← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فصل: وإذا [قرأ السَّجْدةَ] (٣٦) على الرَّاحِلَةِ في السَّفرِ، أوْمَأَ (٣٧) بالسُّجودِ حيثُ كان وَجْهُه، [كصلاةِ النَّافِلَةِ] (٣٨). فعلَ ذلكَ عَلىٌّ، وسعيدُ بنُ زيدٍ، وابْنُ عمرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، والنَّخَعِىُّ، وعطاءٌ، وبه قال مالكٌ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، [ولا نعلمُ فيه خلافًا] (٣٩). وقد رَوَى أبو داوُد، عن ابْنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ عامَ الفَتْحِ سَجْدةً، فسجَدَ الناسُ كُلُّهُمْ، مِنْهُم الرَّاكِبُ والسَّاجِدُ في الأرْضِ، حتى إنَّ الراكِبَ ليسجُدُ على يدِه. [ولأنَّه تطوُّعٌ، فأشْبَهَ سائِرَ التَّطَوُّعِ (٤٠). وإنْ كانَ ماشِيًا سَجَدَ على الأرْضِ، وبهِ قالَ أبو العَالِيَةِ، وأبو زُرْعَة، وابْنُ عمرَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، لما ذَكَرْنَا مِن الحديثِ والقِيَاسِ. وقال الأسْوَدُ بْنُ يزِيدَ، وعطاءٌ، ومُجَاهِدٌ: يُومِىءُ. وفَعَلَهُ عَلْقَمَة، وأبو عبدِ الرَّحمنِ، [وعلى ما حكَاهُ] (٤١) أبو الحسنِ الآمِدِىُّ في صلاةِ الماشِى في التَّطوُّعِ، أنَّه يُومِىءُ فيها بالسُّجودِ (٤٢)، [ولا يَلْزَمُهُ السجودُ بالأرضِ، ويكُونُ] (٤٣) ههُنَا مثْلُه. فصل: يُكْرَهُ اختصَارُ السُّجودِ، وهو أنْ يَنْتَزِعَ الآياتِ التي فيها السُّجودُ فيقْرأَها ويَسْجُدَ فيها. [وكَرِهَهُ الشَّعْبِىُّ] (٤٤)، والنَّخَعِىُّ، والحسنُ (٤٥)، وإسحاقُ، وَرَخَّصَ فيهِ النُّعْمَانُ وصاحِبُهُ محمدٌ، وأبو ثَوْرٍ (٤٦) وقيل: اخْتصارُ السُّجودِ أنْ يقرأَ

стр. 877

القرآنَ إلَّا آياتِ السُّجودِ، فإنَّه يحذفُها. وكلاهما مكروهٌ. [ولَنا، أنه لم يُرْوَ عن السَّلَفِ، بل المنْقُولُ عنهم كراهتُه، ] (٤٧) [ولا نَظِيرَ له يُقَاسُ عليه] (٤٨). فصل: قال بعضُ أصْحابِنا: يُكْرَهُ للْإِمَامِ قرَاءَةُ السَّجَدةِ في صلاةٍ لا يُجْهَرُ فيها، وَإِنْ قَرَأَ لم يسْجُدْ. وهو قَوْلُ أبى حنيفَةَ؛ [لأنَّ فيه إيهامًا على المأْمومِ] (٤٩). ولمْ يَكْرَهْهُ الشَّافعىُّ؛ لأَنَّ ابْنَ عمرَ رَوَى عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ سَجَدَ في الظُّهْرِ، ثم قامَ فَرَكَعَ، فَرَأى أصحابُه أنَّه قَرَأَ سُورةَ السَّجْدَةِ. رَوَاهُ أبو داوُد (٥٠). واتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ أوْلَى. وإِذا سَجَدَ الإِمَامُ سَجَدَ المأمُومُ معه (٥١)، وقالَ بعضُ أصحابنَا: المأْمومُ مُخَيَّرٌ بينَ [اتِّباعِ إمامِه في السُّجودِ أو تَرْكهِ؛ لأنَّه ليس بمَسْنُونٍ للإِمام، ولا يُوجَدُ الاسْتماعُ المُقْتَضِى للسُّجودِ. وهذا يبْطُلُ بما إذا كان الإِمامُ بعيدًا في صلاةِ الجَهْرِ، لا يُسْمَعُ، أو أُطْرُوشًا، فإنَّه يَسْجُد بسُجودِ إمامِه، مع ما ذكرُوهُ] (٥٢). [والأَوْلَى اتبَاعُهُ] (٥٣)، لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بهِ، فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا (٥٤) ". ولأنَّه لو كان بَعِيدًا لَا يَسْمَعُ، أو أُطْرُوشًا في صلاةِ الجَهْرِ، لسَجدَ بسُجودِ إمامِه، كذا ههُنا. فصل: ويُسْتَحَبُّ سُجودُ الشُّكْرِ عند تَجَدُّدِ النِّعَمِ، وانْدِفَاعِ النِّقَمِ. وبِه قال الشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقالَ النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وَأبو

стр. 878

حنيفَة: يُكْرَهُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كانَ في أَيَّامِه الفُتُوحُ، واسْتَسْقَى فسُقِىَ، ولم يُنْقَلْ أنَّه سَجَدَ، ولو كان مُسْتَحَبًّا لمْ يُخِلَّ به. ولَنا: ما رَوَى ابْنُ المُنْذِرِ، بِإِسْنَادِهِ عن أبى بَكْرةَ، أن النَّبِىَّ ﷺ كانَ إذا أتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بهِ خَرَّ ساجِدًا. [وَرَوَاهُ أبو داوُد (٥٥)، ولَفْظُهُ قال: كانَ [إذا أتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ] (٥٦)، أوْ بُشِّرَ به خَرَّ ساجِدًا؛ شُكْرًا للهِ. وقالَ التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ] (٥٧). وسجدَ الصِّدِّيقُ حينَ [بُشِّر بفَتْحِ] (٥٨) اليَمَامَةِ، وعَلِىٌّ حِين وجَدَ ذا الثُّدَيَّةِ (٥٩). [أىْ حِينَ وجَدَهُ في الخَوَارِجِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أخبرَ به ووَصَفَه] (٦٠)، ورُوِىَ عن جماعةٍ مِن الصَّحابَةِ، فَثَبَتَ ظُهُورُهُ وانْتِشَارُهُ. [فَبَطَلَ ما قالُوهُ] (٦٠)، وتَرْكُهُ تَارَةً لا يَدُلُّ على أنه ليْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، فإنَّ المُسْتَحَبَّ يُفْعَلُ تارَةً، ويُتْرَكُ أُخْرَى. [إذا ثبَت هذا فإنَّ صفةَ سُجودِ الشُّكْرِ في أفْعالِه وأحْكامِه وشُروطِه كصِفةِ سُجودِ التِّلاوةِ، على ما ذكْرنَاه] (٦١). فصل: ولا يَسْجدُ لِلشُّكْرِ وهو في الصلَاةِ. لأَنَّ سَبَبَ السَّجْدَةِ لَيْسَ مِنها. فإنْ فَعَلَ بطلتْ صلاتُهُ، [كما لو صلَّى فيها صلاةً أخرى] (٦٢)، إلَّا أنْ يَكُونَ ناسيًا

стр. 879

أو جاهلًا، بِتَحْرِيمِ ذلكَ [فلا يُبْطلُها، لأنَّه عملٌ غيرُ كثيرٍ، فأشْبَهَ ما لو زاد سجودًا في الصلاة سَهْوًا] (٦٢). فأمَّا [إذا قُلْنا: إنَّها سَجْدةُ شُكْرٍ] (٦٣)، فيَحْتَمِلُ أنْ [لا تبْطُل؛ لأنَّ سببَها في الصلاةِ، فأشْبَهتْ عزائمَ السُّجودِ، ويحْتَمِلُ أنْ تبْطُلَ؛ لأنَّها سَجْدةُ شُكْرٍ] (٦٤). ٢١٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَالعَشَاءُ بَدَأَ بِالعَشَاءِ) وجملتُه أنَّه إذا حضر [العَشاءُ والصَّلاةُ، ونَفْسُه تتُوق إلى الطعام، اسْتُحِبَّ] (١) أنْ يبْدأ بالعَشاءِ. [وبهذا قال عمرُ، وابنُه. وتعَشَّى ابنُ عمر وهو يسْمعُ قراءةَ الإِمام. (٢) وقال ابن عبَّاس: لا نقومُ إلى الصلاة وفى أنْفُسِنا شيءٌ. وبهذا قال الشَّافِعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِر. وقال مالك: يبْدأُ بالصلاة، إلَّا أن يكونَ طعامًا خفيفًا؛ لأنَّ ابنَ عمر قد رُوِىَ عنه نحوٌ مِن هذا. ولَنا، ما روَى أنَسٌ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال] (٣): "إذَا قُرِّبَ العَشاءُ وحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَأُوا بِهِ قَبْلَ أنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ المَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ". وعن عائشةَ، قالتْ: إني سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، ولَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ". وعن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذَا قُرِّبَ عَشَاءُ أحَدِكُمْ وأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَأُوا بِالعَشاءِ، ولا تَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ". رواهُنَّ

стр. 880

مسلمٌ، وغيرُه (٤). [ولأنَّه إذا قدَّم الصلاةَ على الطَّعام اشْتغَل قلبُه عن خُشوعِها، وربَّما عجَّل في سُجودِها ورُكوعِها، فلا يُحصِّلُ أرْكانَها. إذا ثبَت هذا، فلا فرقَ بين أنْ يخشَى فَواتَ الجماعة أو لم يخْشَ؛ لقولِه: "إذَا قُرِّبَ عَشَاءُ أحَدِكُمْ وأُقيمَتِ الصَّلاةُ" إذا كانتْ نفسُه تتُوق إلى الطعام، أو يخْشَى فَواتَه إنْ تشاغلَ بالصلاةِ، أو فَواتَ بعضِه، أو تكون حاجته إلى البدايةِ به، لوَجْهٍ من الوُجوهِ. فإنْ لم يفْعلْ، وبدأَ بالصلاةِ، صَحَّتْ صلاتُه، في قَوْلِهم جميعًا؛ لأنَّ البدايةَ بالطَّعامِ رُخْصةٌ، فإذا لم يفعلْها صحَّتْ صلاتُه، كسائرِ الرُّخَصِ] (٥). قال ابنُ عبد البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّه لو صلَّى بحَضْرةِ الطَّعامِ، فأكْملَ صلاتَهُ أنَّ صلاتَه تُجْزِئُه. كذلك إذا صلَّى حاقِنًا (٦). وقال الطَّحاوِىُّ: لا يخْتلفون أنَّه لو شُغِلَ قلبه بشيءٍ من

стр. 881

الدُّنْيا، أنَّه لا يُسْتَحبُّ له الإِعادةُ، كذلك إذا شَغَلَه البَوْلُ. ٢١١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى الخَلَاءِ، بَدَأَ بِالخَلَاءِ) [وجُمْلتُه أنَّه] (١) إذا كانَ حَاقِنًا كُرِهَتْ له الصلاةُ حتى يَقْضِىَ حاجَتَهُ، سَوَاءٌ خافَ فَواتَ الجماعَةِ أو لم يَخَفْ. [لا نعلمُ في هذا خلافًا. وبه يقولُ مالكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ] (٢). لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حديثِ عائشةَ، وَرَوَى ثَوْبانُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرِىءٍ أَنْ يَنْظُرَ في جَوْفِ بَيْتِ امْرِىءٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ، وَلَا يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ حَقِنٌ (٣) ". قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ. [ولأنَّ ذلك يشْغلُه عن خُشوعِ الصلاةِ] (٤) وحُضُورِ قَلْبِهِ فيها، فإنْ خالَفَ وفَعَل، صحَّتْ [الصَّلاة. وبهذا قال أبو حنيفة، والشَّافِعِىُّ والعَنْبَرِىُّ (٥)، وقال] (٦) ابْنُ أَبى موسى: إنْ كان به مِنْ مُدَافَعَةِ الأخَبثَيْنِ مُا يُزْعِجُهُ وَيشْغَلُهُ عن الصلاةِ، أعادَ، في الظَّاهِرِ مِنْ قولِهِ. [وقال مالك: أحبّ أنْ يُعيدَ إذا شغَلَه ذلك] (٧)؛ لظاهِرِ

стр. 882

الحَديثين (٨). [ولَنا، أنَّه لو صلَّى بحَضْرةِ الطَّعامِ، أو قلْبُه مشغولٌ بشيءٍ من الدنيا، صَحَّتْ صلاتُه. كذا ههُنا، ولأنه أتى بشَرائِطِ الصلاةِ وواجباتِها، فصحَّتْ، كما لو كانَ بحضرةِ الطَّعامِ. وخبرُ عائشةَ المرادُ به الكراهيةَ؛ بدليل ما لو صلَّى بحَضْرةِ الطعامِ] (٩). وحديثُ ثَوْبان قال ابنُ عبد البَرِّ: لا تقومُ به حُجَّةٌ عندَ أهلِ العِلْمِ (١٠). [ثم هو محمولٌ على الكراهيةِ أيضًا، بدليل ما ذكَرْناه] (١١)، وهذان مِن الأعْذَارِ التي يُعْذَرُ بها في تَرْكِ الجماعةِ والجُمُعَةِ، [لعُمُومِ اللفْظِ] (١٢)؛ فإنَّ قولَه: "وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ". عامٌّ في كُلِّ صلاةٍ، وقوله: "لَا صَلَاةَ" عامٌّ أيضًا (١٢). فصل: ويُعْذَرُ في تَرْكِهِمَا [بالمَرضِ والخوفِ؛ أمَّا المرضُ فلا خلافَ في أنَّه عُذْرٌ في التَّخَلُّفِ عنهما، إذا شَقَّ حُضورُهما عليه] (١٣). قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أَعْلَمُ خِلافًا بين أهْلِ العِلْمِ، أنَّ للْمَرِيضِ أنْ يَتَخَلَّفَ عن الجماعاتِ مِنْ أجْلِ المَرَضِ، وقد رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ". قَالُوا: وَمَا العُذْرُ يا رسولَ اللهِ؟ قَالَ: "خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ. لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِى صَلَّى"، رَوَاهُ أبو داوُد (١٤). وقد كانَ بلَالٌ يُؤَذِّنُ بالصلاةِ ثم يَأْتِى النَّبِىَّ ﷺ وهو مَرِيضٌ فَيَقُولُ: "مُرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" (١٥).

стр. 883

[وأمَّا الخوفُ فيتنوَّعُ] (١٦) ثلاثةَ أنْواع؛ [أحدُها، الخوفُ على نَفْسِه، مِثْل] (١٧) أنْ يخافَ (١٨) سُلْطانًا، [أو عَدُوًّا] (١٩)، أو لِصًّا، أو سَبُعًا، [أو دابَّةً] (١٩)، أو سَيْلًا، ونحوَ ذلك، ممَّا يُؤْذِيه في نفسِه، أو (٢٠) يخافُ غَرِيمًا يُلازِمُه ولا شىءَ معه يُعْطِيه (٢١)، فإن حبْسه [بالدَّينِ الذي] (٢٢) هو مُعْسِرٌ به ظُلْمٌ، [وفيه مَضَرَّةٌ عليه] (٢٣)، فإنْ كان قادرًا على [أدائِه، فلا عُذْرَ له في التَّخلُّفِ] (٢٤)؛ [لأنَّ مَطْلَ الغنىِّ ظُلْمٌ، وفيه مَضَرَّةٌ. وإن كان عليه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، وخاف أن يُطْلَبَ به في الحالِ فهو عُذْرٌ، أو أن يُوجَدَ عليه حَدٌّ للهِ تعالى، أو حَدُّ قَذْفٍ، فخاف أنْ يُؤْخَذَ به، لم يكنْ ذلك عُذْرًا، لأنه يجب (٢٥) وفاؤه، وكذلك أن يوجد عليه قصاصٌ] (٢٦).

стр. 884

وقال القاضي: إن كان يرْجُو الصُّلْحَ [عليه بمالٍ، فهو عُذْرٌ] (٢٧)، حتى يُصالِحَ، بخلاف الحدود، فإنَّها لا تَدخُلُها المُصالَحةُ ولا العَفْوُ. وحدُّ العَفْوِ إن رَجَا (٢٨) العفوَ عنه، فليس يُعْذَرُ في التَّخلُّفِ؛ لأنَّه يرجو إسْقاطَه بغير بَدَلٍ (٢٩). [ومن ذلك المطرُ] (٣٠) الذي يبُلُّ الثِّيابَ، والوَحْلُ الذي يتأذَّى به في [بَدَنِه أو ثيابِه] (٣١)؛ [لما رَوَى] (٣٢) عبدُ اللَّه بن الحارث، قال: قال (٣٣) عبدُ اللَّه بن عبَّاس لمُؤَذِّنِه في يومٍ مَطِيرٍ: إذا قلتَ، أشْهدُ أنَّ محمدا رسولُ اللَّه. فلا تقل: حَىَّ على الصلاةِ. وقُلْ: صَلُّوا في بُيوتِكم. قال: فكأنَّ الناسَ اسْتنْكرُوا ذلك، فقال ابنُ عبَّاس: أتعْجبُون مِن ذلك، لقد فعل ذلك مَن هو خيرٌ منِّى، إن الجمعةَ عَزْمَةٌ، وإنِّى كَرِهْتُ أنْ أُخْرِجَكُمْ فتمْشُوا في الطِّين والدَّحْضِ (٣٤). مُتَّفَقٌ عليه (٣٥). وروَى (٣٦) أبو المَلِيح، أنَّه شهِد مع النَّبِيِّ ﷺ زمنَ الحُدَيْبِيَةِ يومَ جمعةٍ، وأصابَهم مطرٌ لم يَبْتَلَّ أسفلُ نِعالِهم، فأمَرهم أن يُصَلُّوا في رِحَالِهم. رواه أبو داود (٣٧). ويُعْذَر في تَرْكِ الجماعةِ

стр. 885

بالرِّيح الشديدةِ، في الليلةِ المُظْلمةِ الباردةِ؛ [لما رُوِىَ] (٣٨) عن ابنِ عمر، قال: كان رسول اللَّه ﷺ ، يُنادِيه في [اللَّيلةِ الباردةِ أو المَطِيرةِ في السَّفرِ] (٣٩): "صَلُّوا في رِحَالِكُمْ". [مُتَّفَقٌ عليه. وروَاه ابنُ ماجَه.] (٤٠) [ولم يُقلْ، "في السَّفَرِ" بإسْنادٍ صحيح فيهما جميعًا] (٤١). ويُعْذَر (٤٢) مَن يريد سفرًا، ويخافُ فَواتَ رُفْقتِه؛ [لأنَّ عليه ضررًا. ويُعْذَر فيهما أيضًا مَن يخاف غَلَبةَ النُّعاسِ حتى يفُوتاه، فيُصلِّى وحدَه وينْصرف؛ لأنَّ الرجلَ الذي صلَّى مع مُعاذٍ انْفَرد عنه، وفارَق الجماعةَ، وصلَّى وحدَه عند تطْويلِ مُعاذٍ، وخَوْفَ النُّعاسِ والمَشقَّةِ، فلم يُنْكره عليه النَّبِىُّ ﷺ حين أخْبرَه بذلك (٤٣). ويُعْذَرُ في تَرْكِ الجماعةِ مَن يخافُ تَطْوِيل الإِمام كثيرًا؛ لهذا الخَبَرِ، فإنَّه إذا جاز تَرْكُ الجماعة بعدَ دُخولِه فيها، فتَرْكُ الخُروجِ إليها أوْلَى] (٤٤). النَّوْعُ الثاني، الخوفُ على مالِه؛ لما (٤٥) ذكرْناهُ من السُّلْطانِ واللُّصوصِ وأشْباههِما، أو يخافُ أنْ يُسْرَقَ منزلُه

стр. 886

أو [متاعُه، أو يخافُ على بهيمتِه من لصٍّ أو سَبُعٍ أو شُرودٍ إن تركها وذهَب، أو يخافُ مِن حريقٍ على منزلِه أو مَتاعِه أو زَرْعِه باشْتغالِه عنه، أو يخافُ إباقَ عَبْدِه، أو ضَياعَ شيءٍ مِن مالِه] (٤٦)، أو يكون له خبزٌ في التَّنُّورِ، أو طَبِيخٌ على النَّارِ، [يخاف تَلفَها بذهابِه، أو يكون له مالٌ ضائعٌ، أو عبدٌ آبِقٌ يرْجُو وِجْدانَه في تلك الحال، ويخافُ ضَياعَه] (٤٧) باشْتغالِه عنه، أو يكون له غَرِيمٌ إنْ ترك مُلازمتَه ذهَب بمالِه، أو يكون له بِضاعةٌ أو وَدِيعةٌ عندَ رجلٍ إنْ لم يُدْرِكْهُ ذهب، [أو يكون ناطُورَ (٤٨) بُسْتانٍ أو نحوه، يخافُ إنْ ذهب سُرِق، أو مُسْتَأْجَرًا لا يُمْكِنُه ترْكُ ما اسْتُؤجرَ على حِفْظِهِ] (٤٩)، فهذا وأشْباهُه عُذْرٌ في التَّخَلُّفِ (٥٠) عن الجمعةِ والجماعةِ (٥١)؛ [لأنَّ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بالصلاةِ في الرِّحال، دَفْعًا لمشَقَّةِ الطِّينِ والمطرِ. [فله ضررهما بينها] (٥٢) على جَوازِ ذلك لما هو أكثرُ ضَرَرًا منهما] (٥٣). النَّوْع الثالث، الخوفُ على ولدِه وأهلهِ أنْ يضِيعُوا، أو يكون ولدُه ضائِعًا فيرجُو وُجودَه في تلك الحالِ، أو [يخافُ مَوْتَ قريبِه ولا يشْهَدُه] (٥٤). فهذا كلُّه عُذْرٌ في ترْكِ الجمعةِ والجماعةِ. [وبهذا قال] (٥٥) عطاءٌ، والحسن والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، [ولا نعلمُ فيه مُخالفًا. قال ابنُ المُنْذِر: ثبَت أنَّ ابنَ عمر اسْتُصْرِخ على سعيد بن زيد، بعدَ ارتفاع الضُّحَى، وهو يتَجَهَّزُ للجمعةِ، فأتاهُ وتركَ الجمعةَ، ولأن النَّبِىَّ ﷺ لمَّا رخَّص في تَرْكِ الجماعةِ عندَ حُضورِ العَشاء والحاجةِ إلى الخَلاء، كان تنْبِيهًا على جَوازِ تَرْكِها، بما ذكرْناه كلَّه؛ لأنَّه أعْظَمُ ضَرَرًا] (٥٦).

стр. 887

باب ما يُبْطِلُ الصَّلاةَ إذا تَرَكهُ عامِدًا أو سَاهِيًا ٢١٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ تَرَك تَكْبِيرةَ الإِحْرَامِ، أو قِرَاءَةَ الفاتِحَةِ، وهو إِمَامٌ أو مُنْفَرِدٌ، أو الرُّكُوعَ، أو الاعْتِدَالَ بعد الرُّكُوعِ، أو السُّجُودَ، أو الاعْتِدَالَ بعد السُّجُودِ، أو التَّشَهُّدَ الأَخِيرَ، أو السَّلَامَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، عامِدًا أو سَاهِيًا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَشْرُوعَ في الصَّلَاةِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: وَاجِبٌ، ومَسْنُونٌ، فَالوَاجِبُ نَوْعَان؛ أحَدُهما، لا يَسْقُطُ [عَمْدًا ولا سَهْوًا] (١)، وهو الذي ذَكَرَه الْخِرَقِىُّ، في هذه المَسْأَلَةِ، وهو عَشَرَةُ أشْياء: تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ، وقِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ للإِمامِ والمُنْفَرِدِ، والقِيَامُ، والرُّكُوعُ حتى يَطْمَئِنَّ، [وَالاعْتِدَالُ عنه حتى يَطْمَئِنَّ، والسُّجُودُ حتى يَطْمَئِنَّ، والاعْتِدَالُ عنه بين السَّجْدَتَيْنِ حتى يَطْمَئِنَّ] (٢)؛ والتَّشَهُّدُ في آخِرِ الصَّلَاةِ، والجُلُوسُ له، والسَّلَامُ، وتَرْتِيبُ الصَّلَاةِ، على ما ذكرْناه. فهذه تُسَمَّى أرْكَانًا للصَّلَاةِ لا تَسْقُطُ في عَمْدٍ ولا سَهْوٍ. وفى وُجُوبِ بعض ذلك اخْتِلَافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى. وقد دَلَّ على [وُجُوبِ أكْثرِها] (٣) مَا (٤)

стр. 888

رَوَى (٥) أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ، فدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثم جَاءَ فَسَلَّمَ على النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: "ارْجِعْ فَصَلِّ؛ [فإنَّكَ لم تُصَلِّ". فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثم جاء فَسَلَّمَ على النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: "ارْجِعْ فَصَلِّ] (٦)؛ فإنَّكَ لم تُصَلِّ". ثَلَاثًا. فقال: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِى. قال: "إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ من القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّها". مُتَّفَقٌ عليه (٧). زَادَ مُسْلِمٌ: "إذَا قُمْتَ إلى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغ الوُضُوءَ، ثم اسْتَقْبِل القِبْلَةَ فَكَبِّرْ". [وهذا يدُلُّ على أنَّ هذه المُسَمَّاةَ في هذا لا تَسْقُط بحالٍ] (٨)؛ فإِنَّها لو سَقَطَتْ (٩)، لَسَقَطَتْ عن الأعْرَابِيِّ لجَهْلهِ (١٠) بها. والجاهِلُ كالنَّاسِى. [فأمَّا أحْكامُها في التَّرْكِ] (١١). فإن مَن (١٢) تَرَكَها عَمْدًا بَطَلَت صلاته في الحالِ، وإن تَرَكَ شَيْئًا منها سَهْوًا، ثم ذَكَرَه في الصَّلَاةِ، أتَى به، على ما سَنُبَيِّنُه فيما بعد، إن شاءَ اللهُ، وإن لم يَذْكُرْهُ حتى سلَّم (١٣) وطَالَ (١٤) الفَصْلُ

стр. 889

[بطَلتِ الصلاةُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ بناءُ ما بَقِىَ منها على ما مَضَى مع طُولِ الفَصْلِ] (١٥)، وإن لم يَطُلْ [الفَصْلُ بَنَى على ما مَضَى مِن صلاتِه] (١٦)، نَصَّ أحْمَدُ على هذا، في رِوَايةِ جَمَاعَةٍ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، [ونَحْوَه قال مالِكٌ، ويُرْجَعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِهِ إلى العَادَةِ والعُرْفِ] (١٧). وقال بعضُ (١٨) أصْحَابِنَا: متى تَرَكَ رُكْنًا فلم يُدْرِكْهُ حتَّى سَلَّمَ، بَطَلَتْ صَلَاتُه. [قال النَّخعِىُّ والحَسَنُ: من نَسِىَ سَجْدَةً من صَلَاةٍ، ثم ذَكَرَها في الصَّلَاةِ، سَجَدَها متى ذَكَرَها، فإذا قَضَى صَلَاتَه، سَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ] (١٩). وعن مَكْحُولٍ، ومُحَمَّدِ بنِ أَسْلَمَ الطُّوسِىّ (٢٠)، في المُصَلِّى يَنْسَى سَجْدَةً أو رَكْعَةً، يُصَلِّيها متى ما ذَكَرَها، ويَسْجُدُ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ. وعن الأوْزَاعِىِّ، في رَجُلٍ نَسِىَ سَجْدَةً من صَلَاةِ الظُّهْرِ، فذَكَرَها في صَلَاةِ العَصْرِ، يَمْضِى في صَلَاِته، فإذا فَرَغَ سَجَدَها. ولَنا، على أنَّ الصَّلَاةَ لا تَبْطُلُ مع قُرْبِ الفَصْلِ، أنه لو تَرَكَ رَكْعةً أو أكْثَرَ، فَذَكَرَ قَبْلَ أن يَطُولَ الفَصْلُ، أتَى بما تَرَكَ، ولم تَبْطُلْ صَلَاتُه إجْماعًا. وقد دَلَّ عليه حَدِيثُ ذِى اليَدَيْنِ (٢١)، فإذا تَرَكَ رُكْنًا واحِدًا، فأوْلَى أن لا تَبْطُلَ الصَّلَاةُ؛ فإنَّه لا يَزِيدُ على تَرْكِ رَكْعَةٍ. والدَّلِيلُ على أن الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِتَطَاوُلِ الفَصْلِ، أنَّه أَخَلَّ بالمُوَالاةِ، فلم تَصِحَّ صَلَاتُه كما لو ذَكَرَ في يَوْمٍ ثَانٍ. (٢٢) ولا حَدَّ لِطُولِ الفَصْلِ،

стр. 890

والمَرْجعُ في ذلك إلى العُرْف. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ. وقال الخِرَقِىُّ في سُجودِ السَّهْوِ: يسجُد ما كان في المسجدِ؛ لأنَّه مَحَلُّ الصلاةِ، فيُحَدَّ قُرْبُ ال فصلِ وبُعْدُه به. [وقال بعضُ أصْحاب الشَّافِعِىِّ] (٢٣): الفصلُ الطويلُ قدرُ ركعة. وهو المنْصوصُ عن الشَّافِعِىِّ. وقال بعضُهم: قدْرُ الصلاةِ التي نَسِىَ الرُّكنَ فيها (٢٤). [ولَنا، أنَّه] (٢٥) لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، فيُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ، [كسائِرِ ما لا حَدَّ له] (٢٦). فصل: [ومتى كان المتْروكُ سلامًا أتَى به فحَسْبُ، وإن كان تَشَهُّدًا أتَى به وسلَّم، وإن كان غيرَهما أتَى برَكْعةٍ كاملةٍ، ويتشَهَّد ويُسَلِّم، ويسْجدُ] (٢٧) لِلسَّهْوِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَأْتِى بالرُّكنِ وما بعده لا غيرُ. ويَأْتِى الكَلَامُ على هذا في بابِ سُجُودِ السَّهْوِ. قال أحْمَدُ، ﵀. [في رِوَايةِ الأثْرَمِ] (٢٨)، فِيمَنْ نَسِىَ سَجْدَةً من الرَّكعَةِ الرَّابِعَةِ، ثم سَلَّمَ وتَكَلَّمَ: إذا كان الكَلَامُ الذي تَكَلَّم به من شَأْنِ الصَّلَاةِ، قَضَى رَكْعَةً، لا يَعْتَدُّ بالرَّكعَةِ الأخِيرَةِ؛ لأنَّها لا تَتِمّ إلَّا بِسَجْدَتَيْها، فلمَّا لم يَسْجُدْ مع الرَّكْعَةِ سَجْدَتَيْها، وأَخَذَ في عَمَلٍ بعد السَّجْدَةِ الواحِدَةِ، قَضَى رَكْعَةً، ثم تَشَهَّدَ وسَلَّمَ وسَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ. وإن تَكَلَّمَ بشَىْءٍ منْ غَيْر شَأْنِ الصَّلَاةِ، ابْتَدَأ الصَّلاةَ. قال أبو عبدِ اللَّه: وبهذا كان يقول مالِكٌ زَعَمُوا. ولعلَّ أحمدَ، ﵀، ذَهَبَ إلى حَدِيثِ ذى اليَدَيْنِ، وأنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَكَلَّمَ وسَأَلَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ: "أَحَقٌّ ما يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ " ثم بَنَى على ما مَضَى من صَلَاتِه. وفى

стр. 891

الجُمْلَةِ فالحُكْمُ في تَرْكِ رُكْنٍ [من رَكْعَةٍ] (٢٨) كالحُكْمِ في تَرْكِ الرَّكْعَةِ بكَمَالِها. [نَصَّ عليه أحمدُ في مَوَاضِعَ] (٢٩). فصل: وتَخْتَصُّ تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ من بين الأَرْكانِ بأنَّ الصَّلاةَ لا تَنْعَقِدُ بِتَرْكِها؛ [لأنَّها تَحْرِيمُها، قال] (٣٠) النبيِّ ﷺ : "تَحْرِيمُها التَّكْبِيرُ" (٣١). ولا يَدْخُلُ في الصَّلاةِ بِدُونِها. ويَخْتَصُّ القِيَامُ بسُقُوطِهِ في النَّوَافِلِ؛ [لأنَّه يَطُولُ فَيَشُقُّ، فسَقَطَ في النَّافِلَةِ، مُبَالغَةً في تَكْثِيرِها، كما سَقَطَ التَّوَجُّهُ فيها في السَّفَرِ على الرَّاحِلَةِ، مُبَالَغَةً في تَكْثِيرِها] (٣٢). وتَخْتَصُّ [قراءةُ الفاتحةِ] (٣٣) بسُقُوطِها عن المَأْمُومِ؛ [لأنَّ قِرَاءةَ إمَامِهِ له قِرَاءَةٌ] (٣٢). ويَخْتَصُّ السَّلَامُ بأنه إذا نَسِيَهُ (٣٤) أَتَى به خَاصَّةً. ٢١٣ - مسألة؛ قال: (ومَنْ تَرَك شَيْئًا من التَّكْبِيرِ غيرَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ أو التَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ أو التَّسْبِيحِ (١) في السُّجُودِ، أو قَوْلَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، أو قَوْلَ: رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ، أو رَبِّ اغْفِرْ لِى، [رَبِّ اغْفِرْ لِى] (١)، أو التَّشَهُّدَ الأَوَّل، أو الصَّلَاةَ على النبيِّ ﷺ في التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ عامِدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُه. ومن تَرَك شَيْئًا منه سَاهِيا أتى بِسَجْدَتَىِ السَّهْوِ) هذا النَّوْعُ الثَّانِى من الوَاجِبَاتِ، وهى ثَمَانِيَةٌ، وفى وُجُوبِها رِوايَتانِ؛ إحْدَاهُما، أنَّها واجِبَةٌ، وهو قَوْلُ إسْحَاقَ. والأُخْرَى، لَيْسَتْ وَاجِبَةً، وهو قَوْلُ

стр. 892

أَكْثَر الفُقَهاءِ (٢)، إلّا أن الشَّافِعِىَّ أَوْجَبَ منها الصَّلَاةَ على النَّبِيِّ ﷺ ، وضَمَّه إلى الأَرْكَانِ. وعن أحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى كقَوْلِه. وقد ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ على وُجُوبِها فيما مَضَى، [وقد روَى] (٣) يَحْيَى بن خَلَّاد، عن عَمِّهِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال (٤): "لَا تَتِمُّ الصَّلاةُ لأَحَدٍ من النَّاسِ حتى يَتَوَضَّأَ، ويَضَعَ الوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ] (٥)، ثم يُكَبِّرَ ويَحْمَدَ اللهَ ويُثْنِىَ عليه، ويَقْرَأ بما شَاءَ من القُرْآنِ، ثم يَقُولَ: اللهُ أَكْبَرُ، ثم يَرْكَعَ حتى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثم يَقُولَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حتى يَسْتَوىَ قَائِمًا، ثم يَقُولَ اللهُ أكْبَرُ، ثم يَسْجُدَ حتى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثم يَقُولَ اللهُ أكْبَرُ، ويَرْفَعَ رَأْسَهُ حتى يَسْتَوِىَ قاعِدًا، ثم يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ، ثم يَسْجُدَ حتى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثم يَرْفَعَ رَأْسَهُ فَيُكَبِّر، فإذا فَعَل ذلك فقد تَمَّتْ صَلاتُه". وفي رِوَايَةٍ: "لا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حتى يَفْعَلَ ذلك". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ. وحُكْمُ هذه الوَاجِبَاتِ، إذا قُلْنَا بِوُجُوبِها، أنَّه إن تَرَكَها عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وإن تَرَكَها سَهْوًا وَجَبَ عليه السُّجُودُ لِلسَّهْوِ؛ [لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا قامَ] (٦) إلى ثَالِثَةٍ وَتَرَكَ التَّشَهُّدَ الأوَّلَ (٧)، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وهو جالِسٌ، [قبلَ أنْ يُسلِّم، ثم سلَّم. في حديثِ ابنِ بُحَيْنَةَ] (٨). ولَوْلَا

стр. 893

أن التَّشَهُّدَ سَقَطَ بالسَّهْوِ لَرَجَعَ إليه، ولَوْلَا أنه وَاجِبٌ لما سَجَدَ لِجَبْرِه (٩) [وغيرُ التَّشَهُّدِ من الوَاجِبَاتِ مَقِيسٌ عليه، ومُشَبَّهٌ به] (١٠)، ولا يَمْتَنِعُ أن يَكُونَ لِلْعِبَادَةِ وَاجِباتٌ (١١) يَتَخَيَّرُ إذا تَرَكَها (١٢)، وأرْكانٌ [لا تَصِحُّ العِبَادَةُ بِدُونِها، كالحَجِّ في واجِبَاتِهِ وأرْكَانِهِ] (١٣). فصل (١٤): وضَمَّ بعضُ (١٤) أصْحابِنَا إلى [هذه الواجباتِ] (١٥) نِيَّةَ الخُرُوجِ من الصَّلَاةِ [في سَلامِه] (١٦)، والتَّسْلِيمَةَ الثَّانِيةَ، وقد [ذكرْنا أنَّهما غيرُ واجِبَيْن] (١٧). وهو اخْتِيَارُ الخِرَقِىِّ؛ لِكَوْنِه لم يَذْكُرْهُما في عَدَدِ الوَاجِبَاتِ. [ويَخْتَصُّ "رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ" بالمَأْمُومِ والمُنْفَرِدِ، وفى المُنْفَرِد رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَجِبُ عليه] (١٨)، ويَخْتَصُّ قولُ: (١٩) "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، [بسُقُوطِه عن المأْمومِ] (٢٠).

стр. 894

فصل (٢١): النَّوعُ (٢٢) الثاني من المشْروع في الصلاةِ، (٢٣) وذلك قسْمان؛ أحدُهما، سُنَنُ الأقْوالِ، وهى الاسْتفْتاحُ، والاسْتعاذةُ، وقراءةُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقولُ "آمين"، وقراءةُ السُّورةِ بعدَ الفاتحةِ (٢٤)، وما زاد على التَّسْبيحة الواحدةِ [في الرُّكوعِ والسُّجودِ] (٢٥)، وقولُ "مِلْءَ السماء" بعد التَّحْميد، و [ما زاد] (٢٦) على المرَّةِ في سُؤالِ المَغْفرةِ (٢٧) بين السَّجْدَتيْن، والتَّعَوُّذُ، والدُّعاءُ بعدَ الصلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ في التَّشَهُّدِ الأخيرِ، والتَّسْليمة الثانية، والجَهْرُ والإِسْرارُ في مَواضِعِهما. فهذه إن تَرَكها عَمْدًا لم تَبْطُلْ صَلاتُه، وإن تَرَكها سَهْوًا لم يجبِ السُّجودُ لها؛ لأنَّ فعلَها غيرُ واجبٍ، فجَبْرُها أوْلَى أنْ لا يكونَ واجبًا. وهل يُشْرَعُ لها السُّجودُ؟ فيه روايتان؛ إحداهما، يُشْرَعُ؛ لقوله ﵇: "لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ" (٢٨). والثانية، لا يشْرَعُ؛ لأنَّها لا تَبْطُل الصلاةُ لتَرْكِها عَمْدًا،

стр. 895

فلم يُشْرَعِ السُّجودُ لها، كسُنَنِ الأَفْعالِ. القسم الثاني، سُنَنُ الأفْعالِ، وهى: رَفْعُ اليدَيْن عندَ الافْتتاحِ، والرُّكُوعُ، والرَّفْعُ منه، ووَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، وجَعْلُهما تحت السُّرَّةِ، والنَّظَرُ إلى مَوْضعِ سُجودِهِ، ووضعُ اليدَيْن على الرُّكْبَتيْن في الرُّكُوع، والتَّجافِى فيه، وفى السُّجودِ، ومَدُّ ظَهْرِه مُعْتدِلًا، وجَعْلُ رأسِه حِيَالَه، والبدايةُ بوضْعِ الرُّكْبَتيْن قبلَ اليدَيْن في السُّجودِ، وبرَفْعِ اليدَيْن في القِيامِ، والتَّفْرِيقُ بين رُكْبتيْه في السُّجودِ، ووَضْعُ يديْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه أو أُذُنَيْه فيه، ونَصْبُ قدمَيْه وفَتْحُ أصابعِهما فيه، وفى الجلوس، والافْتراشُ في التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، وفى الجلوسِ بين السَّجْدَتَيْن، والتَّوَرُّكُ في الثاني، ووَضْعُ اليَدِ اليُمْنَى على الفَخِذِ اليُمْنَى مَقْبوضَةً مُحَلَّقةً، والإِشارةُ بالسَّبَّابةِ، ووضْعُ اليَدِ اليُسْرَى على الفَخِذِ اليُسْرَى مَبْسوطةً والالْتِفاتُ على اليَمِينِ، والشِّمالِ في التَّسْليمتيْن، والسُّجودُ على أنْفِه، وجِلْسَةُ الاسْتراحةِ، ونِيَّةُ الخُروج من الصلاة في سَلامِه، على أحدِ الوَجْهَيْنِ فيهنَّ. فهذه لا تَبْطُل الصلاةُ لتَرْكِها عَمْدًا ولا سَهْوًا، ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لها بحالٍ؛ لأنَّها لا يُمْكنُ التَّحرُّزُ مِن تَرْكِها، فلو شُرِع السُّجودُ لها لم تخْلُ صلاةٌ مِن سجودٍ في الغالبِ، بخلافِ غيرها. فصل: ويُشْتَرطُ للصَّلَاةِ سِتَّةُ أَشْيَاءٍ؛ الطَّهَارَةُ من الحَدَثِ، و [الطهارةُ مِن النَّجَاسةِ] (٢٩)، والسُّتْرَةُ (٣٠)، واسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ، ودُخُولُ الوَقْتِ، والنِّيَّةُ. فمتى أخَلَّ بشَىْءٍ من هذه الشُّرُوطِ [لغيرِ عُذْرٍ] (٣١) لم تنْعَقِدْ صَلَاتُه. وتَخْتَصُّ النِّيَّةُ بأنها لا تَصِحُّ الصَّلَاةُ [إِلَّا بها] (٣٢) في حَقِّ [المَعْذُورِ وغيرِه] (٣٣). (٣٤) ويَخْتَصُّ الوَقْتُ

стр. 896

ببعض الصَّلَوَاتِ. وكُلُّ ما اعْتُبرَ له وَقْتٌ فلا يَصِحُّ قبل وَقْتِهِ، إلا الثَّانِيةَ من المَجْمُوعَتَيْنِ، تُفْعَلُ في وَقْتِ الأُوَلَى حالَ العُذْرِ، إذا جُمِعَ بَيْنَهُما. وبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ تَسْقُطُ بالعُذْرِ، على تَفْصِيلٍ ذُكِرَ في مَوَاضِعِه، فيما مَضَى. فصل: يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّى أن يَجْعَلَ نَظَرَهُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ. قال أحمدُ، في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: الخُشُوعُ في الصَّلاةِ: أن [يَجْعَلَ نَظَرَهُ] (٣٥) إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ. ورُوِىَ ذلك عن مُسْلمِ (٣٦) بن يَسَار، وقَتَادَةَ، وحُكِىَ عن شَرِيكٍ، أنَّه قال: يَنْظُرُ في حالِ قِيَامِه إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وفي رُكُوعِهِ إلى قَدَمَيْهِ، وفي حالِ سُجُودِهِ إلى أَنْفِهِ، وفي حالِ التَّشَهُّدِ إلى حِجْرِه. وقد رَوَى أبُو طَالِبٍ العُشَارِىِّ (٣٧)، في "الأفْرَادِ"، [عن بعضِ الصَّحابةِ] (٣٨)، قال: قلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أينَ أَجْعَلُ بَصَرِى في الصَّلَاةِ؟ قال: "مَوْضِعَ سُجُودِكَ". قال: قلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إن ذلك لَشَدِيدٌ، [إنَّ ذلك لا أسْتَطِيعُ] (٣٩). قال: "فَفِى المَكْتُوبَةِ (٤٠) إذًا". ويُسْتَحَبُّ أن يُفَرِّجَ بين قَدَمَيْهِ، ويُرَاوِحَ بينهما [إذا طالَ جُلوسُه] (٤١)، [يَعْتَمِدُ على هذه مَرَّةً، وعلى هذه مَرَّةً، ولا يُكْثِرُ ذلك، لما] (٤٢) رَوَى الأثْرَمُ، بإسنادِه (٤٣) عن أبِى عُبَيْدَةَ قال: رَأَى عَبْدُ اللهِ رَجُلًا يُصَلِّى صَافًّا بين قَدَمَيْهِ، فقال: لو رَاوَحَ

стр. 897

هذا بين قَدَمَيْهِ كان أَفْضَلَ. ورَوَاهُ النَّسَائِىُّ (٤٤)، ولَفْظُه: فقال أَخْطَأَ السُّنَّة، ولو رَاوَحَ بَيْنَهُما كان أعْجَبَ إلىَّ. قال الأثْرَمُ: رَأَيْتُ أبا عبدِ اللهِ يُفَرِّجُ بين قَدَمَيْهِ، ورَأَيْتُه يُرَاوِحُ بينهما. وَرُوِىَ (٤٥) هذا عن عمرو (٤٦) بنِ مَيْمُونٍ والحَسَنِ. [ولا يُسْتحَبُّ الإِكْثارُ من ذلك، لما رُوِىَ عن] (٤٧) عَطَاءٍ، قال: إنِّي لأُحِبُّ أن يَقِلَّ فيه التَّحْرِيكُ، وأن يَعْتَدِلَ قائِمًا على قَدَمَيْه، إلَّا أنْ يكونَ إنْسَانًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ ذلكَ، وأمَّا التَّطَوُّعُ فإنّه يَطُولُ على الإِنْسَانِ فلا بُدَّ من التَّوَكُّؤِ على هذه مَرَّةً وعلى هذه مَرَّةً (٤٨). فصل: [ يُكْرَهُ أن يَتْرُكَ شَيْئًا من سُنَنِ الصَّلَاةِ] (٤٩)، ويُكْرَهُ أن يَلْتَفِتَ في الصلاةِ لغيرِ حاجَةٍ؛ لِمَا رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن الْتِفَاتِ الرَّجُلِ في الصلاةِ؟ فقال: "هو اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُه الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ". من الصِّحَاحِ، (٥٠) [رَوَاه سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ. وفي "المُسْنَدِ"، ] (٥١) عن أبِى ذَرٍّ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَزَالُ اللهُ مُقْبِلًا على العَبْدِ وهو في صَلَاتِهِ، ما لم يَلْتَفِتْ، فإذا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عنه". رَوَاهُما أبو دَاوُدَ (٥٢).

стр. 898

ولأنه يَشْغَلُ عن الصَّلَاةِ، [فكُرِهَ، كالنَّظَر إلى الثَّوْبِ أو الخَمِيصَةِ] (٥٣). فإن كان لِحاجَةٍ لَم يُكْرَهْ؛ لما رَوَى أبو داودَ، عن سَهْلِ بنِ الحَنْظَلِيَّةِ، قال: ثُوِّبَ بالصَّلَاةِ، فجعل رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى وهو يَلْتَفِتُ إلى الشِّعْبِ. قال أبو داوُدَ: وكان (٥٤) أرْسَلَ فارِسًا إلى الشِّعْبِ يَحْرُسُ. رواه أبو دوادَ (٥٥). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، ﵄ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمَالًا، ولا يَلْوِى عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. رواهُ النَّسَائِىُّ (٥٦). ولا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بالالْتِفَاتِ إلا أن يَسْتَدِيرَ بجُمْلَتِه عن القِبْلَةِ، أو يَسْتَدْبِرَ القِبْلَةَ. [لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَهُ، وبهذا قال أبو ثَوْرٍ] (٥٧). قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: وجُمْهُورُ الفُقَهَاءِ على أنَّ الالْتِفَاتَ لا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ إذا كان يَسِيرًا. ويُكرَهُ (٥٨) أن يَنْظُرَ إلى ما يُلْهِيهِ، أو يَنْظُرَ في كِتابٍ؛ لما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ في خَمِيصَةٍ لها أعْلَامٌ. فقال: "شَغَلَتْنِى أعْلَامُ هذه، اذْهَبُوا بها إلى أبِى جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وائْتُونِى بأنْبِجَانِيِّهِ (٥٩) ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ، ومُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ (٦٠). وقال النبيُّ ﷺ

стр. 899

لِعَائِشَةَ: "أَمِيطِى عَنَّا قِرَامَكِ (٦١) هَذَا؛ فَإنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِى في صَلَاتِى". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٦٢). ويُكْرَهُ رَفْعُ البَصَرِ؛ لما رَوَى البُخَارِىُّ (٦٣) أنَّ أنَسًا، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ما بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُم إلى السَّمَاءِ في صَلَاتِهِمْ! " فاشْتَدَّ قَوْلُه في ذلك، حتى قال: "لَيَنْتَهُنَّ، أوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ". ويُكْرَهُ أن يُصَلِّىَ ويَدُهُ على خَاصِرَتِه؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أن يُصَلِّىَ الرَّجُلُ مُتَخَصِّرًا. رَوَاهُ البُخَارِىُّ، ومُسْلِمٌ (٦٤). وعن زِيَادِ بنِ صُبَيْحٍ الحَنَفِيِّ، قال: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فوَضَعْتُ يَدِى على خَاصِرَتِى، فلما

стр. 900

صَلَّى قال: هذا الصَّلْبُ في الصَّلَاةِ، وكان رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَى عنه. [رَوَاهُ أبو دَاوُدَ] (٦٥). ويُكْرَهُ أن يُصَلِّىَ وهو مَعْقُوصٌ أو مَكْتُوفٌ؛ لما رَوَى مُسْلِمٌ (٦٦)، عن ابنِ عَبَّاسٍ: أنه رَأَى عَبْدَ اللهِ بنَ الحارِثِ يُصَلِّى ورَأْسُهُ مَعْقُوصٌ من وَرَائِهِ، فقَامَ فجَعَلَ يَحُلُّه، فلما انْصَرَفَ أقْبَلَ على ابنِ عَبَّاسٍ، فقال: مالَكَ ورَأْسِى؟ فقال: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إنَّما مَثَلُ هَذا مَثَلُ الَّذِى يُصَلِّى وَهُوَ مَكْتُوفٌ". ويُكْرَهُ أن يَكُفَّ شَعْرَهُ وثِيَابَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ على سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، ولَا أَكُفُّ شَعْرًا ولا ثَوْبًا". مُتَّفَقٌ عليه (٦٧). ويُكْرَهُ التَّشْبِيكُ (٦٨) في الصَّلَاةِ؛ لما رَوَى ابنُ مَاجَه (٦٩)، عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ رَأَى

стр. 901

رَجُلًا قد شَبَكَ أصَابِعَهُ في الصَّلَاةِ، ففَرَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بين أَصَابِعِهِ. وقال ابنُ عُمَرَ، في الذي يُصَلِّى وهو مُشْبِكٌ يَدَيْه: تِلْكَ صَلَاةُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِم. ويُكْرَهُ فَرْقَعَةُ الأَصَابِعِ، لما رَوَى ابنُ ماجَه (٦٩)، عن عَلِيٍّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لَا تُفَقِّعْ (٧٠) أصَابِعَكَ وأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ". ويُكْرَهُ أن يَعْتَمِدَ على يَدِه في الجُلُوسِ في الصَّلَاة؛ لما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ في الصَّلَاةِ وهو مُعْتَمِدٌ على يَدِهِ. (٧١) ويُكْرَهُ مَسْحُ الحَصَا؛ لما رَوَى أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٧٢)، عن أبِى ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِذا قَامَ أَحَدُكُم إلى الصَّلَاةِ فإنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُه، فَلَا يَمْسَح الحَصَا". وعن مُعَيْقِيبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ، في مَسْحِ الحَصَا في الصَّلَاةِ: "إنْ كُنْتَ فاعِلًا فَمَرَّةً واحِدَةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧٣)، ورَوَاهُما ابنُ مَاجَه، وأبو دَاوُدَ (٧٤). ويُكْرَهُ العَبَثُ كُلُّهُ، وما

стр. 902

يَشْغَلُ عن الصَّلَاةِ ويَذْهَبُ بِخُشُوعِها، وقد رُوِىَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ في الصَّلَاةِ، فقال: "لو خَشَعَ قَلْبُ هذا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ" (٧٥). ولا نَعْلَمُ بين أَهْلِ العِلْمِ في كَرَاهَةِ هذا كُلِّه اخْتِلَافًا، ومِمَّنْ كَرِهَهُ الشَّافِعِىُّ، ونُقِلَ كراهةُ بعضِه عن ابنِ عبَّاسٍ، وعائِشةَ، ومُجَاهِدٍ، والنَّخَعِىِّ، وأبِى مِجْلَزٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ، وأَصْحَابِ الرَّأْىِ. [ويُكْرَه أن يُلْصقَ إحْدَى قَدَمَيْه بالأُخْرَى حالِ قِيامِه؛ لما رَوَى الأثْرَمُ، عن عُيَيْنَةَ بن عبد الرحمَنِ، قال: كنتُ مع أبي في المسجدِ، فرأى رجلًا يُصَلِّى، قد صَفَّ بين قَدَمَيْهِ، وألْزَقَ إحداهما بالأُخْرَى، فقال أبي: لقد أدْرَكْتُ في هذا المَسْجِد ثَمَانِيةَ عَشَرَ رَجُلًا من أَصْحَابِ النبيِّ ﷺ ، ما رَأَيْتُ أحدًا منهم فعل هذا قَطُّ. وكان ابنُ عُمَرَ لا يُفَرِّجُ بين قَدَمَيْه، ولا يَمَسُّ إِحْدَاهما بالأُخْرَى، ولكن بينَ ذلك، لا يُقَارِبُ ولا يُبَاعِدُ] (٧٦). ويُكْرَهُ (٧٧) أن يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ في الصَّلَاةِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ وقال: هو فِعْلُ اليَهُودِ. وكذلك قال سُفْيَانُ، ورُوِىَ ذلك عن مُجَاهِدٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِيِّ. ورُوِىَ (٧٨) عن الحسنِ جَوَازُهُ من غيرِ كَرَاهَةٍ. وقد رُوِىَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا قَامَ أحَدُكُم في الصَّلَاةِ فلا يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ". روَاه الطَّبَرَانِىُّ في "مُعْجَمِه"، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن أبِى حاتِمٍ (٧٩)، وقال: هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. ويُكْرَهُ أن يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِه في

стр. 903

الصَّلَاةِ؛ لما رَوَى ابنُ المُنْذِرِ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، قال: مِن الجَفاءِ أن يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِه، قبلَ أن يَفْرَغَ من الصلاةِ، [ورُوِى أَيْضًا مَرْفُوعًا] (٨٠). وكَرِهَهُ الأَوْزَاعِىُّ. وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: هو من الجفاءِ. [ورَوَى الأثْرَمُ] (٨٠) عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: لا تَمْسَحْ جَبْهَتَكَ. ولا تَنْفُخْ، ولا تُحَرِّكِ الحَصَا. ورَخَّصَ فيه مالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكَرِهَ أحمدُ التَّرَوُّحَ [في الصَّلَاةِ] (٨٠)، إلَّا من الغَمِّ الشَّدِيدِ. وبذلك قال إسْحَاقُ. وكَرِهَهُ عَطَاءٌ، وأبو عبد الرحمنِ، ومُسْلِمُ بنُ يَسَارٍ، ومَالِكٌ. ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرِينَ ومُجَاهِدٌ، والحسنُ، [وعَنْبَسَةُ بنُ سعيد] (٨١). [وكُرِهَ التَّمَيُّلُ في الصَّلَاةِ. لما] (٨٢) رَوَى النَّجَّادُ، بإسْنَادِهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إذا قَامَ أَحَدُكُمْ في صَلَاتِه فَلْيُسَكِّنْ أَطْرَافَهُ. ولَا يَتَمَيَّلْ مِثْلَ اليَهُودِ". ولا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ [بجَمِيعِ ذلك، إلَّا ما كانَ منها فِعْلًا، كالعَبَثِ، وفَرْقَعَةِ الأَصَابِعِ، إذا كَثُر مُتَوالِيًا، فإنَّه يُبْطِلُ الصلاةَ] (٨٣). فصل: ولا بَأْسَ بعَدِّ الْآىِ في الصَّلَاةِ. وَتَوَقَفَ أحمدُ عن عَدِّ التَّسْبِيحِ، قال أبو بكرٍ: لا بَأْسَ به؛ لأنَّه في مَعْنَى عَدِّ الْآىِ. وهو قولُ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ (٨٤)، وطَاوُسٍ، [ويحيى بن وَثَّاب، والحسن، والنَّخَعِىِّ، وسعيد بن جُبَيْرِ، ] (٨٥) وابنِ سِيرِينَ،

стр. 904

وَالشَّعْبِىِّ، والمُغِيرَةِ بنِ حَكِيمٍ (٨٦)، وإسْحَاقَ. وكَرِهَه أبو حنِيفةَ، والشَّافِعِىُّ؛ لأنه يَشْغَلُ عن خُشُوعِ الصلاةِ المَأْمُورِ به. ولَنا، أنه إجْمَاعُ [التَّابِعين؛ لأنَّه رُوِىَ عن مَن سَمَّيْنا، بغيرِ خلافٍ في عصرِهم، فكان] (٨٧) إجْمَاعًا. وإنَّما كَرِهَ (٨٨) أحمدُ (٨٩) عَدَّ التَّسْبِيحِ [دونَ الْآىِ] (٩٠)؛ لأنَّ المَنْقُولَ عَمَّنْ ذَكَرْنَاهُم عَدُّ الآىِ. [قال أحمدُ: أمَّا عَدُّ الآىِ فقد سَمِعْنَا، وأمّا عَدُّ التَّسْبِيحِ فما سَمِعْنَا. وكان الحَسَنُ لا يَرَى بعَدِّ الآىِ في الصَّلَاةِ بَأْسًا] (٩١). وكَرِهَ أن يحْسِبَ [في الصَّلَاةِ] (٩٢) شَيْئًا سِوَاهُ. [ولأنَّ التَّسْبِيحَ يتَوَالَى لِقِصَرِهِ (٩٣) فيتوالَى حِسابُه، فيصيرُ فعلًا كثيرًا مُتوالِيًا، بخلافِ عَدِّ الْآىِ] (٩٢). ولا بأسَ بالإِشارةِ في الصلاةِ باليَدِ والعَيْنِ؛ [لما رَىَ ابنُ عمرَ وأَنَسٌ] (٩٤)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُشِيرُ في الصلاةِ (٩٥). [روَى الدَّارَقُطنِىُّ حديثَ أنَسٍ بإسْنادٍ صحيح. وعن جابِر، قال: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ بَعَثَنِى لحاجةٍ، فأدْرَكتُه وهو يُصَلِّى، فسلَّمْتُ عليه، فأشار إلىَّ، فلمَّا فرغ دعاني فقال: "إنَّكَ سَلَّمْتَ عَلَيَّ آنِفًا وأنَا أُصَلِّى"] (٩٦). ولا بَأْسَ بقَتْلِ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ

стр. 905

[في الصلاةِ] (٩٧). وبه قال الحسنُ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكَرِهَه النَّخَعِىُّ؛ [لأنَّه يشْغَلُ عن الصلاةِ. والأوَّلُ أوْلَى] (٩٨)؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَر بقَتْلِ الأَسْوَدَيْن في الصلاةِ؛ الحَيَّةِ، والعَقْربِ. روَاه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ (٩٩). ورأَى ابنُ عمرَ، [وهو في الصلاةِ] (١٠٠)، رِيشَةً، حَسِبَها عَقْربًا، فضَربَها بنَعْلِه. [ويجوزُ قتْلُ القَمْلِ؛ لأنَّ عمرَ وأنَسًا والحسنَ البَصْرِىَّ كانوا يفعلون ذلك. وقال القاضي: التَّغافلُ عنه أوْلى، فإن فعله فلا بَأْسَ. وقال الأوْزاعِىُّ: تَرْكُه أحَبُّ إلىَّ؛ لأنَّ ذلك يشْغَلُ عن الصلاةِ لأمرٍ غيرِ مُهِمٍّ، ويُمْكِنُ اسْتِدْراكُه بعدَ الصلاةِ. وربَّما كَثُر فأبْطلَ الصلاةَ] (١٠١). (١٠٢) وإذا تثاءَبَ في الصلاة اسْتُحِبَّ أن يَكْظِمَ ما اسْتَطاعَ، فإن لم يقْدِرْ اسْتُحِبَّ له (١٠٣) أنْ يضَعَ يَدَهُ على فِيهِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّه

стр. 906

- ﷺ : "إذَا تَثَاءَبَ أحَدُكُمْ في الصلاة فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ". من الصِّحاح (١٠٤). وفي روايةٍ، قال: "إذا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ؛ فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ". رَوَاهُ سَعِيدٌ، في "سُنَنِه". قال التِّرْمِذِىُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ. وإذا بَدَرَهُ البُصَاقُ وهو في المَسْجِدِ بَصَقَ (١٠٥) في ثَوْبِهِ، وحَكّ (١٠٦) بَعْضَه بِبَعْضٍ، وإن كان في غيرِ المَسْجِدِ [فإن أحَبَّ فعل ذلك، وإن أحَبَّ بَصَق] (١٠٧) عن يَسَارِه، أو تَحْتَ قَدَمِه. لما [رُوِىَ] (١٠٨) عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً في قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فأَقْبَلَ على النّاسِ فقال: "ما بالُ أَحَدكُم يَقومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّه فَيَتَنَخَّعُ أمَامَهُ، أَيُحِبُّ أن يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ في وَجْهِهِ؟ فإذا تَنَخَّعَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّع عن يَسَارِه أو تَحْتَ قَدَمِه، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هكَذَا". وَوَصَفَ القَاسِمُ: فَتَفَلَ في ثَوْبِه، ثم مَسَحَ بَعْضَه على بَعْضٍ. وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "الْبُزَاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وكَفَّارَتُها دَفْنُها". [رواهُما مُسْلِمٌ] (١٠٩) ولا بَأْسَ

стр. 907

بالعَمَلِ اليَسِيرِ في الصَّلَاةِ للحَاجَةِ؛ لما رَوَى أبو داودَ (١١٠)، عن عائِشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى والْبَابُ عليه مُغْلَقٌ، فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ، فَمَشَى، فَفَتَح لِى، ثم رَجَعَ إلى مُصَلَّاه (١١١). ورواهُ أحمدُ، في "المُسْنَد"، عن بشْر بن المُفَضَّل، عن بُرْدٍ، عن الزُّهْرىِّ، عن عُرْوَةَ، عن عائشةَ، وفيه: ووَصفَتْ أنَّ البابَ في القِبْلةِ. وعن أبي قَتادةَ، قال: رأيتُ النَّبِىَّ ﷺ يَؤُمُّ الناسَ، وأُمامةُ بنتُ زينبَ بنتِ رسولِ اللَّه ﷺ على عاتقِه، فإذا ركَع وضَعها، وإذا رَفع من السُّجُودِ ردَّها. روَاه مسلمٌ (١١٢). وصلَّى أبو بَرْزَةَ (١١٣) ولجَامُ دابَّتِه في يَدِه، فجعلتِ الدَّابَّةُ تُنازعُه وجعَل (١١٤) رجلٌ من الخَوارِجِ يقول: اللَّهُمَّ افْعَلْ بهذا الشَّيْخِ. فلما انْصرَف قال [أبو بَرْزَةَ إنِّي سمعتُ] (١١٥) قولَكم، وإنِّى غَزَوْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ سِتَّ غَزَواتٍ أو سَبْعَ غزواتٍ أو ثَمانَ (١١٦)، وشهدتُ

стр. 908

مِن تَيْسيرِه أنِّى إن كنتُ أُراجعُ [مع دابَّتِى] (١١٧) أحبُّ إلىَّ من أن تَرْجعَ إلى مَأْلَفِها، فيَشُقُّ علىَّ. أخْرجه البُخارِىُّ (١١٨). [ومتى كثُر العملُ في شيءٍ من هذا مُتَواليًا، أَبْطَلَ الصلاةَ، إلَّا أنْ يكونَ لضَرُورَةٍ] (١١٩).

стр. 909

بابُ سَجْدَتَىِ السَّهْو قال الإِمَامُ أَحْمَدُ: يُحْفَظُ عن النبيِّ ﷺ خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ؛ سَلَّمَ من اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ، وسَلَّمَ من ثَلَاثٍ فَسَجَدَ، وفى الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ، وقَامَ من اثْنَتَيْنِ ولم يَتَشَهَّدْ. وقال الخَطَّابِيُّ: المُعْتَمَدُ عند أَهْلِ العِلْمِ (١٢٠) هذه الأَحَادِيث الخَمْسَة (١٢١)، يَعْنِى حَدِيثَىِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِى سَعِيدٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وابْنِ بُحَيْنَةَ ٢١٤ - مسألة؛ قال أبو القَاسِم: (ومَنْ سَلَّمَ، وقد بَقِىَ عَلَيْهِ شَىْءٌ مِنْ صَلَاتِه، أَتَى بِمَا بَقِىَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاِتهِ، وسَلَّمَ، ثُمَّ سَجَد سَجْدَتَىِ السَّهْوِ، ثم تَشَهَّدَ وسَلَّمَ. كما رَوَى أبُو هُرَيْرَةَ، وعِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه فَعَلَ ذَلِكَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَنْ سَلَّمَ قبل إتْمَامِ صلاتهِ (١) سَاهِيًا، ثم عَلِمَ قبل طُولِ الفَصْلِ ونَقْضِ وُضُوئِهِ، فعليه أن يَأْتِىَ بما بَقِىَ، ثم يَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، ثم يَسْجُدُ [سَجْدَتَىِ السَّهْوِ] (٢) ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ. وإن لم يَذْكُرْ حتى قام، فعليه أن يَجْلِسَ لِيَنْهَضَ إلى الإِتْيَانِ بما بَقِىَ عن جُلُوسٍ؛ فإنَّ هذا القِيَامَ واجِبٌ للصَّلاةِ، ولم يَأْتِ به قاصِدًا لها، فكان عليه الإِتْيَانُ به مع النِّيَّةِ (٣). ولا نَعْلَمُ في جَوَازِ إتْمَامِ الصَّلاةِ في حَقِّ من نَسِىَ رَكْعةً (٤) فما زَادَ اخْتِلافًا. والأصْلُ في ذلك ما رَوَى ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: صَلَّى بنا رَسُولُ اللهِ ﷺ إحْدَى صَلَاتَىِ العَشِيِّ - قال ابنُ سِيرِينَ:

стр. 910

سَمَّاهَا لنا (٥) أَبُو هُرَيْرَةَ، ولكن أنا نَسِيتُ - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثم سَلَّمَ، فقَامَ إلى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ في المَسْجَدِ، فوَضَعَ يَدَهُ عليها كأنَّه غَضْبَانُ، [وشَبَّكَ بينَ] (٦) أَصَابِعهِ، ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى على ظَهْرِ كَفِّه اليُسْرَى، وخَرَجَتِ السَّرعَان من المَسْجِدِ، فقالوا: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وفى القوم أبو بكرٍ وعمرُ، فهَابَاه أن يُكَلِّمَاهُ، وفى القَوْمِ رَجُلٌ في يَدَيْه طُولٌ، يُقالُ له: ذُو اليَدَيْنِ. فقال: يا رسولَ اللهِ، أَنسِيتَ أم قُصِرتِ الصَّلاةُ؟ قال: "لم أَنْسَ، ولم تُقْصَرْ"، فقال: "أَكَما يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ " قالوا: نعم. قال: فتَقَدَّمَ، فَصَلَّى ما تَرَكَ مِن صَلَاتِهِ، ثم سَلَّمَ، ثم كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أو أطْوَلَ، ثم رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثم كَبَّرَ وسَجَدَ مثلَ سُجُودِهِ أو أطْوَلَ، ثم رَفَعَ رَأْسَه فكَبَّرَ. قال: فَرُبَّما سَأَلُوه: ثم سَلَّمَ؟ قال: فَنُبِّئْتُ أن عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ قال: ثم سَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). ورَوَاهُ أبو داودَ. وزاد قال: قلتُ، فَالتَّشَهُّد؟ قال: لم أَسْمَعْ في التَّشَهُّدِ، وأَحَبُّ إلَىَّ (٨) أن يَتَشَهَّدَ.

стр. 911

ورَوَى مُسْلِمٌ (٩)، بإسْنَادِهِ عن أبي المُهَلَّبِ، عنْ عِمْرَانَ بن الحُصَيْنِ، قال: سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في ثَلَاثِ رَكَعاتٍ من العَصْرِ، ثم قَامَ فَدَخَلَ الحُجْرَةَ، فقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ اليَدَيْنِ، فقال: أقُصِرَتِ الصّلَاة يا رَسُولَ اللهِ؟ فخَرَجَ مُغْضَبًا، فَصَلَّ ى الرَّكْعَةَ التي كان تَرَكَ، ثم سَلَّمَ، ثم سَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ، ثم سَلَّمَ. ورَوَى ابنُ عُمَرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وذو اليَدَيْنِ مِثْلَ حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. فصل: فإنْ طَالَ الفَصْلُ، أو انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ، اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ. وكذلك قال الشَّافِعِىُّ: إن ذَكَرَ قَرِيبًا، مِثْلَ فِعْلِ النبىِّ ﷺ يَوْمَ ذِى اليَدَيْنِ، ونَحْوَهُ قال مالِكٌ. وقال يَحْيَى الأَنْصَارِىُّ، واللَّيْثُ، والأَوْزَاعِىُّ: يَبْنِى، ما لم يَنْقُضْ وُضُوءَه. ولَنا، أنَّها صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، فلم يَجُزْ بِنَاءُ بعضِها على بَعْضٍ مع طُولِ الفَصْلِ، كما لو انْتَقَضَ وُضُوؤُه. ويُرْجَعُ في طولِ الفَصْلِ وقِصَرِه (١٠) إلى العادةِ، من غيرِ تَقْدِيرٍ بمُدَّةٍ، [ولأصْحابِ الشافِعِيِّ في ذلك خلافٌ فيما إذا ترك رُكْنًا. على ما مضَى بَيانُه] (١١). والصَّحِيحُ أنَّه (١٢) لا حَدَّ له؛ لأنَّه لم يَرِد الشَّرْعُ بِتَحْدِيدِه، فَيُرْجَعُ فيه إلى العَادَةِ والمُقَارَبَةِ لِمِثْلِ حالِ النبيِّ ﷺ في حَدِيثِ ذِى اليَدَيْنِ. فصل: فإنْ يَذْكُرْ حتى شَرَعَ في صَلَاةٍ أُخْرَى، [وطال الفَصْلُ، بطَلتِ الأُولَى، وإن] (١٣) لم يَطُل الفَصْلُ، عادَ إلى الأُولَى فأَتَمَّهَا. [وبهذا قال الشَّافِعِىُّ] (١٤).

стр. 912

وقال الشيخُ أبو الفَرَجِ (١٥)، في "المُبْهِجِ": يَجْعَلُ ما شَرَعَ فيه مِن الصلاةِ الثَّانِيةِ تَمَامًا للأُولَى، فَيَبْنِى إحْدَاهما على الأُخْرَى، ويكونُ وجودُ السَّلَامِ كعَدَمِه؛ لأنَّه سَهْوٌ مَعْذُورٌ فيه، وسَوَاءٌ كان ما شَرَعَ فيه نَفْلًا أو فَرْضًا. وقال الحَسَنُ، وحَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ: [إنْ يَشْرَع في تَطَوُّعٍ بطَلتِ المَكْتُوبَةُ. وقال مالك: أحَبُّ إلىَّ أن يَبْتَدِئَها. ورُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، مِثْلُ قَوْلِ الحسنِ: فإنَّه قال] (١٦)، في رِوايةِ أبى الحارِثِ، إذا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ من المَغْرِبِ وسَلَّمَ ثم دَخَلَ في التَّطَوُّعِ: إنَّه بِمَنْزِلَةِ الكَلَامِ، يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ. ولَنا، أنَّه عَمِلَ عَمَلًا من جِنْسِ الصَّلَاةِ سَهْوًا، فلم تَبْطُلْ، كما لو زَادَ خَامِسَةً. وأما [إتْمامُ الأُولَى بالثانِيةِ] (١٧) فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد خَرَجَ [من الأُولَى بالسَّلامِ، ونِيَّةِ الخُروج منها ولم يَنْوِهَا] (١٨)، ونِيَّةُ غَيْرِها لا تُجْزِىءُ عن نِيَّتِهَا، كحَالَةِ الابتِدَاءِ. ٢١٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ كانَ إمَامًا فَشَكَّ، فلم يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ تَحَرَّى، فَبَنَى عَلَى أكْثَرِ وَهْمِهِ، ثم سَجَدَ بعد السَّلامِ، كما روى (١) عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) قولُه "على أكثر وَهْمِهِ" أي ما يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه صَلَّاهُ. وهذا في الإِمامِ خاصَّةً، ورُوِىَ عن أحمدَ، ﵀ رِوايَةٌ أُخْرَى: أنه يَبْنِى على [غالِبِ ظَنِّه؛ إمامًا كان، أو مُنْفَرِدًا. قال، في روايةِ الأَثْرَمِ] (٢): بين التَّحَرِّى واليَقِينِ فَرْقٌ. أما

стр. 913

حَدِيثُ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، فيقولُ: إذا لم يَدْرِ أثَلَاثًا صَلَّى (٣) أو اثْنَتَيْنِ، جَعَلَها اثْنَتَيْنِ. قال: فهذا عَمِلَ على اليَقِينِ، فَبَنَى عليه، والذي يَتَحَرَّى يكونُ قد صلَّى ثَلَاثًا، فيدْخُلُ قَلْبَه شَكٌّ أنَّه إنَّما صَلَّى اثْنَتَيْنِ، إلا أن يكونَ (٤) أكثرُ ما فِي نفسِه أنَّه قد صلَّى ثَلَاثًا، وقد دخل قَلْبَه شيءٌ، فهذا يَتَحَرَّى أصْوَبَ ذلك، ويسجدُ بعد السَّلامِ. قال: فبينهما فَرْقٌ. فظَاهِرُ هذا، أنَّه إنَّما يَبْنِى على اليَقِين [إذا اسْتَوَى عندَه الأمْرانِ ولم يكنْ له غالبُ ظَنٍّ، وسواءٌ كان إمامًا أو مُنْفرِدًا] (٥). رُوِىَ ذلك عن عَلِىِّ بن أبِى طَالِبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وبِنَحْوِهِ قال النَّخَعِىُّ، وقالَه أصْحابُ الرَّأْىِ، إن تَكَرَّرَ ذلك عليه. وإنْ كان أوَّلَ ما أصابهُ، أعادَ الصَّلَاةَ لِقَوْلِه ﷺ : "لا غِرَارَ في [صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ (٦) ". والرِّوايَةُ الثالثةُ عن أحمدَ أنَّه يبْنِى على] (٧) اليَقينِ، ويسجدُ قبلَ السَّلامِ، كالمُنْفَرِدِ سَوَاءً، اخْتارَها أبو بكرٍ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وعَبْدِ اللهِ بنِ عمر، وشُرَيْحٍ، والشَّعْبِىِّ، وعَطَاءٍ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وسَالِمِ بنِ عبدِ اللهِ، وهو قولُ رَبِيعَة، ومالِكٍ، وعَبْدِ العَزِيزِ بنِ أبِى سَلمَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحَاقَ، والأوْزَاعِيِّ؛ لما رَوَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ "إذا شَكَّ أَحَدُكُم في صَلَاتِه، فلم يَدْرِ كَمْ صَلَّى، أثَلَاثًا أم أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثم يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أن يُسَلِّمَ، فإن كان صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإنْ كَانَ صَلَّى تَمَامَ الأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا للشَّيْطَانِ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، [وأبو داودَ وابنُ مَاجَه] (٨). وعن عبدِ الرحمنِ بنِ

стр. 914

عَوْفٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا شَكَّ أحَدُكُم فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ أزَاد أو نَقَصَ، فَإنْ كَانَ شَكَّ فِي الْوَاحِدَةِ والِاثْنَتَيْنِ، فَلْيَجْعَلْهُمَا وَاحِدَةً، حتى يكونَ الوَهْمُ في الزِّيَادَةِ، ثم لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جَالِسٌ قبل أنْ يُسَلِّمَ، ثم يُسَلِّمْ". رَوَاهُ الأَثْرَمُ، وابْنُ مَاجَه، والتِّرمِذِىُّ [وقال: هذا حديثٌ صَحِيحٌ] (٩) ولأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ما (١٠) شَكَّ فيه، [فيَبْنِى على عَدَمِه، كما لو شَكَّ في ركوعٍ أو سجودٍ. والرواية الأُولَى هي اخْتيارُ الْخِرَقِىِّ، وهى المشهورةُ عن أحمدَ؛ لما] (١١) رَوَى عبدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِه فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ ليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٢) ولِلْبُخَارِيِّ: "بعد التَّسْلِيمِ". وفى لَفْظٍ: "فَلْيَنْظُر أحْرَى ذَلِكَ للصَّوَابِ". وفى لَفْظٍ:

стр. 915

["فَلْيَتَحَرَّ أقْرَبَ ذَلِكَ لِلصَّوَابِ] (١٣) ". وفى لَفْظٍ: "فَلْيَتَحَرَّ الَّذِى يَرَى أنَّهُ الصَّوَابُ". رَوَاها كُلَّها مُسْلِمٌ. (١٤) وفى لَفْظٍ رَوَاهُ أبو داودَ، (١٥) قال: "إذا كُنْتَ في صَلَاةٍ، فَشَكَكْتَ في ثَلَاثٍ أو أَرْبَعٍ، وأَكْثَرُ ظَنِّكَ على أَرْبَعٍ، تَشَهَّدْتَ، ثُمَّ سَجَدْتَ سَجْدَتَيْنِ وأَنْتَ جَالِسٌ". [وإنما حمَلْنا هذا على الإِمامِ دونَ] (١٦) المُنْفَرِدِ، لأنَّ الإِمامَ له مَنْ يُنَبِّهُه ويُذَكِّرُهُ إذا أخْطَأ الصَّوابَ، فيعملُ (١٧) بالأظْهَرِ عندَه، فإن أصابَ أَقَرَّهُ المَأمُومُون، فيَتَأَكَّدُ عِنْدَه صوابُ نَفْسِه، وإن أَخْطَأَ سَبَّحُوا به، فَرَجَع إليهم، فيحصُلُ (١٨) له الصَّوَابُ على كِلْتَا الحالَتَيْن، وليس كذلك المُنْفَرِدُ، إذْ ليس له من يُذَكِّرُه، فَيَبْنِى على اليَقِينِ، لِيَحْصُلَ له إتْمامُ صَلَاتِه، ولا يكونُ مَغْرُورًا بها، وهو مَعْنَى قولِه ﷺ : "لا غِرَارَ في صَلَاةٍ (١٩) ". وعلى هذا يُحْمَلُ حَدِيثُ أبي سعيدٍ وعبد الرحمنِ بنِ عَوْفٍ على المُنْفَرِدِ, وحديثُ ابنِ مسعودٍ على الإِمامِ، جَمْعًا بين الأخْبارِ، وَتَوْفِيقًا بينها. فإن اسْتَوَى الأَمْرَانِ عندَ الإِمامِ، بَنَى على اليَقِينِ أيضًا. وعلى الرِّوَايةِ الثَّانِيَةِ يُحْمَلُ حَدِيثُ أبي سعيدٍ وعبدِ الرحمنِ علَى مَن لا ظَنَّ له، وحَدِيثُ ابْنِ مسعودٍ على مَن له ظَنٌّ. فأمَّا قَوْلُ أصْحَابِ الرَّأْىِ فيُخالِفُ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ
следующие страницы →