← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

وإن لم يَخْتَرْ أخْذَه، بَطَلَ تَدْبِيرُه. ومتى عاد إلى سَيِّدِه بوَجْهٍ من الوُجُوهِ، عاد تَدْبِيرُه، وإن لم يَعُدْ إلى سَيِّدِه، بَطَلَ تَدْبِيرُه، كما لو بيعَ، وكان رَقِيقًا لمَن هو فى يَدِه. وإن مات سَيِّدُه قبلَ سَبْيِه، عَتَقَ، فإن سُبِىَ [بعد هذا] (٨)، لم يُرَدَّ إلى ورَثةِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مِلْكَه زال عنه بحُرِّيَّتِه، فصار كأحْرارِ دارِ الحَرْبِ، ولكنْ يُسْتَتابُ، فإن تاب وأسْلَمَ، صار رَقِيقًا، يُقْسَمُ بين الغانِمينَ، وإن لم يَتُبْ، قُتِلَ، ولم يَجُزِ اسْتِرقاقُه؛ لأَنَّه لا يجوزُ إقْرارُه على كُفْرِه. وقال القاضى: لا يجوزُ اسْتِرْقاقُه إذا أسْلَمَ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ فى اسْتِرْقاقِه إبْطالَ وَلَاءِ المُسْلمِ الذى أعْتَقَه. ولَنا، أَنَّ هذا لا يَمْنَعُ قَتْلَه، وإذْهَابَ نَفْسِه ووَلائِه، فَلأَنْ لا يَمْنَعَ تَمَلُّكَه أَوْلَى، ولأنَّ المَمْلُوكَ الذى لم يَعْتِقْه سَيِّدُه، يَثْبُتُ المِلْكُ فيه للغانِمينَ إذا لم يُعْرَفْ مالِكُه بعَيْنِه، ويَثْبُتُ فيه إذا قُسِمَ قبلَ العِلْمِ بمالِكِه، والمِلْكُ آكَدُ من الوَلاءِ، فَلأَنْ يَثْبُتَ مع الوَلاءِ وحدَه أَوْلَى. فعلى هذا، لو كان المُدَبَّرُ ذِمِّيًّا، فلَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، ثم مات سَيِّدُه، أو أعْتَقَه، ثم قَدَرَ عليه المسلمون فسَبَوْهُ، مَلَكُوه، وقَسَمُوه. وعلى قولِ القاضى، ومذهبِ الشافعىِّ، لا يَمْلِكُونه، فإن كان سَيِّدُه ذِمِّيًّا، جاز اسْتِرْقاقُه فى قولِ القاضى. ولأصْحابِ الشَّافعىِّ فى اسْتِرْقاقِه وَجْهان؛ أحدُهما، يجوزُ. وهذا حُجّةٌ عليهم؛ لأنَّ عِصْمَةَ مالِ الذِّمِّىِّ، كعِصْمةِ مالِ المسلمِ، بدليلِ قَطْعِ سارِقِه، سواءٌ كان مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا، وُوُجُوبِ ضَمانِه، وتَحْريمِ تَمَلُّكِ مالِه، إذا أخَذَه الكُفّارُ، ثم قَدَرَ عليه المسلمون، فأدْرَكه صاحِبُه قبلَ القِسْمةِ. قال القاضى: الفَرْقُ بينهما، أَنَّ سَيِّدَه ههُنا لو لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، جازَ تَمَلُّكُه، فجاز تمَلُّكُ عِتْقِه، بخلافِ المسلمِ. قُلْنا: إنَّما جاز اسْتِرْقاقُ سَيِّدِه، لِزَوَالِ عِصْمَتِه، وذَهابِ عاصِمِه، وهو ذِمَّتُه وعَهْدُه، وأمَّا إذا ارْتَدَّ مُدَبَّرُه، فإِنَّ عِصْمةَ ولائِه ثابتةٌ بعِصْمَةِ مَنْ له وَلاؤُه، وهو والمسلمُ فى ذلك سواءٌ، فإذا جاز إبطالُ وَلاءِ أحَدِهما، جاز فى الآخَرِ مثلُه. فصل: فإن ارْتَدَّ سيِّدُ (٩) المُدَبَّرِ، فذكَر القاضى، أَنَّ المذهبَ أنَّه يكونُ مَوْقوفًا، فإن عاد إلى الإِسلامِ، فالتَّدْبِيرُ باقٍ بحالِه؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ، وإن قُتِلَ أو مات على رِدَّتِه، لم يَعْتِقِ المُدَبَّرُ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَه زال برِدَّتِه. وقال أبو بكرٍ: قياسُ قولِ أبى عبدِ

стр. 7772

اللَّهِ، أَنَّ تَدْبِيرَه يَبْطُلُ بالرِّدَّةِ، فإن عادَ إلى الإِسلامِ، اسْتَأْنفَ التَّدْبِيرَ. وقال الشَّافِعىُّ: التَّدْبِيرُ باقٍ، ويَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِه؛ لأنَّ تَدْبِيرَه سَبَقَ رِدَّتَه، فهو كبَيْعِه وهِبَتِه قبلَ ارْتِدادِه. وهذا يَنْبَنِى على القَوْلِ فى مالِ (١٠) المُرْتَدِّ، هل هو باقٍ على مِلْكِه، أو قد زال برِدَّتِه؟ وقد ذُكِرَ فى بابِ المُرْتَدِّ (١١). فأمَّا إن دَبَّرَ فى حالِ رِدَّتِه، فتَدْبِيرُه مُرَاعًى، فإن عادَ إلى الإِسْلامِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ تَدْبِيرَه وقَعَ صَحِيحًا، وإن قُتِلَ أو مات على رِدَّتِه، تَبَيَّنَّا أنَّه وقَعَ باطِلًا، ولم يَعْتِقِ المُدَبَّرُ. وقال ابنُ أبى موسى: تَدْبِيرُه باطلٌ. وهذا قولُ أبى بكرٍ؛ لأنَّ [المِلْكَ عنده] (١٢) يَزُولُ بالرِّدَّةِ، وإذا أسْلَمَ رُدَّ إليه تَمْلِيكًا (١٣) مُسْتَأْنَفًا. ١٩٧٢ - مسألة؛ قال: (وَمَا ولَدَتِ الْمُدبَّرَةُ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا، فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا) وجملتُه أَنَّ الولَدَ الحادِثَ من المُدَبَّرةِ بعدَ تَدْبِيرِها، لا يَخْلُو من حالَيْنِ؛ أحدهما، أن يكونَ مَوْجودًا حالَ تَدْبِيرِها، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَأْتِىَ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ التَّدْبِيرِ، فهذا يَدْخُلُ معها فى التَّدْبِيرِ. بلا خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأَنَّه بمَنْزلةِ عُضْوٍ من أعْضائِها. فإنْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ فى الأُمِّ؛ لبَيْعٍ، أو مَوْتٍ، أو رُجُوعٍ بالقولِ، لم يَبْطُلْ فى الولَدِ؛ لأَنَّه ثَبَتَ فيه أصْلًا. الحال الثانى، أَنْ تَحْمِلَ به بعدَ التَّدْبِيرِ، فهذا يَتْبَعُ أُمَّه فى التَّدْبِيرِ، ويكونُ حُكْمُه كحُكْمِها فى العِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدِها. فى قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ، رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ (١)، وابنِ عمرَ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، والقاسمُ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وعمرُ بن عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والحسنُ بن صالحٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وذكَر القاضى، أَنَّ حَنْبَلًا نَقَلَ عن أحمدَ، أَنَّ ولَدَ المُدَبَّرةِ عبدٌ، إذا لم يَشْتَرِطِ (٢) المَوْلَى. قال: فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَتْبَعُها، ولا يَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِها. وهذا قولُ جابرِ بن زيدٍ، وعَطاءٍ. وللشَّافِعىِّ قَوْلان، كالمذْهَبَيْنِ؛ أحدُهما، لا يَتْبَعُها.

стр. 7773

وهو اخْتِيارُ المُزنِىِّ؛ لأنَّ عِتْقَها مُعَلَّقٌ بصِفَةٍ، تَثْبُتُ بقَوْلِ المُعْتِقِ وحدَه، فأشْبَهَتْ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُها بدُخولِ الدارِ. قال جابرُ بن زيدٍ: إنَّما هو بمَنْزِلةِ الحائطِ تَصَدَّقْتَ به إذا مِتَّ، فإِنَّ ثمَرَتَه لكَ ما عِشْتَ. ولأنَّ التَّدْبِيرَ (٣) وَصِيَّةٌ، ووَلَدُ المُوصَى بها قبلَ الموتِ لسَيِّدِها. ولَنا، ما رُوِىَ عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وجابرٍ (٤)، أنَّهم قالوا: ولَدُ المُدَبَّرةِ بمَنْزِلَتِها. ولم نَعْرِفْ لهم فى الصحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الأُمَّ اسْتَحَقَّتِ الحُرِّيَّةَ بمَوْتِ سَيِّدِها، فيَتْبَعُها ولَدُها، كأُمِّ الوَلَدِ، ويُفارقُ التَّعْلِيقَ بصِفَةٍ فى الحياةِ، والوَصِيَّةَ، من جهَةِ أَنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ من كلِّ واحدٍ منهما؛ لأَنَّه اجْتَمَعَ فيه الأمْرانِ، وما وُجِدَ فيه سَبَبَان آكَدُ ممَّا وُجِدَ فيه أحَدُهما، وكذلك لا تَبْطُلُ بالمَوْتِ، ولا بالرُّجُوعِ عنه. فعلى هذا، إن بَطَلَ التَّدْبِيرُ فى الأُمِّ لمعنًى اخْتَصَّ بها؛ من بَيْعٍ، أو مَوْتٍ، أو رُجُوعٍ، لم يَبْطُلْ فى ولَدِها، ويَعْتِقُ بمَوْتِ سَيِّدِها، كما لو كانت أمُّه باقِيَةً على التَّدْبِيرِ، فإن لم يَتَّسِعِ الثُّلثُ لهما جميعًا، أُقْرِعَ بينهما، فأيُّهما وقَعَتِ القُرْعةُ عليه، عَتَقَ إن احْتَمَلَه الثُّلثُ، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ. وإن فَضَلَ من الثُّلثِ بعَد عِتْقِه شىءٌ، كُمِّلَ من الآخَرِ؛ كما لو دَبَّرَ عَبْدًا وأمَةً معًا. وأمَّا الولَدُ الذى وُجدَ قبلَ التَّدْبِيرِ، فلا نَعْلَمُ خِلافًا فى أنَّه لا يَتْبَعُها؛ لأَنَّه لا يَتْبَعْ (٥) فى العِتْقِ المُنْجَزِ، ولا فى حُكْمِ الاسْتِيلادِ، ولا فى الكِتابةِ، فلَأنْ لا يَتْبَعَ فى التَّدْبِيرِ أَوْلَى. قال الْمَيْمُونِىُّ: قلتُ لأحمدَ: ما كان من ولَدِ المُدَبَّرةِ قبلَ أن تُدَبَّرَ، يَتْبَعُها؟ قال: لا يَتْبَعُها من ولَدِها ماكان قبلَ ذلك، إنَّما يَتْبَعُها ما كان بعدَ ما دُبِّرَتْ. وقال حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ عَمِّى يقولُ، فى الرَّجُلِ يُدَبِّرُ الجارِيةَ ولها ولَدٌ، قال: ولَدُها معها. وجَعَلَ أبو الخَطَّابِ هذه رِوَايةً، فى أَنَّ ولَدَها قبلَ التَّدْبِيرِ يَتْبَعُها. وهذا بعيدٌ، والظَّاهرُ أَنَّ أحمدَ لم يُرِدْ أَنَّ ولَدَها قبلَ التَّدْبِيرِ معَها، وإنَّما أراد ولَدَها بعدَ التَّدْبِيرِ، على ما صَرَّحَ به فى غيرِ هذه الرِّوايةِ؛ فإِنَّ ولَدَها المَوْجُودَ لا يَتْبَعُها فى عِتْقٍ، ولا كِتابةٍ، ولا اسْتيلادٍ، ولا بَيْعٍ، ولا هِبةٍ، ولا رَهْنٍ، ولا شىءٍ من الأسْبابِ النَّاقلةِ للمِلْكِ فى الرَّقَبةِ.

стр. 7774

فصل: فإنْ عَلَّقَ عِتْقَ أمَتِه بصِفَةٍ، نَظَرْنا؛ فإن كانت حامِلًا حينَ التَّعْلِيقِ، تَبِعَها فيه؛ لأَنَّه كعُضْوٍ من أعْضائِها، وإن كانتْ حامِلًا حين وُجُودِ الصِّفَةِ، [عَتَقَ معها؛ لذلك. وإن حَمَلَتْ بعدَ التَّعْلِيقِ، ووَلَدَتْ قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ] (٦)، لم يَتْبَعْها فى الصِّفَةِ، ولم يَعْتِقْ بوُجُودِها. وفيه وجْهٌ آخرُ، أنَّه يَعْتِقُ بِها، ويَتبَعُ أُمَّه فى ذلك. ولأصْحابِ الشَّافِعىِّ وجَهْان، كهذَيْن. ووَجْهُ إتْباعِه إيَّاها، أنَّها اسْتَحَقَّتِ الحُرِّيَّةَ، فتَبِعَها ولدُها، كالمُدَبَّرةِ. ولَنا، أنَّه يَمْلِكُها مِلْكًا كاملًا، ويُباحُ له التَّصَرُّفُ فى رَقَبَتِها بأنْواعِ التَّصَرُّفاتِ، بغير خلافٍ، فلم يَعْتِقْ ولَدُها بعِتْقِها، كالمُوصَى بعِتْقِها، أو المُوَكَّل فيه، وتُفارِقُ المُدَبَّرةَ؛ فإِنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ؛ لما ذكرْنا، ولهذا اخْتُلِفَ فى جَوازِ بَيْعِها، والتَّصَرُّفِ فيها. فصل: فأمَّا ولَدُ المُدَبَّرِ، فحُكْمُه حُكْمُ أُمِّه. لا نعلمُ فيه خِلافًا. وهذا قولُ ابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِىِّ، والأوْزَاعىِّ، واللَّيْثِ؛ وذلك لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ الأُمَّ فى الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ. وإن تَسَرَّى (٧) بإذْنِ سَيِّدِه، فوُلِدَ له أولادٌ، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّهم يَتْبَعُونَه فى التَّدْبِيرِ. ورُوِىَ ذلك عن مالكٍ. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعىِّ؛ لأنَّ إباحةَ التَّسَرِّى (٨) تَنْبَنِى على ثُبُوتِ المِلْكِ، ووَلَدُ الحُرِّ من أمَتِه يَتْبَعُه فى الحُرِّيَّةِ [دُونَ أُمِّه] (٩)، كذلك ولَدُ المُدَبَّرِ من أمَتِه يَتْبَعُه (١٠) دونها، ولأنَّه ولَدُ مَنْ يَسْتَحِقُّ (١١) الحُرِّيَّةَ من أمَتِه، فيَتْبَعُه فى ذلك، كوَلدِ المُكاتَبِ من أمَتِه. فصل: وإذا ولَدَتِ المُدَبَّرةُ، فرَجَعَ فى تَدْبِيرِها، وقُلْنا بصِحَّةِ الرُّجُوعِ، لم يَتْبَعْها ولَدُها؛ لأنَّ الوَلَدَ المُنْفَصِلَ لا يتْبَعُ فى الحُرِّيَّةِ ولا فى التَّدْبِيرِ، ففى الرُّجوعِ أَوْلَى. وإن رَجَعَ فى تَدْبِيرِه وَحْدَه، جاز؛ لأَنَّه إذا جاز الرُّجوعُ فى الأُمِّ المُباشَرةِ بالتَّدْبِيرِ، ففى غيرِها أوْلَى. وإن رَجَعَ فى تَدْبِيرِها، جاز، كما لو دَبَّرَها وابْنَها المُنْفَصِلَ. وإن دَبَّرَها حامِلًا، ثم

стр. 7775

رَجَعَ فى تَدْبِيرِها حالَ حَمْلِها، نم يَتْبَعْها الولَدُ فى الرُّجوعِ؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ إعْتاقٌ، والإِعْتاقُ مَبْنِىٌّ على التَّغْليبِ والسِّرايةِ، والرُّجُوعُ عنه بعَكْسِ ذلك، فلم يَتْبَع الولَدُ فيه. وهذا كما لو وُلِدَ له تَوْأمان، فأقَرَّ بأحَدِهما، لَزِماه جميعًا، وإن نَفَى أحَدَهُما، لم يَنْتَفِ الآخَرُ، وإن رَجَعَ فيهما جميعًا، جاز، وإن رَجَعَ فى أحَدِهما دُونَ الآخَرِ، جاز. وإن دَبَّرَ الولدَ دُونَ أُمِّه، أو الأُمَّ دُونَ ولدِها، جاز؛ لأَنَّه يجوزُ أن يُعْتِقَ كلَّ واحدٍ منهما دُونَ صاحِبِه، فجَوازُ أَنْ يُدَبِّرَ أحَدَهما دُونَ صاحِبِه أَوْلَى، ولأنَّه (١٢) [تَعْليقٌ للعِتْقِ] (١٣) بصِفَةٍ، فجاز فى أحَدِهما دُونَ الآخَرِ، كالتَّعْلِيقِ بدُخُولِ الدَّارِ. وإِنْ دَبَّرَ أمَتَه، ثم قال: إِنْ دخَلْتِ الدَّارَ، فقد رَجَعْتُ فى تَدْبِيرِى. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الرُّجوعَ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُه بصِفَةٍ. وإن قال: كلَّما ولَدْتِ ولدًا، فقد رَجَعْتُ فى تَدْبِيرِه. لم يَصِحَّ لذلك. فصل: وإذا اخْتَلفتِ المُدَبَّرةُ ووَرَثةُ سَيِّدِها فى ولَدِها، فقالتْ: ولَدْتُهم بعدَ تَدْبيرِى، فعَتَقُوا مَعِى. وقال الورثةُ: بل وَلدْتِيهم (١٤) قبل تَدْبِيرِك، فهم مَمْلُوكُون لَنا. فالقَوْلُ قَوْلُ الوَرَثةِ معَ أيْمانِهم؛ لأنَّ الأَصْلَ بقاءُ رِقِّهم، وانْتِفاءُ الحُرِّيَّةِ عنهم، فإذا لم تكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ مَنْ يُوافِقُ قَوْلُه الأَصْلَ. فصل: وكَسْبُ المُدَبَّرِ فى حَياةِ سَيِّدِه لِسَيِّدِه، له (١٥) أخْذُه منه؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ لا يخْرُجُ عن شِبْهِه بالوَصِيَّةِ بالعِتْقِ، أو بالتَّعْلِيقِ له على صِفَةٍ، أو بالاسْتِيلادِ، وكلُّ هؤلاء كَسْبُهم لسَيِّدِهم، فكذلك المُدَبَّرُ. فإن اخْتَلَفَ هو ووَرَثَةُ سَيِّدِه فيما فى يَدِه بعدَ عِتْقِه، فقال: كَسَبْتُه بعدَ حُرِّيَّتِى. وقالوا: بل قبلَ ذلك. فالقَوْلُ قولُه؛ لأَنَّه فى يَدِه، ولم يَثْبُتْ مِلْكُهم عليه، بخلافِ الوَلدِ، فإنَّه كان رَقِيقًا لهم. فإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنةً بدَعْواه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الوَرَثةِ، عندَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الخارِجِ، وبَيِّنَةُ المُدَبَّرِ عندَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ. وإِنْ أقَرَّ المُدَبَّرُ أَنَّ ذلك كان فى يَدِه فى حياةِ سَيِّدِه، ثم تجَدَّدَ مِلْكُه عليه بعدَ مَوْتِه، فالقولُ قولُ

стр. 7776

الوارِثِ؛ لأنَّ الأصْلَ معهم. فإن أقام المُدَبَّرُ بَيِّنَةً بدَعْواه، قُبِلَتْ، وتُقَدّمُ على بَيِّنَةِ الوَرَثةِ إِنْ كانتْ لهم بَيِّنَةٌ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ المُدَبَّرِ تَشْهَدُ بزِيادةٍ، وإن لم يُقِرَّ المُدَبَّرُ بأنَّه كان فى يَدِه فى حَياةِ سَيِّدِه، فأقامَ الورثةُ بَيِّنَةً به، فهل تُسْمَعُ بَيِّنَتُهم؟ على وَجْهَيْنِ. ١٩٧٣ - مسألة؛ قال: (وَلَهُ إصَابَةُ مُدَبَّرَتِهِ) يَعْنِى: له وَطْؤُها. رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه دَبَّرَ أمَتَيْنِ، وكان (١) يَطَؤُهما (٢). وممَّن رأَى ذلك ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافِعىُّ. قال أحمدُ: لا أعلمُ أحدًا كَرِهَ ذلك، غيرَ الزُّهْرِىِّ. وحُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ، أنَّه كان يقول: إن كان يَطَؤُها قبلَ تَدْبِيرِها، فلا بأْسَ بوَطْئِها بعدَه، وإن كان لا يطؤُها [قبلَه، لم يَطَأْها] (٣) بعدَ تَدْبِيرِها (٤). ولَنا، أنَّها مَمْلوكَتُه، لم تَشْتَرِ نَفْسَها منه، فحَلَّ له وَطْؤُها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٥). وكأُمِّ الولَدِ. فصل: وابْنَةُ المُدَبَّرةِ كأُمِّها؛ فى حِلِّ وطْئِها إن لم يكُنْ وطِئَ أُمَّها. وعنه، [ليس له وَطْؤُها] (٣)؛ لأنَّ حَقَّ الحُرِّيَّةِ ثَبَتَ لها تَبَعًا، أشْبَهَ ولَدَ المُكاتَبةِ. ولَنا، أَنَّ مِلْكَ سَيِّدِها تامٌّ فيها (٦)، فحَلَّ له وَطْؤُها؛ للآيةِ، وكأُمِّها، واسْتِحْقاقُها للحُرِّيَّةِ لا يَزِيدُ على اسْتِحْقاقِ أُمِّها، ولم يَمْنَعْ ذلك وَطْأَها. وأمَّا ولَدُ المُكاتَبةِ، فأُلْحِقَتْ بأُمِّها، وأُمُّها يَحْرُمُ وَطْؤُها، فكذلك ابْنَتُها، وأُمُّ هذه يَحِلُ وَطْؤُها، فيَجِبُ إلْحاقُها بها، وكلامُ أحمدَ مَحْمولٌ على أنَّه وَطِئَ أُمَّها، [فحَرُمَتْ عليه؛ لذلك] (٧).

стр. 7777

١٩٧٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَنْكَرَ التَّدْبِيرَ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، أَوْ شَاهِدٍ ويَمِينِ الْعَبْدِ) وجملتُه أَنَّ العَبْدَ إذا ادَّعَى على سَيِّدِه أنَّه دَبَّرَه، فدَعْواه صَحِيحةٌ؛ لأَنَّه يَدَّعِى اسْتِحقاقَ العِتْقِ. ويحْتَمِلُ أَنْ لا تَصِحَّ الدَّعْوَى؛ لأنَّ السَّيِّدَ إذا أنْكَرَ التَّدْبِيرَ كان بمَنْزلةِ إنْكارِ الوَصِيَّةِ، وإنكارُ الوَصِيَّةِ رُجُوعٌ عنها، فى أحدِ الوَجْهَيْنِ، فيكونُ إنْكارُ التَّدْبِيرِ رُجُوعًا عنه، والرُّجوعُ عنه يُبْطِلُه، فى [إحْدَى الرِّوايتَين] (١)، فتَبْطُلُ الدَّعْوَى. والصَّحِيحُ أَنَّ الدَّعْوَى صَحِيحةٌ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الرُّجُوعَ عن التَّدْبِيرِ لا يُبْطِلُه، ولو أبْطَلَه، فما ثَبَتَ كَوْنُ الإِنْكارِ رُجُوعًا، ولو ثَبَتَ ذلك، فلا يتَعَيَّنُ الإِنْكارُ جَوابًا للدَّعْوَى، فإنَّه يجوزُ أَنْ يكونَ جَوابُها إقْرارًا. فإذا ثبَت هذا، فإِنَّ السَّيِّدَ إن أقَرَّ، فلا كلامَ، وإِنْ أنْكَر ولم تكُنْ للعبدِ بَيِّنَةٌ، فالقولُ قَولُ المُنْكِرِ مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُه، وإن كانت للعبدِ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، ويُقْبَلُ فيه شاهِدَان عَدْلان، بلا خِلافٍ. وإن لم يكُنْ له إِلَّا شاهِدٌ واحِدٌ، وقال: أنا أحْلِفُ معه. أو شاهدٌ وامْرأتان، ففيه رِوَايتان؛ إحْداهما، لا يُحْكَمُ به. وهو مذهبُ الشَّافِعىِّ؛ لأنَّ الثَّابتَ به الحُرِّيَّةُ، وكمالُ الأحْكامِ، وهذا ليس بمالٍ، ولا المَقْصُودُ منه المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ فى غالبِ الأحْوالِ، فأشْبَهَ النِّكاحَ والطَّلَاقَ. والثانية، يَثْبُتُ بذلك؛ لأَنَّه لَفْظٌ يَزُولُ به مِلْكُه عن مَمْلُوكِه، فأشْبَهَ البَيْعَ. وهذا أجْوَدُ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ إنَّما تُرادُ لإِثْباتِ الحُكْمِ على المَشْهُودِ عليه، وهى (٢) فى حَقِّه إزالةُ مِلْكِه عن مالِه، فثَبَتَ بهذا. وإن حَصَلَ به غَرَضٌ آخَرُ للمَشْهودِ له، فلا يَمْنَعُ ذلك مِن ثُبُوتِه بهذه البَيِّنَةِ، ولأنَّ العِتْقَ ممَّا يُتَشَوَّفُ إليه، ويُبْنَى (٣) على التَّغْلِيبِ والسِّرايَةِ، فيَنْبَغِى أن يُسَهَّلَ طَرِيقُ (٤) إثْباتِه، وإِنْ كان الاختلافُ بينَ العبدِ (٥) ووَرَثةِ السَّيِّدِ بعدَ مَوْتِه، فهو كما لو كان الخلافُ مع السَّيِّدِ، إِلَّا أَنَّ الدَّعْوَى صَحِيحةٌ، بغير خلافٍ؛ لأنَّهم لا يَمْلِكُونَ الرُّجُوعَ،

стр. 7778

وأيْمانُهم على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّ الخلافَ فى فِعْلِ مَوْرُوثِهم، وأيْمانُهُم على نَفْىِ فِعْلِه، وتجبُ اليَمِينُ على كلِّ واحدٍ من الوَرَثةِ، ومَن نَكَلَ منه، عَتَقَ نَصِيبُه، ولم يَسْرِ إلى باقِيه. وكذلك إِنْ أقَرَّ؛ لأنَّ إعْتاقَه بفِعْلِ المَوْرُوثِ، لا بفِعْلِ المُقِرِّ، ولا النَّاكِلِ. ١٩٧٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا دَبَّرَ عَبْدهُ، وَمَاتَ (١)، ولَهُ مَالٌ غَائِبٌ، أَوْ (٢) دَيْنٌ فِى ذِمَّةِ مُوسِرٍ أَوْ مُعْسِرٍ، عَتَقَ مِنَ المُدَبَّرِ ثُلُثُهُ، وكُلَّمَا اقْتُضِىَ مِنْ دَيْنِهِ شَىْءٌ، أَوْ حَضَرَ مِنْ مَالِهِ الْغَائِبِ شَىْءٌ، عَتَقَ مِنَ الْمُدَبَّرِ مِقْدَارُ ثُلُثِهِ كذلك، حَتَّى (٣) يَعْتِقَ [كُلُّهُ مِنَ الثُّلُثِ] (٤)) وجملتُه (٥) أَنَّ السَّيِّدَ إذا دَبَّرَ عبدَه، ومات، وله مالٌ سِوَاه يَفِى بثُلثَىْ مالِه، إِلَّا أنَّه غائبٌ، أو دَيْنٌ فى ذِمَّةِ إنْسانٍ، لم يَعْتِقْ جميعُ العَبْدِ؛ لجَوازِ أن يَتْلَفَ الغائِبُ، أو يتَعَذّرَ اسْتِيفاءُ الدَّيْنِ، فيكونَ العبدُ جَمِيعَ التَّرِكةِ، وهو شَرِيكُ الوَرَثةِ فيها، له ثُلثُها، ولهم ثُلثاها، فلا يجوزُ أن يَحْصُلَ على جَمِيعِها، ولكِنَّه يَنْجُزُ (٦) عِتْقُ ثُلثِه، ويَبْقَى ثُلثاه مَوْقُوفًا (٧)؛ لأنَّ ثُلثَه حُرٌّ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ أسْوأَ الأحْوالِ أَنْ لا يَحْصُلَ من سائرِ المالِ شىءٌ، فيكونَ العبدُ جَمِيعَ التَّرِكةِ، فيَعْتِقَ ثُلثُه، كما لو لم يكُنْ له مالٌ سِواهُ، [وكلَّما اقْتُضِىَ] (٨) من الدَّيْنِ شىءٌ، أو حَضَرَ من الغائبِ شىءٌ، عَتَقَ من المُدَبَّرِ قَدْرُ ثُلثِه، فإذا كانت قِيمَتُه مائةً، وقَدِمَ من (٩) الغائِبِ مائةٌ، عَتَقَ ثُلثُه الثانى، فإذا قَدِمَتْ مائةٌ أُخْرَى، عَتَقَ ثُلثُه الباقى. وإن بَقِىَ له دَيْنٌ بعدَ ذلك، أو مالٌ غائبٌ، لم يُؤثِّرْ بَقاؤُة؛ لأنَّ الحاصِلَ من المالِ يُخْرِجُ المُدَبَّرَ كلَّه من

стр. 7779

ثُلثِه. وهذا أحدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشافعىِّ، ولهم وجهٌ آخرُ، لا يَعْتِقُ منه شىءٌ، حتى يُسْتَوْفَى من الدَّينِ شىءٌ، أو يَقْدَمَ من الغائبِ شىءٌ، فيَعْتِقَ من العبدِ قَدْرُ نِصْفِه؛ لأنَّ الوَرَثةَ لم يَحْصُلْ لهم شىءٌ، والعبدُ شَرِيكُهم، فلا يجوزُ أن يَحْصُلَ على شىءٍ، ما لم يَحْصُلْ لهم مِثْلاه. فإن تَلِفَ الغائبُ، ويُئِسَ من اسْتِيفاء الدَّيْنِ، عَتَقَ ثُلثُه حِينَئذٍ، ومَلَكُوا ثُلثَيْه؛ لأنَّ العبدَ صار جميعَ التركةِ. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنًّ ثُلثَ العبدِ خارجٌ (١٠) من الثُّلثِ يَقِينًا، وإنَّما الشَّكُّ فى الزِّيادةِ عليه، وما خرَج مِن الثُّلثِ يَقِينًا، يجبُ أن يكونَ حُرًّا يَقِينًا؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ صَحِيحٌ، ولا خِلافَ فى أنَّه يَنْفُذُ فى الثُّلثِ، ووَقْفُ هذا الثُّلثِ عن العِتْقِ، مع يَقِينِ حُصُولِ العِتْقِ فيه، ووُجُودِ المُقْتَضِى له، وعَدَمِ الفائِدةِ فى وَقْفِه، لا مَعْنَى له، وكَوْنُ الوَرَثةِ لم يَحْصُلْ لهم شىءٌ، لمعنًى اخْتَصَّ بهم، لا يُوجِبُ أن لا يَحْصُلَ له شىءٌ مع عَدَمِ ذلك المَعْنَى فيه، ألا تَرَى أنَّه لو أبْرَأَ غَرِيمَه مِن دَيْنِه، وهو جميعُ التَّرِكةِ، فإنَّه يَبْرَأُ من ثُلثِه وإن (١١) لم يَحْصُلْ للوَرَثةِ شَىءٌ. ولو كان الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، فأبْرَأه منه، بَرِئَ مِن ثُلثِه فى الحالِ، وتأخّرَ اسْتِيفاءُ الثُّلثَيْنِ إلى الأجَلِ (١٢). ولو كان الغَرِيمُ مُعْسِرًا، بَرِئَ مِن ثُلثِه فى الحالِ، وتأخَّرَ الباقى إلى المَيْسَرةِ. ولأنَّ تأْخِيرَ عِتْقِ الثُّلثِ لا فائِدةَ للوَرَثةِ فيه، ويُفَوِّتُ نَفْعَه للمُدَبَّرِ، فيَنْبَغِى أن لا يَثْبُتَ. فإذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّ العبدَ إذا عَتَقَ كلُّه، بقُدُومِ الغائبِ، أو اسْتِيفاءِ الدَّيْنِ، تَبَيَّنَّا أنَّه كان حُرًّا حينَ المَوْتِ، فيكونُ كَسْبُه له؛ لأَنَّه إنَّما عَتَقَ بالتَّدْبِيرِ، ووُجُودِ الشَّرْطِ الذى عَلَّقَ عليه السَّيِّدُ حُرِّيَّتَه، وهو الموتُ، وإنَّما وقَفْناه للشَّكِّ فى خُرُوجِه مِن الثُّلثِ، فإذا زال الشَّكُّ، تَبَيَّنَّا أنَّه كان حاصِلًا قبلَ زَوالِ الشَّكِّ. وإن تَلِفَ المالُ، تَبَيَّنَّا أنَّه كان ثُلثاهُ رَقِيقًا، ولم يَعْتِقْ منه سِوَى ثُلثِه. وإن تَلِفَ بعضُ المالِ، رَقَّ من المُدَبَّرِ ما زاد على قَدْرِ ثُلثِ الحاصِلِ من المالِ. فصل: وإن كان المُدَبَّرُ عَبْدَيْنِ، وله دَيْنٌ، يَخْرُجانِ من ثُلثِ المالِ، على تَقْدِيرِ حُصُولِه، أقْرَعْنا بينهما، فيَعْتِقُ ممَّن تَخْرُجُ له القُرْعةُ قَدْرُ ثُلثِهما، وكان باقِيه والعبدُ الآخَرُ مَوْقُوفًا، فإذا اسْتُوفِىَ من الدَّيْنِ شىءٌ، كُمِّلَ من عِتْقِ مَنْ وقَعَتْ له القُرْعةُ قَدْرُ ثُلثِه،

стр. 7780

وما فَضَلَ عَتَقَ مِن الآخَرِ، كذلك حتى يَعْتِقَا جميعًا، أو مِقْدَارُ الثُّلثِ منهما. وإن تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ الدَّيْنِ، لم يَزِدِ (١٣) العِتْقُ على قَدْرِ ثُلثِهِما. وإن خَرَجَ الذى وقَعَتْ له القُرْعةُ مُسْتَحَقًّا، بَطَلَ العِتْقُ فيه، وعَتَقَ من الآخَرِ ثلثُه. فصل: وإذا دَبَّرَ عبدًا قِيمَتُه مائةٌ، وله مائةٌ دَيْنًا، عَتَقَ ثُلثُه، ورَقَّ ثُلثُه، ووَقَفَ ثُلثُه على اسْتِيفاءٍ الثُّلثِ الباقى. وإذا (١٤) كانت له مائةٌ حاضِرَةٌ مع ذلك، عَتَقَ من المُدَبَّرِ ثُلثاهُ، ووقَف عِتْقُ (١٥) ثُلثِه على اسْتِيفاءِ الدَّيْنِ. فصل: وإن دَبَّرَ عبدَه، وقِيمَتُه مائةٌ، وله ابْنانِ، وله مائِتان دَيْنًا على أحَدِهما، عتَقَ من المُدَبَّرِ ثُلثاه؛ لأنَّ [حِصَّةَ الذى] (١٦) عليه الدَّين منه المُسْتَوْفَى، ويَسْقُطُ عن الذى عليه الدَّيْنُ منه نِصْفُه؛ لأَنَّه قَدْرُ حِصَّتِه من الميراثِ، ويَبْقَى الآخَرُ عليه مائةٌ، كلَّما اسْتَوْفَى منها شيئًا، عتَقَ قَدْرُ ثُلثِه. وإن كانت المائتان دَيْنًا على الابْنَيْنِ بالسَّويّةِ، عَتَقَ اِلمُدَبَّرُ كلُّه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما عليه قَدْرُ حَقِّه، وقد حَصَلَ ذلك له (١٧) بسُقُوطِه (١٨) من ذِمَّتِه. فصل: فإن دَبَّرَ عبدًا قِيمَتُه مائةٌ، وخَلَّفَ ابْنَيْنِ ومائتَىْ دِرْهِمٍ دَيْنًا له على أحدِهما، ووَصَّى لرجلٍ بثُلثِ مالِه، عَتَقَ من المُدَبَّر ثُلثُه، وسَقَطَ عن الغَرِيمِ مائةٌ، وكان للمُوصَى له (١٩) سُدسُ العبدِ، وللابْنَيْنِ ثُلثُه، ويَبْقَى سُدسُ العبدِ مَوْقوفًا؛ لأنَّ الحاصِلَ من المالِ ثُلثاهُ، وهو العبدُ والمائةُ السَّاقِطةُ عن الغَرِيِم، وثُلثُ ذلك مَقْسُومٌ بين المُدَبَّرِ والوَصِىِّ نِصْفَيْنِ، فحِصَّةُ المُدَبَّرِ منه ثُلثُه، يَعْتِقُ فى الحالِ، ويَبْقَى له السُّدسُ (٢٠) مَوْقوفًا، فكلَّما

стр. 7781

اقْتُضِىَ مِن المائةِ الباقيةِ شىءٌ، عَتَقَ من المُدَبَّرِ قَدْرُ سُدسِه، ويكون المُسْتَوْفَى بين الابْنِ (٢١) والوَصِىِّ أثْلاثًا، فإذا اسْتُوفِيَتْ كلّها، حَصَلَ للابنِ ثُلثاها، وثُلثُ العبدِ [وهو قَدْرُ حَقِّه، وكُمِّلَ فى المُدَبَّرِ عِتْقُ نِصْفِه، وحَصَلَ للوَصِىِّ سُدسُ العَبدِ وثُلثُ المائةِ] (٢٢)، وهو [قَدْرُ حَقِّه] (٢٣). وإن كان الدَّيْنُ على أجْنَبِىٍّ، لم يَعْتِقْ من المُدَبَّرِ إِلَّا سُدسُه؛ لأنَّ الحاصِلَ من التَّركِةِ هو العبدُ، وثُلثُه بينَه وبينَ الوَصِىِّ الآخَرِ، وللوَصِىِّ سُدسُه، ولكلِّ ابنٍ سُدسُه، ويَبْقَى تلثُه مَوْقوفًا، فكلَّما اقْتُضِىَ (٢٤) من الدَّينِ شىءٌ، عتَقَ من المُدَبَّرِ قَدْرُ سُدسِه، وكان المُسْتَوْفَى بينَ الابْنَيْنِ والوَصِىِّ أسْداسًا؛ للوَصِىِّ سُدسُه، ولهما خمسةُ أسْداسِه، فيَحْصُلُ لكلِّ واحدٍ نِصْفُ المائةِ وثُلثُها وسُدسُ العَبْدِ، وهو قَدْرُ حَقِّه، ويَحْصُلُ للوَصِىِّ سُدسُ المائتَيْنِ وسُدسُ العَبْدِ، وهو قَدْرُ حَقِّه، ويَعْتِقُ من المُدَبَّرِ نِصْفُه، وهو قَدْرُ حَقِّه. ١٩٧٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا دَبَّرَ قَبْلَ الْبُلُوغِ كَانَ تَدْبِيرُهُ جَائِزًا، إِذَا كَانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ فَصَاعِدًا، وكَانَ يَعْرِفُ التَّدْبِيرَ. وَمَا قُلْتُهُ فِى الرَّجُلِ، فَالمَرْأةُ مِثْلُهُ، إِذَا كَانَ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ فَصَاعِدًا) وجملتُه أَنَّ تَدْبِيرَ الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ، ووَصِيّتَه، جائزةٌ. وهو (١) إحْدَى الرِّوايتَيْنِ عن مالكٍ، وأحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعىِّ. قال بعضُ أصحابِه: هو أصَحُّ قَوْلَيْه. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وشُرَيْحٍ، وعبدِ اللَّه بن عُتْبَةَ. وقال الحسنُ، وأبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ تَدْبِيرُه، كالمَجْنُونِ (٢). وهو الرِّوايةُ الثانيةُ عن مالكٍ، والقولُ الثانى للشَّافعىِّ؛ لأَنَّه لا يَصِحُّ إعْتاقُه، فلم يَصِحَّ تَدْبِيرُه، كالمجنونِ. ولَنا، ما رَوَى سعيدٌ (٣)، عن هُشَيْمٍ، عن يحيى (٤)

стр. 7782

ابنِ سعيدٍ، عن أبى بكرِ بن محمدٍ، أَنَّ غُلامًا من الأنْصارِ أَوْصَى لأخْوالٍ له من غَسّانَ، بأَرْضٍ يُقالُ لها: بِئْرُ جُشَمٍ (٥)، قُوِّمَتْ بثلاثينَ ألْفًا، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، فأجازَ الوَصِيَّةَ. قال يحيىَ بن سعيدٍ: وكان الغلامُ ابنَ عَشْرِ سِنِينَ، أو اثْنَتَىْ عَشرةَ سنةً. ورُوِىَ أن قَوْمًا سأَلُوا عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن غُلامٍ من غَسَّانَ يافعٍ، وَصَّى لبنْتِ عَمِّه، فأجاز عمرُ وَصِيَّتَه (٦). ولم نَعْرِفْ له مُخالِفًا، ولأنَّ صِحّةَ وَصِيَّتِه وتَدْبِيرِه أحَظُّ له بيَقِينٍ؛ لأَنَّه ما دام باقِيًا لا يَلْزَمُه، فإذا مات كان ذلك صِلَةً وأجْرًا، فصَحَّ، كوَصِيَّةِ المَحْجُورِ عليه لِسَفَهٍ، ويُخالِفُ العِتْقَ؛ لأنَّ فيه تَفْوِيتَ مالِه عليه فى حياتِه ووَقْتِ حاجَتِه. فأمَّا تَقْيِيدُ من يَصِحُّ تدبيرُه بمَنْ له عَشْرُ سِنِينَ (٧)؛ فلِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "اضْرِبُوهُم عَلَيْها لِعَشْرٍ، وفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ" (٨). وهو الذى ورَدَ فيه الخبرُ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. واعْتَبَرَ المرأةَ بتِسْعِ، لقولِ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: إذا بَلَغَتِ الجاريةُ تِسْعَ سِنِينَ، فهى امرأةٌ. ويُرْوَى ذلك عن النَّبِىِّ ﷺ مَرْفُوعًا (٩). ولأنَّه السِّنُّ الذى يُمْكِنُ (١٠) بلُوغُها فيه، ويتَعَلَّقُ بها (١١) أحكامٌ سِوَى ذلك. فصل: ويَصِحُّ منه الرُّجُوعُ، إن قُلْنا بصِحَّةِ الرجوعِ من المُكَلَّفِ؛ لأنَّ مَنْ صَحّتْ وَصِيَّتُه، صَحَّ رُجُوعُه، كالمُكَلَّفِ. وإن أراد بَيْعَ المُدَبَّرِ، قام وَلِيُّه فى بَيْعِه مَقامَه. وإن أَذِنَ له وَلِيُّه فى بَيْعِه، فباعَه، صَحَّ منه. فصل: ويَصِحُّ تَدْبِيرُ المَحْجورِ عليه لِسَفَهٍ، ووَصِيَّتُه؛ لما ذكَرْنا فى الصَّبِىِّ. ولا تَصِحُّ وَصِيَّةُ المجْنونِ، ولا تَدْبِيرُه؛ لأَنَّه لا يَصِحُّ شىءٌ من تَصَرُّفاتِه. وإن كان يُجَنُّ يومًا، ويُفِيقُ يومًا، صَحَّ تَدْبِيرُه فى إفاقَتِه.

стр. 7783

فصل: ويَصِحُّ تَدْبِيرُ الكافرِ؛ ذِمِّيًّا كان أو حَرْبِيًّا، فى دارِ الإِسْلامِ ودارِ الحَرْبِ؛ لأنَّ له مِلْكًا صَحِيحًا، فيَصِحُّ (١٢) تصرُّفُه فيه، كالمسلمِ. فإن قيلَ: لو كان مِلْكُه صَحِيحًا، لم يَمْلِكْ عليه بغيرِ اخْتيارِه. قُلْنا: هذا لا يُنافِى المِلْكَ، بدليلِ أنَّه يَمْلِكُ فى النِّكاحٍ، ويَمْلِكُ زوجَتَه عليه بغيرِ اخْتيارِه، ومَنْ عليه الدَّيْنُ إذا امْتَنَعَ من قَضائِه، أُخِذَ من مالِه بقدْرِ ما عليه بغيرِ اخْتِيارِه، وحُكْمُ تَدْبِيرِه (١٣) حُكْمُ تَدْبيرِ المسلمِ، على ما ذكرْنا (١٤). فإن أسْلَمَ مُدَبَّرُ الكافرِ، أُمِرَ بإزالةِ مِلْكِه عنه، وأُجْبِرَ عليه، لئلَّا يَبْقَى الكافِرُ مالِكًا لِمُسلمٍ (١٥)، كغيرِ المُدَبَّرِ. ويَحْتَمِلُ أن يُتْرَكَ فى يَدِ عَدْلٍ، ويُنْفِقَ عليه مِن كَسْبِه، فإن لم يكُنْ له كَسْبٌ، أُجْبِرَ سَيِّدُه [على الإِنْفاقِ] (١٦) عليه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ فى أحدِ قَوْلَيْه، بناءً على أَنَّ بَيْعَ المُدَبَّرِ غيرُ جائزٍ، ولأنَّ فى بَيْعِه إبطالَ سَبَبِ العِتْقِ، وإزالةَ غَرَضِيَّتِه، فكانَ إبْقاؤُه أصْلَحَ، فتعَيَّنَ، كأُمِّ الولَدِ. فإن قُلْنا ببَيْعِه، فباعَه، بَطَلَ تَدْبِيرُه. وإن قُلْنا: يُتْرَكُ فى يَدِ عَدْلٍ. فإنَّه يَسْتَنِيبُ مَنْ يتَوَلَّى اسْتِعْمالَه واسْتِكْسابَه، ويُنْفِقُ عليه من كَسْبِه، وما فَضَلَ فلِسَيِّدِه، وإن لم يَفِ بنَفَقَتِه، فالباقِى على سَيِّدِه. وإن اتّفَقَ هو وسَيِّدُه على المُخَارَجةِ، جاز، ويُنْفِقُ على نفسِه ممَّا فَضَلَ من كَسْبِه، فإذا مات سَيِّدُه، عَتَقَ إن خَرَجَ من الثُّلثِ، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ، وبيعَ الباقِى على الوَرَثةِ إن كانوا كُفَّارًا. وإن أسْلَمُوا بعدَ الموتِ، تُرِكَ. وإن رَجَعَ سَيِّدُه فى تَدْبِيرِه، وقُلْنا بصِحَّةِ (١٧) الرُّجوعِ، بِيعَ عليه. وإن كان المُدَبَّرُ لِمُسْتَأْمنٍ (١٨)، وأراد أن يَرْجِعَ به إلى دارِ الحَرْبِ، ولم يكُنْ أسْلَمَ، لم يُمْنَعْ مِن ذلك، وإن كان قد أسْلمَ، مُنِعَ منه؛ لأنَّنا نَحُولُ بينَه وبينَه فى دارِ الإِسْلامِ، فأَوْلَى أن يُمْنَعَ من التَّمَكُّنِ (١٩) به فى دارِ الحَرْبِ.

стр. 7784

١٩٧٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَتَلَ المُدَبَّرُ سَيِّدَهُ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ) إنَّما بَطَلَ (١) تَدْبِيرُه بقَتْلِه سَيِّدَه لمَعْنيَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّه قَصَدَ اسْتِعْجالَ العِتْقِ بالقَتْلِ المُحَرَّمِ، فعُوقِبَ بنَقِيضِ قَصْدِه، وهو إبْطالُ التَّدْبِيرِ، كمَنْعِ المِيراثِ بقَتْلِ المَوْرُوثِ، ولأنَّ العِتْقَ فائِدةٌ تَحْصُلُ بالموتِ، فتَنْتَفِى بالقَتْلِ، كالإِرْثِ والوَصِيَّةِ. والثانى، أَنَّ التَّدْبيرَ وَصِيَّةٌ، فتَبْطُلُ بالقَتْلِ، كالوَصِيَّةِ بالمالِ. ولا يَلْزَمُ على هذا عِتْقُ أُمِّ الولَدِ؛ لكَوْنِه (٢) آكَدَ، فإنَّها صارتْ بالاسْتِيلادِ بحالٍ لا يُمْكِنُ نَقْلُ المِلْكِ فيها بحالٍ، ولذلك لم يَجُزْ بَيْعُها، ولا هِبَتُها، ولا رَهْنُها، ولا الرُّجوعُ عن ذلك بالقَوْلِ، ولا غيرِه، والإِرْثُ نَوعٌ من النَّقْلِ، فلو لم تَعْتِقْ [بمَوْتِ سَيِّدِها] (٣) لَانْتَقَل المِلْكُ فيها إلى الوارِثِ، ولا سَبِيلَ إليه، بخلافِ المُدَبَّرِ، ولأنَّ سَبَبَ حُرِّيَّةِ أُمِّ الوَلَدِ الفِعْلُ والبَعْضِيَّةُ التى حَصَلَتْ بينها وبينَ سَيِّدِها بوَاسِطَةِ ولَدِها، وهذا آكَدُ من القَولِ، ولهذا انْعَقَدَ اسْتِيلادُ المَجْنُونِ، ولم يَنْفُذْ إعْتاقُه ولا تَدْبِيرُه، وسَرَى حُكْمُ اسْتِيلادِ المُعْسِرِ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، بخلافِ الإِعْتاقِ، وعَتَقَتْ من رأسِ المالِ، والتَّدبِيرُ لا يَنْفُذُ إِلَّا فى الثُّلثِ، ولا يَمْلِكُ الغُرَماءُ إبْطالَ عِتْقِها وإِنْ كان سَيِّدُها مُفْلِسًا، بخلافِ المُدَبَّرِ، ولا يَلْزَمُ من الحُكْمِ فى مَوْضِعٍ، تأكُّدُ الحكمُ فيما دُونَه، كما لم يَلْزَمْ إلْحاقُه به فى هذه المَوِاضِعِ التى افْتَرَقا فيها. إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين كَوْنِ القَتْلِ عَمْدًا، أو خطأً، كما لا فرْقَ بينَ ذلك فى حِرْمانِ الإِرْثِ، وإبْطالِ وَصِيَّةِ القاتلِ. فصل: فأمَّا سائرُ جِناياتِه، غيرَ قَتْلِ سَيِّدِه، فلا تُبْطِلُ تَدْبيرَه، لكنْ إِنْ كانت جِنايةً مُوجِبَةً للمالِ، أو مُوجِبةً للقِصاصِ، فعَفَا الوَلِىُّ إلى مالٍ، تعَلَّقَ المالُ برَقَبتِه، فمن جَوّزَ بَيْعَه، جَعَلَ سَيِّدَه بالْخِيارِ بينَ تَسْلِيمِه فيُباعُ فى الجِنايةِ، وبينَ فِدائِه، فإنْ سَلَّمه فى الجنايةِ فبِيعَ فيها، بَطَلَ تَدْبِيرُه، وإن عاد إلى سَيِّدِه، عاد تَدْبِيرُه، وإن اختارَ فِداءَه، وفَدَاهُ بما يُفْدَى به العَبْدُ، فهو مُدَبَّرٌ بحالِه. ومَن لم يُجِزْ بَيْعَه، عَيَّنَ فِداءَه على سَيِّدِه، كأُمِّ الوَلدِ. وإن كانت الجِنايةُ مُوجِبةً للقِصاصِ، فاقْتُصَّ منه فى النَّفسِ، بَطَلَ تَدْبِيرُه، وإن اقْتُصَّ منه

стр. 7785

فى الطَّرَفِ، فهو مُدَبّرٌ بحالِه. وإذا مات سَيِّدُه بعدَ جِنايتِه، وقبلَ اسْتِيفائِها، عَتَقَ، على كلِّ حالٍ، سَواءٌ كانت مُوجِبةً للمالِ أو القِصاصِ؛ لأنَّ صِفَةَ العِتْقِ وُجِدَتْ (٤) فيه، فأَشْبَهَ ما لو باشَرَه به. فإن (٤) كان الواجبُ قِصاصًا، اسْتُوفِىَ، سَواءٌ كانت جِنايَتُه على عبدٍ أو حُرٍّ؛ لأنَّ القِصاصَ قد اسْتَقَرَّ وُجُوبُه عليه فى حالِ رِقِّه، فلا يَسْقُطُ بحُدُوثِ الحُرِّيَّةِ فيه. وإن كان الواجبُ عليه مالًا فى رَقَبَتِه، فُدِىَ بأقَلِّ الأَمْرَيْنِ؛ من قِيمَتِه، أو أرْشِ جِنَايَتِه. وإن جُنِىَ على المُدَبَّرِ، فأرْشُ الجِنايةِ لسَيِّدِه؛ فإن كانت الجَنايةُ على نَفْسِه، وجَبَتْ قِيمَتُه لسَيِّدِه، وبَطَلَ التَّدْبِيرُ بهَلاكِه. فإن قيل: فهَلَّا جَعَلْتُم قِيمَتَه قائمةً مَقامَه، كالعبدِ المَرْهُونِ والمَوْقُوفِ [إذا جُنِىَ عليه] (٥)؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينهما من ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحدها، أَنَّ [كلَّ واحدٍ من الوَقْفِ] (٦) والرَّهْنِ لازِمٌ، فتعَلَّقَ الحَقُّ بِبَدَلِه، والتَّدْبِيرُ غيرُ لازمٍ؛ لأَنَّه يُمْكِنُ إبْطالُه يالبَيْعِ وغيرِه، فلم يتَعَلَّقِ الحَقُّ بِبَدَلِه. الثانى، أَنَّ الحَقَّ فى التَّدْبِيرِ للمُدَبَّرِ، فبَطَلَ حَقُّه بفَواتِ مُسْتَحِقِّه، والبَدَلُ لا يَقومُ مَقامَه فى الاسْتِحْقاقِ، والحَقُّ [فى الوَقْفِ للمَوْقُوفِ عليه، وفى الرَّهْنِ للمُرْتَهِنِ، وهو باقٍ، فيَثْبُتُ حَقُّه فى بَدَلِ مَحَلِّ حَقِّه] (٧). الثالث، أَنَّ المُدَبَّرَ إنَّما ثَبَتَ حَقُه بوُجُودِ مَوْتِ سَيِّدِه، فإذا هَلَكَ قبلَ سَيِّدِه، فقد هَلَكَ قبلَ ثُبُوتِ الحَقِّ له، فلم يَكُنْ له بَدَلٌ، بخِلافِ الرَّهْنِ والوَقْفِ، فإِنَّ الحَقَّ ثابتٌ فيهما، فقام بَدَلُهما مَقامَهما، وبينَ الرَّهْنِ والمُدَبَّرِ فَرْقٌ رابعٌ، وهو أَنَّ الواجِبَ القِيمةُ، ولا يُمْكِنُ وجودُ (٨) التَّدْبِيرِ فيها، ولا قِيامُها مَقامَ المُدَبَّرِ فيه، وإن أخَذَ عبدًا مَكانَه، فليس هو البَدَلَ، إنَّما هو بَدَلُ القِيمةِ، بخِلافِ الرَّهْنِ، فإِنَّ القِيمةَ يجوزُ أن تكونَ رَهْنًا، فإن قِيلَ: فهذا يَلْزمُ عليه المَوْقُوفُ، فإنَّه إذا قُتِلَ، أُخِذَتْ قِيمَتُه، فاشْتُرِىَ بها عبدٌ يكونُ وَقْفًا مكانَه. قُلْنا: قد حَصَلَ الفَرْقُ بين المُدَبَّرِ والرَّهنِ من الوُجُوهِ

стр. 7786

الثَّلاثةِ، وكَوْنُه لا يَحْصُلُ الفَرْقُ بينَه وبينَ الوَقْفِ مِن هذا الوَجْهِ، لا يَمْنعُ أن يَحْصُلَ الفَرْقُ بينَه وبينَ الرَّهْنِ به. فصل: وإذا دَبَّرَ السَّيِّدُ عبدَه، ثم كاتُبَه، جازَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ (٩)، وأبى هُرَيْرَةَ، والحسنِ. ولَفْظُ حديثِ أبى هُرَيْرَةَ، عن مُجاهِدٍ، قال: دَبَّرتِ امرأةٌ من قُرَيشِ خادِمًا لها، ثم أرادتْ أن تُكَاتِبَه، [قال: فكنتُ الرَّسولَ إلى أبى هُرَيْرَةَ، فقال: كاتِبِيه، فإن أَدَّى كِتَابتَه] (١٠) فذاك، وإن حَدَثَ بك حَدَثٌ، عَتَقَ. قال: وأُراهُ قال: على (١١) ما كان عليه له (١٢). ولأنَّ التَّدْبِيرَ إن كان عِتْقًا بصِفَةٍ، لم يَمْنعِ الكِتابةَ، كالذى عَلَّقَ عِتْقَه بدُخُولِ الدارِ، وإن كان وَصِيَّةً، لم يَمْنَعْها، كما لو وَصَّى بِعِتْقِه ثم كاتَبَه، ولأنَّ التَّدْبِيرَ والكِتابةَ سَبَبانِ للعِتْقِ، فلم يَمْنعْ أحَدُهما الآخَرَ، كتَدْبِيرِ المُكَاتَبِ. وذكر القاضى أَنَّ التَّدْبِيرَ يَبْطُلُ بالكِتابةِ، إذا قُلْنا: هو وَصِيّةٌ. كما لو وَصَّى به لرجلٍ ثم كاتَبَه. وهذا يُخالِفُ (١٣) ظاهِرَ كلامِ أحمدَ، وهو غيرُ صحيح فى نَفْسِه. ويُفارِقُ التَّدْبِيرُ الوَصِيَّةَ به لرجلٍ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الكِتابةِ والتَّدْبِيرِ لا يَتَنافيانِ، إذْ (١٤) كان المقصودُ منهما جميعًا العِتْقَ، فإذا اجْتَمَعا، كان آكَدَ لحُصُولِه (١٥)، فإنَّه إذا فات عِتْقُه مِن أحَدِهما، حَصَلَ بالآخَرِ، وأيُّهما وُجِدَ قبلَ صاحِبِه، حَصَلَ العِتْقُ به، ومَقْصُودُ الوَصِيَّةِ به (١٦) والكِتابةِ (١٧) يتَنافيانِ؛ لأنَّ الكِتابةَ تُرادُ لِلعِتْقِ، والوَصِيَّةَ تُرادُ لحُصُولِ المِلْكِ فيه

стр. 7787

للمُوصَى له، ولا يَجْتَمِعانِ. إذا ثبَت هذا، فإنَّه إن أَدَّى فى حَياةِ السَّيِّدِ، صار حُرًّا بالكتابةِ، وبَطَلَ التَّدْبِيرُ، وإِنْ مات السَّيِّدُ قبلَ الأداءِ، عَتَقَ بالتَّدْبِيرِ إن خَرَجَ من الثُّلثِ، وبَطَلَتِ الكِتابةُ، وإن لم يَخْرُجْ من الثُّلثِ، عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ، وسَقَطَ [من الكِتابةِ بقَدْرِ ما عَتَقَ، وكان على الكِتابةِ فيما بَقِىَ. وإن أدَّى البعضَ، ثم مات سَيِّدُه، عَتَقَ كلُّه، وسَقَطَ باقى الكِتابةِ إِنْ خَرَجَ من الثُّلثِ، وإن لم يَخْرُجْ من الثُّلثِ، عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلثِ، وسَقَطَ] (١٨) ممَّا (١٩) بَقِىَ من الكِتابةِ بقَدْرِ ثُلثِ المالِ، وأدَّى ما بَقِىَ.

стр. 7788

كتاب المُكاتَبِ الكِتابةُ: إعْتاقُ (١) السَّيِّدِ عَبْدَه على مالٍ فى ذِمَّتِه يُؤَدَّى مُؤَجَّلًا؛ سُمِّيَتْ (٢) كِتابةً؛ لأنَّ السَّيِّدَ يَكْتُبُ بينَه وبينَه كِتابًا بما اتَّفَقَا عليه. وقيل: سُمِّيَتْ (٣) كِتابةً من الكَتْبِ، وهو الضَّمُّ؛ لأنَّ المُكَاتَبَ (٤) يَضُمُّ بعضَ النُّجُومِ إلى بعضٍ، ومنه سُمِّىَ الخَرْزُ كِتَابًا؛ لأَنَّه يَضُمُّ أحَدَ الطَّرَفَيْنِ إلى الآخَرِ بخَرْزِه. وقال الحَرِيرِىُّ (٥): وكاتِبِينَ وما خَطَّتْ أنَامِلُهُم ... حَرْفًا ولا قَرَأُوا ما خُطَّ فى الكُتبِ وقال ذو الرُّمَّةِ، [فى ذلك المعنى] (٦): وَفْرَاءَ غَرْفِيَّةٍ أثْأَى خَوَارِزُهَا ... مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَها الكُتَبُ (٧) يَصِفُ قِرْبةً يَسِيلُ الماءُ من بين خُرَزِها. وسُمِّيَتِ الكَتِيبةُ كَتِيبةً لانْضِمامِ بَعْضِها إلى بعضٍ، والمُكاتَبُ يَضُمُّ بعضَ نُجُومِه إلى بعضٍ، والنُّجُومُ ههُنا الأوْقاتُ المُخْتلِفةُ؛ لأنَّ العَرَبَ كانت لا تَعْرِفُ الحِسابَ، وإنَّما تعرِفُ الأوْقاتَ بطُلُوعِ النُّجُومِ، كما قال بعضُهم (٨):

стр. 7789

إذا سُهَيْلٌ أَوَّلَ اللَّيلِ طَلَعْ فابنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ والْحِقُّ جَذَعْ (٩) فَسُمِّيَتِ الأوْقاتُ نُجُومًا. والأصْلُ فى الكِتابةِ؛ الكِتَابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ. أمُّا الكِتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١٠). وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى (١١) سعيدٌ (١٢)، عن سُفْيانَ، عنِ الزُّهْرِىِّ، عن نَبْهانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ سَلَمةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّى، فَلْتَحْتَجبْ مِنْهُ" (١٣). ورَوَى سَهْلُ بن حُنَيْفٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "مَنْ أعَانَ غَارِمًا، أوَ غَازِيًا، أو مُكاتَبًا فى كِتَابَتِهِ، أظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ" (١٤). فى أحاديثَ كثيرة سِوَاهما، وأجْمَعَتِ (١٥) الأُمَّةُ على مَشْرُوعِيّةِ الكِتابَةِ. فصل: إذا سألَ العبدُ سَيِّدَه مُكاتَبَتَه، اسْتُحِبَّ له إجابَتُه، إذا عَلِمَ فيه خَيْرًا، ولم يَجِبْ ذلك. فى ظاهِرِ المذهبِ. وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ، منهم؛ الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، أنَّها واجِبَةٌ، إذا دَعَا العبدُ المُكْتَسِبُ (١٦) الصَّدُوقُ سَيِّدَه إليها، فعليه إجابَتُه. وهو قولُ عَطاءٍ، والضَّحاكِ، وعمرِو ابن دِينارٍ، وداودَ. وقال إسحاقُ: أخْشَى أن يَأْثَمَ إِنْ لم يَفْعَلْ، ولا يُجْبَرُ عليه. ووَجْهُ ذلك قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ. ورُوِىَ أَنَّ سِيرِينَ أبا محمدِ بن سِيرِينَ، كان عبدًا لأنَسِ بن مالكٍ، فسأَلَه أَنْ يُكاتِبَه، فأَبَى، فأخْبَرَ

стр. 7790

سيرِينُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ بذلك، فرَفعَ الدِّرَّةَ على أنسٍ، وقَرَأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. فكاتَبَه أنَسٌ (١٧). ولَنا، أنَّه إعْتاقٌ بعِوَضٍ، فلم يَجِبْ، كالاسْتِسْعاءِ، والآيةُ مَحْمولةٌ على النَّدْبِ، وقولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يُخالِفُ فِعْلَ أنَسٍ. ولا خِلافَ بينَهم فى أَنَّ مَنْ لا خَيْرَ فيه لا تَجِبُ إجَابَتُه. قال أحمدُ: الخَيْرُ صِدْقٌ، وصَلاحٌ، ووَفاءٌ بمالِ الكِتابةِ. ونحوَ هذا قال إبراهيمُ، وعمرُو بن دِينارٍ، وغيرُهما، وعِبارَتُهم فى ذلك مُخْتلِفةٌ، قال ابنُ عباسٍ: غَناءٌ (١٨)، وإعْطاءٌ للمالِ. وقال مُجاهدٌ: غَناءٌ (١٨)، وأدأءٌ. وقال النَّخَعِىُّ: صِدْقٌ، ووَفاءٌ. وقال عمرُو ابن دِينارٍ: مالٌ، وصلاحٌ. وقال الشافعىُّ: قُوَّةٌ (١٩) على الكَسْبِ، وأمانةٌ. وهل تُكْرَه كِتابةُ مَنْ لا كَسْبَ له أو لا؟ قال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ كَراهِيَتُه. وكان ابنُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يَكْرَهُه (٢٠). وهو قولُ مَسْرُوقٍ، والأوْزاعِىِّ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يُكْرَهُ. ولم يَكْرَهْه الشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وطائِفةٌ من أهْلِ العلم؛ لأنَّ جُوَيْرِيةَ بنتَ الحارِثِ، كاتَبَها ثابتُ بن قيسِ بن شَمَّاسِ الأنْصارِىُّ، فأتَتِ النَّبِىَّ ﷺ تَسْتَعِينُه فى كِتابَتِها، فأدَّى عنها كِتابَتَها، وتَزَوَّجَها (٢١). واحْتجَّ ابنُ المُنْذِرِ، بأن بَرِيرة كاتَبَتْ ولا حِرْفَةَ لها، ولم يُنْكِرْ ذلك رسولُ اللَّه ﷺ (٢٢). ووَجْه الأوَّلِ ما ذَكَرْنا فى عِتْقِه، ويَنْبَغِى أن يُنْظَرَ فى المُكاتَبِ، فإنْ كان ممن يتَضَرَّرُ بالكِتابةِ ويَضِيعُ، لِعَجْزِه عن الإِنْفاقِ

стр. 7791

على نَفْسِه، ولا يَجِدُ مَنْ يُنْفِقُ عليه، كُرِهَتْ كِتابَتُه، وإن كان يَجِدُ مَنْ يَكْفِيه مُؤْنَتَه، لم تُكْرَهُ كتابَتُه؛ لحُصُولِ النَّفْعِ بالحُرِّيَّةِ من غيرِ ضَرَرٍ. فأمَّا جُوَيْرِيَةُ، فإنَّها كانت ذاتَ أهْلٍ (٢٣)، وكانت ابنةَ سَيِّدِ قَوْمِه، فإذا عَتَقَتْ رَجَعَتْ إلى أهْلِها، فأخْلَف اللَّهُ لها خيرًا من أهْلِها، فتزَوَّجَها رسولُ اللَّه ﷺ ، وصارتْ إحْدَى أُمَّهاتِ المؤمنينَ، وأعْتَقَ الناسُ ما كان بأيْدِيهم من قَوْمِها، حينَ بَلَغَهم أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ تزَوَّجَها، وقالوا: أصْهارُ (٢٤) رَسُولِ اللَّه ﷺ . فلم يُرَ امرأةٌ أعْظَمَ بَرَكةً على قَوْمِها منها. وأمَّا بَرِيرَةُ، فإن كِتابَتَها تَدُلُّ على إباحَةِ ذلك، وأنَّه ليس بمُنْكَرٍ (٢٥)، ولا خِلافَ فيه، وإنَّما الخِلافُ فى كَرَاهَتِه (٢٦). قال مَسْرُوقٌ: إذا سألَ العبدُ مَوْلاه الكِتابةَ (٢٧)؛ فإن كان له مَكْسَبةٌ، أو كان له مالٌ، فلْيُكاتِبْه، وإن لم يكُنْ له مالٌ ولا مَكْسَبةٌ، فَلْيُحْسِنْ مَلْكَتَه، ولا يُكَلِّفْهُ إِلَّا طاقَتَه. فصل: ولا تَصِحُّ الكتابةُ إِلَّا ممَّن يَصِحُّ تَصَرُّفُه فأمَّا المجْنونُ والطِّفلُ، فلا تصِحُّ مُكاتَبَتُهما لرَقِيقِهِما، ولا مُكاتبةُ سَيِّدِهِما لهما، وأمَّا الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ؛ فإن كاتَبَ عبدَه بإذْنِ وَلِيِّه (٢٨)، صَحَّ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَصِحَّ، بِناءً على قَوْلِنا: إنَّه لَا يَصِحُّ بَيْعُه بإذْنِ وَلِيِّه، ولأنَّ هذا عَقْدُ إعْتاقٍ، فلم يَصِحَّ منه، كالعِتْقِ (٢٩) بغيرِ مالٍ، فأمَّا إن لم يَأْذَنْ وَلِيُّه فيه، فلا يَصِحُّ بحالٍ، وإن كاتَبَ (٣٠) المُمَيِّزُ سَيِّدَه، صَحَّ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعىُّ: لا يَصِحُّ فيهما جميعًا بحالٍ؛ لأَنَّه ليس بمكَلَّفٍ، فأشْبَهَ المجنونَ. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تصرُّفُه (٣١) وبَيْعُه بإذْنِ ولِيِّه، فصَحَّتْ منه الكتابةُ بذلك، كالمُكَلَّفِ، ودلِيلُ صِحّةِ تَصَرُّفِه قولُ اللَّهِ

стр. 7792

تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (٣٢). والابْتِلاءُ الاخْتِبارُله، بتَفْوِيضِ التصرُّفِ إليه، ليُعْلَمَ هل يَقَعُ منه على وَجْهِ المَصْلَحةِ أو لا؟ وهل يُغْبَنُ فى بَيْعِه وشِرائِه أو لا؟ وِإيجابُ السَّيِّدِ لعبدِه المُمَيِّزِ المُكاتَبةَ إذْنٌ له فى قَبُولِها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنْ كان السَّيِّدُ المُكاتِبُ طِفْلًا أو مجنونًا، فلا لِتَصَرُّفِه ولا قَوْلِه. وإن كاتَبَ المُكَلَّفُ عَبْدَه الطِّفْلَ أو المجنونَ، لم يَثْبُتْ لهذا التَّصَرُّفِ حكمُ الكِتابةِ الصَّحِيحةِ ولا الفاسدةِ؛ لأَنَّه لا حُكْمَ لقَوْلِهما، ولكنْ إِنْ قال: إن أدَّيْتُما إلىَّ، فأنْتُما حُرَّانِ. فأدَّيَا، عَتَقَا (٣٣) بالصِّفَةِ لا بالكِتابةِ (٣٤)، وما فى أَيْدِيهما لسَيِّدِهما، وإن لم يَقُلْ ذلك، لم يَعْتِقَا. ذكره أبو بكرٍ. وقال القاضى: يَعْتِقان. وهو مذهبُ الشَّافِعىِّ؛ لأنَّ الكِتابةَ (٣٤) تتَضَمَّنُ معنى الصِّفَةِ، فيَحْصُلُ العِتْقُ ههُنا بالصّفَةِ المَحْضَةِ، كما لو قال: إن أدَّيْتَ إلىَّ، فأنتَ حُرٌّ. ولَنا، أنَّه ليس بصِفَةٍ صَرِيحًا ولا معنًى، وإنَّما هو عَقْدٌ باطِلٌ، فأشْبَهَ البَيْعَ الباطِلَ. فصل: وإذا كاتبَ الذِّمِّىُّ عبدَه المسلمَ، صَحَّ؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، أو عِتْقٌ بصِفَةٍ، وكِلاهُما يَصِحُّ منه (٣٥). وإذا تَرافَعا إلى الحاكمِ بعدَ الكِتابةِ (٣٦)، نَظَرَ فى العَقْدِ؛ فإن كان مُوافِقًا للشَّرْعِ، أمْضاهُ، سَواءٌ تَرافَعا قبلَ إسْلامِهِما أو بعدَه، وإن كانتْ (٣٧) كتابةً فاسِدةً، مثل أن يكونَ العِوَضُ خَمْرًا، أو خِنْزِيرًا، أو غيرَ ذلك من أنْواعِ الفَسادِ، ففيه ثلاثُ مَسائِلَ؛ إحْداها، أن يكونَا قد تَقابَضا حالَ الكُفْرِ، فتكونَ الكِتابةُ (٣٦) ماضِيَةً، والعِتْقُ حاصلٌ؛ لأنَّ ما تَمَّ فى حالِ الكُفْرِ، لا يَنْقُضُه الحاكمُ، ويَحْكُمُ بالعِتْقِ، سَواءٌ ترَافَعا قبلَ الإِسْلامِ أو بعدَه. الثانية، تَقابضَا بعدَ الإِسلامِ، ثم تَرافَعا إلى الحاكمِ، فإنَّه يَعْتِقُ أيضًا؛ لأنَّ هذه كتابةٌ فاسِدةٌ، ويكونُ حكَمُها حكمَ الكتابةِ الفاسِدَةِ المَعْقودةِ فى الإِسْلامِ، على ما سنَذْكُره، إِنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. الثالثة، ترافَعا قبل قَبْضِ العِوضِ الفاسِدِ، أو قَبْضِ بعضِه، فإِنَّ الحاكمَ يَرْفَعُ هذه الكِتابةَ، ويُبْطِلُها (٣٨)؛ لأنَّها كتابةٌ فاسِدةٌ، لم

стр. 7793

يَتَّصِلْ بها قَبْضٌ تَنْبَرِمُ به. ولا فَرْقَ بين إسْلامِهِما، أو إسْلامِ أحَدِهما، فيما ذكرْناه؛ لأنَّ التَّغْلِيبَ لحُكْمِ (٣٩) الإِسلامِ. وقال أبو حنيفةَ: إذا كاتَبَه على خَمْرٍ، ثم أسْلَما (٤٠)، لم يَفْسُدِ العَقْدُ، ويُؤَدِّى قِيمةَ الخمرِ؛ لأنَّ الكِتابةَ (٤١) كالنِّكاحِ، ولو أمْهَرَها خَمْرًا، ثم أسْلَما، بَطَلَ الخَمْرُ، ولم يَبْطُلِ النِّكاحُ. ولَنا، أَنَّ هذا عَقْدٌ لو عَقَدَه المسلمُ كان فاسِدًا، فإذا أسْلَما قبلَ التَّقابُضِ، أو أحَدُهما، حُكِمَ بفَسادِه، كالبَيْعِ الفاسِدِ، ويُفارِقُ النِّكاحَ، [فى أنَّه] (٤٢) لو عَقَدَه المسلمُ بخَمْرٍ (٤٣) كان صحيحًا، وإن أسْلَمَ مُكاتَبُ الذِّمِّىِّ، لم [تَنفَسِخِ الكتابةُ] (٤٤)؛ لأنَّها وقَعَتْ صحيحةً، ولا يُجْبَرُ على إزالةِ مِلْكِهِ؛ لأَنَّه خارِجٌ بِالكِتابةِ عن تَصَرُّفِ الكافرِ فيه، فإنْ عَجَزَ، أُجْبِرَ على إزالةِ مِلْكِه عنه حِينَئذٍ. [وإن اشْتَرَى مسلمًا، فكاتَبَه، لم تَصِحَّ الكتابةُ؛ لأنَّ الشِّراءَ باطِلٌ، ولم يَثْبُتْ له به مِلْكٌ. وإن أسْلَم عبدُه فكاتَبَه بعدَ إسلامِه، لم تَصِحَّ كِتابَتُه؛ لأَنَّه يلْزَمُه (٤٥) إزالةُ مِلْكِه عنه، والكِتابةُ لا تُزِيلُ المِلْكَ، فإِنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ. وقال القاضى: له كِتابَتُه؛ لأَنَّه يخْرُجُ بها عن تَصَرُّفِ سَيِّدِه فيه، فإن عَجَزَ، عاد رَقِيقًا قِنًّا، وأُجْبِرَ على إزالةِ مِلْكِه عنه حِينَئذٍ] (٤٦). فصل: وإن كاتَبَ الْحَرْبِىُّ عبدَه، صَحَّتْ كِتابَتُه، سَواءٌ كان فى دارِ الحَرْبِ أو دارِ الإِسْلامِ (٤٧). وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مِلْكَه ناقِصٌ. وحكى عن مالكٍ، أنَّه لا يَمْلِكُ، بدَلِيلِ أَنَّ [المُسْلِمَ يَمْلِكُه] (٤٨) عليه. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (٤٩). وهذه الإِضافةُ إليهم (٥٠) تَقْتَضِى

стр. 7794

صِحّةَ أمْلاكِهِم، فتَقْتَضِى صِحَّةَ تَصَرُّفاتِهِم. فإذا ثَبَتَ هذا، فإذا كاتَبَ عبدَه، ثم دَخَلَا مُسْتَأْمِنَيْنِ إلينا، لم يتَعَرَّض الحاكمُ لهما، وإن ترَافَعا إليه، نَظَرَ بينهما، فإن كانت كِتابَتُهما صَحِيحةً، ألْزَمَهُما حُكْمَها، وإن كانتْ فاسِدةً، بَيَّنَ لهما فَسادَها. وإن جاءا، وقد قَهَرَ أحَدُهما صاحِبَه، بَطَلَتِ الكتابةُ؛ لأنَّ العبدَ إِنْ قَهَرَ سَيِّدَه مَلَكَه، فبَطَلَتْ كِتابَتُه؛ لخُرُوجِهَ (٥١) عن مِلْكِ سَيِّده، وإن قَهَرَه السَّيِّدُ على إبْطالِ الكِتابةِ، ورَدَّه رَقِيقًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ دارَ الكُفْرِ دارُ قَهْرٍ وإباحةٍ، ولهذا لو قَهَرَ حُرٌّ حُرًّا على نَفْسِه مَلَكَه. وإن دَخَلَا من غير قَهْرٍ، فقَهَرَ أحَدُهما الآخَرَ فى دارِ الإِسْلامِ، لم تَبْطُل الكتابةُ، وكانا على ما كانا عليه قبلَه؛ لأنَّ دارَ الإِسلامِ دارُ حَظْرٍ، لا يُؤَثِّرُ فيها القَهْرُ إِلَّا بالحَقِّ. وإن دخَلَا مُسْتَأْمِنَيْنِ، ثم أرادَ الرُّجوعَ إلى دارِ الحربِ، لم يُمْنَعَا. وإن أراد السَّيِّدُ الرُّجوعَ، وأخْذَ المُكاتَبِ معه، فأبَى المُكاتَبُ الرُّجوعَ معه، لم يُجْبَرْ؛ لأَنَّه بالكِتابةِ زال سُلْطانُه (٥٢) عنه، وإنَّما له فى ذِمَّتِه حَقٌّ، ومَنْ له دَيْنٌ (٥٣) فى ذِمّةِ غيرِه بحَقِّ (٥٤)، لا يَمْلِكُ إجْبارَه على السَّفَرِ معه لأجْلِه، ويقال للسَّيِّدِ: إن أرَدْتَ الإِقامةَ فى دارِ الإِسلامِ، لتَسْتَوْفِىَ مالَ الكِتابةِ، فاعْقِدِ الذِّمَّةَ وأقِمْ، إن كانت مُدَّتُها طويلةً، وإن أرَدْتَ تَوْكيلَ مَنْ يَقْبِضُ لك نُجومَ الكتابةِ، فافْعَلْ. فإذا أدَّى نُجومَ الكتابةِ، عَتَقَ، ثم هو مُخَيَّرٌ؛ إن أحَبَّ المُقامَ (٥٥) فى دارِ الإِسلامِ، عَقَدَ على نَفْسِه الذِّمَّةَ، وإن أحَبَّ الرُّجوعَ، لم يُمْنَعْ. وإن عَجَزَ، وفَسَخَ السَّيِّدُ كِتَابتَه، عاد رَقِيقًا، ويُرَدُّ إلى سَيِّدِه، والأمانُ له باقٍ؛ لأَنَّه مِن مالِ سَيِّدِه، وسَيِّدُه عَقَدَ الأمانَ لنفسِه ومالِه، فإذا انْتَقَضَ الأمانُ فى نَفْسِه، بعَوْدِه، لم ينْتَقِضْ فى مالِه. وإن كاتَبَه فى دارِ الحربِ، فهَرَبَ، ودَخَلَ إلينا، بَطَلَتِ الكتابةُ؛ لأنَّ (٥٦) مِلْكَه زال عنه بقَهْرِه على نفسِه، فأشْبَهَ ما لو قَهَرَه على غيرِه من مالِه. وسَواءٌ جاءَنا مُسْلِمًا أو غيرَ

стр. 7795

مسلمٍ. وإن جاءنا (٥٧) بإذْنِ سَيِّدِه، فالكِتابةُ بحالِها؛ لأَنَّه لم يَقْهَرْ سَيِّدَه، فإذا دخَلَ إلينا بأمانٍ بإذْنِ سَيِّدِه، ثم سَبَى المسلمون سَيِّدَه وقُتِلَ، انْتقَلتِ الكِتابةُ إلى وَرَثَتِه، كما لو مات حَتْفَ أنْفِه، وإن مَنَّ عليه الإِمامُ، أو فَاداهُ، أو هَرَبَ، فالكِتابةُ بحالِها، وإن اسْتَرَقَّه الإِمامُ، فالمُكاتَبُ مَوْقُوفٌ، إن عَتَقَ سَيِّدُه، فالكِتابةُ بحالِها، وإن مات أو قُتِلَ، فالمُكاتَبُ للمسلمينَ، مُبْقًى على ما بَقِىَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ بأدائِه إليهم، ووَلاؤُه لهم، وإن عَجَزَ، فهو رَقِيقٌ لهم. وإِنْ أراد المُكاتَبُ الأداءَ قبلَ عِتْقِ سَيِّدِه ومَوْتِه، أدَّى إلى الحاكِم، أو إلى أمِينِه، وكان المالُ المقْبُوضُ مَوْقُوفًا، على ما ذكرْناه، ويَعْتِقُ المكاتَبُ بالأداءِ، وسَيِّدُه رَقِيقٌ، لا يَثْبُتُ له وَلاءٌ. قال أبو بكر: يكونُ الولاءُ للمسلمينَ. وقال القاضى: يكونُ مَوْقُوفًا، فإن عَتَقَ سَيِّدُه، فهو له، وإن مات على رِقِّه، فهو للمسلمينَ. وإِنْ كان اسْتِرقاقُ سَيِّدِه بعدَ عِتْقِ المُكاتَبِ، وثُبُوتِ الوَلاءِ عليه، فقال القاضى: يكونُ وَلاؤُه مَوْقوفًا، فإن عَتَقَ السَّيِّدُ، كان الولاءُ له، وإن قُتِلَ أو مات على رِقِّه، بَطَلَ الوَلاءُ؛ لأَنَّه رَقِيقٌ، لا يُورَثُ، فيَبْطلُ الوَلاءُ، لعَدَمِ مُسْتَحِقِّه. ويَنْبَغِى أن يكونَ للمسلمينَ؛ لأنَّ مالَ مَنْ لا وارِثَ له للمسلمينَ، فكذلك الوَلاءُ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وإن كاتَبَ المُرْتَدُّ عبدَه، فعلى قولِ أبى بكرٍ: الكتابةُ باطلةُ؛ لأنَّ مِلْكَه زالَ برِدَّتِه. وعلى الظاهرِ من المذهبِ، كتابَتُه مَوقُوفةٌ؛ إن أسْلَم تَبَيَّنَّا أنَّها كانت صحيحةً، وإن قُتِلَ أو مات على رِدَّتِه، بَطَلَتْ. وإن أدّى فى رِدّتِه، لم يُحْكَمْ بعِتْقِه، ويكونُ مَوْقوفًا، فإن أسْلَمَ سَيِّدُه، تَبَيَّنَّا صِحَّةَ الدَّفْعِ إليه وعِتْقِه، وإن قُتِلَ أو مات على رِدَّتِه، فهو باطِلٌ، والعبدُ رَقِيقٌ. وإن كاتَبَه، وهو مسلمٌ، ثم ارْتَدَّ، وحُجِرَ عليه، لم يَكُنْ للعبدِ الدَّفْعُ إليه، ويُؤَدِّى إلى الحاكمِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ. وإن دَفَعَ إلى المُرْتَدِّ، كان مَوْقوفًا، كما ذكرْنا. وإن كاتَبَ المسلمُ عبدَه المُرْتَدَّ، صَحَّتْ كتابَتُه؛ لأَنَّه يَصِحُّ بَيْعُه، فإذا أدَّى، عَتَقَ، وإن أسْلَمَ، فهو على كِتابَتِه. فصل: وكتابةُ المريضِ صَحِيحةٌ، فإن كان مَرَضُ المَوْتِ الْمَخُوفُ، اعْتُبِرَ مِن ثُلثِه؛ لأَنَّه بَيْعُ مالِه بمالِه، فجَرَى مَجْرَى الهِبَةِ، كذلك يَثْبُتُ (٥٨) الوَلَاءُ على المُكاتَبِ؛

стр. 7796

لكَوْنِه مُعْتَقًا، فإن خَرَجَ من الثُّلثِ، كانت الكتابةُ لازِمةً، وإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلثِ، لَزِمَتِ (٥٩) الكتابةُ فى قَدْرِ الثُّلثِ، وسائِرُه موقوفٌ على إجازَةِ الوارِثِ (٦٠)، فإنْ أجازَها (٦١)، جازَتْ، وإن رَدَّها (٦٢)، بَطَلَتْ. وهذا قولُ الشَّافِعىِّ. وقال أبو الخَطَّابِ، فى "رُءُوسِ المسائلِ": تجوزُ الكِتابةُ من رَأْسِ المالِ؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، أشْبَهَ البَيْعَ. ١٩٧٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَاتَبَ عَبْدهُ، أَوْ أمَتَهُ عَلَى أَنْجُمٍ، فَأُدِّيَتِ الْكِتَابَةُ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا، ووَلَاؤُهُ لِمُكَاتِبِهِ) فى هذه المسألةِ ثلاثةُ فُصولٍ: أحدُها: أَنَّ ظاهرَ هذا الكلامِ، أَنَّ الكِتابةَ لا تَصِحُّ حالَّةً، ولا تجوزُ إِلَّا مُؤَجَّلَةً مُنَجَّمةً. وهذا (١) ظاهرُ المذهبِ. وبه قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: تجوزُ حالَّةً؛ لأَنَّه عَقْدٌ على عَيْنٍ، فإذا كان عِوَضُه فى الذِّمَّةِ، جازَ أن يكونَ حالًّا، كالبَيْعِ. ولَنا، أنَّه رُوِىَ عن جماعةٍ من الصَّحابةِ، رضِىَ اللَّهُ عنهم، أنَّهم (٢) عَقَدُوا الكتابةَ، ولم يُنْقَلْ عن واحدٍ منهم أنَّه عَقَدَها حالَّةً، ولو جازَ ذلك، لم يَتَّفِقْ جَمِيعُهم على تَرْكِه، ولأنَّ الكِتابةَ عَقْدُ مُعاوَضةٍ، يَعْجِزُ عن أداءِ عِوَضِها فى الحالِ، فكان من شَرْطِه (٣) التَّأْجيلُ، كالسَّلَم (٤) عندَ (٥) أبى حنيفةَ، ولأنَّها عَقْدُ مُعاوَضةٍ يَلْحَقُه الفَسْخُ، مِن شَرْطِه ذِكْرُ

стр. 7797

العِوَضِ، فَإذا وَقَع على وَجْهٍ يتَحَقّقُ فيه العَجْزُ عن العِوَضِ، لم يَصِحَّ، كما لو أسْلَمَ فى شىءٍ لا يُوجَدُ عندَ مَحَلِّه، ويُفارِقُ البَيْعَ؛ لأَنَّه لا يتحَقّقُ فيه العَجْزُ عن العِوَضِ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ يَمْلِكُ المَبِيعَ، والعبدُ لا يَمْلِكُ شيئًا، وما فى يَدِه لسَيِّدِه. وفى التَّنْجِيمِ حِكْمَتانِ؛ إحداهما، يَرْجِعُ إلى المُكاتَبِ، وهى التَّخْفِيفُ عليه؛ لأنَّ الأداءَ مُفَرَّقًا أسْهَلُ، ولهذا تُقَسَّطُ (٦) الدُّيونُ على المُعْسِرِينَ عادةً، تخْفيفًا عليهم. والأُخْرَى، للسَّيِّدِ، وهى أَنَّ مُدَّةَ الكِتابةِ تَطُولُ غالبًا، فلو كانتْ على نَجْمٍ واحدٍ، لم يَظْهَرْ عَجْزُه إِلَّا فى آخِرِ المُدَّةِ، فإذا عجَز، عادَ إلى الرِّقِّ، وفاتَتْ مَنافِعُه فى مُدَّةِ الكتابةِ كلِّها على السَّيِّدِ، من غيرِ نَفْعٍ حَصَلَ له، وإذا كانتْ مُنَجَّمةً نُجُومًا، فعَجَزَ عن النَّجْمِ الأوَّلِ، فمُدّتُه يَسِيرةٌ، وإن عَجَزَ عن مَا بعدَه، فقد حَصَلَ للسَّيِّدِ نَفعٌ بما (٧) أخَذَه (٨) من النُّجومِ قبلَ عَجْزِه. إذا ثَبَتَ هذا، فأقَلُّه نَجْمانِ فصاعِدًا. وهذا مذهبُ الشَّافِعىِّ. ونُقِلَ عن أحمدَ، أنَّه قال: مِن النَّاسِ مَنْ يقول: نَجْمٌ واحدٌ. ومنهم مَن يقولُ: نَجْمانِ. ونَجْمانِ أحَبُّ إلىَّ. وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه، أنِّى أذْهَبُ إلى أنَّه لا يجوزُ إِلَّا نَجْمانِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المُسْتَحَبُّ نَجْمَيْنِ، ويجوزُ نَجْمٌ واحدٌ. قال ابنُ أبى موسى: هذا على طَريقِ الاخْتِيارِ، وإن جُعِلَ المالُ كلُّه فى نَجْمٍ واحدٍ، جاز؛ لأَنَّه عَقْدٌ يُشْتَرَطُ فيه التَّأْجيلُ، فجاز أن يكونَ إلى أجلٍ واحدٍ، كالمُسْلَمِ، ولأنَّ اعْتِبارَ التَّأْجِيلِ ليتَمكَّنَ من تَسْلِيمِ العِوَضِ، وهذا يَحْصُلُ بنَجْمٍ واحدٍ. ووَجْهُ الأوَّلِ، ما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: الكِتابةُ على نَجْمَيْنِ، والإِيتاءُ من الثَّانِى (٩). وهذا يَقْتَضِى أَنَّ هذا أقَلُّ ما تجوزُ عليه الكِتابةُ؛ لأنَّ أكْثرَ مِن نَجْمَيْنِ يجوزُ بالإِجْماعِ. ورُوِىَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه غَضِبَ على عبدٍ له، فقال: لأعاقِبَنَّكَ (١٠)، ولأُكاتِبَنَّكَ على نَجْمَيْنِ (١١). ولو كان يجوزُ أقلُّ من هذا، لعَاقَبَه به فى

стр. 7798

الظَّاهرِ. وفى حديثِ بَرِيرَةَ، أنَّها أتَتْ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، فقالتْ: يا أُمَّ المؤمنين، إنِّى كاتَبْتُ أهْلِى على تِسْعِ أوَاقٍ، فى كلِّ عامٍ أُوِقِيّة، فأعِينِينِى (١٢). ولأنَّ الكِتابةَ مُشْتَقَّةٌ من الضَّمِّ، وهو ضَمُّ نَجْمٍ [إلى نجمٍ] (١٣)، فدَلَّ ذلك على افْتِقارِها إلى نَجْمَيْنِ. والأَوَّلُ أقْيَسُ. ولابُدَّ أَنْ تكونَ النُّجومُ مَعْلُومةً، ويَعْلَمَ فى كلِّ نَجْمٍ قَدْرَ ما يُؤَدِّيه، ولا يُشْتَرَطُ تَساوِى النُّجُومِ، ولا قَدْرُ المُؤَدَّى فى كلِّ نَجْمٍ. فإذا قال: كاتَبْتُكَ على ألْفٍ، إلى عَشْرِ سنِينَ، تُؤَدِّى (١٤) عندَ انْقِضاءِ كُلِّ سَنَةٍ مائةً. أو قال: تُؤَدِّى منها مائةً عندَ انْقضاءِ خَمْسِ سِنِين، وباقِيَها عندَ تَمامِ العَشرةِ. أو قال: تُؤَدِّى فى آخِرِ العامِ الأوَّلِ مائةً، وتسْعَمائةٍ عندَ انْقضاءِ السَّنةِ العاشرةِ. فكلُّ هذا جائِزٌ. وإِنْ قال: تُؤَدِّى فى كلِّ عامٍ مائةً. جاز، ويكونُ أجَلُ كلِّ مائةٍ عندَ انْقضاءِ السَّنَةِ. وظاهِرُ قولِ القاضى، وأصْحابِ الشَّافِعىِّ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه لم يتَبَيَّنْ وَقْتُ الأداءِ من العامِ. ولَنا، أَنَّ بَرِيرَةَ قالت: كاتَبْتُ أهْلِى على تِسْعِ أوَاقٍ، فى كلِّ عامٍ أُوقِيَّةٌ. ولأنَّ الأجَلَ إذا عُلِّقَ بمُدّةٍ، تعَلَّقَ بأحَدِ طَرَفَيْها؛ فإنْ كان بِحَرْفِ "إِلَى" تعَلَّقَ بأَوَّلِها، كقَوْله: إلى شَهْرِ رَمضانَ. وإن كان بحَرْفِ "فى" كان إلى آخِرِها؛ لأَنَّه جَعَلَ جَمِيعَها وقْتًا لأدائِها، فإذا أَدَّى فى آخِرِها، كان مُؤَدِّيًا لها فى وَقْتِها، فلم يتَعَيَّنْ عليه الأداءُ قبلَه، كتَأْدِيةِ الصَّلاةِ فى آخِرِ وَقْتِها. وإِنْ قال: يُؤَدِّيها فى عَشْرِ سِنِينَ. أو: إلى عشرِ سِنِين. لم يَجُزْ؛ لأَنَّه نَجْمٌ واحدٌ. ومن أجَازَ الكتابةَ على نَجْمٍ واحدٍ، أجازَه. وإن قال: يُؤَدِّى بعضَها فى نِصْفِ المُدَّةِ، وباقِيَهَا فى آخِرِها. لم يَجُزْ؛ لأنَّ البعضَ مجهولٌ، يَقَعُ على القَلِيلِ والكثيرِ. الفصل الثانى: أنَّه (١٥) إذا كاتَبَه على أنْجُمٍ (١٦) معلومةٍ، صَحَّتِ الكتابةُ، وعَتَقَ بأدائِها، سَواءٌ نَوَى بالكتابةِ الحُرِّيَّةَ أو لم يَنْوِ، وسَواءٌ قال: فإذا أدَّيْتَ إلىَّ، فأنتَ حُرٌّ. أو لم يَقُلْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعىُّ: لا يَعْتِقُ حتى يقولَ: فإذا أدَّيْتَ إلىَّ، فأنتَ

стр. 7799

حُرٌّ. أو يَنْوِىَ (١٧) بالكتابةِ الحُرِّيَّةَ. ويَحْتَمِلُ فى مَذْهَبِنا مثلَ ذلك؛ لأنَّ لَفْظَ الكتابةِ يَحْتَمِلُ المُخارَجةَ، ويَحْتَمِلُ العِتْقَ بالأداءِ، فلا بُدَّ مِن تَمْيِيزِ أحدِهما عن الآخَرِ، ككِناياتِ العِتْقِ. ولَنا، أَنَّ الحُريَّةَ مُوجَبُ عَقْدِ الكِتابةِ، فتَثْبُتُ عندَ تَمامِه، كسائرِ أحْكامِه، ولأنَّ الكِتابةَ عَقْدٌ وُضِعَ للعِتْقِ، فلم يَحْتَجْ إلى لَفْظِ العِتْقِ ولا نِيَّتِه، كالتَّدْبِيرِ، وما ذكَروه مِن اسْتِعْمالِ الكتابةِ فى المُخارَجةِ إن ثَبَتَ (١٨)، فليس بمَشْهُورٍ، فلم يَمْنَعْ وُقوعَ الحُرِّيَّةِ به (١٩)، كسائرِ الأَلْفاظِ الصَّرِيحةِ، على أَنَّ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ ينْصَرِفُ بالقَرائنِ إلى أحَدِ مُحْتَمِلَيه، كلَفْظِ التَّدْبيرِ [فإنَّه يَحْتَمِلُ التَّدْبِيرَ] (٢٠) فى مَعاشِه أو غيرَ ذلك، وهو صَرِيحٌ فى الحُرِّيَّةِ، فههُنا أَوْلَى. الفصل الثالث: أنَّه لا يَعْتِقُ قبلَ أداءِ جميعِ الكِتابةِ. قال أحمدُ، فى عَبْدٍ بين رَجُلَيْنِ، كاتَباه على ألْفٍ، فأدَّى تسعَمائةٍ، ثم أعْتَقَ أحَدُهما نَصِيبَه. قال: لا (٢١) يَعْتِقُ إِلَّا نِصْفُ المائةِ. وقد رُوِىَ عن عمرَ، وابْنِه، وزَيْدِ بن ثابتٍ، وعائشةَ، وسعيدِ بن المُسَيَّبِ، والزُّهْرِىِّ، أنَّهم قالوا: المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ. روَاه عنهم الأَثْرَمُ (٢٢). وبه قال القاسمُ، وسالمٌ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، وعَطاءٌ، وقَتادةُ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن أُمِّ سَلَمةَ. ورَوَى سعيدٌ، بإسْنادِه عن أبِى قِلَابةَ، قال: كُنَّ -أزواجَ النَّبِىِّ ﷺ لا يَحْتَجِبْنَ مِن مُكاتَبٍ ما بَقِىَ عليه دِينارٌ (٢٣). وبإسنادِه عن عَطاءٍ، أَنَّ ابنَ عمرَ كاتَبَ

стр. 7800

غُلامًا على ألفِ دِينارٍ، فأدَّى إليه تِسْعَمائةِ دِينارٍ، وعَجَزَ عن مائةِ دِينارٍ (٢٤)، فرَدَّه ابنُ عمرَ فى (٢٥) الرِّقِّ (٢٦). وذكر أبو بكرٍ، والقاضى، وأبو الخَطَّابِ، أنَّه إذا أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ الكتابةِ، وعَجَزَ عن رُبْعِها، عَتَقَ؛ لأَنَّه يَجِبُ رَدُّه إليه، فلا يُرَدُّ إلى الرِّقِّ بعَجْزِه عنه، لأَنَّه عَجَزَ عن أداءحَقٍّ هو له، لا حَقٍّ للسَّيِّدِ، فلا مَعْنَى لتَعْجِيزِه فيما يَجبُ رَدُّه إليه. وقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: يَعْتِقُ منه بقَدْرِ ما أَدَّى (٢٧). لما رَوَى ابنُ عباسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذا أصَابَ المُكاتَبُ حَدًّا، أو مِيراثًا، وَرِثَ بحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ، ويُودَى الْمُكَاتَبُ بحِصَّةِ ما أدَّى دِيَةَ حُرٍّ، ومَا بَقِىَ دِيةَ عَبْدٍ". روَاه التِّرْمِذِىُّ (٢٨)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ. ورُوِىَ عن عمرَ (٢٩)، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه إذا أَدَّى الشَّطْرَ، فلا رِقَّ عليه. ورُوِىَ ذلك عن النَّخَعِىِّ. وقال عبدُ اللَّه بن مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إذا أدَّى قَدْرَ قِيمَتِه، فهو غَرِيمٌ (٣٠). وقَضَى به شُرَيْحٌ. وقال الحسنُ، فى المُكاتَبِ: إذا عَجَزَ اسْتُسْعِىَ بعدَ العَجْزِ سَنَتَيْنِ. ولَنا، ما رَوَى سعيدٌ، ثنا هُشَيمٌ، عن حَجَّاجٍ، عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أيُّما رَجُلٍ كاتَبَ غُلَامَهُ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ، فَعَجَزَ عَنْ (٣١) عَشْرِ أوَاقٍ، فَهُوَ رَقِيقٌ" (٣٢). وعن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ". روَاه

стр. 7801

أبو داودَ (٣٣)، ولأنَّه عِوَضٌ عن المُكاتَبِ، فلا يَعْتِقُ قبلَ أدائِه، كالقَدْرِ المُتَّفَقِ عليه، ولأنَّه لو عَتَقَ (٣٤) بعضُه، لَسَرَى إلى باقِيه، كما لو باشَر بالعِتْقِ، فإِنَّ العِتْقَ لا يتَبَعَّضُ فى المِلْكِ. فأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فمَحْمُولٌ على مُكاتَبٍ لرَجُلٍ مات، وخَلَّفَ ابْنَيْنِ، فأقَرَّ أحَدُهُما بكتابَتِه، وأَنْكَرَ الآخرُ، فأدَّى إلى المُقِرِّ، أو ما أشْبَهَها من الصُّوَرِ، جَمْعًا بين الأخْبارِ، وَتَوْفِيقًا بينَها وبينَ القياسِ. ولأنَّ قولَ النَّبِىِّ ﷺ : "إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكاتَبٌ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّى، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ" (٣٥). دليلٌ على اعْتبارِ جميعِ ما يُؤْدِّى، ويجوزُ أن يتوَقَّفَ العِتْقُ على أداءِ الجميعِ، وإن جازَ رَدُّ بعضِه إليه، كما لو قال: إذا أدَّيْتَ إلىَّ ألْفًا، فأنتَ حُرٌّ، وللَّهِ (٣٦) علىَّ رَدُّ رُبْعِها إليكَ. فإنَّه لا يَعْتِقُ قبلَ أداءِ جَمِيعِها، وإن وَجَبَ عليه رَدُّ بَعْضِها. فصل: وتجوزُ الكتابةُ على كلِّ مالٍ يجوزُ السَّلَمُ فيه؛ لأَنَّه مالٌ يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا فى مُعاوَضةٍ، فجاز ذلك فيه، كعَقْدِ السَّلَمِ. فإن كان من الأَثْمانِ، وكان فى البَلَدِ نَقْدٌ واحدٌ، جاز إطْلاقُه؛ لأَنَّه يَنْصَرِفُ بالإِطْلاقِ إليه، فجاز ذلك فيه، كالبَيْعِ، وإن كان فيه نُقُودٌ أحَدُها أغْلَبُ فى الاسْتِعمالِ، جاز الإِطْلاقُ أيضًا، وانْصَرَفَ إليه عندَ الإِطْلاقِ، كما لو انْفَردَ، وإن كانتْ مُخْتلِفةً مُتَساويةً فى الاستعمالِ، وَجَبَ بَيانُه بجِنْسِه، وما يتَمَيَّزُ به من غيرِه من النُّقُودِ. وإن كان من غيرِ الأثْمانِ، وَجَبَ وَصْفُه بما يُوصَفُ به فى السَّلَمِ. وما لا يَصِحُّ (٣٧) السَّلَمُ فيه، لا يجوزُ أَن يكونَ عِوَضًا فى الكِتابةِ؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعَاوضةٍ يَثْبُتُ (٣٨) عِوَضُه فى الذِّمَّةِ، فلم يَجُزْ بعِوضٍ مَجْهُولٍ، كالسَّلَمِ. فإن كاتَبَه على عَبْدٍ مُطلَقٍ، لم يَصِحَّ. ذَكَرَه أبو بكرٍ. وهو قولُ الشافعىِّ. وذكر القاضى فيه (٣٩)

стр. 7802

وَجْهينِ؛ أحدهما، لا يجوزُ. والآخَرُ، يجوزُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ؛ لأنَّ العِتْقَ مَعْنًى لا يَلْحَقُه الفَسْخُ، فجاز أن يكونَ الحيوانُ المُطْلَقُ عِوَضًا فيه، كالعَقْلِ. ولَنا، أَنَّ ما لا يجوزُ أن يكونَ عِوَضًا فى البَيْعِ والإِجارةِ. لا يجوزُ أن يكونَ عِوَضًا فى الكتابةِ، كالثَّوْبِ المُطْلَقِ، ويُفارِقُ العَقْلَ؛ لأَنَّه بَدَلُ (٤٠) مُتْلَفٍ مُقَدَّرٍ فى الشَّرْعِ، وههُنا عِوَضٌ فى عَقْدٍ، فأشْبَهَ البَيْعَ، ولأنَّ الحيوانَ الواجبَ فى العَقْلِ، ليس بحيوانٍ مُطْلَقٍ، بل هو مُقَيّدٌ بجِنْسِهِ وسِنِّه، فلم يَصِحَّ الإِلحاقُ به، ولأنَّ الحيوانَ المُطْلَقَ لا تجوزُ الكِتابةُ عليه، بغيرِ خلافٍ بينَ الناسِ فيما عَلِمْناه، وإنَّما الخلافُ فى العَبْدِ المُطْلَقِ، ولم يَرِدْ به الشَّرْعُ بَدَلًا فى مَوْضِعٍ عَلِمْنَاه. إذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّ مَنْ صَحَّحَ الكتابةَ به، أوْجَبَ له عبدًا وَسَطًا، وهو السِّنْدِىُّ، ويكون وَسَطًا من السِّنْدِيِّين فى قِيمَتِه، كقَوْلِنا فى الصَّدَاقِ، ولا تَصِحُّ الكتابةُ على حيوانٍ مُطْلَقٍ غيرِ العبدِ، فيما عَلِمْناه، ولا على ثَوْبٍ، ولا دارٍ، وكذلك (٤١) لا تجوزُ على ثَوبٍ مِن ثِيَابِه، ولا عِمامةٍ من عَمائمِه، ولا غيرِ ذلك من المَجْهُولاتِ. وإِنْ وَصَفَ ذلك [بأوْصافِه فى السَّلَمِ] (٤٢)، صَحَّ. وممَّن أجاز الكِتابةَ على العَبِيدِ؛ الحسنُ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ سِيرِينَ، ومالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن أبى بَرْزَةَ، وحَفْصَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. فصل: وتَصِحُّ الكِتابةُ على خِدْمةٍ ومَنْفعةٍ مُباحةٍ؛ لأنَّها أحَدُ العِوَضَيْنِ فى الإِجَارَةِ، فجاز أن تكونَ عِوَضًا فى الكتابةِ، كالأثْمانِ. ويُشْتَرَطُ العِلْمُ بها، كما يُشْتَرَطُ فى الإِجارةِ، فإِنَّ كاتَبَه على خِدْمةِ شَهْرٍ ودِينارٍ، صَحَّ، ولا يحْتاجُ إلى ذِكْرِ الشهرِ، وكَوْنِه عَقِيبَ العَقْدِ؛ لأنَّ إطْلاقَه يَقْتَضِى ذلك، وإن عَيَّنَ الشهرَ لوقتٍ لا يَتّصِلُ بالعَقْدِ، مثل أَنْ يُكاتِبَه فى المُحَرَّمِ على خِدْمَتِه فى رَجَبٍ ودِينارٍ، صَحَّ أيضًا، كما يجوز أن يُؤْجِرَه دارَه شَهرَ رَجَبٍ فى المحرَّمِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يجوزُ على شهرٍ لا يَتَّصِلُ بالعَقْدِ. ويَشْتَرِطُون

стр. 7803

ذِكْرَ ذلك، ولا يُجَوِّزُونَ إطْلَاقَه، بِناءً على قولِهم فى الإِجارةِ. وقد سَبَقَ ذكرُ الخِلافِ فيه، فى بابِ الإِجَارةِ (٤٣). [ويُشْتَرطُ كونُ الدِّينارِ المذكورِ مُؤَجَّلًا؛ لأنّ الأجَلَ شَرْطٌ فى عَقْدِ الكِتابةِ] (٤٤). فإنْ جَعَلَ مَحَلَّ الدينارِ بعدَ الشَّهْرِ بيَوْمٍ أو أكثرَ، صَحَّ. بغير خلافٍ نَعْلَمُه. وإن جَعَلَ محلَّه فى الشهرِ، أو بعدَ انْقِضائِه، صَحَّ أيضًا. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ. وقال القاضى: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه يكونُ نَجْمًا واحدًا. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الخِدْمةَ كلَّها لا تكونُ فى وقتِ مَحَلِّ الدِّينارِ، وإنَّما يُوجَدُ جزءٌ منها يَسِيرٌ مُقارِبًا له، وسائِرُها فيما سِوَاه، ولأنَّ الخِدْمةَ بمَنْزِلةِ العِوَض الحاصلِ فى ابْتداءِ مُدَّتِها، ولهذا يَسْتَحِقُّ عِوَضَها جَمِيعَه عندَ العَقْدِ، فيكون مَحَلُّها غيرَ مَحَلِّ الدِّينارِ، وإنَّما جازَتْ حالَّةً؛ لأنَّ المَنْعَ من الحُلُولِ فى غيرِها لأَجْلِ العَجْزِ عنه فى الحالِ، وهذا غيرُ مَوْجُودٍ فى الخِدْمةِ، فجازَتْ حالَّةً. وإن جَعَلَ محلَّ الدِّينارِ قبلَ الخدمةِ، وكانت الخِدْمةُ غيرَ مُتَّصِلةٍ بالعَقْدِ، بحيث يكونُ الدِّينارُ مُؤَجَّلًا، والخِدْمةُ بعدَه، جاز. وإن كانت الخِدْمةُ مُتَّصِلةً بالعقدِ، لم يُتَصَوَّرْ كَونُ الدِّينارِ قبلَه، ولم تَجُزْ فى أَوَّلِه؛ لأنَّه يكونُ حالًّا، ومن شَرْطِه التَّأْجِيلُ. فصل: وإن كاتَبَه على خِدْمةٍ مُفْرَدةٍ، فى مُدَّةٍ واحدةٍ، مثل أَنْ يُكاتِبَه (٤٥) على خِدْمةِ شهرٍ مُعَيَّنٍ (٤٦)، أو سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فحكمُه حكمُ الكِتابةِ على نَجْمٍ واحدٍ، على ما مَضَى من القولِ فيه. ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ كالكِتابةِ على أَنْجُمٍ؛ لأنَّ الخِدْمةَ تُسْتَوْفَى فى أوْقاتٍ مُتفرِّقةٍ، بخلافِ المالِ. فإن جَعَلَه على شهرٍ بعدَ شهرِ، كأنْ (٤٧) كاتَبَه فى أوّلِ المحرَّمِ، على خِدْمةٍ (٤٨) فيه، وفى رَجَبٍ، صَحَّ؛ لأنَّه على نَجْمَيْنٍ. وإن كاتَبَه على مَنْفَعةٍ فى الذِّمَّةِ مَعْلُومةٍ، كخِياطةِ ثِيابٍ عَيَّنَهَا، أو بناءِ حائطٍ وصَفَه، صَحَّ أيضًا، إذا كاتَبَه على نَجْمَيْنِ. وإن قال: كاتَبْتُكَ على أن تَخْدِمَنِى هذا الشهرَ، وخِياطةِ كذا عَقِيبَ الشهرِ. صَحَّ. فى قولِ الجميعِ. وإن قال: على أن تَخْدِمَنِى شهرًا من وَقْتِى هذا، وشهرًا عَقِيبَ

стр. 7804

هذا الشهرِ. صَحَّ أيضًا. وعندَ الشافعىِّ، لا يَصِحُّ. ولَنا، أنَّه كاتَبَه على نَجْمَيْنِ، فصَحَّ، كالتى قبلَها. فصل: وإذا كاتَبَ العبدَ، وله مالٌ، فمالُه لسَيِّدِه، إِلَّا أن يَشْتَرِطَه المُكاتَبُ. وإِنْ كانت له سُرِّيَّةٌ، أوِ ولَدٌ، فهو لسَيِّدِه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والحسنُ بن صالحٍ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، والشافعىُّ. وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وسليمانُ بن موسى، وعمرُو بن دِينارٍ، ومالكٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، فى المكاتَبِ: مالُه له. ووافَقَنا عَطاءٌ وسليمانُ بن موسى، والنَّخَعِىُّ، وعمرُو بن دينارٍ، ومالِكٌ، فى الولَدِ، واحْتُجَّ لهم بما رَوَى ابنُ (٤٩) عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: ["مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا، ولَهُ مَالٌ، فَالْمَالُ لِلْعَبْدِ" (٥٠). ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ ] (٥١): "مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَه الْمُبْتاعُ". مُتَّفَقٌ عليه (٥٢). والكتابةُ بَيْعٌ، ولأنَّه باعَه نفسَه، فلم يَدْخُلْ معه غيرُه، كولَدِه وأقارِبِه، ولأنَّه هو ومالُه كانا لسَيِّدِه، فإذا وقَعَ العَقْدُ على أحَدِهما، بَقِىَ الآخَرُ على ما كان عليه، كما لو باعَه لأجْنَبِىٍّ. وحديثُهم ضَعِيفٌ، قد ذكرْنا ضَعْفَه. ١٩٧٩ - مسألة؛ قال: (وَوَلَاؤُهُ لِمُكَاتِبِهِ) لا نَعْلَمُ خلافًا بين أهل العلمِ، فى أَنَّ وَلاءَ المُكاتَب لسَيِّدِه، إذا أَدَّى إليه. وبه يقولُ مالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وذلك لأنَّ الكتابةَ إنْعامٌ وإعْتاقٌ له؛ لأنَّ كَسْبَه كان لسَيِّدِه بحُكْمِ مِلْكِه إيَّاهُ، فرَضِىَ به عِوَضًا عنه، وأعْتَقَ رقَبَتَه عِوَضًا عن مَنْفَعَتِه المُسْتَحَقَّةِ له بحُكْمِ الأَصْلِ، فكان مُعْتِقًا له، مُنْعِمًا عليه، فاسْتَحَقَّ وَلاءَه؛ لقولِه ﷺ : "الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (١). وفى حديثِ بَرِيرَةَ، أنَّها قالت: كاتَبْتُ أهْلِى على تِسْعِ أوَاقٍ، فى كلِّ عامٍ أُوقِيَّةٌ، فقالتْ عائشةُ: إِنْ شاءَ أهلُكِ أَنْ أَعُدَّها لهم عَدَّةً واحدةً،

стр. 7805

ويكونَ ولاؤُكِ لى، فَعَلْتُ. فرَجَعَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِها، فذكَرتْ ذلك لهم، فأَبَوْا إِلَّا أن يكونَ الوَلاءُ لهم (٢). وهذا يَدُلُّ على أَنَّ ثُبوتَ الوَلاءِ على المُكاتَبِ لسَيِّدِه كان مُتَقَرِّرًا عندَهم. واللَّهُ أعلمُ. ١٩٨٠ - مسألة؛ قال: (ويُعْطَى مِمَّا كُوتِبَ عَلَيْهِ الرُّبْعَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾) . الكلامُ فى الإِيتاءِ فى خمسةِ فُصولٍ؛ وُجُوبُه، وقَدْرُه، وجِنْسُه، ووَقْتُ جَوازِه، وَوَقْتُ وُجُوبِه. أمَّا الأوَّلُ: [ فَإنَّه يَجِبُ] (١) على السَّيِّدِ إيتاءُ المُكاتَبِ شيئًا ممَّا كُوتِبَ عليه. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه (٢). وبه قال الشافعىُّ، وإسحاقُ. وقال بُرَيْدةُ، والحسن، والنَّخَعِىُّ، والثَّورِىُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: ليس بواجِب؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلا يَجِبُ فيه الإِيتاءُ، كسائرِ عُقُودِ المُعاوَضاتِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٣). وظاهرُ الأمرِ الوجُوبُ، قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى تَفْسِيرِها: ضَعُوا عنهم رُبْعَ مالِ الكِتَابةِ (٢). وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: ضَعُوا عنهم من مُكاتَبَتِهِم شيئًا (٤). وتُخالِفُ الكتابةُ سائرَ العُقُودِ؛ فإِنَّ القَصْدَ بها [الرِّفْقُ بالعَبْدِ] (٥)، بخلاف غيرِها، ولأنَّ الكِتابةَ يَسْتَحِقُّ بها الوَلاءَ على العبدِ مع المُعاوضةِ، فكذلك (٦) يَجِبُ أن يَسْتَحِقَّ العَبْدُ على السَّيِّدِ شيئًا. فإن قيل: المرادُ

стр. 7806

بالإِيتاءِ، إعْطاؤُه سَهْمًا من الصَّدَقةِ، أو النَّدْبُ إلى التَّصَدُّقِ عليه، وليس ذلك بواجِبٍ، بدليلِ أَنَّ العَقْدَ يُوجِبُ العِوَضَ عليه، فكيف يَقْتَضِى إسْقاطَ شىءٍ منه؟ قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ، فإِنَّ عليًّا وابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فَسَّراه بما ذكَرْناه، وهما أعْلَمُ بتَأْوِيلِ القرآنِ، وحَمْلُ الأمرِ على النَّدْبِ يُخالِفُ مُقْتَضَى الأَمْرِ، فلا يُصَارُ إليه إِلَّا بدَلِيلٍ. وقَولُهم: إِنَّ العَقْدَ يُوجِبُ عليه، فلا يَسْقُطُ عنه. قُلْنا: إنَّما يَجِبُ الرِّفْقُ (٧) به عندَ آخِرِ كِتابَتِه، مُوَاساةً له، وشكرًا لنِعْمةِ اللَّهِ تعالى، كما تَجِبُ الزَّكَاةُ مُواساةً من النِّعَمِ التى أَنْعَمَ اللَّهُ تعالى بها على عَبْدِه، ولأنَّ العَبْدَ وَلِىَ جَمْعَ هذا المالَ، وَتَعِبَ فيه، فاقْتَضَى الحالُ مُواساتَه منه، كما أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بإطْعامِه من الطَّعامِ الذى وَلِىَ حَرَّه ودُخَانَه (٨)، واخْتصَّ هذا بالوُجُوبِ؛ لأنَّ فيه مَعُونةً على العِتْقِ، وإعانةً لمن يحِقُّ على (٩) اللَّهِ تعالى عَوْنُه، فإِنَّ أبا هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعالَى عَوْنُهُمْ، الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، والْمُكاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الْأَدَاءَ، والنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَافَ". أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (١٠)، وقال: حديثٌ حسنٌ. الفصل الثانى: فى قَدْرِه، وهو الرُّبْعُ. ذكَره الْخِرَقِىُّ، وأبو بكرٍ، وغيرُهُما من أصحابِنا. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال قَتادةُ: العُشْرُ. وقال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُجْزِئُ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ. وهو قولُ مالكٍ، إِلَّا أنَّه عندَه مُسْتَحَبٌّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. و ﴿مِنْ﴾ للتَّبْعِيضِ، والقَلِيلُ بعضٌ، فيُكْتَفَى به. وقال ابنُ عباسٍ: ضَعُوا عنهم من كِتَابَتِهم (١١) شيئًا. ولأنَّه قد ثَبَتَ أَنَّ

стр. 7807

المُكاتَبَ لا يَعْتِقُ حتَّى يُؤَدِّىَ جميعَ الكِتابةِ، بما ذكرْنا من الأخْبارِ، ولو وجَبَ إيتاوه الرُّبْعَ، لَوَجَبَ أن يَعْتِقَ إذا أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ الكِتابةِ، ولا يَجِبُ عليه أداءُ مالٍ يجبُ رَدُّه إليه، ورُوِىَ فى ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبدًا له على خَمْسَةٍ وثلاثينَ ألْفًا، فأخَذَ منه ثلاثِينَ، وَتَرَكَ له خَمْسةً (١٢). ولَنا، ما رَوَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، فى قولِه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. فقال: "رُبْعُ الكِتابةِ (١٣) " (١٤). ورُوِىَ مَوْقُوفًا على علىٍّ. ولأنَّه مالٌ يَجبُ إيتاؤُه مُواساةً بالشَّرْعِ، فكان مُقَدَّرًا، كالزَّكاةِ، ولأنَّ حِكْمةَ إيجابِه الرِّفْقُ بالمُكاتَبِ، وإعانَتُه على تحْصيلِ العِتْقِ، وهذا لا يَحْصُلُ باليَسِيرِ الذى هو أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، فلم يَجُزْ أن يكونَ هو الواجبَ، وقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾. وإن وَرَدَ غيرَ مُقَدَّرٍ، فإِنَّ السُّنَّةَ تُبَيِّنُه، وتُبيِّنُ قَدْرَه، كالزكاةِ. الفصل الثالث: فى جِنْسِه، إن قَبَضَ مالَ الكِتابةِ، ثمَّ أعْطاهُ منه، جازَ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بالإِيتاءِ منه. وإن وَضَعَ عنه بما وَجَبَ عليه، جاز؛ لأنَّ الصَّحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فَسَّرُوا الإِيتاءَ بذلك، ولأنَّه أَبْلَغُ فى النَّفْعِ، وأعْوَنُ على حُصُولِ العِتْقِ، فيكونُ أفْضَلَ من الإِيتاءِ، وتَحْصُلُ دَلالةُ الآيةِ عليه من طَرِيقِ التَّنْبِيهِ. وإِنْ أعْطاهُ من جِنْسِ مالِ الكتابةِ من غيرِه، جازَ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَلْزَمَ المُكاتَبَ قَبُولُه. وهو ظاهرُ كلامِ الشافعىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بالإِيتاءِ منه. ولَنا، أنَّه لا فَرْقَ فى المعنى بين الإِيتاءِ منه، وبينَ الإِيتاءِ من غيرِه، إذا كان من جِنْسِه، فوَجَبَ أن يتَساوَيا فى الإِجْزاءِ، وغيرُ (١٥) المَنْصُوص إذا كان فى مَعْناهُ أُلْحِقُ به، وكذلك جاز الحَطُّ، وليس هو بإيتاءٍ، لمَّا كان فى مَعْناهُ. وإن آتَاه من غيرِ جِنْسِه، مثل أن يُكاتِبَه على دَرَاهِم، فيُعْطِيَهُ دَنانِيرَ أو عُرُوضًا (١٦)، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛

стр. 7808

لأَنَّه لم يُؤْتِه منه ولا من جِنْسِه. ويَحْتَمِلُ الجوازَ؛ لأنَّ الرِّفْقَ (١٧) يَحْصُلُ به. الفصل الرابع: فى وَقْتِ جوازِه، وهو مِن حينِ العَقْدِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ﴾. وذلك يحْتاجُ إليه من حينِ العَقْدِ، وكلَّما عَجّلَه (١٨) كان أفْضَلَ؛ لأَنَّه يكونُ أَنْفَعَ، كالزَّكاةِ. الفصل الخامس: فى وقتِ وُجُوبِه، وهو حينَ العِتْقِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمَرَ بإيتائِه من المالِ الذى آتَاه، وإذا آتَى المالَ عَتَقَ، فيَجبُ إيتاؤُه حِينَئذٍ. قال علىٌّ رضى اللَّه عنه، الكِتابةُ على نَجْمَيْنِ، والإِيتاءُ من الثانى (١٩) فإِنَّ مات السَّيِّدُ قبلَ إيتائِه، فهو دَيْنٌ فى تَركَتِه؛ لأَنَّه حَقٌّ واجِبٌ، فهو كسائرِ دُيُونِه. وإن ضاقَتِ التَّركِةُ عنه وعن غيرِه من الدُّيُونِ، تحاصُّوا فى التَّركِةِ بقَدْرِ حُقُوقِهم، ويُقَدَّمُ ذلك على الوَصايَا؛ لأَنَّه دَيْنٌ، وقد قَضَى النَّبِىُّ ﷺ أَنَّ الدَّيْنَ قبلَ الوَصِيَّةِ (٢٠). ١٩٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ عُجِّلَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحَلِّهَا، لَزِمَ السَّيِّدَ الْأَخْذُ، وعَتَقَ مِنْ وَقْتِه. فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀. والرِّوَايَةُ الْأُخرَى، إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّى، فَقَدَ صَارَ حُرًّا) الكلام فى هذه المسألة فى فَصْلَيْن: أحدهما: فيما إذا عَجَّلَ المُكاتَبُ الكِتابةَ قبلَ مَحَلِّها. فالمنصوصُ عن أحمدَ، أنَّه يَلْزَمُ قَبُولُها، ويَعْتِقُ المُكاتَبُ. وذكَر أبو بُكَيْر فيه رِوَايةً أُخْرَى، أنَّه لا يَلْزَمُ قَبولُ المالِ إِلَّا عندَ نُجُومِه؛ لأنَّ بَقاءَ المُكاتَبِ فى هذه المُدَّةِ فى مِلْكِه حَقٌّ له، ولم يَرْضَ بزَوَالهِ (١)، فلم يَزُلْ، كما لو عَلَّقَ عِتْقَه على شَرْطٍ (٢)، لم يَعْتِقْ قبلَه. والصَّحِيحُ فى المذهبِ الأوَّلُ. وهو مذهبُ

стр. 7809

الشافعىِّ، إِلَّا أَنَّ القاضىَ قال: أطْلَقَ أحمدُ والْخِرَقِىُّ هذا القولَ، وهو مُقَيَّدٌ بما لا ضَرَرَ فى قَبْضِه قبلَ مَحَلِّه، كالذى لا يَفْسُدُ، ولا يَخْتَلِفُ قديمُه وحَدِيثُه، ولا يحْتاجُ إلى مُؤْنِةٍ فى حِفْظِه، ولا يَدْفَعُه فى حالِ خَوْفٍ يَخافُ ذهابَه، فإنِ اخْتَلَّ أحَدُ هذه الأمورِ، لم يَلْزَمْ قَبْضُه، مثل أن يكونَ مِمَّا يَفْسُدُ؛ كالعِنَبِ، والرُّطَبِ، والبِطِّيخِ، أو يُخافُ تَلَفُه، كالحيوانِ، فإنَّه ربما تلِفَ قبلَ المَحَلِّ، ففاتَه مَقْصُودُه. وإن كان ممَّا يكونُ حَدِيثُه خيرًا مِن قَديمِه، لم يَلْزَمْهُ أيضًا أخْذُه؛ لأَنَّه يَنْقُصُ إلى حينِ الحُلُولِ، وإِنْ كان ممَّا يحْتاجُ إلى مَخْزَنٍ، كالطَّعامِ والقُطنِ، لم يَلْزَمْه أيضًا؛ لأَنَّه يحْتاجُ فى إبْقائِه إلى وَقْتِ المَحَلِّ إلى مُؤْنَةٍ، فيتَضَرَّرُ بها، ولو كان غيرَ هذا، إِلَّا أَنَّ البَلَدَ مَخُوفٌ، يَخافُ نَهْبَه، لم يَلْزَمْه أخْذُه؛ لأنَّ فى أخْذِه ضَرَرًا لم يَرْضَ بالْتِزامِه، وكذلك لو سَلَّمَهُ إليه (٣) فى طَرِيقٍ مَخُوفٍ، أو مَوْضِعِ يتَضَرَّرُ بقَبْضِه فيه، لم يَلْزَمْه قَبْضُه، ولم يَعْتِق المُكاتَبُ ببَذْلِه. قال القاضى: والمذهبُ عندى أَنَّ فيه (٤) تَفْصِيلًا، على حَسَبِ ما ذكَرْناه فى السَّلَمِ. ولأنَّه لا يَلْزَمُ الإِنْسانَ الْتِزامُ ضَرَرٍ لم يَقْتَضِه العَقْدُ، ولو رَضِىَ بالْتِزامِه. وأمَّا ما لا ضَرَرَ فى قَبْضِه، فإذا عَجَّلَه، لَزِمَ السَّيِّدَ أخْذُه. وذكر أبو بكرٍ، أَنَّه يَلْزَمُه قبولُه مِن غيرِ تَفْصِيلٍ، اعْتِمادًا على إطْلاقِ أحمدَ القولَ فى ذلك، وهو ظاهِرُ إطْلاقِ الْخِرَقِىِّ؛ لما رَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه عن أبى بكرٍ بن حَزمٍ، أن رَجُلًا أتى عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّى كاتَبْتُ عَلَى كذا وكذا، وإنِّى أيْسَرْتُ بالمالِ، فأتَيْتُه به، فزَعَمَ أَنَّه لا يَأْخُذُها إِلَّا نُجُومًا. فقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: يا يَرْفَأُ، خُذْ هذا المالَ، فاجْعَلْه فى بيتِ المالِ، وأَدِّ إليه نُجُومًا فى كلِّ عامٍ، وقد عَتَقَ هذا. فلما رأى ذلك سَيِّدُه، أخَذَ المالَ (٥). وعن عثمانَ بنَحْوِ هذا (٥). ورَوَاه سعيدُ بن منصورٍ، فى "سُنَنِه"، عن عمرَ وعثمانَ جميعًا، قال: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، عن ابنِ عَوْنٍ (٦)، عن محمدِ بن سِيرِينَ، أَنَّ عثمانَ قَضَى بذلك. ولأنَّ الأجَلَ حَقٌّ لمِن عليه الدَّيْنُ، فإذا قَدّمَه، فقد رَضِىَ بإِسْقاطِ حَقِّه، فسَقَطَ، كسائرِ الحُقُوقِ. فإنْ

стр. 7810

قِيلَ: إذا عَلَّقَ عِتْقَ عبدِه على فِعْلٍ فى وقتٍ، ففَعَلَه فى غَيرِه، لم يَعْتِقْ، فكذلك إذا قال: إذا أذَيْتَ إلىَّ أَلْفًا فى رمضانَ. فأَدَّاه فى شعبانَ، لم يَعْتِقْ. قلْنا: تلك صِفَةٌ مُجَرَّدةٌ، لا يَعْتِقُ إِلَّا بوُجُودِها، والكِتابةُ مُعاوَضةٌ يَبْرَأُ فيها بأداءِ (٧) العِوَضِ، فافْتَرَقا، وكذلك لو أَبْرَأه من العِوَضِ فى الكتابةِ (٨)، عَتَقَ، ولو أَبْرَأهُ مِن المالِ فى الصِّفَةِ المُجَرَّدةِ، لم يَعْتِقْ. والأوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ تعالى ما قالَه القاضى، فى أَنَّ ما كان فى قَبْضِه ضَرَرٌ، لم يَلْزَمْه قَبْضُه، ولم يَعْتِقْ ببَذْلِه؛ لما ذكَره من الضَّرَرَ الذى لم يَقْتَضِه العَقْدُ، وخبرُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لا دَلالةَ فيه على وُجُوبِ قَبْضِ ما فيه ضَرَرٌ، ولأنَّ أصْحابَنا قالوا: لو لَقِيَه فى بَلَدٍ آخرَ، فدَفَعَ إليه نُجُومَ الكِتابةِ أو بعضَها، فامْتَنعَ من أخْذِها لضَرَرٍ فيه، من خَوْفٍ، أو مُؤْنةِ حَمْلٍ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لما عليه من الضَّرَرِ فيه، وإن لم يكُنْ فيه ضَرَرٌ، لَزِمَه قَبْضُه. كذا ههُنا. وكلامُ أحمدَ، ﵀، مَحْمولٌ على ما إذا لم يكُنْ فى قَبْضِه ضَرَرٌ، وكذلك قولُ الْخِرَقِىِّ وأبى بكرٍ. فصل: وإذا أحْضَرَ المُكاتَبُ مالَ الكِتابةِ، أو بعضَه، ليُسَلِّمَه، فقال السَّيِّدُ: هذا حَرامٌ، أو غَصْبٌ، لا أقْبَلُه منك. سُئِلَ العبدُ عن ذلك، فإِن أقَرَّ به، لم يَلْزَمِ السَّيِّدَ قَبُولُه؛ لأَنَّه لا يَلْزَمُه أخْذُ المُحَرَّمِ، ولا يجوزُ له، وإِنْ أَنْكَرَ، وكانت للسَّيِّدِ بَيِّنَةٌ بدَعْواه، لم يَلْزَمْه قَبُولُه، وتُسْمَعُ بَيِّنَتُه؛ لأنَّ له حَقًّا فى أَنْ لا يَقْتَضِىَ دَيْنَه من حَرامٍ، ولا (٩) يَأْمَنُ (١٠) أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُه عليه به، وإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، فالقوُل قولُ العبدِ مع يَمِينِه، فإنْ نَكَلَ عن اليَمِينِ، لم يَلْزَمِ السَّيِّدَ قبولُه أيضًا، وإن حَلَفَه، قيل للسَّيِّدِ؛ إمَّا أن تَقْبِضَه، وإمَّا أن تُبْرِئَه ليَعْتِقَ. فإنْ قَبَضَه، وكان تَمامَ كِتابَتِه، عَتَقَ، ثمَّ يُنْظَرُ، فإِن ادَّعَى أنَّه حَرَامٌ مُطْلَقًا، لم يُمْنَعْ منه؛ لأَنَّه لا (١١) يُقِرُّ به لأحَدٍ، وإنَّما تَحْرِيمُه فيما بَيْنَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وإن ادَّعَى أنَّه غَصَبَه من فلانٍ، لَزِمَه دَفْعُه إليه (١٢)؛ لأنَّ قَوْلَه: وإن لم يُقْبَلْ فى حَقِّ المُكاتَبِ، فإنَّه يُقْبَلْ فى حَقِّ
следующие страницы →