← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

فصل: وإن (٩٦) دَبَّرَ الثَّلاثةَ، أو وَصَّى بعِتْقِهم، فمات أخَدُهم فى حَياتِه، بَطَلَ تَدْبيرُه، والوَصِيّةُ فيه، وأَقرِعَ بين الحَيَّيْنِ (٩٧)، فأُعْتِقَ من أحدِهما ثُلثُهما؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يُمْكَنُ الحُكْمُ بوقوعِ العِتْقِ فيه؛ لكَوْنِه مات قبلَ الوقتِ الذى يَعْتِقُ فيه، وقبلَ أن يتَحَقَّقَ شَرْطُ العِتْقِ، بخلافِ التى قبلَها؛ فإِنَّ العِتْقَ حَصَلَ [من حينِ الإِعْتاقِ، وإنَّما القُرْعَةُ تُبَيِّنُه وتَكْشِفُه، ولهذا يُحْكَمُ بعتْقِه] (٩٨) من حينِ الإِعْتاقِ، حتَّى يكونَ كَسْبُه له، وحُكْمُه حُكْمُ الأحْرارِ فى سائرِ أحْوالِه. وإن مات المُدَبَّرُ بعدَ مَوْتِ سيِّدِه، أُقْرِعَ بينَه وبين الأحْياءِ؛ لأنَّه قد حَصَلَ العِتْقُ من حينِ مَوْتِ السَّيِّدِ. ١٩٥٨ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ قَالَ لَهُمْ فِى مَرَضِ مَوْتِهِ: أحَدُكُمْ حُرٌّ. أَوْ: كُلُّكُم حُرٌّ. وَمَاتَ، فَكَذَلِكَ) أَمَّا إذا قال لهم: كُلُّكُم حُرٌّ. فهى المسألةُ الَّتى تقَدَّمَتْ، وشَرَحْناها. وأمَّا إذا قال: أحدُكم حُرٌّ. فإنَّه يُقْرَعُ بينَهمْ، فيُخْرَجُ أحَدُهم بالقُرْعَةِ فيَعْتِقُ، ويَرِّقُّ الباقُون، وسَواءٌ كان للمَيِّتِ مالٌ سِوَاهم، أو لم يكُنْ، إذا كان يخْرُجُ من الثُّلثِ، وإن لم يخْرُجْ من [ثُلثِ المالِ] (١)، عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ. ولو كان المُعْتِقُ حَيًّا، ولم يَنْوِ واحدًا بعَيْنِه، لم يكُنْ له التَّعْيِينُ، وأُعْتِقَ أَحَدُهم بالقُرْعةِ. وإن قال: أَرْدْتُ واحدًا منهم (٢) بعَيْنِه. [قُبِلَ منه] (٣)، وَتَعَينتِ الحُرِّيَّةُ فيه. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعىُّ: له تَعْيِينُ أحَدِهم، فيَعْتِقُ من عَيَّنَه، وإن لم يكُنْ نَوَاه حالةَ القَوْلِ، ويُطالَبُ المُعْتِقُ بالتَّعْيينِ، فإذا عَيَّنَ (٤) أحَدَهم تَعَيَّنَ (٥) اخْتِيارُه، ولم يَكُنْ لسائرِ العَبِيدِ الاعْتِراضُ عليه؛ لأنَّ له تَعْيِينَ العِتْقِ ابْتِداءً، فإذا أوْقَعَه غيرَ مُعَيَّنٍ، كان له تَعْيِينُه، كالطَّلَاقِ. ولَنا، أَنَّ مُسْتَحِقَّ العِتْقِ غيرُ مُعَيَّنٍ (٦)، فلم يَمْلِكْ

стр. 7737

تَعْيِينَه، كما لو أعْتَقَ الجميعَ فى مَرَضِه ولم يخْرُجُوا من الثُّلثِ، وكما لو أعْتَقَ مُعَيَّنًا ثمَّ نَسِيَه، والطَّلَاقُ كمَسْأَلَتِنا. فأمَّا إِنْ مات المُعْتِقُ ولمْ يُعَيِّن، فالحُكْمُ عندَنا لا يخْتلِفُ، وليس للوَرَثةِ التَّعْيِينُ، بل يُخْرَجُ المُعْتَقُ (٧) بالقُرْعةِ. وقد نَصَّ الشافعىُّ على هذا إذا قالوا: لا نَدْرِى أيَّهم أعْتَقَ. وقال أبو حنيفةَ: لهم التَّعْيِينُ؛ لأنَّهم يَقُومُونَ مَقامَ مَوْرُوثِهم. وقد سَبَقَ الكلامُ فى العِتْقِ (٨). فصل (٩): ولو أَعْتَقَ إحْدَى إمائِه، ثمَّ وَطِئَ إحْداهُنَّ، لم يتَعَيَّنِ الرِّقُّ فيها. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافعىُّ: يتَعَيَّنُ الرِّقُّ فيها. لأنَّ الحُرِّيَّةَ عندَه تتَعَيَّنُ بتَعْيينِه، ووَطْؤُه دليلٌ على تَعْيينِه. وقد سَبَقَ الكلامُ على هذا الأَصْلِ. ولأنَّ المُعْتَقةَ واحدةٌ، فلم تتَعَيَّنْ بالوطءِ، كما لو أعْتَقَ واحِدةً ثمَّ نَسِيَها. فصل: وإِنْ (١٠) أعْتَقَ واحدًا بعَيْنِه، ونَسِيَه، فقياسُ قولِ أحمدَ، أَنْ يَعْتِقَ أحَدُهم بالقُرْعَةِ. وهذا قولُ اللَّيْثِ. وقال الشَّافعىُّ: يَقِفُ الأَمْرُ حتَّى يَذْكُرَ، فإنْ مات قبلَ أن يتَبَيَّنَ، أقْرَعَ الورَثَةُ (١١) بينَهم. وقال ابنُ وَهْبٍ: يَعْتِقُونَ كُلُّهم. وقال مالكٌ: إِنْ أعْتَقَ عَبْدًا له ومات، ولم يُبَيِّنْ (١٢)، فكانوا ثلاثةً، عَتَقَ منهم بقَدْرِ ثُلثِهِم، وإن كانوا أربعةً، عَتَقَ منهم بقَدْرِ رُبع قِيمَتِهم. وعلى هذا، فيُقْرَعُ بينَهم، فإن خَرَجَتِ القُرْعةُ على مَنْ قِيمَتُه أقَلُّ من الرُّبعِ أُعِيدَتِ القُرْعةُ حتَّى تَكْمُلَ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن قال الشُّهودُ: نَشْهَدُ أَنَّ فُلانًا أَعْتَقَ أحَدَ عَبِيدِه، ولم يُسَمِّ. عَتَقَ ثُلثُ كلِّ واحدٍ منهم، وسَعَى فى باقِيه، أو رُبعُ كلِّ واحدٍ منهم إِنْ كانوا أرْبَعةً، وإن قالوا: نَشْهَدُ أن فُلانًا أعْتَقَ بعضَ عبِيدِه، ونَسِيناه. فشهادَتُهم باطِلَةٌ. ونحوُ هذا قولُ الشَّعْبِىِّ، والأوْزاعِىِّ، ولم يَذْكُرَا ما ذكَرَه أصْحابُ الرَّأْىِ فى الشّهادةِ. ولَنا، أَنَّ مُسْتَحِقَّ العِتْقِ غيرُ مُعَيَّنٍ (١٣)، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ جَمِيعَهم فى

стр. 7738

مَرَضِ مَوْتِه، فإنْ أُقْرِعَ بينَهم، فخرَجتِ القُرْعةُ لواحدٍ، ثمَّ قال المُعْتِقُ: ذَكَرْتُ أَنَّ المُعْتَقَ (١٤) غيرُه. ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يُرَدُّ الأوّلُ إلى الرِّقِّ، ويَعْتِقُ الذى عَيَّنَه؛ لأَنَّه تبَيَّنَ له المُعْتَقُ، فَانْعَتَقَ (١٥) دونَ غيرِه، كما لو لم يُقْرَعْ. والثانى، يَعْتِقانِ معًا. وهو قولُ اللَّيْثِ، ومُقْتَضَى قولِ ابنِ حامدٍ؛ لأنَّ الأَوَّلَ ثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ فيه بالقُرْعةِ، فلا تزولُ، كسائرِ الأحْرارِ، ولأنَّ قولَ المُعْتِقِ: ذكَرْتُ مَنْ كنتُ نَسِيتُه. يتَضَمَّنُ إقْرارًا عليه بحُرِّيَّةِ مَنْ ذكَره، وإقْرارًا على غيرِه، فقُبِلَ إقْرارُه على نَفْسِه، ولم يُقْبَلْ على غيرِه. وأمَّا إذا لم يُقْرَعْ، فإنَّه يُقْبَلُ قولُه، فيَعْتِقُ مَنْ عَيَّنَهَ، ويَرِقُ غيرُه، فإذا قال: أعْتَقْتُ هذا. عَتَقَ، ورَقَّ الباقُونَ، وإن قال: أعْتَقْتُ هذا، لا بل هذا. عَتَقَا (١٦) جميعًا؛ لأَنَّه أقَرَّ بعِتْقِ الأوَّلِ فلَزِمَه، ثمَّ أقَرَّ بعِتْقِ الثَّانى فلَزِمَه، ولم يُقْبَلْ رُجوعُه عن إقْرارِه الأوَّل. وكذلك الحكمُ فى إقْرارِ الوَارِثِ. ١٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَلَك نِصْفَ عَبْدٍ، فدَبَّرَه أو أَعْتَقَه فِى مَرَضِ مَوْتِهِ، فعَتَقَ (١) بِمَوْتِهِ، وكَانَ ثُلُثُ مَالِهِ يَفِى بقِيمَةِ نِصْفِهِ (٢) الَّذِى لِشَرِيكِهِ، أُعْطِىَ، وَكَانَ كُلُّهُ حُرًّا. فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. والأُخْرَى، لَا يَعْتِقُ إِلَّا حِصَّتُهُ وإِنْ حَمَلَ ثُلُثُ مَالِهِ (٣) قِيمَةَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ) وجملتُه أنَّه إذا مَلَكَ شِقْصًا من عَبْدٍ، فأعْتَقَه فى مَرَضِ موتِه، أو دَبَّرَه، أو وَصَّى بعِتْقِه، ثم مات، ولم يَفِ ثُلثُ مالِه بقِيمَةِ نَصِيب الشَّرِيكِ، لم يَعْتِقْ إِلَّا نَصِيبُه. بلا خِلافٍ نَعْلَمُه بينَ أهلِ العلمِ، إِلَّا قولًا شاذًّا، أو قولَ مَنْ يَرَى السِّعَايةَ؛ وذلك أنَّه ليس له مِنْ مالِه إِلَّا الثُّلثُ الذى اسْتَغْرَقَتْه قِيمةُ الشِّقْصِ (٤)، فيَبْقَى مُعْسِرًا، بمَنْزِلةِ مَنْ أعْتَقَ فى صِحَّتِه شِقْصًا

стр. 7739

وهو مُعْسِرٌ. فأمَّا إن كان ثُلثُ مالهِ يَفِى بقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِه، ففيه روَايتان، إحْداهما، يَسْرِى إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ، فيَعْتِقُ العَبْدُ جَمِيعُه، ويُعْطَى الشَّرِيكُ قِيمَةَ نَصِيبِه من ثُلثِه؛ لأنَّ ثُلثَ المالِ للمُعْتِقِ المِلْكُ (٥) فيه تَام، وله التَّصَرُّفُ فيه بالتَّبَرُّعِ والإِعْتاقِ وغيرِه، فجَرَىَ مَجْرَى مالِ الصَّحِيحِ، فيَسْرِى عِتْقُه، كسِرَايةِ عِتْقِ الصَّحِيحِ المُوسِرِ. والرِّواية الثانية، لا يَعْتِقُ إِلَّا حِصَّتُه؛ لأَنَّه بمَوْتِه يَزُولُ مِلْكُه إلى وَرَثَتِه، فلا يَبْقَى شىءٌ يُقْضَى منه الشَّريكُ. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يُضارُّ. وقال القاضى: ما أعْتَقَه فى مَرَضِ مَوْتِه سَرَى، وما دَبَّرَه أو وَصَّى بعِتقِه لم يَسْرِ. وقال: الرِّوايةُ فى سِرَايةِ العِتْقِ حالَ الحياةِ أصَحُّ، والروايةُ فى وُقُوفِه فى التَّدْبيرِ أصَحُّ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّ العِتْقَ (٦) فى الحياةِ يَنْفُذُ نما حالِ مِلْكِ المُعْتِقِ (٧) وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، وتَصَرُّفُه فى ثُلثِه كتَصَرُّفِ الصحيحِ فى جميعِ مالِه، وأمَّا التَّدْبيرُ والوَصِيّةُ، فإنَّما يَحْصُلُ العِتْقُ به فى حالٍ يَزُولُ مِلْكُ المُعْتِقِ وتَصَرُّفاتُه. واللَّهُ أعلمُ. ١٩٦٠ - مسألة؛ قال: (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا دَبَّرَ بَعْضَهُ، وَهُوَ مَالِكٌ لِكُلِّهِ) وجملتُه أنَّه إذا دَبَّرَ بعضَ عَبْدِه، وهو أَنْ يقولَ: إذا مِتُّ فنِصْفُ عَبْدِى حُرٌّ. ثمَّ مات، فإنْ كان النِّصْفُ (١) المُدَبَّرُ ثُلثَ مالِه من غيرِ زِيادةٍ، عَتَقَ، ولم يَسْرِ؛ لأَنَّه لو دَبَّرَه كلَّه لم يَعْتِقْ منه إِلَّا ثُلثُه، فإذا لم يُدَبر إِلَّا ثُلثَه كان أوْلَى. وإن كان العَبْدُ كلُّه يخْرُجُ مِن الثُّلثِ، ففى تَكْمِيلِ الحُرِّيَّةِ روَايتان، إحْداهما، تُكَمَّلُ. وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ؛ لأنَّ أبا حنيفةَ وأصحابَه يَرَوْنَ التَّدْبيرَ كالإِعْتاقِ فى السِّرايةِ. وهو أحدُ قَوْلَىِ الشّافعىِّ؛ لأَنَّه إعْتاقٌ لبعضِ عبدِه، فعَتَقَ (٢) جَمِيعُه، كما لو أعْتَقَه فى حياتِه. والرِّواية الثانية، لا يُكَمَّلُ (٣) العِتْقُ فيه؛ لأَنَّه لا يَمْنَعُ جَوازَ البَيْعِ، فلا يَسْرِى، كتَعْلِيقِه بالصِّفَةِ.

стр. 7740

فصل: فأمَّا إن أعْتَقَ بعضَ عبدِه فى مَرَضِه، فهو كعِتْقِ (٤) جَمِيعِه، إن خرجَ من الثُّلثِ عَتَقَ (٥) جَمِيعُه، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ؛ لأنَّ الإِعْتاقَ فى المَرَضِ كالإِعْتاقِ فى الصِّحّةِ، إِلَّا فى اعْتبارِه من الثُّلثِ، وتَصَرُّفُ المريضِ فى ثُلثِه فى حَقِّ الأجنَبىِّ، كتصرُّفِ الصحيحِ فى جميعِ مالِه، [كما لو أعْتَقَ شِرْكًا له فى عَبْدٍ، وثُلثُه يَحْتَمِلُ جَمِيعَه] (٦). وعنه، لا يَعْتِقُ منه إِلَّا ما عَتَقَ (٥). فصل: وإذا دَبَّرَ أحدُ الشَّرِيكينِ حِصَّتَه، صَحَّ، ولم يَلْزَمْه فى الحالِ لشَرِيكِه شىءٌ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ، فإذا مات، عَتَقَ الجزءُ الذى دَبَّره، إذا خَرجَ من ثُلثِ مالِه. وفى سِرَايَتِه إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ ما ذكَرْنا فى المسألةِ قبلَها (٧). وقال مالكٌ: إذا دَبَّر نَصِيبَه، تَقَاوَماه، فإِنَّ صار للمُدَبَّرِ، صار مُدَبًرا كلَّه، وإن صار للآخَرِ، صار (٨) رَقِيقًا كلَّه. وقال اللَّيْثُ: يغْرَمُ المُدبَّرُ لشرِيكِه قِيمَةَ نَصِيبِه، ويَصِيرُ العَبْدُ كلُّه مُدَبَّرًا، فإِن لم يكُنْ له مالٌ، سَعَى العَبْدُ فى قِيمَةِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، فإذا أدَّاها، صار مُدَبَّرًا كلَّه. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَضْمَنُ المُدَبَّرُ للشَّرِيكِ قِيمَةَ حَقِّه، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا، ويَصِيرُ المُدَبَّرُ له. وقال أبو حنيفةَ: الشَّرِيكُ بالخِيارِ؛ إِنْ شاءَ دَبَّر، وإِنْ شاءَ أَعْتَقَ، وإِنْ شاءَ اسْتَسْعَى العَبْدَ، وإِنْ شاءَ ضَمَّنَ صاحِبَه إِنْ كان مُوسِرًا. ولَنا، أنَّه تَعْلِيقٌ لِلعِتْقِ على صِفَةٍ، فصَحَّ فى نَصِيبِه، كما لو عَلَّقه بمَوْتِ شَرِيكِه. ١٩٦١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أَعْتَقَهُمْ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُهُمْ، فأَعْتَقْنَاهُم، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْن يَسْتَغرِقُهُمْ، بِعْنَاهُمْ فِى دَيْنِهِ) وجملتُه أَنَّ المريضَ إذا أعْتَقَ عَبِيدَه فى المَرَضِ، أو دَبَّرَهم، أو وَصَّى بعِتْقِهِم،

стр. 7741

ومات (١)، وهم يَخْرُجُونَ من ثُلثِه فى الظَّاهرِ، فأعْتَقْناهم، ثم [مات وعليه] (٢) دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ، تبَيَّنَّا بُطْلانَ عِتْقِهِم، وبَقاءَ رِقِّهِم، فيُباعُونَ فى الدَّيْنِ، ويكونُ عِتْقُهم وَصِيّةً، والدَّيْنُ مُقَدَّمٌ على الوَصِيَّةِ؛ ولهذا قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إِنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَضَى أَنَّ الدَّيْنَ قبلَ الوَصِيَّةِ (٣). ولأنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ على المِيراثِ بالاتِّفاقِ، ولهذا تُباعُ التَّرِكةُ [فى قَضَاءِ] (٤) الدَّيْنِ، وقد قالَ اللَّه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٥). والمِيراثُ مُقَدَّمٌ على الوَصِيَّةِ فى الثُّلثَيْنِ، فما تقَدَّمَ على الميراثِ، يَجِبُ أن يُقَدَّمَ على الوَصِيَّةِ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. ورَدَّ ابنُ أبى ليلى عبدًا أعْتَقَه سَيِّدُه عندَ الموتِ وعليه دَيْنٌ. قال أحمدُ: أحْسَنَ ابنُ أبى لَيْلَى. وذكر أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، روايةً فى الذى يُعْتِقُ عبدَه فى مَرَضِه وعليه دَيْنٌ، أنَّه يَعْتِقُ منه بقَدْرِ الثُّلثِ، ويُرَدُّ الباقِى. وقال قَتادةُ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ: يَسْعَى العبدُ فى قِيمَتِه. ولَنا، أنَّه تَبَرَّعَ (٦) فى مَرَضِ مَوْتِه بما يُعْتَبَرُ خُروجُه من الثُّلثِ، فقُدِّمَ عليه الدَّيْنُ، كالهِبَةِ، ولأنَّه مُعْتَبَرٌ (٧) من الثُّلثِ، فقُدِّمَ عليه الدَّيْنُ، كالوَصِيَّةِ، وخَفاءُ الدَّيْنِ لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِه، ولهذا يَمْلِكُ الغَرِيمُ اسْتِيفاءَه. فعلى هذا تبَيَّنَ أنَّه أعْتَقَهُم وقد اسْتَحَقَّهم الغَرِيمُ بدَيْنِه، فلم يَنْفُذْ عِتْقُه، كما لو أعْتَقَ مِلْكَ غيرِه. فإن قال الورَثهُ: نحنُ نَقْضِى الدَّيْنَ، ونُمْضِى العِتْقَ. ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا ينْفُذُ حتى يُنْفِذُوا (٨) العِتْقَ؛ لأنَّ الدَّيْنَ كان مانِعًا منه، فيكونُ باطلًا، ولا يَصِحُّ بزَوالِ المانعِ بعدَه (٩). والثَّانى، ينْفُذُ العِتْقُ؛ لأنَّ المانعَ منه إنَّما هو الدَّيْنُ، فإذا سَقَطَ وجَبَ نُفُوذُه، كما لو أسْقَطَ الورَثةُ حُقُوقَهم من ثُلثَىِ التَّركَةِ، نَفَذَ العِتْقُ فى الجَمِيعِ. ولأصْحابِ الشَّافِعىِّ

стр. 7742

وَجْهان، كهذَيْنِ. وقالوا: إن أصْلَ الوَجْهَيْنِ، إذا تَصَرّفَ الورَثةُ فى التَّركِةِ بِبَيْعٍ أو غيرِه، وعلى المَيِّتِ دَيْنٌ، وقُضِىَ الدَّينُ، هل يَنْفُذُ؟ فيه وَجْهان. فصل: فإن أعْتَقَ المريضُ ثلاثةَ أعْبُدٍ، لا مالَ له غيرُهم، [فأقْرَعَ الورَثةُ] (١٠)، فأعْتَقُوا واحدًا، وأرَقَّوا اثْنَيْنِ، ثم ظَهَرَ عليه دَيْنٌ يَسْتَغْرِفُ نِصْفَهم، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، تَبْطُلُ القُرْعةُ؛ لأنَّ الدَّيْنَ شَرِيكٌ فى الإِقْراعِ، فإذا حَصَلَتِ القِسْمةُ مع عَدَمِه كانتْ باطِلةً، كما لو قَسَمَ شَرِيكان دُونَ شَرِيكِهِما الثالثِ. الثانى، يَصِحُّ الإِقْراعُ؛ لأَنَّه لا يُمْكِنُ إمْضاءُ (١١) القِسْمةِ، وإفْرادُ حِصَّةِ الدَّيْنِ من كلِّ واحدٍ من النَّصِيبَيْنِ؛ لأنَّ القُرْعةَ دخَلَتْ لأجْلِ العِتْقِ دُونَ الدَّيْنِ، فيُقالُ للوَرَثةِ: اقْضُوا ثُلثَىِ الدَّيْنِ. وهو بقَدْرِ قِيمَةِ نِصْفِ العَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ بَقِيَا، إمَّا مِن العبيدِ، وإمَّا من غيرِهم، ويَجِبُ رَدُّ نِصْفِ العَبْدِ الذى عَتَقَ، فإذا كان الذى أعْتَقَ عَبْدينِ، أقْرَعْنا (١٢) بينَهما، فإذا خَرَجتِ القُرْعةُ على أحَدِهما، فكان بقَدْرِ سُدسِ التَّركِةِ، عَتَقَ، وبِيعَ الآخَرُ فى الدَّيْنِ، وإن كان أكثرَ، عَتَقَ منه بقَدْرِ السُّدسِ، وإن كان أقلَّ، عَتَقَ، وعَتَق من الآخَرِ تَمامُ السُّدسِ. ١٩٦٢ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أعْتَقَهُمْ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ، فأعْتَقْنَا مِنْهُمْ وَاحِدًا؛ لِعَجْزِ ثُلُثِهِ عَنْ أكْثرَ مِنْهُ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يَحْرُجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ، عَتَقَ مَنْ أُرِقَّ مِنْهُمْ) وجملتُه أنَّه إذا أعْتَقَ ثلاثةً فى مَرَضِه، لم يُعْرَفْ له مالٌ غيرُهم، أو دَبَّرَهم، أو وَصَّى بعِتْقِهِم، لم يَعْتِقْ منهم إِلَّا ثُلثُهم، ويَرِقُّ الثُّلثان، إذا لم يُجِزِ الوَرَثةُ عِتْقَهم، فإذا فَعَلْنا ذلك، ثم ظَهَر له مالٌ (١) بقَدْرِ مِثْلَيْهِم، تَبَيَّنَّا أنَّهم قد عَتَقُوا من حينَ أعْتَقَهم، أو مِن حينِ مَوْتِه إن كان دَبَّرَهم؛ لأنَّ التَّدْبيرَ وتَصَرُّفَ (٢) المريضِ فى ثُلثِ مالِه جائزٌ نافِذٌ، وقد بان أنَّهم ثُلثُ مالِه، وخَفاءُ ذلك عليْنا لا يَمْنعُ كَوْنَه مَوْجُودًا، فلا يَمْنَعُ كَوْنَ العِتْقِ واقِعًا. فعلى

стр. 7743

هذا، يكونُ حُكْمُهم حكْمَ الأحْرارِ من حينَ أعْتَقَهم، فيكونُ كَسْبُهم لهم. وإن كانوا قد تصُرِّفَ فيهم ببَيْعِ، أو هِبَةٍ، أو رَهْنٍ، أو تَزْويجٍ بغيرِ إذْنٍ، كان ذلك باطلًا. وإن كانوا قد تَصَرَّفُوا، فحُكْمُ تَصَرَّفِهم حكمُ تصَرُّفِ الأحْرارِ، فلو تزَوّجَ عَبْدٌ منهم بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كان نكاحُه صَحِيحًا، والمَهْرُ عليه واجبٌ، وإن ظَهَرَ له مالٌ بقَدْرِ قِيمَتِهم، عَتَقَ ثُلثاهُم؛ لأَنَّه (٣) ثُلثُ جميعِ المالِ، فيُقْرَعُ بين الاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أوْقَفْناهما، فيَعْتِقُ أحَدُهما، ويَرِقُّ الآخَرُ، إِنْ كانا مُتَساوِييْنِ فى القِيمَةِ. وإن ظَهَرَ له مالٌ بقَدْرِ نِصْفِهم، عَتَقَ نِصْفُهم، وإن كان بِقَدْرِ ثُلثِهم، عَتَقَ أرْبعةُ أتْساعِهم، كلَّما ظَهَرَ له مالٌ، عَتَقَ من العَبْدينِ اللَّذَينِ رَقَّا بقَدْرِ ثُلثِه. فصل: وإذا وَصَّى بعِتْقِ عبدٍ له يخْرُجُ مِن ثُلثِه، وجَبَ على الوَصِىِّ إعْتاقُه، فإن أوْصَى بذلك ورَثَتَه، لَنِرمَهم إعْتاقُه، فإن امْتَنَعُوا، أجْبَرَهُم السُّلطانُ، فإن أصَرُّوا على الامْتِناعِ، أعْتَقَه السلطانُ، أو مَن يَنُوبُ مَنَابَه، كالحاكمِ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ للَّهِ تعالى وللعبدِ، ومَنْ وَجَبَ عليه ذلك، ناب السلطانُ عنه أو نائِبُه، كالزَّكاةِ (٤) والدُّيُونِ. فإذا أعْتَقَه الوارِثُ أو السلطانُ، عَتَقَ، وما اكْتَسَبه فى حَياةِ المُوصِى، [فهو للمُوصِى] (٥)، يكونُ من جُمْلةِ تَركَتِه إن بَقِىَ بعدَه؛ لأَنَّه كَسْبُ عَبْدِه القِنِّ، وما كَسَبَه بعدَ مَوْتِه وقبلَ إعْتاقِه، فهو للوارثِ. وقال القاضى: هو للعَبْدِ؛ لأَنَّه كَسَبَه بعدَ اسْتِقْرارِ سَبَبِ العِتْقِ فيه، فكان له، ككَسْبِ المُكاتَبِ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافعىِّ: فيه قَوْلان، مَبْنِيَّانِ على القَوْلَيْنِ فى كَسْبِ العَبْدِ المُوصَى به قبل قَبُولِ الوَصِيَّةِ. ولَنا، أنَّه عبدٌ قِنٌّ، فكان كَسْبُه للوَرَثةِ، كغيرِ المُوصَى بعِتْقِه، وكالمُعَلَّقِ عِتْقُه بصِفَةٍ، وفارَق المُكاتَبَ؛ فإنَّه يَمْلِكُ كَسْبَه قبلَ عِتْقِه، فكذلك بعدَه. ويَبْطُلُ ما ذكَرُوه بأُمِّ الوَلدِ؛ فإِنَّ عِتْقَها قد اسْتَقَرَّ سَبَبُه فى حَياةِ سَيِّدِها، وكَسْبُها له. والمُوصَى به لا نُسَلِّمُه، وإن سَلَّمْناه، فالفَرْقُ بينَهما، أَنَّ المُوصَى به قد تحَقَّقَ فيه سَبَبُ المِلْكِ، وإنَّما وُقِفَ على شَرْطٍ هو القَبُولُ، فإذا

стр. 7744

وُجِدَ الشَّرْطُ، اسْتَنَد الحُكْمُ إلى ابْتداءِ السَّببِ، وفى الوَصِيَّةِ بالعِتْقِ (٦) ما وُجِدَ السَّببُ، وإنَّما أوْصَى بإيجادِه، وهو العِتقُ، فإذا وُجِدَ، لم يَجُزْ أن يَثْبُتَ حُكْمُه سابقًا عليه، ولهذا يَمْلِكُ المُوصَى له أَنْ يَقْبَلَ بنَفْسِه، وههُنا لا يَمْلِكُ العبدُ أَنْ يَعْتِقَ نَفْسَه. وإن مات العبدُ بعدَ (٧) مَوْتِ سَيِّدِه، وقبلَ إعْتاقِه، فما كَسَبَه للوَرَثةِ، على قَوْلِنا، ولا أعلمُ قولَ مَنْ خالَفَنا فيه. فصل: فإن عَلَّقَ عِتْقَ عبه على شَرْطٍ فى صِحَّتِه، فوُجِدَ فى مَرَضِه، اعْتُبِرَ خُرُوجُه من الثُّلثِ. قالَه أبو بكرٍ، قال: وقد نَصَّ أحمدُ على مثلِ هذا فى الطَّلَاقِ. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يَعْتِقُ من رأسِ المالِ. وهو مذهبُ الشَّافِعىِّ؛ لأَنَّه لا يُتَّهَمُ فيه (٨)، فأشْبَهَ العِتْقَ فى صِحَّتِه. ولَنا، أَنَّه عَتَقَ فى حالِ تَعَلُّقِ حَقِّ الوَرَثةِ بثُلثَىْ مالِه، فاعْتُبِرَ مِن الثُّلثِ، كالمُنْجَزِ. وقولُهم: لا يُتَّهَمُ فيه. قُلْنا: وكذلك العِتْقُ المُنْجَزُ، لا يُتَّهَمُ فيه؛ فإِنَّ الإِنْسانَ لا يُتَهَمُ بمُحاباةِ غيرِ الوارثِ، وتَقْدِيمهِ على وارِثِه، وإنَّما مُنِعَ منه، لما فيه من الضَّرَرِ بالورَثةِ، وهذا حاصِلٌ ههُنا. ولو قال: إذا قَدِمَ زَيْدٌ، وأنا مَرِيضٌ، فأنتَ حُرٌّ. فقَدِمَ وهو مَرِيضٌ، كان مُعْتَبَرًا من الثُّلثِ، وَجْهًا واحِدًا. فصل: وإذا أعْتَقَ عبدًا، وله مالٌ، فمالُه لسَيِّدِه. رُوِىَ هذا عن ابنِ مسعودٍ: وأبى أيُّوبَ، وأنسِ بن مالكٍ (٩). وبه قال قَتادةُ، والحَكَمُ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن حَمَّادٍ، والْبَتِّىِّ، وداودَ بن أبى هِنْدٍ، وحُمَيْدٍ. وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وأهلُ المدينةِ: يَتْبَعُه مالُه؛ لما رَوَى نافِعٌ، عن ابنِ عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ أعْتَقَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَالْمالُ للعَبْدِ". روَاه

стр. 7745

الإِمامُ أحمدُ، بإسنادِه (١٠)، وغيرُه (١١). ورَوَى حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنَّه كان إذا أعْتَقَ عبدًا لم يَعْرِضْ (١٢) لمالِه (١٣). ولَنا، ما رَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال لغُلامِه عُمَيْرٍ: يا عميرُ، إنِّى أُرِيدُ أن أعْتِقَكَ عِتْقًا هَنِيئًا، فأَخْبِرْنِى بمالِك، فإنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "أَيُّمَا رَجُلٍ أعْتَقَ عَبْدَهُ، أَوْ غُلَامَهُ، فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَالِهِ، فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ" (١٤). ولأنَّ العبدَ ومالَه كانا جميعًا للسَّيِّدِ، فأزال مِلْكَه عن أحَدِهما، فبَقِىَ مِلْكُه فى الآحَرِ، كما لو باعَه، ومد دَلَّ على هذا حديثُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ (١٥) المُبْتَاعُ (١٦) ". فأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ، فقال أحمدُ: يَرْوِيه عُبَيدُ اللَّهِ (١٧) بن أبى جَعْفَرٍ من أهلِ مِصْرَ، وهو ضَعِيفٌ فى الحديثِ، كان صاحِبَ فِقْهٍ، فأمَّا فى الحديثِ فليس هو فيه بالقَوِىِّ. وقال أبو الوليدِ (١٨): هذا الحديثُ خَطأٌ، فأمَّا فِعْلُ ابنِ عمرَ، فإنَّه تَفَضُّلٌ منه على مُعْتَقِه. قيل للإِمامِ أحمدَ: كان هذا عندَك على التَّفَضُّلِ (١٩)؟ فقال: إى لَعَمْرِى على التَّفَضُّلِ (١٩). قيل له: فكأنَّه عندَك للسَّيِّدِ؟ فقال: نعم، للسَّيِّدِ، مثلَ البَيْعِ، سَواءً. ١٩٦٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أنْتَ حُرٌّ. فِى وَقْتٍ سَمَّاهُ، لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَأْتِىَ ذَلِكَ الْوَقْتُ) وجملةُ ذلك أَنَّ السَّيِّدَ إذا عَلّقَ عِتْقَ عبدِه أو أمَتِه على مَجِىءِ وَقْتٍ، مثل قولِه: أنْتَ حُرٌّ

стр. 7746

فى رأسِ الحَوْلِ. لم يَعْتِقْ حتى يَأْتِىَ رأسُ الحَوْلِ، وله بَيْعُه، وهِبَتُه، وإجارَتُه، ووَطْءُ الأَمَةِ. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. قال أحمدُ: إذا قال لغُلامِه: أنتَ حُرٌّ إلى أن يَقْدَمَ فُلانٌ، ومَجىءِ فلانٍ. واحدٌ، و: إلى رأسِ السَّنَةِ، وإلى رأسِ الشهرِ. إنَّما يُرِيدُ إذا جاءَ رأسُ السنةِ، أو جاء رأسُ الهلالِ منه، وإذا قال: أنتِ طالِقٌ إذا جاء الهِلالُ. إنَّما تَطْلُقُ إذا جاء رأسُ الهلالَ. وقال إسحاقُ كما قال أحمدُ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه إذا قال لِعَبْدِه: أنتَ حُرٌّ فى رأس الحَوْلِ. عَتَقَ فى الحالِ. والذى [حَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عنه، أنَّها إذا كانتْ جاريةً، لم يَطَأَها؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُها مِلْكًا تامًّا] (١)، ولا يَهَبُها (٢)، ولا يَبِيعُها (٣)، ولا يَلْحَقُها نَسَبٌ (٤)، وإن مات السَّيِّدُ قبلَ الوقتِ، كانت حُرّةً عندَ الوقتِ، من رأسِ المالِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَطَؤُها؛ لأنَّ مِلْكَه غيرُ تامٍّ عليها. والأوّلُ أصَحُّ؛ لما رُوِىَ عن أبى ذَرٍّ، أنَّه قال لعَبْدِه: أنتَ عَتِيقٌ إلى رأْسِ الحَوْلِ (٥). فلولا أَنَّ العِتْقَ يتَعَلَّقُ (٦) بالحَوْلِ، لم يُعَلِّقْه عليه (٧)، ولأنَّه عَلَّقَ العِتْقَ بصِفَةٍ، فوَجَبَ أن يتَعَلَّقَ بها، كما لو قال: إذا أدَّيْتَ إلىَّ ألْفًا، فأنت حُرٌّ. واسْتِحْقاقُها للعِتْقِ لا يَمْنعُ الوَطْءَ، كالاسْتِيلادِ، ولا يَلْزَمُ المُكاتَبةَ؛ لأنَّها اشْتَرَتْ نَفْسَها من سَيِّدِها بعِوَضٍ، وزالَ مِلْكُه عن أكْسابِها (٨)، بخلافِ مَسْأَلَتِنا. فصل: وإذا جاء الوقتُ وهو فى مِلْكِه، عَتَقَ. بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. وإن خَرَجَ عن مِلْكِه؛ بِبَيْع، أو مِيراثٍ، [أو هِبةٍ] (٩)، لم يَعْتِقْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعىُّ. وقال النُّخَعِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى: إذا قال لعَبْدِه: إن فَعَلْتَ كذا، فأنتَ حُرٌّ. فباعَه بَيْعًا

стр. 7747

صَحِيحًا، ثم فَعَلَ ذلك الفِعْلَ، عَتَقَ، وانْتَقَضَ البيعُ. قال ابنُ أبى لَيْلَى: إذا حَلَفَ بالطَّلاقِ: لا كَلَّمْتُ فُلانًا، ثم طَلَّقَها طَلاقًا بائِنًا، ثم كَلَّمَه، حَنِثَ. وعامَّةُ أهلِ العلمِ على خِلافِ هذا القَوْلِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لَا طَلاقَ وَلَا عَتَاقَ وَلَا بَيْعَ فِيمَا لا يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ" (١٠). ولأنَّه لا مِلْكَ له، فلم يَقَعْ طَلاقُه ولا عتاقُه، كما لو لم يكُنْ له مالٌ مُتَقَدِّمٌ (١١). فصل: وإذا قال لعبدِه: إِنْ لم أضْرِبْكَ عَشرةَ أسْواطٍ، فأنتَ حُرٌّ. ولم يَنْوِ وَقْتًا بعَيْنِه، لم يَعْتِقْ حتى يموتَ [ولم يُوجَدِ الضَّرْبُ] (١٢)، وإن باعَه قبلَ ذلك، صَحَّ بَيْعُه، ولم يُفْسَخْ (١٣). فى قولِ أكثر أهلِ العلمِ. وقال مالكٌ: ليس له بَيْعُه، فإنْ باعَه، فُسِخَ البَيْعُ. ولَنا، أنَّه باعَه قبلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فصَحَّ ولم يَنْفَسِخْ، كما لو قال: إن دَخَلْتُ الدَّارَ، فأنتَ حُرٌّ. وباعَه قبلَ دُخُولِها. فصل: وإذا قال لعبدِه: إن دخلتُ الدَّارَ، فأنتَ حُرٌّ. فباعَه، ثم اشْتَراه، ودَخَلَ الدَّارَ، عَتَقَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعىُّ: فيها قَوْلان؛ أحدُهما، لا يَعْتِقُ؛ لأنَّ مِلْكَه فيه مُتأخِّرٌ عن عَقْدِ الصِّفَةِ، فلم يَقَعِ العِتْقُ فيه، كما لو عَقَدَ الصِّفَةَ فى حالِ زَوالِ مِلْكِه عنه. ولَنا، أنَّه عَلَّقَ الصِّفَةَ فى مِلْكِه، وتَحَقَّقَ الشَّرْطُ فى مِلْكِه، فوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ، كما لو لم يَزُلْ مِلْكه عنه، وفارَقَ ما إذا عَلَّقَها فى حالِ زوالِ مِلْكِه (١٤)؛ لأَنَّه لو نَجَزَ العِتْقُ لم يَقَعْ، فإذا عَلَّقَه كان أوْلَى بعَدَمِ الوُقُوعِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. فأمَّا إن دَخَلَ الدَّارَ بعدَ بَيْعِه، ثم اشْتَراهُ، ودَخَل الدارَ، فالمنصوصُ عن أحمدَ، أنَّه لا يَعْتِقُ. وذُكِرَ عنه، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَعْتِقُ. ورُوِىَ عنه فى الطَّلاقِ، أنَّه يَقَعُ؛ لأنَّ التَّعْلِيقَ والشَّرْطَ وُجِدَا فى مِلْكِه، فأشْبَهَ ما لو لم يتَخَلَّلْهما دخولٌ. وَوْجُه الأوَّل أَنَّ العِتْقَ مُعَلّقٌ على شَرْطٍ لا يَقْتَضِى التَّكْرَارَ، فإذا وُجِدَ مَرةً، أنْحَلِّتِ اليَمِين، وقد وُجِدَ الدُّخولُ فى مِلْكِ غيرِه، فانْحلَّتِ اليَمِينُ، فلم يَقَع العِتْقُ

стр. 7748

به بعدَ ذلك، ويُفارِقُ العَتاقُ الطَّلاقَ، من حيثُ إِنَّ النِّكاحَ الثانىَ يَنْبَنِى على النِّكاحِ الأوَّلِ؛ بدليلِ أَنَّ طَلَاقَه فى النِّكاحِ الأوَّلِ يُحْسَبُ عليه فى النِّكاحِ الثانى، ويَنْقُصُ به عَدَدُ طَلَاقِه، والمِلْكُ باليَمِينِ بخِلَافِه. فصل: وإذا قال لعبدٍ له مُقَيَّدٍ: هو حُرٌّ إِنْ حَلَّ قَيْدَه. ثم قال: هو حُرٌّ إن لم يكُنْ فى قَيْدِه عَشرةُ أرْطالٍ. فشَهِدَ شاهدانِ عندَ الحاكمِ، أَنَّ وَزْنَ قَيْدِه خَمْسةُ أرْطالٍ، فحَكَمَ بعِتْقِه، وأمَرَ بحَلِّ قَيْدِه، فوُزِنَ (١٥) فوُجِدَ وَزْنُه عشرةَ أرْطالٍ، عَتَقَ العبدُ بحَلِّ قَيْدِه، وتَبَيَّنَّا أنَّه ما عَتقَ بالشَّرْطِ الذى حَكَمَ الحاكمُ بعِتْقِه به. وهل يَلْزَمُ الشاهِدَينِ ضَمانُ (١٦) قِيمَتِه؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، أنَّه يَلْزَمُهُما ضَمانُها؛ لأنَّ شهادَتَهما الكاذِبةَ سَبَبُ عِتْقِه وإتْلافِه، فضَمِناه، كالشّهادةِ المَرْجُوعِ عنها، ولأنَّ عِتْقَه حَصَلَ بحُكْمِ الحاكمِ المَبْنِىِّ على الشَّهادةِ الكاذِبةِ، فأشْبَهَ الحكمَ بالشَّهادةِ التى يَرْجِعانِ عنها. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. والثانى، لا ضَمانَ عليهما (١٧)، وهو قولُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ عِتْقَه لم يَحْصُلْ بالحُكْمِ المَبْنِىِّ على شهادَتِهِما، وإنَّما حَصَلَ بحَلِّ قَيْدِه، ولم يَشْهَدَا به، فوَجَبَ أَنْ لا يَضْمَنَا، كما لو لم يَحْكُمِ الحاكمُ. فصل: وإن قال لعبدِه: أنتَ حُرٌّ متى شِئْتَ. لم يَعْتِقْ حتى يشاءَ بالقَوْلِ، فمتى شاء عَتَقَ، سواءٌ كان على الفَوْرِ أو التَّراخِى. وإن قال: أنتَ حُرٌّ إِنْ شِئْتَ. فكذلك. ويَحْتَمِلُ أن يَقفَ ذلك على المَجْلِسِ؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلةِ التَّخْييرِ، ولو قال لِامْرأتِه: اخْتارِى نَفْسَكِ. لم يكُنْ لها الاخْتِيارُ إِلَّا على الفَوْرِ، فإنْ تَرَاخَى ذلك، بَطَلَ خِيارُها، كذا تَعْلِيقُه بالمَشِيئَةِ من غيرِ أن يَقْرِنَه بزَمَن يَدُلُّ على التَّراخِى. وإن قال: أنتَ حُرٌّ كيف شِئْتَ. احْتَمَلَ أن يَعْتِقَ فى الحالِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ "كيف" لا تَقْتَضِى شَرْطًا ولا وَقْتًا ولا مَكانًا، فلا تَقْتَضِى تَوْقِيفَ العِتْقِ، وإنَّما هى صِفَةٌ للحالِ (١٨)، فتَقْتَضِى وُقُوعَ الحُرِّيَّةِ

стр. 7749

على أىِّ حالٍ شاءَ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَعْتِقَ حتى يشاءَ. وهو قولُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ المَشِيئةَ تَقْتَضِى الخِيارَ، فتَقْتَضِى أن لا يَعْتِقَ قبلَ اخْتيارِه، كما لو قال: أنتَ حُرٌّ متى شِئْتَ. لأنَّ "كيف" تُعْطِى [ما تُعْطِى] (١٩) "مَتَى"، و"أىّ"، فحُكْمُها حُكْمُهُما. وقد ذكر أبو الخَطَّابِ فى الطَّلاق، أنَّه إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالِقٌ متى شِئْتِ، كيف شِئْتِ، وحيثُ شِئْتِ. لم تَطْلُقْ حتى تَشاءَ، فيَجِىءُ ههُنا مِثْلُه. فصل: وتَعْلِيقُ العِتْقِ على أداءِ شىءٍ، يَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ، أحدها، تَعْلِيقٌ (٢٠) على صِفَةٍ مَحْضةٍ، كقوله: إن أدَّيْتَ إلىَّ ألْفًا، فأنتَ حُرٌّ. فهذه صِفَةٌ لازِمةٌ، لا سَبِيلَ إلى إبْطالِها؛ لأَنَّه ألْزَمَها نَفْسَه طَوْعًا، فلم يَمْلِكْ إبْطالَها، كما لو قال: إن دخلتَ الدارَ، فأنتَ حُرٌّ. ولو اتّفَقَ السَّيِّدَ والعبدُ على إبْطالِها، لم تَبْطُلْ؛ لذلك (٢١). ولو أبْرَأه (٢٢) السَّيِّدُ من الألْفِ، لم يَعْتِقْ بذلك، ولم يَبْطُل الشَّرْطُ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فى ذِمَّتِه يُبْرِئه منه، وإنَّما هو تَعْلِيقٌ على شَرْطٍ مَحْضٍ. وإن مات السَّيِّدُ، انْفَسَخَتِ الصِّفَةُ؛ لأنَّ مِلْكَه زال عنه، فلا يَنْفُذُ عِتْقُه فى مِلْكِ غيرِه. وإن زال مِلْكُه بِبَيْعِ أو هِبَةٍ، زالتِ الصِّفَةُ، فإن عاد إلى مِلْكِه، عادتْ (٢٣)، كما ذكرنا فيما قبلُ. ومتى وُجِدَتِ الصِّفَةُ، عَتَقَ، ولم يَحْتَجْ إلى تَحْدِيدِ إعْتاقٍ من جهَةِ السَّيِّدِ؛ لأَنَّه إزالةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ (٢٤) على صِفَةٍ، وهو قابِلٌ للتَّعْليقِ، فيُوجدُ بوُجُودِ الصِّفَةِ، كالطَّلاقِ، وما يَكْسِبُه العَبْدُ قبلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فهو لسَيِّدِه؛ لأَنَّه لم يُوجَدْ عَقْدٌ يَمْنَعُ كَوْنَ كَسْبِه لسَيِّدِه، إِلَّا أَنَّ ما يَأْخُذُه السَّيِّدَ منه، يَحْسُبُه مِن الألْفِ التى أدَّاها، فإذا كَمَلَ أدَاؤُها عَتَقَ، وما فَضَلَ فى يَدِه لسَيِّدِه. وإن كان المُعَلّقُ عِتْقُه أمَةَ، فوَلَدَتْ، لم يَتْبَعْها ولَدُها. فى أحَدِ الوَجْهينِ؛ لأنَّها أمَةٌ قِنٌّ، فأشْبَهَ ما لو قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ، فأنْتِ حُرّةٌ. ولا تَجِبُ عليها قِيمةُ نَفْسِها؛ لأنَّه عِتْقٌ من السَّيِّدِ بصِفَةٍ، فأشْبَهَ ما لو

стр. 7750

باشَرَ عِتْقَها (٢٥). ولا يَعْتِقُ حتى يُؤَدِّىَ الألْفَ بكَمالِها. وذكر القاضى، أَنَّ مِن أصْلِنا، أَنَّ العِتْقَ المُعَلَّقَ بصِفَةٍ يوُجَدُ بوُجُودِ بَعْضِها، كما لو قال: أنتَ حُرٌّ، إن أكَلْتَ رَغِيفًا. فأكَلَ بَعْضَه. وهذا لا يَصِحُّ، لوُجُوهٍ؛ أحدُها، أَنَّ أدَاءَ الألْفِ شَرْطُ العِتْقِ، وشُرُوطُ الأحكامِ يُعْتَبَرُ وُجودُها بكمالِها لثُبُوتِ الأحكامِ، وتَنْتَفِى بانْتِفائِها، بدليلِ سائرِ شُرُوطِ الأحكامِ. الثانى، أنَّه إذا عَلَّقه على وَصْفٍ ذى عَدَدٍ، فالعَدَدُ وَصْفٌ فى الشَّرْطِ، ومتى عَلَّقَ الحُكْمَ على شَرْطٍ ذِى (٢٦) وَصْفٍ، لا يَثْبُتُ ما لم تُوجَدِ الصِّفَةُ، كما لو قال لعبدِه: إن خَرَجْتَ عاريًا، فأنْتَ حُرٌّ. فخَرَجَ لابِسًا، لا يَعْتِقُ، فكذلك الْعَدَدُ. الثالثُ، أنَّه متى كان فى اللَّفْظِ ما يَدُلُّ على الكُلِّ، لم يَحْنَثْ بفِعْلِ البعضِ. وكذلك لو حَلَفَ: لا صَلَّيْتُ صَلاةً. لم يَحْنَثْ حتى يَفْرُغَ ممَا يُسَمَّى صَلاةً. ولو حَلَفَ: لا صُمْتُ صِيامًا. لم يَحْنَث حتى يَصُومَ يَوْمًا (٢٧). ولو قال لِامْرأتِه: إن حِضْتِ حَيْضَةً (٢٨)، فأنتِ طالِقٌ. لم تطْلُقْ حتى تَطْهُرَ من الحَيْضَةِ. وقد ذكَر القاضى هذه السائلَ ونَظائِرَها. وذِكْرُ الأَلْفِ ههُنا يَدُلُّ على إرَادَتِه أداءَ الألْفِ (٢٩) كامِلةً. الرَّابعُ، أنَّنا لا نُسَلِّمُ هذا الأصْلَ الذى ادَّعاهُ، وأنَّه إذا قال له: أنتَ حُرٌّ، إن أكَلْتَ رَغِيفًا. لم يَعْتِقْ بأكْلِ بَعْضِه، وإنما إذا حَلَفَ لا يَفْعَلُ شيئًا، ففَعَلَ بعضَه، حَنِثَ، فى رِوَايةٍ، فى مَوْضِعٍ يَحْتَمِلُ إرادةَ البعضِ، ويَتَنَاوَلُه اللَّفْظُ، كمَن حَلَفَ لا يُصَلِّى فشَرَعَ فى الصَّلاةِ، أو لا يَصُومُ فشَرَعَ فى الصِّيامِ (٣٠). أو لا يَشْرَبُ ماءَ هذا الإِناءِ فشَرِبَ بعضَه. ونحوَ هذا؛ لأنَّ الشَّارِعَ فى الصلاةِ والصِّيامِ، قد صَلَّى وصامَ ذلك الجُزْءَ الذى شَرَعَ فيه، والقَدْرَ الذى شَرِبَه من الإِناءِ هو ماءُ الإِناءِ، وقَرِينَةُ حالِه تَقْتَضِى المَنْعَ من الكُلِّ، فتَقْتَضِى الامْتِناعَ مِن الكلِّ، ومتى فَعَلَ البعضَ، فما امْتَنعَ من الكُلِّ، فحَنِثَ لذلك. ولو حَلَفَ على فِعْلِ شىءٍ، لم يَبْرَأْ إِلَّا بفِعْلِ الجميعِ.

стр. 7751

وفى مسألَتِنا، تَعْلِيقُ الحُرِّيَّةِ على أداءِ الأَلْفِ، يَقْتَضِى وُجودَ أدائِها، فلا يثبُتُ الحُكْمُ المُعَلَّقُ عليها دون أدائِها، كمَن حَلَفَ لَيُؤَدِّيَنَّ ألْفًا، لا (٣١) يَبْرَأ حتى يُؤْدِّيَها. الخامسُ، أَنَّ موضوعَ الشَّرْطِ فى الكتابِ والسُّنَّةِ وأحْكامِ الشَّريعةِ، على أنَّه لا يَثْبُتُ المشروطُ بدُونِ شَرْطِه؛ فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "مَنْ قَالَ: لَا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٣٢). فلو قال بعضَها مُقْتَصِرًا عليه، لم يَسْتَحِقَّ إِلَّا العُقوبة. وقال: "مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيْتَةً، فَهِىَ لَه" (٣٣). فلو شَرَعَ فى الإِحْياءِ، لم تكُنْ له. ولو قال فى المُسابَقةِ: مَن سَبَقَ إلى خَمْسِ إصاباتٍ، فهو سابِقٌ. فسَبَقَ إلى أرْبعٍ، لم يكُنْ سابقًا. ولو قال: مَنْ ردَّ ضالّتِى، فله دِينارٌ. فشَرَعَ فى رَدِّها، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا. فكيف يُخالِفُ مَوْضُوعاتِ الشَّرْعِ واللُّغةِ بغيرِ دليلٍ، وإنَّما الذى جاء عن أحمدَ، فى الأَيْمانِ، فى مَن حَلَفَ [على أَنْ] (٣٤) لا يَفْعَلَ شيئًا، ففَعَلَ بعضَه، يَحْنَثُ؛ لأنَّ اليَمِينَ على التَّرْكِ يُقْصَدُ بها المَنْعُ، فنُزِّلَتْ مَنْزِلةَ النَّهْىِ، والنَّهْىُ عنِ فِعْلِ شىءٍ يَقْتَضِى المَنْعَ من بعضِه، بخلافِ [تَعْليقِ المَشْرُوطِ على الشَّرْطِ] (٣٥). واللَّه أعلم. القسم الثانى، صِفَةٌ جَمَعَتْ مُعاوَضةً وصِفَةً، والمُغَلَّبُ فيها حُكْمُ المُعاوَضةِ، وهى الكِتابةُ (٣٦) الصَّحِيحةُ، فهى مُساوِيةٌ للصِّفَةِ المَحْضَةِ فى العِتْقِ لِوُجُودِها (٣٧)، وأنَّه لا يجبُ عليه قِيمةُ نَفْسِه، وأنَّ الوَلَاءَ لسَيِّدِه، وتُخالِفُها فى أنَّه (٣٨) لو أبْرَأهُ (٣٩) السَّيِّدُ مِن المالِ بَرِئَ منه، وعَتَقَ؛ لأنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولةٌ به، فبَرِئَ منه بإبْرائِه، كثَمَنِ المَبِيعِ، ولا يَنْفَسِخُ

стр. 7752

بمَوْتِ السَّيِّدِ، ولا بَيْعِ المُكاتَبِ، ولا هِبَتِه؛ لأَنَّه عَقْدُ (٤٠) مُعاوَضةٍ [لازمٍ، أشْبَهَ البَيْعَ، وما كَسَبَه قبلَ الأداءِ فهو له، وما فَضَلَ فى يَدِه بعدَ الأداءِ فهو له، ووَلَدُ المُكاتَبةِ الذين (٤١) ولَدَتْهم فى الكِتابةِ (٤٢)، يَعْتِقونَ بعِتْقِها. القسمُ الثالثُ، صِفَةٌ فيها مُعاوَضَةٌ] (٤٣)، والمُغَلَّبُ فيها حُكْمُ الصِّفَةِ، وهى الكِتابةُ الفاسِدةُ، نحو الكتابةِ على مَجْهُولٍ، أو نَجْمٍ وا حدٍ، أو مع إخْلالِ (٤٤) شَرْطٍ من شُرُوطِ الكِتابةِ، فتَساوَى الصِّفةُ المَحْضةُ والكِتابةُ الصَّحِيحةُ (٤٥) فى أنَّه لا يَعْتِقُ بالأداءِ؛ لأَنَّه عِتْقٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، ولا تَلْزَمُه قِيمَةُ نَفْسِه، ولا يَبْطُلُ بجُنُونِ المُكاتَبِ، ولا الحَجْرِ عليه؛ لأنَّ الحَجْرَ للرِّقِّ لا يَمْنعُ صِحّةَ كِتابَتِه، فلا يَقْتَضِى حُدُوثُه إبْطالَها. وإِنْ (٤٦) أدَّى حالَ جُنُونِه، عَتَقَ؛ لأنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ. وقال أبو بكرٍ: لا يَعْتِقُ بذلك، ويُفارِقُها (٤٧) فى أَنَّ للسَّيِّدِ فَسْخَها ورَفْعَها؛ لأنَّها فاسدةٌ، والفاسدُ يُشْرَعُ رَفْعُه وإزالَتُه، ويُفارِقُ الكِتابةَ الصحيحةَ، فى أنَّها تَبْطُلُ بمَوْتِ السَّيِّدِ، وجُنُونِه (٤٨)، والحَجْرِ عليه لِسَفَهٍ؛ لأَنَّه عَقْدٌ جائِزٌ من جِهَتِه، فبَطَلَ بهذه الأُمورِ، كالوَكالةِ والمُضَاربةِ، وقد قال أحمدُ: إذا وَسْوَسَ، فهو بمَنْزِلةِ الموتِ. وهذا قولُ القاضِى. وقال أبو بكرٍ: لا تَبْطُلُ بشىءٍ من ذلك؛ لأَنَّه عَقْدُ كتابةٍ، فلم (٤٩) يَبْطُلْ بذلك، كالصَّحِيحةِ، وتُفارقُ الصِّفَةَ المَحْضَةَ فى أَنَّ كَسْبَ العبْدِ قبلَ الأداءِ له، وما فَضَلَ [فى يَدهِ] (٥٠) بعدَ الأداءِ فهو له دُونَ سَيِّدِه، ويَتْبَعُ المُكاتَبةَ ولَدُها، حَمْلًا لها على الكِتابةِ (٥١) الصَّحِيحةِ. فى أحدِ الوَجْهَيْنِ فيهما. وفى الآخَرِ، لا يَسْتَحِقُّ

стр. 7753

كَسْبَه، ولا يَتْبَعُ المُكاتبةَ ولَدُها؛ لأنَّ العِتْقَ حَصَلَ بالصِّفَةِ، لا بالكِتابةِ. فأمَّا الكِتابةُ بمُحَرَّمٍ، كالخمرِ، والخِنْزِيرِ، فقال القاضى: هى كِتابةٌ فاسدةٌ، حُكْمُها حكمُ ما ذكرْنا، ويَعْتِقُ فيها بالأداءِ. وقال أبو بكرٍ: لا يَعْتِقُ فيها بالأداءِ. وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، فى روَايةِ المَيْمُونِىِّ، إذا كاتَبَه كِتابةً فاسِدَةً، فأدَّى ما كُوتِبَ عليه، عَتَقَ ما لم تكُنِ الكتابةُ مُحَرَّمةً. ويَنْبَغِى أن يُقالَ: إن عَلَّقَ العِتْقَ على أداءِ المُحَرمِ، عَتَقَ به، كما لو عَلَّقَ العِتْقَ على السَّرِقةِ وشُرْبِ الخَمْرِ. وإن قال: كاتَبْتُكَ على خَمْرٍ. لم يَعْتِقْ بأدائِه، كقولِ أبى بكرٍ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وإذا قال لعبدِه: أنتَ حُرٌّ، وعليك ألْفٌ. عَتَقَ، ولا شىءَ عليه؛ لأَنَّه أعْتَقَه بغيرِ شَرْطٍ (٥٢) وجَعَلَ عليه عِوَضًا لم يَقْبَلْه، فيَعْتِقُ (٥٣) ولم يَلزَمْه الألْفُ. هكذا ذكَر المتأخِّرُونَ من أصْحابِنا. ونَقَلَ جعفرُ بن محمدٍ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه، قيل له: إذا قال: أنتَ حُرٌّ، وعليك ألْفُ دِرْهمٍ. قال: جَيِّدٌ. قيل له: فإن لم يَرْضَ العبدُ؟ قال: لا يَعْتِقُ، إنَّما قالَه (٥٤) له على أن يُؤدِّىَ إليه ألْفَ دِرْهمٍ، فإنْ لم يُؤَدِّ، فلا شىءَ. وإِنْ قال: أنتَ حُرٌّ على ألْفٍ. فكذلك. فى (٥٥) إحْدَى الرِّوايتَيْنِ؛ لأنَّ "على" ليستْ مِن أدَواتِ الشَّرْطِ ولا البَدَلِ، فأشْبَهَ قولَه: وعليكَ ألْفٌ. والثانية، إن قَبِلَ العبدُ، عَتَقَ، ولَزِمَتْه الألفُ، وإن لم يقْبَلْ، لم يَعْتِقْ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةَ؛ لأَنَّه أعْتَقَه بعِوَضٍ، فلم يَعْتِقْ بُدونِ قبولِه، كما لو قال: أنتَ حرٌّ بألْفٍ. وهذه الرِّوايةُ أصَحُّ؛ لأنَّ "على" تُسْتَعْمَلُ للشَّرْطِ والعِوَضِ، قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٥٦). وقال تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (٥٧). ولو قال فى النِّكاحِ: زَوَّجْتُك ابْنَتِى فُلانةَ، على صَدَاقِ خمسِمائةِ

стр. 7754

دِرْهمٍ. فقال الآخَرُ: قَبِلْتُ. صَحَّ النِّكاحُ، وثَبَتَ الصَّداقُ. وقال الفُقَهاءُ: إذا تزَوَّجَها على ألفٍ لها، وألفٍ لأِبيها، كان ذلك جائزًا. فأمَّا إذا (٥٨) قال: أعْتَقْتُكَ على أن تَخْدُمَنِى سَنَةً. فقَبِلَ، ففيها رِوَايتان، كالتى قَبْلَها. وقيل: إن لم يَقْبَلِ العبدُ، لم يَعْتِقْ. رِوَايةً واحدةً. فعلى هذا، إذا قَبِلَ العبدُ، عَتَقَ فى الحالِ، ولَزِمَتْه خِدْمَتُه سنةً. فإن مات السَّيِّدُ قبلَ كَمالِ السَّنَةِ، رُجعَ على العبدِ بقِيمَةِ ما بَقِىَ من الخِدْمةِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: تُقَسَّطُ قِيمَةُ العَبْدِ على خِدْمَةِ السَّنةِ، فيُقَسَّطُ منها بقَدْرِ ما مَضَى، ويُرْجَعُ عليه بما بَقِىَ من قِيمَتِه. ولَنا، أَنَّ العِتْقَ عَقْدٌ لا يَلْحَقُه الفَسْخُ، فإذا تعَذَّرَ فيه اسْتِيفاءُ العِوَضِ، رُجعَ إلى قِيمَتِه، كالخُلْعِ فى النِّكاحِ، والصُّلْحِ فى دَمِ العَمْدِ. وإن قال: أنتَ حُرٌّ، على أَنْ تُعْطِيَنِى ألْفًا. فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَعْتِقُ حتى يَقْبَلَ، فإذا قَبِلَ، عَتَقَ، ولَزِمَه الألفُ (٥٩). وإن قال: أنتَ حُرٌّ بألْفٍ. لم يَعْتِقْ حتى يَقْبَلَ، فيَعْتِقَ، ويَلْزَمَه ألْفٌ (٦٠). فصل: وإذا عَلَّقَ عِتْقَ أمَتِه بصِفَةٍ، وهى حامِلٌ، تَبِعَها ولَدُها فى ذلك؛ لأَنَّه كعُضْوٍ من أعضائِها، فإن وضَعَتْه قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ثم وُجِدَتِ الصِّفَةُ، عَتَقَ؛ لأَنَّه تابعٌ فى الصِّفَةِ، فأشْبَهَ ما لو كان فى (٦١) البَطنِ. وإن كانتْ حائِلًا (٦٢) حينَ التَّعْليقِ، ثم وُجِدَتِ الصِّفَةُ وهى حامِلٌ، عَتَقَتْ هى وحَمْلُها؛ لأنَّ العِتْقَ وُجِدَ فيها وهى حامِلٌ، فتَبِعَها ولَدُها، كالمُنْجَزِ. وإن حَمَلَتْ بعدَ التَّعْليقِ، ووَلَدَتْ قبلَ وُجودِ الصِّفَةِ، ثم وُجِدَتْ بعدَ ذلك، لم يَعْتِقِ الولَدُ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لم تتَعَلَّقْ به، لا فى حالِ التَّعْلِيقِ، ولا فى حالِ العِتْقِ. وفيه وجْهٌ آخرُ، أنَّه يَتْبَعُها فى العِتْقِ، قِياسًا على ولَدِ المُدَبَّرةِ. وإن بَطَلَتِ الصِّفَةُ بِبَيْعٍ أو مَوْتٍ، لم يَعْتِقِ الوَلدُ؛ لأَنَّه إنَّما يَتْبَعُها فى العِتْقِ، لا فى الصِّفَةِ، فإذا لم تُوجَدْ فيها، لم يُوجَدْ فيه، بخِلافِ ولَدِ المُدَبَّرةِ؛ فإنه تَبِعَها فى التَّدْبِيرِ؛ فإذا بَطَلَ فيها، بَقِىَ فيه. ١٩٦٤ - مسألة؛ قال: (وإذا أسْلَمَتْ أُمُّ ولَدِ النَّصْرَانِىِّ، مُنِعَ مِنْ غِشْيَانِهَا ،

стр. 7755

والتَّلَذُّذِ بِهَا، وأُجْبِرَ عَلَى نَفقَتِهَا، فإن أسْلَمَ، حَلَّتْ لَهُ، وَإِذَا مَاتَ، عَتَقَتْ) هذه المسألةُ يُوخَّرُ شَرْحُها إلى باب عِتْقِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ؛ فإنَّه ألْيَقُ بها. ١٩٦٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ، فَهُوَ حُرٌّ. فَوَلَدَتِ اثْنَيْنِ، أقْرِعَ (١) بَيْنَهُمَا، فَمَنْ أصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ، فَهُوَ حُرٌّ، إِذَا أَشْكَلَ أَوَّلُهُمَا خُرُوجًا) إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ أحَدَهُما اسْتَحَقَّ العِتْقَ، ولم يُعْلَمْ بعَيْنِه، فوَجَبَ إخْراجُه بالقُرْعَةِ، كما لو قال لعَبِيدِه: أحَدُكُم حُرٌّ. وقد سَبَقَ القولُ فى هذه المسألةِ. فأمَّا إن عُلِمَ أوَّلُهما خُروجًا، فهو الحُرُّ وحدَه. وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى هاشمٍ، والشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الحسنُ، والشَّعْبِىّ، وقَتادةُ: إذا وَلَدَتْ ولَدَيْنِ فى بَطنٍ، فهما حُرَّانِ. ولَنا، أنَّه إنَّما أَعتَقَ الأوَّلَ، والذى خَرَجَ أوَّلًا هو أوَّلُ الوَلَدَيْن (٢)، فاخْتَصَّ العِتْقُ به، كما لو ولَدَتْهُما فى بَطْنَيْنِ. فصل: فإن ولَدَتِ الأوَّلَ مَيِّتًّا، والثانىَ حَيًّا، فذَكَرَ الشَّرِيفُ أنَّه يَعْتِقُ الحَىُّ منهما. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ، والشَّافعىُّ: لا يَعْتِقُ واحدٌ منهما. وهو الصَّحِيحُ، إِنْ شاء اللَّه تعالى؛ لأنَّ شَرْطَ العِتْقِ إنَّما وُجدَ فى المَيِّتِ، وليس بمَحَلٍّ للعِتْقِ، فَانْحَلَّتِ اليمينُ به، وإنَّما قُلْنا: إِنَّ شَرْطَ العِتْقِ إنَّما (٣) وُجِدَ فيه؛ لأَنَّه أوّلُ وَلَدٍ، بدليلٍ أنَّه لو قال لأمَتِه: إذا ولَدْتِ ولَدًا (٤)، فأنتِ حُرَّةٌ. فولَدَتْ ولَدًا مَيِّتًا، عَتَقَتْ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أَنَّ العِتْقَ يَسْتَحِيلُ فى المَيِّتِ، فتعَلَّقَتِ اليَمِينُ بالحَىِّ، كما لو قال: إن ضَربتَ فلانًا، فعَبْدِى حُرٌّ. فضَرَبه حَيًّا، عَتَقَ، وإن ضَرَبَه مَيِّتًا، لم يَعْتِقْ. ولأنَّه معلومٌ من طَرِيقِ العادةِ، أنَّه قَصَدَ عَقْدَ يَمِينِه على ولَدٍ يَصِحُّ العِتْقُ فيه، وهو أن يكونَ حَيًّا، فتصيرُ الحياةُ مَشْرُوطةً فيه، فكأنَّه قال: أوَّلُ ولَدٍ تَلِدينَه حَيًّا، فهو حُرٌّ. فصل: وإن قال لأَمَتِه: كُلُّ ولَدٍ تَلِدِينَه، فهو حُرٌّ. عَتَقَ كلُّ ولدٍ ولَدَتْه. فى قولِ

стр. 7756

جُمْهورِ العُلَماءِ، منهم؛ مالكٌ، والشَّافعىُّ، والأوْزَاعىُّ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أحْفَظُ عن غيرِهِم خِلَافَهم. فإنْ باع الأمَةَ، ثمَّ ولَدَتْ، لم يَعْتِقْ ولَدُها؛ لأنَّها ولَدَتْهُم بعدَ زوالِ مِلْكِه. فصل: فإِن قال: أوّلُ غُلَامٍ أَمْلِكُه، فهو حُرٌّ. انْبَنَى ذلك على العِتْقِ قبلَ المِلْكِ، وفيه رِوَايتان؛ فإِنَّ قُلْنا يَصِحُّ عِتْقُ اولِ مَنْ يَمْلِكُه. فإِن مَلَكَ اثْنَيْنِ، عَتَقَ أحدُهما بالقُرْعَةِ، فى قياسِ قولِ أحمدَ، فإنَّه قال، فى روايةِ مُهَنَّا: إذا قال: أوَّلُ مَنْ يَطْلُعُ من عَبِيدِى، فهو حُرٌّ. فطَلَعَ اثْنَانِ، أو جَمِيعُهم، فإنَّه يُقْرَعُ بينهم. ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَا جميعًا؛ لأنَّ الأوَّلِيَّةَ وُجِدَتْ فيهما جَمِيعًا، فتَثْبُتُ الحُرِّيَّةُ فيهما، كما لو قال فى المُسَابقَةِ: مَنْ سَبَقَ، فله عَشرةٌ. فسَبَقَ اثنانِ، اشْتَرَكا فى العشرةِ. وقال النَّخَعِىُّ: يُعْتِقُ أيَّهما شاء. وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ واحدٌ منهما؛ لأَنَّه لا أَوَّلَ فيهما؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مُساوٍ للآخَرِ، ومِنْ شَرْطِ الأوَّلِيَّةِ سَبْقُ الأوَّلِ. ولَنا، أَنَّ هذَيْن لم يَسْبِقْهُما غَيْرُهما، فكانا أوَّلَ، كالواحدِ، وليس من شَرْطِ الأَوَّلِ أن يَأْتِىَ بعدَه ثانٍ، بدليلِ ما لو مَلَكَ واحِدًا ولم يَمْلِكْ بعدَه شيئًا، وإذا كانت الصِّفَةُ مَوْجودةً فيهما، فإمَّا أن يَعْتِقَا جميعًا، أو يَعْتِقَ أحَدُهما وتُعَيِّنَه القُرْعةُ، على ممَّا ذكرنا من قبلُ. وكذلك الحكمُ فيما إذا قال: أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَه، فهو حُرٌّ. فولَدَتِ اثْنَيْنِ، وخَرَجَا (٥) معًا، فالحكُم فيهما كذلك. فصل: وإن قال: آخِرُ عَبْدٍ أمْلِكُه، فهو حرٌّ. فمَلَكَ عَبِيدًا، لم يُحْكَمْ بعِتْقِ واحدٍ منهم حتَّى يَمُوتَ؛ لأَنَّه ما دام حَيًّا، فهو يَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ عَبْدًا يكونُ هو الآخِرَ، فإذا مات، عَتَقَ آخِرُهُم (٦)، وتبَيَّنَّا أنَّه كان حُرًّا حينَ مَلَكَه، فيكونُ اكْتِسابُه (٧) له. وإن كانتْ أمَةً، كان أولادُها أحْرارًا من حينَ ولَدَتْهم؛ لأنَّهم أولادُ حُرَّةٍ. وإن كان وَطِئَها، فعليه مَهْرُها؛ لأَنَّه وَطِئَ حُرّةً أجْنَبِيَّةً، ولا يَحِلُّ له أن يَطَأَها حينَ مَلَكَها، حتَّى يَمْلِكَ بعدَها غيرَها، لأنّه ما لم يَمْلِكْ بعدَها غيرَها، فهى آخِرٌ فى الحال، وإنَّما يَزُولُ (٨) ذلك

стр. 7757

بمِلْكِ غيرِها، فوَجَبَ أن يَحْرُمَ الوَطْءُ. وإن مَلَكَ اثنينِ، دَفْعةً واحدةً، ثمَّ مات، فالحُكْمُ فى عِتْقِهِما، كالحُكْمِ فيما إذا مَلَكَ اثْنَيْنِ فى المسألةِ التى قبلَها. ١٩٦٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ: اشْتَرِنِى مِنْ سَيِّدِى بِهذَا الْمَالِ، فَأعْتِقْنِى. ففَعَلَ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا، وَعَلَى المُشْتَرِى أَنْ يُؤَدِّىَ إِلَى الْبَائِع مِثْلَ الَّذِى اشْتَراهُ بِهِ، وَوَلَاؤُه لِلَّذِى اشْتَرَاهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهُ: بِعْنِى بِهذَا الْمَالِ. فَيَكُونَ الشِّرَاءُ والعِتْقُ (١) بَاطِلًا، ويَكُونَ السَّيِّدُ قَدْ أخَذَ مَالَهُ) وجملتُه أَنَّ العبدَ إذا دَفَعَ إلى أجْنَبِىٍّ مالًا، وقال: اشْتَرِنِى مِن سَيِّدِى بهذا المالِ، فأَعْتِقْنِى. ففَعَلَ، لم يَخْلُ من أن يَشْتَرِيَه بعَيْنِ المالِ، أو فى ذِمَّتِه، ثمَّ ينْقُدَ المالَ، فإِنَّ اشْتَراه فى ذِمَّتِه، فأعْتَقَه، فالشِّرَاءُ صَحِيحٌ، والعِتْقُ جائزٌ؛ لأَنَّه مَلَكَه بالشِّراءِ، فنَفَذَ عِتْقُه له، وعلى المُشْتَرِى أداءُ الثَّمَنِ الذى اشْتراهُ به؛ لأَنَّه لَزِمَه الثَّمنُ بالبَيْعِ، والذى دَفَعَه إلى السَّيِّدِ كان مِلْكًا له، لا يَحْتَسِبُ (٢) له به (٣) مِن الثَّمَنِ، فبَقِىَ (٤) الثَّمنُ واجِبًا عليه، يَلْزَمُه أداؤُه، وكان العِتْقُ من مالِه، والولاءُ له. وبهذا قال الشَّافِعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وأمَّا إن اشْتراهُ بعَيْنِ المالِ، فالشِّراءُ باطِلٌ، والعِتْقُ غيرُ واقِعٍ؛ لأَنَّه اشْتَرَى بعَيْنِ مالِ غيرِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، فلم يَصِحَّ الشِّراءُ، ولم يَقَعِ العِتْقُ، لأنَّه أعْتَقَ مَمْلُوكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ويكونُ السَّيِّدُ قد أخَذَ مالَه؛ لأنَّ ما فى يَدِ العَبْدِ مَحْكُومٌ به لسَيِّدِه. وعلى الرِّوايةِ التى تقولُ: إِنَّ النُّقُودَ لا تتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ فى العُقُودِ. يَصِحُّ البَيْعُ والعِتْقُ، ويكونُ الحُكْمُ كما لو اشْتراهُ فى ذِمَّتِه. ونحوَ هذا قال النَّخَعِىُّ، وإسْحاقُ، فإنَّهما قالا: الشِّراءُ والعِتْقُ جائزٌ (٥)، ويَرُدُّ المُشْترِى مِثْلَ الثَّمَنِ مِن غيرِ تَفْرِيقٍ. وقال الحسنُ: البَيْعُ والعِتْقُ باطِلٌ (٦). وقال الشَّعْبِىُّ: لا يجوزُ ذلك، ويُعاقَبُ مَنْ

стр. 7758

فَعَلَه، مِن غيرِ تَفْرِيقٍ أيضًا، وقد ذكرنا ما يَقْتَضِى التَّفْرِيقَ، وفيه تَوَسُّطٌ بين المَذْهَبْينِ، فكان أَوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ تعالى. فصل: ولو كان العبدُ بينَ شَرِيكينِ، فأعْطَى العَبْدُ أحَدَهما خَمْسِينَ دينارًا، على أن يَعْتِقَ نَصِيبَه منه، فأعْتَقَه، عَتَقَ، وسَرَى إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا، ورَجَعَ عليه شَرِيكُه بنِصْفِ الخَمْسِين، وبنصفِ قِيمَةِ العَبْدِ؛ لأنَّ ما فى يَد العبدِ يكونُ بين سَيِّدَيْه، لا يَنْفَرِدُ به أحَدُهما، إِلَّا أَنَّ نَصِيبَ المُعْتقِ يَنْفُذُ فيه العِتْقُ، وإن كان العِوَضُ مُسْتَحقًا، إذ لم يَقَعِ العِتْقُ (٧) على عَيْنِها، وإنَّما سَمَّى خَمْسِينَ ثمَّ دَفَعَها إليه. وإن أوْقَعَ (٨) العِتْقَ على عَيْنِها، يَجِبُ أن يَرْجِعَ على العَبْدِ بقِيمةِ (٩) ما أعْتَقَه بالعِوَضِ المُسْتَحَقِّ، ويَسْرِى العِتْقُ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، فيَرْجِعُ بقِيمَتِه، ويكونُ الوَلاءُ للمُعْتِقِ. فصل: ولو وَكَّلَ أحدُ الشَّرِيكينِ شَرِيكَه فى عِتْقِ نَصِيبِه، فقال الوَكِيلُ: نَصِيبِى حُرٌّ. عَتَقَ، وسَرَى إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، والوَلَاءُ (١٠) له. وإِنْ أعْتَقَ نَصِيبَ المُوَكِّلِ، عَتَقَ، وسَرَى إلى نَصِيبِه، والولاءُ للمُوَكلِ. وإن أعْتَقَ نِصْفَ العَبْدِ، ولم يَنْوِ مميئًا، احْتَمَلَ أن يَنْصَرِفَ إلى نَصِيبِه؛ لأَنَّه لا يحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، ونَصِيبُ شَرِيكِه يَفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ، ولم يَنْوِ ذلك. ويَحْتَمِلُ (١١) أن يَنْصَرِفَ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه؛ لأَنَّه أمَرَه بالإِعْتاقِ، فانْصَرَف إلى ما أمَرَ به. ويَحْتَمِلُ أن يَنْصَرِفَ إليهما؛ لأنَّهما تَساوَيَا، فانْصَرَفَ إليهما، وأيُّهما حَكَمْنا بالعِتْقِ عليه، ضَمِنَ نَصِيبَ شَرِيكِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَضْمَنَ؛ لأنَّ الوَكِيلَ إِنْ أعْتَقَ نَصِيبَه، فسَرَى إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، لم يَضْمَنْه؛ لأَنَّه مَأْذُونٌ له فى العِتْقِ، وقد عَتَقَ (١٢) بالسِّرَايةِ، فلم يَضْمَنْ، كمَنِ أذِنَ له فى إتْلافِ شىءٍ، فإنَّه لا يَضْمَنُه وإن أتْلَفَه بالسِّرَايةِ. وإذا أعْتَقَ نَصِيب شَرِيكِه، لم يَلْزَمْ شَرِيكَه الضَّمانُ؛ لأَنَّه مُباشِرٌ لسَبَبِ الإِتْلافِ، فلم يَجِبْ له ضَمانُ ما تَلِفَ به، كما لو قال له أجنبىٌّ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ. فأعْتَقَه. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 7759

كتاب التَّدْبِير ومعنى التَّدْبِيرِ: تَعْلِيقُ عِتْقِ عَبْدِه بمَوْتِه. والوَفاةُ دُبُرُ الحياةِ، يقال: دابَرَ الرَّجُلُ يُدابِرُ مُدابَرَةً. إذا ماتَ، فسُمِّىَ العِتْقُ بعدَ الموتِ تَدْبِيرًا؛ لأَنَّه إعْتاقٌ (١) فى دُبُرِ الحياةِ. والأصْلُ فيه السُّنّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا السُّنَّةُ، فما رَوَى جابرٌ، أَنَّ رجلًا أعْتَقَ مملوكًا له عن دُبُرٍ منه (٢) فاحْتاجِ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيهِ (٣) مِنِّى". فبَاعَه من نُعَيمِ بنِ عبدِ اللَّه بثَمانِمائةِ دِرْهَمٍ، فدَفَعَها إليه. وقال: "أنْتَ أحْوَجُ مِنْهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وأمَّا الإِجْماعُ، فقال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ أحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أَنَّ مَنْ دَبَّرَ عَبْدَه أو أمَتَه، ولم يَرْجِعْ عن ذلك حتَّى ماتَ، والمُدَبَّرُ يَخْرُجُ من ثُلثِ مالِه، بعدَ قَضَاءِ دَيْنٍ إن كان عليه، وإنفاذِ وَصَاياهُ إن كان وَصَّى، وكان السَّيِّدُ بالِغًا جائِزَ الأمرِ، أنَّ الحُرِّيَّةَ تَجِبُ له أو لها. ١٩٦٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِعَبدِهِ أَوْ أمَتِهِ: أنْتَ مُدبَّرٌ، أَوْ قَدْ دَبَّرْتُكَ ،

стр. 7760

أَوْ أنتَ حُرٌّ بَعْد مَوْتِى. فَقَدْ صَارَ مُدَبَّرًا) وجملةُ ذلك أنَّه إذا عَلَّقَ صَرِيحَ العِتْقِ بالموتِ، فقال: أنتَ حُرٌّ، أو مُحَررٌ، أو عَتِيقٌ، أو مُعْتَقٌ، بعدَ مَوْتِى (١). صار مُدَبَّرًا. بلا خِلافٍ نَعْلَمُه. فأمَّا إن قال: أنتَ مُدَبَّرٌ، أو قد دَبَّرْتُكَ. فإنَّه يَصِيرُ (٢) مُدَبَّرًا بنفسِ اللَّفْظِ، من غيرِ افْتِقارٍ إلى نِيَّةٍ. وهذا مَنْصوصُ الشَّافعىِّ. وقال بعضُ أصْحابِه: فيه قولٌ آخَرُ، أنَّه ليس بصَرِيح فى التَّدْبِيرِ، ويَفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ؛ لأنَّهما لَفْظانِ لم يَكْثُرِ اسْتِعْمالُهما، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ، كالكِنَاياتِ. ولَنا، أنَّهما لَفْظانِ وُضِعَا لهذا العَقْدِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى النِّيَّةِ، كالبَيْعِ، ويُفارِقُ الكِناياتِ؛ فإنَّها غيرُ مَوْضُوعةٍ له، ويُشارِكُها فيه غيرُها، فافْتَقَرتْ إلى النِّيَّةِ للتَّعْيينِ، ويَرْجُحُ أحَدُ المُحْتمِلَيْنِ، بخِلافِ المَوْضوعِ. فصل: ويَعْتِقُ المُدَبَّرُ بعدَ الموتِ من ثُلثِ المالِ. فى قولِ أَكْثَرِ أهلِ العلمِ، يُرْوَى ذلك عن علىٍّ، وابنِ عمرَ (٣). وبه قال شُرَيْحٌ، وابنُ سِيرِينَ، والحسنُ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزيز، ومَكْحولٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والثَّوْرِىُّ، وأهلُ العراقِ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ (٤)، ومَسْروقٍ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، أنَّه يَعْتِقُ من رأسِ المالِ؛ لأَنَّه عِتْقٌ فينْفُذُ (٥) مِن رأسِ المالِ، كالعِتْقِ فى الصِّحَّةِ، وعِتْقِ أُمِّ الوَلَدِ. ولَنا، أنَّه تَبَرُّعٌ بعدَ الموتِ، فكان من الثُّلثِ، كالوصِيَّةِ، ويُفارِقُ العِتْقَ فى الصِّحَّةِ، فإنَّه لم يتَعَلَّقْ به حَق غيرِ المُعْتِقِ، فيَنْفُذُ (٥) فى الجميعِ، كالهِبَةِ المُنْجَزَةِ. وقد نَقَلَ حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّه يَعْتِقُ مِن رأس المالِ. وليس عليها عَمَلٌ، قال أبو بكرٍ: هذا قولٌ قديمٌ، رَجَعَ عنه أحمدُ إلى ما نَقَلَه الجماعةُ. فصل: وإن اجْتَمَعَ العِتْقُ فى المَرَضِ والتَّدْبِيرُ، قُدِّمَ العِتْقُ؛ لأَنَّه أسْبَقُ. وإن اجْتَمَعَ

стр. 7761

التَّدْبِيرُ والوَصِيَّةُ بالعِتْقِ، تَساوَيا؛ لأنَّهما جميعًا عِتْقٌ بعدَ المَوْتِ. ويَحْتَمِلُ أن يُقَدَّمَ التَّدْبِيرُ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ تقَعُ فيه عندَ المَوْتِ، والوَصِيَّةُ تَقِفُ على الإِعْتاقِ بعدَه. فصل: ويجوزُ التَّدْبِيرُ مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا، فالمُطْلَقُ تَعْلِيقُ العِتْقِ بالمَوْتِ من غيرِ شَرْطٍ آخَرَ، كقولِه: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى. والمُقَيَّدُ ضَرْبانِ؛ أحدُهما، خاصٌّ، نحو أن يقولَ: إن مِتُّ من مَرَضِى هذا، أو سَفرِى هذا، أو فى بَلَدِى هذا، أو عامِى هذا، فأنتَ حُرٌّ. فهذا جائزٌ على ما قال، إن مات على الصِّفَةِ التى شَرَطَها عَتَقَ العبدُ، وإلَّا لم يَعْتِقْ. وقال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن مَن قال لعبدِه: أنتَ (٦) مُدَبَّرٌ اليومَ؟ قال: يكون مُدَبَّرًا ذلك اليومَ، فإِن مات ذلك اليومَ، صار حُرًّا. يعنى إذا مات المَوْلَى. والضربُ الثانى، أن يُعَلِّقَ التَّدْبِيرَ على صِفَةٍ، مثل أن يقولَ: إن دخَلْتَ الدارَ، أو إن قَدِمَ زيدٌ، أو إن شَفَى اللَّهُ مَرِيضِى، فأنتَ (٦) مُدَبَّرٌ، أو فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى. فهذا لا يَصِيرُ مُدَبَّرًا فى الحالِ؛ لأَنَّه عَلَّقَ التَّدْبِيرَ على شَرْطٍ، فإذا وُجِدَ، صار مُدَبَّرًا، وعَتَقَ بمَوْتِ سَيِّدِه، وإن لم يُوجَدِ الشَّرْطُ فى حياةِ السَّيِّدِ، وَوُجدَ بعدَ مَوْتِه، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ إطْلاقَ الشَّرْطِ (٧) يَقْتَضِى وُجُودَه فى الحياةِ، بدليلِ ما لو (٨) عَلَّقَ عليه عِتْقًا مُنْجَزًا، فقال: إذا دخلْتَ الدَّارَ، فأنتَ حُرٌّ. فدَخَلَها بعدَ مَوْتِه، لم يَعْتِقْ، وكما (٩) لو قال لوَكِيلهِ: بعْ عَبْدِى. فمات المُوَكِّلُ قبلَ بَيْعِه، بَطَلَتْ وَكالَتُه. ولأنَّ المُدَبَّرَ مَن عُلِّقَ عِتْقُه بالموتِ، وهذا قبلَ المَوْتِ لم يكُنْ مُدَبَّرًا، وبعدَ الموتِ لا يُمْكِنُ حُدوثُ التَّدْبِيرِ. وإن قال: إن دخلْتَ الدَّارَ بعدَ مَوْتِى، فأنتَ حُرٌّ. فذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيها رِوَايتَيْنِ؛ إحْداهما، لا يَعْتِقُ. وهو قياسُ المَنْصوصِ عنه، فى قولِه: أنتَ حُرٌّ بعدَ موتِى بيَوْءم أو شهير. فإنَّه قال: لا يَعْتِقُ؛ لأَنَّه عَلَّقَ العِتْقَ بصِفَةٍ تُوجَدُ فى مِلْكِ غيرِه، فلم يَعْتِقْ، كما لو قال: إِنْ دخلْتَ الدَّارَ بعدَ بَيْعِى إيَّاكَ، فأنتَ حُرٌّ. ولأنَّه إعْتاقٌ له بعدَ قَرارِ مِلْكِ غيرِه عليه، [فلم يَعْتِقْ] (١٠)، كالمُنْجَزِ. والثانيةُ، يَعْتِقْ. وهو

стр. 7762

الذى ذكَره القاضى. وهو مذهبُ الشَّافِعىِّ؛ لأَنَّه صَرَّحَ (١١) بذلك، فحُمِلَ عبيه، كما لو وَصَّى بإعْتاقِه، وكما لو وَصَّى بِبَيْعِ سِلْعةٍ ويُتَصَدَّقُ بثَمَنِها، ويُفارِقُ التَصَرُّفَ بعدَ البَيْعِ؛ فإِنَّ اللَّه تعالى جَعَلَ للإِنْسانِ التَّصَرُّفَ بعدَ مَوْتِه فى ثُلثِه، بخِلافِ ما بعدَ البَيْعِ. والأَوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى. ويُفارِقُ الوَصِيَّةَ (١٢) بالعِتْقِ وبَيعَ السِّلْعةِ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَسْتَقِرُّ للوَرَثةِ فيه، ولا يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فيه، بخِلافِ مسألَتِنا. وقولُهم: جَعَلَ (١٣) له التَّصَرُّفَ فى ثُلثِه. قُلْنا: إنَّما يتَصَرَّفُ فيه تَصَرُّفًا يَثْبُتُ عَقِيبَ مَوْتِه، ويَمْنَعُ انْتِقالَه إلى الوارثِ، وإن ثَبَتَ للوارثِ، فهو ثُبوتٌ غيرُ مُسْتَقِرٍّ، وقد قيل: يكونُ مُرَاعًى، فإذا قَبِلَ المُوصَى له، تَبَيَّنَّا أَنَّ المِلْكَ كان له مِن حينِ الموتِ، وإن لم يَقْبَلْ، تَبَيَّنَّا أنَّه كان للوارثِ. فعلى قَوْلِنا: لا يَعْتِقُ بالدُّخُولِ بعدَ الموتِ. للوارِثِ التَّصَرُّفُ فيه كيف شاءَ، ومَنْ صَحَّحَ هذا الشَّرْطَ، احْتَمَلَ أن يَمْنَعَ الوارثَ مِن التَّصَرُّفِ فى رَقَبَتِه؛ لأَنَّه يَسْتَحِقُّ العِتْقَ، فأشْبَهَ المُوصَى بِعِتْقِه. واحْتَمَلَ أن لا يَمْنَعَه؛ لأَنَّه عَلَّقَ عِتْقَه على صِفَةٍ غيرِ الموتِ، فلم يَمْنَعْ من التَّصَرُّفِ فيه، كما لو قال لعَبدِه: إِنْ دخلْتَ الدَّارَ، فأنتَ حرٌّ. فأمَّا كَسْبُه قبلَ عِتْقِه، فهوِ للوارثِ؛ لأنَّ المِلْكَ فيه مُسْتَقِرٌّ قبلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، كما لو كان الوارِثُ هو الذى عَلَّقَ عِتْقَه. فصل: فإِن قال: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى بشَهْرٍ، أو قال: بيَوْمٍ. فقال أحمدُ، فى رِوَايةِ مُهَنَّا: لا يَعْتِقُ، ولا تَصِحُّ هذه الصِّفَةُ. وقال أيضًا: سألتُ أحمدَ، عن رجلٍ قال لعبدِه: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى بشهرٍ، بأَلْفِ دِرْهمٍ. فقال: هذا كلُّه لا يكونُ شيئًا بعدَ مَوْتِه. وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ. وذكر القاضِيانِ ابنُ أبى موسى وأبو يَعْلَى فيها روايةً أُخْرَى، أنَّه يَعْتِقُ إذا وُجِدَتِ الصِّفَتانِ؛ الموتُ، ومُضِى المُدَّةِ المذكورة. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو يوسفَ، وإسْحاقُ. ووَجْهُ الرِّوايتَيْنِ ما تقَدَّمَ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا يَعْتِقُ حتَّى يَعْتِقَه الوارثُ. وعلى قولِ مَنْ قال: يَعْتِقُ. يكونُ قبلَ الموتِ مِلْكًا للوارثِ، وكَسْبُه له، كأُمِّ الوَلدِ، والمُدَبَّرِ فى حَياةِ السَّيِّدِ. وإن كان أمةً، فولَدَتْ قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، فولَدُها

стр. 7763

يَتْبَعُها فى التَّدْبِيرِ، وَيعْتِقُ بوُجُودِ الصِّفَةِ، كما تَعْتِقُ هى. فصل: إذا قال لعَبْدِه: إذا قرأْتَ القرآنَ، فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى. فقَرَأَ القرآنَ جَمِيعَه، صار مُدَترا، وإن قرَأَ بعضَه، لم يَصِرْ مُدَبَّرًا. وإن قال: إذا قرأتَ قُرْآنًا، فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى، فقرَأَ بعضَ القرآنِ، صار مُدَبَّرًا؛ لأَنَّه فى الأُولَى عَرَّفَه بالألفِ واللَّامِ المُقتَضِيَةِ للاسْتِغْراقِ، فعادَ إلى جَمِيعِه، وههُنا نَكَّرَه، فاقْتَضَى بعضَه. فإِن قيل: فقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١٤). وقال: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (١٥). ولم يُرِدْ جَمِيعَه. قُلْنا: قَضِيّةُ اللَّفْظِ تَتَناوَلُ جَمِيعَه؛ لأنَّ الأَلِفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، وإنَّما حُمِلَ على بعضِه بدَلِيلٍ، فلا يُحْمَلُ على البعضِ فى غيرِ ذلك المَوْضعِ بغيرِ دليلٍ، ولأنَّ قَرِينةَ ألحالِ تَقْتَضِى قِراءةَ جَمِيعِه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه [أراد تَرْغِيبَه فى قِراءةِ القرآنِ، بتَعْلِيقِ (١٦) الحُرِّيَّةِ به، أو مُجازاتِه (١٧) على قِراءَتِه بالحُرِّيَّةِ، والظاهِرُ أنَّه] (١٨) لا يُجازى بهذا الأمرِ الكثيرِ (١٩)، ولا يُرَغّبُ به، إِلَّا فيما يَشُقُّ، أمَّا قِراءةُ (٢٠) آيةٍ أو آيَتَيْنِ فلا. فصل: فإِن قال لعبدِه: إن شِئْتَ، فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى، أو إذا شِئْتَ، أو متى شِئْتَ، أو أىَّ وقتٍ شِئْتَ، فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى. فهو تَدْبِيرٌ بصِفَةٍ، فمتى شاءَ فى حَياةِ سَيِّدِه، صار مُدَبَّرًا، يَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِه، كما لو قال: إن دخلْتَ الدَّارَ، فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى. فدَخَلَها فى حياتِه. وإن مات السَّيِّدُ قبلَ مَشِيئَتِه، بَطَلَتِ الصِّفَةُ، كما لو مات فى المسألةِ الأُخْرَى قبلَ دُخُولَ الدَّارِ. وإن قال: متى شِئْتَ بعدَ مَوْتِى، فأنتَ حُرٌّ، أو أىَّ

стр. 7764

وقتٍ شِئْتَ بعدَ مَوْتِى، فأنتَ حرٌّ. فهذا تَعْلِيقٌ للعِتْقِ (٢١) على صِفَةٍ بعدَ الموتِ، وقد ذكَرْنا أَنَّه لا يَصِحُّ، وأنَّ قولَ القاضِى صِحَّتُه، فعلى قولِه، يكونُ ذلك على التَّراخِى، فمتى شاءَ بعدَ مَوْتِ سَيِّدِه، عَتَقَ، وما كان له من كَسْبٍ قبل مَشِيئَتِه، فهو لوَرَثةِ سَيِّدِه؛ لأَنَّه عَبْدٌ قبلَ ذلك، بخِلافِ المُوصَى به، فإِنَّ فى كَسْبِه قبلَ القَبُولِ وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّه يكون للمُوصَى له؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه مَلَكَه مِن (٢٢) حينِ الموتِ، وههُنا لا يَثْبُتُ المِلْكُ قبلَ المَشِيئةِ. وَجْهًا واحدًا؛ لأَنَّه عِتْقٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، فلا يَثْبُتُ العِتْقُ قبلَ الشَّرْطِ. وَجْهًا واحدًا. وذكَر القاضى فى قولِه: إذا شِئْتَ، أو إن شِئْتَ، فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى، أنَّه على الفَوْرِ، فإِنَّ شاء فى المَجْلِسِ صار مُدَبَّرًا، وإن تراخَتِ الْمَشِيئةُ عن المجلسِ، بَطَلَتْ، ولم يَصِرْ مُدَبَّرًا بالْمَشِيئةِ بعدَه، بِناءً على قولِه: اخْتارِى نَفْسَكِ. فإِنَّ الاخْتيارَ يَقِفُ على المجلس، وهذا فى مَعْناه. وإن قال: إن شِئْتَ بعدَ مَوْتِى، أو إذا شِئْتَ بعدَ مَوْتِى، فأنتَ حُرٌّ. كان على الفَوْرِ أيضًا، فمتى شاءَ عَقِيبَ مَوْتِ سَيِّدِه، أو فى المجلسِ، صار حُرًّا، وإن تَراخَتْ مَشِيئَتُه عن المجلس، لم تَثْبُتْ فيه حُرِّيَّةٌ. وقد ذكَرَ فى الطَّلاقِ، أنَّه إذا قال: أنتِ طالِقٌ، إن شئَتِ، وشاءَ أَبُوكِ. فشاءَا معًا، وقَعَ الطَّلاقُ، سَواءٌ شاءَا على الفَوْرِ أو التَّرَاخِى، أو شاءَ أحَدُهما على الفَوْرِ، والآخَرُ على التَّرَاخِى (٢٣)، وهذا مثلُه، فيُخَرَّجُ فى كلِّ مسألةٍ مثلُ (٢٢) ما ذُكِرَ (٢٤) فى الأُخْرَى. فصل: إذا قال لعبدِه: إذا مِتُّ، فأنتَ حرٌّ، أَوْ لا؟ أو قال: فأنتَ حرٌّ، أو لستَ بحُرٍّ؟ لم يَصِرْ مُدَبَّرًا؛ لأَنَّه اسْتفهامٌ، ولم يَقْطَعْ بالعِتْقِ، فأشْبَهَ ما لو قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالِقٌ، أَوْ لا؟ وقد ذكَرْنا (٢٥) ذلك فى الطَّلاقِ (٢٦). فصل: وإذا دَبَّرَ أَحدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَه، لم يَسْرِ التَّدْبِيرُ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، مُوسِرًا

стр. 7765

كان أو مُعْسِرًا. وذكَرَ أبو الخَطَّابِ وَجْهًا، أنَّه يَسْرِى تَدْبِيرُه إذا كان مُوسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّه اسْتَحَقَّ العِتْقَ بمَوْتِ سَيِّدِه، فسَرَى ذلك فيه، كالاسْتِيلادِ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلان، كالمذْهبَيْنِ. ولَنا، أنَّه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ، فلم يَسْرِ، كتَعْلِيقِه بدُخُولِ الدَّارِ، ويُفارِقُ الاسْتِيلادَ؛ فإنَّه آكَدُ، ولهذا يَعْتِقُ من جميعِ المالِ. ولو قَتَلَتْ سَيِّدَها، لم يَبْطُلْ حُكْمُ اسْتِيلادِها، ولا يجوزُ بَيْعُها، والمُدَبَّرُ بخِلافِ ذلك. فعلَى هذا، إذا مات المُدَبَّرُ، عَتَقَ نَصِيبُه إن خَرَجَ من الثُّلثِ. وهل يَسْرِى إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، إن كان مُوسِرًا؟ فيه رِوَايتان، ذكَرَهما الْخِرَقِىُّ فى غيرِ هذا الموضعِ. وإن أعْتَقَ الشَّرِيكُ (٢٧) نَصِيبَه قبلَ موتِ المُدَبَّرِ، وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ، وسَرَى إلى نَصِيبِ المُدَبَّرِ. وذكر القاضى، وأبو الخَطَّابِ، فيها وَجْهَيْنِ. وللشافعىِّ فيها قَوْلان؛ أحدُهما، كقَوْلِنا. والثانى، لا يَسْرِى عِتْقُه. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ المُدَبَّرَ قد اسْتَحَقَّ الوَلاءَ على العبدِ بمَوْتِه، فلم يكُنْ للآخَرِ إبْطالُه. ولَنا، قولُه ﵇: "مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ (٢٨) فى عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ العَدْلِ، وأُعْطِىَ شُرَكاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وإلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْه مَا عَتَقَ" (٢٩). ولأنَّه إذا سَرَى إلى إبْطالِ المِلْكِ، الذى هو آكَدُ من الوَلاءِ، فالوَلاءُ أَوْلَى، وما ذكَرُوه لا أصْلَ له (٣٠)، ويَبْطُلُ بما إذا عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِه بصِفَةٍ (٣١). فصل: وإِنْ دَبَّرَ كلُّ واحدٍ منهما نَصِيبَه، فمات أحَدُهما، عَتَقَ نَصِيبُه، وبَقِىَ نَصِيبُ الآخَرِ على التَّدْبِيرِ، إن لم يَفِ ثُلثُه بقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِه، وإن كان يَفِى به (٢٨)، فهل يَسْرِى العِتْقُ إليه؟ على رِوَايتَيْن. وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: إذا مِتْنَا، فأنتَ حُرٌّ. فقال أبو بكرٍ: قال أحمدُ: إذا مات أحَدُهما، فنَصِيبُه حُرٌّ. وظاهِرُ هذا أَنَّ أحمدَ جَعَل هذا اللفظَ تَدْبِيرًا من كلِّ واحدٍ منهما لنَصِيبِه، ومَعْناه إذا مات كلُّ واحدٍ مِنَّا، فنَصِيبُه حُرٌّ؛ فإنَّه قابَلَ

стр. 7766

الجُمْلةَ بالجملةِ، فيَنْصَرِفُ (٣٢) إلى مُقابَلةِ البعضِ بالبعضِ، كقَوْلِه: رَكِبَ الناسُ دَوَابَّهُمْ، ولَبِسُوا ثِيابَهم، وأخَذُوا رِمَاحَهم. يُرِيدُ لَبِسَ كلُّ إنسانٍ ثَوْبَه، ورَكِبَ دابَّتَه، وأخَذَ رُمْحَه. وكذلك لو (٣٣) قال: أعْتَقُوا عَبِيدَهم. كان معناه، أعْتَقَ كلُّ واحدٍ عَبْدَه. وقال القاضى: هذا تَعْلِيقٌ للحُرِّيَّةِ بمَوْتِهِما جميعًا، وإنَّما قال أحمدُ: يَعْتِقُ نَصِيبُه؛ بناءً على أَنَّ وُجُودَ بعضِ الصِّفَةِ يقومُ مَقامَ جَمِيعِها. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأَنَّه لو كانت هذه العِلَّةَ، لعَتَقَ العبدُ كلُّه، لوُجُودِ بعضِ صِفَةِ كلِّ واحدٍ منهما، ولأنَّنا قد أبْطَلْنا هذا القولَ بما ذكَرْنا مِن قبلُ، ومُقْتَضَى قولِ القاضى أن لا يَعْتِقَ شىءٌ منه قبلَ مَوْتِهِما جميعا. وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: أرَدْتُ أَنَّ العبدَ حُرٌّ بعدَ آخِرِنَا مَوْتًا. انْبَنَى هذا على تَعْلِيقِ الحُرِّيَّةِ على صِفَةٍ تُوجَدُ بعدَ المَوْتِ، وقد ذكَرْنا الخِلافَ فى ذلك؛ فإِن قُلْنا بجَوَازِ ذلك، عَتَقَ بعدَ مَوْتِ الآخِرِ منهما، عليهما جميعًا، وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ ذلك. عَتَقَ نَصِيبُ الآخِرِ منهما بالتَّدْبِيرِ. وفى سِرَايَتِه إلى باقِيه، إن كان ثُلثُه يَحْتَمِلُ ذلك، رِوَايتان. وإن قال كل واحدٍ منهما: إذا مِتُّ قبلَ شَرِيكِى، فنَصِيبِى له، فإذا مات فهو حُرٌّ، وإن مِتُّ بعدَه، فنَصِيبِى حُرٌّ. فقد وَصَّى كلُّ واحدٍ منهما للآخَرِ، فإذا مات أحَدُهما، صار العبدُ كلُّه للآخَرِ، فإذا مات، عَتَقَ كلُّه عليه، وصار وَلاؤُه كلُّه له، إن قُلْنا: لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ العِتْقِ على صِفَةٍ بعدَ المَوْتِ. وإن قُلْنا: يَصِحُّ. عَتَقَ عليهما، ووَلاؤُه بينهما. ١٩٦٨ - مسألة؛ قال: (وَلَهُ بَيْعُهُ فِى الدَّيْنِ) ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه لا يُباعُ فى الدَّيْنِ. وقد أَوْمأَ إليه أحمدُ. وقال مالِكٌ: لا يُباعُ إِلَّا فى دَيْن يَغْلِبُ رَقَبةَ العبدِ، فإذا كان العَبْدُ يُساوِى ألْفًا، فكان عليه خَمْسُمائةٍ، لم يَبعِ العبدَ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أنا أرَى بَيعَ المُدَبَّرِ فى الدَّيْنِ، وإذا كان فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ شيئًا، رأيتُ أن أَبِيعَه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قد باعَ المُدَبَّرَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ صاحِبَه لا يَمْلِكُ

стр. 7767

شيئًا غيرَه، باعَه النَّبِىُّ ﷺ [لمَّا عَلِمَ] (١) حاجَتَه (٢). وهذا قولُ إسْحاقَ، [وأبى أيُّوبَ، وأبى خَيْثمةَ] (٣)، وقالا: إن باعَهُ من غيرِ (٤) حاجةٍ، أجَزْناه. ونَقَلَ جَماعةٌ عن أحمدَ، جوازَ بَيْعِ المُدَبَّرِ مُطْلَقًا؛ فى الدَّيْنِ وغيرِه، مع الحاجةِ وعَدَمِها. قال إسماعيلُ بن سعيدٍ: سألت أحمدَ عن بَيْعِ المُدَبَّرِ، إذا كان بالرَّجُلِ حاجةٌ إلى ثَمَنِه، قال: له أن يَبِيعَه، مُحْتاجًا كان إلى ذلك أو غيرَ محتاجٍ. وهذا هو الصَّحِيحُ. ورُوِىَ مثلُ هذا عن عائشةَ، وعمرَ بن عبد العزيزِ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ. وهو قولُ الشافعىِّ. وكَرِهَ بَيْعَه ابنُ عمرَ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والحسنُ بن صالحٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، ومالكٌ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُما، رَوَى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لَا يُبَاعُ المُدَبَّرُ، وَلا يُشْتَرَى" (٥). ولأنَّه اسْتَحَقَ العِتْقَ بمَوْتِ سَيِّدِه، أشْبَهَ أُمَّ الولَدِ. ولَنا، ما رَوَى جابرٌ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، أن رَجُلًا أعْتَقَ مَمْلُوكًا له عن دُبُرٍ، فاحْتاجَ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّى؟ ". فباعَه من نُعَيْمِ بن عبدِ اللَّهِ بِثَمانِمائةِ دِرْهَمٍ، فدَفَعَها إليه، وقال: "أنْتَ أحْوَجُ مِنْهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). قال جابرٌ: عَبْدٌ (٦) قِبْطىٌّ، مات عامَ أَوَّلَ، فى إمارةِ ابنِ الزُّبَيْرِ. وقال أبو إسْحاقَ الجُوزَجانىُّ: صَحَّتْ أحادِيثُ بَيْعِ المُدَبَّرِ، باسْتِقامةِ الطُّرُقِ، والخَبَرُ إذا ثَبَتَ اسْتُغْنِىَ به عن غيرِه مِن رَأْىِ الناسِ. ولأنَّه عِتْقٌ بصِفَةٍ، ثَبَتَ بقولِ المُعْتِقِ (٧)، فلم يَمْنَعِ البَيْعَ، كما لو قال: إن دخَلْتَ الدَّارَ، فأنتَ حُرٌّ. ولأنَّه تَبَرُّعٌ بمالٍ بعدَ الموتِ، فلَم يَمْنَعِ البَيْعَ فى الحياةِ، كالوَصِيَّةِ. قال أحمدُ: هم يقولون: مَنْ قال: غُلَامِى حُرٌّ، رأسَ الشَّهْرِ. فله بَيعُه قبلَ رأْسِ الشهرِ. وإن قال: غدًا. فله بَيْعُه اليومَ. وإن قال: إذا مِتُّ.

стр. 7768

قال: لا يَبِيعُه، فالموتُ أكثرُ من الأجَلِ، ليس هذا قِياسًا، إن جازَ أَنْ يَبِيعَه قبلَ رأسِ الشهرِ، فله أن يَبِيعَه قبلَ مَجىءِ المَوْتِ، وهم يقولون فى من قال: إن مِتُّ من (٨) مَرَضِى هذا، فعَبْدِى حُرٌّ. ثم لم يَمُتْ من مَرَضِه ذلك، فليس بشىءٍ. وإن قال: إن مِتُّ، فهو حُرٌّ. لا يُباعُ. وهذا مُتناقِضٌ، إنَّما أصْلُه الوَصِيَّةُ من الثُّلثِ، فله أن يُغَيِّرَ وَصِيَّتَه ما دام حَيًّا. فأمَّا خبَرُهُم، فلم يَصِحَّ عن النَّبِىِّ ﷺ ، إنَّما هو من قولِ ابنِ عمرَ. قال الطَّحَاوِىُّ: هو عن ابنِ عمرَ، وليس بمُسْنَدٍ عن النَّبِىِّ ﷺ . [ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد بعدَ الموتِ، أو على الاسْتِحْبابِ. أمَّا أُمُّ الْوَلَدِ، فإِنَّ عِتْقَها يَثْبُتُ بغيرِ اخْتِيارِ سَيِّدِها، وليسِ] (٩) بتَبَرُّع، ويكونُ مِن جميعِ المالِ، ولا يُمْكَن إبْطالُه بحالٍ، والتَّدْبِيرُ بخلافِه. ووَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، إنَّما باعَ المُدَبَّرَ الحاجةِ، فلا يُتَجاوَزُ به مَوْضِعُ الحاجَةِ. ١٩٦٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا تُبَاعُ المُدَبَّرةُ فِى الدَّيْنِ (١). فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، الْأَمَةُ كَالْعَبْدِ) لا نعلمُ هذا التَّفْرِيقَ بين المُدَبَّرةِ والمُدَبَّرِ عن غيرِ إمامِنا، ﵀، وإنَّما احْتاطَ فى روايةِ المَنْعِ من بَيْعِها؛ لأنَّ فيه إباحةَ (٢) فَرْجِها، وتَسْلِيطَ مُشْتَرِيها على وَطْئِها، مع وُقُوعِ الخِلافِ فى بَيْعِها وحِلِّها، فكَرِهَ الإِقْدامَ على ذلك مع الاخْتلافِ (٣) فيه، والظَّاهِرُ أَنَّ هذا المَنْعَ منه كان على سَبِيلِ الوَرَعِ، لا على التَّحْرِيمِ الْباتِّ؛ فإنَّه إنَّما قال: لا يُعْجِبُنِى بَيْعُها. والصحيحُ جَوازُ بَيْعِها؛ فإِنَّ عائشةَ باعَتْ مُدَبَّرَةً لها سَحَرَتْها (٤). ولأنَّ المُدَبَّرةَ فى معنى المُدَبَّرِ، فا ثَبَتَ فيه، ثَبَتَ فيها.

стр. 7769

١٩٧٠ - مسألة؛ قال: (فَإِنِ اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، رَجَعَ فِى التَّدْبِيرِ) وجملةُ ذلك، أَنَّ السَّيِّدَ إذا دَبَّرَ عبدَه، ثمَّ باعَه، ثمَّ اشْتراهُ، عاد تَدْبِيرُه؛ لأَنَّه عَلَّقَ عِتْقَه بِصِفَةٍ، فإذا باعَه ثمَّ اشْتَراهُ، عادَتِ الصِّفَةُ، كما لو قال: أنتَ حُرٌّ، إن دخَلْتَ الدَّارَ. ثمَّ باعَه، ثم اشتراه. وذكَر القاضى، أَنَّ هذا مَبْنِىٌّ على أَنَّ (١) التَّدْبِيرَ تعْلِيقٌ بصِفَةٍ. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه وَصِيَّةٌ، فتَبْطُلُ بالبَيْعِ، ولا تَعُودُ؛ لأَنَّه لو وَصَّى بشىءٍ ثمَّ باعَه، بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ، ولم تَعُدْ بشِرائِه. ومذهبُ الشَّافِعىِّ مثلُ هذا، إِلَّا أَنَّ عَوْدَ الصِّفَةِ بعدَ الشِّرَاءِ له فيه قَوْلان. والصَّحِيحُ ما قال الْخِرَقِىُّ؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ وُجِدَ فيه التَّعْلِيقُ بصِفَةٍ، فلا يَزُولُ حُكْمُ التَّعْليقِ بوُجُودِ مَعْنَى الوَصِيَّةِ فيه، بل هو جامِعٌ للأَمْرَيْنِ، وغيرُ مُمْتَنِعٍ وُجُودُ الحُكْمِ بسَبَبَيْنِ، فيَثْبُتُ حُكْمُهما (٢) فيه. ١٩٧١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ رَجَعْتُ فِى تَدْبِيرِى، أَوْ قَدْ أبْطلْتُهُ. لَمْ يَبْطُلْ؛ لأنَّهُ عَلَّقَ العِتْقَ بِصِفَةٍ. فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. والْأُخْرَى، يَبْطُلُ التَّدْبِيرُ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، فى بُطْلانِ التَّدْبِيرِ بالرُّجُوعَ فيه قولًا، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَبْطُلُ؛ لأَنَّه عَلَّقَ العِتْقَ بصِفَةٍ، فلا يَبْطُلُ، كما لو قال لعبدِه: إن دخَلْتَ الدَّارَ، فأنتَ حُرٌّ. والثانية، يَبْطُلُ؛ لأَنَّه جَعَلَ له نَفْسَه بعدَ مَوْتِه، فكان ذلك وَصِيَّةً، فجاز الرُّجوعُ فيه بالقَولِ، كما لو وَصَّى له بعبدٍ آخَرَ. وهذا قولُ الشافِعىِّ القَدِيمُ. وقولُه الجديدُ كالرِّوايةِ الأُولَى. وهو الصحيحُ؛ لأَنَّه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ. ولا يَصِحُّ القولُ بأنَّه وَصِيَّةٌ به لنَفْسِه؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُ نَفْسَه، وإنَّما تَحْصُلُ فيه الحُرِّيَّةُ، ويَسْقُطُ عنه الرِّقُّ، ولهذا لا تَقِفُ الحُرِّيَّةُ على قَبُولِه ولا اخْتِيارِه، وتَتَنَجَّزُ عَقِيبَ المَوْتِ، كتَنَجُّزِها عَقِيبَ سائرِ الشُّروطِ، ولأنَّه غيرُ مُمْتَنِعٍ أن يَجْمَعَ الأمْرَيْنِ، فيَثْبُتُ (١) فيه حُكْمُ التَّعْليقِ فى امْتِناعِ الرُّجُوعِ، ويَجْتَمِعان فى حُصُولِ العِتْقِ بالموتِ.

стр. 7770

فصل: إذا قال السَّيِّدُ لمُدَبَّرِه: إذا أَدَّيْتَ إلى وَرَثَتِى كذا وكذا (٢)، فأنتَ حُرٌّ. فهو رُجُوعُ عن التَّدْبِيرِ، ويَنْبَنِى على الرِّوايتَيْنِ؛ إِنْ قُلْنا (٣): له الرُّجُوعُ بالقَوْلِ (٤). بَطَلَ التَّدْبِيرُ ههُنا. وإن قُلْنا: ليس له الرجوعُ. لن يُؤَثِّر هذا (٥) القولُ شيئًا. وإن دَبَّرَه كلَّه، ثمَّ رَجَعَ فى نِصْفِه، صَحَّ، إذا قُلْنا: له الرُّجوعُ فى جَمِيعِه. لأَنَّه لما صَحَّ أن يُدَبِّرَ نِصْفَه ابْتِداءً، صَحَّ أن يَرْجِعَ فى تَدْبيرِ نِصْفِه، وإن غَيَّرَ التَّدْبيرَ، فكان مُطْلَقًا، فجَعَلَه مُقَيَّدًا، صار مُقَيَّدًا، إن قُلْنا بصِحّةِ الرُّجوعِ [فى التدبيرِ] (٦)، وإلَّا فلا. وإن كان مُقَيَّدًا، فأطْلَقه، صَحَّ، على كلِّ حالٍ؛ لأَنَّه زيادةٌ، فلا يُمْنعُ منها. وإذا دَبَّرَ الأَخْرَسُ، وكانتْ إشارَتُه أو كِتابَتُه مَعْلُومةً، صَحَّ تَدْبِيرُه. ويَصِحُّ رُجُوعُه، إن قُلْنا بصِحَّةِ الرُّجوعِ فى التَّدْبِيرِ؛ لأنَّ إشارَتَه وكِتابَتَه تقومُ مَقامَ نُطْقِ النَّاطقِ فى أحْكامِه. وإن دَبَّرَ، وهو ناطِقٌ، ثمَّ صار أخْرَسَ، صَحَّ رُجُوعُه بإشارَتِه المَعْلُومَةِ أو كِتابَتِه. وإِنْ لم تُفْهَمْ إشَارَتُه، فلا عِبْرَةَ بها؛ لأَنَّه لا يُعْلَمُ رُجُوعُه. فصل: وإذا رُهِنَ المُدَبَّرُ، لم يَبْطُلْ تَدْبيرُه؛ لأَنَّه تَعْليقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ، فإنْ مات السَّيِّدَ، وهو رَهْنٌ، عَتَقَ، وأُخِذَ من تَرِكةِ سَيِّدِه قِيمَتُه، فتكونُ رَهْنًا مَكانَه؛ لأنَّ عِتْقَه بسَبَبٍ من جِهَةِ سَيِّدِه، فأشْبَهَ ما لو باشَرَه بالعِتْقِ نَاجِزًا. فصل: وإن ارْتَدَّ المُدَبَّرُ، ولَحقَ بدارِ الحَرْبِ، لم يَبْطُلْ تَدْبِيرُه؛ لأنَّ مِلْكَ سَيِّدِه باقٍ عليه، ويَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه (٧) بالعِتْقِ والهِبَةِ والبَيْعِ، إِنْ كان مَقْدُورًا عليه، فإنْ سَبَاه المسلمون، لم يَمْلِكُوه؛ لأَنَّه مَمْلُوكٌ لمَعْصُوِمٍ، ويُرَدُّ إلى سَيِّدِه، إِنْ عُلِمَ به قبلَ قَسْمِه، ويُسْتَتابُ، فإنْ تابَ، وإلَّا قُتِلَ، وإن لم يُعْلَمْ به حتَّى قُسِمَ، لم يُرَدَّ إلى سَيِّدِه. فى إحْدَى الرِّوايتَيْنِ. والأُخْرَى، إن اخْتارَ سَيِّدُه أخْذَه بالثَّمنِ الذى حُسِبَ به على آخِذِه، أخَذَه،

стр. 7771

وإن لم يَخْتَرْ أخْذَه، بَطَلَ تَدْبِيرُه. ومتى عاد إلى سَيِّدِه بوَجْهٍ من الوُجُوهِ، عاد تَدْبِيرُه، وإن لم يَعُدْ إلى سَيِّدِه، بَطَلَ تَدْبِيرُه، كما لو بيعَ، وكان رَقِيقًا لمَن هو فى يَدِه. وإن مات سَيِّدُه قبلَ سَبْيِه، عَتَقَ، فإن سُبِىَ [بعد هذا] (٨)، لم يُرَدَّ إلى ورَثةِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مِلْكَه زال عنه بحُرِّيَّتِه، فصار كأحْرارِ دارِ الحَرْبِ، ولكنْ يُسْتَتابُ، فإن تاب وأسْلَمَ، صار رَقِيقًا، يُقْسَمُ بين الغانِمينَ، وإن لم يَتُبْ، قُتِلَ، ولم يَجُزِ اسْتِرقاقُه؛ لأَنَّه لا يجوزُ إقْرارُه على كُفْرِه. وقال القاضى: لا يجوزُ اسْتِرْقاقُه إذا أسْلَمَ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ فى اسْتِرْقاقِه إبْطالَ وَلَاءِ المُسْلمِ الذى أعْتَقَه. ولَنا، أَنَّ هذا لا يَمْنَعُ قَتْلَه، وإذْهَابَ نَفْسِه ووَلائِه، فَلأَنْ لا يَمْنَعَ تَمَلُّكَه أَوْلَى، ولأنَّ المَمْلُوكَ الذى لم يَعْتِقْه سَيِّدُه، يَثْبُتُ المِلْكُ فيه للغانِمينَ إذا لم يُعْرَفْ مالِكُه بعَيْنِه، ويَثْبُتُ فيه إذا قُسِمَ قبلَ العِلْمِ بمالِكِه، والمِلْكُ آكَدُ من الوَلاءِ، فَلأَنْ يَثْبُتَ مع الوَلاءِ وحدَه أَوْلَى. فعلى هذا، لو كان المُدَبَّرُ ذِمِّيًّا، فلَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، ثم مات سَيِّدُه، أو أعْتَقَه، ثم قَدَرَ عليه المسلمون فسَبَوْهُ، مَلَكُوه، وقَسَمُوه. وعلى قولِ القاضى، ومذهبِ الشافعىِّ، لا يَمْلِكُونه، فإن كان سَيِّدُه ذِمِّيًّا، جاز اسْتِرْقاقُه فى قولِ القاضى. ولأصْحابِ الشَّافعىِّ فى اسْتِرْقاقِه وَجْهان؛ أحدُهما، يجوزُ. وهذا حُجّةٌ عليهم؛ لأنَّ عِصْمَةَ مالِ الذِّمِّىِّ، كعِصْمةِ مالِ المسلمِ، بدليلِ قَطْعِ سارِقِه، سواءٌ كان مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا، وُوُجُوبِ ضَمانِه، وتَحْريمِ تَمَلُّكِ مالِه، إذا أخَذَه الكُفّارُ، ثم قَدَرَ عليه المسلمون، فأدْرَكه صاحِبُه قبلَ القِسْمةِ. قال القاضى: الفَرْقُ بينهما، أَنَّ سَيِّدَه ههُنا لو لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، جازَ تَمَلُّكُه، فجاز تمَلُّكُ عِتْقِه، بخلافِ المسلمِ. قُلْنا: إنَّما جاز اسْتِرْقاقُ سَيِّدِه، لِزَوَالِ عِصْمَتِه، وذَهابِ عاصِمِه، وهو ذِمَّتُه وعَهْدُه، وأمَّا إذا ارْتَدَّ مُدَبَّرُه، فإِنَّ عِصْمةَ ولائِه ثابتةٌ بعِصْمَةِ مَنْ له وَلاؤُه، وهو والمسلمُ فى ذلك سواءٌ، فإذا جاز إبطالُ وَلاءِ أحَدِهما، جاز فى الآخَرِ مثلُه. فصل: فإن ارْتَدَّ سيِّدُ (٩) المُدَبَّرِ، فذكَر القاضى، أَنَّ المذهبَ أنَّه يكونُ مَوْقوفًا، فإن عاد إلى الإِسلامِ، فالتَّدْبِيرُ باقٍ بحالِه؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ، وإن قُتِلَ أو مات على رِدَّتِه، لم يَعْتِقِ المُدَبَّرُ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَه زال برِدَّتِه. وقال أبو بكرٍ: قياسُ قولِ أبى عبدِ

стр. 7772

اللَّهِ، أَنَّ تَدْبِيرَه يَبْطُلُ بالرِّدَّةِ، فإن عادَ إلى الإِسلامِ، اسْتَأْنفَ التَّدْبِيرَ. وقال الشَّافِعىُّ: التَّدْبِيرُ باقٍ، ويَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِه؛ لأنَّ تَدْبِيرَه سَبَقَ رِدَّتَه، فهو كبَيْعِه وهِبَتِه قبلَ ارْتِدادِه. وهذا يَنْبَنِى على القَوْلِ فى مالِ (١٠) المُرْتَدِّ، هل هو باقٍ على مِلْكِه، أو قد زال برِدَّتِه؟ وقد ذُكِرَ فى بابِ المُرْتَدِّ (١١). فأمَّا إن دَبَّرَ فى حالِ رِدَّتِه، فتَدْبِيرُه مُرَاعًى، فإن عادَ إلى الإِسْلامِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ تَدْبِيرَه وقَعَ صَحِيحًا، وإن قُتِلَ أو مات على رِدَّتِه، تَبَيَّنَّا أنَّه وقَعَ باطِلًا، ولم يَعْتِقِ المُدَبَّرُ. وقال ابنُ أبى موسى: تَدْبِيرُه باطلٌ. وهذا قولُ أبى بكرٍ؛ لأنَّ [المِلْكَ عنده] (١٢) يَزُولُ بالرِّدَّةِ، وإذا أسْلَمَ رُدَّ إليه تَمْلِيكًا (١٣) مُسْتَأْنَفًا. ١٩٧٢ - مسألة؛ قال: (وَمَا ولَدَتِ الْمُدبَّرَةُ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا، فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا) وجملتُه أَنَّ الولَدَ الحادِثَ من المُدَبَّرةِ بعدَ تَدْبِيرِها، لا يَخْلُو من حالَيْنِ؛ أحدهما، أن يكونَ مَوْجودًا حالَ تَدْبِيرِها، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَأْتِىَ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ التَّدْبِيرِ، فهذا يَدْخُلُ معها فى التَّدْبِيرِ. بلا خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأَنَّه بمَنْزلةِ عُضْوٍ من أعْضائِها. فإنْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ فى الأُمِّ؛ لبَيْعٍ، أو مَوْتٍ، أو رُجُوعٍ بالقولِ، لم يَبْطُلْ فى الولَدِ؛ لأَنَّه ثَبَتَ فيه أصْلًا. الحال الثانى، أَنْ تَحْمِلَ به بعدَ التَّدْبِيرِ، فهذا يَتْبَعُ أُمَّه فى التَّدْبِيرِ، ويكونُ حُكْمُه كحُكْمِها فى العِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدِها. فى قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ، رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ (١)، وابنِ عمرَ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، والقاسمُ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وعمرُ بن عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والحسنُ بن صالحٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وذكَر القاضى، أَنَّ حَنْبَلًا نَقَلَ عن أحمدَ، أَنَّ ولَدَ المُدَبَّرةِ عبدٌ، إذا لم يَشْتَرِطِ (٢) المَوْلَى. قال: فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَتْبَعُها، ولا يَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِها. وهذا قولُ جابرِ بن زيدٍ، وعَطاءٍ. وللشَّافِعىِّ قَوْلان، كالمذْهَبَيْنِ؛ أحدُهما، لا يَتْبَعُها.

стр. 7773

وهو اخْتِيارُ المُزنِىِّ؛ لأنَّ عِتْقَها مُعَلَّقٌ بصِفَةٍ، تَثْبُتُ بقَوْلِ المُعْتِقِ وحدَه، فأشْبَهَتْ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُها بدُخولِ الدارِ. قال جابرُ بن زيدٍ: إنَّما هو بمَنْزِلةِ الحائطِ تَصَدَّقْتَ به إذا مِتَّ، فإِنَّ ثمَرَتَه لكَ ما عِشْتَ. ولأنَّ التَّدْبِيرَ (٣) وَصِيَّةٌ، ووَلَدُ المُوصَى بها قبلَ الموتِ لسَيِّدِها. ولَنا، ما رُوِىَ عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وجابرٍ (٤)، أنَّهم قالوا: ولَدُ المُدَبَّرةِ بمَنْزِلَتِها. ولم نَعْرِفْ لهم فى الصحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الأُمَّ اسْتَحَقَّتِ الحُرِّيَّةَ بمَوْتِ سَيِّدِها، فيَتْبَعُها ولَدُها، كأُمِّ الوَلَدِ، ويُفارقُ التَّعْلِيقَ بصِفَةٍ فى الحياةِ، والوَصِيَّةَ، من جهَةِ أَنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ من كلِّ واحدٍ منهما؛ لأَنَّه اجْتَمَعَ فيه الأمْرانِ، وما وُجِدَ فيه سَبَبَان آكَدُ ممَّا وُجِدَ فيه أحَدُهما، وكذلك لا تَبْطُلُ بالمَوْتِ، ولا بالرُّجُوعِ عنه. فعلى هذا، إن بَطَلَ التَّدْبِيرُ فى الأُمِّ لمعنًى اخْتَصَّ بها؛ من بَيْعٍ، أو مَوْتٍ، أو رُجُوعٍ، لم يَبْطُلْ فى ولَدِها، ويَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِها، كما لو كانت أمُّه باقِيَةً على التَّدْبِيرِ، فإن لم يَتَّسِعِ الثُّلثُ لهما جميعًا، أُقْرِعَ بينهما، فأيُّهما وقَعَتِ القُرْعةُ عليه، عَتَقَ إن احْتَمَلَه الثُّلثُ، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ. وإن فَضَلَ من الثُّلثِ بعَد عِتْقِه شىءٌ، كُمِّلَ من الآخَرِ؛ كما لو دَبَّرَ عَبْدًا وأمَةً معًا. وأمَّا الولَدُ الذى وُجدَ قبلَ التَّدْبِيرِ، فلا نَعْلَمُ خِلافًا فى أنَّه لا يَتْبَعُها؛ لأَنَّه لا يَتْبَعْ (٥) فى العِتْقِ المُنْجَزِ، ولا فى حُكْمِ الاسْتِيلادِ، ولا فى الكِتابةِ، فلَأنْ لا يَتْبَعَ فى التَّدْبِيرِ أَوْلَى. قال الْمَيْمُونِىُّ: قلتُ لأحمدَ: ما كان من ولَدِ المُدَبَّرةِ قبلَ أن تُدَبَّرَ، يَتْبَعُها؟ قال: لا يَتْبَعُها من ولَدِها ماكان قبلَ ذلك، إنَّما يَتْبَعُها ما كان بعدَ ما دُبِّرَتْ. وقال حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ عَمِّى يقولُ، فى الرَّجُلِ يُدَبِّرُ الجارِيةَ ولها ولَدٌ، قال: ولَدُها معها. وجَعَلَ أبو الخَطَّابِ هذه رِوَايةً، فى أَنَّ ولَدَها قبلَ التَّدْبِيرِ يَتْبَعُها. وهذا بعيدٌ، والظَّاهرُ أَنَّ أحمدَ لم يُرِدْ أَنَّ ولَدَها قبلَ التَّدْبِيرِ معَها، وإنَّما أراد ولَدَها بعدَ التَّدْبِيرِ، على ما صَرَّحَ به فى غيرِ هذه الرِّوايةِ؛ فإِنَّ ولَدَها المَوْجُودَ لا يَتْبَعُها فى عِتْقٍ، ولا كِتابةٍ، ولا اسْتيلادٍ، ولا بَيْعٍ، ولا هِبةٍ، ولا رَهْنٍ، ولا شىءٍ من الأسْبابِ النَّاقلةِ للمِلْكِ فى الرَّقَبةِ.

стр. 7774

فصل: فإنْ عَلَّقَ عِتْقَ أمَتِه بصِفَةٍ، نَظَرْنا؛ فإن كانت حامِلًا حينَ التَّعْلِيقِ، تَبِعَها فيه؛ لأَنَّه كعُضْوٍ من أعْضائِها، وإن كانتْ حامِلًا حين وُجُودِ الصِّفَةِ، [عَتَقَ معها؛ لذلك. وإن حَمَلَتْ بعدَ التَّعْلِيقِ، ووَلَدَتْ قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ] (٦)، لم يَتْبَعْها فى الصِّفَةِ، ولم يَعْتِقْ بوُجُودِها. وفيه وجْهٌ آخرُ، أنَّه يَعْتِقُ بِها، ويَتبَعُ أُمَّه فى ذلك. ولأصْحابِ الشَّافِعىِّ وجَهْان، كهذَيْن. ووَجْهُ إتْباعِه إيَّاها، أنَّها اسْتَحَقَّتِ الحُرِّيَّةَ، فتَبِعَها ولدُها، كالمُدَبَّرةِ. ولَنا، أنَّه يَمْلِكُها مِلْكًا كاملًا، ويُباحُ له التَّصَرُّفُ فى رَقَبَتِها بأنْواعِ التَّصَرُّفاتِ، بغير خلافٍ، فلم يَعْتِقْ ولَدُها بعِتْقِها، كالمُوصَى بعِتْقِها، أو المُوَكَّل فيه، وتُفارِقُ المُدَبَّرةَ؛ فإِنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ؛ لما ذكرْنا، ولهذا اخْتُلِفَ فى جَوازِ بَيْعِها، والتَّصَرُّفِ فيها. فصل: فأمَّا ولَدُ المُدَبَّرِ، فحُكْمُه حُكْمُ أُمِّه. لا نعلمُ فيه خِلافًا. وهذا قولُ ابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِىِّ، والأوْزَاعىِّ، واللَّيْثِ؛ وذلك لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ الأُمَّ فى الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ. وإن تَسَرَّى (٧) بإذْنِ سَيِّدِه، فوُلِدَ له أولادٌ، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّهم يَتْبَعُونَه فى التَّدْبِيرِ. ورُوِىَ ذلك عن مالكٍ. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعىِّ؛ لأنَّ إباحةَ التَّسَرِّى (٨) تَنْبَنِى على ثُبُوتِ المِلْكِ، ووَلَدُ الحُرِّ من أمَتِه يَتْبَعُه فى الحُرِّيَّةِ [دُونَ أُمِّه] (٩)، كذلك ولَدُ المُدَبَّرِ من أمَتِه يَتْبَعُه (١٠) دونها، ولأنَّه ولَدُ مَنْ يَسْتَحِقُّ (١١) الحُرِّيَّةَ من أمَتِه، فيَتْبَعُه فى ذلك، كوَلدِ المُكاتَبِ من أمَتِه. فصل: وإذا ولَدَتِ المُدَبَّرةُ، فرَجَعَ فى تَدْبِيرِها، وقُلْنا بصِحَّةِ الرُّجُوعِ، لم يَتْبَعْها ولَدُها؛ لأنَّ الوَلَدَ المُنْفَصِلَ لا يتْبَعُ فى الحُرِّيَّةِ ولا فى التَّدْبِيرِ، ففى الرُّجوعِ أَوْلَى. وإن رَجَعَ فى تَدْبِيرِه وَحْدَه، جاز؛ لأَنَّه إذا جاز الرُّجوعُ فى الأُمِّ المُباشَرةِ بالتَّدْبِيرِ، ففى غيرِها أوْلَى. وإن رَجَعَ فى تَدْبِيرِها، جاز، كما لو دَبَّرَها وابْنَها المُنْفَصِلَ. وإن دَبَّرَها حامِلًا، ثم

стр. 7775

رَجَعَ فى تَدْبِيرِها حالَ حَمْلِها، نم يَتْبَعْها الولَدُ فى الرُّجوعِ؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ إعْتاقٌ، والإِعْتاقُ مَبْنِىٌّ على التَّغْليبِ والسِّرايةِ، والرُّجُوعُ عنه بعَكْسِ ذلك، فلم يَتْبَع الولَدُ فيه. وهذا كما لو وُلِدَ له تَوْأمان، فأقَرَّ بأحَدِهما، لَزِماه جميعًا، وإن نَفَى أحَدَهُما، لم يَنْتَفِ الآخَرُ، وإن رَجَعَ فيهما جميعًا، جاز، وإن رَجَعَ فى أحَدِهما دُونَ الآخَرِ، جاز. وإن دَبَّرَ الولدَ دُونَ أُمِّه، أو الأُمَّ دُونَ ولدِها، جاز؛ لأَنَّه يجوزُ أن يُعْتِقَ كلَّ واحدٍ منهما دُونَ صاحِبِه، فجَوازُ أَنْ يُدَبِّرَ أحَدَهما دُونَ صاحِبِه أَوْلَى، ولأنَّه (١٢) [تَعْليقٌ للعِتْقِ] (١٣) بصِفَةٍ، فجاز فى أحَدِهما دُونَ الآخَرِ، كالتَّعْلِيقِ بدُخُولِ الدَّارِ. وإِنْ دَبَّرَ أمَتَه، ثم قال: إِنْ دخَلْتِ الدَّارَ، فقد رَجَعْتُ فى تَدْبِيرِى. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الرُّجوعَ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُه بصِفَةٍ. وإن قال: كلَّما ولَدْتِ ولدًا، فقد رَجَعْتُ فى تَدْبِيرِه. لم يَصِحَّ لذلك. فصل: وإذا اخْتَلفتِ المُدَبَّرةُ ووَرَثةُ سَيِّدِها فى ولَدِها، فقالتْ: ولَدْتُهم بعدَ تَدْبيرِى، فعَتَقُوا مَعِى. وقال الورثةُ: بل وَلدْتِيهم (١٤) قبل تَدْبِيرِك، فهم مَمْلُوكُون لَنا. فالقَوْلُ قَوْلُ الوَرَثةِ معَ أيْمانِهم؛ لأنَّ الأَصْلَ بقاءُ رِقِّهم، وانْتِفاءُ الحُرِّيَّةِ عنهم، فإذا لم تكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ مَنْ يُوافِقُ قَوْلُه الأَصْلَ. فصل: وكَسْبُ المُدَبَّرِ فى حَياةِ سَيِّدِه لِسَيِّدِه، له (١٥) أخْذُه منه؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ لا يخْرُجُ عن شِبْهِه بالوَصِيَّةِ بالعِتْقِ، أو بالتَّعْلِيقِ له على صِفَةٍ، أو بالاسْتِيلادِ، وكلُّ هؤلاء كَسْبُهم لسَيِّدِهم، فكذلك المُدَبَّرُ. فإن اخْتَلَفَ هو ووَرَثَةُ سَيِّدِه فيما فى يَدِه بعدَ عِتْقِه، فقال: كَسَبْتُه بعدَ حُرِّيَّتِى. وقالوا: بل قبلَ ذلك. فالقَوْلُ قولُه؛ لأَنَّه فى يَدِه، ولم يَثْبُتْ مِلْكُهم عليه، بخلافِ الوَلدِ، فإنَّه كان رَقِيقًا لهم. فإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنةً بدَعْواه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الوَرَثةِ، عندَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الخارِجِ، وبَيِّنَةُ المُدَبَّرِ عندَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ. وإِنْ أقَرَّ المُدَبَّرُ أَنَّ ذلك كان فى يَدِه فى حياةِ سَيِّدِه، ثم تجَدَّدَ مِلْكُه عليه بعدَ مَوْتِه، فالقولُ قولُ
следующие страницы →