنت حُرٌّ. وهو يُعاتِبُهُ؟ فقال: إذا كان لا يُرِيدُ بهِ العِتْقَ، يقولُ: كأنَّك حُرٌّ، ولا يُرِيدُ أن يكونَ حُرًّا، أو كلامًا نحوَ (١٢) هذا، رَجَوْتُ أن لا يَعْتِقَ، وأنا أهابُ المَسْأَلَةَ؛ لأنَّهُ نوَى بكلامِه ما يَحْتَمِلُه، فانْصَرَفَ إليه، كما لو نَوَى بكنايةِ العِتْقِ العِتْقَ (١٣). وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. قال: وإن طُلِبَ اسْتِحْلافُه، حلَفَ. وبيانُ احتمالِ اللَّفْظِ لما أرادَهُ، أَنَّ المرأةَ الحُرَّةَ تُمْدَحُ بهذا، فيُقالُ: أمْرأةٌ حُرةٌ. يعنُونَ عفِيفَةً، وتُمْدَحُ المملوكَةُ به أيضًا، ويقال للحَيِىِّ الكَريمِ الأخلاقِ: حُرٌّ. قالت سُبَيْعَةُ تَرْثِى (١٤) عبدَ المُطَّلِبِ: ولَا تَسْأَما أَنْ تَبْكِيا كُلَّ لَيْلَةٍ ... ويَوْمٍ على حُرٍّ كَرِيمِ الشمائِلِ وأمَّا الكِنايةُ، فنحوُ قولِهِ: لا سبيلَ لى عليكَ، ولا سُلْطانَ لى عليكَ، وأنتَ سائِبةٌ، واذهَبْ حيثُ شِئْتَ، وقد خلَّيْتُك. فهذا إن نَوَى به العِتْقَ، عَتَقَ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، وإن لم يَنْوِهِ بهِ لم يَعْتِقْ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ غيرَه. ولم يرِدْ به كتابٌ، ولا سُنَّةٌ، ولا عُرْفُ اسْتِعمالٍ. وذكر القاضى، وأبو الخَطَّابِ، فى قولِهِ: لا سبيلَ لى عليكَ، ولا سُلْطان لى عليكَ. روايَتَيْنِ؛ إحداهما، أنَّه صرِيحٌ. والثانية، أنَّه (١٥) كنايَةٌ، ، هو الصَّحِيحُ؛ لما ذكرْناه. فأمَّا إن

стр. 7694

قال: لا رِقَّ لى عليكَ، ولا مِلْكَ لى عليكَ، وأنتَ للَّهِ. فقال القاضى: هو صريحٌ. نَصَّ عليهِ أحمدُ. وذكَرَ أبو الخَطَّابِ فيه رِوايَتَيْنِ. ولا خلافَ فى المذهبِ أنَّه يَعْتِقُ به إذا نَوَى، وممَّن قال: يَعْتِقُ بقولِهِ: أنتَ للَّهِ. إذا نَوَى؛ الشَّعْبِىُّ، والمُسَيَّبُ بنُ رافعٍ، وحَمَّادٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنِيفَةَ: لا يَعْتِقُ به؛ لأنَّ مُقْتَضاهُ، أنت عَبْدٌ للَّهِ (١٦)، أو مخلوقٌ للَّهِ وَحْدَه (١٧). وهذا لا يقْتضِى العِتْقَ. ولَنا، أنَّهُ يَحْتمِل: أنتَ (١٨) حُرٌّ للَّهِ، أو عَتيقٌ للَّهِ، أو عبدٌ للَّهِ وحدَهُ، لستَ بعبدٍ لى، ولا لأحَدٍ سِوَى اللَّهِ. فإذا نَوَى الحُرِّيَّةَ به، وقعَتْ، كسائِرِ الكِناياتِ. وما ذكَروهُ لا يصِحُّ؛ لأنَّ احتمالَهُ لما ذكَروهُ لا يَمْنَعُ احتمالَهُ لما ذِكَرْناه، بدَليلِ سائِرِ الكِناياتِ، فإنَّها تَحْتَمِلُ العِتْقَ وغيرَه، ولو لم تَحْتَمِلْ إِلَّا العِتْقَ لكانتْ صَرِيحَةً فيه، وما احْتَمَلَ (١٩) أمرَيْنِ، انْصرَفَ إلى أحدِهما بالنِّيَّةِ، وهذا شَأْنُ الكِناياتِ. وما ذكَرَهُ (٢٠) من الاحْتمالِ (٢١) يدُلُّ على أَنَّ هذا ليس بصَرِيحٍ، وإنَّما هو كِنايَةٌ. وقولُه: لا مِلْكَ لى عليكَ، ولا رِقَّ لى عليكَ، خبرٌ عن انْتِفاءِ مِلْكِهِ ورِقِّهِ، لم يَرِدْ به شَرْعٌ، ولا عُرْفُ اسْتِعمالٍ فى العِتْقِ، فلم يكُنْ صَرِيحًا فيه، كقولِهِ: ما أنتَ عَبْدِى، ولا مَمْلوكِى. وقولِه لامرأتِهِ: ما أَنْتِ امرَأتِى، ولا زَوْجَتِى. فصل: وإن قال لأمَتِهِ: أنتِ طالِقٌ. ينوِى العِتْقَ به، ففيه رِوايَتانِ؛ إحْداهما، لا تَعْتِقُ به. وهو قولُ أبى حنيفَةَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لفْظٌ وُضِعَ لازالَةِ المِلْكِ عن المَنْفعَةِ، فلم يُزَلْ به المِلْكُ عن الرَّقَبَةِ (٢٢)، كفَسْخِ الإِجارةِ، ولأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ لا يُسْتَدْرَكُ بالرَّجْعَةِ، فلا ينْحَلُّ بالطَّلاقِ، كسائِرِ الأمْلاكِ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، هو كِنايةٌ تَعْتِقُ بِهِ الأمَةُ إذا [نَوَى العِتْق] (٢٣). وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الرِّقَّ أحدُ المِلْكَيْنِ على الآدَمِىِّ، فيزُولُ

стр. 7695

بلفظِ الطَّلاقِ، كالآخَرِ، أو فيكونُ اللَّفْظُ الموضوعُ لإِزالَةِ أحدِهما كنايةً فى إِزالةِ الآخَرِ، كالحُرِّيَّةِ فى إزالة النِّكاحِ، ولِأنَّ فيه معنَى الإِطْلاقِ، فإذا نَوَى به إطْلاقَها من مِلْكِهِ، فقد نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُهُ، فتَحْصُلُ به الحُرِّيَّةُ، كسائِرِ كِناياتِ العِتْقِ. فصل: فإنْ قال لأكْبَرَ منهُ، أو لِمَنْ لا يُولَدُ لمثلِهِ: هذا ابْنِى. مثل أن يقولَ مَنْ له عِشرون سنة لِمَنْ له خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً: هذا ابْنِى. لم يَعْتِقْ، ولم يَثْبُتْ نَسَبُه. وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ. وخرَّجَه أبو الخَطَّابِ وَجْهًا لَنا؛ لِأنَّهُ اعْترَفَ بما تثْبُتُ به حُرِّيتُه، فأشبَهَ ما لو أقَرَّ بها. ولَنا، أنَّهُ قولٌ يتَحَقَّقُ كَذِبُه فيه، فلم تثبُتْ به الحُرِّيَّةُ، كما لو قال لطِفْلٍ: هذا أبى. أو لطِفْلَةٍ: هذه أُمِّى. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا من قولِ النُّعمانِ شاذٌّ، لم يسْبِقْهُ أحدٌ إليه، ولا تَبِعَهُ أحدٌ عليه، وهو مُحالٌ من الكَلامِ، وكَذِبٌ يَقينًا، ولو جازَ هذا، لجَازَ أن يقولَ الرَّجُلُ لطِفْلٍ: هذا أبى. ولأنَّهُ لو قال لزَوْجَتِهِ، وهى أَسَنُّ منه: هذه ابْنَتِى. أو قال لها، وهو أسَنُّ منها: هذه أُمِّى. لم تَطْلُقْ، كذا هذا. فصل: فإنْ قال لأَمَتِهِ: أنتِ حَرامٌ علىَّ. ينْوِى به العِتْقَ، عَتَقَتْ. وذكَرَ أبو الخَطَّابِ أَنَّ فيها رِوايَةً أُخْرَى، لا تَعْتِقُ. كقوله لها: أنتِ طالِقٌ. والصَّحيحُ أنَّها تَعْتِقُ به؛ لِأنَّه يَحْتَمِلُ، أنَّكِ (٢٤) حرامٌ علىَّ، لكَوْنِكِ حُرَّةً. فتَعْتِقُ به، كقولِه: لا سبيلَ لى عليكِ. فصل: ويصِحُّ العِتْقُ من كُلِّ مَنْ يجوزُ تَصَرُّفُه فى المالِ، وهو البالِغُ العاقِلُ الرَّشيدُ، سَواءٌ كان مسلِمًا، أو ذِمِّيًّا، أو حَرْبِيًّا. ولا نعلَمُ فى هذا خِلافًا، إِلَّا عن أبى حنيفةَ ومَنْ وافَقَه، فى أَنَّ عِتْقَ الحَرْبِىِّ لا يصِحُّ؛ لأنَّه لا مِلْكَ له على التَّمامِ، بدلِيلِ إباحةِ أخْذِه (٢٥) منه، وانْتِفاءِ عِصْمَتِهِ فى نفسِه ومالِه. ولَنا، أَنَّهُ يصِحُّ طلاقُهُ، فصَحَّ إعْتاقُهُ، كالذِّمِّىِّ. ولِأنَّهُ مالِكٌ، بالِغٌ، عاقِل، رشيدٌ، فصَحَّ إعتاقُهُ، كالذِّمِّىِّ. وقولُهم: لا مِلْكَ له. لا يصِحُّ؛ فإنَّهم (٢٦) قد قالوا: إنَّهم يَمْلِكُونَ أمْوالَ المسلمين بالقهْرِ، فلَأَنْ يثْبُتَ المِلْكُ لهم فى غيرِ ذلك أَوْلَى.

стр. 7696

فصل: ولا يصِحُّ من غيرِ جائزِ التَّصَرُّفِ، فلا يَصِحُّ عِتْقُ الصَّبِىِّ، والمجنونِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العلمِ، وممَّن حفِظْنا عنه ذلِكَ؛ الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ وذلك لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ" (٢٧). ولأنَّهُ تَبَرُّعٌ بالمالِ، فلم يَصِحَّ منهما، كالهِبَةِ. ولا يَصِحُّ عِتْقُ السَّفِيهِ المَحْجُورِ عليه، وهو قَوْلُ القاسِمِ بنِ محمدٍ. وذكَرَ أبو الخطَّابِ فيه رِوايةً أُخْرَى، أنَّه يصِحُّ عِتْقُه، قِياسًا على طَلاقِهِ وتَدْبيرِهِ. ولَنا، أنَّه مَحْجورٌ عليه فى مالِهِ لحَظِّ نفسِهِ، فلم يَصِحَّ عِتْقُهُ، كالصَّبِىِّ، ولِأنَّه تَصَرُّفٌ فى المالِ فى حياتِهِ، فأَشْبَهَ بَيْعَهُ، وهِبَتَه. ويُفارِقُ الطَّلاقَ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه فى مالِه، والطَّلاقُ ليس بتَصَرُّفى فيه. ويُفارِقُ التَّدْبيرَ؛ لِأَنَّه تصَرُّفٌ فيه بعدَ مَوْتِهِ، وغِناهُ عنه بالمَوْتِ، ولهذا صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ، ولم تصِحَّ هِبَتُه المُنْجَزَةُ. وعِتْقُ السَّكْرانِ مَبْنِىٌّ على طلاقِه، وفيه من الخِلافِ ما فيه. ولا يَصِحُّ عِتْقُ المُكْرَهِ، كما لا يَصِحُّ طلاقُه، ولا بَيعُه، ولا شَىْءٌ من تَصرُّفاتِه. فصل: ولا يصِحُّ العِتْقُ من غيرِ المالِكِ، فلو أعْتَقَ عبدَ (٢٨) ولَدِه الصغيرِ، أو يتيمِهِ الذى فى حِجْرِهِ، لم يصِحَّ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ: يصِحُّ عِتْقُ عبدِ وَلَدِهِ الصغيرِ؛ لقولِهِ ﷺ : "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" (٢٩). ولأنَّ له (٣٠) عليه وِلَايةً، وله فيه حَقٌّ، فصَحَّ إعْتاقُهُ كمالِه. ولَنا، أنَّه عِتْقٌ من غير مالِكٍ، فلم يصِحَّ، كإعْتاق عبدِ وَلَدِهِ الكبيرِ. قال ابن المُنْذِرِ: لمَّا وَرَّثَ اللَّه الأبَ من مالِ ابنِهِ السُّدسَ مع وَلَدِهِ، دَلَّ على أنَّه لا حَقَّ له فى سائِرِه. وقولُه ﷺ : "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ". لم يُرِدْ به حقيقةَ المِلْكِ، وإنَّما أرادَ المُبالغَةَ فى وُجوبِ حَقِّه عليك، وإمْكانِ الأَخْذِ من مالِكَ، وامتِناعِ مُطالَبَتِكَ له بما أخَذَ منه، ولهذا لا يَنْفُذُ إعْتاقُهُ لعبدِ وَلَدِهِ الكبيرِ، الَّذى ورَدَ الخبرُ فيه، وثُبوتُ الوِلايَةِ له على

стр. 7697

مالِ وَلَدِهِ أبْلَغُ فى (٣١) امْتِناعِ إعْتاقِ عبدِه؛ لأنَّهُ إنَّما أَثْبَتَ الوِلايَةَ عليهِ لِحَظِّ الصَّبِىِّ، ليَحْفَظَ ما لَه عليه، ويُنَمِّيَه له، ويقومَ بمصالحِهِ التى يَعْجِزُ الصَّبِىُّ عن القيامِ بها، وإذا كان مَقْصودُ الوِلاة الحِفْظَ، اقْتضَتْ مَنْعَ التَّضْييعِ والتَّفْرط بإعتاقِ رَقِيقِهِ، والتَّبَرُّعِ بمالِهِ. ولو قال رجُلٌ لعبدِ آخَرَ (٣٢): أنتَ حُرٌّ من مالى. فليس بِشَىءٍ، فإنِ اشترَاهُ بعدَ ذلِكَ، فهو مَمْلوكُه، ولا شَىْءَ علَيْهِ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وعامَّةُ الفُقَهاءِ. ولو بلَغَ رجُلًا [أَنَّ رجلًا] (٣٣) قال لعَبْدِهِ: أنتَ حُرٌّ من مالِى. فقال: قد رضِيتُ. فليس بِشَىْءٍ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ. ١٩٤٦ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (وَإِذَا كَانَ الْعبدُ بَيْنَ ثَلاثَةٍ، فأعْتَقُوهُ مَعًا، أَوْ وَكَّلَ نَفْسانِ الثَّالِثَ أَنْ يُعْتِقَ حُقُوقهُما مَع حَقِّهِ، فَفَعَلَ، أَوْ أَعْتَقَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّهُ، وهُوَ مُعْسِرٌ، فقَدْ صَارَ حُرًّا، ووَلَاؤُهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا) وجملتُه أَنَّ العَبْدَ متى كان لِثلاثةٍ، فأعْتقُوه مَعًا؛ إِمَّا بأنفُسِهِم، بأن يتلفَّظُوا بعِتْقِهِ مَعًا، أو يُعَلِّقوا عِتْقَهُ على صِفَةٍ واحدَةٍ، فتُوجَدَ، أو يُوكِّلوا واحِدًا، فيُعْتِقَه، أو يُوَكِّلَ نفسانِ منهم الثَّالِثَ، فيُعْتِقَه، فإنَّه يصيرُ حُرًّا، ووَلَاؤُه بَيْنَهم على قدْرِ حُقوقِهم فيه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعتَقَ" (١). وكُلُّ واحِدٍ منهم قد اعتَقَ حَقَّه، فيثبُتُ له الوَلَاءُ عليه. وهذا لا نعلَمُ فيه بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا. فأمَّا إِنْ أعْتَقَه سادَتُه الثَّلاثةُ، واحِدًا بعدَ واحدٍ، وهم مُعْسِرُون، أو كان المُعْتِقانِ الأَوَّلانِ مُعْسِرَيْنِ، والثالثُ مُوسِرًا، فالصَّحيحُ فيه أنَّه يَعْتِقُ على كُلِّ واحدٍ منهم حقُّه، وله وَلاؤه، وهذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلمِ. وحكَى ابنُ المُنْذِرِ، فيما إذا اعتَقَ المُعْسِرُ نَصِيبَه قَولَيْنِ شاذَّيْنِ؛ أحدهما، أنَّه باطلٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يَعْتِقَ نصفُه مُنْفَرِدًا، إذْ لا يُمْكِنُ أن يكونَ إنسانٌ نِصفُه حُرٌّ، ونِصفُه عَبْدٌ، كما لا يُمْكِنُ أن يكونَ نِصْفُ المرأةِ طالِقًا، ونِصْفُها زَوْجَةً، ولا سبيلَ إِلَى إعْتاقِ جَميعِهِ، فبَطَلَ (٢) كُلُّه.

стр. 7698

والثانى، يَعْتقُ كُلُّه، وتكونُ قِيمَةُ نَصِيبِ الذى لم يُعْتِقْ فى ذِمَّةِ المُعْتِقِ، يُتْبَعُ بها إذا أَيْسَرَ، كما لو أَتْلَفَه. وهذان القَوْلانِ شاذَّانِ، لم يَقُلْهُما مَنْ يُحْتَجُّ بقولِهِ، ولا يُعْتَمَدُ على مَذْهَبِهِ. وَيَرُدُّهما قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ اعتَقَ شِرْكًا لَهُ فى عَبْدٍ، فَكَانَ مَعَهُ ما يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عليه قِيمَةُ العِدْلِ، وأُعْطِىَ شُرَكاؤُه حِصَصَهُمْ، وعَتَقَ جَمِيع العَبْدِ، وإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وإذا ثبَتَ أنَّه لا يَعْتِقُ على المُعْسِرِ إِلَّا نَصِيبُه، فباقِى العَبْدِ على الرِّقِّ، فإذا أَعْتَقَهُ مالِكُه، عَتَقَ بإعْتَاقِهِ، وكان لِكُلِّ واحِدٍ منهم وَلَاءُ ما أَعْتَقَ؛ لأَنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ. ويُفارِقُ العِتْقُ الطَّلاقَ؛ لكَوْنِ المَرْأَةِ لا يُمْكِنُ الاشْتراكُ فيها، ولا ورُودُ النِّكاحِ على بَعْضِها، ولا تكونُ إِلَّا لِوَاحِدٍ، فنَظِيرُه إذا كانَ العَبْدُ لِواحِدٍ، فأَعْتَقَ جُزْءًا منه، فإنَّه يَعْتِقُ جميعُه. فصل: وإذا قال كُلُّ واحِدٍ من الشُّرَكاءِ للعَبْدِ: إذا دخَلْتَ الدَّارَ، فنَصِيبِى مِنْكَ حُرٌّ. فدَخَلَ، عَتَقَ عليهم جميعًا، سواءٌ قالوا ذلك دُفْعَةً واحِدَةً، أو فى دُفُعاتٍ مُتَفرِّقَةٍ؛ لأنَّ الْعِتْقَ فى أَنْصِبائِهِم يقَعُ دُفْعَةً واحِدَةً، وإنِ اخْتَلَفَتْ أوقاتُ تَعْلِيقِه (٤). ١٩٤٧ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمْ، وهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ كُلُّهُ، وصَارَ لِصاحِبَيْهِ (١) عَلَيْهِ قِيمَةُ ثُلُثَيْهِ) وجملتُه أَنَّ الشَّريكَ إذا أعْتَقَ نَصيبَهُ مِنَ العَبْدِ، وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ نَصِيبُه. لا نعلَمُ خِلافًا فيه؛ لما فيه من الأَثَرِ، ولِأَنَّه جائِزُ التَّصَرُّفِ، أعْتَقَ مِلْكَه الذى لم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ غيرِهِ، فنَفَذَ فيه، كما لو أَعْتَقَ جميعَ (٢) العَبْدِ المَمْلوكِ له. وإذا أعْتَقَ نَصِيبَه، سَرَى العِتْقُ إلى جميعِه، فصار جميعُه حُرًّا، وعلى الْمُعْتِقِ قِيمةُ أنْصِباء شُرَكائِه، والوَلَاءُ لَه. وهذا قولُ مالِكٍ، وابنِ أبى لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ، وإسحاقَ. وقال الْبَتِّىُّ: لا يَعْتِقُ إِلَّا حِصَّةُ المُعْتِقِ، ونَصِيبُ الباقِينَ باقٍ على الرِّقِّ، ولا

стр. 7699

شىءَ على الْمُعْتِقِ؛ لما رَوى ابنُ التِّلِبِّ، عن أبيه، أَنَّ رجلًا أعْتَقَ شِقْصًا له فى مَمْلُوكٍ، فلم يُضَمِّنْهُ النَّبِىُّ ﷺ . ذكَره أحمدُ، وروَاه (٣). ولأنَّه لو باع نَصِيبَه، لَاخْتَصَّ البيعُ به، فكذلك العِتْقُ (٤)، إِلَّا أن تكونَ جارِيَةً نَفِيسَةً، يُغالَى فيها، فيكونَ ذلِكَ بمنزِلَةِ الجِنايَةِ من المُعْتِقِ؛ للضَّرَرِ الَّذى أدْخَلَه على شريكِهِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ إِلَّا حِصَّةُ المُعْتِقِ، ولِشَريكِه الخِيارُ فى ثلاثةِ أشْياءَ؛ إن شاءَ (٥) أَعْتَقَ، وإن شَاء استَسْعَى العبْدَ، وإِنْ شاء ضَمَّنَ شَرِيكَه، فيَعْتِقُ حِينَئِذٍ. ولَنا، الحديث الذى رَويْناهُ، وهو حَديثٌ صحيحٌ، مُتَّفَقٌ عليه (٦)، ورواه مالِكٌ، فى "مُوَطَّأَهِ"، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، فأثبَتَ النَّبِىُّ ﷺ العِتْقَ فى جَمِيعِهِ، وأوْجَبَ قيمَةَ نَصِيب شريكِ المُعْتِقِ المُوسِر عليه، ولم يَجْعَلْ له خِيَرَةً، ولا لِغَيْرِهِ. ورَوَى قَتادَةُ، عن أبى الْمَلِيحِ، عن أبيه، أَنَّ رجُلًا من قَوْمِه أعْتَقَ شِقْصًا له من مَمْلُوكٍ، فرُفِعَ ذلِكَ إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فجعَلَ خَلاصَهُ عليه فى مالِه، وقال: "لَيْسَ للَّهِ شَرِيكٌ" (٧). قال أبو عبدِ اللَّه: الصَّحيحُ أنَّه عن أبى المَليحِ، عن النَّبىِّ ﷺ ، مُرْسَلٌ، وليس فيه عن أبيهِ. هذا مَعْنَى كلامِه. وقولُ الْبَتِّىِّ شاذٌّ، يُخالِفُ الأخْبارَ كُلَّها، فلا يُعَوَّلُ عليه. وحديثُ التِّلِبِّ يتَعَيَّنُ حَمْلُهُ على المُعْسِرِ، جَمْعًا بين الأحادِيثِ. وقياسُ العِتْقِ علَى البَيْعٍ لا يصِحُّ، فإِنَّ البَيْعَ لا يَسْرِى فيما إذا كان العَبْدُ كُلُّه له، والعِتْقُ يَسْرِى، فإنَّهُ لو باعَ نِصْف عَبْدِهِ، لم يَسْرِ، ولو أَعْتَقَ نِصْفَه، عَتَقَ كُلُّه. وإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ وَلَاءَه يكونُ له؛ لأنَّه عَتَقَ بإعتاقِهِ [مِنْ مالِهِ] (٨)، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّما الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعتَقَ" (٩). وَلا خِلافَ فى هذا عندَ مَنْ يَرَى عِتْقَه عليه.

стр. 7700

فصل: وَلا فَرْقَ فى هذا بينَ كَوْنِ الشُّرَكاءِ مسلمين أو كافرين، أو بعضُهم مُسْلِمًا، وبعضُهم كافِرًا. ذكرَهُ القاضى. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: فى الكافِرِ وَجْهٌ، أنَّه إذا أَعتَقَ نَصِيبَهُ من مُسْلِمٍ، أنَّه لا يَسْرِى إلى باقِيه، ولا يُقَوَّمُ عليه؛ لأَنَّه لا يَصِحُّ شِراءُ الكافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا. ولَنا، عُمومُ الخَبَرِ، ولأنَّ ذلِكَ ثَبَتَ لإِزالَةِ الضَّرَرَ، فاسْتَوَى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، كالرَّدِّ بالعَيْبِ، والغَرَضُ ههُنا تَكْمِيلُ العِتْقِ، ودَفْعُ الضَّررَ عن الشَّرِيكِ دون التَّمْلِيكِ، بخِلافِ الشِّراءِ، ولَوْ قُدِّرَ أنّ ههُنا تَمْليكًا، لَكانَ تَقْدِيرًا فى أدْنَى زمانٍ، حصَلَ ضَرُورَةَ تَحْصِيلِ العِتْقِ، وَلا ضَرَرَ فِيه، فإِنْ قُدِّرَ فيه ضَرَرٌ، فهو مَغْمُورٌ بالنِّسْبَةِ إلى ما يَحْصُلُ مِنَ العِتْقِ، فوجودُه كالعَدَمِ، وقياسُ هذا علَى الشِّراءِ غيرُ صحيحٍ؛ لما بَيْنَهما مِنَ الفَرْقِ، واللَّهُ أعلمُ. ١٩٤٨ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ أَعْتَقَاهُ بَعْدَ عِتْقِ الأَوَّلِ، وقَبْلَ أَخْذِ القِيمَةِ، لم يَثْبُتْ لهما فِيه عِتْقٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صارَ حُرًّا بعِتْقِ الأَوَّلِ لَهُ) يعنى أَنَّ العِتْقَ يَسْرِى إلى جميعِهِ باللَّفظِ، لا بِدَفْعِ القِيمَةِ، فيَعْتِقُ كُلُّه حينَ لَفْظِه (١) بالعِتْقِ، ويصيرُ حُرًّا، وتستَقِرُّ القِيمَةُ عليه، فلا يَعْتِقُ بعدَ ذلك بعِتْقِ غيرِه. وبهذا قال ابن شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، والشَّافِعِىُّ فى قولٍ له، واختارَهُ المُزَنِىُّ. وقال الزُّهْرِىُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، فى قولٍ (٢): لا يَعْتِقُ إِلَّا بدَفْعِ القِيمَةِ، ويكونُ قبلَ ذلك مِلْكًا لصاحِبه، يَنْفُذُ عِتْقُهُ فيه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُه فيه بغيرِ العِتْقِ. وهذا مُقْتَضَى قولِ أبى حنيفةَ. واحتجُّوا بقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "قُوِّمَ علَيْهِ قِيمَةُ العَدْلِ، فأُعْطِىَ (٣) شُرَكاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وعَتَقَ جَمِيعُ العَبْدِ" (٤). وفى لَفْظٍ رَواهُ أبو دَاوُدَ: "فَإِنْ كانَ مُوسِرًا يُقَوَّمُ علَيْهِ قِيمَةُ عَدْلٍ، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، ثُمَّ يَعْتِقُ". فجعَلَه عتيقًا بعد دَفْعِ القِيمَةِ، ولِأنَّ العِتْقَ إذا ثَبَتَ بعِوَضٍ ورَدَ

стр. 7701

الشَّرْعُ به مُطْلَقًا، لم يَعْتِقْ إِلَّا بالْأَداءِ، كالمُكَاتَبِ. وللشَّافِعِىِّ قَوْل ثالِثٌ، أَنَّ العِتْقَ مُراعًى، فإن دَفعَ القِيمَةَ تَبَيَّنَّا أنَّه كان عَتَقَ من حِينَ أعْتَقَ نصيبَه، وإن لم يَدْفَعِ القِيمَةَ تَبَيَّنَّا أنَّه لم يكُنْ عَتَقَ؛ لِأَنَّ فيه احْتياطًا لهما جميعًا. ولَنا، حديثُ ابنِ عمرَ، رُوِىَ بألفاظٍ مختَلِفَةٍ، تَجْتَمِعُ فى الدِّلالَةِ على الحُرِّيَّةِ باللَّفْظِ، فمنها، لَفْظٌ رواهُ أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِى عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَا (٥) يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ". رواهُ [البُخَارِىُّ] (٦)، وأبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ، وفى لفظٍ رَواهُ ابنُ أبى مُلَيْكَةَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: "فَكَانَ لَهُ مَالٌ، فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ". وفى رِوايَةِ ابنِ أبى ذِئْبٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: "وَكَانَ لِلَّذِى يُعْتِقُ ما يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فهُوَ يَعْتِقُ كُلُّهُ". ورَوَى أبو داود (٧)، بإسنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِقصًا فى (٨) مَمْلُوكٍ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ". وهذه نُصوصٌ فى مَحَلِّ (٩) النِّزاعِ، فإنَّه جَعَلَهُ حُرًّا وعَتِيقًا بإعْتاقِه، مَشْروطًا بكَوْنِه مُوسِرًا. ولِأَنَّهُ عِتْقٌ بالسِّرايَةِ، فكانتْ حاصِلَةً عَقِيبَ لَفْظِه، كما لَوْ أَعتَقَ [جُزْءًا من عَبْدِه] (١٠) أَنَّ القِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقْتَ الإِعْتاقِ، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الشَّرِيكِ فيه بغيرِ الإِعتاقِ. وعند الشَّافِعِىِّ، لا ينْفُذُ بالإِعتاقِ أَيضًا، فدَلَّ على أَنَّ العِتْقَ حصَلَ فيه بالإِعتاقِ الأَوَّلِ. فأمَّا حديثُهم، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنّ "الواو" لا تَقْتضِى تَرْتِيبًا، وأمَّا العَطْفُ بـ "ثُمَّ" فى اللَّفْظِ الآخَرِ، لم يُرِدْ بها التَّرْتِيبَ، فإنَّها قد ترِدُ لِغَيْر التَّرتيبِ، كقولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ (١١). وأمَّا العِوَضُ، فإنَّما وجَبَ

стр. 7702

عن المُتْلَفِ بالإِعْتاقِ، بدلِيلِ اعْتبارِهِ بقِيمَتِهِ حينَ الإِعْتاقِ، وعَدمِ اعْتبارِ التَّراضِى فيه، ووُجوبِ القِيمَةِ مِنْ غَيْرِ وَكْسٍ ولا شَطَطٍ، بخِلافِ الكِتابَةِ. فإذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ إذا أَعتَقاهُ بعدَ عِتْقِ الأوَّلِ، وقبلَ أَخْذِ القِيمَةِ، لم يَثْبُتْ لهما فيه عِتْقٌ، ولا لهما عليه وَلَاءٌ، ووَلَاؤُه كُلُّه للمُعْتِقِ الأَوَّلِ، وعليه القِيمَةُ؛ لِأنَّه قد صارَ حُرًّا بإعْتاقِهِ. وعند مالِكٍ يكونُ وَلاؤُه بينَهم أَثْلاثًا، ولا شىءَ على المعْتِقِ الأَوَّلِ من القِيمَةِ. ولو أَنَّ المُعْتِقَ الأَوَّلَ لم يُؤَدِّ القِيمَةَ حتى أَفْلَسَ، عَتَقَ الْعَبْدُ، وكانتِ القِيمَةُ فى ذِمَّتِهِ دَيْنًا، يُزاحِمُ بها الشَّريكانِ عندنا. وعِنْدَ مالِكٍ، لا يَعْتِقُ منه إِلَّا ما عَتَقَ. ولو كان المُعْتَقُ جارِيَةً حامِلًا، فلم تُؤَدَّ القِيمَةُ حتى وضَعَتْ حَمْلَها، فليس على المُعْتِقِ إِلَّا قِيمَتُها حين أعْتَقَهَا؛ لأنَّه حينَئِذٍ حرَّرَها. وعندَ مالِكٍ، يُقَوَّمُ وَلَدُها أيضًا. ولو تَلِفَ العَبْدُ قبلَ أداء القِيمَةِ، ماتَ حُرًّا، والقِيمَةُ على المُعْتِقِ؛ لأَنَّهُ فَوَّتَ عليه (١٢) رِقَّهُ. وعِنْدَ مالِكٍ، لا شىءَ على المُعْتِقِ، وما (١٣) لم يُقَوَّمْ، ويُحْكَمْ بقيمَتِهِ، فهو فى جَمِيع أَحْكامِه عَبْدٌ. فصل: والقِيمَةُ مُعتَبَرَةٌ حينَ اللَّفْظِ بالعِتْقِ؛ لِأَنَّه حِينُ الإِتْلافِ، [وهو أحدُ أقْوالَ الشَّافِعِىِّ. ولِلشَّرِيكِ مُطالَبَةُ المُعْتِقِ بالقِيمَةِ] (١٤)، على الأَقْوالِ كُلِّها، فإنِ اخْتَلَفا فى قَدْرِها، رُجِع إلى قَوْلِ المُقَوِّمين. فإن كان العَبْدُ قد ماتَ، أو غابَ، أو تأخَّرَ تَقْوِيمُه زَمَنًا تَخْتَلِفُ فيه القِيَمُ (١٥)، ولم تكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقَول قولُ المُعْتِقِ؛ [لأنَّه يُنْكِرُ الزِّيادَةَ، والأصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ منها. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وإن اخْتَلَفَا (١٦) فى صِناعَةٍ فى العَبْدِ توجِبُ زِيادَةَ القِيمَةِ، فالقَول قولُ المُعْتقِ] (١٧)؛ لِذلكَ (١٨)، إِلَّا أن يكونَ العبدُ يُحْسِنُ

стр. 7703

الصِّناعَةَ فى الحالِ، ولم يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ [تعَلُّمُها فيه، فالقَوْلُ قولُ الشَّريكِ؛ لأنَّنا علِمْنَا صِدْقَه. وإن مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ] (١٩) حدوثُها فيه، ففِيهِ وجْهَانِ؛ أحدهما، القَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لِأنَّ الأَصْلَ بَراءَهُ ذِمَّتِه. والثانى، القَوْلُ قولُ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأَصْلَ بقاءُ ما كان، وعَدَمُ الحدوثِ. وإنِ اخْتَلَفا فى عَيْبٍ يَنْقُصُ قِيمَتَه (٢٠)؛ كسَرِقَةٍ، أو إِباقٍ، فالقَوْلُ قولُ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ السَّلامَةُ، فبِالجِهَةِ التى رجَّحْنا قولَ المُعْتِقِ فى نَفىِ الصِّناعَةِ، نُرَجِّحُ قولَ الشَّريكِ فى نَفْىِ العَيْبِ، وإِنْ كان العَيْبُ فيه حالَ الاخْتِلافِ، واخْتَلَفا فى حُدُوثِهِ، فالقَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لأنَّ الأَصلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وبَقاءُ ما كان على ما كان، وعَدَمُ حدوثِ العَيْبِ فيه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ القَوْلُ قولَ الشَّرِيكِ؛ لِأنَّ الأصْلَ بَرَاءَتُهُ من العَيْبِ حينَ الإِعْتاقِ. فصل: والمُعْتَبَرُ فى اليسارِ فى هذا، أن يَكونَ له فَضْلٌ عن قُوتِهِ (٢١)، يومَهُ وليلَتَهُ، وما يَحْتاجُ إليهِ من حَوائِجهِ الأَصْلِيَّةِ من الكِسْوَةِ، والمَسْكَنِ، وسائِرِ مالَا بُدَّ له مِنْهُ، ما (٢٢) يَدْفَعُهُ إلى شَريكِهِ. ذَكَرَه أبو بكرٍ، فى "التَّنْبِيه". وإن وُجِدَ بعضُ ما يَفِى بالقيمَةِ، قُوِّمَ عليه قدرُ ما يملِكُهُ مِنه. ذكَرَهُ أحمدُ، فى روايةِ ابنِ منصورٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ. وقال أحمدُ: لا تُبَاعُ فيه دَارٌ، ولا رِباعٌ. ومُقْتَضَى هذا، أَنْ لا يُباعَ له أصْلُ مالٍ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: يُباع عليه سِوارُ بَيْتِهِ، ومالَه بالٌ (٢٣) من كِسْوَتِهِ، ويُقْضَى عليهِ فى ذلِكَ كما (٢٤) يُقْضَى عليهِ فى سائِرِ الدَّعاوَى. والمُعْتَبَرُ فى ذلِكَ حالَ تلفُّظِهِ بالعِتْقِ؛ لأنَّه حالُ الوجُوبِ، فإنْ أيْسَر المُعْسِرُ بعدَ ذلك، لم يسْرِ إعْتاقُه، وإن أَعْسَرَ المُوسِرُ، لم يسْقُطْ ما وَجَبَ عليه؛ [لِأَنَّه وَجَبَ عليه] (٢٥)، فلم يَسْقُطْ بإِعْسارِه، كدَيْنِ الإِتْلافِ. نَصَّ على هذا أحمدُ.

стр. 7704

فصل: إذا قال أَحَدُ الشَّريكَيْنِ لشريكِه: إذا اعتَقْتَ نصيبَكَ، فنَصِيبِى حُرٌّ مع نَصيبِك. فاعتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَا معًا، ولم يَلْزَمِ المُعْتِقَ شىءٌ. وقيل: يَعْتِقُ كُلُّه على المُعْتِقِ؛ لأنَّ إعْتاقَ نَصِيبِهِ شرطُ عِتْقِ نَصيبِ شَريكِه، فلَزِمَ (٢٦) أن يكونَ سابِقًا عليه. والأَوَّلُ أَوْلَى، لأنَّه أَمْكَنَ العمَلُ بمُقْتَضَى شَرْطِه، فوَجَبَ حَمْلُهُ عليه، كما لو وَكَّلَهُ فى إِعْتاقِ نَصيبِهِ مع نَصيبِهِ، فأعتَقَهما مَعًا. وإن قال: إذا اعتَقْتَ نَصِيبَكَ، فنصِيبى حُرٌّ، فقال أصحابُنا: إذا أَعْتَقَ نَصيبَهُ، سَرَى، وعَتَقَ كُلُّه عليه، وقُوِّمَ عليه، ولا يَقَعُ إعْتاقُ شريكِه؛ لأنَّ السِّرايَةَ سبَقَتْ، فمنَعَتْ عِتْقَ الشَّريكِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ عليهما جَميعًا؛ لأنَّ عِتْقَ نصيبِهِ سَبَبٌ للسِّرايَةِ، وشَرْطٌ لعِتْقِ نصيبِ الشَّريكِ، فلم يَسْبِقْ أحدُهما الآخَرَ؛ لِوُجودِهِما فى حالٍ واحِدٍ. [وقد يُرَجَّحُ وقُوعُ] (٢٧) عِتْقِ الشَّرِيكِ؛ لِأنَّه تَصَرُّفٌ منه فى مِلْكِهِ، والسِّرايَةُ تَقَعُ فى غَيْرِ المِلْكِ على خلافِ الأَصْلِ، [فكان نُفوذُ عِتْقِ الشَّريكِ أَوْلَى. ولأنَّ سرايَةَ العِتْقِ على خِلافِ الأَصْلِ] (٢٨)؛ لِكَوْنِها إتْلافًا لمِلْكِ المَعْصُومِ بغيرِ رِضاهُ، وإِلْزامًا للمُعْتِقِ غَرَامَةً لم يلتزِمْها بغَيْرِ اختيارِهِ، وإنَّما يثبُتُ لمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ العِتْقِ، فإذَا حَصَلَتْ هذه المَصْلَحَةُ بإعْتاقِ المالِكِ، كان أَوْلَى. وإِنْ قال: إذا أُعْتَقْتَ نصِيبَكَ، فَنَصيبِى حُرٌّ قَبْلَ [نَصِيبِك. فأعْتَقَ نَصِيبَه، عَتَقَا معًا عليهما. وكذلك إذا قال: إذا أعْتَقْتَ نَصِيبَك، فنَصِيبِى حُرٌّ قبلَ] (٢٩) إِعْتاقِكَ نَصِيبَكَ. وقَعَا مَعًا، إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ. وهذا مُقْتَضَى قَوْلِ أبى بكرٍ، والقاضِى. ومُقْتَضَى قولِ ابنِ عَقِيلٍ، أن يَعْتِقَ كُلُّه على المُعْتِقِ، وَلَا يَقَعَ إِعْتاقُ شَريكِهِ؛ لأنَّه إعْتاقٌ (٣٠) فى زَمَنٍ ماضٍ. ومُقْتَضَى قولِ ابنِ سُرَيْجٍ ومَنْ وافَقَه، ممَّن قال بسِرَايَةِ العِتْقِ، أَنْ لا يَصِحَّ إعْتاقُهُ؛ لأنَّهُ يَلْزَمُ من عِتْقِهِ نَصِيبَهُ تَقَدُّمُ عِتْقِ الشَّريكِ وسِرَايتهِ، فيَمْتَنِعُ إعْتاقُ نَصِيبِ هذا، ويَمْتَنِعُ عِتْقُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، ويُفْضِى إلى الدَّوْرِ، فيَمْتَنِعُ الجميعُ. وقد مضَى

стр. 7705

الكلامُ على (٣٠) هذا فى مَسائِلِ الطَّلاقِ (٣١). واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ. ١٩٤٩ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أَعْتَقَهُ الأَوَّلُ وَهُو مُعْسِرٌ، وأَعْتَقَهُ الثَّانِى وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ عَلَيْهِ نصيبُهُ وَنَصِيبُ (١) شَرِيكِهِ، وَكَانَ ثُلُثُ وَلَاِئِهِ لِلْمُعْتِقِ الأَوَّلِ، وَثُلُثاهُ لِلْمُعْتِقِ الثَّانِى) ظاهِرُ المذهبِ أَنَّ المُعْسِرَ إذا أَعتَقَ نَصِيبَه من العَبْدِ، استَقَرَّ فيه العِتْقُ، ولم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَريكِهِ، بل يَبْقَى على الرِّقِّ، فإذا أعْتَقَ (٢) الثَّانِى نَصيبَه، وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ عليه جَميعُ ما بَقِىَ منه؛ نَصيبُهُ بالمُبَاشَرَةِ (٣)، ونَصيبُ شريكِهِ الثَّالِثِ بالسِّرايَةِ، وصارَ له ثُلثا ولائِه، ولِلْأَوَّلِ ثُلثُه. وهذا قَوْلُ إسْحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداوُدَ، وابنِ جَرِيرٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، علَى الوَجْهِ الذى بَمناهُ من قولِهما فيما مضَى. ورُوِىَ عن عُرْوَةَ، أنَّه اشترَى عَبْدًا أُعْتِقَ نِصْفُهُ، فكان عُرْوَةُ يُشاهِرُهُ؛ شَهْرَ عَبْدٍ، وشَهْر حُرٍّ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أَنَّ المُعْسِرَ إِذَا أَعْتَقَ نصيبَه، اسْتُسْعِىَ العَبْدُ فى قِيمَةِ حِصَّةِ الباقِينَ حتى يُؤَدِّيَهَا، فيَعْتِقَ. وهو قَوْلُ ابن شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى لَيْلَى، والأَوْزاعِىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لما رَوَى أبو هُريرَة قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا له فى (٤) مَمْلُوكٍ، فعَلَيْهِ أن يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إِنْ كانَ لَهُ مالٌ، وَإلَّا اسْتُسْعِىَ العَبْدُ، [غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ] (٥). مُتَّفَقٌ عليه، ورواه أبو داوُدَ (٦). قال ابنُ أبى لَيْلَى، وابنُ شُبْرُمَة: فإذا اسْتُسْعِىَ
следующие страницы →