← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ورَوَى مُسْلِمٌ (٩)، بإسْنَادِهِ عن أبي المُهَلَّبِ، عنْ عِمْرَانَ بن الحُصَيْنِ، قال: سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في ثَلَاثِ رَكَعاتٍ من العَصْرِ، ثم قَامَ فَدَخَلَ الحُجْرَةَ، فقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ اليَدَيْنِ، فقال: أقُصِرَتِ الصّلَاة يا رَسُولَ اللهِ؟ فخَرَجَ مُغْضَبًا، فَصَلَّ ى الرَّكْعَةَ التي كان تَرَكَ، ثم سَلَّمَ، ثم سَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ، ثم سَلَّمَ. ورَوَى ابنُ عُمَرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وذو اليَدَيْنِ مِثْلَ حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. فصل: فإنْ طَالَ الفَصْلُ، أو انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ، اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ. وكذلك قال الشَّافِعِىُّ: إن ذَكَرَ قَرِيبًا، مِثْلَ فِعْلِ النبىِّ ﷺ يَوْمَ ذِى اليَدَيْنِ، ونَحْوَهُ قال مالِكٌ. وقال يَحْيَى الأَنْصَارِىُّ، واللَّيْثُ، والأَوْزَاعِىُّ: يَبْنِى، ما لم يَنْقُضْ وُضُوءَه. ولَنا، أنَّها صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، فلم يَجُزْ بِنَاءُ بعضِها على بَعْضٍ مع طُولِ الفَصْلِ، كما لو انْتَقَضَ وُضُوؤُه. ويُرْجَعُ في طولِ الفَصْلِ وقِصَرِه (١٠) إلى العادةِ، من غيرِ تَقْدِيرٍ بمُدَّةٍ، [ولأصْحابِ الشافِعِيِّ في ذلك خلافٌ فيما إذا ترك رُكْنًا. على ما مضَى بَيانُه] (١١). والصَّحِيحُ أنَّه (١٢) لا حَدَّ له؛ لأنَّه لم يَرِد الشَّرْعُ بِتَحْدِيدِه، فَيُرْجَعُ فيه إلى العَادَةِ والمُقَارَبَةِ لِمِثْلِ حالِ النبيِّ ﷺ في حَدِيثِ ذِى اليَدَيْنِ. فصل: فإنْ يَذْكُرْ حتى شَرَعَ في صَلَاةٍ أُخْرَى، [وطال الفَصْلُ، بطَلتِ الأُولَى، وإن] (١٣) لم يَطُل الفَصْلُ، عادَ إلى الأُولَى فأَتَمَّهَا. [وبهذا قال الشَّافِعِىُّ] (١٤).

стр. 912

وقال الشيخُ أبو الفَرَجِ (١٥)، في "المُبْهِجِ": يَجْعَلُ ما شَرَعَ فيه مِن الصلاةِ الثَّانِيةِ تَمَامًا للأُولَى، فَيَبْنِى إحْدَاهما على الأُخْرَى، ويكونُ وجودُ السَّلَامِ كعَدَمِه؛ لأنَّه سَهْوٌ مَعْذُورٌ فيه، وسَوَاءٌ كان ما شَرَعَ فيه نَفْلًا أو فَرْضًا. وقال الحَسَنُ، وحَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ: [إنْ يَشْرَع في تَطَوُّعٍ بطَلتِ المَكْتُوبَةُ. وقال مالك: أحَبُّ إلىَّ أن يَبْتَدِئَها. ورُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، مِثْلُ قَوْلِ الحسنِ: فإنَّه قال] (١٦)، في رِوايةِ أبى الحارِثِ، إذا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ من المَغْرِبِ وسَلَّمَ ثم دَخَلَ في التَّطَوُّعِ: إنَّه بِمَنْزِلَةِ الكَلَامِ، يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ. ولَنا، أنَّه عَمِلَ عَمَلًا من جِنْسِ الصَّلَاةِ سَهْوًا، فلم تَبْطُلْ، كما لو زَادَ خَامِسَةً. وأما [إتْمامُ الأُولَى بالثانِيةِ] (١٧) فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد خَرَجَ [من الأُولَى بالسَّلامِ، ونِيَّةِ الخُروج منها ولم يَنْوِهَا] (١٨)، ونِيَّةُ غَيْرِها لا تُجْزِىءُ عن نِيَّتِهَا، كحَالَةِ الابتِدَاءِ. ٢١٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ كانَ إمَامًا فَشَكَّ، فلم يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ تَحَرَّى، فَبَنَى عَلَى أكْثَرِ وَهْمِهِ، ثم سَجَدَ بعد السَّلامِ، كما روى (١) عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) قولُه "على أكثر وَهْمِهِ" أي ما يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه صَلَّاهُ. وهذا في الإِمامِ خاصَّةً، ورُوِىَ عن أحمدَ، ﵀ رِوايَةٌ أُخْرَى: أنه يَبْنِى على [غالِبِ ظَنِّه؛ إمامًا كان، أو مُنْفَرِدًا. قال، في روايةِ الأَثْرَمِ] (٢): بين التَّحَرِّى واليَقِينِ فَرْقٌ. أما

стр. 913

حَدِيثُ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، فيقولُ: إذا لم يَدْرِ أثَلَاثًا صَلَّى (٣) أو اثْنَتَيْنِ، جَعَلَها اثْنَتَيْنِ. قال: فهذا عَمِلَ على اليَقِينِ، فَبَنَى عليه، والذي يَتَحَرَّى يكونُ قد صلَّى ثَلَاثًا، فيدْخُلُ قَلْبَه شَكٌّ أنَّه إنَّما صَلَّى اثْنَتَيْنِ، إلا أن يكونَ (٤) أكثرُ ما فِي نفسِه أنَّه قد صلَّى ثَلَاثًا، وقد دخل قَلْبَه شيءٌ، فهذا يَتَحَرَّى أصْوَبَ ذلك، ويسجدُ بعد السَّلامِ. قال: فبينهما فَرْقٌ. فظَاهِرُ هذا، أنَّه إنَّما يَبْنِى على اليَقِين [إذا اسْتَوَى عندَه الأمْرانِ ولم يكنْ له غالبُ ظَنٍّ، وسواءٌ كان إمامًا أو مُنْفرِدًا] (٥). رُوِىَ ذلك عن عَلِىِّ بن أبِى طَالِبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وبِنَحْوِهِ قال النَّخَعِىُّ، وقالَه أصْحابُ الرَّأْىِ، إن تَكَرَّرَ ذلك عليه. وإنْ كان أوَّلَ ما أصابهُ، أعادَ الصَّلَاةَ لِقَوْلِه ﷺ : "لا غِرَارَ في [صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ (٦) ". والرِّوايَةُ الثالثةُ عن أحمدَ أنَّه يبْنِى على] (٧) اليَقينِ، ويسجدُ قبلَ السَّلامِ، كالمُنْفَرِدِ سَوَاءً، اخْتارَها أبو بكرٍ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وعَبْدِ اللهِ بنِ عمر، وشُرَيْحٍ، والشَّعْبِىِّ، وعَطَاءٍ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وسَالِمِ بنِ عبدِ اللهِ، وهو قولُ رَبِيعَة، ومالِكٍ، وعَبْدِ العَزِيزِ بنِ أبِى سَلمَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحَاقَ، والأوْزَاعِيِّ؛ لما رَوَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ "إذا شَكَّ أَحَدُكُم في صَلَاتِه، فلم يَدْرِ كَمْ صَلَّى، أثَلَاثًا أم أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثم يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أن يُسَلِّمَ، فإن كان صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإنْ كَانَ صَلَّى تَمَامَ الأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا للشَّيْطَانِ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، [وأبو داودَ وابنُ مَاجَه] (٨). وعن عبدِ الرحمنِ بنِ

стр. 914

عَوْفٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا شَكَّ أحَدُكُم فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ أزَاد أو نَقَصَ، فَإنْ كَانَ شَكَّ فِي الْوَاحِدَةِ والِاثْنَتَيْنِ، فَلْيَجْعَلْهُمَا وَاحِدَةً، حتى يكونَ الوَهْمُ في الزِّيَادَةِ، ثم لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جَالِسٌ قبل أنْ يُسَلِّمَ، ثم يُسَلِّمْ". رَوَاهُ الأَثْرَمُ، وابْنُ مَاجَه، والتِّرمِذِىُّ [وقال: هذا حديثٌ صَحِيحٌ] (٩) ولأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ما (١٠) شَكَّ فيه، [فيَبْنِى على عَدَمِه، كما لو شَكَّ في ركوعٍ أو سجودٍ. والرواية الأُولَى هي اخْتيارُ الْخِرَقِىِّ، وهى المشهورةُ عن أحمدَ؛ لما] (١١) رَوَى عبدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِه فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ ليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٢) ولِلْبُخَارِيِّ: "بعد التَّسْلِيمِ". وفى لَفْظٍ: "فَلْيَنْظُر أحْرَى ذَلِكَ للصَّوَابِ". وفى لَفْظٍ:

стр. 915

["فَلْيَتَحَرَّ أقْرَبَ ذَلِكَ لِلصَّوَابِ] (١٣) ". وفى لَفْظٍ: "فَلْيَتَحَرَّ الَّذِى يَرَى أنَّهُ الصَّوَابُ". رَوَاها كُلَّها مُسْلِمٌ. (١٤) وفى لَفْظٍ رَوَاهُ أبو داودَ، (١٥) قال: "إذا كُنْتَ في صَلَاةٍ، فَشَكَكْتَ في ثَلَاثٍ أو أَرْبَعٍ، وأَكْثَرُ ظَنِّكَ على أَرْبَعٍ، تَشَهَّدْتَ، ثُمَّ سَجَدْتَ سَجْدَتَيْنِ وأَنْتَ جَالِسٌ". [وإنما حمَلْنا هذا على الإِمامِ دونَ] (١٦) المُنْفَرِدِ، لأنَّ الإِمامَ له مَنْ يُنَبِّهُه ويُذَكِّرُهُ إذا أخْطَأ الصَّوابَ، فيعملُ (١٧) بالأظْهَرِ عندَه، فإن أصابَ أَقَرَّهُ المَأمُومُون، فيَتَأَكَّدُ عِنْدَه صوابُ نَفْسِه، وإن أَخْطَأَ سَبَّحُوا به، فَرَجَع إليهم، فيحصُلُ (١٨) له الصَّوَابُ على كِلْتَا الحالَتَيْن، وليس كذلك المُنْفَرِدُ، إذْ ليس له من يُذَكِّرُه، فَيَبْنِى على اليَقِينِ، لِيَحْصُلَ له إتْمامُ صَلَاتِه، ولا يكونُ مَغْرُورًا بها، وهو مَعْنَى قولِه ﷺ : "لا غِرَارَ في صَلَاةٍ (١٩) ". وعلى هذا يُحْمَلُ حَدِيثُ أبي سعيدٍ وعبد الرحمنِ بنِ عَوْفٍ على المُنْفَرِدِ, وحديثُ ابنِ مسعودٍ على الإِمامِ، جَمْعًا بين الأخْبارِ، وَتَوْفِيقًا بينها. فإن اسْتَوَى الأَمْرَانِ عندَ الإِمامِ، بَنَى على اليَقِينِ أيضًا. وعلى الرِّوَايةِ الثَّانِيَةِ يُحْمَلُ حَدِيثُ أبي سعيدٍ وعبدِ الرحمنِ علَى مَن لا ظَنَّ له، وحَدِيثُ ابْنِ مسعودٍ على مَن له ظَنٌّ. فأمَّا قَوْلُ أصْحَابِ الرَّأْىِ فيُخالِفُ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ

стр. 916

رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنَّ أحَدَكُمْ إذَا قامَ فَصَلَّ ى، جَاءَهُ الشَّيْطانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ (٢٠)، حَتَّى لا يَدْرِى كَمْ صَلَّى؟ فَإذَا وَجَدَ ذَلِك أحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جالِسٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٢١). ولأنَّه شَكَّ في الصَّلَاةِ فلم يُبْطِلْها، كما لو تَكَرَّرَ ذلك منه. وقَوْلُه ﷺ : "لا غِرَارَ". يعني لا يَنْقُصُ مِن صَلَاتِه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ لا يَخْرُجُ منها وهو [شَاكٌّ في] (٢٢) تَمَامِها، ومن بَنَى على اليَقِينِ لم يَبْقَ في شَكٍّ من تَمَامِها، وكذلك من بَنَى على غَالِبِ ظَنِّهِ فوَافَقَهُ المَأْمُومُونَ، أو رَدُّوا عليه غَلَطَه، فلا شَكَّ عندَه. فصل: ومتى اسْتَوَى عنده الأمْرَان بَنَى على اليَقِينِ، إمَامًا كان أو مُنْفَرِدًا، وأَتَى بما بَقِىَ من صَلَاتِه، وسَجَدَ للسَّهْوِ قبلَ السَّلامِ؛ لأنَّ الأصْلَ البِنَاءُ على اليَقِينِ، وإنَّما جازَ تَرْكُه في حَقِّ الإِمامِ، لِمُعَارَضَتِه الظَّنَّ الغَالِبَ، فإذا لم يُوجَدْ، وجب الرُّجوعُ إلى الأصْلِ. فصل: وإذا سَهَا الإِمامُ فأتَى بِفِعْلٍ في غيرِ مَوْضِعِه، لَزِمَ المأْمُومِينَ تَنْبِيهُه، فإن كانوا رِجالًا سَبَّحُوا به، وإن كانوا نِسَاءً صَفَّقْنَ بِبُطُونِ أكُفِّهِنَّ على ظُهُورِ الأُخْرَى، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: التَّسْبِيحُ للرِّجالِ والنِّسَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "مَنْ نَاوبَهُ شَىْءٌ في صَلَاتِه، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٣). وحُكِىَ

стр. 917

عن أبي حنيفةَ أنَّ تَنْبِيهَ الآدَمِيِّ بالتَّسْبِيحِ أو القُرْآنِ أو الإِشَارَةِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ؛ لأنَّ ذلك خِطَابُ آدَمِيٍّ، وقد رَوَى أبو غَطَفَانَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "من أشَارَ بِيَدهِ في الصَّلَاةِ إشَارَةً تُفْقَهُ أوْ تُفْهَمُ فَقَدْ قَطَعَ الصَّلَاةَ" (٢٤). ولَنا، ما رَوَى أبو هُريرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، والتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ". وعن سَهْلِ بن سَعْدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا نَابَكُم فِي صَلَاتِكُمْ شَىْءٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وليُصَفِّقِ النِّسَاءُ". مُتَّفَقٌ عليهما (٢٥). ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، قال: قلتُ لبِلَالٍ: كَيْفَ كان النبيُّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِم حين كانُوا

стр. 918

يُسَلِّمُونَ عليه في الصَّلَاةِ؟ قال: كان يُشِيرُ بِيَدِه (٢٦). وعن صُهَيْبٍ، قال: مَرَرْتُ برسولِ اللهِ ﷺ وهو يُصَلِّي، فسَلَّمْتُ عليه، فرَدَّ علىَّ إشَارَةً وقال: لا أعْلَمُ إلَّا أنَّه قال، إشَارَةً بإصْبَعِهِ (٢٧). قال التِّرْمِذِيُّ: كلا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ. وقد ذَكَرْنَا حَدِيثَ أنَسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُشِيرُ في الصَّلَاةِ (٢٨). فأما حَدِيثُ مالِكٍ فَفِى حَقِّ الرِّجَالِ، فإن حَدِيثَنَا يُفَسِّرُه، لأنَّ فيه تَفْصِيلًا وزِيَادَةَ بَيَانٍ، يَتَعَيَّنُ الأخْذُ بها. وأمَّا حَدِيثُ أبي حنيفةَ فَضَعِيفٌ، يَرْوِيهِ أبو غَطَفَانَ وهو مَجْهُولٌ (٢٩) فلا يُعَارَضُ به الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ. فصل: إذا سَبَّحَ به اثْنَان يَثِقُ بِقَوْلِهما، لَزِمَه قَبُولُه، والرُّجُوعُ إليه، سَوَاءٌ غَلَبَ على ظَنِّه صَوابُهما أو خِلافُه. وقال الشَّافِعِيُّ: إن غَلَبَ على ظَنِّه خَطَؤُهما لم يَعْمَلْ بِقَوْلِهما؛ لأنّ مَنْ شَكَّ في فِعْلِ نَفسِه لم يعملْ بِقَوْلِ غيرِه، كالحاكِمِ إذا نَسِىَ حُكْمًا حَكَمَ به، فَشَهِدَ به شاهِدان وهو لا يَذْكُرُه. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَعَ إلى

стр. 919

قَوْلِ أبي بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، في حديثِ ذِى اليَدَيْنِ (٣٠)، لمَّا سَأَلهما: "أحَقٌّ ما يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ " قالوا: نعم. مع أنَّه كان شَاكًّا، بدَلِيلِ أنَّه أنْكَرَ ما قالَه ذو اليَدَيْنِ، وسألهما عن صِحَّةِ قَوْلِه، وهذا دَلِيلٌ على شَكِّه، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَهم بالتَّسْبِيحِ، لِيُذَكِّرُوا الإِمامَ، ويَعْمَلَ بِقَوْلِهم، ورَوَى ابنُ مسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى فَزَادَ أو نَقَصَ، إلى قوله: "إنَّما أنا بَشَرٌ أَنْسَى كما تَنْسَوْنَ، فإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي" (٣١). يَعْنى بالتَّسْبِيحِ، كما بيَّنَه (٣٢) في الحديثِ الآخَرِ. وكذا نقولُ في الحَاكِمِ: إنَّه يَرْجِعُ إلى قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ. وإنْ كان الإِمامُ على يَقِينٍ من صَوابِه، وخَطإِ المَأْمُومِينَ، لم يَجُزْ له مُتابَعَتُهم. وقال أبو الخَطَّابِ: يَلْزَمُه الرُّجُوعُ إلى قَولِهم، كالحاكِمِ يَحْكُمُ بالشَّاهِدَيْنِ ويَتْرُكُ يَقِينَ نَفْسِه. وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّه يَعْلَمُ خَطَأَهُم فلا يَتْبَعُهم في الخَطَإِ. وكذا نَقُولُ في الشَّاهِدَيْنِ: متى عَلِمَ الحاكِمُ كَذِبَهما لم يَجُزْ له الحُكْمُ بِقَوْلِهما؛ لأنَّه يعلمُ أنَّهما شاهِدَا زُورٍ، فلا يَحِلُّ له الحُكْمُ بِقَوْلِ الزُورِ، وإنما اعْتُبِرَت العَدَالَةُ في الشَّهَادَةِ [لأنَّها تُغَلِّبُ] (٣٣) على الظَّنِّ صِدْقَ الشُّهُودِ، وَرُدَّتْ شهادَةُ غَيْرِهم؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ صِدْقَهم، فمع يَقِينِ العِلْمِ بالكَذِبِ أوْلَى أن لا يَقْبَلَ. وإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا سَبَّحَ به المَأْمُومون (٣٤) فلم يَرْجِعْ، في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، بَطَلَتْ صَلَاتُه. نَصَّ عليه أحمدُ. وليس للمَأْمُومِينَ اتّبَاعُه، فإن اتَّبَعُوه لم يَخْلُ من أن يكونوا عالِمِين بِتَحْرِيمِ ذلك، أو جَاهِلِينَ به، فإنْ كانوا عَالِمينَ بَطَلَتْ صَلَاتُهم؛ لأنَّهم تَرَكُوا الوَاجِبَ عَمْدًا. وقال القاضي: في هذا ثلاثُ رِواياتٍ: إحْدَاها، أنَّه لا يجوزُ لهم مُتَابَعَتُه، ولا

стр. 920

يَلْزَمُهم انْتِظَارُه، إن كان نِسْيَانُه في زِيَادَةٍ يَأْتِى بها، وإن فارَقُوه وسَلَّمُوا صَحَّتْ صَلَاتُهم. وهذا اخْتِيَارُ الخَلَّالِ. والثَّانِيَةُ، يُتَابِعُونَه في القِيَامِ، اسْتِحْسَانًا. والثَّالِثَةُ، لا يُتَابِعُونَه، ولا يُسَلِّمُونَ قَبْلَه، لكن يَنْتَظِرُونَه لِيُسَلِّمَ بهم. وهو اخْتِيَارُ ابنِ حامِدٍ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الإِمامَ مُخْطِىءٌ في تَرْكِ مُتَابَعَتِهم، فلا يجوزُ اتِّبَاعُه على الخَطَإِ. الحالُ الثَّانِى: إنْ تَابَعُوه جَهْلًا بِتَحْرِيمِ ذلك، فإنَّ صَلَاتَهُم صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ تَابعُوه في التَّسْلِيم في حَدِيثِ ذِى اليَدَيْنِ، وفي الخامِسَةِ في حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فلم تَبْطُلْ صَلَاتُهُم. ورَوَى الأَثْرَمُ بإسْنادِهِ عن الزُّبَيْرِ، أنَّه صَلَّى صَلَاةَ العَصْرِ، فلمّا سَلَّمَ قال له (٣٥) رَجُلٌ من القَوْمِ: يا أبا عَبْدِ اللهِ إنّك صَلَّيْتَ رَكَعَاتٍ ثَلَاثًا. قال: أكذاكَ؟ قالوا: نعم. فرَجَعَ فَصَلَّ ى رَكْعةً، ثم سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. وعن إبراهيمَ، قال: صَلَّى بنا عَلْقَمَةُ الظُّهْرَ خَمْسًا، فلما سَلَّم قال القَوْمُ: يا أبا شِبْل، قد صَلَّيْتَ خَمْسًا. قال: كَلَّا، ما فَعَلْتُ. قالوا: بَلَى. قال: وكُنْتُ في نَاحِيَةِ القَوْمِ وأنا غُلَامٌ، فقلتُ: بَلَى قد صَلَّيْتَ خَمْسًا. قال لي: يا أعْوَرُ، وأنْتَ تَقُولُ ذلك أيضًا؟ قلتُ: نعم. فسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. فلم يَأْمُرُوا من وَرَاءَهم بالإِعَادَةِ. فَدَلَّ على أن صَلَاتَهم لم تَبْطُلْ بِمُتَابَعَتِهِم. ومتى عَمِلَ الإِمَامُ بِغَالِبِ ظَنِّه، فَسَبَّحَ به المأْمُومُون، فرجعَ إليهم، فإنَّ سُجُودَه قبل السَّلَامِ لِمَا فعله من الزِّيَادَةِ في الصَّلَاةِ سَهْوًا. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللَّه يُسْألُ، عن رَجُلٍ جَلَسَ في الرَّكْعَةِ الأُولَى من الفَجْرِ، فَسَبَّحُوا به، فقامَ، متى يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ فقال: قبْلَ السَّلامِ. فصل: فإن سَبَّحَ بالإِمَامِ واحِدٌ لم يَرْجِعْ إلى قَوْلِه، إلَّا أن يَغْلِبَ على ظَنِّه صِدْقُه، فيعملَ بغَالِبِ ظَنِّه، لا بِتَسْبِيحِه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَقْبَلْ قولَ ذِى اليَدَيْنِ وحده، فإن سَبَّحَ به (٣٦) فُسَّاقٌ لم يَرْجِعْ إلى قَوْلِهِم؛ لأنَّ قَوْلَهم غيرُ مَقْبُولٍ في

стр. 921

أحْكامِ الشَّرْعِ. وإن افْتَرَقَ المَأْمُومُونَ طائِفَتَيْنِ، وَافَقَه قومٌ وخَالَفَه آخَرُون، سقط قَوْلُهم؛ لِتَعَارُضِهم، كالبَيِّنَتَيْنِ إذا تعارَضتا. ومتى لم يَرْجِعْ، وكان المَأْمُومُ على يَقِينٍ من خَطَإِ الإِمامِ، لم يُتَابِعْه [لأنَّه إنَّما يُتابعُه] (٣٧) في أفْعَالِ الصَّلَاةِ، وليس هذا منها. ويَنْبَغِى أنَّ يَنْتَظِرَه ههنا، لأنَّ صلاةَ الإِمامِ صَحِيحَةٌ، لم تَفْسُدْ بزِيادَتِها (٣٨) , فَيَنْتَظِرُهُ كما يَنْتَظِرُ الإِمَامُ المَأْمُومِينَ في صَلَاةِ الخَوْفِ. ٢١٦ - مسألة؛ قال: (وما عَدَا هذا من السَّهْوِ فَسُجُودهُ قبل السَّلَامِ، مِثْلُ المُنْفَرِدِ إذا شَكَّ في صَلَاتِه، فلم يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فَبَنَى على اليَقِينِ، أو قامَ في مَوْضِعِ جُلُوسٍ، أو جَلَسَ في مَوْضِعِ قِيَامٍ، أو جَهَرَ في مَوْضِعِ تَخافُتٍ، أو خافَتَ في مَوْضِعِ جَهْرٍ، أو صَلَّى خَمْسًا، أو ما عَدَاه (١) من السَّهْوِ، فَكُلُّ ذلك يَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ) وجُمْلَة ذلك، أنَّ السُّجُودَ كُلَّه عندَ أحمدَ قبلَ السَّلَامِ، إلَّا في المَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ وَرَدَ النَّصُّ بِسُجُودِهِما بعد السَّلامِ، وهما إذا سَلَّمَ من نَقْصٍ في صَلَاتِه، أو تَحَرَّى الإِمَامُ، فَبَنَى على غَالِبِ ظَنِّه، وما عَدَاهما يَسْجُدُ له قبلَ السَّلَامِ. نَصَّ على هذا في رِوَايَةِ الأثْرَمِ. قال: أنا أقولُ، كلُّ سَهْوٍ جاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه سَجَدَ (٢) فيه بعدَ السَّلَامِ، وسائِرُ السَّهْوِ (٣) يَسْجُدُ فيه قبلَ السَّلَامِ، هو أصَحُّ في المَعْنَى؛ وذلك أنَّه مِن شَأْنِ الصَّلَاةِ، فيَقْضِيه قبلَ أن يُسَلِّمَ. ثم قال: سَجَدَ النبيُّ ﷺ في ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ بعدَ السَّلَامِ، وفى غَيْرِها قبل السَّلَامِ. قلتُ: اشْرَح الثَّلَاثَةَ المَواضِعَ (٤)

стр. 922

التي بعدَ السَّلَامِ. قال: سَلَّمَ من رَكْعَتَيْنِ، فسَجَدَ بعد السَّلَامِ، هذا حَدِيثُ ذِى اليَدَيْنِ. وسَلَّمَ من ثَلَاثٍ فَسَجَدَ بعد السَّلَامِ، هذا حَدِيثُ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ. وحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ في مَوْضِعِ التَّحَرِّى سَجَدَ بعد السَّلَامِ. قال القَاضِى: لا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أحمدَ في هذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ، أنَّه يَسْجُدُ لهما بعد السَّلَامِ. واخْتُلِفَ في مَنْ سَهَا فصَلَّى خَمْسًا، هل يَسْجُدُ قبلَ السَّلامِ أو بعدَه؟ على رِوايتَيْن. وما عدا هذه المَوَاضِع الثَّلاثةَ (٥) يسجدُ لها قبلَ السَّلَامِ، رِوَايةً واحِدَةً. وبهذا قال سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ، وأبُو خَيْثَمَةَ، وابنُ المُنْذِرِ، وحَكَى أبُو الخَطَّابِ عن أحمدَ رِوَايتَيْن أُخْرَيَيْنِ. إحْدَاهما، أنَّ السُّجُودَ كلَّه قبلَ السَّلامِ. رُوِىَ ذلك عن أبي هُرَيْرةَ، ومَكْحُولٍ، والزُّهْرِىِّ، ويَحْيَى الأنْصَارِيّ، ورَبِيعَةَ، واللَّيْثِ، والأَوْزَاعِيِّ. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، وأبى سَعِيدٍ (٦). وقال الزُّهْرِيُّ: كان آخِرُ الأمْرَيْنِ السُّجُودَ قبلَ السَّلَامِ. ولأنَّه تَمَامٌ لِلصَّلَاةِ (٧) وجَبْرٌ لِنَقْصِهَا، فكان قبلَ سَلامِها كسائِرِ أفعالِها. والثَّانِيَةِ، أنَّ ما كان من نَقْصٍ سجدَ له قبلَ السَّلَامِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ. وما كان من زِيادةٍ سجدَ له بعدَ السَّلَامِ؛ لِحَديثِ ذِى اليَدَيْنِ، وحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حين صَلَّى النبيُّ ﷺ خَمْسًا. وهذا مَذْهَبُ مالِكٍ وأبى ثَوْرٍ. [وقد رُوِىَ] (٨) عن ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّه قال: كُلُّ شَىْءٍ شَكَكتَ فيه من صَلَاتِكَ مِن نُقْصَانٍ، من رُكُوعٍ أو سُجُودٍ، أو غَيْرِ ذلك، فاسْتَقْبِلْ أكْثَرَ ظَنِّه، واجْعَلْ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ من هذا النَّحْو قبلَ التَّسْلِيمِ، فأمَّا غيرُ ذلك من السَّهْوِ فَاجْعَلْهُ بعد التَّسْلِيمِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وقال أصْحَابُ الرَّأْىِ: سُجُودُ السَّهْوِ كلُّه بعد السَّلامِ، وله فِعْلُهما قبلَ السَّلَامِ. رُوِىَ (٩) نَحوُ ذلك عن عَلِيٍّ، وسَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، وابنِ

стр. 923

مَسْعُودٍ، وعَمًارٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأنَسٍ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وابنِ أبي لَيْلَى؛ لِحَدِيثِ ذِى اليَدَيْنِ، وحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ في التَّحَرِّى. ورَوَى ثَوْبَانُ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بعد التَّسْلِيمِ". روَاهُ سَعِيدٌ. وعن عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَكَّ في صَلَاتِه فَلْيَسْجُد سَجْدَتَيْنِ بعد ما يُسَلِّمُ". رَوَاهما أبو دَاوُدَ (١٠). ولَنا، أنَّه قد ثَبَتَ عن النَّبِيِّ ﷺ السُّجُودُ قبل السَّلَامِ، وبَعْدَه في أحادِيثَ صِحَاحٍ (١١)، مُتَّفَقٌ علها، ففيما ذَكَرْناه عَمَلٌ بالأحادِيث كُلِّها، وجَمْعٌ بينها، مِن غيرِ تَرْكِ شيءٍ منها، وذلك واجِبٌ مهما أمْكَنَ، فإنَّ خَبَرَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ يَجِبُ المَصِيرُ إليه، والعملُ به، ولا يُتْرَكُ إلَّا لِمُعَارِضٍ مِثْلِه، أو أقْوَى منه، وليس في سُجُودِه، بعدَ السَّلام أو قَبْلَه، في صُورَةٍ، ما يَنْفِى سُجُودَه في صُورَةٍ أُخْرَى في غير ذلك المَوْضِعِ، وذِكْرُ نَسْخِ حديثِ ذىِ اليَدَيْنِ لا وَجْهَ له، فإنَّ رَاوِيَيْه أبا هُرَيْرَةَ وعِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ هِجْرَتُهما مُتأخِّرَةٌ. وقَوْلُ الزُّهْرِيِّ، مُرْسَلٌ. لا يَقْتَضِى نَسْخًا، فإنه (١٢) يجوزُ أن يكونَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ سُجُودَه قبلَ السَّلَامِ؛ لِوُقُوعِ السَّهْوِ في آخِرِ الأمْرِ فيما سُجُودُه قبلَ السَّلَامِ. وحديثُ ثَوْبانَ يَرْوِيه (١٣) إسْمَاعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ، وفي رِوَايَتِه عن أَهْلِ الحِجَازِ ضَعْفٌ. وحَدِيثُ ابْنِ جَعْفَرٍ فيه ابْنُ أبِى لَيْلَى، وهو ضَعِيفٌ. وقال الأَثْرَمُ: لا يَثْبُتُ واحِدٌ منهما. فصل: في تَفْصِيلِ المسائِلِ التي ذكرَها الْخِرَقِيُّ، في هذه المسألةِ:

стр. 924

قَوْلُه: "مِثْلَ المُنْفَرِدِ إذا شَكَّ في صَلَاتِهِ، فلم يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فَبَنَى عَلَى اليَقِينِ". قد ذكرْنا أنَّ ظَاهِرَ المَذْهَبِ، أنَّ المُنْفَرِدَ يَبْنِى على اليَقِينِ. ومَعْنَاه أنَّه يَنْظُرُ ما تَيَقَّنَ أنَّه صَلَّاهُ من الرَّكَعَاتِ، فيُتِمُّ عليه، ويُلْغِى ما شَكَّ فيه. كما قال النَّبِىُّ ﷺ ، في حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ: "إذا شَكَّ أَحَدُكُمْ في الثِّنْتَيْنِ والواحِدَةِ، فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً، وإذا شَكَّ في الثِّنْتَيْنِ والثَّلَاثِ، فَلْيَجْعَلْهُما ثِنتَيْنِ، وإذا شَكَّ في الثَّلَاثِ والأَرْبَعِ فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا، ثم لْيُتِمَّ ما بَقِىَ من صَلَاتِه، حَتَّى يَكُونَ الوَهْمُ في الزِّيَادَةِ، ثم يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جَالِسٌ قبل أنْ يُسَلِّمَ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١٤) هكذا. وسَوَاءٌ غَلَبَ على ظَنِّهِ خِلَافُ ذلك أمْ لم يَغْلِبْ على ظَنِّه، إلَّا أنَّ يكونَ هذا الوَهْمُ مِثْلَ الوَسْوَاسِ، فقد قال ابنُ أبِى مُوسَى: إذا كَثُرَ السَّهْوُ حتى يَصِيرَ مثلَ الوَسْوَاسِ، لَهَا عنه. وذكرْنا أنَّ في المُنْفَرِدِ رِوَايةً أُخْرَى، أنَّه يَبْنِى على ما يَغْلِبُ على ظَنِّهِ. والصَّحِيحُ في المَذْهَبِ ما ذَكَرَ الخِرَقِيُّ ﵀. والحُكْمُ في الإِمامِ إذا بَنَى على اليَقِينِ، أنَّه يَسْجُدُ قبلَ السَّلامِ كالمُنْفَرِدِ. وإذا تَحَرَّى المُنْفَرِدُ على الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، سجدَ بعدَ السَّلامِ. فصل: قَوْلُه: "أو قَامَ في مَوْضِعِ جُلُوسٍ، أو جَلَسَ في مَوْضِعِ قِيَامٍ". أكثرُ أهلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنَّ هذا يُسْجَدُ له. ومِمَّنْ قال ذلك ابنُ مسعودٍ، وقَتَادَةُ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وكان عَلْقَمَةُ والأسْوَدُ يَقْعُدَانِ في الشَّىءِ يُقَامُ فيه، ويَقُومَانِ في الشَّىءِ يُقْعَدُ فيه، فلا يَسْجُدَانِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا نَسِىَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ" وقال: "إذا زَادَ الرَّجُلُ أو نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ"، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (١٥) عن ابْنِ مَسْعُودٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 925

وقَوْلُه ﷺ : "لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بعد السَّلَامِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٦). ولأنَّه سَهْوٌ فيسجُدُ (١٧) له كغيرِه، مع ما نَذْكُرُه في تَفْصِيلِ المسائِلِ. فأمَّا القِيَامُ في مَوْضِعِ الجُلُوسِ، ففى ثلاثِ صُوَرٍ: إحْدَاها، أنَّ يَتْرُكَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ ويقُومَ، وفيه ثلاثُ مَسَائِل؛ الأُولَى، ذِكْرُه قبلَ اعْتِدَالِهِ قائِمًا، فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلى التَّشَهُّدِ. ومِمَّنْ قال يَجلِسُ عَلْقَمَةُ، والضَّحَّاكُ، وقَتَادَةُ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ: إن فارَقَتْ ألْيَتَاهُ الأرْضَ مَضَى. وقال حَسَّانُ بن عَطِيَّة (١٨): إذا تَجَافَتْ رُكْبَتَاهُ عن الأَرْضِ مَضَى. ولَنا، ما رَوَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "إذَا قَامَ أحَدُكُمْ في الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَتِمّ قائِمًا، فَلْيَجْلِس، فَإذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ". رواه أبو داوُد، وابنُ مَاجَه (١٩). ولأنَّه أَخَلَّ بِوَاجِبٍ ذَكَرَه قبلَ الشُّرُوعِ في رُكْنٍ مَقْصُودٍ. فَلَزِمَه الإِتْيَانُ به، كما لو لم تُفَارِقْ ألْيَتَاهُ الأرضَ. المسألة الثانية: ذِكْرُه بعدَ اعْتِدَالِه قَائِمًا، وقبل شُرُوعِهِ في القِرَاءَةِ، فالأوْلَى له أنْ لا يَجْلِسَ، وإن جَلَسَ جَازَ. نَصَّ عليه (٢٠). قال النَّخَعِيُّ: يَرْجِعُ ما لم يَسْتَفْتِحِ القِرَاءَةَ. وقال حَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ: إن ذَكَرَ ساعَةَ يَقُومُ جَلَسَ. ولَنا، حَديثُ المُغِيرَة، وما نَذْكُرُه فيما بعدُ؛ ولأنَّه ذَكَرَهُ بعد الشُّرُوعِ في رُكْنٍ، فلم يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ، كما لو ذَكَرَه بعدَ الشُّرُوعِ في القِرَاءَةِ. ويَحْتَمِلُ [أنْ لا يجوزَ] (٢١)

стр. 926

الرُّجُوعُ؛ لِحديثِ المُغِيرَةِ، ولأنَّه شَرَعَ في رُكْنٍ، فلم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، كما لو شَرَعَ في القِرَاءةِ. المسألة الثالثة، ذِكْرُه بعد الشُّرُوعِ في القِرَاءَةِ، فلا يجوزُ له الرُّجُوعُ، ويَمْضِى في صلاتِه، في قَوْلِ أكثرِ أهل العِلْمِ. ومِمَّنْ رُوى عنه أنَّه لا (٢٢) يَرْجِعُ عمرُ، وسعدُ بنُ أبي وَقَّاص، وابنُ مسعودٍ، والمُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ، والنُّعْمَانُ بنُ بَشِيرٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والضَّحَّاكُ بنُ قَيْسٍ، وعُقْبَةُ بن عَامِرٍ. وهو قولُ أكْثَر الفُقَهَاءِ. وقال الحسنُ. يَرْجِعُ ما لم يَرْكَعْ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لِحَدِيثِ المُغِيرَة. ورَوَى أبو بكرٍ الآجُرِّىُّ (٢٣)، بإسْنَادِهِ عن مُعَاوِيةَ: أنَّه صَلَّى بهم فقامَ في الرَّكْعَتَيْنِ، وعليه الجُلُوسُ، فَسُبِّحَ به، فأبَى أنْ يَجْلِسَ، حتى إذا جَلَسَ يُسَلِّمُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وهو جَالِسٌ، ثم قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ هذا. ولأنَّه شَرَعَ في رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فلم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، كما لو شَرَعَ في الرُّكُوعِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يَسْجُدُ قبل السَّلامِ في جميعِ هذه المسائِلِ؛ لحديثِ مُعَاوِيَةَ، ولما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ مالِكِ بن بُحَيْنَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بهم الظُّهْرَ، فقَامَ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُوَلَيَيْنِ، ولم يَجْلِسْ، فقَامَ النَّاسُ معه، فلمّا قَضَى الصَّلَاةَ وانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهو جَالِسٌ، فسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قبلَ أن يُسلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ (٢٤). مُتَّفَقٌ عليه (٢٥).

стр. 927

فصل: إذا عَلِمَ المَأْمُومُونَ بِتَرْكِه التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، قبلَ قِيَامِهِم، وبعدَ قِيَامِ إمَامِهم، تَابَعُوه في القِيَامِ، ولم يَجْلِسُوا للتَّشَهُّدِ. [حَكاهُ الآجُرِّىُّ عن (٢٦) أحمدَ، وقال: هذا قول مالك، والشَّافِعِيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأهلِ العراق. ولا نَعْلمُ فيه خِلافًا] (٢٧)؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمّا سَهَا عن التَّشَهُّدِ الأَوَّل وقَامَ، قَامَ النَّاسُ معه، وفَعَلَهُ جَمَاعةٌ من الصَّحَابةِ ممَّن صَلَّى بالنَّاسِ، نَهَضُوا في الثَّانِيَةِ عن الجُلُوسِ، فَسَبِّحُوا بهم، فلم يَلْتَفِتُوا إلى مَنْ سَبَّحَ بهم، وبَعْضُهُم أوْمَأ إليهم بالقِيَامِ، فقامُوا. قال (٢٨): ومما احْتَجَّ به أحْمَدُ من فِعْلِ الصَّحَابَةِ، أنَّهم كانوا (٢٩) يقومون معه. قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ هارونَ، قال (٣٠): أخبرنا المَسْعُودِيُّ (٣١)، عن [زِياد بن عِلاقَةَ] (٣٢)، قال: صَلَّى بنا المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، فلما صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَامَ ولم يَجْلِسْ، فَسَبَّحَ به من خَلْفَه، فأشَارَ إليهم أنْ (٣٣) قُومُوا، فلما فَرَغَ من صَلَاتِه سَلَّمَ، وسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ (٣٤)، ثُمَّ قال: هكَذا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٣٥). قال: وحَدَّثَنا وَكِيعٌ،

стр. 928

قال (٣٦): أخْبَرَنا عِمْرَانُ بنُ حُدَيْرٍ (٣٧)، عن نَصْر (٣٨) بن عاصِمٍ اللَّيْثِيِّ، قال: أوْهَمَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهِ عنه، في القَعْدَةِ، فَسَبَّحُوا به، فقال: سُبْحَانَ اللهِ هكذا. أي قُومُوا. ورَوَى بإسْنَادِهِ مِثْلَ ذلك عن سَعْدٍ. ورَوَاهُ الآجُرِّىُّ عن معاويةَ (٣٩)، وعن عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، وقال: إنِّي سَمِعْتُكُم تَقُولُونَ سُبْحَانَ اللهِ لِكَيْما أجْلِسَ، فَلَيْسَتْ تلك السُّنَّة، إنما السُّنَّة التي صَنَعْتُ. وقد ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ (٤٠). فأمَّا إنْ سَبَّحُوا به قَبْلَ قِيَامِهِ فلم يَرْجِعْ، تَشَهَّدُوا لأَنْفُسِهم، ولم يَتْبَعُوه في تَرْكِهِ؛ لأنه تَرَكَ وَاجِبًا تَعَيَّنَ فِعْلُه عليه، فلم يكنْ لهم مُتَابَعَتُه في تَرْكِهِ. ولو رَجَعَ إلى التَّشَهُّدِ بعد شُرُوعِه في القِرَاءةِ لم يكنْ لهم مُتَابَعَتُه في ذلك؛ لأنَّه أخْطَأ. فأمَّا الإِمامُ، فمتى فَعَلَ ذلك عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه زَادَ في الصَّلاةِ مِن جِنْسِها عَمْدًا، أو تَرَكَ واجِبًا عَمْدًا، وإن كان جَاهِلًا بالتَّحْرِيمِ أو نَاسِيًا، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه زَادَ في الصَّلَاةِ سَهْوًا. ومتى عَلِمَ بِتَحْرِيمِ ذلك وهو في التَّشَهُّدِ، نَهَضَ، ولم يُتِمَّ الجُلُوسَ. ولو ذَكَرَ الإِمامُ التَّشَهُّدَ قبلَ انْتِصَابِه، وبعدَ قِيَامِ المَأْمُومِينَ، وشُرُوعِهم في القِرَاءَةِ، فرَجَعَ، لَزِمَهُم الرُّجُوعُ؛ لأنَّ الإِمامَ رَجَعَ إلى وَاجِبٍ، فَلَزِمَهم مُتَابَعَتُه، ولا اعْتِبَارَ بِقِيَامِهم قَبْلَه. فصل: وإنْ نَسِىَ التَّشَهُدَ دُونَ الجُلُوسِ له، فحُكْمُه في الرُّجُوعِ إليه حُكْمُ ما لو نَسِيَه مع الجُلُوسِ؛ لأنَّ التَّشَهُّدَ هو المَقْصُودُ. فأمّا إن نَسِىَ شَيْئًا من

стр. 929

الأذْكَارِ (٤١) الواجِبَةِ، كتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقَوْلِ: رَبّ اغْفِرْ لي بين السَّجْدَتَيْنِ، وقَوْلِ: رَبَّنَا ولك الحَمْدُ. فإنَّه لا يَرْجِعُ إليه بعدَ الخُرُوجِ مِن مَحَلِّه؛ لأنَّ مَحلَّ الذِّكْرِ رُكْنٌ قد وَقَعَ مُجْزِئًا صَحِيحًا. فلو رَجَع إليه لكانَ زِيَادَةً في الصَّلَاةِ، وتَكْرَارًا لِرُكْنٍ، ثم يَأْتِى بالذِّكْرِ في رُكُوعٍ أو سُجُودٍ زَائِدٍ غيرِ مَشْرُوعٍ، بِخِلافِ التَّشَهُّدِ، ولكنَّه يَمْضِي ويسجدُ لِلسَّهْوِ لِتَرْكِه، قياسًا على تَرْكِ التَّشَهُّدِ. الصُّورةُ الثَّانِيَة، قامَ مِن السَّجْدَةِ الأُولَى، ولم يجلِسْ لِلْفَصْلِ بينَ السَّجْدَتَيْنِ، فهذا قد تَرَكَ رُكْنَيْنِ؛ جِلْسَةَ الفَصْلِ، والسَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ. فلا يَخْلُو من حَالَيْنِ: أحَدِهما، أن يَذْكُرَ قبلَ الشُّرُوعِ في القِرَاءَةِ، فيَلْزَمُه الرُّجُوعُ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ. ولا أعْلَمُ فيه مُخَالِفًا، فإذا رَجَع، فإنَّه يَجْلِسُ جِلْسَةَ الفَصْلِ، ثم يَسْجُدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ، ثم يَقُومُ إلى الرَّكْعَةِ الأُخْرَى. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ: لا يَحْتَاجُ إلى الجُلُوسِ؛ لأنَّ الفَصْلَ قد حَصَلَ بالقِيامِ. وليسَ بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ الجِلْسَةَ وَاجِبَةٌ، ولا يَنُوبُ عنها القِيامُ كما لو عَمَدَ ذلك. فأمَّا إنْ كان جَلَسَ لِلْفَصْلِ، ثم قامَ ولم يَسْجُدْ، فإنَّه يَسْجُدُ، ولا يَلْزَمُه الجُلُوسُ. وقيل: يَلْزَمُه؛ لِيَأْتِىَ بالسَّجْدَةِ عن جُلُوسٍ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه أَتَى بالجِلْسَةِ، فلم تَبْطُلْ بِسَهْوٍ بَعْدَها كالسَّجْدَةِ الأُولَى، ويَصِيرُ كأنَّه سَجَدَ عَقِيبَ الجُلُوسِ. فإنْ كان يَظُنُّ أنَّه سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وجلس جِلْسَةَ الاسْتِرَاحَةِ، لم يُجْزِه عن جِلْسَةِ الفَصْلِ؛ لأنَّها هَيْئَةٌ، فلا تَنُوبُ عن الوَاجِبِ، كما لو تَرَكَ سَجْدَةً من رَكْعةٍ، ثم سجد لِلتِّلاوَةِ. وهكذا الحُكْمُ في تَرْكِ رُكْنٍ غيرِ السُّجُودِ، مثلِ الرُّكُوعِ، أو الاعْتِدَالِ (٤٢) عنه؛ فإنَّه يَرْجِعُ إليه متَى ذَكَرَه، قبلَ الشُّرُوعِ في قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الأُخْرَى، فيَأْتِى به، ثم بما بعدَه؛ لأنَّ ما أتَى به بعدَه غيرُ مُعْتَدٍّ به؛ لِفَوَاتِ

стр. 930

التَّرْتِيبِ. الحالِ الثَّانِى، تَرَكَ رُكْنًا؛ إمَّا سَجْدَةً، أو رُكُوعًا، سَاهِيًا، ثم ذَكَرَه بعدَ الشُّرُوعِ في قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ التي تَلِيها، بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ التي تَرَكَ الرُّكْنَ فيها (٤٣)، وصارَت التي شَرَعَ في قِرَاءَتِها مَكانَها. نَصَّ علَى هذا أحمدُ، في رِوَايَةِ الجَماعَةِ (٤٤)، قال الأثْرَمُ: سألْتُ أبا عبدِ اللهِ، عن رَجُلٍ صَلَّى رَكْعَةً، ثم قامَ لِيُصَلِّىَ أُخْرَى، فذكَرَ أنَّه إنَّما سَجَدَ لِلرَّكْعَةِ الأُولَى سَجْدةً واحِدَةً؟ فقال: إن كانَ أوَّلَ ما قام قبلَ أن يُحْدِثَ عَمَلًا (٤٥) للأُخْرَى، فإنَّه يَنْحَطُّ ويَسْجُدُ، ويَعْتَدُّ بها. وإن كان قد (٤٦) أحْدَثَ عَمَلًا (٤٥) للأُخْرَى، ألْغَى الأُولَى، وجَعَلَ هذه الأُولَى. قلتُ: يَسْتَفْتِحُ أو يُجْزِىءُ الاسْتِفْتَاحُ (٤٧) الأوَّلُ؟ قال: لا يَسْتَفْتِحُ، ويُجْزِئُه الأوَّلُ. قلتُ: فَنَسِىَ سَجْدَتَيْنِ من رَكْعَتَيْنِ؟ قال: لا يَعْتَدُّ بِتَيْنِك (٤٨) الرَّكْعَتَيْنِ، والاسْتِفْتَاحُ ثابِتٌ. وهذا قَوْلُ إسحاقَ. وقال الشَّافِعِيُّ: إنْ ذَكَرَ الرُّكْنَ المَتْرُوكَ قبلَ السُّجُودِ في الثَّانِيَةِ، فإنَّه يَعُودُ إلى السَّجْدَةِ الأُولَى. وإن ذَكَرَه بعد سُجُودِهِ في الثَّانِيَةِ وقَعتْ (٤٩) عن الأُولَى؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأُولَى قد صَحَّ فِعْلُها، وما فَعَلَهُ في الثَّانِيَةِ سَهْوٌ (٥٠) لا يُبْطِلُ الأُولَى، كما لو ذَكَرَ قبل القِرَاءَةِ. وقد ذَكَرَ أحمدُ هذا القَوْلَ عن الشَّافِعِيِّ وقَرَّ بِهِ، وقال: هو أشْبَهُ. يَعْنِى من قَوْلِ أصْحابِ أبي حَنِيفَةَ. إلا أنَّه اخْتَارَ القولَ الذي حَكَاهُ عنه الأثْرَمُ. وقال مالِكٌ: إن تَرَكَ سَجْدَةً فَذَكَرَها قبلَ رَفْعِ رَأْسِه من رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، [سجَدها، واعْتَدَّ برَكْعةِ الأُولَى، وإن ذكرَها بعدَ رَفْع رأْسِه من رُكوعِ الثانية] (٥١)، ألْغَى الأُولَى. وقال الحسنُ،

стр. 931

والنَّخَعِىُّ، والأوْزَاعِىُّ: مَن نَسِىَ سَجْدَةً، ثم ذَكَرَها، سَجَدَها في الصَّلَاةِ متى ما ذَكَرَها. وقال الأوْزَاعِىُّ: يَرْجِعُ إلى حيثُ كان من الصَّلَاةِ وَقْتَ ذِكْرِها، فيَمْضِى فيها. وقال أصْحَابُ الرَّأْىِ، في مَن نَسِىَ أرْبَعَ سَجَدَاتٍ من أرْبَع رَكَعَاتٍ، ثم ذَكَرَها في التَّشَهُّدِ: سَجَدَ في الحالِ أرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَتَمَّتْ صَلَاتُه. ولَنا، أنَّ المَزْحُومَ في الجُمُعَةِ، إذا زَالَ الزِّحَامُ والإِمَامُ رَاكِعٌ في الثَّانِيَةِ، فإنَّه يَتْبَعُه ويَسْجُدُ معه، ويكونُ السُّجُودُ من الثَّانِيَةِ دونَ الأُولَى، كذا ههنا. فصل: فإن مَضَى في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، أو رجعَ في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه المُضِىُّ، عالِمًا بِتَحْرِيمِ ذلك، فسَدتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه تَرَكَ وَاجِبًا في الصَّلاةِ عَمْدًا. وإن فعلَ ذلك مُعْتَقِدًا جَوَازَه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه تَرَكَه مِن غيرِ تَعَمُّدٍ، أشْبَهَ ما لو مَضَى قبلَ ذِكْرِ المَتْرُوكِ، لكنْ إذا مَضَى في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، فَسَدَتْ الرَّكْعَةُ التي تَرَكَ رُكْنَها، كما لو لم يَذْكُرْهُ إلَّا بعدَ شُرُوعِهِ في [القراءةِ. وإنْ رجع في مَوْضِعِ المُضِىِّ لم يَعْتَدَّ بما يفعلُه في الرَّكعةِ التي تركَه منها، لأنَّها فسَدتْ بشُروعِه في] (٥٢) قِرَاءَةِ غيرِها، فلم يَعُدْ إلى الصِّحَّةِ بِحالٍ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ، قامَ عن التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ إلى [رَكْعةٍ زائدةٍ] (٥٣)، فإنَّه يَرْجِعُ إليه متَى ما ذَكَرَه؛ لأنَّه قامَ إلى زِيَادَةٍ غيرِ مُعْتَدٍّ له بها. فَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ، كما لو ذَكَرَ قبلَ السُّجُودِ. ويَأْتِى تَفْصِيلُ هذه الصُّورَةِ فيما إذا صَلَّى خَمْسًا. وفى هذه الصُّوَرِ الثَّلَاثِ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ قبلَ السَّلَامِ. فصل: قوله: "أو جَلَسَ في مَوْضِعِ قِيَامٍ". فهذا يُتَصَوَّرُ بأن يَجْلِسَ عَقِيبَ الأُولَى أو الثَّالِثَةِ، يَظُنُّ أنَّه مَوْضِعُ التَّشَهُّدِ أو جِلْسَةُ الفَصْلِ، فمتَى ما ذَكَرَ قَامَ. وإن لم يَذْكُرْ حتى قامَ، أتَمَّ صَلَاتَهُ، وسَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لأنَّه زَادَ في الصَّلاةِ من جِنْسِها ما لو فَعَلَهُ عَمْدًا أبْطَلَها، فَلَزِمَهُ السُّجُودُ إذا كان سَهْوًا، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ.

стр. 932

فصل: والزِّياداتُ على ضَرْبَيْنِ؛ زِيَادَةُ أَفْعَالٍ، وزِيَادَةُ أَقْوَالٍ. فزِياداتُ الأفْعالِ قِسْمان: أحَدُهما، زِيَادَةٌ من جِنْسِ الصَّلَاةِ، مِثْلُ أن يقومَ في مَوْضِعِ جُلُوسٍ، أو يَجْلِسَ في مَوْضِعِ قِيَامٍ، أو يَزِيدَ رَكْعَةً أو رُكْنًا، فهذا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ، ويَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، قَلِيلًا كان أو كَثِيرًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا زَادَ الرَّجُلُ أو نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥٤). والثانى، مِنْ غيرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ كالمَشْىِ والحَكِّ والتَّرَوُّحِ، فهذا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِكَثِيرِه، ويُعْفَى عن يَسِيرِه، ولا يَسْجُدُ له، ولا فَرْقَ بين عَمْدِه وسَهْوِه. الضَّرْبُ الثَّانى، زِيَادَاتُ الأَقْوَالِ، وهى قِسْمان أيضًا. أحَدُهما، ما يُبْطِلُ عَمْدُه الصَّلَاةَ، كالسَّلَامِ وكَلَامِ الآدَمِيِّينَ، فإذا أتَى به سَهْوًا فَسَلَّمَ في غيرِ مَوْضِعِه، سَجَدَ، على ما ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ ذِى اليَدَيْنِ (٥٥). وإنْ تَكَلَّمَ في الصَّلَاةِ سَهْوًا، فهل تَبْطُلُ الصَّلَاةُ به أو يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ على رِوَايَتَيْنِ. القِسْمُ الثَّانى، ما لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصَّلَاةَ، وهو نَوْعَانِ: أحَدُهُما، أن يَأْتِىَ بِذِكْرٍ مَشْرُوعٍ في الصَّلَاةِ في غير مَحَلِّه، كالقِراءةِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، والتَّشَهُّدِ في القِيَامِ، والصَّلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ في التَّشَهُّدِ الأوَّل، وقِراءةِ السُّورَةِ في الأُخْرَيَيْنِ من الرُّبَاعِيَّةِ أو الأخِيرَةِ من المَغْرِبِ، وما أشْبَهَ ذلك، إذا فَعَلَهُ سَهْوًا، فهل يُشْرَعُ له سُجُودُ السَّهْوِ؟ على رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهما، لا يُشْرَعُ له سُجُودٌ؛ لأنَّ الصَّلَاةَ لا تَبْطُلُ بِعَمْدِهِ، فلم يُشْرَعِ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ، كَتَرْكِ سُنَنِ الأفْعالِ. والثانية، يُشْرَعُ له السُّجُودُ؛ لقولِه ﷺ : "إذا نَسِىَ أَحَدُكُم فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جَالِسٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥٦). فإذا قُلْنا: يُشْرَعُ له السُّجُودُ. فذلك مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِبٍ، لأنَّه جَبْرٌ لغيرِ وَاجِبٍ، فلم يَكُنْ واجِبًا، كَجَبْرِ سائِرِ السُّنَنِ. قال أحمدُ: إنما السَّهْوُ الذي يَجِبُ فيه السُّجُودُ، ما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 933

ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ السُّجُودِ. النَّوْعُ الثَّانِى، أن يَأْتِىَ فيها بذِكْرٍ أو دُعَاءٍ لم يَرِد الشَّرْعُ به فيها، كَقَوْلِه: "آمِين رَبَّ العَالَمِينَ". وقولِه في التَّكْبِيرِ: "اللهُ أكْبَرُ كَبِيرًا"، ونحو ذلك. فهذا لا يُشْرَعُ له السُّجُودُ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ : أنه سَمِعَ رَجُلًا يقولُ في الصَّلَاةِ: الحَمْدُ لِلّهِ حَمْدا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فيه كما يُحِبُّ رَبُّنَا ويَرْضَى (٥٧). فلم يَأْمُرْهُ بالسُّجُودِ. فصل: وإذا جلسَ [في مَوْضِعٍ لِلتَّشَهُّدِ] (٥٨) قَدْرَ جِلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ، فقال القاضي: يَلْزَمُه السُّجُودُ، سَوَاءٌ قُلْنا: جِلْسَةُ الاسْتِرَاحَةِ مَسْنُونَةٌ أو لم نَقُلْ ذلك؛ لأنَّه لم يُرِدْهَا بِجُلُوسِهِ، إنما أرادَ غيرَها فكان سَهْوًا. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَلْزَمَهُ؛ لأنَّه فِعْلٌ لو تَعَمَّدَهُ (٥٩) لم تَبْطُلْ (٦٠) صَلَاتُه، فلا يَسْجُدُ لِسَهْوِه، كالعَمَلِ اليَسِيرِ من غيرِ جِنْسِ الصَّلاةِ. فصل: قوله: "أو جَهَرَ في مَوْضِعِ تَخافُتٍ، أو خَافَتَ في مَوْضِعِ جَهْرٍ". وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الجَهْرَ والإِخْفَاتَ في مَوْضِعِهِما من سُنَنِ الصَّلَاةِ، لا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا. وإن تَرَكَهُ سَهْوًا، فهل يُشْرَعُ له السُّجُودُ من أجْلِه؟ فيه عن أحمدَ رِوَايتان: إحْدَاهما، لا يُشْرَعُ. قال الحسنُ، وعَطَاءٌ، وسَالِمٌ، ومُجَاهِدٌ، والقَاسِمُ، والشَّعْبِىُّ، والحَاكِمُ: لا سَهْوَ عليه. وجَهَرَ أنَسٌ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ولم يَسْجُدْ، وكذلك عَلْقَمَةُ والأسْوَدُ. وهذا مَذْهَبُ الأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه سُنَّةٌ، فلا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِتَرْكِهِ، كَرَفْعِ اليَدَيْنِ. والثَّانِيَةُ، يُشْرَعُ. وهو مَذْهَبُ

стр. 934

مالِكٍ، وأبى حنيفةَ في الإِمامِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "إذا نَسِىَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ (٦١) ". ولأنَّه أخَلَّ بِسُنَّةٍ قَوْلِيَّةٍ، فَشُرِعَ السُّجُودُ لها، كَتَرْكِ القُنُوتِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالقُنُوتِ، وبالتَّشَهُّدِ الأَوَّلِ، فإنَّه عندَ الشَّافِعِىِّ سُنَّةٌ ويَسْجُدُ تَارِكُهُ، فإذا قُلْنا بهذا [فإنَّ السُّجُودَ مُسْتَحَبُّ] (٦٢) غيرُ واجِبٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن رَجُلٍ سَهَا، فجهَرَ فيما يُخَافَتُ فيه، فهل عليه سَجْدَتَا السَّهْوِ؟ قال: أمَّا عليه فلا أقُولُ عليه، ولكنْ إن شَاءَ سَجَدَ. وذَكَرَ أبو عبدِ اللَّه الحَدِيثَ عن عمرَ، أو غيرِه، أنَّه كان يُسْمَعُ منه نَغْمَةٌ في صَلَاةِ الظُّهْرِ (٦٣). قال: وأَنَسٌ جَهَرَ فلم يَسْجُدْ. وقال: إنَّما السَّهْوُ الذي يَجِبُ فيه السُّجُودُ ما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ . وقال صَالِحٌ: قال أبِى: إن سَجَدَ فلا بَأْسَ، وإن لم يَسْجُدْ فليس عليه. ولأنَّه جَبْرٌ لما ليس بِوَاجِبٍ، فلم يكنْ وَاجِبًا كسَائِرِ السُّنَنِ. فصل: قَوْلُه: "أو صَلَّى خَمْسًا". يَعْنِى في صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ، فإنَّه متى قامَ إلى الخَامِسَة في الرُّبَاعِيَّةِ، أو إلى الرَّابِعَة في المَغْرِبِ، أو إلى الثَّالِثَة في الصُّبْحِ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ متى ما ذَكَرَ، فَيَجْلِس؛ فإنْ كان قد تَشَهَّدَ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ التي تَمَّتْ بها صَلَاتُه، سجد لِلسَّهْوِ، ثم سَلَّمَ (٦٤). وإن كان قد تَشَهَّدَ، ولم يُصَلّ على النَّبِيِّ ﷺ ، صَلَّى عليه، ثم سَجَدَ لِلسَّهْوِ وسَلَّمَ. وإن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ، تَشَهَّدَ وسَجَدَ للسَّهْوِ، ثم سَلَّمَ. فإن لم يَذْكُرْ حتى فَرَغَ من الصَّلاةِ، سجد سَجْدَتَيْنِ، عَقِيبَ ذِكْرِهِ، وتَشَهَّدَ وسلَّم (٦٥)، وصَلَاتُه صَحِيحَةٌ. وبهذا قال عَلْقَمَةُ، والحسنُ، وعَطَاءٌ

стр. 935

والزُّهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وقال أبو حنِيفةَ: إن ذَكَرَ قبل أن يَسْجُدَ، جَلَسَ للتَّشَهُّدِ، وإن ذَكَرَ بعدَ السُّجُودِ، وكان جَلس عَقِيبَ الرَّابِعَة قَدْرَ التَّشَهُّدِ، صَحَّتْ صَلَاتُه، ويُضِيف إلى الزِّيَادَةِ أُخْرَى، لِتكونَ نافِلَةً. فإنْ لم يكنْ جلس في الرَّابِعَة بَطَلَ فَرْضُه، وصارتْ صلاتُه نَافِلَةً، ولَزِمَهُ إعادةُ الصَّلاةِ. ونحوَه قال حَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ. وقال قَتَادَةُ، والأوْزَاعِىُّ، في مَن صَلَّى المَغْرِبَ أَرْبَعًا: يُضِيفُ إليها أُخْرَى، فتكونُ الرَّكْعَتَانِ تَطَوُّعًا؛ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ ، في حَدِيثِ أبِى سَعِيدٍ في مَن سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ: "فإن كانَتْ صَلَاتُه تَامَّةً كانت الرَّكْعَةُ والسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً. رَوَاهُ أبو داوُدَ، وابْنُ مَاجَه (٦٦). وفي رِوَايَةٍ: "فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦٦). ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللَّه بن مسعودٍ، قال: صَلَّى بنا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَمْسًا، فلمّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ القَوْمُ بينهم، فقال: "ما شَأْنُكُمْ"؟ قالُوا: يا رسولَ اللهِ: هل زِيدَ في الصَّلَاةِ؟ قال: "لَا". قالُوا: فإنَّكَ قد صَلَّيْتَ خَمْسًا. فانْفَتَلَ، ثم سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم سَلَّمَ، ثم قال: "إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِىَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". وفي رِوَايةٍ، قال: "إنَّمَا أنَا بَشَرٌ مِثلُكُمْ، أذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وأنْسَى كما تَنْسَوْنَ". ثم سَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ. وفي رِوَايَةٍ، فقال: "فَإذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". [روَاه كلُّه] (٦٧) مُسْلِمٌ (٦٨). والظَّاهِرُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَجْلِسْ عَقِيبَ الرَّابِعَةِ؛ لأنَّه لم يُنْقلْ، ولأنَّه قام إلى الخَامِسَةِ مُعْتَقِدًا أنَّه قام عن ثَالِثَةٍ، ولم تَبْطُلْ صَلَاتُه بهذا، ولم

стр. 936

يُضِفْ إلى الخَامِسَةِ أُخْرَى. وحديثُ أبى سَعِيدٍ حُجَّةٌ عليهم أيضًا، فإنَّه جعل الزَّائِدَةَ نافِلَةً، من غيرِ أن يَفْصِلَ بينها وبين التي قَبْلَها بِجُلُوسٍ، وجعل السَّجْدَتَيْنِ يَشْفَعَانِها، ولم يَضُمَّ إليها رَكْعَةً أُخْرَى، وهذا كُلُّهُ خِلَافٌ لما قَالُوهُ، فقد خَالَفُوا الخَبَرَيْنِ جَمِيعًا، وقَوْلُنَا يُوَافِقُ الخَبَرَيْنِ جَمِيعًا. والحمدُ للهِ رَبِّ العالمينِ. ٢١٧ - مسألة؛ قال: (فَإِذَا (١) نَسِىَ أنَّ عَلَيْه سُجُودَ سَهْوٍ، وسَلَّمَ، كَبَّرَ، وسَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ، وتَشَهَّدَ، وسَلَّمَ، ما كان في المَسْجِدِ، وإن تَكَلَّمَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سَجَدَ بعد السَّلَامِ والكَلَامِ) الكلامُ في هذه المَسْأَلةِ في فُصُولٍ ثلاثةٍ: الفصل الأوَّل: أنَّه إذا نَسِىَ سُجُودَ السَّهْوِ، ثم ذكرَه قبلَ طُولِ الفَصْلِ في المَسْجِدِ، فإنَّه يَسْجُدُ، سَوَاءٌ تَكَلَّمَ أو لم يَتَكَلَّمْ. وبهذا قال مَالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وكان الحَسَنُ، وابْنُ سِيرينَ يَقُولانِ: إذا صَرَفَ وَجْهَهُ عن القِبْلَةِ، لم يَبْنِ، ولم يَسْجُدْ. وقال أبو حنيفةَ: إن تَكَلَّمَ بعدَ الصَّلَاةِ، سَقَطَ عنه سُجُودُ السَّهْوِ؛ ولأنَّه أَتَى بما يُنَافِيهَا، فأشْبَهَ ما لو أحْدَثَ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَجَدَ بعد السَّلَامِ والكَلَامِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢) وأيضًا الحَدِيثُ الذي ذَكَرْنَاهُ في المَسْأَلَةِ التي قبلَ هذه، فإنَّه ﵊ تَكَلَّمَ، وتَكَلَّمَ المَأْمُومُونَ، ثم سَجَدَ وسَجَدُوا معَه (٣). وهذا حُجَّةٌ على الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ. لقولِه: فلما انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ القَوْمُ بَيْنَهُم، ثم سَجَدَ بعد انْصِرَافِه عن القِبْلَةِ. ولأنَّه إذا جَازَ إتْمَامُ رَكْعَتَيْنِ من الصَّلَاةِ بعد الكَلَامِ

стр. 937

والانْصِرَافِ، كما في حَدِيثِ ذِى اليَدَيْنِ، فالسُّجُودُ أوْلَى. الفصل الثَّانى: أنَّه لا يَسْجُدُ بعد طُولِ المُدَّةِ. واخْتُلِفَ في ضَبْطِ المُدَّةِ التي يَسْجُد فيها، ففى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ، يَسْجُدُ ما كان في المَسْجِدِ، فإنْ خَرَجَ لم يَسْجُدْ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الحَكَمِ، وابْنِ شُبْرُمَةَ. وقال القَاضِى: يُرْجَعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العَادَةِ، وهذا قَوْلٌ لِلشَّافِعِىِّ (٤)؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَجَع إلى المَسْجِدِ بعد خُرُوجِه منه في حَدِيثِ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ (٥)، فالسُّجُودُ أوْلَى، وحَكَى ابنُ أبِى موسى، عن أحمدَ، رِوَايةً أُخْرَى، أنَّه يَسْجُدُ وإن خَرَجَ وتَباعَدَ. وهو قولٌ ثانٍ للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه جُبْرَانٌ يأْتِى به بعدَ (٦) طُولِ الزَّمَانِ كجُبْرَانِ الحَجِّ. وهذا قولُ مالِكٍ إن كان لِزِيَادَةٍ، وإن كان لِنَقْصٍ أتَى به ما لم يَطُل الفَصْلُ؛ لأنَّه لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ. ولَنا، أنَّه لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ، فلا يَأْتِى به بعد طُولِ الفَصْلِ، كرُكْنٍ من أرْكَانِها، وكما لو كان مِن نَقْصٍ، وإنَّما ضَبَطْنَاه بِالمَسْجِدِ؛ لأنَّه مَحَلُّ الصَّلاةِ ومَوْضِعُها، فاعْتُبِرَتْ فيه المُدَّةُ، كخِيَارِ المَجْلِسِ. الفصل الثَّالث: أنَّه متى سَجَدَ لِلسَّهْوِ، فإنَّه يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ والرَّفْعِ منه، سَوَاءٌ كان مَحَلُّه (٧) قبلَ السَّلَامِ أو بعدَه. فإنْ كان قَبْلَ السَّلامِ سَلَّمَ عَقِبَه. وإن كان بَعْدَه تَشَهَّدَ، وسَلَّمَ، سَوَاءٌ كان مَحَلُّه بعدَ السَّلَامِ، أو كان قبلَ السَّلام فَنَسِيَه إلى ما بَعْدَه. وبهذا قال ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِىُّ، وقَتَادَةُ، والحَكَمُ وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ في التَّشَهُّدِ والتَّسْلِيمِ (٨). وقال أنَسٌ، والحسنُ، وعَطَاءٌ: لَيْسَ فيهما تَشَهُّدٌ ولا تَسْلِيمٌ. وقال ابنُ سِيرِينَ، وابنُ المُنْذِرِ: فِيهِما تَسْلِيمٌ بغيرِ تَشَهُّدٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: التَّسْلِيمُ فيهما ثابِتٌ من غيرِ وَجْهٍ، وفى

стр. 938

ثُبُوتِ التَّشَهُّدِ نَظَرٌ. وعن عَطَاءٍ: إن شاءَ تَشَهَّدَ وسَلَّمَ، وإن شَاءَ لم يَفْعَلْ. ولَنا، على التَّكْبِيرِ قَوْلُ ابْنِ بُحَيْنَةَ: فلمَّا قَضَى الصَّلَاةَ سجد سَجْدَتَيْنِ، كَبَّرَ في كلّ سَجْدَةٍ وهو جَالِسٌ قبل أن يُسَلِّمَ وسَجَدَهُما النّاسُ معه. وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ (٩). وقَوْلُ أبِى هُرَيْرَةَ، ثم كَبَّرَ وَسَجَدَ مثل سُجُودِهِ أو أطْوَلَ، ثم رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ (١٠). ولأنّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُكَبِّرُ في كلّ رَفْعٍ وخَفْضٍ. وأما التَّسْلِيمُ فقد ذَكَرَه عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، في حَدِيثِه الذي رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قال فيه: سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ثم سَلَّمَ (١١). وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. ثم سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم سَلَّمَ (١٢). وأما التَّشَهُّدُ فقد رَوَى أبُو دَاوُدَ في حَدِيثِ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بهم فَسَهَا، فسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم تَشَهَّدَ، ثم سَلَّمَ، قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ولأنَّه سُجُودٌ يُسَلَّمُ له، فكان معه تَشَهُّدٌ، كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجِبَ التَّشَهُّدُ؛ لأنَّ ظَاهِرَ الحَدِيثَيْنِ الأَوَّلَيْنِ أنَّه سَلَّمَ من غيرِ تَشَهُّدٍ، وهما أصَحُّ مِن هذه الرِّوَايةِ، ولأنَّه سُجُودٌ مُفرَدٌ، فلم يَجِبْ له تَشَهُّدٌ، كسُجُودِ التِّلاوةِ. فصل: وإذا نَسِىَ سُجُودَ السَّهْوِ حتى طالَ الفَصْلُ، لم تَبْطُل الصَّلَاةُ. وبذلك قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ: أنَّه إنْ خَرج من المَسْجِدِ أعَادَ الصَّلاةَ، وهو قَوْلُ الحَكَمِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وقولُ مالِكٍ، وأبِى ثَوْرٍ في السُّجُودِ الذي قبلَ السَّلامِ. ولَنا، أنه جابرٌ لِلْعِبَادَةِ بعدَها، فلم تَبْطُلْ بِتَرْكِه كجُبْرَاناتِ الحَجِّ، ولأنَّه مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ، خَارِجٌ منها، فلم تَفْسُدْ بِتَرْكِه، كالأذانِ. فصل: ويقولُ في سُجُودِهِ ما يقولُ في سُجُودِ صُلْب الصَّلَاةِ؛ لأنَّه سُجُودٌ

стр. 939

مَشْرُوعٌ في الصَّلَاةِ، أشْبَهَ سُجُودَ صُلْبِ الصَّلَاةِ. فصل: وإن نَسِىَ السُّجُودَ حتى شَرَعَ في صَلَاةٍ أُخْرَى، سَجَدَ بعد فَرَاغِه منها، في ظَاهِرِ كَلَام الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه في المَسْجِدِ. وعلَى قَوْلِ غيرِه، إنْ طَالَ الفَصْلُ لم يَسْجُدْ، وإلَّا سجد. فصل: وسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُه الصَّلاةَ وَاجِبٌ. وعن أحمدَ أنَّه (١٣) غيرُ واجِبٍ. ولعلَّ مَبْنَاها على أنَّ الوَاجِباتِ التي شُرِعَ السُّجُودُ لِجَبْرِها غيرُ وَاجِبَةٍ، فيكونُ جَبْرُها غيرَ وَاجِبٍ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "كَانَتِ الرَّكْعَةُ والسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ" (١٤). ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ به في حَدِيثِ ابْنِ مسعودٍ وأبِى سَعِيدٍ، وفَعَلَه، وقال: "صَلُّوا كما رَأْيْتُمُونِى أُصَلِّى" (١٥). وقولُه: "نَافِلَةً" يَعْنِى أن له ثَوَابًا فيه، كما أنَّه سَمَّى الرَّكْعَةَ أيضًا نَافِلَةً، وهى وَاجِبَةٌ علَى الشَّاكِّ (١٦) بلا خِلَافٍ. فأمَّا المَشْروعُ (١٧) لما لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصَّلَاةَ فغيرُ واجِبٍ. قال أحمدُ: إنَّما يَجِبُ السُّجُودُ فيما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ . يَعْنِى وما كان في مَعْنَاهُ، فنَقِيسُ علَى زِيَادَةِ خَامِسَةٍ سَائِرَ زِيَادَاتِ الأفْعَالِ من جِنْسِ الصَّلَاةِ، وعلى تَرْكِ التَّشَهُّدِ، تَرْكَ غيرِه من الوَاجِبَاتِ، وعلى التَّسْلِيمِ من نُقْصَانٍ، زِيَادَاتِ الأقْوالِ المُبْطِلَةِ عَمْدًا. فصل: فإن تَرَكَ الوَاجِبَ عَمْدًا؛ فإن كان قبلَ السَّلامِ، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه أخَلَّ بِوَاجِبٍ في الصَّلاةِ عَمْدًا، وإن تَرَكَ الوَاجِبَ بعدَ السَّلَامِ، لم تَبْطُلْ صَلَاتُه؛

стр. 940

لأنَّه جَبْرٌ لِلْعِبَادَةِ خَارِجٌ منها، فلم تَبْطُلْ بِتَرْكِه كجُبْراناتِ (١٨) الحَجِّ، وسواءٌ كان مَحَلُّه بعدَ السَّلَامِ أو كان (١٩) قبلَه، فَنَسِيَه، فصارَ بعد السَّلَامِ. وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على بُطْلَانِ الصَّلَاةِ، ونُقِلَ عنه التَّوَقُّفُ، فنَقَلَ عنه الأثْرَمُ في مَن نَسِىَ سُجُودَ السَّهْوِ، فقال: إن كان في سَهْوٍ خَفِيفٍ، فأرْجُو أنْ لا يكونَ [به بَأْسٌ] (٢٠). قلتُ: فإن كان فيما سَهَا فيه النَّبِىُّ ﷺ ؟ فقال: هاه. ولم يُجِبْ، فَبَلَغَنِى عنه أنَّه يَسْتَحِبُّ أنْ يُعِيدَ. فإذا كان هذا في السَّهْوِ، ففى العَمْدِ أوْلَى. ٢١٨ - مسألة؛ قال: (وإذا (١) نَسِىَ أَرْبَعَ سَجَداتٍ من أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وذَكَرَ وهو في التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدةً، تُصِحُّ لَهُ رَكْعَةً، ويَأْتِى بِثلَاثِ رَكَعَاتٍ، ويَسْجدُ لِلسَّهْوِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أبِى عَبْدِ اللَّه، ﵀، والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، قال: كَأَنَّ هذَا يَلْعَبُ، يَبْتَدِىءُ الصَّلَاةَ من أوَّلِهَا) هذه المَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ على مَن تَرَكَ رُكْنًا من رَكْعَةٍ، فلم يَذْكُرْهُ إلَّا في التي بعدَها، وقد ذَكَرْنا أنَّه إذا لم يَذْكُرْهُ حتى شَرَعَ في قِرَاءَةِ التي بَعْدَها، بَطَلَتْ، فلمَّا شَرَعَ في قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ ههنا قبلَ ذِكْرِ سَجْدَة الأُولَى، بَطَلَت الأُولَى، ولما شَرَعَ في قِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ قبلَ ذِكْرِ سَجْدَةِ الثَّانِيةِ، بَطَلَت الثَّانِيَةُ، وكذلك الثَّالِثَةُ، تَبْطُلُ بالشُّرُوعِ في قِرَاءَةِ الرَّابِعَةِ، فلم يَبْقَ إلَّا الرَّابِعَةُ، ولم يَسْجُدْ فيها إلَّا سَجْدَةً فيَسْجُدُ الثَّانِيَةَ حينَ ذَكَرَ، وتَتِمُّ له رَكْعَةٌ، ويَأْتِى بِثَلاثِ رَكَعَاتٍ. وهذا قَوْلُ مالِكٍ، واللَّيْثِ؛ لأنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ بَطَلَتْ بِشُرُوعِه في الثَّانِيَةِ قبل إتْمَامِ الأُولَى. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى عن أَحْمَدَ، أنَّ صَلاتَهُ تَبْطُلُ، ويَبْتَدِئها؛ لأنَّ هذا يُؤَدِّى إلى أن يكونَ مُتَلَاعِبًا بصَلاتِه، ثم يَحْتاجُ إلى إلْغاءِ عَمَلٍ كَثِيرٍ في الصَّلاةِ، فإِنَّ بينَ التَّحْرِيمَةِ

стр. 941

والرَّكْعَةِ المُعْتَدِّ بها ثَلَاثَ رَكَعاتٍ لَاغِيَةٍ. وهذا قَوْلُ إسحاقَ، وأَبى بكرٍ الآجُرِّىّ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَصِحُّ له رَكْعَتانِ؛ لأنَّه لمَّا قامَ إلى الثَّانِيَةِ سَهْوًا قبلَ إتْمَامِ الأُولَى، كان عَمَلُه فيها لاغِيًا، فلمَّا سَجد فيها، انْضَمَّتْ سَجْدَتُها إلى سَجْدَةِ الأُولَى، فَكَمُلَتْ له رَكْعَةٌ، وهكذا الثَّالِثَةُ والرَّابِعَةُ يَحْصُلُ له منهما (٢) رَكْعَةٌ. وحَكَى أبو عبدِ اللهِ هذا القَوْلَ عن الشَّافِعِىِّ، ثم قال: هو أشْبَهُ بما يَقُولُ هَؤُلَاءِ - يعني أصْحَابَ الرَّأْىِ - قال الأثْرَمُ: فقلتُ له: فإنَّه إذا فَعَلَ لا يَسْتَقِيمُ؛ لأنَّه إنما يَنْوِى (٣) بهذه السَّجْدَةِ عن الثَّانِيَةِ، لا عن الأُولَى. قال: فكذلك أقولُ، إنَّه يَحْتَاجُ أن يَسْجُدَ لكُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ هذا القَوْلُ المَحْكِىُّ عن الشَّافِعِىِّ هو الصَّحِيحَ، وأن يكونَ مَذْهَبًا لأحمدَ؛ لأنَّه قد حَسَّنَه، وإنما اعْتَذَرَ عن المَصِيرِ إليه، لِكَوْنِه إنَّما نَوَى بالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ عن الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وهذا لا يَمْنَعُ جَعْلَها عن الأُولَى، كما لو سجد في الرَّكْعَةِ الأُولَى يَحْسَبُ أنَّه في الثَّانِيَةِ، أو سجد في الثَّانِيَةِ يَحْسَبُ أنَّه في الأُولَى. واللهُ أعْلَمُ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: يَسْجُدُ في الحَالِ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وقال الحسنُ بنُ صَالِحٍ، فِيمَنْ نَسِىَ مِن كلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْها: يَسْجُدُ في الحالِ ثَمَانِىَ سَجَدَاتِ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ تَرْتِيبَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ فيها، فلا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ، كما لو قَدَّمَ السُّجُودَ على الرُّكُوعِ نَاسِيًا، وإن لم يَذْكُرْ حتى سَلَّمَ، ابْتَدَأ الصَّلاةَ؛ فإنَّه لم يَبْقَ له غيرُ رَكْعَةٍ تَنْقُصُ سَجْدَةً، فإذا سَلَّمَ بَطَلَتْ أيضًا. نَصَّ أحمدُ على بُطْلَانِها، في رِوَايَةِ الأثْرَمِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ. فصل: وإذا تَرَكَ رُكْنًا، ثم ذَكَرَه ولم يَعْلَمْ مَوْضِعَه، بَنَى الأمْرَ على أسْوَإِ الأحْوَالِ، مثلَ أنْ يَتْرُكَ سَجْدَةً لا يَعْلَمُ أمِنَ (٤) الرَّابِعَةِ أم مِنْ رَكْعَةٍ (٥) قَبْلَها. جَعَلَها

стр. 942

مِن التي قَبْلَها؛ لأنَّه يَلْزَمُه حِينَئِذٍ رَكْعَةٌ كَامِلَةٌ، ولو حَسِبَها من (٦) الرَّابِعَةِ، أجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ واحِدَةٌ. فإن تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ لا يَعْلَمُ أمن رَكْعتَيْنِ (٧) أم مِنْ رَكْعَةٍ، جَعَلَهما من رَكْعَتَيْنِ؛ لِيَلْزَمه رَكْعَتَانِ. وإن عَلِمَ أنَّه تَرَكَ رُكْنًا من رَكْعَةٍ هو فيها لا يَعْلَمُ أرُكُوعٌ هو أم سُجُودٌ, جَعَلَه رُكُوعًا؛ لِيَلْزَمَه الإِتْيَانُ به وبما بعدَه. وعلى قِيَاسِ هذا، يَأْتِى بما يَتَيقَّنُ به إتْمَام صَلاتِه (٨) لِئَلَّا يَخْرُجَ منها وهو شَاكٌّ فيها، فيكونُ مُغَرِّرًا بها. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "لا غِرَارَ في صَلَاةٍ ولا تَسْلِيمٍ". رَوَاهُ أبو دَاوُد (٩). وقال الأثْرَمُ: سألْتُ أبَا عَبْدِ اللَّه عن تَفْسِيرِ هذا الحَدِيثِ، فقال: أمَّا أنا فأرَى أنْ لا يَخرُجَ منها إلَّا على يَقِينٍ، لا يَخْرُجُ منها على غَرَرٍ حتى يَسْتَيْقِنَ (١٠) أنها قد تَمَّتْ، ولو تَرَكَ سَجْدَةً من الأُولَى فَذَكَرَها في التَّشَهُّدِ، أتَى بِرَكْعَةٍ، وأجْزَأتْهُ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ عن الحسنِ، في رَجُلٍ صَلَّى العَصْرَ أو غيرَها، فنَسِىَ أن يَرْكعَ في الثَّانِيَةِ، حتى ذَكَرَ ذلك في الرَّابِعَةِ، قال: يَمْضِى في صَلَاتِه، ويُتِمُّها أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ولا يَحْتَسِبُ بالتى لم يَرْكَعْ فيها، ثم يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (١١). فصل: وإنْ شَكَّ في تَرْكِ رُكْنٍ من أرْكانِ الصَّلاةِ، وهو فيها، هل أخَلَّ به أو لا؟ فَحُكْمُه حُكْمُ من لم يَأْتِ به، إمَامًا كان أو مُنْفَرِدًا؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه. وإن شَكَّ في زِيَادَةٍ تُوجِبُ السُّجُودَ، فلا سُجُودَ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها، فلا يَجِبُ السُّجُودُ بالشَّكِّ فيها. وإن شَكَّ في تَرْكِ وَاجِبٍ يُوجِبُ تَرْكُه السُّجُودَ (١٢)، فقال ابنُ حامِدٍ: لا سُجُودَ عليه؛ لأنَّه شَكَّ في سَبَبِه، فلم يَلْزَمْهُ بالشَّكِّ، كما لو شَكَّ

стр. 943

في الزِّيَادَةِ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَهُ السُّجُودُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه. ولو شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، أو في رُكْنٍ ذُكِرَ (١٣) في الصَّلَاةِ لم يَسْجُدْ؛ لأنَّ السُّجُودَ لِزيادةٍ أو نَقْصٍ أو احْتِمالِ ذلك، ولم يُوجَدْ. فصل: إذا سَهَا سَهْوَينِ، أو أكْثَرَ من جِنْسٍ، كَفَاهُ سَجْدَتانِ لِلْجميعِ. لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فيه. وإن كان السَّهْوُ من جِنْسَيْنِ، فكذلك. حكاه ابنُ المُنْذِرِ قَوْلًا لأحمدَ، وهو قولُ أَكْثَر أَهْلِ [العِلْمِ] (١٤)؛ منهم النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وذَكَرَ أبو بكرٍ فيه وَجْهَيْنِ: أحَدَهُما، ما ذَكَرْنا. والثَّانِى، يَسْجُدُ سُجُودَيْنِ. وقال (١٥) الأَوْزَاعِىُّ، وابنُ أبي حَازِمٍ (١٦)، وعبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمَةَ: إذا كان عليه سُجُودَانِ، أحَدُهما قبلَ السَّلامِ، والآخَرُ بعدَه، [سجدَ لهما] (١٧) في مَحَلَّيْهِما؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لكلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ"، رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (١٨). وهذان سَهْوَانِ، فلكلِّ واحِدٍ منهما سَجْدَتَانِ، ولأنَّ كلَّ سَهْوٍ يَقْتَضِى سُجُودًا، وإنما تَدَاخَلَا في الجِنْسِ الواحِدِ لاتِّفَاقِهِما، وهذان مُخْتَلِفان. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا نَسِىَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُد سَجْدَتَيْنِ" (١٩). وهذا يتناولُ السَّهْوَ في مَوْضِعَيْنِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَهَا فَسَلَّمَ، وتَكَلَّمَ بعد سلامِه (٢٠)، فَسَجَدَ لهما (٢١) سُجُودًا واحِدًا، ولأن السُّجُودَ إنَّما (٢٢) أُخِّرَ إلى آخِرِ الصَّلَاةِ، لِيَجْمَعَ السَّهْوَ كُلَّه، وإلَّا فَعَلَه عَقِيبَ سَبَبِه، ولأنَّه

стр. 944

شُرِعَ لِلْجَبْرِ، فيَجْبُرُ (٢٣) نَقْصَ الصَّلَاةِ، وإن كَثُرَ، بدَلِيلِ السَّهْوِ مَرَّاتٍ من جِنْسٍ واحِدٍ، وإذا انْجَبَرَتْ لم يَحْتَجْ إلى جَابِرٍ آخَرَ فنقولُ: سَهْوَانِ. فأَجْزَأَ عنهما سُجُودٌ واحِدٌ، كما لو كانا مِن جِنْسٍ. وقوله: "لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ". في إسْنَادِه مَقالٌ. ثم إنَّ المُرَادَ به لِكُلِّ سَهْوٍ في صَلَاةٍ، والسَّهْوُ وإن كَثُر فهو داخِلٌ في لَفظِ السَّهْوِ؛ لأنَّه اسْمُ جِنْسٍ، فيكون التَّقْدِيرُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فيها سَهْوٌ سَجْدَتَانِ. ولذلك قال: "لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بعد السَّلَامِ". هكذا في رِوَايَةِ أبى دَاوُدَ، ولا يَلْزَمُه بعد السَّلَامِ سُجُودانِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ مَعْنَى الجِنْسَيْنِ أن يكونَ أحَدُهما قبلَ السَّلَامِ، والآخَرُ بعدَه؛ لأنَّ مَحَلَّيْهِما مُخْتَلِفانِ، وكذلك سَبَبَاهما وأحْكَامهما. وقال بعضُ أصْحابِنا: الجِنْسان أن يكونَ أحدُهما من نَقْصٍ، والآخَرُ من زِيَادَةٍ. والأوْلَى ما قُلْنَاهُ إنْ شاء اللهُ تعالَى. فعلَى هذا إذا اجْتَمَعَا، سَجَدَ لهما قبل السَّلامِ؛ لأنَّه أسْبَقُ وآكَدُ؛ ولأنّ الذي قبلَ السَّلامِ قد وَجَبَ لِوُجُوبِ سَبَبِه، ولم يُوجَدْ قبلَه ما يَمْنَعُ وُجُوبَه، ولا يقومُ مقَامَه، فلَزِمَه الإِتْيَانُ به، كما لو لم يكُنْ عليه سَهْوٌ آخَرُ، وإذا سجد له، سَقَطَ الثَّانِى؛ لإِغْنَاءِ الأوَّل عنه، وقِيَامِه مَقامَه. فصل: ولو أحْرَمَ مُنْفَرِدًا، فَصَلَّى رَكْعَةً، ثم نَوَى مُتابعةَ الإِمامِ، وقُلْنا بِجَوَازِ ذلك، فَسَهَا فيما انْفَرَدَ فيه، وسَهَا إمامهُ فيما تَابَعَه فيه، فإنَّ صَلاتَهُ تَنْتَهِى قبلَ صَلاةِ إمَامِه، فعلَى قَوْلِنا هما من جِنْسٍ واحدٍ إن كان مَحَلُّهما واحِدًا، وعلى قَوْلِ من فَسَّرَ الجِنْسَيْنِ بالزِّيَادَةِ والنَّقْصِ، يَحْتَمِلُ كَوْنُهما [من جِنْسَيْنِ] (٢٤). وهكَذا لَوْ صَلَّى من الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً، ودَخَلَ مع مُسَافِرٍ، فنَوَى مُتَابَعَتَه، فلمَّا سَلَّمَ إمامُه قام لِيُتِمَّ ما عليه، فقد حصَل مَأْمُومًا في وَسَطِ صَلَاتِه، مُنْفَرِدًا في طَرَفَيْها، فإذا سَهَا في الوَسَطِ والطَّرَفَيْنِ جميعًا، فعلَى قَوْلِنا، إن كانَ مَحَلُّ سُجُودِهِما واحِدًا فهى

стр. 945

جِنْسٌ واحِدٌ. وإن اخْتَلَفَ مَحَلُّ السُّجُودِ فهى جِنْسَانِ. وقال بعضُ أصْحابِنا: هي جِنْسَانِ. هل يُجْزِئُه لها (٢٥) سَجْدَتان، أو أرْبَعُ سَجَدَاتٍ؟ على وَجْهَيْنِ. ولأصْحابِ الشَّافِعِىِّ فيها وَجْهانِ كهذَيْن، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ، أنَّه (٢٦) يَحْتَاجُ أن (٢٧) يَسْجُدَ سِتَّ سَجَدَاتٍ، لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتان. ٢١٩ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ علَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ، إلَّا أنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ، فَيَسْجُدَ مَعَهُ (١)) وجُمْلَتُه أنَّ المأْمُومَ إذا سَهَا دُونَ إمَامِه، فلا سُجُودَ عليه، في قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، وحُكِىَ عن مَكْحُولٍ أنَّه قامَ عن قُعُودِ إمَامِه فسجدَ. ولَنا، أنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ الحَكَمِ تَكَلَّمَ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فلم يَأْمُرْهُ بِسُجُودٍ (٢). وَرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ، في "سُنَنِه" (٣) عن ابْنِ عمرَ (٤)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَيْسَ على مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ سَهْوٌ، فإن سَهَا إمَامُه فعَلَيْه وعلَى مَنْ خَلْفَه". ولأن المَأْمُومَ تابِعٌ لِلْإِمَامِ، وحُكْمُه حُكْمُه إذا سَهَا، وكذلك إذا لم يَسْهُ. وإذا سَهَا الإِمَامُ، فعلَى المَأْمُومِ مُتَابَعَتُه في السُّجُودِ، سَوَاءٌ سَهَا معه، أو انْفَرَدَ الإِمامُ بالسَّهْوِ. وقال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أَهْلِ العِلْمِ علَى ذلك. وذَكَرَ إسْحَاقُ أنَّه إجْماعُ أهْلِ العِلْمِ، سَوَاءٌ كان السُّجُودُ قَبْلَ السَّلامِ، أو بعدَه؛ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا" (٥). ولِحَديثِ ابْنِ عمرَ، الذي

стр. 946

رَوَيْنَاه. وإذا كان المَأْمُومُ مَسْبُوقًا فسَهَا الإِمامُ فيما لم يُدْرِكْهُ فيه، فعَلَيْه مُتَابَعَتُه في السُّجُودِ، سَوَاءٌ كان قبلَ السَّلامِ أو بعدَه. رُوِىَ هذا عن عَطَاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال ابْنُ سِيرِينَ، وإسحاقُ: يَقْضِى ثم يَسْجُدُ. وقال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، في السُّجُودِ قبل السَّلَامِ، كَقَوْلِنا، وفيما (٦) بَعْدَهُ، كَقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ. وَرُوِىَ ذلك عن أحمدَ. ذَكَرَه أبو بكرٍ، في "زَادِ المُسَافِرِ"؛ لأنَّه فِعْلٌ خَارِجٌ من الصَّلاةِ، فلم يَتْبَع الإِمامَ فيه، كصلاةٍ أُخْرَى. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا". وقَوْلُه في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "فَإن سَهَا إمَامُهُ فعَلَيْه وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ". ولأنَّ السُّجُودَ من تَمامِ الصَّلاةِ، فيُتَابِعُه فيه، كالَّذِى قبلَ السَّلامِ، وكغيْرِ المَسْبُوقِ، وفارَقَ صَلاةً أُخْرَى، فإنَّه غيرُ مُؤْتَمٍّ به فيها. إذا ثَبَتَ هذا فمتى قَضَى فَفى إعَادَةِ السُّجُودِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهما، يُعِيدُه؛ لأنَّه قد لَزِمَهُ حُكْمُ السَّهْوِ، وما فَعَلَه من السُّجُودِ مع الإِمامِ كان مُتابَعةً (٧) له، فلا يَسْقُطُ به ما لَزِمَه، كالتَّشَهُّدِ الأخِيرِ. والثَّانيةُ، لا يَلْزَمُه السُّجُودُ؛ لأنَّ سُجُودَ إمامِه قد كَمُلَتْ به الصَّلَاةُ في حَقِّه، وحَصَلَ به الجُبْرَانُ، فلم يَحْتَجْ إلى سُجُودٍ ثَانٍ، كالمَأْمُومِ إذا سَهَا وَحْدَه. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالرِّوَايَتَيْنِ. فإن نَسِىَ الإِمامُ السُّجُودَ، سجد المَسْبُوقُ في آخِرِ صَلَاتِه، رِوَايَةً واحِدَةً؛ لأنَّه لم يُوجَدْ من الإِمامِ ما يُكْمِلُ به صلاةَ المَأْمُومِ. وإذا سَهَا المَأْمُومُ فيما يَنْفَردُ (٨) فيه بالقَضَاءِ، سجد، رِوَايةً وَاحِدَةً؛ لأنَّه قد صَارَ مُنْفَرِدًا، فلم يَتَحَمَّلْ عنه الإِمامُ. وهكذا لو سَهَا، فَسَلَّمَ مع إمَامِه، قامَ فأتَمَّ صلاتَه، ثم يسْجُدُ (٩) بعد السَّلامِ، كالمُنْفَرِدِ، سَواءً.

стр. 947

فصل: فأمَّا غيرُ المَسْبُوقِ إذا سَهَا إمَامُه فلم يَسْجُدْ، فهل يَسْجُدُ المَأْمُومُ؟ فيه رِوَايتان: إحْدَاهما، يَسْجُدُ. وهو قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ والحَكَمِ (١٠)، وقَتَادَة ومالِك، واللَّيْث، والشَّافِعِىّ، وأبى ثَوْرٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وهى أصَحُّ؛ لأنَّ صلاةَ المَأْمُومِ نَقَصَتْ بِسَهْوِ الإِمَامِ، ولم تَنْجَبِرْ بِسُجُودِه، فَيْلزَمُ المأْمُومَ جَبْرُها. والثَّانية؛ لا يَسْجُدُ. رُوِىَ ذلك عن عَطَاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والقَاسِمِ، وحَمَّادِ ابنِ أبي سليمانَ (١١)، والثَّوْرِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ المَأْمُومَ إنَّما يَسْجُدُ تَبَعًا، فإذا لم يَسْجُدِ الإِمامُ لم يُوجَد المُقْتَضِى لِسُجُودِ المَأْمُومِ. وهذا إذا تَرَكَه الإِمَامُ لِعُذْرٍ، فإن تَرَكَهُ قبل السَّلامِ عَمْدًا، وكان الإِمامُ مِمَّنْ لا يَرَى أن السُّجُودَ واجِبٌ، فهو كَتَارِكِه سَهْوًا. وإن كان يَعْتَقِدُ وُجُوبَه، بَطَلَتْ صَلَاتُه. وهل تَبْطُلُ صَلَاةُ المأْمُومِ؟ فيه وَجْهان: أحَدُهما، تَبْطُلُ؛ لأنَّه تَرَكَ وَاجِبًا في الصَّلاةِ عَمْدًا، فَبَطَلَتْ صَلَاةُ المَأْمُومِ، كَتَرْكِ التَّشَهُّدِ الأوَّلِ. والثَّانى، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه لم يَبْقَ من الصَّلاةِ إلَّا السَّلامُ. فصل: إذا قامَ المَأْمُومُ لِقَضَاءِ ما فَاتَهُ، فسجد إمَامُه بعدَ السَّلَام، فحُكْمُه حُكْمُ القائِمِ عن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ؛ إن سجد إمَامُه قبل انْتِصَابِه قائِمًا لَزِمَهُ الرُّجُوعُ، وإن انْتَصَبَ قائِمًا ولم يَشْرَعْ في القِرَاءَةِ، لم يَرْجِعْ (١٢)، وإن رَجَعَ جازَ، وإن شَرَعَ في القِرَاءَةِ لم يكنْ له الرُّجُوعُ، نَصَّ على هذا أحمدُ. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبِى عبدِ اللهِ: رَجُلٌ أدْرَكَ بعضَ الصَّلَاةِ، فلمَّا قامَ لِيَقْضىَ، إذا على الإِمامِ سُجُودُ سَهْوٍ؟ فقال: إن كان عَمِلَ في قِيَامِه، وابْتَدَأ (١٣) القراءةَ، مَضَى، ثم سَجَدَ. قلتُ: فإن لم يَسْتَتِمَّ قائِمًا؟ قال: يَرْجِع ما لم يَعْمَلْ. قِيلَ له: قد اسْتَتَمَّ قائِمًا؟ فقال: إذا

стр. 948

اسْتَتَمَّ قائِمًا، وأخَذَ في عَمَلِ القَضَاءِ، سجد بعدَ ما يَقْضِى. وذلك لأنَّه قامَ عن واجِبٍ إلى رُكْنٍ، أشْبَهَ القِيامَ عن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّ فيهِ رِوَايَات ثلاثًا. وهذا أوْلَى، وهو مَنْصُوصٌ عليه بما قد رَوَيْنَاه. فصل: ولَيْسَ على المَسْبُوقِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ سُجُودٌ لذلك، في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ويُرْوَى عن ابنِ عمرَ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وأبى سَعِيدٍ، وعَطَاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُجَاهِدٍ، وإسْحَاقَ، في مَن أدْرَكَ وَتْرًا من صَلَاةِ إمَامِه، سَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لأنَّه يَجْلِسُ للتَّشَهُّدِ في غير مَوْضِعِ التَّشَهُّدِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "وما فَاتَكُم فَأتِمُّوا". وفي رِوَايةٍ "فاقْضُوا" (١٤). ولم يأْمُرْ بِسُجُودٍ، ولا نُقِلَ ذلك، وقد فاتَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْضُ الصَّلاةِ مع عبد الرحمنِ بن عَوْفٍ فقَضَى (١٥)، ولم يَكُنْ لذلك سُجُودٌ، والحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عليه. وقد جَلَسَ في غيرِ مَوْضِعِ تَشَهُّدِهِ، ولأنَّ السُّجُودَ يُشْرَعُ لِلسَّهْوِ، [ولا سَهْوَ] (١٦) ههنا، ولأنَّ مُتَابَعَةَ الإِمامِ وَاجِبَةٌ، فلم يَسْجُدْ لِفِعْلِها كسَائِرِ الواجباتِ. فصل: ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِشَىْءٍ فَعَلَه أو تَرَكَه عَامِدًا. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَسْجُدُ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ والقُنُوتِ عَمْدًا؛ لأنَّ ما تَعَلَّقَ الجَبْرُ بِسَهْوِهِ تَعَلَّقَ بِعَمْدِه، كجُبْرَاناتِ الحَجِّ. ولَنا، أنَّ السُّجُودَ يُضَافُ إلى السَّهْوِ، فيَدُلُّ على اخْتِصَاصِه به، والشَّرْعُ إنَّما وَرَدَ به في السَّهْوِ، فقال: "إذا نَسِىَ أحَدُكُم فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". ولا يَلْزَمُ مِن انْجِبَارِ [السَّهْوِ به انْجِبَارُ] (١٧) العَمْدِ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ في السَّهْوِ غيرُ مَعْذُورٍ في العَمْدِ، وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رُكْنٍ أو رَكْعَةٍ، أو قِيَامٍ في مَوْضِعِ جُلُوسٍ، أو جُلُوسٍ في مَوْضِعِ قِيَامٍ، ولا يُشْرَعُ لِحَدِيثِ النَّفْسِ؛

стр. 949

لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ به فيه، ولأنَّ هذا لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، ولا تَكَادُ صَلَاةٌ تَخْلُو منه، ولأنَّه مَعْفُوٌّ عنه. فصل: وحُكْمُ النَّافِلَةِ حُكْمُ الفَرْضِ في سُجُودِ السَّهْوِ، في قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، لا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا، إلَّا أنَّ ابْنَ سِيرِينَ قال: لا يُشْرَعُ في النَّافِلَةِ. وهذا يُخَالِفُ عُمُومَ قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا نَسِىَ أحَدُكُم فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". وقال: "إذا نَسِىَ أَحَدُكُم فَزَادَ أو نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". ولم يُفَرِّقْ، ولأنَّها صَلَاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ فيَسْجُدُ لِسَهْوِها كالفَرِيضَةِ، ولو قامَ في صَلاةِ اللَّيْلِ فحُكْمُه حُكْمُ القِيَامِ إلى ثَالِثَةٍ في الفَجْرِ، نَصَّ عليه أحمدُ. وقال مالِكٌ: يُتِمُّها أرْبَعًا، ويَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لَيْلًا كان أو نَهَارًا. وقال الشَّافِعِىُّ بالعِرَاقِ كقولِه. وقال الأوْزَاعِىُّ في صلَاةِ النَّهَارِ كقَوْلِه، وفى صَلَاةِ اللَّيْلِ: إن ذَكَرَ قبلَ رُكُوعِه في الثَّالِثَةِ جَلَسَ، وسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وإن ذَكَرَ بعد رُكُوعِه، أتَمَّهَا أرْبَعًا. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى (١٨) ". ولأنَّها صلاةٌ شُرِعَتْ ركعتَيْن، فكان حُكْمُها

стр. 950

[ما ذَكَرْنا كصلاة الفَجْرِ] (١٩)، فأمَّا صلاةُ النَّهَارِ فيُتِمُّها أَرْبَعًا. فصل: ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ في صلاةِ جنازةٍ؛ لأنَّها لا سُجُودَ في صُلْبِها، ففى جَبْرِها أوْلَى، ولا في سُجُودِ تِلَاوَةٍ؛ لأنَّه لو شُرِعَ لَكانَ الجَبْرُ زَائِدًا على الأصْلِ، ولا في سُجُودِ سَهْوٍ. نَصَّ عليه أحْمَدُ. وقال إسْحاقُ: هو إجْمَاعٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى التَّسَلْسُلِ، ولو سَهَا بعد سُجُودِ السَّهْوِ لم يَسْجُدْ لذلك. واللهُ تعالى أعْلمُ. ٢٢٠ - مسألة؛ قال: (ومن تَكَلَّمَ عَامِدًا أو سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُه) أمَّا الكلامُ عَمْدًا، وهو أن يَتَكَلَّمَ عَالِمًا أنَّه في الصَّلَاةِ، مع عِلْمِه بِتَحْرِيمِ ذلك لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، ولا لأمْرٍ يُوجِبُ الكَلَامَ، فتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إجْماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ من تَكَلَّمَ في صلاتِه عَامِدًا وهو [لا يُرِيدُ إصْلَاحَ] (١) صلاتِه، أنَّ صلاتَهُ فَاسِدَةٌ. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "إن هذه الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فيها شيءٌ من كَلَامِ النَّاسِ، إنَّما هِىَ التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ وقِرَاءَةُ القُرْآنِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وعن زَيْدِ بن أرْقَمَ قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنَا صَاحِبَه وهو إلى جَنْبِه، حتى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) فأُمِرْنَا بالسُّكُوتِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولِمُسْلِمٍ: ونُهِينَا عن الكَلَامِ. وعن ابنِ مَسْعُودٍ قال: كنا نُسَلِّمُ على
следующие страницы →