← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

[عاريَةً جَهْلًا] (٢٨) بوُجُوبِ السَّتْرِ، فلم تَصِحَّ، كما لو عَلِمَت العِتْقَ وجهِلَت الحُكْمَ. وإنْ عتَقَتْ ولم تَجِدْ ما تَسْتَتِرُ به، صَحَّتْ صلاتُها؛ لأنَّها لا تَزِيدُ على الحُرَّةِ الأصلِيَّةِ العاجزَةِ عن الاسْتِتَارِ. ١٩٩ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ لِأُمِّ الوَلَدِ أَنْ تُغَطِّىَ رَأْسَهَا فِي الصَّلَاةِ) وَجُمْلةُ ذلكَ، أنَّ أُمَّ الولدِ كالأمَةِ في صلاتِهَا وسُتْرَتِهَا، [صرَّحَ بها الْخِرَقِىُّ في عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأوْلادِ، فقال: وإنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرأسِ كُرِهَ لها ذلكَ وأجْزَأَهَا] (١) وممَّنْ لم يُوجِبْ عليها تَغْطِيَةَ رأسِها النَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وقدْ نقلَ الأثْرَمُ عنْ أحمدَ، أنَّه سَأَلَه، كيف تُصَلِّى أُمُّ الوَلَدِ؟ قال: تُغَطِّى شَعْرَها وقدمَها؛ لِأنَّها لا تُبَاعُ، وهى تُصَلِّى كما تُصَلِّى الحُرَّةُ. فهذا يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ على الاسْتِحْبَابِ، فَيكونُ (٢) كما ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَجْرِىَ على ظَاهِرِه في الوُجوبِ؛ لأنَّها لا تُبَاعُ، ولا يُنْقَلُ المِلْكُ فيها، فأشْبَهَتِ الحُرَّةَ، [ولأنَّه قد] (٣) انْعَقَدَ سَبَبُ حُرِّيَتِها [انْعِقَادًا مُتأكِّدًا] (٤) لا يُمْكِنُ إبْطَالهُ، فَغَلَبَ فيها حُكْمُ الحُرِّيَّةِ في العبادَةِ، [واحْتياطًا لها. ولَنَا أنَّها أمَةٌ] (٥)، حُكْمُها حُكْمُ الإِماءِ، إلَّا في أنَّها لا لا يُنْقَلُ المِلْكُ فيها، (٦) فأشْبَهتِ المَوْقُوفةَ، وانْعِقادُ سببِ الحُكْمِ لا يَثْبِتُه بدون شَرْطِه، كالكتابةِ والتَّدْبيرِ، ولذلك لم تثْبُتِ الحُرِّيَّةُ، ولم يَحْرُمْ وَطْؤها على سيِّدها،

стр. 842

ولا يثْبُتُ في حقِّها شىءٌ من أحكامِ الحرائِرِ، إلَّا في نقل المِلْكِ خاصَّةً، لكنْ يُسْتحَبُّ لها سَتْرُ رأْسِها، لتخرُج من الخلافِ، وتأخُذَ بالاحْتياط. ٢٠٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ذَكَرَ أنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً وَهُوَ فِي أُخْرَى، أَتَمَّهَا، وقَضَى المَذْكُورَةَ، وَأَعَادَ الَّتِى كَانَ فِيهَا إذَا كَانَ الوَقْتُ مُبْقًى) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّرْتِيبَ واجبٌ في قضاءِ الفَوَائِتِ. نَصَّ عليهِ أحمدُ (١) في مَواضِعَ، [قال، في رِوَايَةِ أبي داوُدَ، فيمَنْ ترَكَ صلاةَ سَنَةٍ: يُصَلِّيهَا، ويُعِيدُ كُلَّ صلاةٍ صَلَّاهَا وهو ذاكِرٌ لمَا تركَ مِن الصَّلاةِ] (٢). [وقدْ رُوِىَ عن] (٣) ابْنِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، ما يَدُلُّ على وُجوبِ التَّرْتِيبِ، ونَحْوُه عَنِ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِىِّ، ورَبِيعَة، ويَحْيَى الأنصارِيِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وأبى حنيفةَ، وإسحاقَ. وقالَ الشافعيُّ: لا يجِبُ؛ [لأنَّ قضاءَ الفريضةِ فائِتةٌ، فلا يجبُ التَّرتيبُ فيه، كالصِّيام] (٤). ولَنا، [ما رُوِىَ] (٥): أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَاتَهُ [يومَ الخَنْدَقِ] (٥) أرْبَعُ صلواتٍ، فَقَضَاهُنَّ مُرَتَّباتٍ. وقال (٦): "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى (٧) ". ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٨)، بإسْنَادِهِ، عن أبي جُمُعَة حَبِيب بن سِبَاع، وكان قد أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ قال: إنَّ النبيَّ ﷺ عامَ

стр. 843

الأحزابِ صَلَّى المغْرِبَ، فلَمَّا فَرَغَ قال: "هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّى صَلَّيْتُ العَصْرَ؟ " فقالُوا: يا رسُولَ اللهِ ما صلَّيْتَها. فأَمَرَ المُؤَذِّنَ فأقامَ الصلاةَ، فصلَّى العصرَ، ثم أعادَ المغرِبَ. [وهذا يدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الترْتِيبِ] (٩). ورَوَى (١٠) نَافِعٌ، عنِ ابْنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنْ نَسِىَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامَ فَلْيُصَلِّ مَعَ الإِمَامَ، فَإِذَا فَرَغَ مِن صَلَاتِهِ (١١) فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِى نَسِىَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَّاةَ الَّتِى صَلَّاهَا مَعَ الإِمَامِ". [روَاه أبو يَعْلَى المَوْصِلِىُّ، في "مُسْنَده"، بإسْنادٍ حسنٍ] (٩). وَرُوِىَ مَوْقُوفًا عن ابْنِ عمر. ولأنَّهما صلاتَانِ مُؤَقَّتَتَانِ، فوجبَ تَرْتِيبُهما (١٢) كالمَجْمُوعَتَيْنِ. إذا ثبَتَ هذَا، فإنَّه يَجِبُ التَّرْتِيبُ فيها وإنْ كثُرَتْ (١٣)، نَصَّ عليهِ أحمدُ، [قال، في رواية أبي داود، في مَن ترك صلاةَ سَنَةٍ: يُصلِّيها، ويعيدُ كلَّ صلاةٍ صلَّاها وهو ذاكِرٌ لِمَا تَرَكَ] (١٤). وقال مالكٌ، وأبو حنيفَة: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي أَكْثَرَ مِنْ صلاةِ يومٍ ولَيْلَةٍ؛ لأنَّ اعْتِبَارَهُ فيما زادَ [على ذلكَ] (١٥) يَشُقُّ، ويُفْضِى إلى الدُّخُولِ في التَّكْرَارِ، فسقَطَ، كالتَّرْتِيب فِي قَضَاءِ صِيَامِ (١٥) رَمَضَانَ. ولَنا، أنَّها صَلَواتٌ واجِبَاتٌ، تُفْعَلُ في وقتٍ يَتَّسِعُ لها، فوجبَ فيها التَّرْتِيبُ كالخَمْسِ، وإفْضَاؤُه إلى التَّكْرَارِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ، كتَرْتِيبِ الرُّكوعِ على السُّجودِ،

стр. 844

وهذا التَّرْتِيبُ شرطٌ في الصلاةِ، فلو أخَلَّ بِه لم تصِحَّ صلاتُه، بدلِيلِ ما ذَكَرْنَاه من حديثِ أبي جُمُعَةَ، وحديثِ ابْنِ عمرَ، ولأَنَّهُ تَرْتِيبٌ واجبٌ في الصلاةِ، فكانَ شرطًا لصِحَّتِهَا (١٥)، [كالتَّرْتِيبِ في] (١٦) المَجْمُوعَتَيْنِ، والرُّكوعِ والسُّجود. إذا ثَبَتَ هذا عُدْنَا إلى مَسْأَلَةِ الكِتَابِ، وهى إذا أحْرَمَ بالحَاضِرةِ، ثم ذَكَرَ في أثنائهَا أنَّ عليهِ فَائِتةً، والوَقْتُ مُتَّسِعٌ، فإنه يُتِمُّهَا، ويَقْضِى الفائتَةَ، ثم يُعِيدُ الصلاةَ التي كان فيها، سواءٌ كانَ إمامًا أو مَأْمُومًا أو مُنْفَرِدًا. هذا ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ وأبى بكرٍ، وهو قولُ ابْنِ عمر، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وإسحاقَ، في المَأْمُوم. وهو الذي نَقَلَهُ الجماعةُ عن أحمدَ في المأْموم، ونَقَلَ عنهُ جماعةٌ في المُنْفَرِدِ، أنَّه يَقْطَعُ الصلاةَ ويَقضِى الفائتَةَ. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، وَرَبِيعَة، ويحيى الأَنْصَارِىِّ في المُنْفَرِدِ [دون غيرِه] (١٧)، (١٨) ونُقِل عن أحمدَ في المُنْفَرِد، أنَّه يُتِمُّ الصلاةَ، وفى المَأْمومِ أنَّه يقْطعُ الصلاةَ. ونقَل حَرْبٌ في الإِمامِ، أنَّه ينْصرفُ، ويسْتأنِفُ المَأْمُومون. فكان في الجميعِ روايتان؛ إحداهما، يقْطَعُها ويقْضِى الفائِتَةَ. والأخْرَى، يُتِمُّها ويُعِيدُ الفائِتَةَ، ثم يُعيدُ التي كان فيها. وقال طاوُس، والحسن، والشَّافِعىُّ، وأبو ثَوْر: يُتِمُّ صلاتَه، ويقْضِى الفائِتَةَ لا

стр. 845

غيرُ. وهذا مَبْنِىٌّ على الخلافِ في وُجوب التَّرْتيبِ، وقد مضَى ذِكْرُه. ويدُلُّ لنا على وُجوب الإِعادةِ، حديثُ أبى جُمُعةَ، وحديثُ ابنِ عمر، والعباس (١٩) الذي تقدَّم. والأوْلَى أنْ يُتِمَّ الصلاةَ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢٠). وللخَبَريْن. قال أبو حفص العُكْبَرِىُّ: يتعيَّن حَمْلُ حديثِ أبى جُمُعةَ على أنَّه ذكَر الفائتةَ في الصلاة، فإنَّه لو نَسِيَها حتى يفرُغَ مِن الصلاة لم يجبْ قضاؤُّها. قال أبو بكر: لا يخْتلفُ كلامُ أحمدَ، أَنَّه إذا كان مع الإِمامِ، أنه يمْضِى، ويُعيدُهما جميعًا. واخْتَلَفَ قولُه فيما (٢١) إذا كانَ وَحْدَهُ، قالَ (٢٢): والذي أقولُ، إنه يَمْضِى، لأنه يَشْنُعُ أنْ يَقْطَعَ ما دَخَلَ فيهِ قبلَ [أنْ يُتِمَّهُ] (٢٢)، فإنْ مَضَى الإِمامُ في صلاتِهِ بعدَ ذكرِهِ، [فهل تصِحُّ صلاةُ المَأْمُومِينِ؟ فيه وجهان، انْبَنَى] (٢٣) على ائْتِمَامِ المُفْتَرِض بالمُتنَفِّلِ، والأَوْلَى أنَّه يَصِحُّ؛ لما سنَذْكُرُهُ فيما بعدُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. [وإن انْصَرَف، فالمَنْصُوصُ أنَّ المَأْمُومِين يسْتأْنِفُونَ صلاتهم، ويتخرَّج أنَّهم يُتمُّون صلاتَهم، ويبْنُون عليها، كما لو يسبقُه الحَدَثُ، كلُّ مَوْضعٍ له قُلْنا: يمْضِى في صلاتِه. فهو على سبيلِ الاسْتحْبابِ، وليس بواجبٍ؛ لأنَّها صلاةٌ لا يُعْتَدُّ بها، فلم يجب المُضِىُّ فيها] (٢٤). قالَ مُهَنَّا: قُلْتُ لأحمدَ، إنِّي كُنْتُ في صلاةِ العَتَمَةِ، فذكَرْتُ أنِّى لم أَكُنْ صَلَّيْتُ المغرِبَ، فَصَلَّيْتُ العَتَمَةَ، ثم صَلَّيْتُ (٢٥) المغرِبَ والعَتَمَةَ؟ قال: أصَبْتَ. فَقُلْتُ: أليس كان يَنْبَغِى أن أَخْرُجَ حين

стр. 846

ذكَرْتُها؟ قال: بَلَى. قُلْتُ: فكيفَ أَصَبْتُ؟ قالَ: كُلُّ ذلك (٢٦) جائزٌ. فصل: وقولُ الخِرَقِىِّ: "ومن ذكَرَ صلاةً وَهُوَ في أخْرَى" يَدُلُّ على أنَّه متى صَلَّى ناسِيًا للْفَائِتَةِ [ولم يذْكُرْها حتى فَرَغَ، فصلاته صحيحةٌ، ليس عليه إعادَتُها] (٢٧). وقد نَصَّ أحمدُ على هذا في رِوَايَةِ الجماعةِ، قال: متى ذَكَرَ الفائِتَةَ وقد سَلَّمَ، أجْزأتْه، ويقْضِى الفائتَةَ. وقال مالِكٌ: يَجِبُ التَّرْتِيبُ مع النِّسْيَانِ. [وحديثُ أبي جُمُعةَ يدُلُّ عليه، وكذلك القياسُ على المَجْموعتَيْنِ، ولأنَّه ترتيبٌ يُشْتَرَطُ مع الذِّكْرِ، فلم يسْقُطْ بالنِّسْيانِ، كترتيبِ الطهارة، كالرُّكوعِ والسُّجودِ] (٢٨). ولَنا، عُمُومُ قولِهِ ﷺ : "عُفِىَ لِأُمَّتِى عَنِ الخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ (٢٩) ". ولأنَّ المَنْسِيَّةَ ليس عليها أمارَةٌ، فجَازَ أنْ يُؤَثِّرَ فيها النِّسْيانُ، كالصِّيامِ. وأمَّا حديثُ أبى جمعة، فإنَّهُ مِن رِوَايَةِ ابنِ لَهِيعةَ، وفيه ضَعْفٌ ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكَرَهَا وهو في الصَّلاةِ. وأما المَجْمُوعَتَانِ [فلا يُعْذَرُ بالنِّسْيانِ فيهما؛ فإنَّ النِّسْيانَ لا يتحقَّقُ، لأنَّه لا بُدَّ مِن نِيَّةِ الجَمْعِ بينهما، فلا يُمْكِنُ ذلك مع نِسْيانِ أحدِهما، ولأنَّ اجْتماعَ الجماعةِ يمْنَعُ النِّسْيانَ، إذْ لا يكادُ الجماعةُ كلُّهم ينْسُونَ الأُولَى] (٣٠)، ولا فَرْقَ بين أَنْ يكونَ قد سَبَقَ منهُ ذِكْرُ الفَائِتَةِ أو لَمْ يَسْبِقْ منه لها ذكرٌ، نَصَّ عليهِ أحمدُ؛ لِعُمُومِ ما ذكرنَاهُ منَ الدَّليِل، واللهُ أَعلَمُ. ٢٠١ - مسألة؛ قال: ([فَإِنْ خشِىَ فَوَاتَ] (١) الوَقْتِ اعْتَقَدَ وَهُوَ فِيهَا أنْ لَا يُعِيدَهَا، وقَدْ أجْزَأَتْهُ، [ويَقْضِي الَّتِى عَلَيْهِ] (٢)) يَعْنِى إذا خَشِىَ فواتَ الوقتِ، قبلَ قَضَاءِ الفائِتَةِ، وإعادَةِ التي هو فيها، سَقَطَ

стр. 847

عنهُ التَّرْتِيبُ حينَئِذٍ، ويُتِمَّ صلاتَه، ويَقْضِى الفائِتَةَ حَسْبُ. وقولُهُ: "اعْتَقَدَ أن لا يُعِيدَهَا". يعنِى لا يُغَيِّر نِيَّتَهُ عن الفَرْضِيَّةِ، ولا يَعْتَقِدُ أنه يُعِيدُهَا، هذا هو الصحيحُ في المذهبِ، وكذلك لو لم يَكُنْ دَخَلَ فيها، لكنْ لَمْ يَبْقَ مِن وقْتِها قدرُ مَا (٣) يُصَلِّيهما جميعًا فيه، فإِنَّه يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ، ويُقَدِّم الحاضِرَةَ، [ولا يحْتاجُ إلى إعادتِها] (٤) وهو قوْلُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، والأوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخرَى، أنَّ الترْتِيبَ واجِبٌ مع سَعَةِ الوقتِ وضِيقِه. اخْتَارَهَا الخَلَّالُ. وهو مَذْهَبُ عَطاءٍ، والزُهْرِىِّ، وَاللَّيْثِ، ومالكٍ. ولا فَرْقَ بين أنْ تكونَ الحَاضِرَةُ جُمُعةً أوْ غيرَها. قال أبو حَفْصٍ: هذه الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ ما نَقَلَهُ الجماعةُ، فإمَّا أنْ يكونَ غَلَطًا في النَّقْلِ، وإمَّا أنْ يكونَ قولًا قديمًا لأبِى عبدِ اللهِ. وقال القاضي: وعندِى أنَّ المسأَلَةَ روَايَةٌ واحِدَةٌ، أنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ، لأنَّه قال، في روَايَةِ مُهَنَّا، في رَجُلٍ نَسِىَ صلَاةً وهو في المسجِدِ يومَ الجُمُعَةِ عند حُضُورِ الجُمُعَةِ: يَبْدَأُ بِالجُمُعَةِ، هذه يُخَافُ فَوْتُهَا. فَقِيل له: كُنْتُ أحْفَظُ عَنْكَ [أنَّك تقولُ] (٥) إذَا صَلَّى وهو ذَاكِرٌ لصلاةٍ فَائِتَةٍ أنَّه يُعِيدُ هذهِ وهذِه. فقال: كُنْتُ أقولُ هذا. فَظَاهِرُ هذا أَنَّهُ رَجَعَ [عن قَوْلِهِ الأوَّل] (٦). وفيه (٧) رِوايَةٌ ثَالِثَةٌ، إنْ كانَ وقتُ الحاضِرَةِ يَتَّسِعُ لِقَضَاءِ الفَوَائِتِ كلِّها (٨) وجب التَّرْتِيبُ، وإنْ كانَ لا يَتَّسِعُ لذلك (٨) سَقَطَ التَّرْتِيبُ في أول وقتِهَا. نَقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ في مَن يَقْضِى صلواتٍ فَوَائِتَ، فَتَحْضُرُ صلاةٌ، أَيُؤَخِّرُهَا إلى آخِرِ (٨) الوَقْتِ، فإذا

стр. 848

صلَّاهَا يُعِيدُهَا؟ فقال: لا، بَلْ يُصَلِّيهَا في الجماعةِ إذا حضرَتْ، إذا كان لا يطْمَعُ أنْ يَقْضِىَ الفَوَائِتَ كُلَّهَا إلى آخِرِ وقتِ هذهِ الصلاةِ التي حَضَرَتْ، فإنْ طَمِعَ في ذلكَ قَضَى الفَوَائِتَ، ما لم يَخْشَ فوتَ وَقْتِ (٨) هذهِ الصلاةِ، ولا قَضَاءَ عليهِ إذا صَلَّى مَرَّةً. [وهذهِ الرِّوَايَةُ] (٩) اخْتِيَارُ أبي حَفْصٍ [العُكْبَرِىِّ. وَعَلَّلَ القاضِى هذِهِ الرِّوَايَةَ بأنَّ] (١٠) الوقتَ لا يَتَّسِعُ لقَضَاءِ [ما في] (١١) الذِّمَّةِ، وفعْلِ الحَاضِرَةِ، فسَقَطَ التَّرْتِيبُ، [لو فاتَتْه صلاةٌ وقد بَقِىَ من وقتِ الأُخْرَى قَدْرُ خمسِ ركعاتٍ، ولأنَّه لا بُدَّ مِن فِعْلِ الحاضِرَةِ قبلَ قضاءِ بعض الفوائِتِ، فجاز فِعْلُها في أوَّلِ وَقْتِها، ولأنَّ تأْخِيرَها إلى آخرِ وَقْتِها يُخِلُّ بفضيلةِ أوَّل الوقْتِ والجماعةِ، وفيه مَشَقَّةٌ، فإنَّه يتعذَّر مَعْرفةُ آخرِ الوقتِ في حقِّ أكْثرِ النَّاسِ] (١٢). [وقال ابن عَقِيل] (١٣): في تَقْدِيمِ الجماعةِ على الترتِيبِ روايتان (١٤)، ولعلَّهُ أشَارَ إلى هذِهِ الرِّوَايَةِ. [واحْتَّجَّ مَن ذهب إلى وُجوبِ التَّرْتيبِ مع ضِيقِ الوقتِ بعُمومِ قولهِ ﷺ : ] (١٥) "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّها إذَا (١٦) ذَكَرَهَا" (١٧)

стр. 849

و [هذا عامٌّ في حالِ ضِيقِ الوقتِ وسَعَتِهِ] (١٨)، ولأَنَّهُ تَرْتِيبٌ مُسْتَحَقٌّ [فلم يسْقُطْ بضِيقِ الوَقْتِ] (١٩)، كتَرْتِيبِ الركوعِ والسجودِ والطَّهَارَةِ (٢٠). ولَنا، [أنَّ الحاضِرةَ] (٢١) صلاةٌ ضَاقَ وقتُها عن أكثَرَ منها، فلم يَجُزْ لَهُ (٢٢) تَأْخِيرُهَا، كما لو لم يكنْ عليهِ فائِتَةٌ. [ولأنَّ الصلاةَ رُكْنٌ من أرْكان الإِسلام، فلم يُجزْ تقْديمُ فائتةٍ على حاضرةٍ عند خَوْفِ فَوْتِه، كالصِّيامِ، يُحقِّقُه أنَّه لو أخَّرَ الحاضرَ صار فائِتًا، وربَّما كثُرت الفَوائِتُ فَيُفْضِى إلى أن لا يُصَلِّىَ صلاةً في وَقْتِها، ولا تلْزمُه عُقوبةُ تَرْكِها، ولا يُصلِّى جماعةً أصْلًا، وهذا لا يَرِدُ الشَّرْعُ به، وتعلُّقُهم بالأمْرِ بالقضاءِ مُعارَضٌ بالأمرِ بفِعْلِ الحاضرةِ، فلا بُدَّ من تقْديمِ إحداهما، والحاضرةُ آكدُ، بدليلِ أنَّه يُقْتَلُ بتَرْكِها، ويحرُم عليه تأخيرُها، والفائِتَةُ بخلافِه؛ فإنَّ النَّبِيِّ ﷺ لمَّا نام عن صلاةِ الفجرِ أخَّرَها شيئًا، وأمَرَهم فاقْتادُوا رَواحِلَهم حتى خرجوا من الوادى] (٢٣)، [وقولُهُ ﵇: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّهَا مَتَى ذَكَرَهَا] (٢٤) ". مخصُوصٌ

стр. 850

بما إذا [ذكرَ فَوائِتَ، فإنَّ ما سوى الأُولَى لا يفْعَلُها حتى يفْعَلَ الأُولَى، فنَقِيسَ عليه] (٢٥). فإنْ قِيلَ: فقد قالَ النَّبِىُّ ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ". قُلْنَا: هذَا الحديثُ لا أصْلَ له. قالَ إبراهيمُ الحَرْبِىُّ: قِيلَ لِأحمدَ: حديثُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ". فقال: لا أَعْرِفُ هذا اللَّفْظَ. قالَ إبراهِيمُ: وَلا سمعتُ بهذا عن النبيِّ ﷺ . فعلى هذه الرِّوَايَةِ، يَبْدَأُ فَيَقْضِى الفَوَائِتَ على التَّرْتِيبِ، حتى إذا خَافَ فَوْتَ الحَاضِرَةِ صلَّاهَا، ثم عادَ إلى قَضَاءِ الفوائِتِ. نَصَّ أحمدُ على هذا. فإنْ حَضَرَتْ جماعةٌ في صلاةِ الحاضِرَةِ، فقالَ أحمدُ، في رِوَايَةِ أبي داوُدَ، في مَن عليهِ صَلَواتٌ فائتَةٌ فأدْرَكَتْهُ الظهرُ، ولم يَفْرُغْ مِن الصَّلَواتِ: يُصَلِّى مع الإِمَامِ الظهرَ وَيَحْسُبُها مِن الفوائِتِ، ويُصَلِّى الظهرَ في آخِرِ الوقتِ، [ولا يُصَلِّى مكْتوبةً إلَّا في آخِرِ وَقْتِها حتى يقْضِىَ الذي عليه من الصَّلواتِ، فإنْ حضرتِ الجماعةُ في صلاةِ الظُّهْرِ وعليه عَصْرٌ، فهل يجوزُ أنْ يُصَلِّىَ العصرَ الفائتةَ مع الجماعة الذين يصلُّون الظُّهْرَ؟ على روايتَيْن. وذكر ابنُ عَقِيلٍ] (٢٦) في مَن عليه فائِتَةٌ، وخَشِىَ فَواتَ الجماعةِ، رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهما، يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ لأنَّه اجْتَمَعَ وَاجِبَانِ، [التَّرْتِيبُ وَالجَمَاعَةُ] (٢٧)، ولا بُدَّ مِنْ تَفْوِيتِ أحَدِهما، فكان مُخَيَّرًا فيهما. [فأمَّا على الرِّوايةِ التي ذكرْناها، في جَوازِ تقْديمِ الحاضرةِ على الفَوائتِ، إذا كثُرتْ، في أوَّل وَقْتِها، فإنَّه يُصلِّى الحاضرةَ مع الجماعةِ متى حضرتْ، ولا يحتاجُ إلى إعادتِها. وهذا أحْسَنُ وأصحُّ، إنْ شاء اللَّه تعالى] (٢٨). (٢٩) والثَّانِيَةُ، لا يَسْقُطُ الترْتِيبُ؛ لأنَّهُ آكَدُ مِن الجَمَاعةِ بدَليلِ اشْتِرَاطِه

стр. 851

لصِحَّةِ الصلاةِ، بخلافِ الجماعةِ، وهذا ظَاهِرُ المذهبِ. فإنْ أَرَادَ أنْ يُصَلِّىَ العصرَ الفائِتَةَ خَلْفَ مَنْ يُؤَدِّى الظهْرَ، ابْتَنى ذلكَ على جَوَازِ ائْتِمَامِ مَنْ يُصَلِّى العصرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّى الظُّهْرَ. وفيه روَايَتَانِ، سَنَذْكُرُهُمَا إنْ شاءَ اللهُ تعالَى. قالَ أحمدُ، في مَن تَرَكَ صلاةَ سِنِينَ: يُعِيدُهَا، فإذا جاءَ وقتُ صلاةِ مكتُوبَةٍ صلَّاهَا، ويَجْعَلُهَا مِن الفوائِتِ التي يُعِيدها، ويُصَلِّى الظهرَ في آخِرِ الوقْتِ. وقال: ولا يُصَلِّى مَكْتُوَبةً إلَّا في آخِرِ وقتِها حتى يَقْضِى التي عليه مِن الصَّلَوَاتِ. فصل: إذا تَرَكَ ظهرًا وعصرًا مِن يَوْمَيْنِ، لا يَدْرِى أيُّهُما الأُولَى (٣٠). ففى ذلكَ روايَتان: [إحْداهما، أنَّه يُجْزِئُ أنْ يتحَرَّى أيُّهما نَسِىَ أوَّلًا، فيقْضِيها، ثم يقْضِى الأخْرَى] (٣١). نقل الأثْرمُ [عن أحمدَ] (٣٢) أنه يعمل على أكثَر ذلك في نفسِهِ ثم يَقْضِى. وهذا قولُ أبي يوسُفَ ومحمدٍ؛ لأنَّ التَّرتِيبَ ممَّا تُبِيحُ الضرورَةُ تَرْكَهُ، بدلِيلِ ما إذا تَضَايَقَ [وقتُ الحاضِرةِ] (٣٣)، أو نَسِىَ الفَائِتَةَ، فيَدْخُلُه التَّحَرِّى كالقِبْلةِ. والثَّانِيَةُ (٣٤)، أنه يُصَلِّى الظُّهْرَ ثم العصرَ بغيرِ تَحَرٍّ. نَقَلَهَا مُهَنَّا؛ لأنَّ التَّحَرِّىَ فيما فيه أمارَةٌ، وهذا لا أمَارَةَ فيه [يُرْجع إليها] (٣٥)، فرَجَعَ فيهِ إلى تَرْتِيب الشَّرْعِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَهُ [ثلاثُ صَلَوات] (٣٦): الظهرُ، ثم العَصْرُ، ثم الظهر. أو العصر، ثم الظهر، ثم العصر [وهذا أقْيَسُ] (٣٧)؛ لأنَّه أمْكَنَه أدَاءُ فَرْضِهِ بيَقِينٍ،

стр. 852

فلَزِمَهُ، كما لو نَسِىَ صلاةً مِنْ يومٍ لا يَعْلَمُ عَيْنَها، وقد نَقَلَ أبو داوُدَ، عن أحمدَ، في رَجُلٍ فَرَّطَ في صلاةِ يَوْمٍ العصرَ، ويومٍ الظهرَ، صَلَواتٍ [لا يعْرِفُ عنها] (٣٨). قالَ: يُعِيدُ حتى لا يكُونَ في قلبِه شيءٌ. وظاهِرُ هذا أنَّه يَقْضِى حتى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِه. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ. فصل: ولَا يُعْذَرُ في تَرْكِ التَّرْتيبِ بالجَهْلِ بوُجُوبِهِ، وقال زُفَرُ: يُعْذَرُ؛ [لأنَّه يسْقطُ بالنِّسْيانِ، فيسْقُطُ بالجهلِ، كاللُّبْسِ والطِّيبِ والإِحْرامِ] (٣٩). ولَنا، أنَّه تَرْتِيبٌ واجِبٌ في الصلاةِ، فلم يَسْقُطْ بالجَهْلِ [كالترْتيب فى] (٤٠) المَجْمُوعَتَيْنِ [والرُّكوعِ والسُّجودِ] (٤١)، ولأنَّ الجهلَ بِأحْكَامِ الشَّرْعِ مع التَّمَكُّنِ مِن العِلْمِ لا يُسْقِطُ أحْكَامَهَا، كالجَهْلِ بِتَحْرِيمِ الأكلِ في الصَّومِ. فصل: وإذا كثُرت الفَوائتُ فإنَّه (٤٢) يتشاغَلُ بالقَضاءِ، ما لم تلْحَقْه مَشَقَّةٌ في بَدَنِه أو مالِه، أمَّا في (٤٣) بدنِه [فبِضَعْفٍ أو خَوْفٍ مِن مرضٍ أو نَصَبٍ أو إعْياء] (٤٤)، وأمَّا في المالِ [فبِقطْعِه عن مَعِيشتِه. أو فَواتِ شيءٍ من مالِه، أو ضَرَرِه] (٤٥)، وقد نَصَّ أحمدُ على معنى هذا. فإن لم يعلمْ (٤٦) ما عليه قَضَى (٤٧) حتى يتيَقَّنَ بَراءةَ ذِمَّتِه. قال أحمدُ، في روايةِ صالحٍ، في الرَّجُلِ يُضَيِّعُ الصلاةَ: يُعِيد

стр. 853

حتى لا يشُكَّ أنَّه قد جاء بما (٤٨) ضَيَّعَ. (٤٩) ويقْتَصِرُ على قضاءِ الفَرائِضِ، ولا يُصَلِّى بينها نَوافِلَ، ولا سُنَنَها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ . فاتتْه أرْبعُ صَلَواتٍ يومَ الخَنْدَقِ، فأمَر بِلالًا فأقام فصلَّ ى الظهرَ، ثم أمرَه فأقام فصلَّى العصرَ، ثم أمرَه فأقام فصلَّى المغربَ، ثم أمرَه فأقام فصلَّى العشاءَ (٥٠). ولم يُذْكَرْ أنَّه صلَّى بينها سُنَّةً، ولأنَّ المفْروضةَ أهمُّ، فالاشْتغالُ بها أوْلَى، إلَّا أن تكونَ الصَّلَواتُ يسيرةً، فلا بأْسَ بقضاءِ سُنَنِها الرَّواتبِ، لأن النَّبِيَّ ﷺ فاتتْه صلاةُ الفجرِ، فقَضَى سُنَّتَها قبْلَها (٥١). فصل (٥٢): وإن نَسِىَ صلاةً من يومٍ، لا يعلمُ عَيْنَهَا، أعاد صلاةَ [اليومِ جَمِيعِهِ] (٥٣). نَصَّ عليه أحمدُ (٥٤). وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلم؛ وذلك لأنَّ التَّعْيِينَ شرطٌ في صِحَّةِ الصلاةِ المكتوبةِ، ولا يتوَصَّلُ إليه (٥٥) إلَّا بإعادةِ الصَّلواتِ كلِّها (٥٦). فصل: وإذا نامَ في مَنْزِلٍ في السَّفَرِ، فاسْتَيْقَظَ بعد خُرُوج وقتِ الصلاةِ، اسْتُحِبَّ (٥٧) له أنْ يَنْتَقِلَ عن ذلك المَنْزِل، فَيُصَلِّىَ في غيرِه. نَصَّ عليهِ أحمدُ؛ لمَا رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قالَ: عَرَّسْنَا مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلم نَسْتَيْقِظْ حتى طَلَعَتِ

стр. 854

الشَّمسُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِرأْسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَ فِيهِ الشَّيْطَانُ". قالَ: فَفَعَلْنَا. ثم دَعَا بالمَاءِ فَتَوَضَّأَ، ثم سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّ ى الغَدَاةَ. وَرَوَىَ نَحْوَهُ أبو قَتادةَ، وعِمْرانُ بنُ حُصَين. مُتَّفَقٌ عليهنَّ (٥٨). [وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَقْضِىَ رَكْعَتَىِ الفَجرِ قبلَ الفَرِيضَةِ؛ لِما تَقَدَّمَ مِن الحديثِ. فإنْ أَرَادَ التَّطَوُّعَ بصلَاةٍ أُخْرَى، كُرِهَ له ذلك، وكذلك حُكْمُ الصومِ، لا يَتَطَوَّعُ به وعليه فَرِيضَةٌ، فإنْ فَعَلَ صحَّ تَطَوُّعُه؛ بدلِيلِ حديثِ ابْنِ عمر في الذي يَنْسَى فَرِيضةً فلا يَذْكُرُهَا إلَّا وَرَاءَ الإِمامِ، فإنَّه يُتَمِّمُها، فَحُكِمَ له بِصِحَّتِها. فأمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ، فلا يُكْرَه قَضَاؤُها قبلَ الفَرَائِضِ، كما ذَكَرْنَا في رَكْعَتَىِ الفجرِ] (٥٩). فصل: فإنْ أخَّر الصلاةَ لِنَوْمٍ أو غيرِهِ، حتى خَشِىَ (٦٠) خُرُوجَ الوقتِ إنْ تَشَاغَلَ بِرَكْعَتَىِ الفجرِ، فإنَّه يَبْدَأُ بالفرضِ، [ويُؤَخِّرُ الرَّكَعَتَيْنِ] (٥٩). نَصَّ عليهِ أحمدُ [في رِوَايَةِ جماعَةٍ، مِنْهُمْ: أبو الحارثِ، نَقَلَ عنه، إذا انْتَبَهَ قبلَ طُلُوعِ الشمس، وخَافَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ، بَدَأَ بالفريضَةِ] (٥٩)؛ فإنَّه إذا قُدِّمَتِ الحاضِرَةُ على الفَائِتَةِ، مع الإِخْلَالِ بالتَّرْتِيبِ الواجِبِ مُرَاعَاةً لِوقتِ الحَاضِرَةِ، فَتَقْدِيمُهَا على السُّنَّةِ أَوْلى. وهكذا إن اسْتَيْقَظَ لا يَدْرِى أطَلَعَتِ الشمسُ، أوْ لا، بَدَأَ بالفَرِيضَةِ أيضًا (٦١)، نَصَّ عليهِ أحمدُ (٦١)؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاءُ الوقتِ، وإمكانُ

стр. 855

[الإِتْيَانِ بالفَريضَةِ] (٦٢) فيه. فصل: ويُسْتَحَبُّ قَضاءُ الفَوَائِتِ في جماعةٍ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ يومَ الخَنْدَقِ فاتَهُ أربعُ صلواتٍ فقضاهُنَّ في جماعةٍ (٦٣)، وحديثُ أبي قتادَة (٦٤) وغيرِهِ، حين نَامَ (٦٥) رسولُ اللهِ ﷺ يومَ الخَنْدَقِ عن صلاةِ الفجرِ هو وأصحابُهُ، فَصَلَّى بهمْ جماعةً، ولا يَلْزَمُهُ القضاءُ أكْثَرَ مِن مَرَّةٍ عند اسْتِيقَاظِهِ، أو ذكْرِهِ لها؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمْ يُنْقَلْ عنهُ أنه قَضَى غيرَ مَرَّةٍ، وقال ﵇: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا (٦٦) ". لم يَزِدْ على ذلكَ، وقد رَوَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ، قال: سِرْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فعَرَّسَ بنا مِنَ السَّحَرِ، فمَا اسْتَيْقَظنَا إلَّا بِحَرِّ الشمسِ؛ قالَ: فقَامَ القومُ دَهِشِينَ مُسْرعِينَ؛ لما فَاتَهُمْ مِن صلاتِهِمْ، فقالَ النَّبِىُّ ﷺ : "ارْكَبُوا". فرَكِبْنا، فسِرْنَا حتى طَلَعَتِ الشمسُ، ثم نَزَلَ وَنزَلْنَا، وقضَى القومُ مِنْ حَوَائِجهِمْ، وتوَضَّأُوا، فأمَرَ بِلالًا، فأذَّنَ، وصَلَّى ركْعَتَىِ الفجرِ، وصلَّيْنَا، ثم أمَرَهُ فَأَقَامَ، فصَلَّى بنا، فَقُلْنَا: يا رسولَ اللَّه، ألا نُصَلِّى هذه الصلاةَ لوقْتِهَا؟ قالَ: "لَا، لَا يَنْهَاكُم اللهُ عَنِ الرِّبَا ويَقْبَلُهُ مِنْكُمْ". رَوَاهُ الأثْرَمُ (٦٧)، واحْتَجَّ بهِ أحمدُ. فصل: ومَنْ أسْلَمَ في دَارِ الحَرْبِ، فتَرَكَ صَلَواتٍ، أو صِيَامًا لا يَعْلَمُ وجوبَهُ، لزِمَهُ قضاؤُه. وبذلكَ قالَ الشَّافعيُّ. [وعندَ أبي حنيفة] (٦٨) لا يَلْزَمُهُ. ولَنا، أنَّها

стр. 856

عبادةٌ تَلْزَمُه (٦٩) مع العِلْمِ بها (٧٠)، فَلَزِمَتْهُ مع الجَهْلِ، كما [لو كان] (٧١) في دار الإِسْلَامِ. ٢٠٢ - مسألة؛ قال: (وَيُؤَدَّبُ الغُلَامُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ إذَا تَمَّتْ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ .) [يَعْنِى بالتَّأْدِيبِ] (١)، الضَّرْبَ والوعيدَ والتَّعْنِيفَ، قال القاضي: يَجِبُ على وَلِىِّ الصَّبِىِّ أنْ يُعَلِّمَهُ الطهارَةَ والصلاةَ إذا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ ويأْمُرَه بها، ويُؤَدِّبَهُ (٢) عليها إذا بَلَغَ عشرَ سنينَ. والأصلُ في ذلك قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "عَلِّمُوا الصَّبِىَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ (٣) وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ" رَوَاهُ الأثْرَمُ، وأبو داوُد، والتِّرْمِذِىُّ (٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ (٥). وهذا لفظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِىِّ، ولفظُ حديثِ غيرِه: "مُرُوا الصَّبِىَّ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في المَضَاجِعِ". وهذا [الأمْرُ و] (٦) التَّأْدِيبُ (٧) في حقِّ الصبىِّ لِتَمْرِينِهِ على الصلاةِ، كى يأْلَفَها ويعْتادَها، ولا يَتْرُكَهَا عند البُلُوغِ، وليستْ واجِبَةً عليهِ في ظَاهِرِ المذهبِ. ومنْ

стр. 857

أصحابِنا مَنْ قالَ: تجِبُ [على مَن بلَغ عَشْرًا؛ لأنَّه يُعاقَبُ على تَرْكِها، ولا تُشْرَعُ العُقوبةُ] (٨) إلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ، [ولأنَّ حدَّ الواجبِ ما عُوقبَ على تَرْكِه] (٩)، ولأنَّ أحمدَ قد نُقِلَ عنهُ في ابْنِ أَرْبَعَ عشرَة: إذا تركَ الصلاةَ يُعِيدُ. [ولعلَّ أحمدَ، ﵀، أَمَرَ بذلك على طريقِ الاحْتِيَاطِ] (١٠)؛ [فإنَّ الحدِيثَ قد ثبَتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ] (١١): "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ (١٢) ". وَلِأَنَّهُ صَبِىٌّ فَلَمْ يَجِبْ عليهِ كَالصَّغِيرِ، [يُحقِّقُه أنَّ الصَّبِىَّ ضعيفُ العقلِ والبِنْيَةِ، ولا بُدَّ مِن ضابِطٍ يضْبُطُ الحَدَّ الذي تتكامَلُ فيه بِنْيتُه وعقْلُه، فإنَّه يتَزايدُ تزايُدًا خَفِىَّ التَّدْرِيجِ، فلا يعْلَمُ ذلك بنفسِه، والبلوغُ ضابطٌ لذلكَ، ولهذا تجبُ به الحدودُ، وتُؤْخَذُ بهِ الجِزْيةُ مِن الذِّمِّىِّ إذا بلغه، ويتعلَّق به أكثرُ أحكامِ التَّكْليفِ، فكذلك الصلاةُ. وقولُ أحمدَ في ذلك يُحْمَلُ على سبيلِ الاحْتياط، مَخافةَ أنْ يكونَ قد بلَغ، ولهذا قَيَّدَه بابنِ أرْبعَ عشرةَ، ولو أراد ما قالُوا لما اخْتُصَّ بابن أربعَ عشرةَ دون غيرِه] (١٣). وهذا التأْديبُ ههنا (١٤) للتَّمْرِينِ والتَّعْوِيدِ، كالتَّأْديبِ (١٥) على تَعَلُّمِ الخَطِّ والقُرْآنِ والصِّنَاعَةِ وأَشْبَاهِها، ولا خِلَافَ في أنَّها تَصِحُّ مِن الصَّبِىِّ العَاقِلِ، ولا فَرْقَ بين الذَّكَرِ والأُنْثَى فيما ذكَرْنَاه.

стр. 858

فصل (١٦): ويُعْتَبَرُ [لصلَاةِ الصَّبِىِّ مِن الشُّرُوطِ ما يُعْتَبَرُ في صلَاةِ البالِغِ] (١٧)، [إلَّا في السُّتْرَةِ، فإِنَّ] (١٨) قولَ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ (١٩) ". يَدُلَّ على صِحَّةِ صلاةِ [غيرِها بدون الخِمارِ] (٢٠). ٢٠٣ - مسألة؛ قال: (وَسُجُودُ القُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ القُرْآنِ أرْبَعَ عشرَةَ سَجْدَةً، وهو قولُ أبى حنِيفَةَ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والشافعىِّ في أحدِ القولَيْنِ. [ورُوِى عن أبي بكر، وعمر] (١)، وابْنِ مسعودٍ، وعَمّار، وأبى هُرَيْرَة وابْنِ عمرَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وجماعةٍ مِن التابعينَ، وإسْحاقَ، [ما يدُلُّ عليه، لقَوْلِهم: إنَّ في المُفَصَّلِ ثلاثَ سجَدات، وروى عن] (٢) أحمدَ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها خَمْسَ عَشْرةَ سجدةً، منها سجدَةُ ص. ورُوِىَ ذلكَ عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، وهو قَوْلُ إسحاقَ، لما رُوِىَ عن عمرِو بن العاصِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقرأَهُ خَمْسَ عشرةَ سَجْدَةً، منها ثلاثٌ في المُفَصَّلِ، وفى سُورةِ الحجِّ سَجْدَتَانِ. رواه أبو داود، وابنُ ماجَه (٣). وقال مالكٌ، في روايَةٍ، والشافعيُّ في قولٍ: عَزَائمُ السُّجودِ إحْدَى عشرَةَ [سَجْدَةً، ليس منها شيءٌ من المُفَصَّلِ] (٤). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا قولُ ابْنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وسعيدِ بن المُسَيَّبِ، وابْنِ جُبَيْر، والحسنِ، وعِكْرمةَ، ومُجاهدٍ، وعَطاءٍ،

стр. 859

وطاوُس، ومالكٍ، وطَائِفَةٍ مِنْ أهلِ المَدِينَةِ؛ لأنَّ أبا الدَّرْدَاءِ قالَ: سجدتُ مع النَّبِيِّ ﷺ إحْدَى عشرة ليس فيها مِن المُفَصَّلِ شيءٌ. رَوَاهُ ابنُ ماجَه (٥). وَرَوَى ابْنُ عبَّاسٍ: أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمْ يَسْجُدْ في شيءٍ مِن المُفَصَّلِ مُنْذُ تحَوَّلَ إلى المدِينَةِ. رَوَاه أبو داوُد (٦). ولَنا، ما رَوَى أبو رَافِعٍ، قال: صلَّيْتُ خلْفَ أبي هريرةَ العَتَمَةَ (٧)، فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. فسجدَ، فقلتُ: ما هذه السَّجْدَةُ؟ قال: سَجَدْتُ بها خَلْفَ أبى القَاسِمِ ﷺ فلا أزالُ أسجُدُ فيها حتى ألْقَاهُ. رَوَاهُ البخارِىُّ، ومُسْلِمٌ، وأبو داوُد، وابن ماجه، والأثْرَمُ (٨). ورَوَى مُسْلِمٌ، وَأبو داوُد، وَابْنُ ماجه (٩). عن أبي هريرةَ، قالَ: سجدْنَا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (١٠)، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١١)، ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ

стр. 860

مسعُودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قرأَ سُورَةَ النَّجْمِ، فسَجَدَ فيها (١٢)، ومَا بَقِىَ أحَدٌ من القومِ إلا سجَدَ. [رَوَاه البُخارِىُّ، ومُسْلِمٌ، وأبو داوُد] (١٣). وأبو هريرةَ إنَّمَا أسلَم بالمَدِينَةِ [سنة سَبْع] (١٤)، وهو أوْلَى مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ، [لصِحَّتِه، وكَوْنِه إثْباتًا] (١٥)، [وقَوْلُ ابنِ عبَّاس نَفْىٌ لشىءٍ لم يحْضُرْه، فإنَّه كان صَبِيًّا في حياةِ النَّبِيِّ ﷺ ، لا يدْرِى بما يفعلُ النَّبِيُّ ﷺ ] (١٦)، وحديثُ أبى الدَّرْداء [إسْنادُه وَاهٍ. قال أبو داوُد] (١٧): ثم لا دلالةَ فيه، إذْ يجوزُ أنْ يكونَ سجودُ (١٨) غيرِ المُفَصَّل إحْدَى عشرةَ (١٩) [سَجْدةً، ولا نِزاعَ بيننا في هذا، ثم إنَّ تَرْكَ السُّجودِ في الحديثَيْن معا يدلُّ على أنَّه ليس بواجب، وسُجودُه يدلُّ على أنه مَسْنُون، فلا تَعارُضَ بينهما. وأمَّا روايةُ كَوْنِ السُّجودِ خمسَ عشرةَ، فمَبْناهُ على أنَّ سَجْدةَ] (٢٠) ص من عَزائِم السُّجود، (٢١) وقد رُوِىَ عن عمرَ، وابنِه، وعثمانَ، أنَّهم سجدُوا فيها، وهو قَوْلُ الحسن، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ، وأصحاب الرَّأْىِ. وعن ابن عبَّاس، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ سجد فيها.

стр. 861

رواه أبو داود (٢٢). والصَّحيحُ أنَّها ليستْ مِن عَزائم السُّجودِ. وهو قولُ عَلْقَمةَ، والشَّافِعِىِّ. ورُوِىَ ذلك عن ابن مسعود، وابنِ عبَّاس؛ لما رُوِىَ عن أبي سعيد، قال: قرأ رسولُ اللَّه ﷺ ، وهو على المِنْبَرِ [ص، فَلَمَّا بلغ السَّجْدَةَ] (٢٣) نَزَلَ فسَجَدَ، وسَجَدَ الناسُ معهُ، فلمَّا كَانَ يومٌ آخر قَرَأَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ (٢٤) النَّاسُ للسُّجودِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّمَا هِىَ تَوْبَةُ نَبِىٍّ، وَلَكِنِّى رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ للسُّجُودِ" فَنَزَلَ، فَسَجَدَ، وَسَجَدُوا. روَاه أبو داود (٢٥). وعن ابْنِ عباسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ سجدَ في ص، وقال: "سَجَدَها دَاوُدُ تَوْبَةً، ونَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا". أخْرجه النَّسائِىُّ (٢٦). [ورَوَى أبو داوُد عن] (٢٧) ابْنِ عباسٍ، قالَ: ليسَ ص مِنْ عَزَائِمِ السجودِ. والحديثُ المذْكورُ (٢٨) لِلرِّوَايَةِ الأُخْرَى، يدُلُّ على أنَّ النَّبِىَّ ﷺ سجدَ فيها، فيَكُونُ [سُجودُه عنها شُكْرًا] (٢٩)، كما بَيَّنَهُ في حديثِ ابْنِ عبَّاسٍ. ٢٠٤ - مسألة؛ قال: (في الحَجِّ اثْنَتَانِ (١)) وبهذا قال الشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. ومِمَّنْ كانَ يسجُدُ

стр. 862

في الحجِّ سَجْدتَيْنِ عمرُ، وعلىٌّ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وَأبو الدَّرْدَاءِ, وأبو موسى، وأبو عبدِ الرحمنِ السُّلَمِىُّ، وأبو العالِيَةِ، وزِرٌّ (٢). وقالَ ابْنُ عبَّاسٍ: فَضُلَتْ سُورَةُ (٣) الحَجِّ بِسَجْدتَيْنِ. وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، وجابرُ بنُ زَيْدٍ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: ليست [الآخِرةُ بسَجْدةٍ] (٤)؛ لأنَّه جَمَعَ فيها بين الرُّكوعِ والسُّجودِ. فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٥). فلم تكنْ سجدَةً، كقوْلِهِ تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٦). ولَنا، حديثُ عمرو بن العاصِ، وقد (٧) ذكرنَاهُ. وعن عُقْبَة بن عامِرٍ، قال: قُلْتُ لرسولِ اللهِ ﷺ : في سورة (٨) الحَجِّ سجدتانِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا". روَاه أبو داوُد، والأثْرَمُ (٩). ولأنَّه (١٠) قولُ مَنْ سَمَّيْنَا مِن الصَّحابَةِ، [ولم يُعْرَف لهم مُخالِفٌ] (١١) [في عصرِهِمْ] (١٢)، فكان (١٣) إجْمَاعًا. وقال أبو إسحاقَ: أدرَكْتُ الناسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَة يَسْجُدُونَ

стр. 863

في الحَجِّ سَجْدتَيْنِ. وقالَ ابْنُ عمرَ: لو كنتُ تَارِكًا إحْدَاهُمَا لَتَرَكْتُ الأُولَى. وذلك لأَنَّ الأُولَى إخْبَارٌ، والثانِيةَ أمْرٌ، واتِّبَاعُ الأمْرِ أَوْلَى. وذِكْرُ الركوعِ لا يَقتَضِى تَرْكَ السُّجُودِ، كما ذُكِرَ البُكاءُ في قَوْلِه: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١٤) وقولِهِ: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (١٥). فصل: ومواضِعُ السَّجَدات (١٦): آخِرُ الأعْرَافِ: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾، وفى الرَّعْدِ: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (١٧)، وفى النَّحْلِ: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١٨) وفى بَنِى إسْرَائِيلَ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (١٩). وَفِى مَرْيَمَ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٢٠). وفِي الحَجِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢١) وقَوْلُه: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢١). وفى الفُرْقَانِ: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٢٢). وفى النَّمْلِ: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٢٣). وفى ألم السَّجدة: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢٤). وفي حم تنْزِيل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٢٥). وآخرُ النَّجْمِ: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾. وفى الانْشِقَاق: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٢٦). وآخر اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٢٧).

стр. 864

وقالَ مالكٌ: السُّجُودُ في حم عند: (٢٨) ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢٩). لأنَّ الأمْرَ بالسُّجودِ هناك (٢٨) فيها. ولَنا، أنَّ تَمامَ الكلامِ في الثانيةِ، فكان السُّجودُ بعدَها، كما [كان في سَجْدةِ] (٣٠) النَّحْلِ عند قولِه: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وذكر السَّجْدةِ (٣١) في التي قَبْلَهَا، كذا ههُنا. ٢٠٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَسْجُدُ إلَّا وَهُوَ طَاهِر) وجُمْلَةُ ذلك، أنه يُعتبَرُ (١) للسجودِ [مِن الشُّرُوط] (٢) ما يُشْتَرَطُ لصلَاةِ النَّافلةِ؛ مِن الطهارَتَيْنِ مِن الحدثِ والنَّجَسِ، وسَتْرِ العَوْرةِ، واسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ، والنِّيَّةِ، ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا (٣). إلَّا ما رُوِىَ عن عثمانَ بن عفَّانَ، رَضِىَ اللهُ عنهُ، في الحَائِضِ تَسْمَعُ السَّجْدَةَ، تُومِىءُ برأْسِهَا. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، قال، ويقولُ: اللَّهُمَّ لكَ سَجَدْتُ. وعن الشَّعْبِىِّ في مَن سَمِعَ السَّجْدةَ على غَيْرِ وضُوءٍ سَجَد (٤) حيثُ كانَ وجْهُهُ. ولنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بغَيْرِ طَهُورٍ" (٥). فَيَدْخُلُ في عُمُومِهِ السُّجودُ. ولأنَّه صلاةٌ فَيُشْتَرَطُ له ذلك، كذاتِ الرُّكُوعِ، [ولأنَّه سُجودٌ، فيُشْتَرَطُ له ذلك كسُجودِ السَّهْوِ] (٦).

стр. 865

فصل: وإذا سَمِعَ السَّجْدَةَ (٧) [وهو على غيرِ طهارةٍ] (٨)، لَم يَلْزَمْه الوُضوءُ ولا التَّيَمُّمُ. وقال النَّخَعِىُّ: يَتَيَمَّمُ، ويسجُدُ. وعنه: يَتَوَضَّأُ، ويسجُدُ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وَإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولَنا، أنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ، فإذا فاتَ لم يَسْجُدْ، كما لو قَرَأَ سجدَةً في الصلاةِ، فلم يَسْجُدْ، فإنَّه لا يسجدُ بعدَها. [إذا ثبت هذا فإنَّه لا يسجدُ وإنْ تَوَضَّأ؛ لما ذكرْناه مِن أنَّه فات سَبَبُها، فلا يسجدُ لها، ولا يتيمَّمُ لها مع وُجودِ الماءِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى شرَط في التَّيَمُّمِ عَدَمَ الماءِ أو المرضَ، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما. وإن كان عادِمًا للماءِ فتيَمَّم، فله أنْ يسجُدَ (٩) إذا لم يُصَلُّوا، لأنَّه لم يبْعُد سببُها، ولم تفُتْ، بخلافِ ما إذا تَوضَّأ] (١٠). ٢٠٦ - مسألة؛ قال: (وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ) وجُمْلَةُ ذلكَ، أنَّه إذا سَجَدَ للتِّلاوَةِ فَعَلَيْهِ التَّكْبِيرُ للسُّجودِ والرَّفْعِ منه، سَوَاءٌ كانَ في صلاةٍ أو في غَيْرِها. وبه قالَ ابْنُ سِيرِينَ والحسنُ، وأبو قِلَابَة، والنَّخَعِىُّ، ومُسْلِمُ بنُ يَسَارٍ (١)، وأبو عبدِ الرحمنِ السُّلَمِىُّ، وَالشافعىُّ، وإسحاقُ (٢) وَأصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ: إذا كان في صلاةٍ. واخْتلَف (٣) عنه إذا كان في غيرِ صلاةٍ. ولَنا، ما رَوَى ابْنُ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقْرَأُ علينا القُرْآنَ، فإذا مَرَّ بالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسجدَ وسَجَدْنَا معهُ. قالَ عبدُ الرَّزَّاقِ: كانَ الثورِىُّ يُعْجِبُهُ هذا الحديث. قال أبو داوُد: يُعْجِبُهُ لأنه كَبَّرَ. [روَاه أبو داوُد] (٤).

стр. 866

ولأنَّه سجودٌ مُنْفَرِدٌ، فَشُرِعَ التَّكْبِيرُ (٥) في ابْتِدَائِهِ، والرَّفْعِ منه كسُجودِ السهوِ بعدَ السَّلامِ. وقد [ثبت أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ] (٦) فيه للسُّجودِ والرَّفْعِ. ولمْ يَذْكُر الْخِرَقِىُّ التَّكْبِيرَ للرَّفعِ. وقد ذَكَرَهُ غيرُه مِن أصحابِنَا، وهو القِيَاسُ، [كما ذَكَرْنَا] (٧). ولا يُشْرَعُ في ابْتِدَاءِ السجودِ أكْثَرُ مِن تَكْبِيرَةٍ (٨). وقال الشَّافِعىُّ: إذا سجَد خارِجَ الصلاةِ كبَّر واحدةً للافْتتاحِ، وأُخْرَى للسُّجودِ؛ لأنَّه صلاةٌ، فيُكبِّر للافْتتاح غيرَ تَكْبيرةِ السُّجودِ، كما لو صلَّى كعتيْن. ولَنا، حديثُ ابنِ عمرَ (٩)، وظاهرُه أنَّه كبَّر واحدةً، ولأنَّ معرفةَ ذلك تثْبُتُ بالشَّرْعِ ولم يَرِدِ الشَّرْعُ به، ولأنَّه سجودٌ مُفْرَدٌ، فلم يُشْرَعْ في ابْتدائِه تكبيرتان، كسُجود السَّهْو، ولأنَّه سجودُ تلاوةٍ، فأشْبَه ما لو سجَده في الصلاة، وقياسُهم يبْطُل بسجود السهو، وقياسُ هذا على سجود السهو أوْلَى مِن قياسِه على ركعتَيْن، ولأنَّه أقْربُ إليه، وأشْبَهُ به، ولأنَّ الإِحْرامَ بالرَّكْعتَيْنِ يتخلَّلُ بينه وبين السجودِ أفْعالٌ كثيرة وأرْكانٌ، فلم يُكْتَفَ بتكبيره عن تكبيرةِ السُّجودِ، وههنا لا يتخلَّلُ بينهما سِوَى السَّلام، فأجْزَأهُ تكبيرةٌ واحدةٌ، كالمَسْبوقِ إذا كبَّر وسجَد، أو رَكع. فصل: ويَرْفَعُ يديهِ عند (١٠) تَكْبِيرَةِ [الابتداء إن كان] (١١) في غيرِ صلاةٍ.

стр. 867

[وهو قولُ الشَّافعىِّ] (١٢)؛ لأنها تَكْبِيرَةُ إحْرامٍ (١٣)، وإنْ كانَ سَجَدَ (١٤) في الصلاة، فَنَصَّ أحمدُ على (١٥) أنهُ يَرْفَعُ يدَيْهِ [لأنَّه يُسَنُّ له الرَّفْعُ لو كانَ مُنْفَرِدًا، فكذلِكَ مع غيرِه. قال القاضي: وقِيَاسُ المَذْهَبِ لا يَرْفَعُ؛ لأَنَّ مَحَلَّ الرَّفْعِ في ثلاثَةِ مَوَاضِعَ، ليس هذا منها، ولأَنَّ في حديثِ ابْنِ عمرَ: أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كانَ لا يَفْعَلُهُ في السجودِ. يَعْنِى رَفْعَ يديهِ، وهو حديثٌ مُتَّفَقٌ عليه (١٦). واحْتَجَّ أحمدُ بِمَا] (١٧) رَوَى وَائِلُ بنُ حُجْر، قالَ: قُلْتُ لأَنْظُرَنَّ إلى صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ . فكَانَ يُكَبِّرُ إذا خَفَضَ ورَفَعَ (١٨)، ويَرْفَعُ يديهِ في التَّكْبِيرِ (١٩). قالَ أحمدُ: هذا يَدْخُلُ في هذا كُلِّهِ، وهو قَوْلُ سليمانَ (٢٠) بن يَسَارٍ، ومُحَمَّدِ بن سِيرِينَ.

стр. 868

فصل: ويَقُولُ في سجودِهِ ما يقولُ في سجودِ الصَّلاةِ (٢١). [نَصَّ عليه أحمدُ. وإن قال ما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، قالتْ عائشةُ] (٢٢)، رضِىَ اللهُ عَنْهَا: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يقُولُ في سجودِ القُرْآنِ باللَّيْلِ: "سَجَدَ وَجْهِى لِلَّذِى خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ، وشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ" (٢٣). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، [وَرَوَى التِّرْمِذِىُّ، وابنُ مَاجَه] (٢٤) عَنِ ابْنِ عباسٍ، رضِىَ اللهُ عَنْهما، قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي رَأَيْتُنِى اللَّيْلَةَ أُصَلِّى خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَقَرَأْتُ السَّجْدَةَ، فَسَجَدْتُ، فَسَجَدَتِ الشجرةُ لسُجودِى، فَسَمِعْتُهَا وهى تقولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لي بها عنْدَكَ أَجْرًا، وضَعْ عَنِّى بهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْها لِى عندَكَ ذُخْرًا، وتَقَبَّلْهَا مِنِّى كما تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عبدِكَ داوُد. فقرَأَ النَّبِىُّ ﷺ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ، فقالَ ابْنُ عباسٍ: فَسَمِعْتُه يَقُولُ مثلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عن قَوْلِ الشَّجَرَةِ. قال التِّرْمِذِىُّ: وهذا حديثٌ غريبٌ. ومهما قال مِنْ ذلكَ ونَحْوِه (٢٥) فحسنٌ. ٢٠٧ - مسألة؛ قال: (وَيُسَلِّمُ إذَا رَفَعَ) اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في التَّسْليمِ في سُجودِ التِّلاوةِ، فرأَى أنَّه واجبٌ. وبه قال أبو قِلابةَ، وأبو عبد الرحمن (١)؛ لقوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وتَحْلِيلُهَا

стр. 869

التَّسْلِيمُ (٢) ". ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ إحْرامٍ، فافْتقرَتْ إلى سَلامٍ، كسائِرِ الصَّلَواتِ. والرِّوايةُ الثانية، لا تسْليمَ فيه. وبه قال النَّخَعِىُّ، والحسن، وسعيد بن جُبَيْر، ويحيى بن وَثَّاب. ورُوِىَ ذلك عن أبي حنيفة. واخْتلَف قَوْلُ الشَّافِعِىِّ فيه. قال أحمدُ: أمَّا التَّسْليم فلا أدْرِى ما هو. ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ فيه سلامٌ، لأنَّه لا تَشَهُّدَ له، فلم يُشْرَعْ فيه سلامٌ كغيرِ الصلاة. ويُجْزِئُه تسْليمةٌ واحدةٌ. وبه قال إسحاقُ، قال: ويقول، السَّلامُ عليكم. قال القاضى: يُجْزِئُه تَسْليمةٌ واحدةٌ، روايةً واحدةً. وذكر في "المُجَرَّد" عن أبي بكر، أنَّ فيه روايةً ثانيةً، لا تُجْزِئُه إلَّا اثنتان. والصحيحُ الأوَّلُ، لأنَّها صلاةٌ لا تشَهُّدَ فيها، فكان المشْروعُ فيها تسْليمةً واحدةً، كصلاةِ الجنازةِ، ولا تفْتقِرُ إلى تشهُّدٍ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لم يُنْقلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن أحدٍ من أصْحابِه. ٢٠٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَسْجُدُ في الأَوْقَاتِ الَّتِى لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّىَ فِيهَا تَطَوُّعًا .) قالَ الأثْرمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأَلُ عَمَّنْ قَرَأَ سجودَ القُرْآنِ بعدَ الفجرِ وبعدَ العصرِ، أَيَسْجُدُ؟ قال: لا. وبِهذا قالَ أبو ثَوْرٍ. ورُوِىَ ذلكَ عن ابْنِ عمرَ، وسعيدِ بن المُسَيَّبِ، وإسحاقَ. وكَرِهَ مالكٌ قرَاءَةَ السجدةِ في (١) وقْتِ النَّهْىِ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَسْجُدُ. [وهو قَوْلُ] (٢) الشافعىِّ. ورُوِىَ ذلكَ عن

стр. 870

الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وسالمٍ، والقاسمِ، وعطَاءٍ، وعِكْرِمَةَ؛ [لأنَّه صلاةٌ لها سَبَبٌّ، فجازتْ في وقتِ النَّهْىِ، كقَضاءِ السُّنَنِ الرَّواتبِ، وقد ثبت الأصلُ، بكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ قَضَى الرَّكعتَيْنِ اللَّتيْن بعدَ الظُّهر بعدَ العصر] (٣). ورَخَّصَ فيهِ أصحابُ الرَّأْىِ قبلَ تَغَيُّرِ الشمسِ. [ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ] (٤) ". وَرَوَى أبو داوُد (٥) عن أبي تَمِيمةَ الهُجَيْمِىِّ، قالَ: كُنْتُ أقُصُّ بعدَ صلاةِ الصبحِ، فأَسْجُدُ، فَنَهَانِى ابْنُ عمرَ، فلم أنْتَهِ، ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم عادَ فقال: إنِّي صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، ومع أبى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، فلم يَسْجُدُوا حتى تطْلُع الشمسُ. ورَوَى الأثْرَمُ، عن عُبَيد اللَّه (٦) بن مِقْسَمٍ: أنَّ قَاصًّا كانَ يقرأُ السجدَةَ بعدَ العصرِ ويسْجد، فَنَهَاهُ ابْنُ عمرَ، وقالَ: إنَّهم لا يَعْقِلُون. ٢٠٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ سَجَد فَحَسَنٌ، وَمَنْ تَرَك فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ) وجُمْلَةُ ذلكَ أنَّ سجودَ التلاوَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وليس بواجِبٍ، [عندَ إمامِنَا ومالكٍ] (١)، والأوْزَاعِىِّ، واللَّيْثِ، والشَّافِعىِّ، [وهو مذهَبُ عمرَ] (٢)، وابْنِه

стр. 871

عبد اللَّه، [وأوْجَبَهُ أبو حنيفَة وأصحابُه] (٣). لقولِ اللهِ : ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٤). [وهذا ذَمٌّ] (٥) ولا يُذَمُّ إلَّا على ترْكِ واجبٍ. ولأنه سُجُودٌ يُفْعَلُ في الصلاةِ، فكانَ واجبًا كسُجودِ الصلاةِ. ولنا، ما رَوَى [زيدُ بنُ ثابتٍ، قال: قرأتُ على النَّبِيِّ ﷺ النَّجْمَ فلم يَسْجُدْ مِنَّا أحدٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٦). ولأَنَّه إجْمَاعُ الصحابَةِ] (٧). ورَوَى البُخَارِىُّ (٨)، والأثرَمُ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قَرَأَ يومَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ بسُورَةِ النَّحْلِ، حتى إذا جاءَ السَّجدَةَ نَزَلَ، فسَجَدَ وسَجَدَ الناسُ، حتى إذا كانَت الجُمُعةُ القَابِلَةُ قرأ بها، حتَّى إذا جاءَتِ السَّجْدَةُ قالَ: يا أيُّهَا الناسُ، إنَّمَا نمُرُّ بالسُّجودِ، فمَنْ سجدَ فقد أصابَ، ومَنْ لم يَسْجُدْ فلا إثْمَ عليه. ولمْ يَسْجُدْ عمرُ. وفى لفظٍ: إنَّ اللهَ لمْ يَفْرِضْ علينا السُّجودَ إلَّا أنْ نَشَاءَ. وفِي رِوَايَةِ الأثْرَمِ، فقالَ: على رِسْلِكُمْ، إنَّ اللهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إلَّا أن نَشَاءَ. فَقَرَأَهَا، ولمْ يسجدْ، ومَنَعَهُمْ أنْ يَسْجُدُوا [وهذا كان يومَ الجمعة، بمَحْضرٍ من أهلِ الجمعةِ من الصحابةِ وغيرهم، ولم يُنْكَرْ، فيكونُ إجماعًا] (٩) (١٠) ولأنَّ السجودَ صلاةٌ، فيدخلُ في عُمومِ قولهِ ﵇ للأعرابىِّ، حين سأله

стр. 872

ماذا فرضَ اللهُ علىَّ مِن الصلاةِ؟ قال: "خَمْسُ صَلَوَاتِ". قال: هل علىَّ غيرُها؟ قال: "لَا، إلَّا أنْ تطَوَّعَ" فأمَّا الآيةُ فإنَّه ذَمَّهم لِترْكِ السجودِ غيرَ مُعْتَقِدِينَ فضلَه، ولا مَشْرُوعِيَّتَه، وقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بسُجُودِ السهوِ، فإنَّه عندَهم غيرُ واجبٍ. فصل: ويُسَنُّ السُّجودُ للتَّالِى والمُسْتَمِعِ، لا نعلمُ في هذا خلَافًا. وقد دَلَّتْ عليهِ الأحادِيثُ التي روَيْنَاهَا. وقد رَوَى البخارِىُّ، ومُسْلِمٌ وأبو داوُد (١١)، عنِ ابْنِ عمرَ، قال: كان رَسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ علينا السُّورةَ في غيرِ الصَّلاةِ، فيَسْجُدُ، ونَسْجُدُ معهُ، حتى لا يَجِدَ أحدُنا مكانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ. فأَمَّا السامِعُ غيرُ القَاصِدِ للسماع فلا يُسْتَحَبُّ له، ورُوِىَ ذلكَ عن عثمانَ، وابْنِ عبَّاسٍ، وعِمْران [ابن الحُصَيْن، رضِىَ اللَّه عنهم] (١٢) وبه قال مالكٌ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: عليهِ السُّجودُ. ورُوِىَ نحوُ ذلكَ عن ابْنِ عمرَ، وَالنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر، ونافِعٍ،

стр. 873

وإسْحاقَ؛ لأنَّه سَامِعٌ للسَّجْدةِ، [فكَانَ عليهِ السجودُ كالمُسْتَمِعِ] (١٣). وقالَ الشَّافِعِىُّ: لا أُؤَكِّدُ عليهِ السُّجودَ، وإنْ سَجَدَ فحسنٌ. ولَنا، مَا رُوِىَ عن عثمانَ، رضىَ اللهُ عنه: أنَّه مَرَّ بقَاصٍّ، فَقَرَأ القاصُّ سجدَةً ليَسْجُدَ عثمانُ معه، فلم يَسْجُدْ. وقالَ: إنَّما السَّجدَةُ على مَنِ اسْتَمَعَ. وقالَ ابْنُ مسعودٍ، وعِمْران: ما جَلَسْنَا لها. وقالَ سَلْمانُ: ما عَدَوْنَا لَهَا. ونحوُهُ عن ابْنِ عباسٍ، ولا مُخَالِفَ لهُمْ في عصرِهِمْ نعْلَمُهُ إلَّا قَوْلَ ابْنِ عمرَ: إنمَا السَّجْدَةُ على مَنْ سَمِعَهَا. فيَحْتَمِلُ أنه أرادَ مَنْ سَمِعَ عَنْ قَصْدٍ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كلامُهُ جَمْعًا بين أقوَالِهِمْ؛ [ولأنَّ غيرَ القاصِدِ لم يُشارِكِ التَّالِى في الأجرِ، فلم يُشارِكْهُ في السُّجودِ كغَيْرِه، أمَّا المُسْتَمِعُ فإنَّه شَرِيكُ التَّالِى في الأجْرِ، بدليلِ قولهِ ﵇: "التَّالِى والمُسْتَمِعُ شَرِيكَانِ"] (١٤). فصل: ويُشْتَرَطُ لسُجُودِ المُسْتَمِعِ أنْ يَكُونَ التَّالِى ممَّنْ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ لَهُ إمَامًا. [فإنْ كان التَّالِى امرأةً، أو خُنْثَى مُشْكِلًا، لم يسْجُدِ الرجلُ باسْتماعِه منهما، روايةً واحدةً. وبهذا قال] (١٥)، مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. [ورُوِىَ ذلك عن قَتادةَ] (١٦). وقالَ النَّخَعِىُّ: هي إمامُكَ. [والأصلُ في ذلك ما رُوِىَ] (١٧) أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أتَى نَفَرٍ مِنْ أصْحابِهِ، فَقَرَأَ رَجُلٌ منْهُمْ سجدةً، ثُمَّ نَظَرَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّكَ كُنْتَ إمَامَنَا، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا". رَوَاهُ الشَّافِعىُّ، في "مُسْنَدِهِ" (١٨)، والجُوزَجَانِىُّ (١٩)، في "المُتَرْجَمِ"،

стр. 874

عن عطاءٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ . [وإن كان التَّالِى أُمِّيًّا سجَد المُسْتِمعُ بسُجودِه. وإن كان صَبِيًّا ففى سُجودِ الرَّجُلِ بسُجودِه وَجْهان؛ بناءً على صِحَّةِ ائتمامِه به في النَّفْلِ] (٢٠). وإذا لم يَسْجُد التَّالِى لم يَسْجُد المُسْتَمِعُ. وقالَ الشافعيُّ: يَسْجُدُ؛ لأنَّ الاسْتماعَ موجودٌ، وهو سببُ السُّجودِ. ولَنا، الحديثُ (٢١) الذي روَيْنَاهُ [ولأنَّه تابعٌ له، فإنَّ الاسْتماعَ إنَّما يحصُل بالقراءةِ، ولا يسجدُ بدون سجودِه، ] (٢٢) كما لو كانَا في الصَّلاةِ (٢٣). فإنْ كانَ التَّالِى في صلاةٍ، والمُسْتَمِعُ في غيرِ صلاةٍ، سَجَدَ معه. وإنْ كانَ المُسْتَمِعُ في صلاةٍ أُخْرَى لم يَسْجُدْ [معهُ إنْ كانَتْ فَرْضًا، رِوَايَةً واحدَةً، وإنْ كانت نَفْلًا فعلى رِوَايَتَيْنِ، الصَّحيحُ أنه لا يَسْجُدُ] (٢٤)، ولا يَنْبَغِى له أَنْ يَسْتَمِعَ، [بل يَشْتَغِلُ بصلاتِهِ] (٢٤). كما قالَ النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ في الصَّلَاةِ لَشُغْلًا". مُتَّفَقٌ عليه (٢٥). ولا يَسْجُدُ إذا فَرَغَ مِن الصلاةِ، وقال أبو حنيفَة: يَسْجُدُ [لأنَّ سببَ السُّجودِ وُجِدَ، وامْتَنَع من السُّجودِ لمُعارِضٍ، فإذا زال المُعارِضُ سجَد. ولَنا، أنه] (٢٦) لوْ تَرَكَ السُّجودَ لتِلَاوَتِهِ في الصَّلاةِ لم يَسْجُدْ [بعدَها، فلِئَلَّا يسْجدَ لحُكْمِ تِلَاوتِه أوْلَى. وعن أحمدَ، رواية أُخْرَى، في المُسْتَمِع إذا كان في صلاةِ تَطوُّعٍ، أنَّه يسجدُ؛ سواءٌ كان التَّالِى في صلاةٍ أخرى، أو لم يكُنْ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه ليس بإمامٍ له، فلا يسجدُ بتلاوتِه، كما لو كان في فَرْضٍ.] (٢٧)

стр. 875

فصل: ولا يَقُومُ الرُّكوعُ مَقَامَ السُّجودِ، وقالَ أبو حنيفَةَ: يَقُومُ مَقَامَه اسْتِحْبَابًا، لقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٢٨). ولَنا، أنَّه سجُودٌ مَشْرُوعٌ، فلا [يقوم مَقامَه] (٢٩) الرُّكوعُ، كسُجودِ الصَّلاةِ، والآيَةُ المُرَادُ بها السجودَ، لأِنَّه قال: ﴿وَخَرَّ﴾، وَلَا يُقَالُ لِلرَّاكِعِ: خَرَّ، وإنَّمَا رُوِىَ عن داوُدَ ﵇ السُّجودُ لا الرُّكوعُ، إلَّا أنه عَبَّرَ عنهُ بالرُّكوعِ، [على أنَّ سَجْدَةَ ص ليستْ مِنْ عَزَائمِ السُّجودِ] (٣٠)، [ولو قُدِّر أنَّ داودَ ركع حقيقةً لم يكنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ داودَ إنَّما فعل ذلك تَوْبةً، لا لسُجود التِّلاوةِ] (٣١). فصل: (٣٢) وإنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ في الصلاةِ في آخِرِ السُّورةِ، فإنْ شاءَ رَكَعَ؛ وإنْ شاءَ سَجَدَ، ثم قَامَ [فقرأ شيئًا من القرَآنِ ثم ركَع، وإنْ شاء سجَد، ثم قام فركَع مِن غيرِ قراءةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، وهذا قَوْلُ ابنِ مَسْعودٍ] (٣٣)، والرَّبِيعُ بن خُثَيْم (٣٤)، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ، ونحوُه عن عَلْقَمَة، وعمْرِو بن شُرَحْبِيل (٣٥)، ومَسْرُوقٍ. قالَ مَسْرُوقٌ: قالَ عبدُ اللهِ، إذا قَرَأَ أَحَدُكُمْ سُورَةً وَآخرُهَا سجدَةٌ، فَلْيَرْكَعْ إنْ شاءَ، وإنْ شاءَ فلْيَسْجُدْ؛ فإنَّ الرَّكعةَ مع السَّجدةِ، وإنْ سجَدَ فَلْيَقْرَأْ إذا قامَ سُورَةً، ثم ليَرْكَعَ. ورُوِىَ عن عمرَ، رضىَ اللهُ عنهُ، أنَّه قَرَأَ بالنَّجْمِ، فسَجَدَ فيها، ثم قامَ فَقَرَأَ سُورةً أخْرَى.

стр. 876

فصل: وإذا [قرأ السَّجْدةَ] (٣٦) على الرَّاحِلَةِ في السَّفرِ، أوْمَأَ (٣٧) بالسُّجودِ حيثُ كان وَجْهُه، [كصلاةِ النَّافِلَةِ] (٣٨). فعلَ ذلكَ عَلىٌّ، وسعيدُ بنُ زيدٍ، وابْنُ عمرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، والنَّخَعِىُّ، وعطاءٌ، وبه قال مالكٌ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، [ولا نعلمُ فيه خلافًا] (٣٩). وقد رَوَى أبو داوُد، عن ابْنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ عامَ الفَتْحِ سَجْدةً، فسجَدَ الناسُ كُلُّهُمْ، مِنْهُم الرَّاكِبُ والسَّاجِدُ في الأرْضِ، حتى إنَّ الراكِبَ ليسجُدُ على يدِه. [ولأنَّه تطوُّعٌ، فأشْبَهَ سائِرَ التَّطَوُّعِ (٤٠). وإنْ كانَ ماشِيًا سَجَدَ على الأرْضِ، وبهِ قالَ أبو العَالِيَةِ، وأبو زُرْعَة، وابْنُ عمرَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، لما ذَكَرْنَا مِن الحديثِ والقِيَاسِ. وقال الأسْوَدُ بْنُ يزِيدَ، وعطاءٌ، ومُجَاهِدٌ: يُومِىءُ. وفَعَلَهُ عَلْقَمَة، وأبو عبدِ الرَّحمنِ، [وعلى ما حكَاهُ] (٤١) أبو الحسنِ الآمِدِىُّ في صلاةِ الماشِى في التَّطوُّعِ، أنَّه يُومِىءُ فيها بالسُّجودِ (٤٢)، [ولا يَلْزَمُهُ السجودُ بالأرضِ، ويكُونُ] (٤٣) ههُنَا مثْلُه. فصل: يُكْرَهُ اختصَارُ السُّجودِ، وهو أنْ يَنْتَزِعَ الآياتِ التي فيها السُّجودُ فيقْرأَها ويَسْجُدَ فيها. [وكَرِهَهُ الشَّعْبِىُّ] (٤٤)، والنَّخَعِىُّ، والحسنُ (٤٥)، وإسحاقُ، وَرَخَّصَ فيهِ النُّعْمَانُ وصاحِبُهُ محمدٌ، وأبو ثَوْرٍ (٤٦) وقيل: اخْتصارُ السُّجودِ أنْ يقرأَ

стр. 877

القرآنَ إلَّا آياتِ السُّجودِ، فإنَّه يحذفُها. وكلاهما مكروهٌ. [ولَنا، أنه لم يُرْوَ عن السَّلَفِ، بل المنْقُولُ عنهم كراهتُه، ] (٤٧) [ولا نَظِيرَ له يُقَاسُ عليه] (٤٨). فصل: قال بعضُ أصْحابِنا: يُكْرَهُ للْإِمَامِ قرَاءَةُ السَّجَدةِ في صلاةٍ لا يُجْهَرُ فيها، وَإِنْ قَرَأَ لم يسْجُدْ. وهو قَوْلُ أبى حنيفَةَ؛ [لأنَّ فيه إيهامًا على المأْمومِ] (٤٩). ولمْ يَكْرَهْهُ الشَّافعىُّ؛ لأَنَّ ابْنَ عمرَ رَوَى عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ سَجَدَ في الظُّهْرِ، ثم قامَ فَرَكَعَ، فَرَأى أصحابُه أنَّه قَرَأَ سُورةَ السَّجْدَةِ. رَوَاهُ أبو داوُد (٥٠). واتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ أوْلَى. وإِذا سَجَدَ الإِمَامُ سَجَدَ المأمُومُ معه (٥١)، وقالَ بعضُ أصحابنَا: المأْمومُ مُخَيَّرٌ بينَ [اتِّباعِ إمامِه في السُّجودِ أو تَرْكهِ؛ لأنَّه ليس بمَسْنُونٍ للإِمام، ولا يُوجَدُ الاسْتماعُ المُقْتَضِى للسُّجودِ. وهذا يبْطُلُ بما إذا كان الإِمامُ بعيدًا في صلاةِ الجَهْرِ، لا يُسْمَعُ، أو أُطْرُوشًا، فإنَّه يَسْجُد بسُجودِ إمامِه، مع ما ذكرُوهُ] (٥٢). [والأَوْلَى اتبَاعُهُ] (٥٣)، لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بهِ، فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا (٥٤) ". ولأنَّه لو كان بَعِيدًا لَا يَسْمَعُ، أو أُطْرُوشًا في صلاةِ الجَهْرِ، لسَجدَ بسُجودِ إمامِه، كذا ههُنا. فصل: ويُسْتَحَبُّ سُجودُ الشُّكْرِ عند تَجَدُّدِ النِّعَمِ، وانْدِفَاعِ النِّقَمِ. وبِه قال الشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقالَ النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وَأبو

стр. 878

حنيفَة: يُكْرَهُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كانَ في أَيَّامِه الفُتُوحُ، واسْتَسْقَى فسُقِىَ، ولم يُنْقَلْ أنَّه سَجَدَ، ولو كان مُسْتَحَبًّا لمْ يُخِلَّ به. ولَنا: ما رَوَى ابْنُ المُنْذِرِ، بِإِسْنَادِهِ عن أبى بَكْرةَ، أن النَّبِىَّ ﷺ كانَ إذا أتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بهِ خَرَّ ساجِدًا. [وَرَوَاهُ أبو داوُد (٥٥)، ولَفْظُهُ قال: كانَ [إذا أتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ] (٥٦)، أوْ بُشِّرَ به خَرَّ ساجِدًا؛ شُكْرًا للهِ. وقالَ التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ] (٥٧). وسجدَ الصِّدِّيقُ حينَ [بُشِّر بفَتْحِ] (٥٨) اليَمَامَةِ، وعَلِىٌّ حِين وجَدَ ذا الثُّدَيَّةِ (٥٩). [أىْ حِينَ وجَدَهُ في الخَوَارِجِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أخبرَ به ووَصَفَه] (٦٠)، ورُوِىَ عن جماعةٍ مِن الصَّحابَةِ، فَثَبَتَ ظُهُورُهُ وانْتِشَارُهُ. [فَبَطَلَ ما قالُوهُ] (٦٠)، وتَرْكُهُ تَارَةً لا يَدُلُّ على أنه ليْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، فإنَّ المُسْتَحَبَّ يُفْعَلُ تارَةً، ويُتْرَكُ أُخْرَى. [إذا ثبَت هذا فإنَّ صفةَ سُجودِ الشُّكْرِ في أفْعالِه وأحْكامِه وشُروطِه كصِفةِ سُجودِ التِّلاوةِ، على ما ذكْرنَاه] (٦١). فصل: ولا يَسْجدُ لِلشُّكْرِ وهو في الصلَاةِ. لأَنَّ سَبَبَ السَّجْدَةِ لَيْسَ مِنها. فإنْ فَعَلَ بطلتْ صلاتُهُ، [كما لو صلَّى فيها صلاةً أخرى] (٦٢)، إلَّا أنْ يَكُونَ ناسيًا

стр. 879

أو جاهلًا، بِتَحْرِيمِ ذلكَ [فلا يُبْطلُها، لأنَّه عملٌ غيرُ كثيرٍ، فأشْبَهَ ما لو زاد سجودًا في الصلاة سَهْوًا] (٦٢). فأمَّا [إذا قُلْنا: إنَّها سَجْدةُ شُكْرٍ] (٦٣)، فيَحْتَمِلُ أنْ [لا تبْطُل؛ لأنَّ سببَها في الصلاةِ، فأشْبَهتْ عزائمَ السُّجودِ، ويحْتَمِلُ أنْ تبْطُلَ؛ لأنَّها سَجْدةُ شُكْرٍ] (٦٤). ٢١٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَالعَشَاءُ بَدَأَ بِالعَشَاءِ) وجملتُه أنَّه إذا حضر [العَشاءُ والصَّلاةُ، ونَفْسُه تتُوق إلى الطعام، اسْتُحِبَّ] (١) أنْ يبْدأ بالعَشاءِ. [وبهذا قال عمرُ، وابنُه. وتعَشَّى ابنُ عمر وهو يسْمعُ قراءةَ الإِمام. (٢) وقال ابن عبَّاس: لا نقومُ إلى الصلاة وفى أنْفُسِنا شيءٌ. وبهذا قال الشَّافِعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِر. وقال مالك: يبْدأُ بالصلاة، إلَّا أن يكونَ طعامًا خفيفًا؛ لأنَّ ابنَ عمر قد رُوِىَ عنه نحوٌ مِن هذا. ولَنا، ما روَى أنَسٌ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال] (٣): "إذَا قُرِّبَ العَشاءُ وحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَأُوا بِهِ قَبْلَ أنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ المَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ". وعن عائشةَ، قالتْ: إني سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، ولَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ". وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذَا قُرِّبَ عَشَاءُ أحَدِكُمْ وأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَأُوا بِالعَشاءِ، ولا تَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ". رواهُنَّ

стр. 880

مسلمٌ، وغيرُه (٤). [ولأنَّه إذا قدَّم الصلاةَ على الطَّعام اشْتغَل قلبُه عن خُشوعِها، وربَّما عجَّل في سُجودِها ورُكوعِها، فلا يُحصِّلُ أرْكانَها. إذا ثبَت هذا، فلا فرقَ بين أنْ يخشَى فَواتَ الجماعة أو لم يخْشَ؛ لقولِه: "إذَا قُرِّبَ عَشَاءُ أحَدِكُمْ وأُقيمَتِ الصَّلاةُ" إذا كانتْ نفسُه تتُوق إلى الطعام، أو يخْشَى فَواتَه إنْ تشاغلَ بالصلاةِ، أو فَواتَ بعضِه، أو تكون حاجته إلى البدايةِ به، لوَجْهٍ من الوُجوهِ. فإنْ لم يفْعلْ، وبدأَ بالصلاةِ، صَحَّتْ صلاتُه، في قَوْلِهم جميعًا؛ لأنَّ البدايةَ بالطَّعامِ رُخْصةٌ، فإذا لم يفعلْها صحَّتْ صلاتُه، كسائرِ الرُّخَصِ] (٥). قال ابنُ عبد البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّه لو صلَّى بحَضْرةِ الطَّعامِ، فأكْملَ صلاتَهُ أنَّ صلاتَه تُجْزِئُه. كذلك إذا صلَّى حاقِنًا (٦). وقال الطَّحاوِىُّ: لا يخْتلفون أنَّه لو شُغِلَ قلبه بشيءٍ من
следующие страницы →