← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

الشَّرْعُ به مُطْلَقًا، لم يَعْتِقْ إِلَّا بالْأَداءِ، كالمُكَاتَبِ. وللشَّافِعِىِّ قَوْل ثالِثٌ، أَنَّ العِتْقَ مُراعًى، فإن دَفعَ القِيمَةَ تَبَيَّنَّا أنَّه كان عَتَقَ من حِينَ أعْتَقَ نصيبَه، وإن لم يَدْفَعِ القِيمَةَ تَبَيَّنَّا أنَّه لم يكُنْ عَتَقَ؛ لِأَنَّ فيه احْتياطًا لهما جميعًا. ولَنا، حديثُ ابنِ عمرَ، رُوِىَ بألفاظٍ مختَلِفَةٍ، تَجْتَمِعُ فى الدِّلالَةِ على الحُرِّيَّةِ باللَّفْظِ، فمنها، لَفْظٌ رواهُ أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِى عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَا (٥) يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ". رواهُ [البُخَارِىُّ] (٦)، وأبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ، وفى لفظٍ رَواهُ ابنُ أبى مُلَيْكَةَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: "فَكَانَ لَهُ مَالٌ، فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ". وفى رِوايَةِ ابنِ أبى ذِئْبٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: "وَكَانَ لِلَّذِى يُعْتِقُ ما يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فهُوَ يَعْتِقُ كُلُّهُ". ورَوَى أبو داود (٧)، بإسنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِقصًا فى (٨) مَمْلُوكٍ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ". وهذه نُصوصٌ فى مَحَلِّ (٩) النِّزاعِ، فإنَّه جَعَلَهُ حُرًّا وعَتِيقًا بإعْتاقِه، مَشْروطًا بكَوْنِه مُوسِرًا. ولِأَنَّهُ عِتْقٌ بالسِّرايَةِ، فكانتْ حاصِلَةً عَقِيبَ لَفْظِه، كما لَوْ أَعتَقَ [جُزْءًا من عَبْدِه] (١٠) أَنَّ القِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقْتَ الإِعْتاقِ، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الشَّرِيكِ فيه بغيرِ الإِعتاقِ. وعند الشَّافِعِىِّ، لا ينْفُذُ بالإِعتاقِ أَيضًا، فدَلَّ على أَنَّ العِتْقَ حصَلَ فيه بالإِعتاقِ الأَوَّلِ. فأمَّا حديثُهم، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنّ "الواو" لا تَقْتضِى تَرْتِيبًا، وأمَّا العَطْفُ بـ "ثُمَّ" فى اللَّفْظِ الآخَرِ، لم يُرِدْ بها التَّرْتِيبَ، فإنَّها قد ترِدُ لِغَيْر التَّرتيبِ، كقولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ (١١). وأمَّا العِوَضُ، فإنَّما وجَبَ

стр. 7702

عن المُتْلَفِ بالإِعْتاقِ، بدلِيلِ اعْتبارِهِ بقِيمَتِهِ حينَ الإِعْتاقِ، وعَدمِ اعْتبارِ التَّراضِى فيه، ووُجوبِ القِيمَةِ مِنْ غَيْرِ وَكْسٍ ولا شَطَطٍ، بخِلافِ الكِتابَةِ. فإذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ إذا أَعتَقاهُ بعدَ عِتْقِ الأوَّلِ، وقبلَ أَخْذِ القِيمَةِ، لم يَثْبُتْ لهما فيه عِتْقٌ، ولا لهما عليه وَلَاءٌ، ووَلَاؤُه كُلُّه للمُعْتِقِ الأَوَّلِ، وعليه القِيمَةُ؛ لِأنَّه قد صارَ حُرًّا بإعْتاقِهِ. وعند مالِكٍ يكونُ وَلاؤُه بينَهم أَثْلاثًا، ولا شىءَ على المعْتِقِ الأَوَّلِ من القِيمَةِ. ولو أَنَّ المُعْتِقَ الأَوَّلَ لم يُؤَدِّ القِيمَةَ حتى أَفْلَسَ، عَتَقَ الْعَبْدُ، وكانتِ القِيمَةُ فى ذِمَّتِهِ دَيْنًا، يُزاحِمُ بها الشَّريكانِ عندنا. وعِنْدَ مالِكٍ، لا يَعْتِقُ منه إِلَّا ما عَتَقَ. ولو كان المُعْتَقُ جارِيَةً حامِلًا، فلم تُؤَدَّ القِيمَةُ حتى وضَعَتْ حَمْلَها، فليس على المُعْتِقِ إِلَّا قِيمَتُها حين أعْتَقَهَا؛ لأنَّه حينَئِذٍ حرَّرَها. وعندَ مالِكٍ، يُقَوَّمُ وَلَدُها أيضًا. ولو تَلِفَ العَبْدُ قبلَ أداء القِيمَةِ، ماتَ حُرًّا، والقِيمَةُ على المُعْتِقِ؛ لأَنَّهُ فَوَّتَ عليه (١٢) رِقَّهُ. وعِنْدَ مالِكٍ، لا شىءَ على المُعْتِقِ، وما (١٣) لم يُقَوَّمْ، ويُحْكَمْ بقيمَتِهِ، فهو فى جَمِيع أَحْكامِه عَبْدٌ. فصل: والقِيمَةُ مُعتَبَرَةٌ حينَ اللَّفْظِ بالعِتْقِ؛ لِأَنَّه حِينُ الإِتْلافِ، [وهو أحدُ أقْوالَ الشَّافِعِىِّ. ولِلشَّرِيكِ مُطالَبَةُ المُعْتِقِ بالقِيمَةِ] (١٤)، على الأَقْوالِ كُلِّها، فإنِ اخْتَلَفا فى قَدْرِها، رُجِع إلى قَوْلِ المُقَوِّمين. فإن كان العَبْدُ قد ماتَ، أو غابَ، أو تأخَّرَ تَقْوِيمُه زَمَنًا تَخْتَلِفُ فيه القِيَمُ (١٥)، ولم تكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقَول قولُ المُعْتِقِ؛ [لأنَّه يُنْكِرُ الزِّيادَةَ، والأصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ منها. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وإن اخْتَلَفَا (١٦) فى صِناعَةٍ فى العَبْدِ توجِبُ زِيادَةَ القِيمَةِ، فالقَول قولُ المُعْتقِ] (١٧)؛ لِذلكَ (١٨)، إِلَّا أن يكونَ العبدُ يُحْسِنُ

стр. 7703

الصِّناعَةَ فى الحالِ، ولم يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ [تعَلُّمُها فيه، فالقَوْلُ قولُ الشَّريكِ؛ لأنَّنا علِمْنَا صِدْقَه. وإن مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ] (١٩) حدوثُها فيه، ففِيهِ وجْهَانِ؛ أحدهما، القَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لِأنَّ الأَصْلَ بَراءَهُ ذِمَّتِه. والثانى، القَوْلُ قولُ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأَصْلَ بقاءُ ما كان، وعَدَمُ الحدوثِ. وإنِ اخْتَلَفا فى عَيْبٍ يَنْقُصُ قِيمَتَه (٢٠)؛ كسَرِقَةٍ، أو إِباقٍ، فالقَوْلُ قولُ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ السَّلامَةُ، فبِالجِهَةِ التى رجَّحْنا قولَ المُعْتِقِ فى نَفىِ الصِّناعَةِ، نُرَجِّحُ قولَ الشَّريكِ فى نَفْىِ العَيْبِ، وإِنْ كان العَيْبُ فيه حالَ الاخْتِلافِ، واخْتَلَفا فى حُدُوثِهِ، فالقَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لأنَّ الأَصلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وبَقاءُ ما كان على ما كان، وعَدَمُ حدوثِ العَيْبِ فيه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ القَوْلُ قولَ الشَّرِيكِ؛ لِأنَّ الأصْلَ بَرَاءَتُهُ من العَيْبِ حينَ الإِعْتاقِ. فصل: والمُعْتَبَرُ فى اليسارِ فى هذا، أن يَكونَ له فَضْلٌ عن قُوتِهِ (٢١)، يومَهُ وليلَتَهُ، وما يَحْتاجُ إليهِ من حَوائِجهِ الأَصْلِيَّةِ من الكِسْوَةِ، والمَسْكَنِ، وسائِرِ مالَا بُدَّ له مِنْهُ، ما (٢٢) يَدْفَعُهُ إلى شَريكِهِ. ذَكَرَه أبو بكرٍ، فى "التَّنْبِيه". وإن وُجِدَ بعضُ ما يَفِى بالقيمَةِ، قُوِّمَ عليه قدرُ ما يملِكُهُ مِنه. ذكَرَهُ أحمدُ، فى روايةِ ابنِ منصورٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ. وقال أحمدُ: لا تُبَاعُ فيه دَارٌ، ولا رِباعٌ. ومُقْتَضَى هذا، أَنْ لا يُباعَ له أصْلُ مالٍ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: يُباع عليه سِوارُ بَيْتِهِ، ومالَه بالٌ (٢٣) من كِسْوَتِهِ، ويُقْضَى عليهِ فى ذلِكَ كما (٢٤) يُقْضَى عليهِ فى سائِرِ الدَّعاوَى. والمُعْتَبَرُ فى ذلِكَ حالَ تلفُّظِهِ بالعِتْقِ؛ لأنَّه حالُ الوجُوبِ، فإنْ أيْسَر المُعْسِرُ بعدَ ذلك، لم يسْرِ إعْتاقُه، وإن أَعْسَرَ المُوسِرُ، لم يسْقُطْ ما وَجَبَ عليه؛ [لِأَنَّه وَجَبَ عليه] (٢٥)، فلم يَسْقُطْ بإِعْسارِه، كدَيْنِ الإِتْلافِ. نَصَّ على هذا أحمدُ.

стр. 7704

فصل: إذا قال أَحَدُ الشَّريكَيْنِ لشريكِه: إذا اعتَقْتَ نصيبَكَ، فنَصِيبِى حُرٌّ مع نَصيبِك. فاعتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَا معًا، ولم يَلْزَمِ المُعْتِقَ شىءٌ. وقيل: يَعْتِقُ كُلُّه على المُعْتِقِ؛ لأنَّ إعْتاقَ نَصِيبِهِ شرطُ عِتْقِ نَصيبِ شَريكِه، فلَزِمَ (٢٦) أن يكونَ سابِقًا عليه. والأَوَّلُ أَوْلَى، لأنَّه أَمْكَنَ العمَلُ بمُقْتَضَى شَرْطِه، فوَجَبَ حَمْلُهُ عليه، كما لو وَكَّلَهُ فى إِعْتاقِ نَصيبِهِ مع نَصيبِهِ، فأعتَقَهما مَعًا. وإن قال: إذا اعتَقْتَ نَصِيبَكَ، فنصِيبى حُرٌّ، فقال أصحابُنا: إذا أَعْتَقَ نَصيبَهُ، سَرَى، وعَتَقَ كُلُّه عليه، وقُوِّمَ عليه، ولا يَقَعُ إعْتاقُ شريكِه؛ لأنَّ السِّرايَةَ سبَقَتْ، فمنَعَتْ عِتْقَ الشَّريكِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ عليهما جَميعًا؛ لأنَّ عِتْقَ نصيبِهِ سَبَبٌ للسِّرايَةِ، وشَرْطٌ لعِتْقِ نصيبِ الشَّريكِ، فلم يَسْبِقْ أحدُهما الآخَرَ؛ لِوُجودِهِما فى حالٍ واحِدٍ. [وقد يُرَجَّحُ وقُوعُ] (٢٧) عِتْقِ الشَّرِيكِ؛ لِأنَّه تَصَرُّفٌ منه فى مِلْكِهِ، والسِّرايَةُ تَقَعُ فى غَيْرِ المِلْكِ على خلافِ الأَصْلِ، [فكان نُفوذُ عِتْقِ الشَّريكِ أَوْلَى. ولأنَّ سرايَةَ العِتْقِ على خِلافِ الأَصْلِ] (٢٨)؛ لِكَوْنِها إتْلافًا لمِلْكِ المَعْصُومِ بغيرِ رِضاهُ، وإِلْزامًا للمُعْتِقِ غَرَامَةً لم يلتزِمْها بغَيْرِ اختيارِهِ، وإنَّما يثبُتُ لمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ العِتْقِ، فإذَا حَصَلَتْ هذه المَصْلَحَةُ بإعْتاقِ المالِكِ، كان أَوْلَى. وإِنْ قال: إذا أُعْتَقْتَ نصِيبَكَ، فَنَصيبِى حُرٌّ قَبْلَ [نَصِيبِك. فأعْتَقَ نَصِيبَه، عَتَقَا معًا عليهما. وكذلك إذا قال: إذا أعْتَقْتَ نَصِيبَك، فنَصِيبِى حُرٌّ قبلَ] (٢٩) إِعْتاقِكَ نَصِيبَكَ. وقَعَا مَعًا، إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ. وهذا مُقْتَضَى قَوْلِ أبى بكرٍ، والقاضِى. ومُقْتَضَى قولِ ابنِ عَقِيلٍ، أن يَعْتِقَ كُلُّه على المُعْتِقِ، وَلَا يَقَعَ إِعْتاقُ شَريكِهِ؛ لأنَّه إعْتاقٌ (٣٠) فى زَمَنٍ ماضٍ. ومُقْتَضَى قولِ ابنِ سُرَيْجٍ ومَنْ وافَقَه، ممَّن قال بسِرَايَةِ العِتْقِ، أَنْ لا يَصِحَّ إعْتاقُهُ؛ لأنَّهُ يَلْزَمُ من عِتْقِهِ نَصِيبَهُ تَقَدُّمُ عِتْقِ الشَّريكِ وسِرَايتهِ، فيَمْتَنِعُ إعْتاقُ نَصِيبِ هذا، ويَمْتَنِعُ عِتْقُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، ويُفْضِى إلى الدَّوْرِ، فيَمْتَنِعُ الجميعُ. وقد مضَى

стр. 7705

الكلامُ على (٣٠) هذا فى مَسائِلِ الطَّلاقِ (٣١). واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ. ١٩٤٩ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أَعْتَقَهُ الأَوَّلُ وَهُو مُعْسِرٌ، وأَعْتَقَهُ الثَّانِى وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ عَلَيْهِ نصيبُهُ وَنَصِيبُ (١) شَرِيكِهِ، وَكَانَ ثُلُثُ وَلَاِئِهِ لِلْمُعْتِقِ الأَوَّلِ، وَثُلُثاهُ لِلْمُعْتِقِ الثَّانِى) ظاهِرُ المذهبِ أَنَّ المُعْسِرَ إذا أَعتَقَ نَصِيبَه من العَبْدِ، استَقَرَّ فيه العِتْقُ، ولم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَريكِهِ، بل يَبْقَى على الرِّقِّ، فإذا أعْتَقَ (٢) الثَّانِى نَصيبَه، وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ عليه جَميعُ ما بَقِىَ منه؛ نَصيبُهُ بالمُبَاشَرَةِ (٣)، ونَصيبُ شريكِهِ الثَّالِثِ بالسِّرايَةِ، وصارَ له ثُلثا ولائِه، ولِلْأَوَّلِ ثُلثُه. وهذا قَوْلُ إسْحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداوُدَ، وابنِ جَرِيرٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، علَى الوَجْهِ الذى بَمناهُ من قولِهما فيما مضَى. ورُوِىَ عن عُرْوَةَ، أنَّه اشترَى عَبْدًا أُعْتِقَ نِصْفُهُ، فكان عُرْوَةُ يُشاهِرُهُ؛ شَهْرَ عَبْدٍ، وشَهْر حُرٍّ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أَنَّ المُعْسِرَ إِذَا أَعْتَقَ نصيبَه، اسْتُسْعِىَ العَبْدُ فى قِيمَةِ حِصَّةِ الباقِينَ حتى يُؤَدِّيَهَا، فيَعْتِقَ. وهو قَوْلُ ابن شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى لَيْلَى، والأَوْزاعِىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لما رَوَى أبو هُريرَة قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا له فى (٤) مَمْلُوكٍ، فعَلَيْهِ أن يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إِنْ كانَ لَهُ مالٌ، وَإلَّا اسْتُسْعِىَ العَبْدُ، [غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ] (٥). مُتَّفَقٌ عليه، ورواه أبو داوُدَ (٦). قال ابنُ أبى لَيْلَى، وابنُ شُبْرُمَة: فإذا اسْتُسْعِىَ

стр. 7706

فى نِصْفِ قِيمَتِهِ، ثُمَّ أيْسَرَ مُعْتِقُهُ، رَجَعَ عليه بنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّهُ هو أَلْجَأَهُ إلى هذا، وكَلَّفَه إيَّاهُ. وعن أبى يوسف، ومحمدٍ، أنَّهما قالا: يَعْتِقُ جَميعُه، وتكُونُ قِيمَةُ نَصيبِ الشَّريكِ فى ذِمَّتِهِ؛ لأَنَّ العِتْقَ لا يَتَبَعَّضُ (٧)، فإِذا وُجِدَ فى البَعْضِ سَرَى إلى جَميعِه، كالطَّلاقِ، ويَلْزَمُ المُعْتِقَ القِيمَةُ؛ لِأنَّه الْمُتْلِفُ لنَصيبِ صاحِبِهِ بإِعْتاقِه، فوَجَبَتْ قيمَتُه فى ذِمَّتِهِ، كما لو أتْلَفَهُ (٨) بقَتْلِهِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْرِى العِتْقُ، وإِنَّما يُسْتَحَقُّ بِهِ إِعْتاقُ النَّصيبِ الباقِى، فيَتَخَيَّرُ شَريكُه بين إِعْتاقِ نَصيبِهِ، ويكونُ الوَلاءُ بينَهما، وبينَ أن يُسْتَسْعَى العبدُ فى قِيمَةِ نَصيبِهِ، فإِذا أَدَّاهُ إليه عَتَقَ، وَالوَلاءُ بَيْنَهما. ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عمرَ، وهو حَديثٌ صَحيحٌ ثابتٌ عندَ جَميع العُلَماءِ بالحَديثِ، ولأنَّ الاسْتِسْعاءَ إِعْتاقٌ بعِوَضٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كالكِتابَةِ، ولِأَنّ فى الاسْتِسْعاءِ إضْرارًا بالشَّريكِ والعَبْدِ؛ أمَّا الشَّريكُ فإنَّا نُحيلُه على سِعايَةٍ لعلَّه لا يَحْصُلُ منها شىءٌ أصْلًا، وَإِنْ حَصَلَ فرُبَّما يَكونُ يَسيرًا مُتَفَرِّقًا، ويَفُوتُ عليه مِلْكُه، وأمَّا العَبْدُ، فإنَّا نُجْبرُهُ على سِعايَةٍ لم يُرِدْها، وكَسْبٍ لم يَخْتَرْهُ، وهذا ضَرَرٌ فى حَقِّهما، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ "لا ضَرَرَ وَلا إِضْرَارَ" (٩). قال سُليمانُ بنُ حَرْبٍ: أليس إِنَّما أُلْزِمَ المُعْتِقُ ثَمَنَ ما بَقِىَ مِنَ العَبْدِ، لِئَلَّا يَدْخُلَ علَى شَريكِهِ ضَرَرٌ، فإِذا أمَرُوهُ (١٠) بالسَّعْىِ، وِإعْطائِه كُلَّ شهرٍ دِرْهَمَيْنِ، ولم يَقْدِرْ على تَمَلُّكِهِ، فأَىُّ ضَرَرٍ أَعْظَمُ مِنْ هذا! فَأَمَّا حَديثُ الاسْتِسْعَاءِ، فقال الأَثْرَمُ: ذَكَرَهُ سليمانُ بنُ حَرْبٍ، فطَعَنَ فيه، وضَعَّفَهُ. وقال أبو عبدِ اللَّه: ليس فى الاسْتِسْعاءِ يَثْبُتُ (١١) عن النَّبِىِّ ﷺ ؛ حَديثُ أبى هُرَيْرَةَ يَرْويهِ ابنُ أبى عَرُوبَةَ (١٢). وأمَّا شُعْبَةُ، وهِشامٌ الدَّسْتُوائِىُّ. فلم يَذْكُراهُ (١٣). وحدَّثَ به مَعْمَرٌ، ولم يَذْكُرْ فيه السِّعايَةَ. قال أبو داوُدَ: وهَمَّامٌ أيضًا لا

стр. 7707

يقُولُه. قال المَرُّوذِىُّ: وضَعَّفَ أبو عبدِ اللَّهِ حديثَ سَعيدٍ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لَا يصِحُّ حديثُ الاسْتِسْعاءِ. وذَكَر هَمَّامٌ أَنَّ ذِكْرَ الاسْتِسْعاء مِنْ فُتْيا قَتادَةَ، وفَرْقٌ بينَ الكلامِ الذى هو مِنْ قَوْلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وقَوْلِ قَتادَةَ. قال بعدَ ذلكَ: فكانَ قَتادَةُ يَقولُ: إِنْ لم يَكُنْ لَهُ مالٌ اسْتُسْعِىَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: حديثُ أبِى هُريرَةَ يَدورُ علَى قَتادَةَ، وقد اتَّفَقَ شُعْبَةُ، وهِشَامٌ، وهَمَّامٌ، على تَرْكِ ذِكْرِهِ، وهم الحُجَّةُ فى قَتادَةَ، والقَوْلُ قَوْلُهُم فيه عند جَميعِ أَهْلِ العِلْمِ بالحَديثِ إذا خالَفَهم غيرُهم. فأمَّا قولُ أبى حنيفةَ، وقولُ صاحِبَيْه الأخيرُ، فلا شىءَ معهم يَحْتَجُّونَ به مِنْ حَديثٍ قَوِىٍّ ولا ضَعِيفٍ، بل هو مُجَرَّدُ رَأْىٍ وتَحَكُّمٍ يُخالِفُ الحَديثَيْنِ جَميعًا. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يَقُلْ أبو حنيفةَ، وَزُفَرُ (١٤)، بحَديثِ ابِن عُمَرَ، ولا حَديثِ أبى هُريرَةَ على وَجْهِهِ، وكُلُّ قَولٍ خالَفَ (١٥) السُّنَّةَ، فمَرْدودٌ على قائِلِهِ. واللَّهُ المُسْتعانُ. فصل: إِذا قُلْنَا بالسِّعايَةِ، احْتَمَلَ أَنْ لا يَعْتِقَ كُلُّه، وتكُونَ القيمَةُ فى ذِمَّةِ العَبْدِ دَينًا يَسْعَى (١٦) فى أَدائِها، وتكونَ أَحْكامُه (١٧) أحْكامَ الأَحْرارِ، فإِنْ ماتَ، وفى يَدِه مَالٌ، كان لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ السِّعايَةِ، وبَاقِى مَالِه مَوْروثٌ، ولا يَرْجِعُ العَبْدُ علَى أَحَدٍ. وهذا قَوْلُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَعْتِقَ حتى يؤَدِّىَ السِّعايَةَ، فيكونَ حُكْمُهُ قبلَ أَدائِها حُكْمَ مَنْ بَعْضُهُ رَقيقٌ، إِنْ (١٨) ماتَ، فَلِلشَّريكِ الذى لم يَعْتِقْ مِنْ مالِهِ مِثْلُ ما يَكونُ له، علَى قَوْلِ مَنْ لم يَقُلْ بالسِّعايَةِ؛ لِأنَّه إِعتاقٌ بِأداءِ مالٍ، فلم يَعْتِقْ قَبْلَ أَدائِهِ، كالمُكاتِب. وقال ابنُ أبى لَيْلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ: يَرْجِعُ العَبْدُ على المُعْتِقِ إذا أَيْسَرَ؛ لأنَّهُ كَلَّفَهُ السِّعايَةَ بإِعْتاقِهِ. ولَنا، أَنَّهُ حَقٌّ لَزِمَ العَبدَ فى مُقابَلَةِ حُرِّيَّتِهِ، فلم يَرْجِعْ به على أحَدٍ، كمالِ المُكاتَبَةِ (١٩)، وَلِأَنَّهُ لو رَجَعَ به على السَّيِّدِ، لَكانَ هو السَّاعِىَ فى العِوَضِ، كَسائِرِ الحُقوقِ الوَاجِبَةِ عليه.

стр. 7708

١٩٥٠ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ كَانَ الْمُعْتِقُ الثَّانِى مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُ، وكَانَ ثُلُثُهُ رَقِيقًا لِمَنْ لَمْ يُعْتِقْ، [فَإِنْ مَاتَ وَفِى يَدهِ مَالٌ كَانَ ثُلُثُهُ لِمَنْ لَمْ يُعْتِقْ] (١)، وَثُلُثاهُ لِلْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ وَالْمُعْتِقِ الثَّانِى بِالوَلَاءِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَحَقُّ مِنْهُمَا) إنَّما كان كذلكَ؛ لِأَنَّ الْمُعْسِرَ لا يُعْتِقُ إِلَّا نَصِيبَه، وَالأوَّلُ وَالثَّانِى مُعْسِرَانِ، فلم يَعْتِقْ على كُلِّ وَاحِدٍ إِلَّا نَصِيبُه، وَنِصيبُهما الثُّلثانِ، وبَقِىَ ثُلثُهُ رَقِيقًا لِلثَّالِثِ، فَإِذا خَلَّفَ الْعَبْدُ مَالًا، فثُلثُه للذى لم يُعْتِقْ؛ لأَنَّه مَالِكٌ لِثُلثِهِ، وثُلثَاه مِيراثٌ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُما بجُزْئِه الْحُرِّ، فَإِنْ كانَ لهُ وارِثٌ نَسِيبٌ، يَرِثُ مالَهُ كُلَّه، أَخَذَه؛ لأَنَّه أحقُّ مِنَ المُعْتِقِ، وإِن لم يكُنْ له وارِثٌ نَسِيبٌ فهو للمُعْتِقَيْنِ بالوَلاءِ، وِإنْ كان له ذو فَرْضٍ يَرِثُ البَعْضَ، أخَذَ فَرْضَه منه، وباقِيهِ للمُعْتِقَيْن. وهذا القَوْلُ فيما إِذا لم يَكُنْ مالِكُ ثُلثِه قاسَمَ الْعَبْدَ فى حياتِهِ كَسْبَه، ولم يُهايِئْهُ، فأمَّا إن قاسَمَه، أو هَايَأَهُ، فلا حَقَّ له فى تَركَتِه، لِأَنَّها حصَلَتْ بالجُزْءِ الحُرِّ، فتَكونُ جميعُها مِيراثًا لِوَرَثَتِه، دون مالِكِ ثُلثِهِ، إِذْ لا حَقَّ له فى الجُزْءِ الحُرِّ، فلا يكونُ له حَقٌّ فيما كسَبَهُ (٢)، ولا فيما مَلَكَه (٢). فصل: ومَنْ قال بالسِّعايَةِ، فإِنَّهُ يُسْتَسْعَى حينَ أعْتَقَه الأوَّلُ، فإذا أعْتَقَ الثَّانِى نَصيبَه، انْبَنَى ذلِكَ على القوْلِ فى حُرِّيَّتِه، هل حصَلَتْ بإعْتاقِ (٣) الأَوَّلِ أو لا؟ فمَنْ جَعَلَه حُرًّا، لم يُصَحِّح عِتْقَ الثَّانِى؛ لأَنَّه عَتَقَ بإِعْتاقِ الأَوَّلِ، ومَنْ لَمْ يَجْعَلْه حُرًّا، صحَّحَ (٤) عِتْقَ الثَّانى؛ لِأَنَّه أَعتَقَ جُزْءً مملوكًا له مِنْ عَبْدٍ. وإذا مات قبلَ أداءِ سِعايَتِه فقد مات وثُلُثُه رَقيقٌ، فيَكونُ حُكْمُه فى الميراثِ كحُكْمِ (٥) ما ذَكَرْنا فى القَوْلِ الآخَرِ. فصل: وإذا حكَمْنا بعِتْقِ بعْضِه، ورِقِّ باقِيهِ، فإِنَّ نفقَتَه فى حياتِهِ، وفِطْرَتَه، وأكْسابَه، بَيْنَه وبينَ سَيِّدِه على قَدْرِ ما فيه مِنَ الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ. وإِنْ تَراضَيا على المُهَايَأَةِ بينَهما، كانَتْ نَفَقَةُ الْعَبْدِ كسْبُه فى أيَّامِه له وعليه، وفى أيَّامِ سَيِّدِه يكونُ كَسْبُه لِسَيِّدِه،

стр. 7709

ونَفَقَتُه عليهِ. فأمَّا الأَكْسَابُ النَّادِرَةُ؛ كاللُّقَطَةِ، والهِبَةِ، والوَصِيَّةِ، فذَكَرَ القاضى أَنَّها تَدْخُلُ فى المُهَايَأَةِ؛ لِأنَّها مِنْ أَكْسَابِهِ فأشْبَهَتِ المُعْتَادَةَ. وذَكَرَ غيرُه مِنْ أَصْحابِنا وَجْهًا آخَرَ، أنَّها لا تَدْخُلُ فى المُهَايَأَةِ، وتكونُ بينَهما على كُلِّ حالٍ؛ لأَنَّ المُهَايَأَةَ مُعاوَضَةٌ، فكأنَّه تعاوَضَ عن نَصيبِهِ مِنْ كَسْبِهِ فى يومِ سيِّدِه بنَصيبِ سَيِّدِهِ فى يَوْمِه، فلا تَتَناوَلُ المُعَاوَضَةُ المَجْهولَ، وما لا يَغْلِبُ على الظَّنِّ وُجودُه. فأمَّا المِيراثُ، فلا يَدْخُلُ فى المُهَايَأَةِ، ولا يَسْتَحِقُّ سَيِّدُه منه شَيْئًا؛ لِأَنَّه إنَّما يَرِثُ بِجُزْئِهِ الحُرِّ، ويَمْلِكُ هذا الْعَبْدُ يجُزْئِهِ الحُرِّص جَميعَ أَنواعِ المِلْكِ، ويرِثُ، ويُورَثُ بقدرِ ما فيهِ مِنَ الْحُرَّيَّةِ، وقد مَضَى ذِكْرُ ذلك. فصل: ومَنْ أَعْتَقَ عَبْدَه، وهو صَحيحٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، صَحَّ عِتْقُه بإِجْماعِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وإِنْ أَعْتَقَ بَعْضَه، عَتَقَ كُلُّه. فى قَوْلِ جُمْهورِ العُلَماءِ. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابْنِه، رضِىَ اللَّهُ عنهما (٦). وبه قال الحسنُ، والْحَكَمُ، والأَوْزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: عامَّةُ العُلَماءِ بالحجازِ، والعِرَاقِ، قالوا: يَعْتِقُ كُلُّه إذا أُعْتِقَ نِصْفُه. وقال طاوُسٌ: يَعْتِقُ فى عِتْقِه، ويَرِقُّ فى رِقِّه. وقال حمَّادٌ، وأبو حنيفةَ (٧): يَعْتِقُ منه ما أُعْتِقَ، ويَسْعَى فى باقِيه. وخالَفَ أبا حنيفة أصْحابُه، فلم يَرَوْا عليه سِعايَةً. ورُوِىَ عن مالِكٍ، فى رجلٍ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ، ثم غَفَلَ عنه حتى ماتَ، فقال: أرَى نِصْفَه حُرًّا، ونِصْفَهُ رَقيقًا؛ لأَنَّه تَصَرَّفَ فى بعْضِه، فلم يَسْرِ إلى باقِيهِ، كالبَيْعِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فى عَبْدٍ، فَكانَ مَعَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ العَدْلِ، وعَتَقَ عَلَيْهِ جَميعُ الْعَبْدِ" (٨). وإذا أُعْتِقَ عليه نَصيبُ شَريكِه، كان بينهما على عِتْقِ جميعه إذا كان كُلُّه مِلْكًا له. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ اعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ (٩) مَمْلوكٍ،

стр. 7710

فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مالِهِ" (١٠). ولِأَنَّهُ إِزالَةُ مِلْكٍ لبَعْضِ مَمْلوكِهِ الآدَمِىِّ، فزالَ عن جَميعِه، كالطَّلاقِ، ويُفارِقُ البَيْعَ؛ فإنَّهُ لا يحتاجُ إلى السِّعايَةِ، ولا يَنْبَنِى على التَّغْلِيبِ (١١) والسِّرايَةِ (١٢). إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بينَ أَنْ يُعْتِقَ جُزْءًا كَبيرًا، كنِصْفِهِ وثُلُثِهِ، أَوْ صَغيرًا، كَعُشْرِهِ وعُشْرِ عُشْرِهِ. ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا بين القائِلينَ بسِرَايَةِ العِتْقِ إِذا كان مَشاعًا. وإن أَعتَقَ جُزْءًا مُعَينًا، كَرأْسِهِ، أو يَدِهِ، أو أُصْبُعِه، عَتَقَ كُلُّهُ أيضًا. وبهذا قال قَتادَةُ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إِنْ أَعتَقَ رَأسَهُ، أو ظَهْرَه، أو بَطْنَه، أو جَسَدَه، أو نَفْسَه، أو فَرْجَه، عَتَقَ كُلُّه؛ لأنَّ حيَاتَه لا تَبْقَى بدُونِ ذلك، وإِنْ أعْتَقَ يَدَه، أَوْ عُضْوًا تَبْقَى حَياتُه بدُونِه (١٣)، لم يَعْتِقْ؛ لِأَنَّه يُمْكِنُ إِزالَةُ ذلك مع بَقائِهِ، فلم يَعْتِقْ بِإعْتاقِهِ، كشَعَرِه، أو سِنِّه. ولَنا، أَنَّهُ أَعتَقَ عُضْوًا من أَعْضائِهِ، فَيَعْتِقُ جَميعُهُ، كَرَأْسِه، فَأَمَّا إِذا أعْتَقَ شَعَرَه، أو سِنَّه، أو ظُفْرَه، لم يَعْتِقْ. وقال قَتادَةُ، واللَّيْثُ، فى الرَّجُلِ يُعْتِقُ ظُفْرَ عَبْدِه: يَعْتقُ كُلُّه؛ لأَنَّه جُزْءٌ مِنْ أَجْزائِه أشْبَهَ أُصْبُعَه. ولَنا، أَنَّ هذه الأشْياءَ تَزُولُ، ويَخْرُجُ غيرُها، فأَشْبَهَتِ الشَّعَرَ، والرِّيقَ، وقد ذُكِرَ ذلك فى الطَّلاقِ (١٤)، وما ذُكِرَ فى الطَّلاقِ فالعَتاقُ مِثْلُه. واللَّهُ أعْلَمُ. ١٩٥١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أعْتَقَ حَقَّهُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانا مُعْسِرينِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى شَرِيكِهِ، فَإِنْ كَانا عَدْلَيْنِ، كَانَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَصِيرَ حُرًّا، أَوْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَيَصِيرَ نِصْفُهُ حُرًّا) أمَّا إذا كان الشَّرِيكانِ مُعْسِرَيْنِ، فليس فى دَعْوَى أحَدِهِما على صاحِبهِ إِعْتاقَ نَصيبِهِ إعْترافٌ بِحُرِّيِّة نَصيبِهِ، ولا ادِّعاءٌ لاسْتِحْقاقِ قِيمَتِهِ (١) على المُعْتِقِ؛ لِكَونِ عِتْقِ الْمُعْسِرِ يَقِفُ على نَصيبِهِ، ولا يَسْرِى إلى غيرِه، فلم يكُنْ فى دَعْوَاهُ أكْثَرُ من أنَّه شاهِدٌ على صاحِبِه

стр. 7711

بإعْتاقِ نَصِيبِهِ، فإنْ لم يكونا عَدْلَيْن فلا أثَرَ لكلامِهِما فى الحالِ، ولا عِبْرَةَ بقَولِهما؛ لأنَّ غيرَ الْعَدْلِ لا تُقْبَلُ شهادتُه، وإِنْ كانا عَدْلَيْنِ، فشَهادَتُهما مَقْبولَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لا يَجُرُّ إلى نفسِهِ بشهادَتِهِ نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ بها ضَرَرًا، وقد حَصَلَ للعبْدِ (٢) بِحُرِّيَّةِ كُلِّ نِصْفٍ منه شَاهِدُ عَدْلٍ، فإن حَلَفَ مَعهما، عَتَقَ كُلُّه، وإن حَلَفَ مع أحدِهما صارَ نِصْفُه حُرًّا. على الرِّوايَةِ التى تقولُ: [إِنَّ العِتْقَ يحْصُلُ بشاهِدٍ ويَمينٍ. وإِنْ لَمْ يَحْلِفْ مع واحِدٍ مِنهما، لم يَعْتِقْ منه شَىْءٌ؛ لِأَنَّ] (٣) العِتْقَ لا يحصُلُ بشاهِدٍ مِنْ غيرِ يَمِينٍ. بلا خِلافٍ نعلَمُهُ. وإِن كان أحدُهما عَدْلًا دونَ الآخَرِ، فله أن يَحْلِفَ مع شهادَةِ العَدْلِ، ويَصيرُ نِصْفُه حُرًّا، ويَبْقَى نِصْفُه الآخَرُ رَقيقًا. فصل: ومَن قال بالاسْتِسْعاءِ، فقد اعْترفَ بأنَّ نصيبَه قد (٤) خَرَجَ عن يدِهِ، فيَخْرُجُ العَبْدُ كُلُّه، ويُسْتَسْعَى فى قِيمَتِهِ؛ لِاعْتِرافِ (٥) كُلِّ واحِدٍ منهما بذلك فى نَصِيبِهِ. فصل: وإِن اشْتَرَى أحدُهما نَصيبَ صاحِبِه، عَتَقَ عليه، ولم يَسْرِ إلى النِّصْفِ الذى كان له؛ لأَنَّ عِتْقَهُ حَصَلَ باعْتِرافِهِ بحُرِّيَّتِهِ بإعْتاقِ شَرِيكِهِ، ولا يَثْبُتُ له عليه وَلَاءٌ؛ لأَنَّه لا يَدَّعِى إِعْتاقَهُ، بل يَعْتَرِفُ بأنَّ المُعْتِقَ غيرُه، وإِنَّما هو مُخَلِّصٌ له مِمَّن يَسْترِقُّه (٦) ظُلْمًا، فهو كمُخَلِّصِ الأسيرِ مِنْ أيْدِى الكُفَّارِ. وقال أبو الخَطَّاب: يَسْرِى؛ لِأَنَّه شِرَاءٌ حصَلَ به الإِعْتاقُ (٧)، فأشْبَهَ شِراءَ بعضِ وَلَدِهِ. وإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فى شَهادَتِهِ على شَرِيكِهِ، لِيَسْتَرِقَّ ما اشْتراهُ، لم يُقْبَل منه؛ لأَنَّهُ رُجُوعٌ عن الإِقْرارِ بالْحُرِّيَّةِ، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِه، ثم أكْذَبَ نَفْسَه. وهل يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عليه إِنْ أعْتَقَهُ؟ يَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ؛ لِمَا ذَكَرْنا. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ؛ لِأَنَّنا نَعْلَمُ أَنَّ على الْعَبْدِ وَلاءً (٨)، وَلا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ سِوَاهُ،

стр. 7712

ولا يُنازِعُه فيه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ قَوْلُه فيه. وإنِ اشْتَرَى كلُّ واحدٍ منهما نَصِيبَ صاحِبِه، صار العَبْدُ كلُّه حُرًّا، لا وَلاءَ عليه لِواحدٍ منهما. فإِنْ أعْتَقَ كلُّ واحدٍ منهما ما اشْتَراه، ثم أكْذَبَ نَفْسَه فى شَهَادَتِه، فهل يَثْبُتُ له الوَلاءُ على ما (٩) أَعْتَقَهُ؟ على وَجْهَيْنِ. وإن أقَرَّ كُلُّ واحِدٍ منهما بِأَنَّه كان أَعْتَقَ نَصِيبَه، وصَدَّقَ الآخَرَ فى شَهادتِه، بطَلَ البَيْعانِ، ويَثْبُتُ (١٠) لِكلِّ واحِدٍ منهما الوَلاءُ على نِصْفِه؛ لِأَنَّ أحدًا لا يُنازِعُه فيه، وكُلُّ واحِدٍ منهما يُصَدِّقُ الآخَرَ فى استِحْقاقِ الوَلاءِ. ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ الْوَلاءُ لهما، وإِنْ لم يُكَذِّبْ واحدٌ منهما نَفْسَهُ؛ لِأَنَّنا نعلَمُ أَنَّ الولاءَ عليه ثابتٌ لهما، ولا يَخْرُج عنهما، وأنَّه بينهما؛ إمَّا بالعِتْقِ الأَوَّلِ، وإمَّا بالثَّانى؛ لأنَّهما إن كانا صادِقَيْنِ فى شهادَتِهِما، فقد ثَبَتَ الوَلاءُ لِكُلِّ واحدٍ منهما على النِّصْفِ الذى أَعْتَقَه أوَّلًا، وإِن كانا كاذِبَيْنِ، فقد أعْتَقَ كُلُّ واحدٍ منهما نِصْفَه بعدَ أنِ اشْتَراهُ، وإن كان أحَدُهما صادِقًا، والآخَرُ كاذِبًا، فلا وَلاءَ لِلصَّادِقِ منهما؛ لِأَنَّه لم يُعْتِقِ النِّصْفَ الذى كان لهُ أوَّلًا، وَلا صَحَّ (١١) عِتْقُه فى الذى اشْتَرَاه، لِأَنَّهُ كان حُرًّا قَبْلَ شِرائِهِ، وَالوَلاءُ كُلُّهُ لِلْكاذِبِ؛ لِأَنَّه أَعْتَقَ النِّصْفَ الذى كان له، ثم اشْتَرَى النِّصْفَ الذى لِشَرِيكِه فأَعْتَقَه، وكُلُّ واحدٍ منهما يُساوِى صاحِبَه فى الاحْتِمالِ، فيُقْسَمُ بينهما. فصل: وكُلُّ مَنْ شَهِدَ على سَيِّدِ عَبْدٍ بعِتْقِ عَبْدِهِ، ثم اشْتَراهُ، عَتَقَ عليه. وإِنْ شهِدَ اثْنانِ عليه بذلك، فرُدَّتْ شهادتُهما، ثم اشْتَرَيَاهُ، أو أحَدُهما، عَتَقَ. وبهذا قال الأَوْزاعِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وهو قِياسُ قَوْلِ أَبى حنيفةَ. ولا يَثْبُتُ للمُشْتَرِى وَلاءٌ على العَبْدِ؛ لِأنَّهُ لَا يدَّعِيهِ، ولا لِلْبائِعِ؛ لِأَنَّه يُنْكِرُ عِتْقَهُ. ولو كان العَبْدُ بينَ شَرِيكَيْنِ، فادَّعَى كُلُّ واحدٍ منهما أَنَّ شَريكَهُ أَعْتَقَ حَقَّه منه، وكانا مُوسِرَيْنِ، فعَتَقَ عليهما، أو كانا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ، فحلَفَ العَبْدُ مع كُلِّ واحِدٍ منهما (١٢)، وعَتَقَ، أو شهِدَ مع كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا عَدْلٌ آخَرُ، وعَتَقَ العَبْدُ، أو ادَّعَى عَبْدٌ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ،

стр. 7713

فأَنْكَرَ (١٣)، وقَامَتِ البَيِّنَةُ بعِتْقِهِ، عَتَق، ولا وَلاءَ على الْعَبْدِ فى هذه المواضِعِ كُلِّها؛ لِأَنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه، ولا يَثْبُتُ لِأحَدٍ حَقٌّ يُنْكِرُه. فإن عادَ مَنْ يُثْبِتُ (١٤) إِعْتاقهُ، فاعتَرَفَ به، ثَبَتَ له الوَلاءُ؛ لِأَنَّهُ لا مُسْتَحِقَّ له سِواهُ، وإنَّما لم يَثْبُتْ له لإِنْكَارِهِ له، فإِذا اعْتَرَفَ، زالَ الإِنْكَارُ وثبَتَ له. وأمَّا المُوسِرانِ إذا أُعْتِقَ عليْهما، فإِنْ صَدَّقَ أحدُهما صاحِبَه فى أنَّه أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وحدَه، أو أنَّه سَبَقَ بالعِتْقِ، فالوَلاءُ له، وعليه غَرامَةُ نَصِيبِ الآخَر. وإن اتَّفَقا على أَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما أعْتَقَ نَصِيبَه دُفْعَةً واحِدَةً، فالوَلاءُ بينَهما. وإنِ ادَّعَى كُلُّ واحدٍ منهما أَنَّهُ المُعْتِقُ وَحْدَه، أو أَنَّهُ السّابِقُ بالعِتْقِ، تَحالَفا، وكان الوَلاءُ بينَهما نِصْفَيْنِ. ١٩٥٢ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ الشَّرِيكَانِ مُوسِرَينِ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا بِاعْتِرافِ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا بِحُرِّيَّتِهِ، وصارَ مُدَّعِيًا عَلَى شَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَيَمِينُ (١) كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ (٢)) وجُمْلتُه (٣) أَنَّ الشَّريكَيْنِ المُوسِرَيْنِ، إذا ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أَنَّ شَريكَهُ أعْتَقَ نَصيبَه، فكلُّ واحِدٍ منهما مُعْتَرِفٌ بِحُرِّيَّةِ نَصِيبِهِ، شاهِدٌ على شَرِيكِهِ بِحُرِّيَّةِ نِصْفِهِ الآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يقولُ لشَريكِهِ: أعْتَقْتَ نَصيبَكَ، فسَرَى العِتْقُ إلى نَصِيبِى، فعَتَقَ كُلُّه علَيْكَ، ولزِمَك لى قِيمةُ نَصِيبِى. فصار العَبْدُ حُرًّا، لاعْتِرافِهِما (٤) بِحُرِّيَّتِهِ، وبَقِىَ كلُّ واحِدٍ منهما (٢) يَدَّعِى قِيمَةَ حِصَّتِهِ عل شَريكِهِ، فإِنْ كانتْ (٥) لِأَحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها، وإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، حَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما لِصاحِبِه، وَبرِىءَ (٦)، فإِنْ نَكَلَ أحَدُهما، قُضِىَ عليه، وإِنْ نَكَلَا جَميعًا، تَساقَطَ حَقَّاهما؛ لِتَماثُلِهِما. ولا فَرْقَ فى هذه الحالِ بينَ

стр. 7714

العَدْلَيْنِ والفاسِقَيْنِ، والمُسْلِمَيْنِ والكافِرَيْنِ، لِتَساوِى الْعَدْلِ والفاسِقِ، والمُسْلِمِ والكافِرِ، فى الاعْتِرافِ والدَّعوَى، بخِلافِ التى قبلَها. فصل: وإِنْ كان أحَدُ الشَّريكَيْنِ مُوسِرًا، والآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصِيبُ المُعْسِرِ وَحْدَه؛ لِاعْتِرافِهِ (٧) [بِأنَّ نَصيبَه] (٨) قد صار حُرًّا بإِعْتاقِ شَريكِهِ المُوسِرِ الذى يَسْرِى عِتْقُه، ولم يعْتِقْ نَصيبُ المُوسِرِ؛ لِأَنَّه يَدَّعِى أَنَّ الْمُعْسِرَ الذى لا يَسْرِى عِتْقُه، أَعْتَقَ نَصيبَهُ خاصَّةً، فعَتَقَ وَحْدَه، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُعْسِرِ عليه؛ لِأَنَّه يَجُرُّ بشهادَتِهِ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا، لِكَونِهِ يُوجِبُ عليه بشَهادَتِه نِصْفَ قِيمَتِه. فعلَى هذا، إِنْ لَمْ تكُنْ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ سِواهُ، حَلَفَ المُوسِرُ، وبَرِئَ مِنَ القِيمَةِ والعِتْقِ جَمِيعًا، ولا وَلاءَ لِلْمُعْسِرِ فى نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّه لا يدَّعِيهِ، ولا لِلْمُوسِرِ؛ لذلك أيضًا. فإنْ عاد المُعْسِرُ، فأعْتَقَهُ، وادَّعاهُ، ثبَتَ له. وإن أَقَرَّ المُوسِرُ بإِعْتاقِ نَصِيبِهِ، وصَدَّقَ المُعْسِرُ، عَتَقَ نَصِيبُه أيضًا، وعليه غَرامَةُ نَصِيبِ المُعْسِرِ، وثَبَت (٩) له الوَلاءُ. وإِنْ كان لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ تَشْهَدُ بإِعْتاقِ المُوسِرِ، وكانتْ عَدْلَيْنِ، ثَبَتَ العِتْقُ، ووَجَبَتِ القِيمَةُ للمُعْسِرِ عليه. وإن كانَتْ رجُلًا واحِدًا، حلَفَ العَبْدُ معَه، ويثبُتُ (١٠) العِتْقُ. فى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ. والأُخْرَى، لا يَثْبُتُ العِتْقُ، ولِلمُعْسِرِ أن يَحْلِفَ مَعَه، ويَسْتَحِقَّ قِيمَةَ نَصِيبِه، سَوَاءٌ حلَفَ العَبْدُ، أو لَمْ يحلِفْ؛ لأنَّ الذى يَدَّعِيهِ مَالٌ، يُقْبَلُ (١١) فيه شاهِدٌ ويَمِينٌ. فصل: وإنِ ادَّعَى أحَدُ الشَّريكَيْنِ أَنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه، وأنْكَرَ الآخَرُ، وكان المُدَّعَى عليه مُوسِرًا، عَتَقَ نَصيبُ المُدَّعِى وحدَه؛ لِاعْتِرافِه بِحُرِّيَّتِهِ بسِرايَةِ (١٢) عِتْقِ شَريكِهِ، وصار مُدَّعِيًا نِصْفَ القِيمَةِ على شريكِهِ، ولا يَسْرِى؛ لِأَنَّه لا يَعْتَرِفُ أنَّه المُعْتِقُ له، وإنَّما عَتَقَ باعْتِرافِهِ بِحُرِّيَّتِه، لا بإِعْتاقِهِ له، ولا وَلاءَ له عليه؛ لإِنْكارِهِ له. قال

стр. 7715

القاضى: ووَلاؤُه مَوْقُوفٌ. وإن كان المُدَّعِى عَدْلًا، لم تُقْبَلْ شهادَتُه؛ لِأَنَّه يَدَّعِى نِصْفَ قِيمَتِهِ على شَريكِه، فيَجُرُّ بشهادَتِهِ إليه (١٣) نَفْعًا، ومَنْ شَهِد بشهادَةٍ يجُرُّ إليه بها نَفْعًا، بطَلَتْ شَهادَتُه كُلّها. وأمَّا إِنْ كان المُدَّعَى عليه مُعْسِرًا، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، ولا يَعْتِقُ منه شىءٌ. وإِنْ كان المدَّعِى عَدْلًا، حلَف العَبْدُ مع شهادَتِه، وصار نِصْفُهُ حُرًّا. وقال حَمَّادٌ: وإِنْ كان المشْهُودُ عليه موسِرًا، سعَى له، وإِنْ كان مُعْسِرًا، سعَى لهما. وقال أبو حنيفةَ: إِنْ كان مُعْسِرًا، سعَى العبدُ، ووَلاؤُه بينَهما، وإِنْ كان مُوسِرًا، فوَلاءُ نِصْفِه مَوْقوفٌ، فإنِ اعْتَرَفَ أَنَّه أَعْتَقَ، استَحَقَّ الوَلاءَ، وإلَّا كان الوَلاءُ لبَيْتِ المالِ. فصل: إِذَا قال أحَدُ الشَّرِيكَيْن: إِنْ كان هذا الطَّائِرُ غُرابًا، فنَصِيبِى حُرٌّ. وقال الآخَرُ: إِنْ لم يَكُنْ غُرابًا، فَنَصِيِبى حُرٌّ. وطار، ولم يَعْلَما حالَه، فإِنْ كانا مُوسِرَيْنِ، عَتَقَ العَبْدُ كُلُّه، وإِنْ كان أحَدُهما موسِرًا، والآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصيبُ المُعْسِرِ وَحْدَه؛ لما ذَكَرْنا، وإِنْ كانا مُعْسِريْنِ، لم يَعْتِقْ نَصيبُ واحِدٍ منهما؛ لِأَنَّه لم يَتَعَيَّنِ الحِنْثُ فيه. فإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهما نَصيبَ الآخَرِ، عَتَقَ نِصْفُه؛ لِأَنَّنا عَلِمْنا حُرِّيَّةَ نِصْفِهِ، ولم يَسْرِ إلى النِّصْفِ الآخَرِ. وإنِ اشْتَرَى العَبْدَ (١٤) أجْنَبِىٌّ، عَتَقَ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ حُرٌّ يَقينًا، فلم يَمْلِكْ جَميعَه. ١٩٥٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ، وَخلَّفَ ابْنَيْنِ، وَعَبْدَيْنِ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِى الْقِيمَةِ، فَقَالَ أَحَدُ الابْنَيْنِ: أَبِى أَعْتَقَ هَذَا. وَقَالَ الْآخَرُ: أَبِى أَعْتَقَ أَحَدهُمَا، لَا أَدْرِى مَ نْ مِنْهُمَا. أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الَّذِى اعْتَرَفَ الابْنُ بِعِتْقِهِ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ إِنْ لَمْ يُجِز الابْنَانِ عِتْقَهُ كامِلًا، وَكانَ الآخَرُ عَبْدًا، وَإِنْ وَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَى الآخرِ، عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُهُ، وَكانَ لِمَنْ قَرَعَ (١) بِقَوْلِهِ فيه سُدسُهُ، ونِصْفُ العَبْدِ الآخَرِ، ولِأَخيهِ نِصْفُهُ، وسُدسُ العَبْدِ الَّذِى اعْتَرَفَ أَنَّ أَباهُ أَعْتَقَهُ، فَصارَ ثُلُثُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ العَبْدَيْنِ حُرًّا) هذه المَسْألةُ محمولَةٌ علَى أَنَّ العِتْقَ كان فى مَرَضِ المَوْتِ، [أو بِالْوَصِيَّةِ] (٢)؛ لِأَنَّه لو

стр. 7716

أعْتَقَهُ فى صِحَّتِهِ، لَعَتَقَ كلُّه، ولم يَقِفْ على إجازَةِ الوَرَثَةِ. فأمَّا إذا اعْتَرَفا أنَّه أعْتَقَ أحَدَهما فى مَرَضِهِ، فلا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوالٍ، إِمَّا أَنْ يُعَيِّنا العِتْقَ فى أَحَدِهما، فيَعْتِقُ منه ثُلثاهُ؛ لِأَنَّ ذلِكَ ثُلثُ جَميعِ مالِهِ، إِلَّا أَنْ يُجيزَا عِتْقَ جَميعِهِ، فَيَعْتِقَ. الثَّانى، أَنْ يُعَيِّنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهما العِتْقَ فى واحِدٍ غيرِ الذى عَيَّنَهُ أخوهُ، فَيَعْتِقِ مِنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما (٣) ثُلثُه؛ لِأَنَّ كلَّ واحِدٍ منهما حَقُّه نِصْفُ العَبْدَيْنِ، فيُقْبَلُ قَوْلُه فى عِتْقِ حَقِّهِ مِن الذى عَيَّنهُ، وهو ثُلثا النِّصْفِ الذى له، وذلك هو الثُّلثُ. ولِأنَّه يَعْتَرِفُ بحُرِّيَّةِ ثُلثَيْهِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فى حَقِّهِ منهما، وهو الثُّلثُ، وَيَبْقَى الرِّقُّ فى ثُلثِه، فله نِصْفُه، وهو السُّدسُ، ونِصْفُ العَبْدِ الذى يُنْكِرُ عِتْقَه. والحالُ الثَّالِث، أَنْ يقولَ أحدُهما: أبى أعْتَقَ هذا. ويقولَ الآخَرُ: أبى أَعْتَقَ أَحَدَهما، لا أَدرِى مَنْ منهما. وهى مَسْأَلَةُ الْكِتابِ. فتَقُومُ الْقُرْعَة مَقامَ تَعْيينِ الذى لم يُعَيِّنْ؛ فإِنْ وَقَعَتْ على الذى عَيَّنَه أخوهُ، عَتَقَ منه ثُلثاهُ، كما لو عَيَّناهُ بقَوْلِهما، وإِنْ وَقَعَتْ على الآخَرِ، كان (٤) كما لو عَيَّنَ كلُّ واحدٍ منهما عَبْدًا، يكونُ لِكلِّ واحدٍ منهما سُدسُ الْعَبْدِ الذى عَيَّنَه، ونِصْفُ الْعَبْدِ الذى يُنْكِرُ عِتْقَه، ويصيرُ ثُلثُ كلِّ واحدٍ مِنَ الْعَبْدَيْنِ حُرًّا. الحالُ الرَّابعُ، أَنْ يقولا: أعْتَقَ أحَدَهما، ولا نَدْرِى مَنْ منهما. فَإِنَّه يُقْرَعُ بينَ الْعَبْدَيْنِ، فمَنْ وَقَعَتْ عليه الْقُرْعَةُ، عَتَقَ منه ثُلثاهُ، إِنْ لم يُجيزَا عِتْقَ جَميعِه، وكان الآخَرُ رَقِيقًا. فصل: فإِنْ رَجعَ الابْنُ الذى جَهِلَ عَيْنَ الْمُعْتَقِ (٥)، فقال: قد عَرَفْتُه. قبلَ الْقُرْعَةِ، فهو (٣) كما لو عَيَّنَهُ ابْتِدَاءً مِنْ غيرِ جَهْلٍ، وإِنْ كان بعدَ الْقُرْعَةِ، فوافَقَها تَعْيينُه، لم يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ، وَإِنْ خالَفَها، عَتَقَ مِن الذى عَيَّنَهُ ثُلثُه بِتَعْيينِهِ، فإِنْ عَيَّنَ الذى عَيَّنَهُ أخُوهُ، عَتَقَ ثُلثاهُ، وإِنْ عَيَّنَ الآخَرَ، عَتَقَ منه ثُلثُه. وهل يَبْطُلُ الْعِتْقُ فى الذى عَتَقَ بِالْقُرْعَةِ؟ على وَجْهَيْنِ. ١٩٥٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا (١) كَانَ لِرَجُلٍ نِصْفُ عَبْدٍ، وَلِآخَرَ ثُلثُهُ، وَلِآخَرَ سُدسُهُ، فَأَعْتَقَ صاحِبُ النِّصْفِ، وصَاحِبُ السَّدسِ مَعًا، وَهُما موسِرانِ، عَتَقَ

стр. 7717

عَلَيْهِما، وَضَمِنَا حَقَّ شَريكِهِما فيهِ نِصْفَيْنِ، وَكانَ وَلاؤُهُ بَيْنَهُمَا أثْلاثًا؛ لِصاحِبِ النِّصْفِ ثُلثَاه، ولِصاحِب السُّدُسِ ثُلثُهُ) وَجُمْلَتُه أَنَّ الْعَبْدَ إذا كان مُشْتَرَكًا بينَ جَماعَةٍ، فأعْتَقَ اثْنانِ منهم أو أكْثَرُ، وهم مُوسِرون، سَرَى عِتْقُهم إلى باقِى الْعَبْدِ، ويكونُ الضَّمانُ بينهم على عَدَدِ رُءوسِهم، يَتَساوونَ فى ضَمانِه ووَلائِه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسَمَ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم. وهو قَوْلُ مالِكٍ فى إِحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عنه؛ لِأنَّ السِّرايَةَ حصَلَتْ بإِعْتاقِ مِلْكَيْهِما (٢)، ومَا وَجَبَ بِسَبَبِ المِلْكِ كان على قَدْرِه، كالنَّفَقَةِ، واسْتِحْقاقِ الشُّفْعَةِ. ولَنا، أَنَّ عِتْقَ النَّصِيبِ إِتْلافٌ لِرِقِّ الباقِى، وقد اشْتَرَكا فيه، فَيَتَساوَيانِ فى الضَّمانِ، كما لو جَرَحَ أحَدُهما جُرْجًا، وَالآخَرُ جُرْحَيْنِ، فمات مِنهما، أو أَلْقَى أَحَدُهما جُزْءًا مِنَ النَّجاسَةِ فى مائِعٍ، وَألْقَى الآخَرُ جُزْءَيْنِ. ويُفارِقُ الشُّفْعَةَ، فإِنَّها تثْبُتُ لإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَن نَصيبِ. الذى لم يَبعْ، فكان اسْتِحْقاقُه على قَدْرِ نَصيبِهِ، ولأنَّ الضَّمانَ ههُنا لِدَفْعِ (٣) الضَّرَرِ منهما، وفى الشُّفْعَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عنهما، والضَّرَرِ منهما يَسْتَوِيانِ فى إِدْخَالِهِ على الشَّرِيكِ، وفى الشُّفْعَةِ ضَررُ صا حِبِ النِّصْفِ أعْظَمُ مِن ضَرَرِ صَاحِبِ السُّدسِ فَاخْتَلَفَا. وإِذا ثَبَتَ هذا، كان وَلَاؤُه بينهما أَثْلاثًا؛ لأَنَّنا إِذَا حَكَمْنَا بِأَنَّ الثُّلثَ مُعْتَقٌ عليهما نِصْفَيْن، فنِصْفُ الثُّلثِ سُدسٌ، إِذَا ضَمَمْنَاه إلى النِّصْفِ الذى لأحَدِهما (٤)، صار ثُلثَيْنِ، وإذا ضَمَمْنَا السُّدسَ الآخَرَ إلى سُدسِ المُعْتِقِ (٥)، صَار ثُلثًا. وعلى الْوَجْهِ الآخرِ، يَصِيرُ الوَلاءُ بينَهما أرْباعًا، لِصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةُ أرْباعِهِ، ولِصاحِبِ السُّدسِ رُبْعُه، والضَّمانُ بينهما كذلك. فأَمَّا قَوْلُه: فأعْتَقاه مَعًا. فَلِأنَّه شَرَطَ فى الحُكْمِ الذى ذكَرْناه اجْتِماعَهما فى العِتْقِ، بحيثُ لا يَسْبِقُ أحدُهما الآخَرَ، بأَنْ يَتَلَفَّظَا به مَعًا، أَو يُوكِّلَ أحَدُهما صاحِبَه فيَعْتِقَهما مَعًا، أو يُوكِّلا وَكيلًا فَيَعْتِقَهما، أو يُعَلِّقا عِتْقَه على شَرْطٍ فيُوجَدَ. فإِنْ سَبَقَ أَحَدُهما صاحِبَه، عَتَقَ عليه نَصِيبُ شَرِيكَيْهِ جَميعًا، وكان الضَّمانُ عليه، والوَلاءُ له

стр. 7718

كلُّه. وقوله: وهما مُوسِرَانِ. شَرْطٌ آخَرُ؛ فإِنَّ سِرَايةَ العِتْقِ يُشْتَرَطُ لها اليَسَارُ، فإِنْ كان (٦) أَحَدُهما مُوسِرًا وَحْدَه، قُوِّمَ عليه جميعُ نَصِيبِ مَنْ لم يَعْتِقْ؛ لِأنَّ المُعْسِرَ لا يَسْرِى عِتْقُه، فيَكُونُ الضَّمانُ عَلى المُوسِرِ خَاصَّةً، فإِنْ كان أَحدُهما يَجِدُ بعضَ ما يَخُصُّه، قُوِّمَ عليه ذلك القَدْرُ، وبَاقِيهِ على الآخَرِ، مثل أَنْ يَجِدَ صاحِبُ السُّدسِ قِيمَةَ نِصْفِ السُّدسِ، فيُقَوَّمَ عليه، ويُقَوَّمَ الرُّبعُ على صاحِبِ النِّصْفِ، [ويَصِيرَ وَلَاؤُه بينهم أرْباعًا؛ لِصاحِبِ السُّدسِ رُبعُه، وباقِيه لِمُعْتِقِ النَّصْفِ؛ لأنَّهُ لو كان أَحَدُهما مُعْسِرًا، قُوِّمَ الجميعُ على الآخَرِ، فإذا كان مُوسِرًا ببعضِه، قُوِّمَ البَاقِى على صَاحِبِ النِّصْفِ] (٧)؛ لِأَنَّه مُوسِرٌ. ١٩٥٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَتِ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَأَصَابَهَا أَحَدُهُمَا وَأَحْبَلَهَا (١)، أُدِّبَ، وَلَمْ يُبْلَغ بِهِ الْحَدُّ، وَضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِشرَيكِهِ، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، كَانَ فِى ذِمَّتِهِ نِصْفُ [مَهْرِ مِثْلِهَا] (٢)، وَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَهِىَ عَلَى مِلْكِهِمَا (٣)) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ فِى تَحْرِيمِ وَطْءِ الجارِيةِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأنَّ الوَطْءَ يُصادِفُ مِلْكَ غيرِه مِن غيرِ نِكَاحٍ، ولم يُحِلَّه اللَّه تعالى فى غيرِ مِلْكٍ ولا نِكاحٍ بِدَليلِ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٤). وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ لا يُوجِبُونَ فيه حَدًّا؛ لِأنَّ له فِيها مِلْكًا، فكان ذلك شُبْهَةً دارِئَةً لِلْحَدِّ. وأوْجَبَهُ أبو ثَوْرٍ؛ لِأنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ؛ لِأجَّلِ كَوْنِهِ فِى مِلْكِ غيرِهِ، فأشْبَهَ ما لو لم يَكُنْ له فِيها مِلْكٌ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ صادَفَ مِلْكَهُ، فلم يُوجَبْ به حَدٌّ، كوَطْءِ زَوْجَتِه الحائِضِ، وَيُفارِقُ ما لا مِلْكَ له فيها؛ فإنَّهُ لا شُبْهَةَ له فيها، ولهذا لو سَرَقَ عَيْنًا له نِصْفُها لم يُقْطَعْ، ولو لم يَكُنْ له فِيها مِلْكٌ قُطِعَ، ولا

стр. 7719

خِلَافَ فى أنَّه يُعَزَّرُ؛ لما ذَكَرْناه فى حُجَّةِ أَبى ثَوْرٍ. ثم لا يَخْلُو مِن حَالَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ لا تَحْمِلَ منه، فهى بَاقِيَةٌ على مِلْكِهِما، وعليه نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها؛ لِأنَّهُ وَطْءٌ سَقَطَ فيه الحَدُّ للشُّبْهَةِ، فأوْجَبَ مَهْرَ المِثْلِ، كما لو وَطِئَها يَظُنُّها امْرَأتَه، وسَواءٌ كانت مُطاوِعةً أو مُكْرَهَةً؛ لما ذَكَرْنا، وَلِأَنَّ وَطْءَ جَارِيةِ غيرِه يُوجِبُ المهرَ وِإِنْ طَاوَعَتْ، لِأَنَّ المهرَ لِسيِّدِها، فلا يَسْقُطُ بِمُطاوَعَتِها، كما لو أُدِّبَتْ فى قَطْعِ عُضْوٍ مِن أعْضَائِها، ويكُونُ الواجبُ نِصْفَ المهْرِ بِقَدْرِ مِلْكِ الشَّرِيكِ فيها. الحَالُ الثَّانِى، أَنْ يُحْبِلَها، وتَضَعَ مَا يُتَبيَّنُ فيه بَعْضُ خَلْقِ الْإِنْسانِ، فَإِنَّها تَصِيرُ بِذلك أُمَّ وَلَدٍ لِلْواطِىءِ، كَما لو كانتْ خَالِصَةً له، وَتَخْرُجُ بذلك مِن مِلْكِ الشَّرِيكِ، كما تَخْرُجُ بالإِعْتَاقِ؛ وسَواءٌ كان الوَاطِىءُ مُوسِرًا أو مُعْسِرًا؛ لِأنَّ الإِيلادَ (٥) أَقْوَى مِن الإِعْتَاقِ، وَيَلْزَمُه نِصْفُ قِيمَتِها؛ لأَنَّه أخْرَجَ نِصْفَها مِنْ مِلْكِ الشَّريكِ، فلَزِمَتْهُ قِيمَتُه، [كما لو أَخْرَجَه بالإِعْتاقِ أو الإِتْلافِ، فإِن كان مُوسِرًا أدَّاهُ، وَإِنْ كان مُعْسِرًا فهوَ فى ذِمَّتِه] (٦)، كما لو أَتْلَفَها، والوَلَدُ حُرٌّ يُلْحَقُ نَسَبُهُ بوالدِه (٧)؛ لِأَنَّه مِن وَطْءٍ فى مَحَلٍّ له فيهِ مِلْكٌ، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ زَوْجَتَه. وقال القاضى: الصَّحِيحُ عِنْدِى أنَّه لا (٨) يُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه إِذا كان مُعْسِرًا، بل يَصِيرُ نِصْفُها أُمَّ وَلَدٍ، وَنِصْفُها قِنًّا بَاقيًا فى مِلْكِ الشَّرِيكِ؛ لأَنَّ الإِحْبالَ كالعِتْقِ، ويَجْرِى مَجْراهُ فى التَّقْويمِ والسِّرَايةِ، فاعْتُبِرَ فى سِرَايَتِه اليَسارُ، كالعِتْقِ. وهذا قَوْلُ أبى الخطَّابِ أيضًا، ومذهبُ الشَّافِعِىِّ. فعلى هذا، إِذَا وَلَدَت، احْتَمَل أَنْ يَكُونَ الولَدُ كُلُّهُ حُرًّا؛ لاسْتِحالَةِ انْعِقادِ الوَلدِ مِن حُرٍّ وعَبْدٍ، واحْتَمَلَ أَنْ يكُونَ نِصْفُه حُرًّا ونِصْفُه رَقِيقًا كأُمِّه (٩)؛ لأنَّ نِصْفَ أُمِّهِ أُمُّ وَلَدٍ، ونِصْفَها قِنٌّ لغيرِ الوَاطِئ، فكان نِصْفُ الوَلَدِ حُرًّا ونِصْفُه رَقيقًا، كَوَلَدِ المُعْتَقِ بَعْضُها، وبهذا يَتَبيَّنُ أنَّه لم يَسْتَحِلِ انْعِقادُ الوَلَدِ مِن حُرٍّ وقِنٍّ. ووَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّ بعضَها أُمُّ وَلَدٍ، فكان جميعُها أُمَّ وَلَدٍ، كما لو كان الوَاطِئُ مُوسِرًا، ويُفارِقُ الإِعْتاقَ، فإِنَّ الاسْتِيلادَ أقْوَى، ولهذا يَنْفُذُ مِن جميعِ المالِ؛ مِنَ المريضِ، ومِنَ الصَّبِىِّ، والمجْنُونِ، والإِعْتاقُ بخِلافِه.

стр. 7720

فصل: قال أبو الخَطَّابِ: وهل تَلْزَمُه قِيمَةُ الوَلَدِ [ومَهْرُ الأَمَةِ] (١٠)؟ على وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهما، لا يَلْزَمُه ذلك. وهو ظاهرُ قولِ الخِرَقِىِّ؛ لأَنَّه لم يَذْكُرْهما؛ لأنَّ الأمةَ صارتْ مَمْلوكَةً له (١١)، فلم يَلْزَمْه مَهْرُ مَمْلوكَتِه، ولاقِيمَةُ وَلَدِها؛ ولأنَّ الوَلَدَ خُلِقَ حُرًّا، فلم يُقَوَّمْ عليه وَلَدُه الحُرُّ. والوَجْهُ الثّانِى، يَلْزَمُه لِشَريكِه نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها، ونِصْفُ قِيمَةِ وَلَدِها؛ لأنَّ الوَطْءَ صادَفَ مِلْكَ غيرِه، وإِنَّما انتَقَلَتْ بالوَطْءِ المُوجِبِ للمَهْرِ، فَيَكونُ الوَطْءُ [سَبَبَ المِلْكِ] (١٢)، ولا يَثْبُتُ الحُكْمُ إِلَّا بعدَ تَمامِ سَبَبِه، فيَلْزَمُ حينئذٍ تَقَدُّمُ الوَطْءِ على مِلْكِه، فيكونُ فى مِلْكِ غيرِه، فيُوجِبُ مَهْرَ المثلِ، وفِعْلُه ذلك مَنَعَ انْخِلاقَ الوَلَدِ على مِلْكِ الشَّرِيكِ، فيجِبُ عليه نِصْفُ قِيمَتِه، كوَلَدِ المَغْرورِ. وقال القاضى: إِنْ وضَعتِ الولَدَ بعدَ التَّقْويمِ، فلا شىءَ على الواطِئِ؛ لأنَّها وَضَعَتْه فى مِلْكِه، ووَقْتُ (١٣) الوُجوبِ حالةُ الوَضْعِ، ولا حَقَّ للشَّرِيكِ فيها ولا فى وَلَدِها، وإِنْ وضَعَتْه قبلَ التَّقْويمِ، فهل تَلْزَمُه قِيمَةُ نِصْفِه؟ على رِوَايتيْن، ذَكَرهما أبو بكرٍ، واخْتارَ أنَّه تَلْزَمُه قِيمَتُه. فصل: ولا فَرْقَ بينَ أن يكونَ له (١١) فى الأَمَةِ مِلْكٌ كثيرٌ أو يَسِيرٌ، وقد ذكرَ الخِرَقِىُّ، فيما إِذا وَطِئَ جَارِيَةً مِنَ المغْنَمِ، أنَّها تصيرُ أُمَّ وَلَدٍ إذا أَحْبَلَها، وإن كان إنَّما له فيها سَهْمٌ يَسِيرٌ مِن أكْثَرَ (١٤) مِن ألْفِ سَهْمٍ. ١٩٥٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا (١) مَلَكَ سَهْمًا مِمّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِغيْرِ (٢) الْمِيراثِ، وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ، وَكَانَ لِشَرِيكِهِ عَلَيْهِ قِيمَةُ حَقِّهِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إِلّا مِقْدارُ مَا مَلَكَ، وَإِذَا (١) مَلَكَ بَعْضَهُ بِالْمِيرَاثِ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إِلَّا

стр. 7721

مِقْدَارُ (٣) مَا مَلَكَ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا) قد ذَكَرْنا فيما تقدَّمَ (٤) أنّ مَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فهو حرٌّ؛ لما رَوَى سَمُرَةُ، أَنَّ النّبىَّ ﷺ ، قال: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ". روَاه أبو داودَ، وابْنُ مَاجَه، والتّرْمِذِىُّ (٥) وَرَوَى ضَمْرَةُ، عنْ سُفْيانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ" (٦). وسُئِلَ أَحمدُ عَن ضَمْرَةَ، فقال: ثِقَةٌ، إِلَّا أنَّه رَوَى حَدِيثَيْنِ ليسَ (٧) لهما أصْلٌ؛ أَحَدُهما، هذا الحديثُ. وَرُوِىَ عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عمرَ، أنَّه قال: مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَم، فهو حُرٌّ (٨) وقد ذَكَرْنا هذا وما فيه مِنَ الخِلافِ فيما تقدَّمَ (٤). فأمَّا إِنْ مَلَكَ سَهْمًا مِمَّن يَعْتِقُ عليه، مثل أَنْ يَمْلِكَ سَهْمًا مِنْ وَلَدِه، فإنَّه يَعْتِقُ عليه ما مَلَكَ منه، سَواءٌ مَلَكَه (٩) بعِوَضٍ، أو بغيرِ عِوَضٍ، كالهِبَةِ والاغْتِنامِ والوَصِيَّةِ، وسَواءٌ مَلَكَه باخْتِيارِهِ، [كالذى ذَكَرْناه] (١٠)، أو بغيرِ اخْتيارِه، كالميراثِ؛ لأنَّ كلَّ ما يَعْتِقُ بِه الكُلُّ يَعْتِقُ بِه البَعْضُ، كالإِعْتاقِ بِالقَوْلِ، ثم يُنْظَرُ؛ فإِنْ كان مُعْسِرًا، لم يَسْرِ العِتْقُ، واسْتقَرَّ فى ذلك الجُزْءِ، ورَقَّ الباقى؛ لأَنَّه لو أَعْتَقَه بِقَوْلِه، لم يَسْرِ إِعْتاقُه مع تَصْريحِه بالعِتْقِ وقَصْدِه إِيّاه، فههُنا أوْلى. وإِنْ كان مُوسِرًا، وكان المِلْكُ بِاخْتِيارِه، كالمِلْكِ بغيرِ المِيراثِ، سَرَى إلى باقِيه، فعَتَقَ (١١) جميعُ العَبْدِ، ولَزِمَه لشَرِيكِه قِيمةُ باقِيه؛ لأَنَّه فَوَّتَه عليه. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ. وقال قَوْمٌ: لا يَعْتِقُ عليه إلَّا ما مَلَكَ، سَواءٌ مَلَكَه بِشِراءٍ أو غيرِه؛ لأنَّ هذا لم يَعْتِقْه، وإنَّما عَتَقَ عليه بِحُكْم الشّرْع عن (١٢) غيرِ اخْتيارٍ منه، فلم

стр. 7722

يَسْرِ، كما لو مَلَكَه بالميراثِ، وفارَقَ ما أعْتَقَه؛ لأَنَّه (١٣) فَعَلَه بِاخْتيارِه، قاصِدًا إِليه. ولَنا، أنَّه فَعَلَ سَبَبَ العِتْقِ اخْتيارًا منه، وقَصْدًا إليه، فَسَرى، وَلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو وَكَّل مَنْ أعْتَقَ نَصِيبَه، وفارَقَ المِيراثَ، فإنَّه حَصَلَ مِن غيرِ قَصْدِه، ولا فِعْلِه، ولأنَّ مَن باشَرَ سَبَبَ السِّرَايةِ اخْتيارًا، لَزِمَه ضَمانُها، كَمَنْ جَرَحَ إنْسانًا، فسَرَى جُرْحُه، ولأنَّ مُباشَرةَ (١٤) ما (١٥) يَسْرِى، وتَسَبُّبَه إليه فى لُزومِ حُكْمِ السِّرايَةِ واحِدٌ، بدليلِ اسْتِواءِ الحافِرِ والدَّافِعِ فى ضَمانِ الواقِعِ. فأمَّا إِن مَلَكَه بالميراثِ، لم يَسْرِ العِتْقُ فيه، واسْتَقَرَّ فيما مَلَكَه، ورَقَّ الباقى، سواءٌ كان مُوسِرًا أو مُعْسِرًا؛ لأنّه لم يَتَسَبَّبْ إلى إعْتاقِه، وإنَّما حَصَلَ بغيرِ اختيارِه. وبهذا قال مالكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ. وعن أَحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يَسْرِى إلى نَصِيبِ شَريكِه، إذا كان مُوسِرًا؛ لأَنَّه عَتَقَ (١٦) عليه بَعْضُه وهو مُوسِرٌ، فَسَرى إلى باقِيه، كما لو أُوصِىَ (١٧) له به فقَبِلَه. والمذهبُ الأوَّل؛ لأَنَّه لم يَعْتِقْه، ولا تَسَبَّبَ إليه، فلم يَضْمَنْ، ولم يَسْرِ، كالأَجْنبِىِّ، وفَارَقَ مَا تَسَبَّب إليه. فصل: وإِنْ وَرِثَ الصَّبىُّ والمجْنونُ جُزْءًا مِمَّن يَعْتِقُ عليهما، عَتَقَ، ولم يَسْرِ إِلى باقِيه؛ لأَنَّه إِذا لم يَسْرِ فى حَقِّ المُكَلَّفِ، ففى حَقِّهِما أوْلى. وإِنْ وُهِبَ لهما، أَو وُصِّىَ لهما به، وهما مُعْسِران، فعلى وَلِيِّهما قَبولُه؛ لأَنَّه نَفْعٌ لهما، بإعْتاقِ قَريبِهما، من غيرِ ضَرَرٍ (١٨) يَلْحَقُ بِهِما. وإِنْ كانا مُوسِرَيْنِ، ففيه وَجْهانِ، مَبْنِيَّانِ على أنَّه هل يُقَوَّمُ عليهما باقِيه إذا مَلَكَا بَعْضَه؟ وفيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يُقَوَّمُ، ولا يَسْرِى العِتْقُ إِليه (١٩)؛ لأَنَّه يَدْخُلُ فى مِلْكِه بغيرِ اخْتيارِه، فأَشْبَهَ ما لو وَرِثَه. والثَّانى، يُقَوَّمُ عليه؛ لأنَّ قَبولَ وَلِيِّه يقُومُ مَقامَ قَبولِه، فأشْبَهَ الوَكيلَ. فعلى هذا الوَجْهِ، ليس لِوَليِّه قَبولُه؛ لما فيه من الضَّرَرِ. وعلى الأَوَّلِ، يَلْزَمُه قَبولُه؛ لأَنَّه يَقَعُ بغَيرِ (٢٠) ضَرَرٍ، إذا كان ممَّن لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه. وإذا قُلْنا: ليس له أن

стр. 7723

يَقْبَلَه. فقَبِلَه، احْتَملَ أَن لا يَصِحَّ القَبولُ؛ لأَنَّه فَعَلَ ما لم يَأْذَنْ له (٢١) الشَّرْعُ فيه، فأشْبَهَ ما لو باع مالَه بِغَبْنٍ. واحْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ، وتكونَ الغَرامَةُ عليه؛ لأَنَّه ألْزَمَه هذه الغَرامَةَ، فكانتْ عليه، كنَفَقَةِ الحَجِّ إِذا أحَجَّهُ (٢٢). فصل: وإذا باع عَبْدًا لِذِى رَحِمِه وأَجْنَبِىٍّ صَفْقَةً واحِدَةً، عَتَقَ كُلُّه، إذا كان ذو الرَّحِمِ (٢٣) مُوسِرًا (٢٤)، وضَمِنَ لشَريكِهٌ قيمةَ حَقِّهِ منه. وقال أبو حنيفةَ (٢٥): لا يَضْمَنُ لِشَريكِه شيئًا؛ لأنَّ مِلْكَه لا (٢٦) يَتِمُّ إِلَّا بقَبولِ شَريكِه، فصار كأنَّه أذِنَ له فى إعْتاقِ نَصيبِه. ولَنا، أنَّه عَتَقَ عليه نَصِيبُه بِمِلْكِه بِاخْتيارِه، فوَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَ عليه باقِيه مع يَسارِه، كما لو انْفَرَدَ بِشِرائِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَصِحُّ قَبولُه إِلَّا بِقَبولِ شَريكِه. فصل: وإذا كانتْ أمَةً مُزَوَّجَةً، ولها ابنٌ مُوسِرٌ، فاشْتَراها هو وَزَوْجُها وهى حامِلٌ منه (٢٧)، صَفْقَةً واحِدَةً، عَتَقَ نَصِيبُ الابْنِ مِن أُمِّه، وسَرَى إِلى نصيبِ الزَّوْجِ، ويُقوَّمُ عليه، وعَتَقَ الحَمْلُ عليهما معًا؛ لأَنَّه ابنُ الزَّوْجِ وأخُو (٢٨) الابْنِ، ولا يَجِبُ لأحدِهما على الآخَرِ شىءٌ مِنه؛ لأَنَّه عَتَقَ عليهما فى حَالٍ واحدةٍ. ولو كانتِ المسْألةُ بِحَالِها، فوُهِبَتْ لهما، أو أُوصِىَ لهما بها، فقَبِلاها فى حالٍ (٢٩) واحدةٍ، فكذلك، وإِنْ قَبِلَها أحدُهما قبلَ الآخَرِ، نَظَرْنا؛ فإِنْ قَبِلَ الابْنُ أوَّلًا، عَتَقَتْ عليه الأُمُّ وحَمْلُها؛ [حِصَّتُه من الأُمِّ بِالمِلْكِ، وتَبِعَها حِصَّتُهُ مِنَ الحملِ، وسَرَى العِتْقُ إلى الباقى] (٣٠) [مِن الأُمِّ والوَلَدِ] (٣١)، وعليه قيمةُ بَاقِيهما للزَّوْج. وإن قَبِل الزَّوْجُ أوَّلًا، عَتَقَ عليه الحَمْلُ كُلُّه؛ [نصيبُه بالمِلْكِ، وباقيه بالسِّرايةِ، وقُوِّمَ عليه] (٣٠). ثم إذا قَبِلَ الابنُ، عَتَقَتْ عليه الأُمُّ كُلُّها،

стр. 7724

ويتَقاصَّانِ، ويَرُدُّ كُلُّ واحدٍ منهما الفَضْلَ على صاحِبِه. ومَنْ قال فى الوَصِيَّةِ: إنَ المِلْكَ لا يَثْبُتُ فيها (٣٢) بِالْموتِ. فالحُكْمُ فيه كما لو قَبِلاها دُفْعَةً واحِدَةً. فصل: وإذا كان لِرَجُلٍ نِصْفُ عَبْدَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ فى القيمَةِ، لا يَمْلِكُ غيرَهما، فَأَعْتَقَ أَحَدَهما فى صِحَّتِه، عَتَقَ، وسَرَى إلى نَصِيبِ شَرِيكِه؛ لأَنَّه مُوسِرٌ بِالنِّصْفِ الذى له مِن العَبْدِ الآخَرِ، فإنْ اعتَقَ النِّصْفَ الآخَرَ (٣٣)، عَتَقَ؛ لأنَّ وُجوبَ القِيمَةِ فى ذِمَّتِه لا يَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِه، ولم يَسْرِ؛ لأَنَّه مُعْسِرٌ، وإن أَعْتَقَ الأوَّلَ فى مَرَضِ مَوْتِهِ، لم يَسْرِ؛ لأَنَّه إنَّما يَنْفُذُ عِتْقُه فى ثُلثِ مالِه، [وثُلثُ مَالِه] (٣٤) هو الثُّلثُ من العبدِ الذى أعْتَقَ (٣٥) نِصْفَه، وإذا أَعْتَقَ (٣٥) الثَّانِىَ، وَقَفَ على إِجازَةِ الوَرَثَةِ، وإِنْ أَعْتَقَ (٣٥) الأَوَّلَ فى صِحَّتِه، وأَعْتَقَ (٣٦) الثَّانِىَ فى مَرَضِه، لم يَنْفُذْ عِتْقُ الثَّانِى؛ لأنَّ عليه دَيْنًا يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، فيَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِه، إِلَّا أَنْ يُجيزَ (٣٧) الورَثَةُ. فصل: إِذا شَهِدَ شاهِدَانِ على رجلٍ أنَّه أَعْتَقَ شِرْكًا له فى عَبْدٍ (٣٨)، فَسَرَى إلى نَصِيبِ الشَّريكِ، وغَرِمَ له قِيمةَ نَصِيبِهِ، ثم رجَعا عن الشَّهادة، غَرِما قِيمةَ العَبْدِ جَمِيعِه. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: تَلْزَمُهما غَرامَةُ نَصِيبِه، دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِه؛ لأنَّهما لم يَشْهَدا إِلَّا بِعِتْقِ نَصِيبِه، فلم تَلْزَمْهما غَرامَةُ ما سِواهُ. ولَنا، أنَّهما فَوَّتا عليه نَصِيبَه وقِيمةَ نَصِيبِ شَريكِه، فلَزِمَهما ضَمانُه، كما لو فَوَّتاه بفِعْلِهما، وكما لو شَهِدَا عليه بِجُرْحٍ، ثم سَرَى الجُرْحُ، وماتَ المجْروحُ، فضَمِنَ الدِّيَةَ، ثم رَجَعا عن شَهادَتِهما. فصل: وإِنْ شَهِدَ شاهِدانِ على مَيِّتٍ بعِتْقِ عَبْدٍ فى مَرَضِ مَوْتِهِ، وهو ثُلثُ مالِه،

стр. 7725

فَحكَم حاكمٌ (٣٩) بِشَهادَتِهما، وعَتَقَ العَبْدُ، ثم شَهِدَ آخَرانِ بِعِتْقِ آخَرَ، هوٍ ثُلثُ مالِه، ثم رَجَعَ الأوَّلانِ عن الشَّهادةِ، نَظَرْنا فى تارِيخِ شَهادَتِهما؛ فإِن كانتْ سابِقَةً ولم تُكَذِّبِ الوَرَثَةُ رُجوعَهُما، عَتَقَ الأوَّلُ، ولم يُقْبَلْ رُجوعُهما، ولَم يَغْرَما شيئًا. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهما شِراءُ الثَّانِى وإِعتاقُه؛ لأنَّهما مَنَعا عِتْقَه بِشَهادَتِهما المرْجُوعِ عنها. وإن صَدَّقوهُما فى رُجوعِهما، وكَذَّبوهُما فى شَهادَتِهما، عَتَقَ الثَّانى، وَرَجَعوا (٤٠) عليهما بقِيمَةِ الأَوَّلِ؛ لأنَّهما فَوَّتا رِقَّه عليهم بشَهادَتِهم المرْجُوعِ عنها؛ وإِنْ كان تاريخُها مُتأخِّرًا عن الشَّهَادَةِ الأُخْرَى، بَطَلَ عِتْقُ المحْكومِ (٤١) بعِتْقِهِ؛ لأنَّنا تَبيَّنَّا أَنَّ المَيِّتَ قد أَعْتَقَ ثُلثَ مالِه قبلَ إِعْتاقِه، ولم يَغْرَمِ الشَّاهِدانِ شيئًا؛ لأنَّهما ما فَوَّتا شَيْئًا. وإِنْ كانَتا مُطْلَقَتَيْنِ، أو إحْداهما، أو اتَّفَقَ تاريخُهما، أُقْرعَ بينهما؛ فإِنْ خَرَجَتْ على الثَّانى، عَتَقَ، وبَطَلَ عِتْقُ الأوَّلِ، ولا شَىءَ على الشَّاهِدَيْن؛ لأنَّ الأَوَّلَ باقٍ على الرِّقِّ (٤٢). وإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الأوَّلِ، عَتَقَ، ونَظَرْنا فى الورَثَةِ، فإِنْ كَذَّبُوا الشَّاهِدَيْنِ الأَوَّلَيْنِ فى شَهادَتِهِما، عَتَقَ الثَّانِى، ورَجَعوا على الشَّاهِدَيْنِ بِقِيمَةِ الأوَّلِ؛ لأنَّهما فَوَّتا رِقَّه بغيرِ حَقٍّ، وإِنْ كذَّبُوهما فى رُجوعِهما، لم يَرْجِعُوا عليهما بشىءٍ؛ لأنَّهم يُقِرُّون بِعِتْقِ المَحْكومِ بِعِتْقِه. ١٩٥٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ لَهُ ثَلاثَةُ أَعْبُدٍ، فَأَعْتَقَهُمْ فِى مَرَضِ مَوْتِهِ، أَوْ دَبَّرَهُمْ، أَوْ دَبَّرَ أَحَدهُمْ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ الآخَرَيْنِ، وَلَمْ يَخرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ إِلّا وَاحِدٌ؛ لِتَسَاوِى قِيمَتِهِمْ، أُقْرِعَ (١) بَيْنهُمْ بِسَهْمِ (٢) حُرِّيَّةٍ وسَهْمَىْ رِقٍّ، فَمَنْ وَقَعَ لَهُ (٣) سَهْمُ الحُرِّيَّةِ (٤)، عَتَقَ دُونَ صَاحِبَيْهِ) وجُمْلةُ ذلك أَنَّ العِتْقَ فى مَرَضِ الموْتِ، والتّدْبيرَ، والوَصِيَّةَ بِالعِتْقِ، يُعْتَبَرُ خُروجُه

стр. 7726

مِنَ الثُّلثِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، لم يُجِزْ مِنْ (٥) عِتْق الذى أعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكينَ فى مَرَضِه، إِلَّا ثُلثَهم (٦). ولأنَّه تَبَرُّعٌ بمالٍ، أشْبَهَ الهِبَةَ، فإنْ أعْتَقَ أكثرَ من الثُّلثِ، لم يَجُزْ إِلَّا الثُّلثُ. فإِنْ أعْتَقَ عَبِيدًا فى مَرَضِه، واحِدًا بعدَ واحِدٍ، بُدِئَ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، حتَّى يُسْتَوْفَى الثُّلثُ. وإِنْ وَقَعَ العِتْقُ دُفْعَةً واحِدَةً، ولم يَخْرُجُوا مِن الثُّلُثِ، قُرِعَ (٧) بينَهم، فأُخْرِجَ (٨) الثُّلثُ بِالقُرْعَةِ. ومَسْألةُ الخِرَقِىِّ فيما إذا وَقَع العِتْقُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، ولم يكُنْ له مالٌ سِواهُم. وأمّا إِنْ دَبَّرَهم، اسْتَوَى المُقَدَّمُ والمُؤَخّرُ مِنهم؛ لأنَّ التَّدْبيرَ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، وهو الموْتُ، والشَّرْطُ إذا وُجِدَ ثَبَتَ المشْروطُ (٩) فى وَقْتٍ واحِدٍ، وكذلك المُوصَى بِعِتْقِه، يَسْتَوى هو والتَّدْبيرُ؛ لأنَّ الجميعَ عِتْق بعدَ الموْتِ، فمتى أعْتَقَ ثَلاثةَ أعْبُدٍ مُتَساوِين فى القِيمَةِ، هم جميعُ مالِه، دُفْعَةً واحِدَةً، أو دَبَّرَهم، أو وَصَّى بِعِتْقِهم، أو دَبَّرَ بعضَهم ووَصَّى بِعِتْقِ باقِيهم، ولم يُجِزِ الوَرَثَةُ أكثرَ من الثُّلثِ، قُرِعَ (٧) بينهم بسَهْمِ حُرّيَةٍ وسَهْمَىْ رِقٍّ، فمَنْ خَرَجَ له سَهْمُ الحُرِّيَّةِ، عَتَقَ ورَقَّ صاحباه. وبهذا قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبانُ بن عُثمانَ، ومَالِكٌ، والشَّافِعىُّ، وإسْحاقُ، وداودُ، وابْنُ جَرِيرٍ. وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ مِن كلِّ واحدٍ ثُلثُه، ويُسْتَسْعَى فى باقِيهِ. ورُوِىَ نحوُ هذا عن سَعيدِ بن المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وتَتادَةَ، وحَمَّادٍ؛ لأَنَّهم تَساوَوا فى سببِ الاسْتِحْقاقِ، فيَتَساوَونَ فى الاسْتِحْقاقِ، كما لو كان يَمْلِكُ ثُلثَهم وَحْدَه، وهو ثُلثُ مالِه، أو كما لو وَصَّى بكُلِّ واحدٍ منهم لرجلٍ. وأَنْكَرَ أصْحابُ أبى حنيفةَ القُرْعَةَ، وقالوا: هى مِنَ القِمَارِ وحُكْمِ الجاهِليَّةِ. ولَعَلَّهم يَرُدُّونَ الخبرَ الوارِدَ فى هذه المسْأَلَةِ؛ لمُخالَفَتِه (١٠) قياسَ الأُصولِ (١١). وذُكِرَ الحديثُ لِحمَّادٍ، فقال: هذا قولُ الشَّيخِ -يَعْنِى إِبْليسَ- فقال له محمدُ بنُ ذَكْوانَ: وُضِعَ القَلَمُ عَن ثَلاثَةٍ؛ أَحَدُهم المجْنونُ حتَّى يُفيقَ -يَعْنِى إنَّكَ (١٢)

стр. 7727

مَجْنونٌ- فقال له حَمّادٌ: ما دَعاك إِلى هذا؟ فقال له محمدٌ: وأنتَ، ما (١٣) دَعاك إلى هذا؟ وهذا قَليلٌ فى جوابِ حَمَّادٍ، وكان حَرِيًّا أَنْ يُسْتَتابَ عن هذا، فإنْ تابَ وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه (١٤). ولَنَا، ما رَوَى عِمْرانُ بنُ الحُصَيْنِ، أَنَّ رجلًا مِن الأَنْصارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ فى مَرَضِه، لا مالَ له غيرُهم، فَجزَّأَهم رسولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أجْزاءٍ، فأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وأَرَقَّ أرْبعةً. وهذا نَصٌّ فى مَحلِّ النِّزاعِ، وحُجَّهٌ لَنا فى الأَمْرَيْنِ المُخْتَلَفِ فيهما، وهما جَمْعُ (١٥) الحُرِّيَّةِ واسْتِعمالُ (١٦) القُرْعَةِ، وهو حَديثٌ صَحيحٌ ثابِتٌ، رَواه مُسْلِمٌ، وأبو دَاودَ، وسَائِرُ أَصْحابِ السُّنَنِ. ورَواه عَن عِمْرانَ [بْنِ الحُصَيْنِ] (١٧) الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وأبو المُهَلَّبِ، ثلاثَةُ أئِمَّةٍ. ورَوَاه الإِمامُ أحمدُ (١٨)، عن إِسحاقَ بنِ عِيسَى، عن هُشَيْمٍ، عنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عن أبى قِلَابَةَ، عن أبى زيدٍ الأَنْصَارِىِّ، عن النَّبِىِّ ﷺ . قال (١٩) أحمدُ: أبو زيدٍ الأَنْصَارِىُّ رجلٌ مِن أَصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ . ورُوِىَ نحوُه عن أبى هُريرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ (٢٠). ولأنَّه حَقٌّ فى تَفْريقِه ضَرَرٌ، فَوَجَبَ جَمْعُه بِالقُرْعَةِ، كقِسْمَةِ الإِجْبارِ إِذا طَلَبَها أحدُ الشُرَكَاءِ (٢١)، ونَطِيرُه مِن القِسْمَةِ ما لو كانتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، لأحَدِهما ثُلثُها، ولِلآخَرِ ثُلثاها، وفيها ثلاثةُ مَساكِنَ مُتساوِيَةٌ، لا ضَرَرَ فى قِسْمَتِها، فطَلَبَ أَحَدُهما القِسْمَةَ (٢٢)، فَإِنَّه يُجْعَلُ كُلُّ بَيْتٍ سَهْمًا، ويُقرَعُ بينَهم بثلاثةِ أسْهُمٍ؛ لصاحبِ الثُّلُثِ سَهْمٌ، ولِلْآخَرِ سَهْمانِ. وقَوْلُهم: إِنَّ الخبرَ يُخالِفُ (٢٣) قياسَ

стр. 7728

الأُصولِ. نَمْنَعُ ذلك، بل هو مُوافِقٌ له؛ لِما ذَكَرْناه. وقياسُهم فاسِدٌ؛ لأَنَّه إِذا كان مِلْكُه (٢٤) ثُلثَهم وَحْدَه، لم يُمْكِنْ جَمْعُ نَصِيبِه (٢٥)، والوَصِيَّةُ (٢٦) لا ضَرَرَ فى تَفْريقِها، بخِلافِ مَسْألتِنا. وإِنْ سَلَّمْنا مُخالَفَتَه قِياسَ الأُصولِ، فقَوْلُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ واجِبُ الاتِّباعِ، سَواءٌ [وافَقَ القِياسَ] (٢٧) أَو خَالَفَه؛ لأَنَّه قَوْلُ المعْصومِ، الذى جَعَلَ اللَّهُ تَعَالى قَوْلَه حُجّةً على الخلْقِ أَجْمعين، وأَمرَنا باتِّباعِه وطاعَتِه، وحَذَّرَ العِقابَ فى مُخالَفةِ أَمْرِه، وجَعَلَ الفَوْزَ فِى طاعَتِه، والضَّلالَ فى مَعْصِيَتِه، وتَطرُّقُ الخَطَأِ إِلى القَائِسِ (٢٨) فى قِياسِه، أغْلَبُ مِن تَطرُّقِ الغَلَطِ (٢٩) إلى أصْحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ والأئِمَّةِ بَعْدَهم فى رِوَايتهِمْ، على أنَّهم قد خالَفْوا قياسَ الأُصولِ بأحادِيثَ ضَعِيفةٍ، فأَوْجَبُوا الوُضُوءَ بالنَّبِيذِ فِى السَّفَرِ دُونَ الحضَرِ، ونَقَضُوا الوُضوءَ بِالْقَهْقَهَةِ فى الصَّلاةِ دُونَ خَارِجِها؛ وقَوْلُهم فى مَسْأَلَتِنا فى مُخالَفةِ (٣٠) القياسِ والأُصولِ، أشَدُّ وَأعْظَمُ، والضَّرَرَ فى مذهبِهم أعْظَمُ؛ وذلك لأنَّ الإِجْماعَ مُنْعَقِدٌ على أَنَّ صاحبَ الثُّلثِ فى الوَصِيَّةِ وما فى مَعْناها، لا يَحْصُلُ له شىءٌ حتَّى يَحْصُلَ للْوَرَثَةِ مِثْلاهُ، وفى مَسْألَتِنا يَعْتِقُون الثُّلثَ، ويَسْتَسْعُونَ العَبِيدَ (٣١) فى الثُّلثَيْن، فلا يَحْصُلُ للوَرَثةِ شىءٌ فى الحالِ أَصْلًا، ويُحِيلونَهم على السِّعايَةِ، وربَّما لا يَحْصُلُ منها شىءٌ أصْلًا، وربَّما لا يَحْصُلُ منها فى الشَّهْرِ (٣٢) إِلَّا دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهمانِ، فيكونُ هذا فى حُكْمِ مَن لم يَحْصُلْ له شىءٌ، وفيه ضَرَرٌ على العَبِيدِ؛ لأنَّهم يُجْبِرونَهم على الكَسْبِ والسِّعايَةِ، عن غيرِ اخْتيارٍ منهم، وربَّما كان الْمُجْبَرُ على ذلك جارِيَةً، فيَحْمِلُها ذلك على البِغاءِ، أو عَبْدًا، فيَسْرِقُ أو يَقْطعُ الطَّرِيقَ، وفيه ضَرَرٌ على المَيِّتِ، حيثُ (٣٣) أفْضَوْا بوَصِيَّتِه إلى

стр. 7729

الظُّلْمِ والإِضرارِ، وتَحْقيقِ ما يُوجبُ له العِقابَ مِن رَبِّه، والدُّعاءَ عليه مِن عَبِيدِه ووَرَثُتِه. وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، فى الحديثِ الذى ذَكَرْناه فى حَقِّ الذى فَعَلَ هذا، قال: "لَوْ شَهِدْتُه لَمْ يُدْفنْ فِى مَقَابِرِ الْمُسْلمِينَ" (٣٤). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: فى قَوْلِ الكُوفِيِّين ضُروبٌ مِنَ الخطَأ والاضْطِرابِ، مع مُخالَفةِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ. وأشارَ إلى ما ذَكَرْناه. وأمَّا إنْكارُهم للقُرْعَةِ (٣٥)، فقد جاءتْ فى الكتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٣٦). وقال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٣٧). وأمَّا السُّنَّةُ، فقال أحمدُ: فى القُرْعَةِ خَمْسُ سُنَنٍ؛ أَقْرَعَ بينَ نِسائِه (٣٨). وأَقْرَعَ فِى سِتَّةِ مَمْلُوكِينَ. وقال لِرَجُلَيْنِ: "اسْتَهِمَا" (٣٩). وقال: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ والْمُدَاهِنِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ" (٤٠). وقال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِى النِّدَاءِ والصَّفِّ الأَوَّلِ، لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" (٤١). وفى حديثِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ صَفِيَّةَ جَاءتْ بِثَوبيْنِ؛ لِيُكَفَّنَ فيهما حَمْزَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فوَجَدْنا إلى جَنْبه قَتِيلًا، فقُلْنا: لِحمزةَ ثَوْبٌ، ولِلأَنْصَارِىِّ ثَوْبٌ. فَوَجَدْنا أحَدَ الثَّوبيْنِ أوْسَعَ مِنَ الآخَرِ، فَأقْرَعْنَا عَليهما، ثمَّ كَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ فى الثَّوْبِ الذى صَارَ له (٤٢). وتَشاحَّ النَّاسُ يومَ القَادِسيَّةِ فى الأذَانِ، فأقْرَعَ بينَهم سَعْدٌ (٤٣). وَأَجْمَعَ العُلَماءُ على اسْتِعْمالِها فى القِسْمَةِ، ولا أَعلَمُ بينَهم خِلافًا فى أَنَّ الرجلَ يُقْرِعُ بينَ

стр. 7730

نِسائِه [إذا أَرادَ السَّفَرَ] (٤٤) بإحْداهُنَّ، وإذا أَرادَ البِدَايةَ بالقِسْمَةِ بينَهُنَّ، وبينَ الأَولياءِ إِذا تَساوَوا وتَشاحُّوا فى مَن [يتولّى التَّزْوِيجَ] (٤٤)، أو مَنْ (٤٥) يتولَّى اسْتيفاءَ القِصاصِ، وأشباهِ هذا. فصل: فى كيفيَّة القُرْعة، قال أحمدُ: قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: يُقْرَعُ بينَهم بالْخواتِيمِ. أقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فى ثَوْبٍ، فأَخْرَجَ خاتِمَ هذا وخاتِمَ هذا ثمَّ قال: يَخْرُجُونَ بالخَواتيمِ، ثمَّ تُدْفَعُ إلى رجلٍ، فيُخْرِجُ منها واحِدًا. قال أحمدُ: بأىّ شىءٍ خَرَجَتْ مِمَّا يَتَّفقانِ عليه، وَقَعَ الْحُكْمُ بِه، سَواءٌ كان رِقاعًا أو خَواتِيمَ. قال أصحابُنا المُتأخرون: الأَوْلَى أن يَقْطَعَ رِقاعًا صِغارًا مُتساوِيَةً، ثمَّ تُلْقَى فِى حِجْرِ رجلٍ لم (٤٦) يَحْضُرْ، أو يُغَطَّى عليها بِثَوْبٍ، ثمَّ يُقالَ له: أَدخِلْ يَدَكَ، وأخْرِجْ بُنْدُقَةً (٤٧). فيَفُضُّها (٤٨)، ويَعْلَمُ ما فيها. وهذا قولُ الشَّافِعىِّ. وفى كَيْفِيَّةِ القُرْعَةِ والعِتْقِ سِتُّ مَسائِلَ؛ أَحَدُها، أَنْ يَعْتِقَ عَددًا مِنَ العَبِيدِ، لهم ثُلثٌ صحيحٌ. كثلاثةٍ أو سِتَّةٍ أو تِسْعَةٍ، وقِيمَتُهم مُتَساوِيةً، ولا مالَ له غيرُهم، فيُجَزَّأُون (٤٩) ثلاثةَ أجْزاءٍ، جُزْءًا للحُرّيَّةِ، وجُزْأَيْنِ للرِّقِّ، وتُكْتَبُ ثلاثُ رِقاعٍ، فى واحِدَةٍ حُرِّيَّةٌ، وفى اثْنَيْنِ رِقٌّ، ويُتْرَكُ فى ثلاثةِ بَنَادِقَ، وتُغَطَّى بِثَوْبٍ، ويُقالُ لِرَجُلٍ لم يَحْضُرْ: أخْرِجْ على اسْمِ هذا الجُزْءِ. فإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ، عَتَقَ، ورَقَّ الجُزْءانِ الآخَرانِ، لماإنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ رِقٍّ، رَقَّ، وأُخْرِجَتْ أُخْرَى على جُزْءٍ آخَرَ، فإِنْ خَرَجَتْ رُقْعَةُ الحُرِّيَّةِ، عَتَقَ، ورَقّ الْجُزْءُ الثَّالِثُ، وإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَة الرِّقِّ، رَقَّ، وعَتَقَ الْجُزْءُ الثَّالِثُ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ تَعَينَّتْ فيهم. وإِنْ شِئْتَ كَتَبْتَ اسْمَ كُلِّ جُزْءٍ فى رُقْعَةٍ، ثمَّ أَخْرَجْتَ رُقْعَةً على الحُرِّيَّةِ، فإِذا أخْرَجْتَ (٥٠) رُقْعَةً [على الحُرِّيَّةِ] (٥١). عَتَقَ المُسَمَّوْنَ فيها، ورَقَّ الباقونَ، وإِنْ أخْرَجْتَ (٥٠) رُقْعَةً على الرِّق، رَقَّ المُسَمَّوْنَ فيها، ثمَّ تُخْرِجُ أُخْرَى

стр. 7731

على الرِّقِّ، فيَرِقُّ المُسَمَّوْنَ فيها، ويَعْتِقُ الجُزْءُ الثَّالِثُ، وإِنْ أَخْرَجْتَ الثَّانِيةَ على الحُرِّيَّةِ، عَتَقَ المُسَمَّوْنَ منها، ورَقَّ (٥٢) الثَّالِثُ. المسألةُ الثَّانيةُ، أن تُمْكِنَ قِسْمَتُهم أَثْلاثًا، وقِيَمَهُم (٥٣) مُخْتَلِفَةٌ، يُمْكِنُ تَعْدِيلُهم بالقِيمَةِ، كسِتَّةٍ؛ قِيمةُ اثْنَيْن منهم ثلاثةُ آلافٍ [ثلاثةُ آلافٍ] (٥٤)، وقِيمةُ اثنَيْنِ أَلْفانِ ألْفانِ (٥٥)، وقيمَةُ اثْنَيْنِ أَلْفٌ أَلْفٌ، فيَجْعَلُ الاثْنَيْنِ الأوْسَطَيْنِ جُزْءًا (٥٦)، ويَجْعَلُ اثْنَيْنِ قِيمَةُ أحَدِهما ثلاثُة آلافٍ مع آخَرَ قِيمَتُه ألفٌ جُزْءًا، والآخَران جُزْءًا (٥٧)، فيكونون ثَلاثةَ أجْزاءَ مُتَساوِيَةٍ فى العَدَدِ والقِيمَة، على ما قَدَّمْناه فى المسألة الأُولَى. قِيلَ لأحمدَ: لم (٥٨) يسْتَوُوا فى القِيمَةِ؟ قال: يُقَوَّمُون بالثَّمَنِ. المسألةُ الثَّالثة، يكونُون مُتَساوِينَ فى العَدَدِ مُخْتلفِينَ فى القِيمَةِ، ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بين تَعْدِيلِهم بالعَدَدِ والقِيمَةِ معًا، ولكنْ يُمْكِنُ تَعْدِيلُهم بكلِّ (٥٩) واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا، كسِتَّةِ أعْبُدٍ، قِيمَةُ أحَدِهم ألْفٌ، وقِيمَةُ اثْنَيْنِ ألفٌ، وقِيمَةُ ثلاثةٍ ألفٌ، فإِنَّهم يُعَدَّلُونَ بالقِيمَةِ دون العَدَدِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا كانت قِيمةُ واحدٍ مثلَ اثنَيْنِ، قُوِّمَ؛ لأَنَّه لا يجوزُ أن يَقَعَ العِتْقُ فى أكثرَ من الثُّلثِ ولا أقَلَّ، وفى قِسْمَتِهِم بالعَدَدِ تَكْرارُ القُرْعةِ، وتَبْعِيضُ العِتْقِ حتَّى يَكْمُلَ الثُّلثُ، فكان التَّعْدِيلُ بالقِيمَةِ أَوْلَى. بَيانُ ذلك، أَنَّنا لو جَعَلْنا معَ (٦٠) الذى قِيمَتُه ألْفٌ آخَرَ، فخَرَجَتْ قُرْعةُ الحُرِّيَّةِ لهما، احْتَجْنا أن نُعِيدَ القُرْعةَ بينَهما، فإذا خَرَجَتْ على القليلِ القِيمَةِ، عَتَقَ، وعَتَقَ (٦١) مِن الذى قِيمَتُه ألفٌ تَمامُ الثُّلثِ. وإن وقَعَت قُرْعةُ الحُرِّيَّةِ على اثنَيْنِ، قِيمَتُهما دونَ الثُّلثِ، عَتَقَا، ثمَّ أُعِيدَتْ (٦٢) لتَكْمِيلِ

стр. 7732

الثُّلثِ، فإذا وقَعَتْ على واحدٍ، كَمَلَتِ الحُرِّيَّةُ منه، فحَصَلَ ما ذكرْناه من التَّبْعِيضِ والتَّكْرارِ، ولأنَّ قِسْمَتَهم بين المشْتركِينَ فيهم (٦٣)، [إنَّما يُعَدَّلُونَ فيها بالقِيمَةِ] (٦٤) دون الأَجْزاءِ، فعلى هذا يَجْعَلُ الذى قِيمَتُه ألفٌ جُزْءًا، والاثْنَيْنِ اللَّذَينِ قيمَتُهما ألفٌ جُزْءًا، والثَّلاثَةَ الباقين جُزْءًا، ثمَّ يُقْرِعُ بينَهم، على ما ذكَرْنا. المسألةُ الرابعة، أمْكَن تَعْدِيلُهم بالقِيمَةِ دونَ العَدَدِ، كسبعةٍ قِيمَةُ أحَدِهم (٦٥) ألفٌ، وقِيمَةُ اثنَيْنِ ألفٌ، وقيمةُ أربعةٍ ألفٌ، فيُعَدّلُونَ بالقِيمَةِ دونَ العَدَدِ، كما ذكرْنا. المسألةُ الخامسةُ، أمْكَن تَعْدِيلُهم بالعَدَدِ دون القِيمَةِ، كسِتَّةِ أعْبُدٍ، قِيمَةُ اثنَيْنِ ألفٌ، وقيمةُ اثنينِ سَبْعُمائةٍ، وقيمةُ اثنينِ خَمْسُمائةٍ، فههُنا يُجَزِّئُهُم بالعَدَدِ؛ لتَعَذُّرِ تَجْزِئَتِهم بالقِيمَةِ، فيَجْعَلُ كلَّ اثنَيْنِ جزءًا، ويَضُمُّ كلَّ واحدٍ ممَّن قِيمَتُهما قليلةٌ إلى واحدٍ ممَّن قيمَتُهما كثيرةٌ، ويَجْعَلُ المُتَوَسِّطَيْن جزءًا، ويُقرِعُ بينَهم، فإِنَّ وقَعَتْ قُرْعةُ الحُرِّيَّةِ على جُزءٍ قِيمتُه أكثرُ من الثُّلثِ، أُعِيدَتِ القُرْعةُ بينَهما، فيَعْتِقُ مَنْ [تَقَعُ له] (٦٤) قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ، ويَعْتِقُ من الآخَرِ تَتِمَّةُ (٦٦) الثُّلثِ، ورَقَّ باقِيه والباقُون، وإن وقَعتِ الحُرِّيَّةُ على جُزْءٍ أقلَّ من الثُّلثِ، عَتَقَا جميعًا، ثمَّ يَكْمُلُ الثُّلثُ من الباقِينَ بالقُرْعةِ. المسألةُ السادسةُ، لم يُمْكِنْ تَعْدِيلُهم بالعَدَدِ ولا القِيمَةِ، كخَمْسةِ أعْبُدٍ، قِيمَةُ أحدِهم ألفٌ، واثْنان ألْفٌ، واثْنان ثلاثةُ آلافٍ، احْتَمَلَ أَنْ يُجَزِّئَهم ثلاثَةَ أجْزاءٍ، فيَجْعلَ أحَدَهم (٦٧) أَكْثَرَهم قِيمةً (٦٨) جُزْءًا، ويَضُمَّ إلى الثانِى (٦٩) أقَلَّ الباقِينَ قِيمةً، ويَجْعَلَهما جُزْءًا والباقِينَ جزْءًا، ويُقْرِعَ بينهم بسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وسَهْمَىْ رِقٍّ؛ لأنَّ هذا أقْرَبُ إلى ما فَعَلَه النَّبِىُّ ﷺ ، ويُعَدِّلَ الثُّلثَ بالقِيمَةِ على ما تقدَّم، واحْتَمَلَ أن لا يُجَزِّئَهم، بل تُخْرَجُ القُرْعَةُ على واحدٍ واحدٍ (٧٠)، حتَّى يَسْتَوْفِىَ الثُّلثَ، فيكتبَ خَمْسَ

стр. 7733

رِقَاعٍ بأسمائِهم، ثمَّ يُخْرِجُ رُقْعةً على الحُرِّيَّةِ، فمَن خَرَجَ اسمُه فيها عَتَقَ، ثمَّ يُخْرِجُ الثانيةَ، فمَن خرجَ اسمُه فيها عَتَقَ منه تَمامُ الثُّلثِ. وإن كانوا ثمانيةً قِيمَتُهم سَواءٌ، ففيهم ثلاثةُ أوْجُهٍ، أحدُها، أن يَكْتُبَ ثَمانِىَ رِقاعٍ بأسْمائِهم، ثمَّ يُخْرِجَ على الحُرِّيَّةِ رُقْعةً بعدَ أُخْرَى، حتَّى يَسْتَوْفِىَ الثُّلثَ. والثانى، أن يُجَزِّئَهم أربعةَ أجزاء، ثمَّ يُقرِعُ بينَهم بسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وثَلاثةِ رقٍّ، فمَن خرجَ له سهمُ الحُرِّيَّةِ عَتَقَ، ثمَّ يُقْرِعُ بين السِّتَّةِ بسهمِ حُرِّيَّةٍ وسَهْمَىْ رِقٍّ، فمَن خرجَ له سهمُ الحُرِّيَّةِ، أُعِيدَتْ بينهما، فمَن خرَج له سهمُ الحُرِّيَّةِ كَمَّلَ الثُّلثَ منه. والثالث، أن يُجَزِّئَهم ثلاثةَ أجْزاءٍ، ثلاثةٌ وثلاثةٌ واثنانِ، ويُقْرِعَ بينَهم بسهمِ حُرِّيَّةٍ وسهمَىْ رِقٍّ، فإِنَّ خرَج سهمُ الحُرِّيَّةِ للاثْنَيْنِ عَتَقَا، وكمَّل الثُّلثَ بالقُرْعةِ من الباقِينَ، وإن خرَجتْ لثلاثةٍ، أقْرَعَ بينهم بسَهْمِ [حُرِّيَّةٍ وسَهْمَىْ رِقٍّ] (٧١). ذَكَرَ هذين الوَجْهينِ الآخَرَيْنِ أبو الخَطَّابِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، فى خمسةٍ أو أربعةٍ، يَجْعَلُ أَكْثَرَهم قِيمةً مَكانَ اثنَيْنِ، إن كانا (٧٢) قِيمَتَه، وإلَّا أقْرَعَ بين ثلاثةٍ قِيمَتُهم واحدةٌ، ثمَّ يُقْرِعُ بين الذى بَقِىَ والذى تُصِيبُه القُرْعةُ، ينْظُرُ ما بَقِىَ من قِيمَتِه من الثُّلثِ، فيَعْتِقُ (٧٣) بحِصَّتِه (٧٤)، فإنْ كان جميعُ مالِه عَبْدَيْنِ، أقْرَعْنا بينهما بسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وسهمِ رِقٍّ، على كلِّ حالٍ. فصل: وإن كان [للمُعْتِقِ مالٌ] (٧٥) غيرَ العَبِيدِ (٧٦)، مِثْلَا قِيمَةِ العَبِيدِ أو أكثرُ، عَتَقَ العَبِيدُ كلُهم، [بخروجِهم كلِّهم] (٧٧) من الثُّلثِ، وإن كان أقَلَّ من مِثْلَيْهِم، عَتَقَ من العَبِيدِ (٧٦) قَدْرُ ثُلثِ المالِ كلِّه، فإذا كان العَبِيدُ (٧٨) نِصْفَ المالِ، عَتَقَ ثُلثاهُم، وإن كانُوا (٧٩) ثُلثَى المالِ، عَتَقَ نِصْفُهم، وإن كانوا ثلاثةَ أرْباعِه، عَتَقَ أرْبَعةُ أتْساعِهِم (٨٠)،

стр. 7734

وطَرِيقهُ أن تَضْرِبَ قِيمةَ العَبِيدِ (٨١) فى ثلاثةٍ، ثمَّ تَنْسِبَ إليه مَبْلغَ التَّركَةِ، فما خَرَجَ بالنِّسْبةِ عَتَقَ من العَبِيدِ مثلُها، فإذا كان قِيمةُ العَبِيدِ (٨١) ألفًا، وباقِى التَّركِةِ ألفٌ، ضَرَبْتَ قِيمةَ العَبيدِ (٨١) فى ثلاثةٍ، تكُنْ ثلاثةَ آلافٍ، ثمَّ تَنْسِبُ إليها الألْفَيْنِ، تكُنْ ثُلثَيْها، فيَعْتِقُ ثُلثاهُم. وإن كان قيمةُ العَبِيدِ (٨١) ثلاثة آلافٍ، وباقِى التَّركِةِ ألفٌ، ضَرَبْتَ قِيمَتَهم فى ثلاثةٍ، تكُنْ تِسْعةَ آلافٍ، وتَنْسِبُ إليها التَّرِكَةَ كلَّها، تكُنْ أربعةَ أتْساعِها. وإن كان قِيمَتُهم أربعة آلافٍ، وباقِى التَّركِةِ ألفٌ، ضَرَبْتَ قِيمَتَهم فى ثلاثةٍ، تكُن اثْنَىْ عَشَرَ ألْفًا، وَنسَبْتَ إليها خمسةَ آلافٍ، تكُنْ رُبْعَها وسُدسَها، فيَعْتِقُ مِن العَبِيدِ رُبْعُهم وسُدسُهم. فصل: وإِنْ كان على المَيِّتِ دَيْنٌ يُحِيطُ بالتَّركِةِ، لم يَعْتِقْ منهم شىءٌ. وإِنْ كان يُحِيطُ ببعضِها، قُدِّمَ الدَّيْنُ؛ لأنَّ العِتْقَ وَصِيّةٌ، وقد قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ أَنَّ الدَّيْنَ قبلَ الوَصِيَّةِ (٨٢). ولأنَّ قَضاءَ الدَّينِ واجِبٌ، وهذا تَبَرُّعٌ، وتَقْدِيمُ الواجبِ مُتَعَيّنٌ. وإن كان الدَّيْنُ بقَدْرِ نِصْفِ العَبِيدِ، جُعِلُوا جُزْأَيْنِ مُعَيَّنَيَنِ (٨٣)، كتِبَتْ رُقْعَتانِ؛ رُقْعَةٌ للدَّيْنِ، ورُقْعَةٌ للتَّركِةِ، وتُخْرَجُ واحدةٌ منهما على أحَدِ الجُزْأينِ، فمَن خرَجتْ عليه رُقْعَةُ الدَّينِ بِيعَ فيه، وكان الباقِى من (٨٤) جَمِيعِ التَّركِةِ يَعْتِقُ ثُلثُهم بالقُرْعَةِ، على ما تقدَّم. وإن كان الدَّيْنُ بقَدْرِ ثُلثِهم (٨٥)، كُتِبَتْ ثلاثُ رِقاعٍ؛ رُقْعَةٌ للدَّيْنِ، واثْنتان للتَّركِةِ. وإن كان بقَدْرِ رُبْعِهم، كُتِبَ أرْبَعُ رِقاعٍ؛ رُقْعَةٌ للدَّينِ، وثلاثةٌ للتَّركِةِ، ثمَّ يُقْرَعُ بينَ مَن خرَجتْ له رِقاعُ التَّركِةِ. وإن كُتِبَ رُقْعَةٌ للدَّينِ، ورُقْعَةٌ للحُرِّيَّةِ، ورُقْعتانِ للتَّركِةِ، جاز. وقيل: لا يجوزُ؛ لئلَّا تخْرُجَ رُقْعَةُ الحُرِّيَّةِ قبلَ قَضاءِ الدَّيْنِ. [والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّه إنَّما يُمْنَعُ من العِتْقِ قَبلَ قضاء الدَّيْنِ] (٨٦) إذا لم يكُنْ له وَفاءٌ، فأمَّا إذا كان له وَفاءٌ، لم يُمْنَعْ منه، بدليلِ ما لو كان العِتْقُ فى أَقَلَّ من ثُلثِ الباقِى بعدَ وَفَاءِ الدَّينِ، فإنَّه لا يُمْنَعُ من العِتْقِ قبلَ وَفائِه (٨٧). فصل: وإذا أعْتَقَ فى مَرَضِ مَوْتِه ثلاثةً لا يَمْلِكُ غيرَهم، أو واحدًا منهم غيرَ

стр. 7735

مُعَيَّنٍ (٨٨)، فمات أحدُهم، أقْرَعْنا بينَ المَيِّتِ والأحْياءِ، فإِنَّ وقَعَتْ على المَيِّتِ، حَسَبْناه من التَّركِةِ، وقَوَّمْناه حينَ الإِعْتاقِ، سَواءٌ مات فى حياةِ سَيِّدِه، أو بعدَه قبلَ القُرْعةِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: إن مات قبلَ مَوْتِ (٨٩) سَيِّدِه، أَقْرَعْنا بين الحَيَّيْنِ (٩٠)؛ لأنَّهما جميعُ التَّركةِ، ولهذا لا يَعْتِقُ إِلَّا ثُلثُهما، ولا يُعْتَبَرُ المَيِّتُ؛ لأَنَّه ليس بمَحْسُوبٍ من التَّركَةِ، ولهذا (٩١) لو أعْتَقَ الحَيَّيْنِ بعدَ مَوْتِه، لأعْتَقْنا ثُلثَهما. ولَنا، أَنَّ المَيِّتَ أحدُ المُعْتَقِينَ، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينَه وبينَهم، كما لو مات بعدَ سَيِّدِه، ولأنَّ المَقْصُودَ تَكْمِيلُ الأَحْكامِ، وحُصُولُ ثَوابِ العِتْقِ، ويَحْصُلُ هذا فى المَيِّتِ، فوَجَبَ أن يَدْخُلَ فى القُرْعَةِ، كما لو مات بعدَ سَيِّده. فأمَّا إن وقَعَتِ القُرْعَةُ على الحَىِّ، نَظَرْنا فى الحَىِّ؛ فإن كان المَيِّتُ مات قبلَ مَوْتِ السَّيِّدِ (٩٢)، أو بعدَه قبلَ قَبْضِ الوارِثِ له، لم نَحْسُبْه من التَّركِةِ؛ لأَنَّه لم يَصِلْ إلى الوارثِ، فتكونُ التَّركِةُ الحَيَّيْنِ (٩٣)، فيُخْرَجُ ثُلثُهما ممَّن وقَعَتْ عليه القُرْعةُ، وتُعْتَبرُ قِيمَتُه (٩٤) حينَ الإِعْتاقِ؛ لأَنَّه حينُ الإتْلافِ (٩٥)، وتُعْتَبرُ قِيمةُ التَّرِكةِ بأَقلِّ الأمْرَيْنِ من حينِ الموتِ إلى حينِ قَبْضِ الوارثِ؛ لأَنَّ الزِّيادةَ فائدةٌ تجَدَّدَتْ على مِلْكِ الوارثِ، فلا تُحْسَبُ عليه من التَّركِةِ، والنُّقْصانُ قبلَ القَبْضِ لم يَحْصُلْ له، ولم يَنْتَفِعْ به، فأشْبَهَ الشَّارِدَ والآبِقَ، وإنَّما يُحْسَبُ عليه ما حَصَلَ فى يَدِه، ولا يُحْسَبُ المَيِّتُ من التَّركِةِ؛ لأَنَّه ما وَصَلَ إلى الؤَرَثةِ فيُكَمِّلُ ثُلثُ الحَيَّيْنِ (٩٠) ممَّن وقَعَتْ عليه القُرْعَةُ. وإِنْ كان مَوْتُه بعدَ قَبْض الوَرثةِ، حُسِبَ من التَّركِةِ؛ لأَنَّه وصَلَ إليهم، وجَعَلْناه كالحَىِّ، فى تَقْويمهِ معَهم، والحكُم بإعْتاقِه إن وقَعَتْ عليه القرعةُ، أو من الثُّلثَيْنِ إن وقَعتِ القُرْعَةُ على غيرِه، وتُحْسَبُ قِيمَتُه أقَلّ الأَمْرَيْنِ من حينِ مَوْتِ سيِّدِه إلى حينِ قَبْضِه. ونحوَ هذا قال الشَّافعىُّ.

стр. 7736

فصل: وإن (٩٦) دَبَّرَ الثَّلاثةَ، أو وَصَّى بعِتْقِهم، فمات أخَدُهم فى حَياتِه، بَطَلَ تَدْبيرُه، والوَصِيّةُ فيه، وأَقرِعَ بين الحَيَّيْنِ (٩٧)، فأُعْتِقَ من أحدِهما ثُلثُهما؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يُمْكَنُ الحُكْمُ بوقوعِ العِتْقِ فيه؛ لكَوْنِه مات قبلَ الوقتِ الذى يَعْتِقُ فيه، وقبلَ أن يتَحَقَّقَ شَرْطُ العِتْقِ، بخلافِ التى قبلَها؛ فإِنَّ العِتْقَ حَصَلَ [من حينِ الإِعْتاقِ، وإنَّما القُرْعَةُ تُبَيِّنُه وتَكْشِفُه، ولهذا يُحْكَمُ بعتْقِه] (٩٨) من حينِ الإِعْتاقِ، حتَّى يكونَ كَسْبُه له، وحُكْمُه حُكْمُ الأحْرارِ فى سائرِ أحْوالِه. وإن مات المُدَبَّرُ بعدَ مَوْتِ سيِّدِه، أُقْرِعَ بينَه وبين الأحْياءِ؛ لأنَّه قد حَصَلَ العِتْقُ من حينِ مَوْتِ السَّيِّدِ. ١٩٥٨ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ قَالَ لَهُمْ فِى مَرَضِ مَوْتِهِ: أحَدُكُمْ حُرٌّ. أَوْ: كُلُّكُم حُرٌّ. وَمَاتَ، فَكَذَلِكَ) أَمَّا إذا قال لهم: كُلُّكُم حُرٌّ. فهى المسألةُ الَّتى تقَدَّمَتْ، وشَرَحْناها. وأمَّا إذا قال: أحدُكم حُرٌّ. فإنَّه يُقْرَعُ بينَهمْ، فيُخْرَجُ أحَدُهم بالقُرْعَةِ فيَعْتِقُ، ويَرِّقُّ الباقُون، وسَواءٌ كان للمَيِّتِ مالٌ سِوَاهم، أو لم يكُنْ، إذا كان يخْرُجُ من الثُّلثِ، وإن لم يخْرُجْ من [ثُلثِ المالِ] (١)، عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ. ولو كان المُعْتِقُ حَيًّا، ولم يَنْوِ واحدًا بعَيْنِه، لم يكُنْ له التَّعْيِينُ، وأُعْتِقَ أَحَدُهم بالقُرْعةِ. وإن قال: أَرْدْتُ واحدًا منهم (٢) بعَيْنِه. [قُبِلَ منه] (٣)، وَتَعَينتِ الحُرِّيَّةُ فيه. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعىُّ: له تَعْيِينُ أحَدِهم، فيَعْتِقُ من عَيَّنَه، وإن لم يكُنْ نَوَاه حالةَ القَوْلِ، ويُطالَبُ المُعْتِقُ بالتَّعْيينِ، فإذا عَيَّنَ (٤) أحَدَهم تَعَيَّنَ (٥) اخْتِيارُه، ولم يَكُنْ لسائرِ العَبِيدِ الاعْتِراضُ عليه؛ لأنَّ له تَعْيِينَ العِتْقِ ابْتِداءً، فإذا أوْقَعَه غيرَ مُعَيَّنٍ، كان له تَعْيِينُه، كالطَّلَاقِ. ولَنا، أَنَّ مُسْتَحِقَّ العِتْقِ غيرُ مُعَيَّنٍ (٦)، فلم يَمْلِكْ

стр. 7737

تَعْيِينَه، كما لو أعْتَقَ الجميعَ فى مَرَضِه ولم يخْرُجُوا من الثُّلثِ، وكما لو أعْتَقَ مُعَيَّنًا ثمَّ نَسِيَه، والطَّلَاقُ كمَسْأَلَتِنا. فأمَّا إِنْ مات المُعْتِقُ ولمْ يُعَيِّن، فالحُكْمُ عندَنا لا يخْتلِفُ، وليس للوَرَثةِ التَّعْيِينُ، بل يُخْرَجُ المُعْتَقُ (٧) بالقُرْعةِ. وقد نَصَّ الشافعىُّ على هذا إذا قالوا: لا نَدْرِى أيَّهم أعْتَقَ. وقال أبو حنيفةَ: لهم التَّعْيِينُ؛ لأنَّهم يَقُومُونَ مَقامَ مَوْرُوثِهم. وقد سَبَقَ الكلامُ فى العِتْقِ (٨). فصل (٩): ولو أَعْتَقَ إحْدَى إمائِه، ثمَّ وَطِئَ إحْداهُنَّ، لم يتَعَيَّنِ الرِّقُّ فيها. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافعىُّ: يتَعَيَّنُ الرِّقُّ فيها. لأنَّ الحُرِّيَّةَ عندَه تتَعَيَّنُ بتَعْيينِه، ووَطْؤُه دليلٌ على تَعْيينِه. وقد سَبَقَ الكلامُ على هذا الأَصْلِ. ولأنَّ المُعْتَقةَ واحدةٌ، فلم تتَعَيَّنْ بالوطءِ، كما لو أعْتَقَ واحِدةً ثمَّ نَسِيَها. فصل: وإِنْ (١٠) أعْتَقَ واحدًا بعَيْنِه، ونَسِيَه، فقياسُ قولِ أحمدَ، أَنْ يَعْتِقَ أحَدُهم بالقُرْعَةِ. وهذا قولُ اللَّيْثِ. وقال الشَّافعىُّ: يَقِفُ الأَمْرُ حتَّى يَذْكُرَ، فإنْ مات قبلَ أن يتَبَيَّنَ، أقْرَعَ الورَثَةُ (١١) بينَهم. وقال ابنُ وَهْبٍ: يَعْتِقُونَ كُلُّهم. وقال مالكٌ: إِنْ أعْتَقَ عَبْدًا له ومات، ولم يُبَيِّنْ (١٢)، فكانوا ثلاثةً، عَتَقَ منهم بقَدْرِ ثُلثِهِم، وإن كانوا أربعةً، عَتَقَ منهم بقَدْرِ رُبع قِيمَتِهم. وعلى هذا، فيُقْرَعُ بينَهم، فإن خَرَجَتِ القُرْعةُ على مَنْ قِيمَتُه أقَلُّ من الرُّبعِ أُعِيدَتِ القُرْعةُ حتَّى تَكْمُلَ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن قال الشُّهودُ: نَشْهَدُ أَنَّ فُلانًا أَعْتَقَ أحَدَ عَبِيدِه، ولم يُسَمِّ. عَتَقَ ثُلثُ كلِّ واحدٍ منهم، وسَعَى فى باقِيه، أو رُبعُ كلِّ واحدٍ منهم إِنْ كانوا أرْبَعةً، وإن قالوا: نَشْهَدُ أن فُلانًا أعْتَقَ بعضَ عبِيدِه، ونَسِيناه. فشهادَتُهم باطِلَةٌ. ونحوُ هذا قولُ الشَّعْبِىِّ، والأوْزاعِىِّ، ولم يَذْكُرَا ما ذكَرَه أصْحابُ الرَّأْىِ فى الشّهادةِ. ولَنا، أَنَّ مُسْتَحِقَّ العِتْقِ غيرُ مُعَيَّنٍ (١٣)، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ جَمِيعَهم فى

стр. 7738

مَرَضِ مَوْتِه، فإنْ أُقْرِعَ بينَهم، فخرَجتِ القُرْعةُ لواحدٍ، ثمَّ قال المُعْتِقُ: ذَكَرْتُ أَنَّ المُعْتَقَ (١٤) غيرُه. ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يُرَدُّ الأوّلُ إلى الرِّقِّ، ويَعْتِقُ الذى عَيَّنَه؛ لأَنَّه تبَيَّنَ له المُعْتَقُ، فَانْعَتَقَ (١٥) دونَ غيرِه، كما لو لم يُقْرَعْ. والثانى، يَعْتِقانِ معًا. وهو قولُ اللَّيْثِ، ومُقْتَضَى قولِ ابنِ حامدٍ؛ لأنَّ الأَوَّلَ ثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ فيه بالقُرْعةِ، فلا تزولُ، كسائرِ الأحْرارِ، ولأنَّ قولَ المُعْتِقِ: ذكَرْتُ مَنْ كنتُ نَسِيتُه. يتَضَمَّنُ إقْرارًا عليه بحُرِّيَّةِ مَنْ ذكَره، وإقْرارًا على غيرِه، فقُبِلَ إقْرارُه على نَفْسِه، ولم يُقْبَلْ على غيرِه. وأمَّا إذا لم يُقْرَعْ، فإنَّه يُقْبَلُ قولُه، فيَعْتِقُ مَنْ عَيَّنَهَ، ويَرِقُ غيرُه، فإذا قال: أعْتَقْتُ هذا. عَتَقَ، ورَقَّ الباقُونَ، وإن قال: أعْتَقْتُ هذا، لا بل هذا. عَتَقَا (١٦) جميعًا؛ لأَنَّه أقَرَّ بعِتْقِ الأوَّلِ فلَزِمَه، ثمَّ أقَرَّ بعِتْقِ الثَّانى فلَزِمَه، ولم يُقْبَلْ رُجوعُه عن إقْرارِه الأوَّل. وكذلك الحكمُ فى إقْرارِ الوَارِثِ. ١٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَلَك نِصْفَ عَبْدٍ، فدَبَّرَه أو أَعْتَقَه فِى مَرَضِ مَوْتِهِ، فعَتَقَ (١) بِمَوْتِهِ، وكَانَ ثُلُثُ مَالِهِ يَفِى بقِيمَةِ نِصْفِهِ (٢) الَّذِى لِشَرِيكِهِ، أُعْطِىَ، وَكَانَ كُلُّهُ حُرًّا. فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. والأُخْرَى، لَا يَعْتِقُ إِلَّا حِصَّتُهُ وإِنْ حَمَلَ ثُلُثُ مَالِهِ (٣) قِيمَةَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ) وجملتُه أنَّه إذا مَلَكَ شِقْصًا من عَبْدٍ، فأعْتَقَه فى مَرَضِ موتِه، أو دَبَّرَه، أو وَصَّى بعِتْقِه، ثم مات، ولم يَفِ ثُلثُ مالِه بقِيمَةِ نَصِيب الشَّرِيكِ، لم يَعْتِقْ إِلَّا نَصِيبُه. بلا خِلافٍ نَعْلَمُه بينَ أهلِ العلمِ، إِلَّا قولًا شاذًّا، أو قولَ مَنْ يَرَى السِّعَايةَ؛ وذلك أنَّه ليس له مِنْ مالِه إِلَّا الثُّلثُ الذى اسْتَغْرَقَتْه قِيمةُ الشِّقْصِ (٤)، فيَبْقَى مُعْسِرًا، بمَنْزِلةِ مَنْ أعْتَقَ فى صِحَّتِه شِقْصًا

стр. 7739

وهو مُعْسِرٌ. فأمَّا إن كان ثُلثُ مالهِ يَفِى بقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِه، ففيه روَايتان، إحْداهما، يَسْرِى إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ، فيَعْتِقُ العَبْدُ جَمِيعُه، ويُعْطَى الشَّرِيكُ قِيمَةَ نَصِيبِه من ثُلثِه؛ لأنَّ ثُلثَ المالِ للمُعْتِقِ المِلْكُ (٥) فيه تَام، وله التَّصَرُّفُ فيه بالتَّبَرُّعِ والإِعْتاقِ وغيرِه، فجَرَىَ مَجْرَى مالِ الصَّحِيحِ، فيَسْرِى عِتْقُه، كسِرَايةِ عِتْقِ الصَّحِيحِ المُوسِرِ. والرِّواية الثانية، لا يَعْتِقُ إِلَّا حِصَّتُه؛ لأَنَّه بمَوْتِه يَزُولُ مِلْكُه إلى وَرَثَتِه، فلا يَبْقَى شىءٌ يُقْضَى منه الشَّريكُ. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يُضارُّ. وقال القاضى: ما أعْتَقَه فى مَرَضِ مَوْتِه سَرَى، وما دَبَّرَه أو وَصَّى بعِتقِه لم يَسْرِ. وقال: الرِّوايةُ فى سِرَايةِ العِتْقِ حالَ الحياةِ أصَحُّ، والروايةُ فى وُقُوفِه فى التَّدْبيرِ أصَحُّ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ العِتْقَ (٦) فى الحياةِ يَنْفُذُ نما حالِ مِلْكِ المُعْتِقِ (٧) وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، وتَصَرُّفُه فى ثُلثِه كتَصَرُّفِ الصحيحِ فى جميعِ مالِه، وأمَّا التَّدْبيرُ والوَصِيّةُ، فإنَّما يَحْصُلُ العِتْقُ به فى حالٍ يَزُولُ مِلْكُ المُعْتِقِ وتَصَرُّفاتُه. واللَّهُ أعلمُ. ١٩٦٠ - مسألة؛ قال: (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا دَبَّرَ بَعْضَهُ، وَهُوَ مَالِكٌ لِكُلِّهِ) وجملتُه أنَّه إذا دَبَّرَ بعضَ عَبْدِه، وهو أَنْ يقولَ: إذا مِتُّ فنِصْفُ عَبْدِى حُرٌّ. ثمَّ مات، فإنْ كان النِّصْفُ (١) المُدَبَّرُ ثُلثَ مالِه من غيرِ زِيادةٍ، عَتَقَ، ولم يَسْرِ؛ لأَنَّه لو دَبَّرَه كلَّه لم يَعْتِقْ منه إِلَّا ثُلثُه، فإذا لم يُدَبر إِلَّا ثُلثَه كان أوْلَى. وإن كان العَبْدُ كلُّه يخْرُجُ مِن الثُّلثِ، ففى تَكْمِيلِ الحُرِّيَّةِ روَايتان، إحْداهما، تُكَمَّلُ. وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ؛ لأنَّ أبا حنيفةَ وأصحابَه يَرَوْنَ التَّدْبيرَ كالإِعْتاقِ فى السِّرايةِ. وهو أحدُ قَوْلَىِ الشّافعىِّ؛ لأَنَّه إعْتاقٌ لبعضِ عبدِه، فعَتَقَ (٢) جَمِيعُه، كما لو أعْتَقَه فى حياتِه. والرِّواية الثانية، لا يُكَمَّلُ (٣) العِتْقُ فيه؛ لأَنَّه لا يَمْنَعُ جَوازَ البَيْعِ، فلا يَسْرِى، كتَعْلِيقِه بالصِّفَةِ.

стр. 7740

فصل: فأمَّا إن أعْتَقَ بعضَ عبدِه فى مَرَضِه، فهو كعِتْقِ (٤) جَمِيعِه، إن خرجَ من الثُّلثِ عَتَقَ (٥) جَمِيعُه، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ؛ لأنَّ الإِعْتاقَ فى المَرَضِ كالإِعْتاقِ فى الصِّحّةِ، إِلَّا فى اعْتبارِه من الثُّلثِ، وتَصَرُّفُ المريضِ فى ثُلثِه فى حَقِّ الأجنَبىِّ، كتصرُّفِ الصحيحِ فى جميعِ مالِه، [كما لو أعْتَقَ شِرْكًا له فى عَبْدٍ، وثُلثُه يَحْتَمِلُ جَمِيعَه] (٦). وعنه، لا يَعْتِقُ منه إِلَّا ما عَتَقَ (٥). فصل: وإذا دَبَّرَ أحدُ الشَّرِيكينِ حِصَّتَه، صَحَّ، ولم يَلْزَمْه فى الحالِ لشَرِيكِه شىءٌ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ، فإذا مات، عَتَقَ الجزءُ الذى دَبَّره، إذا خَرجَ من ثُلثِ مالِه. وفى سِرَايَتِه إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ ما ذكَرْنا فى المسألةِ قبلَها (٧). وقال مالكٌ: إذا دَبَّر نَصِيبَه، تَقَاوَماه، فإِنَّ صار للمُدَبَّرِ، صار مُدَبًرا كلَّه، وإن صار للآخَرِ، صار (٨) رَقِيقًا كلَّه. وقال اللَّيْثُ: يغْرَمُ المُدبَّرُ لشرِيكِه قِيمَةَ نَصِيبِه، ويَصِيرُ العَبْدُ كلُّه مُدَبَّرًا، فإِن لم يكُنْ له مالٌ، سَعَى العَبْدُ فى قِيمَةِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، فإذا أدَّاها، صار مُدَبَّرًا كلَّه. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَضْمَنُ المُدَبَّرُ للشَّرِيكِ قِيمَةَ حَقِّه، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا، ويَصِيرُ المُدَبَّرُ له. وقال أبو حنيفةَ: الشَّرِيكُ بالخِيارِ؛ إِنْ شاءَ دَبَّر، وإِنْ شاءَ أَعْتَقَ، وإِنْ شاءَ اسْتَسْعَى العَبْدَ، وإِنْ شاءَ ضَمَّنَ صاحِبَه إِنْ كان مُوسِرًا. ولَنا، أنَّه تَعْلِيقٌ لِلعِتْقِ على صِفَةٍ، فصَحَّ فى نَصِيبِه، كما لو عَلَّقه بمَوْتِ شَرِيكِه. ١٩٦١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أَعْتَقَهُمْ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُهُمْ، فأَعْتَقْنَاهُم، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْن يَسْتَغرِقُهُمْ، بِعْنَاهُمْ فِى دَيْنِهِ) وجملتُه أَنَّ المريضَ إذا أعْتَقَ عَبِيدَه فى المَرَضِ، أو دَبَّرَهم، أو وَصَّى بعِتْقِهِم،
следующие страницы →