← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهُمَا" (٦١). وَرَوَى أبو بكرٍ، (٦٢) بإسْنَادِهِ عن عِمْران بن الحُصَيْن، أنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قال: "لَا أَرْكَبُ الأُرْجُوَانَ (٦٣)، وَلَا أَلْبَسُ المُعَصْفَرَ". فأمَّا شَدُّ الوَسَطِ في الصَّلاةِ، فإنْ كانَ بمِنْطَقَةٍ أو مِئْزَرٍ أوْ ثَوْبٍ أو شَدِّ قَبَاءٍ، فلا يُكْرَهُ، روَايَةً واحدةً، قال أبو طالِبٍ: سألتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يُصَلِّى وعليه قميصٌ يأْتَزِرُ بالمِنْدِيلِ فَوْقَه (٦٤)؟ قالَ: نعَمْ، فَعَلَ (٦٥) ذلكَ ابْنُ عمرَ. وإنْ كانَ بِخَيْطٍ أوْ حبْلٍ مع سُرَّتِهِ وفَوْقَها فهل يُكْرَهُ؟ على رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُما، يُكْرَهُ؛ لِما فيه مِن التَّشَبُّهِ بأهلِ الكتابِ، وقد نهَى النَّبِيُّ ﷺ عن التشَبُّهِ بهم، وقالَ: "لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ اليَهُودِ". رَوَاهُ أبو داوُد (٦٦). والرِّوايَةُ الأخرَى، قال أحمدُ (٦٧): لا بأْسَ، أليْس قد رُوِىَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه (٦٧) قال: "لَا يُصَلِّى أحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ (٦٨) ". وقال عليُّ (٦٩) بنُ سعيدٍ: سألْتُ أحمدَ، عن حديثِ النبيِّ ﷺ : "لَا يُصَلِّى أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ". قال: كأَنَّهُ منْ شَدِّ الوَسَط. ورَوَى الخلَّالُ، بِإسْنَادِهِ عن الشَّعْبِيِّ، قال: كانَ يُقَالُ: شُدَّ حَقْوَكَ فِي الصَّلَاةِ ولَوْ

стр. 807

بِعِقَالٍ" وعن يَزِيدَ بنِ الأصَمِّ (٧٠) مِثْلُه. وأمَّا الصَّلاةُ في الثَّوْبِ الأحْمَرِ، فقال أصحابُنَا: يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لُبْسُه، والصلاةُ فيه. وقدِ اشْتَرَى عمرُ ثوبًا، فَرَأَى فيهِ خيطًا أحْمَرَ، فرَدَّهُ، وقد رَوَى أبو جُحَيْفَةَ، قال: خرجَ النبيُّ ﷺ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، ثم رُكِزَتْ له عَنَزَةٌ (٧١)، فَتَقَدَّمَ وصلَّى الظهرَ. وقالَ البراءُ: ما رَأَيْتُ مِن ذِى لِمَّةٍ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أحْسَنَ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ مُتَّفَقٌ عليهِمَا (٧٢)، ورَوَى أبو داوُد (٧٣)، كن هِلَالِ بنِ عَامِرٍ، قالَ: رأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ على بَغْلَةٍ وعليهِ بُرْدٌ أحمرُ، وعَلِيٌّ أمَامَهُ يُعَبِّرُ عنه (٧٤). ووَجْهُ كَراهَةِ ذلكَ، ما رَوَى أبو داوُد (٧٥)، بإسْنَادِهِ عن عَبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: دخَلَ على النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عليهِ بُرْدَانِ أحْمرانِ، فَسَلَّمَ، فلم يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ . وبإسْنَادِهِ (٧٦) عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال: خرَجْنا مع رسولِ اللَّه ﷺ في سَفَرٍ، فَرَأى رسولُ اللهِ ﷺ على روَاحِلِنَا أكْسِيَةً فيها خُيُوطُ عِهْنٍ (٧٧)

стр. 808

حُمْرٌ (٧٨). فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا أَرَى هَذِهِ الحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ". فَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ حتى نَفَرَ بعضُ إِبِلِنَا، فأخَذْنَا الأكْسِيَةَ، فَنَزَعْنَاهَا عنها، والأحاديثُ الأُوَلُ أَثْبَتُ وَأبْيَنُ في الحُكْمِ؛ فإنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ لرَدِّ السَّلَامِ عليه يَحْتَمِلُ أن يكونَ لمَعْنًى غيرِ الحُمْرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها كانَتْ مُعَصْفَرَةً، وهو مَكْرُوهٌ، وحديثُ رَافِعٍ يَرْوِيه عنهُ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، ولأن الحُمْرَةَ لَوْنٌ، فهى كسائرِ الألْوَانِ. فصل: وقد رَوَى أبو داوُد (٧٩)، عن أبي رِمْثَةَ (٨٠)، قال: انْطَلَقْتُ مع أبي نحوَ النَّبِيِّ ﷺ ، فرأيتُ عليهِ بُرْدَيْنِ أخضَرَيْنِ. وبإسْنَادِهِ (٨١) عن قَتادَةَ، قال: قُلْنَا لأنَسٍ: أيُّ اللِّبَاسِ كانَ أحَبَّ إلى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قال الحِبَرَةُ (٨٢). مُتَّفَقٌ عليهِ (٨٣). وبإسْنادِهِ (٨٤) عن ابْنِ عُمَرَ (٨٥)، أنه قِيلَ له: لِمَ تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ؟ فقالَ: إنِّي رأيْتُ

стр. 809

رسولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بها، ولم يكنْ - يَعْنِى - أحبَّ إليه منها، وقد كانَ يَصْبُغُ بها ثيابَهُ كُلَّهَا حتَّى عِمَامَتَهُ. وبإسْنَادِهِ (٨٦) عن ابْنِ عباسٍ، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "الْبسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ البَيَاضَ؛ فَإنَّها مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ". الفَصْلُ الرَّابِعُ: فيما يَحْرُمُ لُبْسُه، [والصَّلاةُ فيهِ] (٨٧)، وهو قِسْمَانِ؛ قِسْمٌ تَحْرِيمُهُ عامٌّ في الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وقِسْمٌ يَخْتَصُّ تَحْريمُهُ بِالرِّجَالِ. فالأَوَّلُ، ما يَعُمُّ تَحْرِيمُهُ، وهو نَوْعانِ: أحدُهُما، النَّجِسُ لا تصِحُّ الصلاةُ فيهِ، ولا عليهِ؛ لأَنَّ الطهارةَ مِن النَّجَاسَةِ شَرْطٌ، وقد فاتَتْ. والثاني، المَغْصُوبُ، [لا يَحِلُّ لُبْسُه، ولا الصَّلاةُ فيه] (٨٨) وهل تَصِحُّ الصلاةُ فيهِ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحداهُمَا، لا تصِحُّ. والثَّانِيةُ تصحُّ، وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لا يَخْتَصُّ الصَّلاةَ، ولا النَّهْىَ يَعُودُ إليها، فلم يَمْنَعِ الصِّحَّةَ، كما لو غَسَلَ ثَوْبَهُ مِن النَّجَاسَةِ بماءٍ مَغْصُوبٍ، وكما لو صَلَّى وعلَيْه (٨٩) عمامَةٌ مَغْصُوبَةٌ. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّه اسْتَعْمَلَ في شَرْطِ العِبَادَةِ ما يَحْرُمُ عليهِ اسْتِعْمَاله، فلم تَصِحَّ، كما لو صَلَّى فِي ثوبٍ نَجِسٍ، ولأنَّ الصلاةَ قُرْبَةٌ وطَاعَةٌ، وهو مَنْهِيٌّ عنها علَى هذا الوجهِ، فكيفَ يَتَقَرَّبُ بما هو عاصٍ به، أو يُؤْمَرُ بما هو مَنْهِيٌّ عنهُ. وأما إذا صَلَّى في عمامَةٍ مَغصُوبَةٍ، أو في يدهِ خاتَمٌ من ذهبٍ، فإنَّ الصَّلاةَ تَصِحُّ؛ لأن النَّهْىَ لا يعُودُ إلى

стр. 810

شَرْطِ الصلاةِ، إذ العمامَةُ ليستْ شرْطًا فيها. [وإنْ صَلَّى في دارٍ مَغْصُوبَةٍ، فالخلَافُ فيها كالخلَافِ في الثوبِ المَغْصُوبِ] (٩٠)، إلَّا أن أحمدَ، قال في الجُمُعَةِ: يُصَلِّى في مَواضِعِ (٩١) الغَصْبِ؛ لأنها تَخْتَصُّ بمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، فالمَنْعُ [من الصلاةِ فيهِ إذا كانَ غَصْبًا] (٩٢) يُفْضِى إلى تَعْطِيلِهَا. [فلذَلكَ أجازَ فعْلَهَا فيهِ، كما أجازَ صلاةَ الجُمُعَةِ خَلْفَ الخوارِجِ وأهلِ البِدَعِ والفُجُورِ، كيْلا يُفْضِى إلى تَعْطِيلِها] (٩٣). القسمُ الثاني، ما يَخْتَصُّ تَحْرِيمُهُ بِالرِّجَالِ دونَ النِّسَاءِ، وهو الحريرُ، والمَنْسُوجُ (٩٤) بالذَّهَبِ، والمُمَوَّهُ به، فهو حرامٌ لُبْسُهُ، وافْتِرَاشُهُ في الصلاةِ وغيرِها؛ لِما رَوَى أبو موسَى، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "حَرَامٌ لِبَاسُ الحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِى، وَأُحِلَّ لإِنَاثِهِمْ". أخرجَهُ أبو داوُد، والتِّرْمِذِيُّ (٩٥)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن عمر بن الخطَّابِ، ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإِنَّ مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٩٦). ولا نَعْلَمُ في تَحْرِيمِ لُبْسِ ذلكَ على الرِّجَالِ اخْتِلَافًا، إلَّا

стр. 811

[لعَارِضٍ، أوْ عُذْرٍ] (٩٧)، قالَ ابْنُ عبدِ البَرِّ: هذا إجماعٌ. فإنْ صَلَّى فيهِ، فالحُكْمُ فيهِ كالصلاةِ فِي الثوبِ المغْصوبِ (٩٨)، على ما بَيَّنَّاهُ مِن الخِلَافِ وَالرِّوايَتَيْنِ. والافتراشُ كاللّبْسِ في التَّحْرِيمِ؛ لما رَوَى البُخارىُّ (٩٩) عن حُذَيفَةَ، قال: نَهانَا النبيُّ ﷺ أنْ نَشْرَبَ في آنِيَةِ الذهبِ والفضَّةِ، وأنْ نأكُلَ فيها، وأنْ نَلْبَسَ الحَريرَ والدِّيبَاجَ، وأنْ نَجْلِسَ عليهِ. فصل: ويُبَاحُ العَلَمُ الحَرِيرُ [في الثَّوْبِ] (١٠٠) إذا كانَ أرْبَعَ أصابعَ فما دُونَ؛ لِما رُوِىَ عن عمرَ بن الخَطَّابِ، رضىَ اللهُ عنه أنَّه قال: نهَى النبيُّ ﷺ عن الحرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أو ثلاثٍ أو أَرْبَعٍ. رَوَاهُ [مُسْلِمٌ، و] (١٠١)، أبو داوُد، والتِّرْمِذِىُّ، (١٠٢) وقال: حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. و [قال أبو بكر] (١٠٣)، في "التَّنْبِيهِ": يُبَاحُ وإنْ كانَ مُذَهَّبًا، وكذلكَ القَوْلُ في الرِّقَاعِ، ولِبْنَةِ

стр. 812

الجَيْبِ (١٠٤)، وسَجْفِ الْفِرَاءِ وغيرِها؛ لأنَّه دَاخِلٌ فيما تَنَاوَلَه الحديثُ. فصل: (١٠٥) فإنْ لبس الحريرَ للْقَمْلِ أو الحِكَّةِ أو المرضِ يَنْفَعُهُ لُبسُ الحريرِ، جازَ، [في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ] (١٠٦)؛ لأنَّ أنَسًا رَوَى، أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ، والزُّبَيْرَ بنَ العوَّامِ، شَكَوا القَمْلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فرخَّصَ لهمَا في قَميصِ الحريرِ في غَزَاةٍ (١٠٧) لهما، وفي روَايَةٍ: شَكَيَا إلَى رسولِ اللهِ ﷺ القَمْلَ (١٠٨) فرخَّصَ لهما في قُمُصِ الحَرِيرِ، ورأَيْتُهُ عليهما. مُتَّفَقٌ عليه (١٠٩). وما ثَبَتَ في حقِّ صحابىٍّ ثَبَتَ في حَقِّ غيرِهِ، ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على اخْتصاصِه (١١٠)، وغيرُ القَمْلِ الذي [ينْفَع فيه لُبْسُ] (١١١) الحَرِيرِ في معنَاهُ. فيُقَاسُ عليه. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، لا يُبَاحُ لُبْسُهُ للمرَضِ؛ لاحْتِمَالِ أن تكونَ الرُّخْصَةُ خاصَّةً لهمَا، وهو قولُ مالكٍ. والأوَّلُ أصحُّ؛ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى؛ [لأنَّ تَخْصيصَ الرُّخْصةِ بهما] (١١٢) على خلافِ الأصلِ. فَأمَّا لُبْسُهُ للحربِ، فإنْ كانَ بهِ حاجَةٌ إليهِ، كَأنْ كانَ بطانَةً لبَيْضَةٍ أوْ دِرْعٍ ونحوهِ، أُبِيحَ. قالَ بعضُ أصحابِنا: يجُوزُ مِثْلُ ذلكَ مِن الذَّهَبِ؛ كدِرعٍ مُمَوَّهٍ بالذَّهَبِ، وهو لَا يَسْتَغْنِى عن لُبْسِه، وهو مُحْتَاجٌ إليه. وإنْ لم يكنْ

стр. 813

به حاجَةٌ إليه، فعلَى وجْهَيْنِ: أحدُهُما يُبَاحُ لأنَّ المَنْعَ من لُبْسِهِ للْخُيَلَاءِ، وكَسْرِ قُلُوبِ الفقراءِ، والخُيَلَاءُ في وقْتِ الحَرْبِ غيرُ مَذْمُومٍ [قال النَّبِىُّ ﷺ حين رأى بعضَ أصحابِه يمْشِى بين الصَّفَّين يخْتالُ في مِشْيتهِ: "إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ"] (١١٣). والثانى، يَحْرُمُ؛ لعُمُومِ الخبَرِ. [وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ﵀، إباحَتُهُ مُطْلَقًا، وهو قولُ عطاءٍ] (١١٤)، قال الأثْرَمُ: سِمعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن لُبْسِ الحريرِ في الحَرْبِ؟ فقالَ: أرْجُو أن لا يكُونَ به بأْسٌ. ورَوَى الأَثْرَمُ بإسنادِهِ عن عُرْوَة، [وعَطاء، أنَّه كان لِعُرْوةَ] (١١٥) يَلْمَقُ (١١٦) مِنْ دِيبَاجٍ، بِطانَتُهُ سُنْدُسٌ، محْشُوًّا قَزًّا، كانَ يَلْبَسُهُ في الحربِ. فأمَّا المَنْسُوجُ من الحَرِيرِ وغيرِهِ، كَثْوبٍ مَنْسُوجٍ مِن قُطْنٍ وإبْرِيسَم، أَوْ قُطْنٍ وكَتَّانٍ فالحُكْمُ لِلأغْلَبِ منْهما. واليَسِيرُ (١١٧) مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ، فهو كالضَّبَّةِ (١١٨) مِن الفِضَّةِ، والعَلَمِ مِنَ الحريرِ. وقد رُوِىَ عن ابْنِ عبَّاسٍ قال: إنَّما نهى النَّبِىُّ ﷺ عن الثَّوْبِ المُصْمَتِ مِن الحَرِيرِ، وأمَّا العَلَمُ، وسَدَى الثَّوْبِ، فليس بهِ بأْسٌ. رَوَاهُ الأثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، وأبو داوُد (١١٩). قال ابْنُ عبدِ البَرِّ: مذهبُ ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ مِن أهلِ العِلْمِ، أنَّ المُحَرَّمَ الحريرُ الصَّافِى، الذي لا يُخَالِطُهُ غيرُه، فإن كان الأقلَّ الحَرِيرُ فهو مُبَاحٌ، وإنْ كانَ القُطْنُ فهو مُحَرَّمٌ. فَإِنِ اسْتَوَيَا ففى تحْرِيمِهِ وإبَاحَتِهِ وجهانِ.

стр. 814

وهذا مذهبُ الشَّافِعىِّ. قالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الأشبهُ التحرِيمُ، لأنَّ النِّصْفَ كثيرٌ. [فأمَّا الجِبَابُ المَحْشُوَّةُ من إبْرَيْسَم، فقالَ القاضِى: لا يَحْرُمُ. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ، لعَدَمِ الخُيَلَاءِ فيهِ. ويَحْتَمِلُ التَّحْرِيم؛ لعُمُومِ الخَبَرِ. وهكذا الفُرُشُ المَحْشُوَّةُ بالحَرِيرِ] (١٢٠). فصل: فأمَّا الثِّيَابُ التي عليها تَصَاوِيرُ (١٢١) الحَيَوانَاتِ؛ فقال ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ لُبْسُهَا، وليس بمُحَرَّمٍ. وقالَ أبو الخَطَّابِ: هو مُحرَّمٌ؛ لأنَّ أبَا طَلْحَة قالَ: سَمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ". مُتَّفَقٌ عليهِ (١٢٢). [وحُجَّة مَن لم يَرَهُ مُحَرَّمًا أنَّ زيدَ بنَ خَالدٍ رواهُ عن أبي طلْحَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، وقال في آخرِهِ] (١٢٣): "إلَّا رَقْمًا في ثَوْبٍ". مُتَّفَقٌ عليه. [لأنَّه يُباحُ إذا كان مَفْروشًا، أو يُتَّكَى عليه، فكذلك إذا كان مَلْبُوسًا] (١٢٤).

стр. 815

فصل: ويُكْرَهُ [التَّصْليبُ في الثَّوْبِ] (١٢٥)؛ [لأنَّ عِمْرَانَ بن حِطَّان رَوَى عن] (١٢٦) عائشة رَضِىَ اللَّه عنها أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ لا يَتْرُكُ في بَيْتِهِ شيئًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إلَّا قَضَبهُ (١٢٧). رَوَاهُ أبو داوُد (١٢٨) [يعني قَطَعَهُ] (١٢٩). فصل: [قالَ الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن لُبْسِ الخَزِّ؟ فلم يَرَ بهِ بَأْسًا] (١٣٠). ورَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِهِ عن عمْرَان بن حُصَين، وأنَسِ بن مالكٍ، والحسنِ بن عَلِىٍّ، وأبِى هُرَيْرة، وقَيْسٍ، ومحمدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ، وغَيْلان بن جَرِيرٍ (١٣١)، وشُبَيْل (١٣٢) بنِ عَوْفٍ، أنَّهُمْ لبِسُوا مَطَارِفَ (١٣٣) الخَزِّ. وبإِسْنَادِهِ عن قَتادةَ، أنَّ أنَسَ بنَ مالكٍ، وعَائِذَ بنَ عمرٍو، وعِمْرَانَ بنَ حُصَين، وأبا هُرَيْرةَ، وابْنَ عبَّاسٍ، وأبا قَتادَة، كانوا يَلْبَسُونَ الخَزَّ. وبإسْنَادِهِ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، والحسينِ بنِ عَلِىٍّ، وعبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بن أبي رَبيعَة، والقَاسِمِ بنِ محمدٍ، أنَّهم لَبِسُوا جِبَابَ الخَزِّ. وبإسنادِهِ عن أنَسِ بنِ مالكٍ، وشُرَيْح، أنَّهُمْ لَبِسُوا بَرانِسَ (١٣٤) الخَزِّ، وبإسْنَادِهِ عن عَمَّار بنِ أبي عَمَّار، قالَ: أتَتْ مَرْوَانَ مَطَارِفُ مِنْ خَزٍّ،

стр. 816

فكَساها أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فكسا أبا هُرَيْرةَ مُطْرَفًا مِن خَزٍّ أغَبرَ، فكان [يثْنِيه أثْناءَ سَعْيهِ] (١٣٥). وهذا اشْتَهَرَ فلم يَظْهَرْ بخلافِهِ، فكان إجْماعًا. ورَوَى أبو بكرٍ، بإسنادِهِ عن أحمدَ بن عبدِ الرَّحمن الرَّازىِّ، حدَّثَنَا أبي، قال: أخبرَنِى أبي عبدُ اللهِ بنُ سعيدٍ، عن أبيهِ سعيدٍ، قال: رأيْتُ رَجُلًا ببُخَارَى (١٣٦) على بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، عليهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ؛ فقال: كسَانِيها رسولُ اللهِ ﷺ . [رَواهُ أبو داوُد] (١٣٧). ورَوَى مالكٌ، في مُوَطَّئِهِ (١٣٨)، أنَّ عائشةَ كسَتْ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْرِ مُطْرَفَ خَزٍّ كانتْ تَلْبَسُهُ. فصل: وهل يَجُوزُ لوَلِىِّ الصبِىِّ أنْ يُلْبِسَهُ الحَرِيرَ؟ فيهِ وجهانِ (١٣٩). أشْبَهُهُما بالصَّوابِ (١٤٠) تَحْرِيمُهُ؛ لِعُمُومِ قولِ النَّبِيِّ ﷺ : " [حُرِّمَ لِبَاسُ الحَرِيرِ] (١٤١) عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِى، وأُحِلَّ لإِنَاثِهِمْ (١٤٢) ". ورَوَى أبو داود (١٤٣)، بإسْنَادِهِ عن جابرٍ، قال: كُنَّا نَنْزِعُهُ عنِ الغِلْمَانِ، ونَتْرُكُهُ على الجَوارِى. وقَدِمَ حُذَيْفَةُ مِن سَفَرٍ، وعلى صِبْيَانِهِ قُمُصٌ مِنْ حَرِيرٍ، فمَزَّقَهَا على الصِّبْيَانِ، وترَكهَا على

стр. 817

الجَوارِى، أخْرجَهُ (١٤٤) الأثْرَمُ. [ورُوِى أيضًا] (١٤٥) عن عبدِ الرحمنِ بن يَزِيدَ قال: كنتُ رابعَ أَرْبعَةٍ، أو خامِسَ خمسةٍ، مع عبدِ اللهِ، فجاءَ ابْنٌ له صغِيرٌ عليهِ قُمُصٌ من حَرِيرٍ، فدعاهُ، فقالَ له: مَنْ كساكَ هذا؟ قال: أُمِّى. فأخذَهُ عبدُ اللهِ فَشَقَّهُ. والوَجْهُ الآخَرُ، ذكَرَهُ أصحابُنَا، أنَّه يُبَاحُ؛ لأنَّهم غيرُ مُكَلَّفِينَ، فلا يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِلُبْسِهِمْ، [كما لو ألْبَسَهُ دَابَّةً] (١٤٦)، [ولأنَّهم مَحَلٌّ للزِّينةِ، فأشْبَهُوا النِّساءَ] (١٤٧). والأوَّلُ أصَحُّ؛ لظَاهِرِ الحديثِ، وفِعْلِ الصحابَةِ. ويَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بتَمْكِينِهِمْ مِن [المُحَرَّماتِ كَتَمْكِينِهِمْ مِن شُرْبِ] (١٤٨) الخمرِ، وأَكْلِ الرِّبَا، وغيرِهما، وكونِهِمْ مَحَلَّ الزِّينَةِ مع تَحْرِيمِ الاستِمْتَاعِ بهم. [أَبْلَغُ في] (١٤٩) [التحريم، ولذلك حَرُم على النِّساءِ التَّبَرُّجُ بالزِّينَةِ للأجانبِ، وضُرِب عليهنَّ الحِجَابُ، وإنَّما أُبِيحَ لهنَّ التَّزَيُّنُ للأزْواجِ، لِحلِّهِنَّ لهم، ترْغيبًا في الاسْتمتاعِ المباحِ] (١٥٠). ١٩٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَتْرِ العَوْرَةِ صَلَّى جَالِسًا [يُومِىءُ إيماءً] (١)) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ العَادمَ للسُّتْرَةِ [لا تَسْقطُ عنه الصَّلاةُ. لا نعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلك لأنَّ هذا شرطٌ للصلاة، فلا تسقطُ الصلاةُ بالعَجْزِ عنه، كالاسْتقبال والوضوءِ، ولأنَّه واجبٌ في الصلاةِ، فأشْبَهَ أرْكانَ الصلاةِ، فإذا عَدِمَ السُّتْرةَ فإنَّه يُصلِّى قاعِدًا (٢). ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ. وقال بهِ عطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وقتادَةُ، والأوْزَاعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ويُومِىءُ بالرُّكوعِ

стр. 818

والسُّجودِ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ. وقالَ مُجَاهِدٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وابْنُ المُنْذرِ: يُصَلِّى قائمًا، برُكُوعٍ وسجودٍ؛ لقولِهِ ﷺ : "صَلِّ قائِمًا، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَجَالِسًا". رَوَاهُ البُخارىُّ (٣). ولأنه مُسْتَطِيعٌ للقيامِ من غيرِ ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ تَرْكُه له كالقادرِ على السَّتْرِ. ولَنا، ما رَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِهِ عن ابنِ عمرَ، فِي قومٍ انْكَسَرَتْ بهم (٤) مراكِبُهُمْ، فخرجُوا عُرَاةً، قال: يُصَلُّونَ جُلُوسًا، يُومِئُونَ إيمَاءً برُءُوسِهِمْ. ولم يُنْقَلْ خلافُهُ، ولأنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِن القيامِ بدلِيلِ أمرينِ: أحدُهُما، أنَّه يَسْقُطُ مع القُدْرَةِ بحَالٍ، والقيامُ يَسْقُطُ في النافِلَةِ. والثانى، أنَّ القِيَامَ يَخْتَصُّ الصَّلاةَ، والسَّتْرُ يَجِبُ فيها وفى غيرِها، فإذا لم يكنْ بُدٌّ مِن ترْكِ أحدِهما، فَتَرْكُ أخَفِّهِمَا أَوْلَى مِن تَرْكِ آكدِهما. [ولأنَّه إذا صلَّى قاعدًا أوْمأَ بالرُّكوعِ والسُّجودِ، فقد أتَى ببدَلٍ عن المتْروكِ، وإذا صلَّى قائمًا وركع وسجد، لم يأْتِ ببَدَلٍ عن السَّتْرِ] (٥). والحديثُ محمولٌ على حالٍ (٦) لا تَتَضَمَّنُ تَرْكَ السُّتْرَةِ. فإنْ قِيلَ: فالسَّتْرُ لَا يَحْصُلُ [كله، و] (٧) إنَّما يَحْصُلُ بعضُهُ، فلا يَفِى بتَرْكِ القيامِ. قُلنا: إن قُلْنَا العورةُ الفَرْجَانِ. فقد حصَلَ سَتْرُهما (٨). وإنْ قلنا: [إنَّهما بعض العورةِ، فهما] (٩) آكَدُها وُجُوبًا فِي السَّتْرِ، وأفْحشُها في النَّظَرِ، فكان سَتْرُهما أوْلَى.

стр. 819

[وإذَا ثَبَتَ هذا، فليسَ على مَنْ صَلَّى في هذه الحالِ إعَادَةٌ؛ لأنَّهُ شَرْطٌ مِن شرائِطِ الصلاةِ عَجَزَ عنهُ، فَسَقَطَ، كما لو عَجَزَ عنِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ فصَلَّى إلى غيرِها] (١٠). وإنْ صَلَّى العُرْيَانُ قائمًا، [وركع وسجد] (١١) صحَّتْ صلاتُهُ أيضًا (١٢) في ظاهرِ كلامِ أحمدَ، ﵀، وهُو قَولُ أصحابِ الرَّأْىِ. وقال ابْنُ جُرَيْجٍ: يَتَخَيَّرُونَ بينَ [القِيامِ والقُعودِ؛ لأنَّه لا بُدَّ له مِن تَرْكِ أحدِ الواجبَيْن، وأيُّهما تَرَكَه فقد أتَى بالآخَرِ.] (١٣) [وقد رُوِىَ عن أبي عبدِ اللهِ، ﵀، ما يَدُلُّ على أنَّهم يُصَلُّونَ قِيامًا وقُعُودًا؛ فإنَّهُ قد قالَ في العُرَاةِ: يقُومُ إمامُهمْ في وسَطِهِمْ. ورَوَى عنهُ الأثْرَمُ، إنْ تَوَارَى بعضُهم ببعضٍ فصَلَّوْا قيَامًا، فهذَا لا بأسَ بِهِ. قيل له: فَيُومِئُونَ أو يَسْجُدُونَ؟ قالَ: سُبْحَانَ اللهِ، السُّجُودُ لا بُدَّ منه. فهذَا يدُلُّ على أنه لا يُومِىءُ بالسُّجودِ في حَالٍ، وأنَّ الأفْضلَ في الخَلْوَةِ القيامُ، إلَّا أنَّ الخَلَّالَ قالَ: هذا تَوَهُّمٌ مِن الأثْرمِ. قال: ومعنَى قولِ أحمدَ: "يقومُ وسَطَهم". أىْ يكونُ وسَطَهم، لم يُرِدْ بهِ حقيقَةَ القيامِ] (١٤) [وعلى كُلِّ حالٍ فَيَنْبَغِى لمَنْ صَلَّى عُرْيَانًا أنْ يَضُمَّ بعضَهُ إلى بعضٍ، ويَسْتُرَ ما أمكنَ سَتْرُهُ] (١٥) قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: يَتَرَبَّعُونَ أو يَتَضَامُّونَ؟ قال: لا بل يتضامُّونَ. [وإذا قلنا: يَسْجُدُون بالأرضِ. فإنَّهُمْ يتَضَامُّونَ أيضًا. وعن أحمدَ: أنه يَتَرَبَّعُ موضِعَ القيامِ. والأوَّلُ أوْلَى] (١٦).

стр. 820

فصل: وإذا وجَدَ العُرْيَانُ جِلْدًا طاهرًا، أو وَرَقًا يُمْكِنُهُ خَصْفُهُ عليه، أو حشيشًا يُمْكِنُه أنْ يَرْبِطَهُ عليهِ فَيَسْتُرَ بهِ، لزمَهُ ذلك؛ لأنَّه قادِرٌ على سَتْرِ عورَتِهِ بطَاهِرٍ [لا يضُرُّه] (١٧) فلزِمَهُ [كما لو قدرَ على سَتْرِهَا بثوبٍ] (١٨)، وقد سَتَرَ النَّبِىُّ ﷺ رِجْلَىْ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ بالإِذْخِرِ (١٩) لمَّا لم يَجِدْ سُتْرَةً (٢٠). فإنْ وَجَدَ طِينًا يَطْلِى بهِ جسدَهُ [فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه] (٢١) لا يَلْزَمُهُ [ذلكَ، وذلكَ] (٢١) لِأنَّهُ يَجِفُّ ويَتَنَاثَرُ [عند الركوعِ والسجودِ. ولأن فيهِ مشَقَّةً شَدِيدَةً ولم تجْرِ بهِ العادَةُ] (٢٢)، واخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: أنه يلزَمُهُ [لأنَّه يسْتُرُ جسدَه، وما] (٢٣) تَنَاثَرَ سَقَطَ حُكْمُهُ، ويسْتَتِرُ بمَا بَقِىَ منه (٢٤)، وهو قولُ بعضِ الشافعيَّةِ. [والأَوْلَى أنَّه لا يلْزَمُهُ ذلك؛ لأنَّ عليهِ فيهِ مشقَّةً، ويلْحَقُهُ بهِ ضررٌ، ولا يَحْصُلُ لَهُ كمالُ السَّتْرِ] (٢٥)، فإنْ وجدَ ماءً

стр. 821

لم يَلْزَمْهُ النُّزُولُ فِيه، وإنْ كانَ كَدِرًا، [لأنَّ للماءِ سُكَّانًا، ولا يَتَمَكَّن فيهِ مِن السُّجُودِ، وكذلكَ لو وجد] (٢٦) حُفْرَةً لم يَلْزَمْهُ النُّزُولُ فيها؛ لأنَّها لَا تَلْصَقُ بجِلْدهِ، فهى كالجِدَارِ. وإنْ وجَدَ سُتْرَةً تضُرُّ بجسْمِهِ (٢٧) كبَارِيَّةِ (٢٨) القَصَبِ ونحوِها، ممَّا يَدْخُلُ في جسْمِهِ، لم يَلْزَمْهُ الاسْتِتَارُ بها، لما فيهِ مِن الضَّرَرِ والمَنْعِ مِن إكْمالِ الرُّكُوعِ والسُّجودِ. فصل: وإذا بُذِلَ له سُتْرَة لزِمَهُ قبولُهَا إذا كانَتْ عَارِيَّةً؛ لأنَّه قَدَرَ على سَتْرِ العورةِ بما لَا ضَرَرَ (٢٩) فيه. وإنْ وُهِبَ لهُ لم يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لأنَّ عليهِ فيهِ منَّةٌ. [ويَحْتَمِلُ أنْ يلْزمَه ذلك؛ لأنَّ العارَ في بَقَاءِ عَوْرتِه مَكْشُوفَةً أكبرُ مِنَ الضَّررِ في المِنَّةِ التي تلْحَقُه] (٣٠). وإنْ وجَدَ مَن يبيعُهُ ثَوبًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ يُؤَجِّرَهُ بأُجْرَةِ مثِلِه، أو زيَادَة يتَغَابَنُ النَّاسُ بمثْلِها، وقَدَرَ على ذلك العِوَضِ، لزمَهُ قَبُولُهُ، وإنْ كانت كثيرَةً لا يَتَغَابَنُ النَّاس بمثلِهَا، لم يَلْزَمْهُ، كما قُلْنا في شِرَاءِ المَاءِ للوُضوءِ. فصل: [فَإنْ لم يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نجِسًا، قال أحمدُ: يُصَلِّى فيهِ، ولا يُصَلِّى عُرْيَانًا] (٣١). وهو قَوْلُ مالكٍ، والمُزَنِىِّ. وقالَ الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ: يُصَلِّى عُرْيَانًا، ولا يُعِيدُ؛ لأنَّهَا سُتْرَةٌ نَجِسَةٌ، فلم تَجُزْ له الصَّلاةُ فيها، كما لو قَدَرَ على غيرِها. وقال أبو حنيفةَ: إنْ كانَ جمِيعُه نَجِسًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ في الفِعْلَيْنِ؛ لأنَّه لا بُدَّ مِنْ تَرْكِ وَاجِب في كِلَا الفِعْلَيْنِ، [وفِعْلِ واجبٍ، فاسْتَوَيَا] (٣٢). ولَنا، أنَّ السَّتْرَ

стр. 822

آكدُ مِن إزالَةِ النجاسَةِ، على ما قَرَّرْنَاهُ في [الصَّلاةِ جالِسًا، فكان أَوْلَى] (٣٣) ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: ["غَطِّ فَخِذَكَ] (٣٤) ". وهذا عامٌّ، ولأنَّ السُّتْرَةَ مُتَّفَقٌ [على اشْتِرَاطِهَا] (٣٥)، والطهارَةُ مِن النجاسَةِ مُخْتَلفٌ فيها، فكان المُتَّفَقُ عليه أوْلَى. (٣٦) وما ذكرَه الشَّافِعِىُّ مُعارَضٌ بأنه قدر على سَتْرِ عَوْرتهِ فلَزِمَه، كما لو وجَد ثوبًا طاهرًا. إذا ثبت هذا فإنَّه إذا صلَّى فيه لم يَلزمْه الإِعادةُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ، فأشْبه مَن لم يجدْ ثوبًا، فصلَّى عُرْيانًا، أو مَن صلَّى في موضعٍ نَجِسٍ، لا يُمْكِنُه الخروجُ منه. فإنَّ أحمدَ نصَّ على أنَّه لا تَلزمُه الإِعادةُ. ونُقِلَ عنه، في مَن صلَّى في ثوبٍ نَجِسٍ أنَّه يُعيد؛ لأنَّه صلَّى في ثَوْبٍ نَجِسٍ أمْكَنَه أنْ لا يُصلِّىَ فيه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الشَّرْعَ مَنَعَه نَزْعَه. وهذا مذهبُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ؛ لأنَّ التحريرَ من النجاسةِ شَرْطٌ عجزَ عنه، فسَقَط، كالسُّتْرةِ، بل هذا أوْلَى، فإن السُّتْرةَ آكدُ منه، بدليلِ تقْديمه عليه. وإن لم يجِدْ إلَّا ثَوْبَ حريرٍ صَلَّى فيه، ولا إعادةَ عليه؛ لأنَّ تحريمَ لُبْسِه يزولُ بالحاجةِ إليه. وإن لم يجدْ إلَّا ثوبًا مَغْصُوبًا، صلَّى عُرْيانًا؛ لأنَّ تَحْريمَه بحقِّ آدمِىٍّ، فأشْبَه مَن لم يجدْ ماءً يتوضَّأُ به إلَّا أن يغْصِبَه، فإنَّه يتيَمَّمُ، ويتْركُه.

стр. 823

فصل: (٣٧) فإنْ لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرتَه أو مَنكِبَيْهِ، سترَ عورَتهُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وإنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بهِ" (٣٨). وهذا الثوبُ ضَيِّقٌ. وفى "المُسْندِ" (٣٩) عن ابْنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، أو عن عمرَ، قال: "لَا يَشْتَمِلْ أَحَدُكُمْ اشْتِمَالَ اليَهُودِ، ليَتَوشَّحْ، ومَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَأْتَزِرْ ولْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ ثُمَّ لْيُصَلِّ". ولأنَّ السَّتْرَ للعَوْرةِ واجبٌ مُتَّفَقٌ على وُجوبِه مُتَأَكِّد، وسَتْرُ المَنْكِبَيْنِ فيهِ مِن الخِلَافِ والتَّخْفِيفِ ما فيه، فلا يَجُوزُ تقدِيمهُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في الرَّجُلِ يكونُ عليهِ الثَّوْبُ اللَّطِيفُ، لا يبلُغُ أن يَعْقِدَهُ، يَرَى أن يتَّزِرَ بهِ وَيُصَلِّى؟ قال: لا أرَى ذلكَ مُجْزِئًا عنه. وإنْ كانَ الثوبُ لَطِيفًا صَلَّى قاعِدًا، وعقَدَ مِن ورَائِه (٤٠). وَظَاهِرُ هذا، أنَّه قد سَتَرَ المَنْكِبَيْنِ على القيامِ، وسَتَرَ ما عَدَا الفَرْجَيْنِ، ولأنَّه ذَهَبَ إلى أنَّ الحديثَ في سَتْرِ المَنْكبَيْنِ أصَحُّ منهُ في سَتْرِ الفَرْجَيْنِ، وأنَّ القيامَ له بَدَلٌ، وسترُ المَنْكِبَيْنِ لا بدلَ لهُ. [والصحِيحُ ما ذَكَرْنَاهُ أولًا؛ لما قدَّمْنا مِن تَأَكُّدِ سَتْرِ العَوْرةِ والقيامِ، وما رَوَيْنَا مِن الحديثِ، وهو صَرِيحٌ فِي هذه المسألةِ، وفيهِ قِصَّةٌ رَوَاهَا أبو داوُد، عن] (٤١) جابِرٍ، قال: سِرْتُ مع رسولِ اللَّه ﷺ ، وعلَىَّ بُرْدَةٌ ذهَبْتُ أُخَالِفُ بين طَرَفَيْهَا، فلم تبلُغْ لِى، وَكَانَت لها ذَبَاذِبُ (٤٢)، فَنَكَّسْتُهَا، ثم خَالَفْتُ بين

стр. 824

طَرفَيْها، ثم تَوَاقَصْتُ عليها (٤٣) حتى لَا تَسْقُطَ، ثم جِئْتُ حتَّى قُمْتُ عن يَسَارِ رسول اللهِ ﷺ ، فأخَذَ (٤٤) بيَدِى فأدارَنى حتى أقامنى عن يَمِينِهِ، فجاءَ جَبَّارُ (٤٥) ابْنُ صخْرٍ، حتَّى قامَ عن يَسَارِهِ، فأخذَنَا بَيدَيْهِ جَمِيعًا، حَتَّى أقَامَنَا خَلْفَهُ. قال: وجعلَ رسولُ اللهِ ﷺ يَرْمُقُنِى وأنا لا أَشْعُرُ، ثم فَطِنْتُ بِه، فأشارَ إلىَّ أَنْ أَتَّزِرَ بها، فلمَّا فرَغَ رسولُ اللهِ ﷺ قال: "يَا جَابِرُ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ. قال: "إذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ". [فصل: فإنْ لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ] (٤٦) بعضَ العَوْرةِ سَتَرَ الفَرْجَيْنِ؛ لأنَّهما أفْحَشُ، وسَتْرُهما آكَدُ، [وهما من العَوْرةِ بغير خلافٍ] (٤٧). فإنْ كانَ لا يَكْفِى إلَّا أحدَهما سَتَرَ أيَّهما شَاءَ. واخْتُلِفَ في أَوْلَاهما بالسَّتْرِ، فَقِيلَ: الدُّبُرُ؛ لأنَّهُ أَفْحَشُ، وينْفَرِجُ (٤٨) في الرُّكوعِ والسُّجودِ. وقِيلَ: القُبُلُ [أوْلَى؛ لأنَّ به يسْتقْبِلُ] (٤٩) القِبْلَةَ، [وليس له ما يَسْتُرُهُ] (٥٠)، والدُّبُرُ مَسْتُورٌ بِالْألْيَتَيْنِ. ١٩٤ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ صَلَّى جَمَاعَةٌ عُرَاةٌ، كانَ الإِمَامُ مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ وَسَطًا (١)، يُومِئُونَ إِيمَاءً. ويَكُونُ سُجُودُهُمْ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِمْ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الجماعةَ مَشْرُوعَةٌ للعُرَاةِ. وبه قال قَتادَة. وقال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يُصَلُّونَ فُرَادَى. [قال مالك] (٢): ويَتَبَاعَدُ

стр. 825

بعضُهم مِن بعضٍ. وإنْ كانُوا في ظُلْمَةٍ صَلَّوْا جماعةً، ويَتَقَدَّمُهُمْ إمامُهم. وقال الشافعيُّ في القدِيمِ كقَوْلِهِم. وقال في موضِعٍ آخَرَ (٣): الجماعةُ والانْفِرَادُ سَوَاءٌ؛ لأنَّ في الجماعَةِ الإِخْلَالَ بسُنَّةِ المَوْقِفِ، وفى الانْفِرَادِ الإِخْلَالُ بفَضِيلَةِ الجماعةِ، فَيَسْتَوِيَانِ (٣)، ووافَقَنَا [في أنَّ إمامَهم يقومُ وسَطَهم] (٤) على مَشْروعِيَّةِ الجماعةِ للنِّساءِ (٥) العُرَاةِ؛ [لِأنَّ موقفَ إمامتِهنَّ في وسَطهِنّ، فما حصل في حَقِّهِنَّ إخْلالٌ بفَضيلةِ الموقِف، ووافقْنا] (٦) في الرجال إذا كانَ معهم مُكْتَسٍ يصلُحُ أنْ يَؤُمَّهم، [ولأنَّه قدر على الجماعة من غير ضَرَرٍ، فأشْبَهَ المُسْتترِين، ولا تَسْقُطُ الجماعة لتَعَذُّرِ سُنَّتِها في الموقف، كما لو كانوا في ضِيقٍ لا يُمكِنُ أن يتقَدَّمهم إمامُهم.] (٧) ولَنا، (٨) قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلَاةُ الرَّجُلِ في الْجَمِيعِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاِتهِ وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً". [مُتَّفَقٌ عليه (٩). وإذا شُرِعتِ الجماعةُ في حالِ الخوفِ مع تعذُّرِ الاقتداءِ بالإِمام في بعضِ الصلاةِ والحاجة إلى مُفارقَتِه، وفعْلِ ما يُبْطلُ الصلاةَ في غيرِ تلك الحالِ، فأوْلى أن تُشْرعَ ههنا] (١٠). وإذا شُرِعَتِ الجماعَةُ (١١)

стр. 826

لعُرَاةِ النساءِ، مع أنَّ السَّتْرَ في حَقِّهِنَّ آكَدُ، والجماعةُ في حَقِّهِنَّ (١٢) أَخَفُّ، فللرِّجالِ أَوْلَى وأَحْرَى، وغَضُّ البَصَرِ يَحْصُلُ بكونِهِمْ صَفًّا وَاحِدًا، يَسْتُرُ بَعْضُهُم بَعْضًا. إذا ثبتَ هذا، فإنَّهم يُصَلُّونَ صفًّا واحِدًا، ويكونُ إمَامُهم في وَسَطِهِمْ، ليكونَ أسْتَرَ له (١٣)، [وأغَضَّ لأبصارِهِمْ عنهُ] (١٤). وكذلكَ [سُنَّ لإِمامةِ النساءِ القِيَامُ] (١٥) وسَطَهُنَّ (١٦) في كلِّ حالٍ. لِأنَّهنَّ عَوْراتٌ، فإنْ كان مع الرجالِ نسَاءٌ عُرَاةٌ تَنَحَّيْنَ عنهم؛ لئَلَّا يرَى بعضُهم بعضًا، ويُصَلِّينَ جماعَةً أيضًا كالرجالِ، إلَّا أنَّ الجماعةَ في حقِّهِنَّ أدْنَى منها في حَقِّ الرجالِ، كما لو كانوا غيرَ عُراةٍ. فإنْ كانَ الجمِيعُ في مجلِسٍ، أو في مَكانٍ ضَيِّقٍ، صلَّى الرجالُ، واسْتَدْبَرَهُم النِّساءُ، ثم صَلَّى النساءُ واسْتَدْبَرهُنَّ الرِّجالُ؛ لئَلَّا يَرَى بعضهم عَوْراتِ بعضٍ. فإنْ كانَ الرجالُ لا يَسَعُهم صَفٌّ واحدٌ، والنساءُ، وقَفُوا صُفُوفًا، وغَضُّوا أبصارَهُم عَمَّنْ بين أيْدِيهِم؛ لأنَّه مَوْضِعُ ضرُورَةٍ. ١٩٥ - مسألة؛ قال: (وقَدْ رُوِىَ عَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀، رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّهُمْ يَسْجُدُونَ بِالأَرْضِ) اخْتَلَفَتِ الروايةُ عن أحمدَ، ﵀، في العُرَاةِ إذا صلُّوا قُعُودًا؛ فرُوِىَ عنه (١) أنَّهم يُومِئُونَ بالرُّكوعِ والسُّجودِ؛ لأنَّ القيامَ سَقَطَ عنهم لحِفْظِ عَوْراتِهِمْ،

стр. 827

[فيسْقُط السُّجودُ؛ لأنَّ ظُهورَها] (٢) بالسُّجودِ أكثرُ وأفْحَشُ، [فَوَجَبَ أنْ يَسْقُطَ] (٣). ورُوِىَ أنَّهم يَسْجُدُونَ بالأرْضِ؛ لأنَّ السُّجودَ آكَدُ مِنَ القيامِ؛ لكونِهِ مقصُودًا في نفسِهِ، ولا يسقُطُ فيما يَسْقُطُ فيه القيامُ، وهو صلاةُ النَّافِلَةِ، فلهذا لم يَسْقُطْ [وقد اخْتلفَ (٤) عن أحمدَ، في القيامِ أيضًا؛ فرُوِىَ عنه أنَّ العُراةَ يُصلُّون قيامًا، فإنَّه قال في العُراةِ: يقومُ إمامُهم في وَسَطِهم. وروَى عنه الأثْرَمُ أنَّه قال: إنْ تَوارَى بعضُهم ببعضٍ؛ فصلَّ وا قيامًا، فهذا لا بأْسَ به. قيل: فيُومِئُون أم يسْجدون؟ قال: سبحانَ اللَّه، السُّجودُ لا بُدَّ منه. فهذا يدُلُّ على أنَّ السُّجودَ لا يَسْقُطْ، وأنَّ الأفضلَ القيامُ في الخَلْوةِ، إلَّا أنَّ الخَلَّالَ قال: هذا توَهُّمٌ مِنَ الأثْرَمِ، ومعنى قوله: يقومُ في وسَطِهم. كقولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٥). لم يُرِدْ به القيامَ على رِجْلٍ] (٦). فصل: فإنْ كان مع العُراةِ واحدٌ له ثَوْبٌ، لزمَتْهُ الصلاةُ فيهِ، لأنه قادِرٌ على السُّتْرَةِ. فإنْ أعارَهُ وصَلَّى عُرْيَانًا، لم تَصِحّ صلاتُهُ؛ [لأنَّه قادرٌ على السَّتْرِ] (٧). ويُسْتَحَبُّ أنْ يُعِيرَهُ بعدَ صلاتِهِ فيهِ لغيرِهِ، ليُصَلِّىَ فيهِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٨). ولا يَجِبُ عليه ذلك، بخلافِ ما لو كان معه طَعَامٌ فاضِلٌ عن حاجَتِه، ووجَدَ مَنْ به ضَرُورَةٌ، لزِمَ إعْطَاؤُه إيَّاه؛ لأنَّها حالُ ضَرُورَةٍ، فإذا بَذَلَهُ لهم صَلَّى فيه واحِدٌ بعدَ واحدٍ، ولم تَجُزْ لهم الصَّلاةُ عُراةً؛

стр. 828

لأنَّهمْ قادرُونَ على السَّتْرِ، إلَّا أنْ يخافُوا ضِيقَ الوقتِ، [فيُصلُّون عُراةً إلَّا الواحدَ الذي يُعِيرُ الثَّوْبَ. ويَحْتَمِلُ أنْ ينتَظرَ جميعهُم الثَّوْبَ، فيُصلِّىَ فيه واحدٌ بعد واحدٍ وإن فاتَ الوقتُ؛ لأنَّه قدَر على شَرْطِ الصَّلاةِ، فلم تصِحَّ صلاتُه بدُونِه، كواجِدِ الماءِ لا يتيَمَّمُ وإن خاف فَواتَ الوقتِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّهم] (٩) لو كانُوا في سفِينَةٍ في موضعٍ ضيِّقٍ، لا يُمْكِنُ جميعُهم الصَّلاةَ فيه (١٠) قيامًا صَلَّى واحدٌ بعدَ واحدٍ، إلَّا أنْ يَخَافُوا فواتَ الوقتِ [فيُصَلِّىَ واحدٌ قائمًا والبَاقون قُعودٌ. وقد] (١١) نَصَّ الشافعيُّ على هذا. والقيامُ آكَدُ مِن السُّتْرَةِ عنْدهُ. وعلى رِوَايةٍ لَنا، [والوَجْهُ الآخَرُ أقْيَسُ عندى، فإنَّ المُحافظةَ على الشَّرْطِ مع إمْكانِه أوْلَى مع إدراكِ الوقتِ، بدليلِ ما لو وَجَدَ ما لا يُمكنُه استعمالُه إلَّا بعدَ فَواتِ الوقتِ، أو سُتْرةً يخافُ فواتَ الوقتِ إن تشاغَلَ بالمَشْىِ إليها، والاسْتتارِ بها] (١٢). [فأوْلَى أنْ يكونَ الوقتُ مُقَدَّمًا على السَّتْرِ] (١٣). فإنِ امْتَنَعَ صاحبُ الثَّوبِ مِنْ إعارَتِهِم (١٤)، أو ضَاقَ الوقتُ عن أكثرَ مِن صلاةٍ، فالمُسْتَحَبُّ أنْ يؤُمَّهُم صاحبُ الثَّوبِ، ويقفَ بين أيْدِيهِم، فإنْ كان أُمِّيًّا وهم قُرَّاءٌ، صَلَّى الباقُونَ (١٥) جماعةً على ما أسْلَفْنا. [قال القاضي: يُصَلِّى هو مُنْفرِدًا] (١٦)، (١٧) لأنَّه لا يجوزُ أن يَؤُمَّهم؛ لكَوْنِه أُمِّيًّا، ولا

стр. 829

يأْتَمَّ بهم؛ لكَوْنِهم عُراةً وهو مُسْتَتِرٌ. وإن صَلَّى وبَقِىَ وقتُ صلاةٍ واحدةٍ، فأراد إعارةَ أحدِهم، اسْتُحِبَّ أنْ يُعيرَه لمَن يصلُح أنْ يؤُمَّهم، فإن أعارَهُ لغيرِهِ جاز، وصار حُكْمُه كَحُكْمِ صاحبِ الثَّوْبِ، فإن اسْتَوَوْا، أو لم يكُنِ. الثَّوْبُ لواحدٍ منهم، أقْرَعَ بينهم، فمَن خرجتْ له القُرْعةُ فهو أحَقُّ، وإن لم يسْتَوُوا، فالأوْلَى به مَن تُسْتَحَبُّ البدايةُ بإعارتِه. فإن كان منهم رجالٌ ونساءٌ، فالنِّسْوةُ أحقُّ؛ لأن عَوْراتهِنَّ أفْحَشُ وآكَدُ في السَّتْرِ. وإذا صَلَّيْنَ فيه أخذَه الرِّجالُ. ١٩٦ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ في مَاءٍ وَطِينٍ أَوْمَأَ إِيمَاءً) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا كان في [مطرٍ وطِينٍ، فأمْكنَه] (١) السجودُ [من غيرِ ضَرَرٍ، لَزِمَه ذلك؛ لما روَى أبو سعيد، أنَّه قال: فأبْصَرتْ عَيْناىَ رسولَ اللَّه ﷺ انْصَرفَ وعلى جَبْهتِه وأنْفِه أثَرُ الماءِ والطِّين. متفق عليه (٢). ولأنَّه قادرٌ على السُّجودِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلَزِمَه، كما لو لم يكُنْ. وإن تضرَّر بالسُّجودِ، وخاف مِن تلوُّثِ يديْه وثيابِه بالطِّين والبَلَلِ، فله الصلاةُ على دابَّتِه، ويُومِىءُ بالسُّجودِ. وإن كان راجِلًا أوْمَأَ بالسُّجودِ، ولم يَلْزَمْه السُّجودُ على الأرضِ. وقد] (٣) رُوِىَ عن أنَسٍ، أنَّه صَلَّى على دابَّتهِ في ماءٍ وطِينٍ. وفَعَله جابرُ بن زيد، وأمَر به طاوُسٌ، وعُمارة بن

стр. 830

غَزِيَّة (٤). قال التِّرمِذِىُّ: والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ، وبه يقولُ إسحاقُ. [وقال أصْحابُ الشَّافِعِىّ: لا يجوزُ أنْ يُصَلِّىَ الفَرْدُ على الرَّاحلةِ لأجْلِ المطرِ؛ لحديثِ أبى سعيد، ولأن السُّجودَ والقيامَ مِن أرْكانِ الصلاةِ فلم يسْقُطْ بالمطرِ، كبقيَّةِ أرْكانِها. ولَنا، ما روى] (٥) يَعْلَىَ بن أُميَّةَ (٦)، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه انْتَهَى إلى مَضِيقٍ، ومعه أصْحابُه، والسَّماءُ مِن فَوْقِهم، والبَلَّةُ مِن أسْفَلَ منهم، فصلَّى رسول اللَّه ﷺ على راحلتِه، وأصْحابُه على ظُهورِ دَوابِّهم، يُومِئُون إيماءً، يجعلون السُّجودَ أخْفَضَ مِن الرُّكوعِ. رواه الأثْرَمُ، والتِّرمِذِيُّ (٧). وقال: [تفرَّد به] (٨) عمر بن الرَّمَّاح البَلْخِىُّ، وقد روَى عنه غيرُ واحدٍ مِن أهلِ العلمِ (٩)، وفعَلَه (١٠) أنَسٌ (١١) وهو مُتوَجِّهٌ إلى سَرابِيط (١٢). رواه الأثْرَمُ بإسْنادِه، وذكَره الإِمامُ أحمدُ (١٣)، ولم يُنْقَلْ

стр. 831

عن غيرِه خلافُه، فيكون إجْماعًا، ولأنَّ المطرَ عُذْرٌ يُبيحُ الجمْعَ، فأثَّر في أفْعالِ الصلاة كالسَّفَرِ [والمرضِ، وحديث أبى سعيد كان بالمدينةِ والنَّبِىُّ ﷺ يُصلِّى في مسجده، والظَّاهِرُ أنَّ الطِّينَ كان يسيرًا لم يؤثِّرْ في غيرِ الأنْفِ والجَبْهةِ، وإنَّما أُبِيحَ منه ما كان كثيرًا يُؤثِّر في تلْويثِ الثِّيابِ والبَدَنِ، وتَلْحقُ المَضَرَّةُ بالسُّجودِ فيه] (١٤). فصل (١٥): ولا يباحُ للمصلِّى بالإِيماء مِن أجْلِ الطِّين تَرْكُ الاسْتقْبالِ؛ لأنَّه قادرٌ عليه مِن غير ضَرَرٍ، فلم يسْقُطْ في الفَرْضِ، كغيرِ حالةِ المطرِ، ولأنَّ الاسْتقْبالَ شَرْطٌ لا يسقطُ إلَّا بالعَجْزِ عنه، وهو غيرُ عاجزٍ، وكذلك لو أمْكنَه النُّزولُ والصلاةُ قائما مِن غيرِ مَضَرَّةٍ، لم يَجُزْ له الصلاة على دابَّتِه؛ لأنَّه قدَر على القيامِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلَزِمَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١٦). ولا يسقطُ الرُّكُوعُ؛ لأنَّه قادرٌ عليه، ويُومِىءُ بالسُّجودِ؛ لعَجْزِهِ عنه إلَّا بمَضَرَّةٍ وتلوُّثٍ. وإن تضرَّرَ بالنُّزولِ عن دابَّتِه وتَلوَّث، صلَّى عليها؛ للخَبَرِ. فصل: (١٧) فأمَّا الصلاةُ على الرَّاحلةِ لأجْلِ المرض، فلا يخْلُو من ثلاثة أحوال:

стр. 832

أحدُها، أنْ يخافَ الانْقطاعَ عن الرُّفْقة، والعَجْزَ عن الرَّكوبِ، وزيادةَ المرض، أو نحوَ هذا، فيُصلِّى على الرَّاحلةِ، كا ذكرْنا في صلاة الخَوْفِ. الثاني، أنْ لا يتضرَّر بالنُّزولِ، ولا يشُقَّ عليه، فلَزِمَه النُّزولُ لصلاةِ الفَرْضِ، كالصَّحيح. الثالث، أن يشُقَّ عليه النُّزولُ مَشَقَّةً يُمْكِنُ تَحمُّلُها من غير خوفِ تلفٍ، ولا زيادةِ مرضٍ، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا تجوزُ له الصلاةُ على الرَّاحلةِ؛ لأنَّ ابنَ عمر كان يُنْزِلُ مَرْضاه، احْتَجَّ به أحمدُ، ولأنَّه قادرٌ على القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ مِن غيرِ ضَرَرٍ كبير، فلَزِمَه كغيرِ الرَّاكبِ. والثانية، يجوزُ له الصلاةُ على راحلتِه. اخْتارها أبو بكر؛ لأنَّ المَشقَّةَ عليه في نُزولهِ أكبرُ مِن المشقَّةِ في النُّزولِ في المطر، فإباحةُ الصلاةِ على الرَّاحلةِ في المطر مَبْنِيَّةٌ على إباحتِها في المرض، ومَن قال بالأُولَى قال: نُزولُ المريض يؤثِّر في حُصولِه على الأرض، وهو أسْكَنُ له وأمْكَنُ، والمَمْطورُ يتلوَّثُ بنُزولهِ، ويتضرَّرُ بحُصولِه على الأرض، ومَضَرَّةُ المريضِ في نَفْسِ النُّزولِ، لا في الحُصولِ على الأرض، ومَضَرَّةُ الممطورِ في حُصولِه على الأرضِ دون نفسِ النُّزول، فقد اختلفتْ جِهَةُ المَشَقَّةِ والضَّرر، فلا يصحُّ الإِلْحاقُ. ١٩٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا انْكَشَف مِنَ الْمَرْأَةِ الحُرَّةِ شَىْءٌ سِوَى وَجْهِهَا، أَعَادَتِ الصَّلَاةَ) لا يخْتلفُ المذهبُ في أنَّه يجوزُ للمرأةِ كشفُ وجهِها في الصلاةِ، [ولا نَعْلمُ فيه خلافًا بين أهل العلم] (١). [وأنَّه ليس لها كشفُ ما عدا وجهِها وكفَّيْها] (٢)، وفى الكفَّيْن

стр. 833

روايتان؛ (٣) إحْدَاهما، يجوزُ كشْفُهما. وهو قولُ مالكٍ والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ قال، في قولهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٤) قال: الوَجْهُ

стр. 834

والكفَّيْن. ولأنه يحرُم على المُحْرِمةِ سَتْرُهما بالقُفَّازَيْن، كما يحرُم عليها سَتْرُ وجهِها بالنِّقاب، فلم يكونا من العَوْرةِ، كالوَجْه، ولأنَّ العادةَ ظُهورُهما وكشْفُهما، والحاجةُ تدعُو إلى كشْفِهما للأخْذِ والعطاء، كما تدعَو إلى كشْفِ الوجهِ، للبَيْع والشِّراء، فلم يحْرُم كشْفُهما في الصلاةِ، كالوجْهِ. والثانية، هما من العَوْرة، ويجبُ سترُهما في الصلاة. وهذا قَوْلُ الخِرَقِىِّ، ونحوَه قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٥)، فإنَّه قال: المرأةُ كلُّها عَوْرةٌ حتى ظُفْرُها؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ". روَاه التِّرمِذِىّ (٦)، وقال: حديثٌ حسَن صَحيحٌ. وهذا عامٌّ يقْتضى وُجوبَ سَتْرِ جميع بَدَنِها [و] تَرْكُ الوَجْهِ للحاجةِ، ففيما عَداه يَبْقَى على الدَّليلِ. وقولُ ابنِ عبَّاسٍ قد خالَفَه ابنُ مسعود، فإنَّه قال في قولهِ سبحانه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثِّياب. وظُهورُ ما لم تَجْرِ العادةُ به كظُهورِ الوَجْهِ، ولأنَّ الحاجةَ إلى كشْفِهما كالحاجةِ إلى كشْفه، فلا يصحُّ قياسُهما عليه، ثم يبْطُل ما ذكَرُوه بالقدَمَيْن، فإنَّهما يظْهران عادةً، كَظُهورِ الكفَّيْن، وسَتْرُهما واجبٌ، وهما أشْبَهُ بهما من الوَجْهِ، فإلْحاقُهما بهما أوْلَى، وأمَّا سائرُ بَدَنِ المرأةِ الحُرَّةِ فيجبُ سَتْرُه في الصلاةِ، وإن انْكشَف عنه شيءٌ، لم تَصِحَّ صلاتُها، إلَّا أن يكونَ يسيرًا. وبهذا قال مالك، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: القَدَمان ليس من العَوْرةِ؛ لأنَّهما يظْهران غالبًا، فهما كالكفَّيْن، ولأنَّهما يُغْسلان في الوضوء، فلم يكونا من العَوْرة، كالوَجْه والكفَّيْن. وإن انكَشَف مِن المرأةِ أقلُّ مِن رُبْع شَعْرِها أو رُبْع فَخِذِها

стр. 835

أو رُبْع بَطْنِها لم تَبْطُل صلاتُها (٧). ولَنا، ما روَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالتْ: قلتُ، يا رسولَ اللهِ، أتُصلِّي المرأةُ في دِرْعٍ وخِمارٍ، ليس عليها إزارٌ؟ فقال: "نَعَمْ، إذَا كَانَ سَابِغًا يُغَطِّى ظُهُورَ قَدَمَيْهَا". رواه أبو داوُد (٨)، وقال: وقَفَه (٩) جَماعةٌ على أُمِّ سَلَمة. [ورفَعَه عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار] (١٠). ورَوى ابنُ عمر، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لَا يَنْظُرُ اللهُ إلى من جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ". فقالتْ أُمُّ سَلَمةَ: فكيف تَصْنَعُ النِّساءُ بذُيولهنَّ؟ قال: "يُرْخِينَ شِبْرًا"، فقالت: إذن تنكشفُ أقدامُهنَّ. قال: "فيرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ". روَاه التِّرمِذِىُّ (١١)، وقال: حديثٌ حسَن صحيح. وهذا يدُلُّ على وُجوبِ تغْطيةِ القدمَيْن، ولأنَّه مَحَلٌّ لا يجبُ كشْفُه في الإِحْرام، فلم يُجزْ كشْفُه في الصلاة، كالسَّاقَيْن، ولأنَّ الخَبَرَ المَرْوِيَّ في أنَّ المرأةَ عورةٌ بالإِجْماع، فإنَّ أهلَ العلمِ أجْمعُوا على أنَّ للمرأةَ الحُرَّةَ أنْ تُغطِّىَ رأْسَها في الصَّلاةِ، وعلى أنَّها إذا صَلَّتْ وجميعُ رأْسِها مَكشُوفٌ أنَّ عليها الإِعادةُ، والتَّقديرُ بالرُّبعِ تحكُّمٌ لا دليلَ عليه، والتقديرُ لا يجوزُ بمُجَرَّدِ الرَّأْىِ والتَّحَكُّم، وقد ثبت وُجوبُ سَتْرِ الرَّأْسِ بقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ

стр. 836

حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ" (١٢). روَاه التِّرْمِذِىُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. وفى هذا تنبِيهٌ على وُجوبِ سَتْرِ البطنِ وغيرِه من سائرِ البدنِ. فصل: وَالمُسْتَحَبُّ أنْ تُصَلِّىَ المرأةُ في دِرْعٍ، وهو (١٣) القميصُ، [لكنَّهُ سابِغٌ يُغَطِّى قدمَيْها] (١٤)، وخمَارٍ، [وهو المِقْنَعَةُ] (١٥)، وجِلْبَابٍ [وهو المِلْحَفةُ] (١٦)، تَلْتَحِفُ بهِ مِن فوقِ الدِّرْعِ. رُوِىَ نَحْوُ (١٧) ذلكَ عن عمرَ، وابْنِه، وعائشةَ، وعَبِيدةَ السَّلْمانِىِّ، وعَطاءٍ، [وهو قولُ الشَّافعىِّ. قال أحمدُ (١٩): قد اتَّفَقَ عامَّتُهُمْ على الدِّرْعِ والخِمَارِ، وما زادَ فهو خيرٌ وأسْتَرُ، ولأنَّه] (١٨) إذا كان عليها جِلْبابٌ، فإنها تُجَافِيهِ راكعةً وساجدَةً؛ لئلَّا تصفُها ثِيَابُها، فَتُبَيِّنَ عَجِيزَتَهَا، ومواضِعَ عَورْاتِها المُغَلَّظةِ (١٩). فصل (٢٠): ويُجْزِئُها مِن اللباسِ السَّتْرُ الواجبُ [على مَا بَيَّنَّا بحَدِيثِ أُمِّ سَلَمةَ، أنَّها سأَلَت رسولَ اللهِ ﷺ ] (٢٠): أتُصَلِّى المَرْأَةُ في درْعٍ وخِمَارٍ، ليس عليها إزَارٌ؟ قالَ: "نَعَمْ (٢١)، إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّى ظُهُورَ قَدَمَيْهَا" (٢١). وقد رُوِىَ عن مَيْمُونَةَ، وأُمِّ سَلمةَ، أَنهما كانتَا تُصَلِّيَانِ في دِرْعٍ وخِمَارٍ، ليس عليهِما إزَارٌ. رَوَاهُ مالكٌ، في "المُوَطَّإِ" (٢٢). وقال أحمدُ: قد اتَّفَقَ عامَّتُهُمْ على

стр. 837

الدِّرْعِ والخِمَارِ. ولأنَّهَا سَتَرَتْ ما يَجِبُ عليها سَتْرُه، فأجْزَأتْها صلاتُها، كالرَّجُلِ. فصل: فإنِ انْكشفَ مِنَ المرأةِ شيءٌ يَسِيرٌ [عُفِىَ عنه] (٢٣). وقولُ (٢٤) الْخِرَقِىِّ: إذا انْكَشَفَ مِن المرأةِ الحُرَّةِ (٢٥) شَىْءٌ سِوَى وجهِهَا وكفّيْهَا أَعَادَت الصَّلاةَ (٢٥). [مَحْمولٌ على ما يكثُرُ ويفْحُشُ، ولا حَدَّ للكثيرِ واليَسِيرِ، إنما المَرْجِعُ في ذلك إلى العُرْفِ؛ لأنَّ التَّقْديرَ طريقُه التَّوْقيفُ، ولا توقيفَ في هذا] (٢٦). ولأنهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنَ اليَسِيرِ، فَعُفِىَ عنه قِيَاسًا على يَسِيرِ عورةِ الرَّجُلِ. فصل: وَيُكْرَهُ أنْ تَنْتَقِبَ المرأَةُ وهى تُصَلِّى [أو تَتَبَرْقَعَ] (٢٧). قالَ ابْنُ عبدِ البَرِّ: وقد أجمعوا علي أنَّ علي المرأةِ أنْ تَكْشِفَ وجْهَها في الصلاةِ والإِحْرَامِ، ولأنَّ ذلك يُخِلُّ بمُباشَرةِ المُصَلَّى بجَبْهَتِها وأنْفِها، ويُغَطِّى فَاها، وقد نَهَى النّبِىُّ ﷺ عنه (٢٨). ١٩٨ - مسألة (١)؛ قال: (وَصَلَاةُ الْأَمَةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ جَائِزَةٌ) [هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ] (٢). لا نعلَمُ أحدًا خَالَفَ في هذا إلَّا الحسنَ، فإنَّهُ [منْ بينِ أهل العِلْمِ] (٣) أوْجبَ عليها الخِمارَ إذا تَزَوَّجَتْ، أو اتّخَذَها الرَّجُلُ لِنفسِهِ،

стр. 838

واسْتَحَبَّ لها عطاءٌ أنْ تَقَنَّعَ إذَا صَلَّتْ، [ولم يُوجِبْهُ.] (٤) ولَنا، أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهُ [كان يَنْهَى الإِماءَ عن التَّقَنُّع. قال أبو قِلابَةَ: إنَّ عمرَ بن الخطَّابَ كان لا يَدَعُ أمةً تَقَنَّعُ في خلافتِه، وقال: إنَّما القِناعُ للحرائِرِ، و] (٤) ضَرَبَ أَمَةً لِآلِ أنَسٍ رآهَا مُتَقَنِّعَةً، وقال: اكْشِفِى رأْسَكِ، ولا تَشَبَّهِى بِالحرائِرِ. [وهذا اشْتَهَر في الصَّحابةِ، فلم يُنْكرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها أمَةٌ فلم يجبْ عليها سَتْرُ رأسِها، كالتى لم تتزَوَّجْ، ولم يتسَرَّ بها سيِّدُها] (٥). فصل: [ لم يَذْكُر الْخِرَقِىُّ، ﵀، عنه سِوَى كشفِ الرَّأْسِ، وهو المنصُوصُ عن أحمدَ، ﵀، في رِوَايَةِ عبدِ اللهِ، فقال: وإنْ صَلَّت الأمةُ مكشوفَةَ الرَّأسِ فلا بَأْسَ، ] (٦) وَاخْتَلَفَ أصحابُنَا فيما عدا ذلك، فقالَ ابْنُ حامدٍ: عورتُهَا كعَوْرةِ الرجلِ، [وقد لَوَّحَ إليه، ﵀] (٦)، وقال (٧) القاضي في "المُجَرَّدِ": [إن انْكَشَفَ منها في الصلاةِ ما بين السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فالصلاةُ بَاطِلَةٌ، وإن انْكَشَفَ ما عدا ذلكَ فالصلاةُ صَحيحَةٌ] (٨)، وقالَ في "الجامِعِ": عورةُ الأمةِ ما عَدا الرَّأْسَ واليَدَيْنِ إلى المرْفَقَيْنِ، والرِّجْليْنِ إلى الرُّكْبَتَيْنِ. واحْتَجَّ عليه (٩) بقولِ أحمدَ: لا بَأْس أنْ يُقَلِّبَ الرَّجُلُ الجاريةَ إذا أرادَ الشِّرَاءَ مِن فوقِ الثَّوْب، ويَكْشِفَ الذِّرَاعَيْنِ والسَّاقَينِ (١٠). ولأنَّ هذا يظْهَرُ عادَةً عند الخدْمَةِ، والتَّقْلِيبِ للشِّرَاءِ، فلم يكُنْ عَورةً كالرَّأْسِ (١١) وما سواهُ لا يظهَرُ عَادَةً ولا تَدْعُو الحاجةُ

стр. 839

إلى كَشْفِهِ، وهذا قولُ بعض أصحابِ الشافعىِّ، [والأظْهَرُ عنهمْ مِثْلُ قولِ ابْنِ حامدٍ؛ لما] (١٢) رُوِىَ عن أبي موسى، أنَّه قال على المِنْبَرِ: [لا أعْرِفَنَّ] (١٣) أحدًا أرادَ أن يَشْتَرِىَ جاريَةً، فَيَنْظُرَ إلى ما فوقَ الرُّكْبة أو دُونَ السُّرَّةِ، لا يَفْعَلُ ذلكَ أحدٌ إلَّا عاقَبْتُهُ. [وقد ذكَرْنَا حديثَ الدَّارَقُطْنِىِّ] (١٤) عن عمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا يَنْظُرْ إلَى شَىْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ؛ فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى رُكْبَتِهِ (١٥) مِنَ العَوْرَةِ". يُرِيدُ الأمَةَ. فإنَّ الأجيرَ والعبدَ [لا يختلِفُ بالتَّزْوِيجِ أو غيرِه، ] (١٦) وَلأنَّ مَنْ لم يَكُنْ رأسُهُ عَوْرةً لم يكنْ صَدْرُهُ عَوْرةً، كَالرَّجُلِ. فصل: والمُكَاتَبَةُ والمُدَبَّرَةُ والمُعَلَّقُ عِتْقُهَا بصِفَةٍ كالأمَةِ القِنِّ فيما ذكَرْنَاهُ؛ لأنَّهُنَّ إماءٌ يجوزُ بَيْعُهُنَّ وعِتْقُهنَّ. فأمَّا المُعْتَقُ بعضُها، [ففيها روايتان] (١٧)؛ إحداهما، أنَّها كالحُرَّةِ؛ [لأنَّ فيها حُرِّيِّةً تَقْتضِى السَّتْرَ، فوجَب السَّتْرُ كما يجبُ على الخُنْثَى] (١٨). [والثانية، أنَّها كالأمَةِ القِنِّ] (١٩)، [لعدَمِ الحريَّةِ الكاملة، ولذلك ضُمِنَتْ بالقيمة؛ لأنَّ المُقْتَضِى للسَّترِ بالإِجْماع الحُرِّيَّةُ الكاملةُ، ولم تُوجَدْ، والأصلُ عدمُ الوجوبُ فيبقَى عليه] (٢٠). فصل (٢١): وأما الخُنْثَى المُشْكِلُ فإنَّ عَوْرتَه كعَوْرةِ الرَّجُلِ، كذلك. وإنَّما

стр. 840

وجب عليه سترُ فَرْجَيْه لأنَّ أحدَهما فرجٌ حقيقىٌّ يجبُ سَتْرُه، ولا يتحقَّقُ سَتْرُه إلَّا بِسَتْرِهما، فوجب عليه ذلك، كما يجب سَتْرُ ما قَرُب من العورةِ ضَرُورةَ سَتْرِها. فصل: إذا تَلَبَّسَتِ الأمةُ بالصلَاةِ مكشوفَةَ الرَّأْسِ، فعُتِقَتْ في أثنائِهَا، فهى كالعُريَانِ يَجِدُ السُّتْرَةَ في أثْناءِ (٢٢) صلَاتِه، إنْ أمْكنَهَا أو أمكنَهُ السُّتْرَة، مِنْ غَيْرِ زمنٍ طوِيلٍ ولا عَمَلٍ كثِيرٍ، سَتَرَ، وبَنَى على ما مَضَى مِن الصَّلاةِ، كأهْلِ قُبَاءَ لمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ استدارُوا إليها [وأتَمُّوا صلاتَهم] (٢٣). وإنْ لم يُمْكِن السَّيْرُ إلَّا بِعَمَلٍ كثِيرٍ، أو زمنٍ طويلٍ، بَطَلَتِ الصلاةُ، إذْ لا يُمْكِنُ المُضِىُّ فيها [إلَّا بما يُنافيها مِن العملِ الكثير، أو فِعْلِها بدون شَرْطِها] (٢٤) والمَرْجِعُ في [الزَّمنِ الطويلِ، والعملِ] (٢٥) الكَثِيرِ إلى العُرْفِ [لأنَّ التَّقْديرَ إنَّما يُصار فيه إلى التَّوْقيفِ، ولا تَوْقيفَ فيه] (٢٦). وذكرَ القاضي فيمَنْ وجدتْ [السُّتْرةَ احْتمالًا، فإنَّ صلاتَها لا تبْطُل بانْتظارِه، وإن طال؛ لأنَّه انْتظارٌ واحدٌ. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّها ظلَّتْ في زمنٍ طويلٍ عاريةً، مع إمْكانِ السَّتْرِ، فلم تَصِحَّ صلاتُها، كالصلاةِ كلِّها. وما ذكروه يبْطُل بما إذا أتمَّتْ صلاتَها حال انتظارِها، أو انْتَظرتْ مَن يأْتِى فيُناولُها، وقياسُ الكثِيرِ على القليل، والطَّويلِ على اليَسيرِ فاسدٌ، لما ثبت في الشَّرْعِ من العَفْوِ عن اليَسيرِ في مَواضعَ كثيرةٍ دون الكثيرِ، ولأنَّ التَّستُّرَ لا يُمْكن التَّحَرُّز منه، بخلافِ الكثيرِ] (٢٧). فإنْ لم تَعْلَمْ بِالعِتْقِ حتى أتَمَّتْ صلاتها، لم تَصِحَّ؛ لأنَّها صَلَّتْ

стр. 841

[عاريَةً جَهْلًا] (٢٨) بوُجُوبِ السَّتْرِ، فلم تَصِحَّ، كما لو عَلِمَت العِتْقَ وجهِلَت الحُكْمَ. وإنْ عتَقَتْ ولم تَجِدْ ما تَسْتَتِرُ به، صَحَّتْ صلاتُها؛ لأنَّها لا تَزِيدُ على الحُرَّةِ الأصلِيَّةِ العاجزَةِ عن الاسْتِتَارِ. ١٩٩ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ لِأُمِّ الوَلَدِ أَنْ تُغَطِّىَ رَأْسَهَا فِي الصَّلَاةِ) وَجُمْلةُ ذلكَ، أنَّ أُمَّ الولدِ كالأمَةِ في صلاتِهَا وسُتْرَتِهَا، [صرَّحَ بها الْخِرَقِىُّ في عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأوْلادِ، فقال: وإنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرأسِ كُرِهَ لها ذلكَ وأجْزَأَهَا] (١) وممَّنْ لم يُوجِبْ عليها تَغْطِيَةَ رأسِها النَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وقدْ نقلَ الأثْرَمُ عنْ أحمدَ، أنَّه سَأَلَه، كيف تُصَلِّى أُمُّ الوَلَدِ؟ قال: تُغَطِّى شَعْرَها وقدمَها؛ لِأنَّها لا تُبَاعُ، وهى تُصَلِّى كما تُصَلِّى الحُرَّةُ. فهذا يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ على الاسْتِحْبَابِ، فَيكونُ (٢) كما ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَجْرِىَ على ظَاهِرِه في الوُجوبِ؛ لأنَّها لا تُبَاعُ، ولا يُنْقَلُ المِلْكُ فيها، فأشْبَهَتِ الحُرَّةَ، [ولأنَّه قد] (٣) انْعَقَدَ سَبَبُ حُرِّيَتِها [انْعِقَادًا مُتأكِّدًا] (٤) لا يُمْكِنُ إبْطَالهُ، فَغَلَبَ فيها حُكْمُ الحُرِّيَّةِ في العبادَةِ، [واحْتياطًا لها. ولَنَا أنَّها أمَةٌ] (٥)، حُكْمُها حُكْمُ الإِماءِ، إلَّا في أنَّها لا لا يُنْقَلُ المِلْكُ فيها، (٦) فأشْبَهتِ المَوْقُوفةَ، وانْعِقادُ سببِ الحُكْمِ لا يَثْبِتُه بدون شَرْطِه، كالكتابةِ والتَّدْبيرِ، ولذلك لم تثْبُتِ الحُرِّيَّةُ، ولم يَحْرُمْ وَطْؤها على سيِّدها،

стр. 842

ولا يثْبُتُ في حقِّها شىءٌ من أحكامِ الحرائِرِ، إلَّا في نقل المِلْكِ خاصَّةً، لكنْ يُسْتحَبُّ لها سَتْرُ رأْسِها، لتخرُج من الخلافِ، وتأخُذَ بالاحْتياط. ٢٠٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ذَكَرَ أنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً وَهُوَ فِي أُخْرَى، أَتَمَّهَا، وقَضَى المَذْكُورَةَ، وَأَعَادَ الَّتِى كَانَ فِيهَا إذَا كَانَ الوَقْتُ مُبْقًى) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّرْتِيبَ واجبٌ في قضاءِ الفَوَائِتِ. نَصَّ عليهِ أحمدُ (١) في مَواضِعَ، [قال، في رِوَايَةِ أبي داوُدَ، فيمَنْ ترَكَ صلاةَ سَنَةٍ: يُصَلِّيهَا، ويُعِيدُ كُلَّ صلاةٍ صَلَّاهَا وهو ذاكِرٌ لمَا تركَ مِن الصَّلاةِ] (٢). [وقدْ رُوِىَ عن] (٣) ابْنِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، ما يَدُلُّ على وُجوبِ التَّرْتِيبِ، ونَحْوُه عَنِ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِىِّ، ورَبِيعَة، ويَحْيَى الأنصارِيِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وأبى حنيفةَ، وإسحاقَ. وقالَ الشافعيُّ: لا يجِبُ؛ [لأنَّ قضاءَ الفريضةِ فائِتةٌ، فلا يجبُ التَّرتيبُ فيه، كالصِّيام] (٤). ولَنا، [ما رُوِىَ] (٥): أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَاتَهُ [يومَ الخَنْدَقِ] (٥) أرْبَعُ صلواتٍ، فَقَضَاهُنَّ مُرَتَّباتٍ. وقال (٦): "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى (٧) ". ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٨)، بإسْنَادِهِ، عن أبي جُمُعَة حَبِيب بن سِبَاع، وكان قد أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ قال: إنَّ النبيَّ ﷺ عامَ

стр. 843

الأحزابِ صَلَّى المغْرِبَ، فلَمَّا فَرَغَ قال: "هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّى صَلَّيْتُ العَصْرَ؟ " فقالُوا: يا رسُولَ اللهِ ما صلَّيْتَها. فأَمَرَ المُؤَذِّنَ فأقامَ الصلاةَ، فصلَّى العصرَ، ثم أعادَ المغرِبَ. [وهذا يدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الترْتِيبِ] (٩). ورَوَى (١٠) نَافِعٌ، عنِ ابْنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنْ نَسِىَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامَ فَلْيُصَلِّ مَعَ الإِمَامَ، فَإِذَا فَرَغَ مِن صَلَاتِهِ (١١) فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِى نَسِىَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَّاةَ الَّتِى صَلَّاهَا مَعَ الإِمَامِ". [روَاه أبو يَعْلَى المَوْصِلِىُّ، في "مُسْنَده"، بإسْنادٍ حسنٍ] (٩). وَرُوِىَ مَوْقُوفًا عن ابْنِ عمر. ولأنَّهما صلاتَانِ مُؤَقَّتَتَانِ، فوجبَ تَرْتِيبُهما (١٢) كالمَجْمُوعَتَيْنِ. إذا ثبَتَ هذَا، فإنَّه يَجِبُ التَّرْتِيبُ فيها وإنْ كثُرَتْ (١٣)، نَصَّ عليهِ أحمدُ، [قال، في رواية أبي داود، في مَن ترك صلاةَ سَنَةٍ: يُصلِّيها، ويعيدُ كلَّ صلاةٍ صلَّاها وهو ذاكِرٌ لِمَا تَرَكَ] (١٤). وقال مالكٌ، وأبو حنيفَة: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي أَكْثَرَ مِنْ صلاةِ يومٍ ولَيْلَةٍ؛ لأنَّ اعْتِبَارَهُ فيما زادَ [على ذلكَ] (١٥) يَشُقُّ، ويُفْضِى إلى الدُّخُولِ في التَّكْرَارِ، فسقَطَ، كالتَّرْتِيب فِي قَضَاءِ صِيَامِ (١٥) رَمَضَانَ. ولَنا، أنَّها صَلَواتٌ واجِبَاتٌ، تُفْعَلُ في وقتٍ يَتَّسِعُ لها، فوجبَ فيها التَّرْتِيبُ كالخَمْسِ، وإفْضَاؤُه إلى التَّكْرَارِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ، كتَرْتِيبِ الرُّكوعِ على السُّجودِ،

стр. 844

وهذا التَّرْتِيبُ شرطٌ في الصلاةِ، فلو أخَلَّ بِه لم تصِحَّ صلاتُه، بدلِيلِ ما ذَكَرْنَاه من حديثِ أبي جُمُعَةَ، وحديثِ ابْنِ عمرَ، ولأَنَّهُ تَرْتِيبٌ واجبٌ في الصلاةِ، فكانَ شرطًا لصِحَّتِهَا (١٥)، [كالتَّرْتِيبِ في] (١٦) المَجْمُوعَتَيْنِ، والرُّكوعِ والسُّجود. إذا ثَبَتَ هذا عُدْنَا إلى مَسْأَلَةِ الكِتَابِ، وهى إذا أحْرَمَ بالحَاضِرةِ، ثم ذَكَرَ في أثنائهَا أنَّ عليهِ فَائِتةً، والوَقْتُ مُتَّسِعٌ، فإنه يُتِمُّهَا، ويَقْضِى الفائتَةَ، ثم يُعِيدُ الصلاةَ التي كان فيها، سواءٌ كانَ إمامًا أو مَأْمُومًا أو مُنْفَرِدًا. هذا ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ وأبى بكرٍ، وهو قولُ ابْنِ عمر، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وإسحاقَ، في المَأْمُوم. وهو الذي نَقَلَهُ الجماعةُ عن أحمدَ في المأْموم، ونَقَلَ عنهُ جماعةٌ في المُنْفَرِدِ، أنَّه يَقْطَعُ الصلاةَ ويَقضِى الفائتَةَ. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، وَرَبِيعَة، ويحيى الأَنْصَارِىِّ في المُنْفَرِدِ [دون غيرِه] (١٧)، (١٨) ونُقِل عن أحمدَ في المُنْفَرِد، أنَّه يُتِمُّ الصلاةَ، وفى المَأْمومِ أنَّه يقْطعُ الصلاةَ. ونقَل حَرْبٌ في الإِمامِ، أنَّه ينْصرفُ، ويسْتأنِفُ المَأْمُومون. فكان في الجميعِ روايتان؛ إحداهما، يقْطَعُها ويقْضِى الفائِتَةَ. والأخْرَى، يُتِمُّها ويُعِيدُ الفائِتَةَ، ثم يُعيدُ التي كان فيها. وقال طاوُس، والحسن، والشَّافِعىُّ، وأبو ثَوْر: يُتِمُّ صلاتَه، ويقْضِى الفائِتَةَ لا

стр. 845

غيرُ. وهذا مَبْنِىٌّ على الخلافِ في وُجوب التَّرْتيبِ، وقد مضَى ذِكْرُه. ويدُلُّ لنا على وُجوب الإِعادةِ، حديثُ أبى جُمُعةَ، وحديثُ ابنِ عمر، والعباس (١٩) الذي تقدَّم. والأوْلَى أنْ يُتِمَّ الصلاةَ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢٠). وللخَبَريْن. قال أبو حفص العُكْبَرِىُّ: يتعيَّن حَمْلُ حديثِ أبى جُمُعةَ على أنَّه ذكَر الفائتةَ في الصلاة، فإنَّه لو نَسِيَها حتى يفرُغَ مِن الصلاة لم يجبْ قضاؤُّها. قال أبو بكر: لا يخْتلفُ كلامُ أحمدَ، أَنَّه إذا كان مع الإِمامِ، أنه يمْضِى، ويُعيدُهما جميعًا. واخْتَلَفَ قولُه فيما (٢١) إذا كانَ وَحْدَهُ، قالَ (٢٢): والذي أقولُ، إنه يَمْضِى، لأنه يَشْنُعُ أنْ يَقْطَعَ ما دَخَلَ فيهِ قبلَ [أنْ يُتِمَّهُ] (٢٢)، فإنْ مَضَى الإِمامُ في صلاتِهِ بعدَ ذكرِهِ، [فهل تصِحُّ صلاةُ المَأْمُومِينِ؟ فيه وجهان، انْبَنَى] (٢٣) على ائْتِمَامِ المُفْتَرِض بالمُتنَفِّلِ، والأَوْلَى أنَّه يَصِحُّ؛ لما سنَذْكُرُهُ فيما بعدُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. [وإن انْصَرَف، فالمَنْصُوصُ أنَّ المَأْمُومِين يسْتأْنِفُونَ صلاتهم، ويتخرَّج أنَّهم يُتمُّون صلاتَهم، ويبْنُون عليها، كما لو يسبقُه الحَدَثُ، كلُّ مَوْضعٍ له قُلْنا: يمْضِى في صلاتِه. فهو على سبيلِ الاسْتحْبابِ، وليس بواجبٍ؛ لأنَّها صلاةٌ لا يُعْتَدُّ بها، فلم يجب المُضِىُّ فيها] (٢٤). قالَ مُهَنَّا: قُلْتُ لأحمدَ، إنِّي كُنْتُ في صلاةِ العَتَمَةِ، فذكَرْتُ أنِّى لم أَكُنْ صَلَّيْتُ المغرِبَ، فَصَلَّيْتُ العَتَمَةَ، ثم صَلَّيْتُ (٢٥) المغرِبَ والعَتَمَةَ؟ قال: أصَبْتَ. فَقُلْتُ: أليس كان يَنْبَغِى أن أَخْرُجَ حين
следующие страницы →