← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

رَوَيْنَاه. وإذا كان المَأْمُومُ مَسْبُوقًا فسَهَا الإِمامُ فيما لم يُدْرِكْهُ فيه، فعَلَيْه مُتَابَعَتُه في السُّجُودِ، سَوَاءٌ كان قبلَ السَّلامِ أو بعدَه. رُوِىَ هذا عن عَطَاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال ابْنُ سِيرِينَ، وإسحاقُ: يَقْضِى ثم يَسْجُدُ. وقال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، في السُّجُودِ قبل السَّلَامِ، كَقَوْلِنا، وفيما (٦) بَعْدَهُ، كَقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ. وَرُوِىَ ذلك عن أحمدَ. ذَكَرَه أبو بكرٍ، في "زَادِ المُسَافِرِ"؛ لأنَّه فِعْلٌ خَارِجٌ من الصَّلاةِ، فلم يَتْبَع الإِمامَ فيه، كصلاةٍ أُخْرَى. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا". وقَوْلُه في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "فَإن سَهَا إمَامُهُ فعَلَيْه وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ". ولأنَّ السُّجُودَ من تَمامِ الصَّلاةِ، فيُتَابِعُه فيه، كالَّذِى قبلَ السَّلامِ، وكغيْرِ المَسْبُوقِ، وفارَقَ صَلاةً أُخْرَى، فإنَّه غيرُ مُؤْتَمٍّ به فيها. إذا ثَبَتَ هذا فمتى قَضَى فَفى إعَادَةِ السُّجُودِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهما، يُعِيدُه؛ لأنَّه قد لَزِمَهُ حُكْمُ السَّهْوِ، وما فَعَلَه من السُّجُودِ مع الإِمامِ كان مُتابَعةً (٧) له، فلا يَسْقُطُ به ما لَزِمَه، كالتَّشَهُّدِ الأخِيرِ. والثَّانيةُ، لا يَلْزَمُه السُّجُودُ؛ لأنَّ سُجُودَ إمامِه قد كَمُلَتْ به الصَّلَاةُ في حَقِّه، وحَصَلَ به الجُبْرَانُ، فلم يَحْتَجْ إلى سُجُودٍ ثَانٍ، كالمَأْمُومِ إذا سَهَا وَحْدَه. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالرِّوَايَتَيْنِ. فإن نَسِىَ الإِمامُ السُّجُودَ، سجد المَسْبُوقُ في آخِرِ صَلَاتِه، رِوَايَةً واحِدَةً؛ لأنَّه لم يُوجَدْ من الإِمامِ ما يُكْمِلُ به صلاةَ المَأْمُومِ. وإذا سَهَا المَأْمُومُ فيما يَنْفَردُ (٨) فيه بالقَضَاءِ، سجد، رِوَايةً وَاحِدَةً؛ لأنَّه قد صَارَ مُنْفَرِدًا، فلم يَتَحَمَّلْ عنه الإِمامُ. وهكذا لو سَهَا، فَسَلَّمَ مع إمَامِه، قامَ فأتَمَّ صلاتَه، ثم يسْجُدُ (٩) بعد السَّلامِ، كالمُنْفَرِدِ، سَواءً.

стр. 947

فصل: فأمَّا غيرُ المَسْبُوقِ إذا سَهَا إمَامُه فلم يَسْجُدْ، فهل يَسْجُدُ المَأْمُومُ؟ فيه رِوَايتان: إحْدَاهما، يَسْجُدُ. وهو قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ والحَكَمِ (١٠)، وقَتَادَة ومالِك، واللَّيْث، والشَّافِعِىّ، وأبى ثَوْرٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وهى أصَحُّ؛ لأنَّ صلاةَ المَأْمُومِ نَقَصَتْ بِسَهْوِ الإِمَامِ، ولم تَنْجَبِرْ بِسُجُودِه، فَيْلزَمُ المأْمُومَ جَبْرُها. والثَّانية؛ لا يَسْجُدُ. رُوِىَ ذلك عن عَطَاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والقَاسِمِ، وحَمَّادِ ابنِ أبي سليمانَ (١١)، والثَّوْرِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ المَأْمُومَ إنَّما يَسْجُدُ تَبَعًا، فإذا لم يَسْجُدِ الإِمامُ لم يُوجَد المُقْتَضِى لِسُجُودِ المَأْمُومِ. وهذا إذا تَرَكَه الإِمَامُ لِعُذْرٍ، فإن تَرَكَهُ قبل السَّلامِ عَمْدًا، وكان الإِمامُ مِمَّنْ لا يَرَى أن السُّجُودَ واجِبٌ، فهو كَتَارِكِه سَهْوًا. وإن كان يَعْتَقِدُ وُجُوبَه، بَطَلَتْ صَلَاتُه. وهل تَبْطُلُ صَلَاةُ المأْمُومِ؟ فيه وَجْهان: أحَدُهما، تَبْطُلُ؛ لأنَّه تَرَكَ وَاجِبًا في الصَّلاةِ عَمْدًا، فَبَطَلَتْ صَلَاةُ المَأْمُومِ، كَتَرْكِ التَّشَهُّدِ الأوَّلِ. والثَّانى، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه لم يَبْقَ من الصَّلاةِ إلَّا السَّلامُ. فصل: إذا قامَ المَأْمُومُ لِقَضَاءِ ما فَاتَهُ، فسجد إمَامُه بعدَ السَّلَام، فحُكْمُه حُكْمُ القائِمِ عن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ؛ إن سجد إمَامُه قبل انْتِصَابِه قائِمًا لَزِمَهُ الرُّجُوعُ، وإن انْتَصَبَ قائِمًا ولم يَشْرَعْ في القِرَاءَةِ، لم يَرْجِعْ (١٢)، وإن رَجَعَ جازَ، وإن شَرَعَ في القِرَاءَةِ لم يكنْ له الرُّجُوعُ، نَصَّ على هذا أحمدُ. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبِى عبدِ اللهِ: رَجُلٌ أدْرَكَ بعضَ الصَّلَاةِ، فلمَّا قامَ لِيَقْضىَ، إذا على الإِمامِ سُجُودُ سَهْوٍ؟ فقال: إن كان عَمِلَ في قِيَامِه، وابْتَدَأ (١٣) القراءةَ، مَضَى، ثم سَجَدَ. قلتُ: فإن لم يَسْتَتِمَّ قائِمًا؟ قال: يَرْجِع ما لم يَعْمَلْ. قِيلَ له: قد اسْتَتَمَّ قائِمًا؟ فقال: إذا

стр. 948

اسْتَتَمَّ قائِمًا، وأخَذَ في عَمَلِ القَضَاءِ، سجد بعدَ ما يَقْضِى. وذلك لأنَّه قامَ عن واجِبٍ إلى رُكْنٍ، أشْبَهَ القِيامَ عن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّ فيهِ رِوَايَات ثلاثًا. وهذا أوْلَى، وهو مَنْصُوصٌ عليه بما قد رَوَيْنَاه. فصل: ولَيْسَ على المَسْبُوقِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ سُجُودٌ لذلك، في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ويُرْوَى عن ابنِ عمرَ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وأبى سَعِيدٍ، وعَطَاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُجَاهِدٍ، وإسْحَاقَ، في مَن أدْرَكَ وَتْرًا من صَلَاةِ إمَامِه، سَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لأنَّه يَجْلِسُ للتَّشَهُّدِ في غير مَوْضِعِ التَّشَهُّدِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "وما فَاتَكُم فَأتِمُّوا". وفي رِوَايةٍ "فاقْضُوا" (١٤). ولم يأْمُرْ بِسُجُودٍ، ولا نُقِلَ ذلك، وقد فاتَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْضُ الصَّلاةِ مع عبد الرحمنِ بن عَوْفٍ فقَضَى (١٥)، ولم يَكُنْ لذلك سُجُودٌ، والحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عليه. وقد جَلَسَ في غيرِ مَوْضِعِ تَشَهُّدِهِ، ولأنَّ السُّجُودَ يُشْرَعُ لِلسَّهْوِ، [ولا سَهْوَ] (١٦) ههنا، ولأنَّ مُتَابَعَةَ الإِمامِ وَاجِبَةٌ، فلم يَسْجُدْ لِفِعْلِها كسَائِرِ الواجباتِ. فصل: ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِشَىْءٍ فَعَلَه أو تَرَكَه عَامِدًا. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَسْجُدُ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ والقُنُوتِ عَمْدًا؛ لأنَّ ما تَعَلَّقَ الجَبْرُ بِسَهْوِهِ تَعَلَّقَ بِعَمْدِه، كجُبْرَاناتِ الحَجِّ. ولَنا، أنَّ السُّجُودَ يُضَافُ إلى السَّهْوِ، فيَدُلُّ على اخْتِصَاصِه به، والشَّرْعُ إنَّما وَرَدَ به في السَّهْوِ، فقال: "إذا نَسِىَ أحَدُكُم فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". ولا يَلْزَمُ مِن انْجِبَارِ [السَّهْوِ به انْجِبَارُ] (١٧) العَمْدِ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ في السَّهْوِ غيرُ مَعْذُورٍ في العَمْدِ، وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رُكْنٍ أو رَكْعَةٍ، أو قِيَامٍ في مَوْضِعِ جُلُوسٍ، أو جُلُوسٍ في مَوْضِعِ قِيَامٍ، ولا يُشْرَعُ لِحَدِيثِ النَّفْسِ؛

стр. 949

لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ به فيه، ولأنَّ هذا لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، ولا تَكَادُ صَلَاةٌ تَخْلُو منه، ولأنَّه مَعْفُوٌّ عنه. فصل: وحُكْمُ النَّافِلَةِ حُكْمُ الفَرْضِ في سُجُودِ السَّهْوِ، في قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، لا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا، إلَّا أنَّ ابْنَ سِيرِينَ قال: لا يُشْرَعُ في النَّافِلَةِ. وهذا يُخَالِفُ عُمُومَ قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا نَسِىَ أحَدُكُم فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". وقال: "إذا نَسِىَ أَحَدُكُم فَزَادَ أو نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". ولم يُفَرِّقْ، ولأنَّها صَلَاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ فيَسْجُدُ لِسَهْوِها كالفَرِيضَةِ، ولو قامَ في صَلاةِ اللَّيْلِ فحُكْمُه حُكْمُ القِيَامِ إلى ثَالِثَةٍ في الفَجْرِ، نَصَّ عليه أحمدُ. وقال مالِكٌ: يُتِمُّها أرْبَعًا، ويَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لَيْلًا كان أو نَهَارًا. وقال الشَّافِعِىُّ بالعِرَاقِ كقولِه. وقال الأوْزَاعِىُّ في صلَاةِ النَّهَارِ كقَوْلِه، وفى صَلَاةِ اللَّيْلِ: إن ذَكَرَ قبلَ رُكُوعِه في الثَّالِثَةِ جَلَسَ، وسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وإن ذَكَرَ بعد رُكُوعِه، أتَمَّهَا أرْبَعًا. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى (١٨) ". ولأنَّها صلاةٌ شُرِعَتْ ركعتَيْن، فكان حُكْمُها

стр. 950

[ما ذَكَرْنا كصلاة الفَجْرِ] (١٩)، فأمَّا صلاةُ النَّهَارِ فيُتِمُّها أَرْبَعًا. فصل: ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ في صلاةِ جنازةٍ؛ لأنَّها لا سُجُودَ في صُلْبِها، ففى جَبْرِها أوْلَى، ولا في سُجُودِ تِلَاوَةٍ؛ لأنَّه لو شُرِعَ لَكانَ الجَبْرُ زَائِدًا على الأصْلِ، ولا في سُجُودِ سَهْوٍ. نَصَّ عليه أحْمَدُ. وقال إسْحاقُ: هو إجْمَاعٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى التَّسَلْسُلِ، ولو سَهَا بعد سُجُودِ السَّهْوِ لم يَسْجُدْ لذلك. واللهُ تعالى أعْلمُ. ٢٢٠ - مسألة؛ قال: (ومن تَكَلَّمَ عَامِدًا أو سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُه) أمَّا الكلامُ عَمْدًا، وهو أن يَتَكَلَّمَ عَالِمًا أنَّه في الصَّلَاةِ، مع عِلْمِه بِتَحْرِيمِ ذلك لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، ولا لأمْرٍ يُوجِبُ الكَلَامَ، فتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إجْماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ من تَكَلَّمَ في صلاتِه عَامِدًا وهو [لا يُرِيدُ إصْلَاحَ] (١) صلاتِه، أنَّ صلاتَهُ فَاسِدَةٌ. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "إن هذه الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فيها شيءٌ من كَلَامِ النَّاسِ، إنَّما هِىَ التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ وقِرَاءَةُ القُرْآنِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وعن زَيْدِ بن أرْقَمَ قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنَا صَاحِبَه وهو إلى جَنْبِه، حتى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) فأُمِرْنَا بالسُّكُوتِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولِمُسْلِمٍ: ونُهِينَا عن الكَلَامِ. وعن ابنِ مَسْعُودٍ قال: كنا نُسَلِّمُ على

стр. 951

رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو في الصَّلاةِ فيَرُدّ علينا، فلمَّا رَجَعْنا من عند النَّجَاشِىِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقلْنا: يا رسولَ اللَّه، كُنَّا نُسَلِّمُ عليكَ (٥) في الصَّلاةِ فتَرُدُّ علينا. قال: "إنَّ في الصَّلَاةِ لَشُغْلًا". مُتَّفَقٌ عليه (٦). ورَواهُما (٧) أبو دَاوُدَ، ولَفْظُه في حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فلما قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ، قال: "إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإنَّ اللهَ قَدْ أحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا في الصَّلَاةِ". فأمَّا الكلامُ غيرَ ذلك، فيُقَسَّمُ خمسةَ أقسامٍ: أحَدُها، أن يَتَكَلَّمَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الكلامِ في الصَّلاةِ. قال القاضي في "الجامعِ": لا أعْرِفُ عن أحمدَ نَصًّا في ذلك. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَبْطُلَ صلاتُه؛ لأنَّ الكلامَ كان مُبَاحًا في الصَّلاةِ، بدليلِ حديثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وزيدِ بنِ أرْقَمَ، ولا يَثْبُتُ حُكْمُ النَّسْخِ في حَقِّ مَنْ لم يَعْلَمْه، بدليلِ أنَّ أهْلَ قُبَاءَ لم يَثْبُتْ في حَقِّهِم حُكْمُ نَسْخِ القِبْلَة قبلَ عِلْمِهِم، فبَنَوْا على صلاتِهِم، بخِلافِ النَّاسِى، فإنَّ الحُكْمَ قد ثَبَتَ في حَقِّه، وبِخلَافِ الأكْلِ في الصَّوْمِ جَاهِلًا بتَحْرِيمِه، فإنَّه لم يكنْ مُبَاحًا، وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا حديثُ مُعَاوِيَةَ بن الحَكَمِ السُّلَمِىِّ، قال: بَيْنَا أنا أُصَلِّى مع رَسُولِ اللهِ ﷺ إذْ عَطَسَ رَجُلٌ من القَوْمِ، فقلتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ. فَرَمَانِى القَوْمُ بأبْصَارِهِمْ، فقلتُ: وَاثُكْلَ أُبَيَّاهُ، ما شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَىَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهمْ على أَفْخَاذِهِمْ، فلما رَأَيْتُهُم يُصَمِّتُونِى، لَكِنِّى سَكَتُّ، فلمَّا صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ فَبِأبِى هو وأُمِّى، ما رَأيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَه ولا بَعْدَه أحْسَنَ تَعْلِيمًا منه، فوَاللهِ ما كَهَرَنِى (٨) ولا ضَرَبَنِى ولا شَتَمَنِى،

стр. 952

ثم قال؛ "إنَّ هذِه الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِىَ التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ وقِرَاءَةُ القُرْآنِ". أو كما قال رسولُ اللهِ ﷺ . [روَاه مُسْلِمٌ] (٩) فلم يَأْمُرْه بالإِعادةِ، فدَلَّ على صِحَّتِها. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. والأوْلَى أنْ يُخَرَّجَ هذا على الرِّوَايَتَيْنِ في كلامِ النَّاسِى؛ لأنَّه مَعْذُورٌ مثلُه. القِسْمُ الثَّانِى، أن يتكلَّمَ نَاسِيًا، وذلك نَوْعانِ؛ أحَدُهما، أن يَنْسَى أنَّه في صلاةٍ، ففيه رِوايتان. إحْدَاهما, لا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ تَكَلَّمَ في حديثِ ذِى اليَدَيْنِ، ولم يَأْمُرْ مُعَاوِيَةَ بنَ الحَكَمِ بالإِعادةِ إذْ تَكَلَّمَ جَاهِلًا، وما عُذِرَ فيه بالجَهْلِ عُذِرَ فيه بالنِّسْيَانِ. والثَّانية، تَفْسُدُ صَلَاتُه. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، وقَتَادَةَ، وحَمَّادِ بن أبي سليمان، وأصْحَابِ الرَّأْىِ؛ لِعُمُومِ أحاديثِ المَنْعِ من الكلامِ، ولأنَّه ليس من جِنْسِ ما هو مَشْرُوعٌ في الصَّلاةِ، فلم يُسَامَحْ فيه بالنِّسْيَانِ، كالعَمَلِ الكَثِيرِ من غيرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ. النَّوْع الثَّانى، أنْ يَظُنَّ أن صلاتَه تَمَّتْ، فَيَتَكَّلَمُ، فهذا إنْ كان سَلَامًا لم تَبْطُل الصَّلاةُ، رِوَايةً واحِدَةً؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَه فَعَلُوه، وبَنَوْا على صَلَاتِهم، ولأنَّ جِنْسَه مَشْرُوعٌ في الصَّلَاةِ، فأشْبَه الزِّيَادَة فيها من جنْسِها. وإن لم يكنْ سَلَامًا، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوَايةِ جَماعَةٍ من أَصْحَابِه, أنَّه إذا تَكَلَّمَ بشيءٍ ممَّا تَكْمُلُ به الصَّلَاةُ، أو شيءٍ من شَأْنِ الصَّلَاةِ، مثلِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ذا اليَدَيْنِ، لم تَفْسُدْ صلاتُه. وإنْ تَكَلَّمَ بشيءٍ من غيرِ أمْرِ الصَّلَاةِ، كقولِه: يا غُلَامُ اسْقِنِى ماءً. فصلاتُه باطِلَةٌ. وقال، في رِوَايةِ يوسفَ بن موسى (١٠): مَن تَكَلَّمَ نَاسِيًا في صَلَاتِه فظَنَّ (١١) أنَّ صلاتَه قد تَمَّتْ، إن كان كلامُه فيما تَتِمُّ به الصَّلاةُ، بَنَى على صلاتِه، كما كَلَّمَ النَّبِىُّ ﷺ ذَا اليَدَيْن. وإذا

стр. 953

قال: يا غُلَامُ اسْقِنِى ماءً. أو شِبْهَهُ، أعَادَ. ومِمَّن تَكَلَّم بعدَ أنْ سَلَّمَ، وأتَمَّ صَلَاتَهُ، الزُّبَيْرُ، وابْناه عبدُ اللهِ وعُرْوَةُ، وصَوَّبَه ابنُ عَبَّاسٍ. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم في عَصْرِهِم خِلَافَه. وفيه رِوَايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّ الصَّلاةَ تَفْسُدُ بِكُلِّ حالٍ. قال في رِوَايةِ حَرْبٍ: أمَّا من تَكَلَّمَ اليَوْمَ [وأجابهَ أحَدٌ] (١٢) أعادَ الصَّلَاةَ. وهذه الرِّوَايةُ اخْتِيَارُ الخَلَّالِ. وقال: على هذا اسْتَقَرَّت الرِّوَايَاتُ عن أبي عبدِ اللهِ بعد تَوَقُّفِه. وهذا مَذْهَبُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لِعُمُومِ الأخْبارِ في مَنْعِ الكلامِ. وفيه رِوَايةٌ ثَالِثَةٌ، أنَّ الصَّلاةَ لا تَفْسُدُ بالكلامِ في تلك الحال بحالٍ، سَوَاءٌ كان من شَأْنِ الصَّلَاةِ، أو لم يكنْ؛ إمَامًا كان أو مَأْمُومًا. وهذا مَذْهَبُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه نَوْعٌ من النِّسْيَانِ، فأشْبَهَ المُتَكَلِّمَ جَاهِلًا، ولذلك تَكَلَّم النَّبِىُّ ﷺ وأصْحَابُه، وبَنَوْا على صَلَاتِهم. وتُخَرَّج (١٣) فيه رِوَايةٌ رَابِعَةٌ، وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ إن كان إمَامًا تَكَلَّم لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لم تَفْسُدْ صَلَاتُه، وإن تَكَلَّمَ غيرُه فَسَدَتْ صَلَاتُه. ويَأْتِى الكَلَامُ على الفَرْقِ بينهما فيما بعدُ، إن شاءَ اللهُ تعالى. القِسْمُ الثَّالِثُ، أن يَتَكَلَّمَ مَغْلُوبًا على الكلامِ، وهو ثلاثةُ أنْواعٍ: أحَدُها، أن تَخْرُجَ الحُرُوفُ من فِيهِ بغيرِ اخْتِيَارِهِ، مثلَ أن يَتَثَاءَبَ، فيقول: هاه، أو يَتَنَفَّسَ، فيقول: آه. أو يَسْعُلَ، فَيَنْطِقَ في السَّعْلَةِ بِحَرْفَيْنِ، وما أَشْبَهَ هذا، أو يَغْلَطَ في القِرَاءَةِ، فيَعْدِلَ إلى كَلِمَةٍ مِن غيرِ القُرْآنِ، أو يَجِيئَه البُكاءُ، فَيَبْكِى ولا يَقْدِرُ على رَدِّه، فهذا لا تَفْسُدُ صلاتُه. نَصَّ عليه أحمدُ في الرَّجُلِ يكونُ في الصَّلَاةِ فَيَجِيئُه البكاءُ فيَبْكِى، فقال: إذا كان لا يَقْدِرُ على رَدِّهِ لا تَفْسُدُ صَلَاتُه. وقال: قد كان عمرُ يَبْكِى، حتى يُسْمَعَ له نَشِيجٌ. وقال مُهَنَّا: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أحمدَ، فتثَاءَبَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وسَمِعْتُ لِتَثَاؤُبِه: هاه هاه. وهذا لأنَّ الكلامَ ههنا لا يُنْسَبُ إليه، ولا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ من

стр. 954

أحْكامِ الكلامِ. وقال القاضي في مَن تَثَاءَبَ، فقال آه آه: تَفْسُدُ صَلَاتُه. وهذا مَحْمُولٌ على من فَعَل ذلك غيرَ مَغْلُوبٍ عليه؛ لِما ذَكَرْنا من فِعْلِ أحمدَ خِلافَه. النَّوْعُ الثانِى، أن ينامَ فَيَتَكَلَّم، فقد توَقَّفَ أحمدُ عن الجَوَابِ فيه. ويَنْبَغِى أن لا تَبْطُلَ صَلَاتُه؛ لأنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عنه. ولا حُكْمَ لِكَلَامِه، فإنَّه لو طَلَّقَ أو أَقَرَّ أو أعْتَقَ، لم يَلْزَمْه حُكْمُ ذلك. النَّوْعُ الثَّالِثُ، أن يُكْرَهَ على الكَلَامِ، فيَحْتَمِلُ أن يُخَرَّجَ على كَلَامِ النَّاسِى؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَع بينهما في العَفْوِ، بقوله ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتِى عن الخَطَإِ، والنِّسْيَانِ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه" (١٤). وقال القاضي؛ هذا أوْلَى بالعَفْوِ، وصَحَّت الصَّلَاةُ؛ لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَنْسُوبٍ إليه، ولهذا لو أُكْرِهَ على إتْلَافِ مالٍ لم يَضْمَنْه، ولو أتْلَفَه ناسِيًا ضَمِنَه. والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللهُ، أنَّ هذا تَفْسُدُ صَلَاتُه؛ لأنَّه أتَى بما يُفْسِدُ الصَّلاةَ عَمْدًا، فأشْبَهَ ما لو أُكْرِهَ على صَلَاةِ الفَجْرِ أرْبَعًا، أو على أن يَرْكَعَ في كلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ. ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على النَّاسِى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهما، أنَّ النِّسْيَانَ يَكْثُرُ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّز منه، بِخِلَافِ الإِكْرَاهِ. والثَّانِى، أنَّه لو نَسِىَ فَزَادَ في الصَّلَاةِ، أو نَسِىَ من (١٥) كلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً، لم تَفْسُدْ صَلَاتُه، ولم يَثْبُتْ مثلُ هذا في الإِكْرَاهِ. القِسْمُ الرَّابِعُ، أن يَتَكَلَّمَ بكَلَامٍ واجِبٍ، مثلَ أن يَخْشَى على صَبِىٍّ أو ضَرِيرٍ الوُقُوعَ في هَلَكَةٍ، أو يَرَى حَيَّةً ونَحْوَها تَقْصِدُ غافِلًا أو نَائِمًا، أو يَرَى نَارًا يخافُ أن تَشْتَعِلَ في شيءٍ، ونحو هذا، ولا يُمْكِنُ التَّنْبِيهُ بالتَّسْبِيحِ. فقال أصْحَابُنا: تَبْطُلُ الصَّلاةُ بهذا. وهو قولُ بعضِ (١٦) أصْحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لما ذَكَرْنا في كَلَامِ المُكْرَهِ. ويَحْتمِلُ أن لا تَبْطُلَ الصَّلاةُ به. وهو ظاهِرُ قَوْلِ أحمدَ، ﵀؛ فإنَّه قال في قِصَّةِ (١٧) ذِى

стр. 955

اليَدَيْنِ: إنَّما كَلَّمَ القَوْمُ النَّبِىَّ ﷺ حين كَلَّمَهُم، لأنَّه كان عَليهم أن يُجِيبُوه. فعَلَّلَ صِحَّةَ صَلَاتِهِم بُوجُوبِ الإِجابةِ عليهم. وهذا مُتَحَقِّقٌ ههُنا، وهذا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ. والصَّحِيحُ عند أصْحَابِه، أن الصَّلاةَ لا تَبْطُلُ بالكلامِ في جَمِيعِ هذه الأقْسَامِ. ووَجْهُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ ههُنا، أنَّه تَكَلَّمَ بكَلَامٍ واجِبٍ عليه، أشْبَهَ كَلَامَ المُجِيبِ للنَّبِىِّ ﷺ . القِسْمُ الخامِسُ، أن يَتَكَلَّمَ لإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ، ونَذْكُرُه فيما بعدُ، إن شاءَ اللهُ تعالى. فصل: وكلُّ كلامٍ حَكَمْنا بأنَّه لا يُفْسِدُ الصَّلاةَ فإنَّما هو في اليَسِيرِ منه، فإن كَثُرَ، وطال، أَفْسَدَ الصَّلاةَ. وهذا مَنْصُوصُ الشَّافِعِىِّ. وقال القاضي، في "المُجَرَّدِ": كلامُ النَّاسِى إذا طال يُعيدُ، رِوَايةً واحِدَةً. وقال، في "الجامِعِ": لا فَرْقَ بين القَلِيلِ والكَثيرِ، في ظَاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ ما عُفِىَ عنه بالنِّسْيَانِ اسْتَوَى قَلِيلُه وكَثِيرُه، كالأكْلِ في الصِّيامِ. وهذا قولُ بعضِ الشَّافِعِيَّةِ. ولَنا، أنَّ دَلالةَ أحاديثِ المَنْعِ من الكلامِ عَامَّةٌ، تُرِكَتْ في اليَسِيرِ بما وَرَدَ فيه من الأخْبَارِ، فتَبْقَى فيما عَدَاهُ على مُقْتَضَى العُمُومِ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ الكَثِيرِ على اليَسِيرِ؛ [لأنَّ اليَسِيرَ] (١٨) لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وقد عُفِىَ عنه في العَمَلِ من غيرِ جِنْسِ الصَّلاةِ، بخِلَافِ الكَثِيرِ. ٢٢١ - مسألة؛ قال: (إلَّا الإِمَامَ خَاصَّةً؛ فَإنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لم تَبْطُلْ صَلَاتُه (١).) وجُمْلَتُه أنَّ من سَلَّمَ من (٢) نَقْصٍ من صَلَاتِه يَظُنُّ أنّها قد تَمَّتْ، [ثم تَكَلَّمَ] (٣)،

стр. 956

ففيه ثَلَاثُ رِواياتٍ: إحْداهُنَّ، أنَّ الصَّلاةَ لا تَفْسُدُ إذا كان الكلامُ في شَأْنِ الصَّلاةِ، مثل (٤) كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في حديثِ ذى اليَدَيْنِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحابَه تَكَلَّمُوا، ثم بَنَوْا على صلاتِهم، ولَنا في رسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. والثَّانِيَة (٥)، تَفْسُدُ صَلَاتُهُم. وهو قولُ الخَلَّالِ وصاحِبِه، ومَذْهَبُ أصْحابِ الرَّأْى؛ لِعُمُومِ أحاديث النَّهْىِ. والثَّالِثَة، أن صَلَاةَ الإِمامِ لا تَفْسُدُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان إمامًا، فتَكَلَّمَ، وبَنَى على صلاتِه، وصلاةُ المَأْمُومِينَ الذين تَكَلَّمُوا تَفْسُدُ؛ فإنَّه لا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهم بأبى بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، لأنَّهما تَكَلَّمَا مُجِيبِينَ للنَّبِىِّ ﷺ ، وإجابَتُه واجِبَةٌ عليهما، ولا بذى اليَدَيْنِ، لأنَّه تَكَلَّمَ سائِلًا عن نَقْصِ الصَّلاةِ، في وقتٍ يُمْكِنُ ذلك فيها، وليس بمَوْجُودٍ في زَمانِنا. وهذه الرِّوَايَةُ اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ، واخْتُصَّ هذا بالكلامِ في شَأْنِ الصَّلاةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَه إنَّما تَكَلَّمُوا في شَأْنِها، فاخْتُصَّتْ إباحةُ الكلامِ بِوُرُودِ النَّصِّ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، دُونَ غيرِه، فَيَمْتَنِعُ قِيَاسُ غَيْرِه عليه. فأمَّا مَن تَكَلَّمَ في صُلْبِ الصَّلَاةِ، من غير سَلَامٍ، ولا ظَنَّ التَّمامَ، فإنَّ صلاتَه تَفْسُدُ؛ إمَامًا كان أو غَيْرَه، لِمَصْلحةِ الصَّلاةِ أو غيرِها. وذكر القاضي في ذلك الرِّوَايات الثَّلاث، ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ؛ لِعُمُومِ لَفْظِه، وهو مذهبُ الأوْزاعِىِّ، فإنَّه قال: لو أنَّ رجلًا قال للإِمامِ وقد جَهَرَ بالقِراءةِ في العَصْرِ: إنَّها العَصْرُ لم تَفْسُدْ صَلاتُه. ولأنَّ الإِمامَ قد تَطَرَّقَه حالٌ يَحْتاجُ إلى الكلامِ فيها، وهو ما لو نَسِىَ القراءةَ في رَكْعَةٍ فذَكَرَها في الثَّانِيةِ، فقد فَسَدَتْ عليه رَكْعَةٌ، فيَحْتاجُ أن يُبْدِلَها بِرَكْعَةٍ هي في ظَنِّ المَأْمُومِينَ خَامِسَة ليس لهم مُوافَقَتُه فيها، ولا سَبيلَ إلى إعْلَامِهم بغيرِ الكلامِ، وقد شَكَّ في صَلاتِه، فيَحْتاجُ إلى السُّؤالِ، فلذلك أُبِيحَ له الكلامُ. ولم أعْلَمْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن صَحابتِه، ولا عن الإِمامِ نَصًّا في الكلامِ في غير الحالِ التي سَلَّمَ فيها مُعْتَقِدًا تَمامَ الصَّلاةِ، ثم تكلَّمَ بعد السَّلامِ، وقِيَاسُ

стр. 957

الكلامِ في صُلْبِ الصَّلاةِ عَالِمًا بها على هذه الحالِ مُمْتَنِعٌ؛ لأنَّ هذه حالُ نِسْيَانٍ، غيرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ من الكلام فيها، وهى أيضًا حالٌ يَتَطرَّقُ الجَهْلُ إلى صاحِبها بِتَحْرِيمِ الكلامِ فيها، فلا يَصِحُّ قِياسُ ما يُفَارِقُها في هذين الأمْرَيْنِ عليها، ولا نَصَّ فيها، وإذا عُدِمَ النَّصُّ والقياس والإِجْمَاعُ، امْتَنَعَ ثُبوتُ الحُكْمِ؛ لأنَّ إثْبَاتَه يكونُ ابْتِدَاءَ حُكْمٍ بغيرِ دَلِيلٍ، ولا سَبِيلٍ إليه. فصل: والكلامُ المُبْطِلُ ما انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ. هذا قولُ أصْحابِنا وأصْحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ بالحَرْفَيْنِ تكونُ كَلِمَةٌ كقوْلِه: أبٌ وأخٌ ودَمٌ. وكذلك الأفْعالُ والحُروفُ، ولا تَنْتَظِمُ كَلِمَةٌ من أقلَّ من حَرْفَيْنِ. ولو قال: لا. أفْسَدَ (٦) صَلاتَه؛ لأنَّها حَرْفانِ لامٌ وألِفٌ. وإن ضَحِك فبانَ حَرْفَانِ، فَسَدَتْ صَلاتُه. وكذلك وإن قَهْقَهَ ولم يَبِنْ (٧) حَرْفَانِ. وبهذا قال جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ [، وعَطَاءٌ، ومُجَاهِدٌ والحَسَنُ، وقَتَادَةُ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. قال ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعُوا على أن الضَّحِكَ يُفْسِدُ الصَّلاةَ، وأكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ على أنَّ التَّبَسُّمَ لا يُفْسِدُها، وقد رَوَى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ] (٨)، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال: "القَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلاةَ ولا تَنْقُضُ الوُضُوءَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ، في "سُنَنِهِ" (٩). فصل: فأمَّا النَّفْخُ في الصَّلاةِ، فإن انْتَظَمَ حَرفَيْنِ أفْسَدَ صَلاتَه؛ لأنَّه كلامٌ، وإلَّا فلا يُفْسِدُها. وقد قال أحمدُ: النَّفْخُ عِنْدِى بِمَنْزِلَةِ الكلامِ. وقال أيضًا: قد فسَدَتْ صلاتُه؛ لِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: "مَنْ نَفَخَ في الصَّلاةِ فقد تكَلَّمَ" (١٠). ورُوِى عن أبِى هُرَيْرَةَ أيضًا، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ. وقال ابْنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ،

стр. 958

ولا أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهما. ورُوِىَ عن أحْمَدَ، أنَّه قال: أكْرَهُه، ولا أقولُ يَقْطعُ الصَّلاةَ، ليس هو كلامًا. ورُوِىَ ذلك عن ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وابْنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِىِّ، ويَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ، وإسْحاقَ. قال القَاضِى: المَوْضِعُ الذي قال أحمدُ: يَقْطَعُ الصَّلاةَ. إذا انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ؛ لأنَّه جَعَلَه كلامًا، ولا يكونُ كلاما بأقَلَّ من حَرْفَيْنِ، والمَوْضِعُ الذي قال: لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ. إذا لم يَنْتَظِمْ منه حَرْفَانِ. وقال أبو حنيفةَ: إن سُمِعَ فهو بِمَنْزِلَةِ الكلامِ، وإلَّا فلا يَضُرُّ. والصَّحِيحُ أنَّه لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ ما لم يَنْتَظِمْ منه حَرْفَانِ؛ لما رَوَى عبدُ اللَّه بِنُ عمرَ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ . فذَكَرَ الحَدِيثَ، إلى أن قال: ثم نَفَخَ في سُجُودِهِ (١١)، فقال: "أُفٍّ، أُفٍّ" رَواهُ أبو داوُدَ (١٢). وأمَّا قولُ أبى حنِيفةَ، فإنْ أرادَ ما لا يَسْمَعُهُ الإِنْسانُ من نَفْسِهِ، فليس ذلك بِنَفخٍ، وإن أرادَ ما لا يَسْمَعُهُ غيرُه فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما أبْطَلَ الصَّلَاةَ إظْهَارُه أبْطَلَها إسْرارُه، وما لا فلا، كالكلامِ. فصل: فأمَّا النَّحْنَحَةُ، فقال أصْحابُنا: إن بانَ منها حَرْفَانِ، بَطَلَتِ الصَّلاةُ بها كالنَّفْخِ. ونَقَل المَرُّوذِىُّ قال: كنتُ آتِى أبا عبدِ اللهِ فيتَنَحْنَحُ في صلاتِه، لِأعْلمَ أنَّه يُصَلِّى. وقال مُهَنَّا: رأيتُ أبا عبدِ اللَّه يتنَحْنَحُ في الصَّلاةِ. قال أصْحابُنا: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه لم يَنْتَظِمْ حَرْفَيْنِ. وظَاهِرُ حالِ أحمدَ أنَّه لم يَعْتَبِرْ ذلك؛ لأنَّ النَّحْنَحَةَ لا تُسَمَّى كلامًا، وتَدْعُو الحاجةُ إليها في الصَّلاةِ. وقد رُوِىَ عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه قال: كانَتْ لِىَ سَاعَةٌ في السَّحَرِ أدْخُلُ فيها على رسولِ اللَّه ﷺ ، فإنْ كان في صلاةٍ تَنَحْنَحَ، فكان ذلك إذْنِى، وإن لم يكُنْ في صَلاةٍ أذِنَ لي. رَوَاهُ الخَلَّالُ بإسْنَادِهِ (١٣). واختَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في كراهةِ تَنْبِيهِ المُصَلِّى بالنَّحْنَحَةِ [في صلاتِه] (١٤)، قال في

стр. 959

مَوْضِعٍ: لا تَنَحْنَحْ في الصَّلاةِ، قال النبيُّ ﷺ : "إذا نَابَكُمْ شَىءٌ في صَلاتِكُمْ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، ولتُصَفِّق النِّسَاءُ (١٥) ". ورَوَى عنه المَرُّوذِىُّ أنَّه كان يَتَنَحْنَحُ؛ لِيُعْلِمَه أنَّه في صَلاةٍ. وحَدِيثُ عَلِىٍّ يَدُلُّ عليه، وهو خاصٌّ فيُقَدَّمُ على العامِّ. فصل: فأمَّا البُكاءُ والتَّأوُّهُ والأنِينُ الذي يَنْتَظِمُ منه حَرْفَانِ، فما كانَ مَغْلُوبًا عليه لم يُؤَثِّرْ على ما ذكرْنا مِن قبلُ، وما كان من غيرِ غَلَبَةٍ، فإن كان لِغيرِ خوفِ اللهِ أفْسَدَ الصَّلاةَ، وإن كان مِن خَشْيَةِ اللهِ، فقال أبو عبدِ اللهِ ابن بَطَّة، في الرَّجُلِ يتأوَّهُ في الصَّلاةِ: إن تَأَوَّهَ مِن النَّارِ فلا بَأْسَ. وقال أبو الخَطَّابِ: إذا تَأوَّه أو أنَّ أو بَكَى لِخَوْفِ اللهِ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه. قال القاضي: التَّأوُّهُ ذِكْرٌ، مَدَحَ اللَّه تعالى به إبراهيمَ ﵊، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١٦). والذِّكْرُ لا يُفسِدُ الصَّلاةَ، ومَدَحَ الباكِينَ بِقَوْلِه تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١٧). وقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ (١٨). ورُوِىَ عن مُطَرِّفِ بن [عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ] (١٩)، عن أبِيه، أنَّه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّى ولِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كأزِيزِ المِرْجَلِ من البُكَاءِ. رواهُ الخَلَّالُ (٢٠). وقال عبدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ: سمعتُ نَشِيجَ عمرَ وأنا في آخِرِ الصُّفُوفِ. ولم أرَ عن أحمدَ في التَّأوُّهِ شيئًا، ولا في الأنِينِ، والأَشْبَهُ بأُصولِه (٢١): أنَّه متى فَعَلَه مُخْتارًا أفْسَدَ صَلاتَه؛ فإنَّه قال في روايةِ مُهَنَّا، في البُكَاءِ الذي لا يُفْسِدُ الصَّلاةَ: [ما كان مِن غَلَبَةٍ] (٢٢). ولأنَّ الحُكْمَ لا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أو قِياسٍ أو إجْماعٍ، والنُّصُوصُ العامَّةُ

стр. 960

تَمْنَعُ من الكلامِ كُلِّه، ولم يَرِدْ في التَّأوُّهِ والأنِينِ ما يَخُصُّهما ويُخْرِجهما من العُمومِ. والمَدْحُ على التَّأوُّهِ لا يُوجِبُ تَخْصِيصَه، كتَشْمِيتِ العاطِسِ، ورَدِّ السَّلامِ، والكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ التي هي صَدَقَةٌ. فصل: إذا أتَى بِذِكْرٍ مَشْرُوعٍ يَقْصِدُ به تَنْبِيهَ غيرِه، فذلك ثلاثةُ أنواعٍ: الأوَّلُ، مَشْرُوعٌ في الصَّلاةِ، مثل أنْ يَسْهوَ إمامُه فيُسَبِّحِ به لِيُذَكِّرَه، أو يَتْرُكَ إمامُه ذِكْرًا فيرْفَعَ المأْمُومُ صَوْتَه لِيُذَكِّرَهُ به (٢٣)، أو يَسْتَأْذِن عليه إنْسَانٌ في الصَّلاةِ أو يُكَلِّمَهُ (٢٤) أو يَنُوبَهُ شَىْءٌ، فَيُسَبِّحَ لِيَعْلَمَ أنَّه في صَلاةٍ، أو يَخْشَى على إنْسانٍ الوُقُوعَ في شيءٍ، فَيُسَبِّحَ به لِيُوقِظَهُ، أو يَخْشَى أن يُتْلِفَ شيئًا، فَيُسَبِّحَ به لِيَتْرُكَه. فهذا لا يُؤَثِّرُ في الصَّلاةِ في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن أبِى حنيفةَ أنَّ مَنْ أفْهَمَ غيرَ إمَامِه بالتَّسْبِيحِ فَسَدَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه خِطَابُ آدَمىٍّ، فيدْخُلُ في عُمُومِ أحادِيث النَّهْىِ عن الكلامِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "من نَابَهُ شَىءٌ في الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ؛ فَإنَّهُ لا يَسْمَعُه أَحَدٌ يقُولُ سُبْحَانَ اللَّه إِلَّا الْتَفَتَ". وفى لَفْظٍ "إذا نَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّح الرِّجَالُ ولْتُصَفِّق النِّسَاءُ". مُتَّفقٌ عليه (٢٥). وهو عَامٌّ في كل أمْرٍ يَنُوبُ المُصَلِّى. وفى "المُسْنَدِ" (٢٦)، عن عَلِىٍّ: كنتُ إذا اسْتَأْذَنْتُ على النَّبِيِّ ﷺ إنْ كان في صَلاةٍ سَبَّحَ، وإن كان في غيرِ صلاةٍ أذِنَ. ولأنَّه نَبَّهَ بالتَّسْبِيحِ أشْبَهَ ما لَوْ نَبَّهَ الإِمَامَ، ولو كان تَنْبِيهُ غيرِ الإِمامِ كلامًا مُبْطِلًا لَكان تَنْبِيهُ الإِمامِ كذلك. فصل: وفي معنى هذا النَّوْعِ، إذا فَتَحَ على الإِمامِ إذا أُرْتِجَ عليه، أو رَدَّ عليه إذا غَلِطَ، فلا بَأْسَ به في الفَرْضِ والنَّفْلِ. ورُوِىَ ذلك عن عثمان، وعلىٍّ، وابْنِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال عَطَاءٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ مَعْقِلٍ، ونَافِعُ بن

стр. 961

جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، وأبو أسْماءَ الرَّحْبِيُّ (٢٧)، وأبو عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيُّ. وكَرِهَهُ ابنُ مَسْعُودٍ وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ الصَّلاةُ به؛ لما رَوَى الحارِثُ، عن عَلِيٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَفْتَحْ عَلَى الإِمَامِ" (٢٨). ولنا: ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلاةً، فقَرَأ فيها، فلُبِسَ (٢٩) عليه، فلمَّا انْصَرَفَ قال لأُبَىٍّ: "أصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ ". قال: نعمْ قال: "فَمَا مَنَعَكَ؟ ". رواهُ أبو داوُدَ (٣٠) قال الخَطَّابِيُّ (٣١): وإسْنادُه جَيِّدٌ. وعن ابْنِ عباسٍ، قال: تَرَدَّدَ رسولُ اللهِ ﷺ في القِرَاءةِ في صلاةِ الصُّبْحِ، فلم يفْتَحُوا عليه، فلما قَضَى الصَّلاةَ نَظَرَ في وُجُوهِ القَوْمِ، فقال: "أَما شَهِدَ الصَّلاةَ مَعَكُم أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ؟ ". قالوا: لا. فَرَأَى القَوْمُ أنَّه إنَّما تَفَقَّدَهُ لِيَفْتَحَ عليه. رواهُ الأثْرَمُ. ورَوَى مُسَوَّرُ بنُ يَزِيدَ المالِكِيّ (٣٢)، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقرأُ في الصَّلاةِ فتَركَ آيةً من القُرْآنِ. فقِيل: يا رسولَ اللهِ، آيةَ كذا وكذا تَرَكْتَها. قال: "فهلا ذَكَّرْتَنِيهَا؟ " رَواهُ أبو دَاوُدَ (٣٣)، والأثْرَمُ. ولأنَّه تَنْبِيهٌ لإِمامِه بما هو مَشْرُوعٌ في الصَّلاةِ، فأشْبَهَ التَّسْبِيحَ. وحَدِيثُ عليٍّ يَرْويهِ الحارِثُ، وقال الشَّعْبِيُّ: كان كَذَّابًا، وقد قال عَلىٌّ (٣٤) نفْسُهُ: إذا اسْتَطْعَمَكَ الإِمامُ فأطْعِمْهُ. يعني إذا تَعَايَى فارْدُدْ عليه. رواهُ الأثْرَمُ. قال الحسنُ:

стр. 962

إن أهلَ الكوفةِ يقولون: لا تَفْتَحْ على الإِمامِ. وما بَأْسٌ به، أليس يقولُ سُبْحَانَ اللهِ! وقال أبو دَاوُدَ: لم يَسْمَعْ أبو إسْحاقَ من الحارِثِ إلَّا أرْبَعَةَ أحَادِيثَ، ليس هذا منها. فصل: وإذا أُرْتِجَ على الإِمامِ في الفاتِحَةِ لَزِمَ مَن وَرَاءَه الفَتْحُ عليه، كما لو نَسِىَ سَجْدَةً لَزِمَهم تَنْبِيهُه بالتَّسْبِيحِ. فإنْ عَجَزَ عن إتْمامِ الفاتِحَةِ فله أنْ يسْتَخْلِفَ من يُصَلِّى بهم؛ لأنه عُذْرٌ، فجازَ أن يَسْتَخْلِفَ من أجْلِهِ، كما لو سَبَقَه الحَدَثُ. وكذلك لو عَجَزَ في أثناء الصَّلاةِ عن رُكْنٍ يَمْنَعُ الائْتِمَامَ، كالرُّكُوعِ أو السُّجُودِ، فإنَّه يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بهم الصَّلاةَ، كمن سَبَقَه الحَدَثُ، بل هذا أوْلَى بالاسْتِخْلافِ؛ [لأنَّ مَنْ سَبَقَهُ الحَدَثُ قد بَطَلَتْ صَلاتُه، وهذا صَلاتُه صَحِيحَةٌ] (٣٥)، [فكان بالاسْتِخْلافِ أَوْلَى. وإذا لم يقْدِرْ على إتْمامِ الفاتحةِ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يأْتِى بما يُحْسِنُ] (٣٦)، ويَسْقُطُ عنه ما عَجَزَ عنه، وتَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّ القِرَاءَةَ رُكْنٌ عَجَزَ عنه في أثْناءِ الصَّلاةِ، فسَقَطَ كالِقيَامِ، فأمَّا المَأْمُومُ فإن كان أُمِّيًّا عاجِزًا عن قِرَاءةِ الفاتِحَةِ، صَحَّتْ صَلاتُه أيضًا، وإن كان قَارِئًا نَوَى مُفَارَقَتَه، وأتَمَّ وَحْدَه، ولا يَصِحُّ له إتْمامُ الصَّلاةِ خَلْفَه؛ لأنَّ هذا قد صَارَ حُكْمُه حُكْمَ الأُمِّيِّ. والصَّحِيحُ أنَّه إذا لم يَقْدِرْ على قراءةِ الفاتِحةِ أنَّ صلاتَه تَفْسُدُ؛ لأنَّه قادِرٌ على الصَّلاةِ بقِرَاءتِها فلم تَصِحَّ صَلاتُه بدون ذلك، لِعُمُومِ قَوْلِه ﵊: "لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (٣٧). ولا يَصِحُّ قِيَاسُ هذا على الأُمِّيِّ؛ لأنَّ الأُمِّيَّ لو قَدَرَ على تَعَلُّمِهَا قبلَ خُرُوجِ الوَقْتِ، لم تَصِحَّ صَلاتُه بِدُونِها، وهذا يُمْكِنُه أن يَخْرُجَ فَيسْألَ عَمَّا وَقَفَ فيه (٣٨) ويُصَلِّىَ، ولا قِياسُه (٣٩) على أرْكانِ الأفْعالِ؛ لأنَّ خُرُوجَهُ عن الصَّلاةِ لا يُزِيلُ عَجْزَه عنها، ولا يَأْمَنُ عَوْدَ مثلِ ذلك العَجْزِ (٤٠)، بخِلافِ هذا. النَّوْعُ الثَّانِي، ما لا

стр. 963

يتَعَلَّقُ بِتَنْبِيهِ آدَمِيٍّ، إلَّا أنَّه لِسَببٍ من غيرِ الصَّلاةِ، مثل مَنْ (٤١) يَعْطِسُ فيَحْمَدُ اللهَ، أو تَلْسَعُهُ عَقْرَبٌ فيَقُولُ بِسْمِ اللهِ. أو يَسْمَعُ أو يَرَى ما يَغمُّه فيقولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٤٢). أو يَرَى عَجَبًا فيقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ. فهذا لا يُسْتَحَبُّ في الصَّلاةِ ولا يُبْطِلُها. نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ الجماعةِ، في مَن عَطَسَ فحَمِدَ اللهَ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه. وقال، في رِوَايةِ مُهَنَّا، في مَن قِيل له وهو يُصَلِّي: وُلِدَ لك غُلامٌ. فقال: الحمدُ لِلَّهِ. أو قِيل له: احْتَرَقَ دُكَّانُكَ. قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ. أو ذَهَبَ كِيسُك. فقال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ. فقد مَضَتْ صَلاتُه. ولو قِيل له: ماتَ أبوك. فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فلا يُعِيد صَلاتَه. وذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ، حين أجابَ الخَارِجِيَّ. وهذا قولُ الشَّافِعِيِّ، وأبى يوسفَ. وقال أبو حنيفةَ: تَفْسُدُ صَلاتُه؛ لأنَّه كلامُ آدَمِيّ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ مثلُ هذا؛ فإنَّه قال في مَن قِيلَ له: وُلِدَ لك غُلامٌ. فقال: الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالمين. أو ذَكَرَ مُصِيبَةً، فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. قال: يُعِيدُ الصَّلاةَ. قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على من قَصَدَ خِطَابَ آدَمِيٍّ. ولَنا، ما رَوَى عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ، قال: عَطَسَ شَابٌّ من الأنْصارِ خلفَ رسولِ اللَّه ﷺ ، وهو في الصَّلاةِ، فقال: الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فيه، حتى يَرْضَى رَبُّنَا، وبعدَما يَرْضَى مِن أمْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ. فلما انْصَرَفَ رسولُ اللهِ ﷺ قال: "مَنِ القائلُ هذِهِ الكَلِمَة؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا مَا تَنَاهَتْ دُونَ العَرْشِ". رواهُ أبو داوُدَ (٤٣). وعن عَلِيٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال له رجلٌ من الخَوارِجِ، وهو في صلاةِ الغَدَاةِ، فنَادَاهُ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤٤). قال: فأنصَتَ له حتى فهِم، ثم أجابَه وهو في الصَّلاةِ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٤٥). احْتَجَّ

стр. 964

به أحمدُ، ورَواهُ أبو بكرٍ النَّجَّادُ، بإسْنَادِهِ. ولأنَّ ما لا يُبْطُل الصَّلاةَ ابْتِداءً لا يُبْطِلُها إذا أتَى به عَقِيبَ سَبَبٍ، كالتَّسْبِيحِ لِتَنْبِيهِ إمامِه. قال الخَلَّالُ: اتَّفَقَ الجميعُ، عن أبي عبدِ اللهِ، على أنه - يَعْنِى العاطِسَ - لا يَرْفَعُ صَوْتَه بالحمدِ، وإن رفَع فلا بَأْسَ؛ بدليلِ حديثِ الأنْصاريِّ. وقال أحمدُ، في الإمامِ يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. فيقولُ مَن خَلْفَه: لا إله إلَّا اللَّه. يَرْفَعُونَ بها أصْواتَهم، قال: يقولون، ولكن يُخْفُونَ ذلك في أَنْفُسِهم. وإنَّما لم يَكْرَهْ أحمدُ ذلك، كما كَرِهَ القراءةَ خَلْفَ الإِمامِ؛ لأنَّه يَسِيرٌ لا يَمْنَعُ الإِنْصاتَ، فَجَرى مَجْرَى التَّأْمِينِ. قيل لأحمدَ: فإنْ رَفَعُوا أصْواتَهم بهذا؟ قال: أكْرَهُه. قيل: فيَنْهاهم الإِمامُ؟ قال: لا يَنْهَاهم. قال القاضي: إنَّما لم يَنْهَهم؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ الجَهْرُ بمثلِ ذلك في صلاةِ الإِخْفاءِ، فإنَّه كان يُسْمِعُهم الآيةَ أحيانًا. فصل: قيل لأحمدَ، ﵀: إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٤٦) هل يقول: "سُبْحَانَ ربِّىَ الأعْلَى". قال: إن شاء قاله فيما بينَه وبين نَفْسِه، ولا يَجْهَرُ به في المَكْتُوبَةِ وغيرِها. وقد رُوِىَ عن عَلِيٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قَرَأ في الصَّلاةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. فقال: سُبْحَان رَبِّىَ الأعْلَى. وعن ابْنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قَرَأ في الصَّلاةِ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. فقال: سُبْحَانَكَ، وبَلَى. وعن مُوسَى بن أبي عائشةَ، قال: كان رجل يُصَلِّى فوقَ بَيْتهِ، فكان إذا قَرَأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. قال: سُبْحَانَكَ، فبَلَى، فسَألُوه عن ذلك، فقال: سَمِعْتُه عن رسولِ اللهِ ﷺ . رواهُ أبو داوُدَ (٤٦ م). ولأنَّه ذِكْرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ به، فجازَ التَّسْبِيحُ في مَوْضِعِه. النَّوْعُ الثَّالِثُ، أن يَقْرأَ القرْآنَ يَقْصِدُ به تَنْبِيهَ آدَمِيٍّ، مثل أن يقولَ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ (٤٧). يُرِيدُ الإِذْنَ، أو يقولَ لرجلٍ اسمُه يحيى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (٤٨). أو: ﴿يَانُوحُ قَدْ

стр. 965

جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ (٤٩) فقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّ صلاتَه تَبْطُلُ بذلك. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه خِطابُ آدَمِيٍّ، فأَشْبَهَ ما لو كَلَّمَه. ورُوِىَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّها لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه قال في مَن قِيلَ له: مات أبوك. فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. لا يُعِيدُ الصَّلاةَ. واحْتَجَّ بحديثِ عَلِيٍّ، حين قال لِلخارِجِيِّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. ورُوِىَ نحوُ هذا عن ابْنِ مسعودٍ، وابْنِ أبي لَيْلَى. ورَوَى أبو بكرٍ، الخَلَّالُ، بإِسْنَادِهِ عن عَطَاءِ بن السَّائِبِ، قال: اسْتأْذَنَّا علَى عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، وهو يُصَلِّى. فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٥٠). فقُلْنا: كيف صنعتَ! فقال: اسْتَأْذَنَّا على عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وهو يُصَلِّى، فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. ولأنَّه قرأ القرَانَ، فلم تَفْسُدْ صلاتُه، كما لو لم يَقْصِدْ به التَّنْبِيهَ. وقال القاضي: إن قَصَد التِّلاوةَ دونَ التَّنْبِيهِ، لم تَفْسُدْ صَلاتُه، [وإنْ حصَل التَّنْبِيهُ] (٥١) وإن قَصَدَ التَّنْبِيهَ دونَ التِّلاوَةِ، فَسَدَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه خاطبَ آدَمِيًّا، وإن قَصَدَهُما جميعًا ففيه وَجْهَانِ: أحَدُهما، لا تَفْسُدُ صَلاتُه. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لا ذكرْنا من الآثَارِ والمَعْنَى. والثَّاني، تَفْسُدُ صلاتُه؛ لأنَّه خَاطَبَ آدَمِيًّا، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِد التِّلاوَةَ. فأمَّا إن أتَى ما لا يَتَميَّزُ به القرآنُ من غيرِه، كَقولِه لِرَجُلٍ اسْمُه إبراهيم: يا إبراهيمُ. أو لعيسى: يا عيسى. ونحو ذلك، فسدتْ صَلاتُه؛ لأنَّ هذا كلامُ النَّاسِ، ولم يَتَميَّزْ عن كَلامِهم بما يَتَميَّزُ به القرآنُ، فأشْبَهَ ما لو جَمَعَ بين كَلِمَاتٍ مُفَرَّقَةٍ (٥٢) في القرآنِ، فقال يا إبراهيمُ خُذِ الكِتَابَ الكبيرَ. فصل: يُكْرَهُ أن يَفْتَحَ مَن هو في الصَّلاةِ على مَن هو في صلاةٍ أُخْرَى، أو على مَن ليس في صلاةٍ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن صلاتِه، وقد قال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ في الصَّلاةِ

стр. 966

لَشُغْلًا" (٥٣). وقد سُئِلَ أحمدُ عن رجلٍ جَالِسٍ بين يَدَىِ المُصَلِّى يَقْرأُ، فإذا أخْطأَ، فَتَحَ عليه المُصَلِّى. فقال: كيف يَفْتَحُ إذا أخْطَأَ هذا! وتَعَجَّبَ (٥٤) مِن هذه المسألةِ. فإن فَعَلَ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه؛ لأنَّه قرآنٌ، وإنما قَصَدَ قِرَاءَتَه دونَ خِطَابِ الآدَمِيِّ بِغَيْرِهِ. ولا بَأْسَ أنْ يَفْتَحَ على المُصَلِّى من ليس معه في الصَّلاةِ. وقد رَوَى النَّجَّادُ بإسْنَادِه (٥٥)، قال: كنتُ قاعِدًا بِمَكةَ، فإذا رجلٌ عند المَقامِ يُصَلِّى، وإذا رَجُلٌ قاعِدٌ خَلْفَه يُلَقِّنه، فإذا هو عثمانُ، رَضِىَ اللهُ عنه. فصل: إذا سَلَّمَ على المُصَلِّى، لم يكنْ له رَدُّ السّلامِ بالكلامِ، فإنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلاتُه. رُوِىَ نحوُ ذلك عن أبي ذرٍّ، وعَطَاءٍ، والنَّخَعِيِّ. وبه قال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وكان سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وقَتَادَةُ، لا يَرَوْنَ به بَأْسًا، ورُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ أنَّه أَمَرَ بذلك. وقال إسْحاقُ: إن فَعَلَه مُتَأَوِّلًا، جَازَتْ صَلاتُه. ولَنا، ما رَوَى جَابِرٌ قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في حَاجَةٍ، فَرَجَعْتُ وهو يُصَلِّي على رَاحِلَتِه، وَوَجْهُه إلى غير القِبْلَةِ، فسَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدّ عَلَيَّ، فلمَّا انْصَرَفَ، قال: "أمَا إنَّه لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ إلَّا أنِّى كُنْتُ أُصَلِّى". وقولُ ابنِ مسعودٍ، قلنا: يا رسولَ اللهِ، كُنَّا نُسَلِّم عليك في الصَّلاةِ فتَرُدُّ علينا؟ قال: "إنَّ فِي الصَّلاةِ لَشُغْلًا". رواهُما مُسْلِمٌ (٥٦). ولأنَّه كلامُ آدَمِيّ، فأشْبَهَ تَشْمِيتَ العَاطِسِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يَرُدّ السَّلامَ بالإِشارةِ. وهذا قولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. وعن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه سَلَّمَ عليه مُوسَى بنُ جَمِيلٍ وهو يُصَلِّي، فَقَبَض ابنُ عباسٍ على ذِرَاعِه، فكان ذلك رَدًّا من ابنِ عَبَّاسٍ عليه. وإن رَدَّ عليه بعد فَرَاغِه من الصَّلاةِ فَحَسَنٌ. رُوِى هذا عن أبي ذَرٍّ، وعَطَاءٍ، والنَّخَعِيِّ، وداوُدَ؛ لما

стр. 967

روَى ابنُ مسعودٍ، قال: فقَدِمْتُ علَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عليه. فلم يَرُدَّ علىَّ السَّلامَ، فأخَذَنِى ما قَدُمَ وما حَدَثَ، فلمَّا قَضَى رسولُ اللهِ ﷺ الصَّلاةَ قال: "إِن اللهَ يُحْدِثُ مِن أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وإنَّ اللهَ قَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاةِ". فَرَدَّ عَلَىَّ السَّلامَ (٥٧). وقد رَوَى صُهَيْب، قال: مَرَرْتُ برسولِ اللهِ ﷺ وهو يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عليه، وكَلَّمْتُه فَردَّ إشَارَةً. قال بعضُ الرُّوَاةِ: ولا أعْلَمُه إلَّا قال إشارَةً بإصْبَعِه (٥٨). وعن ابْنِ عمرَ، قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى قُبَاءَ، فصَلَّ ى فيه قال: فجاءَتْه الأنْصارُ فَسَلَّمُوا عليه وهو يُصَلِّي، قال: فقلتُ لِبِلالٍ: كيف رأيتَ رسولَ اللهِ ﷺ يَرُدُّ عليهم حين كانوا يُسَلِّمُونَ عليه وهو يُصَلِّي؟ قال يَعْقُوبُ: هكذا. وبَسَطَ - يَعْنِى كَفَّه - وجَعَلَ بَطْنَه أسْفَلَ، وظَهْرَه إلى فَوْقَ. قال التِّرمِذِيّ: كِلَا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ. رَوَاهما أبو دَاوُدَ (٥٩)، والأثْرَمُ، وقد ذكرْنا ذلك فيما مَضَى. فصل: وإذا دَخَلَ قَوْمٌ على قَوْمٍ وهم يُصَلُّونَ، فَسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلِ يَدْخُلُ على القَوْمِ وهم يُصَلُّونَ، أَيُسِلِّمُ عليهِم؟ قال: نعم. ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ أنَّه سَلَّمَ على مُصَلٍّ. وفَعَل ذلك ابنُ عمرَ، وكَرِههُ عَطَاءٌ، وأَبُو مِجْلَزٍ، والشَّعْبِيُّ، وإسْحَاقُ؛ لأنَّه رُبَّما غَلِطَ المُصَلِّى فرَدَّ عليه كلامًا (٦٠). وقد رَوَى مالِكٌ في مُوَطَّإِهِ (٦١): أنَّ ابْنَ عمرَ سَلَّمَ على رَجُلٍ وهو يُصَلِّي، فَرَدَّ ﵇، فرَجَع إليه ابْنُ عمرَ، فَنَهَاهُ عن ذلك، ومَنْ ذَهبَ إلى تَجْوِيزِه احْتَج بِقولِ اللَّه تِعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٦٢) أي على أهلِ دِينِكم، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ حين سَلَّمَ

стр. 968

أصْحَابُه عليه رَدَّ عليهم إشارةً، ولم يُنْكِرْ ذلك عليهم. فصل: إذا أكلَ أو شَرِبَ في الفريضةِ عامِدًا، بَطَلَتْ صلاتُه، رِوايةً واحدةً. ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أنَّ المُصَلِّى مَمْنُوعٌ من الأكْلِ والشُّربِ، وأجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ عنه من أهلِ العِلْمِ على أنَّ مَن أكل أو شَرِبَ في صلاةِ الفَرْضِ عامدًا أنَّ عليه الإِعادةَ، وأنَّ ذلك يُفْسِدُ الصَّوْمَ الذي لا يَفْسُدُ بالأفعالِ، فالصَّلاةُ أوْلَى. فإن فَعَلَ ذلك في التَّطَوُّعِ أبْطَلَه، في الصَّحِيحِ من المذهبِ، وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ ما أبْطَلَ الفَرْضَ أبطَل التَّطَوُّعَ، كسائِرِ مُبْطلاتِه. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يُبْطِلُها. ويُرْوَى عن ابْنِ الزُّبَيْرِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أنَّهما شَرِبا في التَّطَوُّعِ. وعن طَاوُسٍ، أنَّه لا بَأْسَ به. وكذلك قال إسْحَاقُ؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسِيرٌ، فأشْبَهَ غيرَ الأكلِ، فأمَّا إن كَثُرَ فلا خلافَ في أنه يُفْسِدُها؛ لأنَّ غيرَ الأكلِ منِ الأعْمَالِ يُفْسِدُها (٦٣) إذا كَثُرَ، فالأكلُ والشُّرْبُ أَوْلَى. وإن أكلَ أو شَرِبَ في فرِيضَةٍ أو تَطوُّعٍ نَاسِيًا لم تَفْسُدْ. وبهذا قال عَطَاءٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال الأوْزَاعِيُّ: تَفْسُدُ صَلاتُه؛ لأنَّه فِعْلٌ مُبْطِلٌ مِن غيرِ جِنسِ الصلاةِ، فاسْتَوَى عَمْدُه وسَهْوُه، كالعملِ الكثيرِ. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأَ والنِّسْيَانِ" (٦٤). ولأنَّه يُسَوَّى بين قَلِيلِه وكَثِيرِه حالَ العَمْدِ. ومَعْفِيٌّ (٦٥) عنه في الصَّلاةِ، كالعملِ من جِنْسِها، ويُشْرَعُ لذلك سُجُودُ السَّهْوِ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ فإنَّ ما يُبْطِلُ عَمْدُه الصَّلاةَ إذا عُفِىَ عنه لأجْلِ السَّهْوِ شُرِعَ له السُّجُودُ، كالزِّيَادَةِ من جِنْسِ الصَّلاةِ، ومتى كَثُرَ ذلك أبْطَلَ الصَّلاةَ بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّ الأفعالَ المَعْفُوَّ عن يَسِيرِها إذا كَثُرَتْ أبْطَلَتْ، فهذا أَوْلَى. فصل: إذا تَرَكَ في فِيهِ ما يَذُوبُ كالسُّكَّرِ، فذَابَ منه شَىءٌ، فابْتَلَعَه، أفْسَدَ صلاتَه؛ لأنَّه أكَلَ. وإن بَقِىَ بين أسْنانِه، أو في فِيهِ، من بَقايا الطَّعامِ يَسِيرٌ يَجْرِى به

стр. 969

الرِّيقُ، فابْتَلَعَه، لم تَفْسُدْ صلاتُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ منه. وإن تَرَكَ في فِيهِ لُقْمةً ولم يَبْتَلِعْها، كُرِهَ؛ لأنَّه يَشْغَلُه عن خُشُوعِ الصَّلاةِ والذِّكْرِ والقِرَاءَةِ فيها، ولا يُبْطِلُها؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسِيرٌ، فأَشْبَهَ ما لو أمْسَكَ شيئًا في يَدِه. واللهُ أعلمُ.

стр. 970

بابُ الصَّلاةِ بالنَّجاسةِ، وغيرِ ذلك ٢٢٢ - مسألة؛ قال: (وإذا لم تَكُنْ ثِيَابُه طاهِرَةً، ومَوْضِعُ صَلَاتهِ طَاهِرًا، أَعَادَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الطَّهارةَ من النَّجَاسَةِ في بَدَنِ المُصَلِّى وثَوْبِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاةِ في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم: ابنُ عَبَّاسٍ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وقَتَادَةُ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ويُرْوَى عن ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّه قال: ليْسَ على ثَوْبٍ جنابةٌ. ونحوُه عن أبي مِجْلَزٍ (١)، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيِّ. وقال الحارِثُ العُكْلِيُّ (٢) وابنُ أبِى لَيْلَى: ليْسَ في ثَوْبٍ إعَادَةٌ. ورَأى طَاوُسٌ دَمًا كَثِيرًا في ثَوْبِه، وهو في الصَّلاةِ، فلم يُبَالِه. وسُئِلَ سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، عن الرَّجُلِ يَرَى في ثَوْبِه الأذَى وقد صَلَّى؟ فقال: اقْرَأْ عَلَىَّ الآيةَ التي فيها غَسْلُ الثِّيَابِ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٣). قال ابنُ سِيرِينَ: هو الغَسْلُ بالماءِ. وعن أسْمَاءَ ابْنَةِ أبى بكرٍ الصِّدِّيق، رَضِىَ اللهُ عنه، قالت: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عن دَمِ الحَيْضِ يَكُونُ في الثَّوْبِ؟ قال: "اقْرُصِيهِ، وصَلِّى فيهِ (٤) ". وفى لَفْظٍ قالَتْ: سَمِعْتُ امْرَأةً تَسْألُ رسولَ اللهِ ﷺ : كيف تَصْنَعُ إحدانا بِثَوْبِها إذا رَأتِ الطُّهْرَ، أتُصَلِّي فيه؟ قال: "تَنْظُرُ فيهِ، فَإنْ رَأتْ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ بِشَىْءٍ من ماءٍ، ولْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ، ولْتُصَلِّ فِيهِ". رواهُ أبو داوُدَ (٥). ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّهُما يُعَذَّبَانِ وما يُعَذَّبَانِ فِي

стр. 971

كَبيرٍ؛ أمَّا أحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِه". مُتَّفَقٌ عليه (٦). وفي رِوَايةٍ: "لا يَسْتَنْزِهُ من بَوْلِه". ولأنَّها إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، فكانت شَرْطًا للصَّلاةِ، كالطَّهَارَةِ من الحَدَثِ. فصل: وطَهارةُ مَوْضِعِ الصَّلاةِ شَرْطٌ أيضًا، وهو المَوْضِعُ الذي تَقَعُ عليه أعْضاؤُه وتُلاقِيهِ ثيابُه التي عليه، فلو كان على رَأْسِه طَرَفُ عِمَامَةٍ، وطَرَفُها الآخَرُ يَسْقُطُ على نَجَاسةٍ، لم تَصِحَّ صَلاتُه. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ احْتِمَالًا فيما تَقَعُ عليه ثِيَابُه خاصَّةً، أنَّه لا يشترط طَهارتُه؛ لأنَّه يُبَاشِرُها بما هو مُنْفَصِلٌ عن ذَاتِه، أشْبَهَ ما لو صَلَّى إلى جانِبِه إنْسَانٌ نَجِسُ الثَّوْبِ، فالْتَصَقَ ثَوْبُه به. والأوَّلُ المَذْهبُ؛ لأنَّ سُتْرَتَه تَابِعَةٌ له، فهى كأعْضاءِ سُجُودِه. فأمَّا إذا كان ثَوْبُه يَمسُّ شيئًا نَجِسًا، كَثَوْبِ مَن يُصَلِّي إلى جَانِبِه، أو حائِطٍ لا يَسْتَنِدُ إليه، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا تَفْسُدُ صَلاتُه بذلك؛ لأنَّه لَيْسَ بمَحَلٍّ لِبَدَنِه ولا سُتْرَتِه، ويَحْتَمِلُ أن يَفْسُدَ؛ لأن سُتْرَتَه مُلاقِيةٌ لِنَجَاسَةٍ، أَشْبَه ما لو وَقَعَتْ عليها. وإن كانت النَّجَاسَةُ مُحَاذِيَةً لِجِسْمِهِ في حال سُجُودِه؛ بحيثُ لا يَلْتَصِقُ بها شيءٌ من بَدَنِه ولا أعْضائِه، لم يَمْنَعْ صِحَّةَ صَلاتِه؛ لأنَّه لم يُبَاشِر النَّجاسةَ، فأشْبَهَ ما لو خَرَجَتْ عن مُحَاذَاتِه. فصل: وإذا صَلَّى، ثم رَأَى عليه نَجَاسَةً في بَدَنِه أو ثِيَابِهِ، لا يَعْلَمُ؛ هل كانت عليه في الصَّلاةِ، أو لا؟ فصَلاتُه صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها في الصَّلاةِ. وإن عَلِمَ أنَّها كانت في الصَّلاةِ، لكن جَهِلَها حتى فَرَغَ من الصَّلاةِ، فَفِيه رِوَايتان: إحْدَاهما،

стр. 972

لا تَفْسُدُ صَلاتُه. وهذا قولُ ابْنِ عمرَ، وعَطَاءٍ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسَالمٍ، ومُجَاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، ويَحْيَى الأَنْصَارِيّ، وإسْحَاقَ، وابْنِ المُنْذِرِ. والثانية: يُعِيدُ. وهو قولُ أبي قِلابَةَ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّها طهارةٌ مُشْتَرَطَةٌ للصَّلَاةِ، فلم تَسْقُطْ بِجَهلِها، كطهارةِ الحَدَثِ. وقال رَبِيعةُ، ومَالِكٌ: يُعِيدُ ما كان في الوَقْتِ، ولا يُعِيدُ بعدَه. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، ما رَوَى أبو سعيدٍ، قال: بَيْنَا رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بأصْحابِه، إذ خَلَعَ نَعْلَيْه، فوَضَعَهما عن يسارِهِ، [فخَلَعَ الناسُ نِعَالَهُم] (٧)، فلما قَضَى رسولُ اللهِ ﷺ صلاتَه قال: "مَا حَمَلَكُم عَلَى إلْقَائِكُم نِعَالَكُمْ؟ ". قالوا: رَأيْنَاكَ ألْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فألْقَيْنَا نِعَالَنا. قال: "إن جِبْرِيلَ أتَانِى، فأخْبَرَنِى أنَّ فِيهِمَا قَذَرًا". رَوَاهُ أبو داوُدَ (٨). ولو كانت الطَّهارةُ شَرْطًا، مع عَدَمِ العِلْمِ بها، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلاةِ، وتُفَارِقُ طهارةَ الحَدَثِ؛ لأنَّها آكَدُ؛ لأنَّها لا يُعْفَى عن يَسِيرِها، وتَخْتَصُّ البَدَنَ، وإن كان قد عَلِمَ بالنَّجَاسَةِ ثم أُنْسِيَها (٩)، فقال القاضي: حَكَى أصْحَابُنا في المَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَيْنِ. وذَكَرَ هو في مَسْأَلَةِ النِّسْيَانِ، أنَّ الصَّلاةَ باطِلَةٌ؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إلى التَّفْرِيطِ، بخِلافِ الجاهِل بها. قال الآمِدِيُّ: يُعِيدُ إذا كان قد تَوَانَى، رِوَايَةً واحِدَةً. والصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ بينهما؛ لأنَّ ما عُذِرَ فيه بالجَهْلِ عُذِرَ فيه بالنِّسْيَانِ، بل النِّسْيَانُ أوْلَى؛ لِوُرُودِ النَّصِّ بالعَفْوِ فيه، بقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "عُفِى لأُمَّتِى عن الخَطَإِ والنِّسْيَاِن" (١٠). وإنْ عَلِمَ بالنَّجَاسَةِ في أَثْناء الصَّلاةِ، فإنْ قُلْنَا: يُعْذَرُ. فصَلاتُه صَحِيحَةٌ. ثم إن أمْكَنَه طَرْحُ النَّجَاسَةِ من غير زَمَنٍ طَوِيلٍ، ولا عَمَلٍ كَثِيرٍ، ألْقَاهَا، وبَنَى، كما خَلَعَ النَّبِىُّ ﷺ نَعْلَيْهِ حين أخْبَرَه جِبْرِيلُ بالقَذَرِ فيهما. وإنِ احتَاجَ إلى أحَدِ هذين، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنه يُفْضِى إلى أحَدِ أمْرَيْنِ؛ إما

стр. 973

اسْتِصْحَاب النَّجَاسَةِ مع العِلْمِ بها زَمَنًا طَوِيلًا، أو يَعْمَلُ في الصَّلاةِ عَمَلًا كثيرًا، فَتَبْطُلُ به الصَّلاةُ، فصارَ كالعُرْيَانِ يَجِدُ السُّتْرَةَ بَعِيدَةً منه. فصل: وإذا سَقَطَتْ عليه نَجَاسَةٌ، ثم زَالَتْ عنه، أو أزَالَها في الحالِ، لم تَبْطُلْ صلاتُه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمَّا عَلِمَ بالنَّجَاسَةِ في نَعْلَيْه خَلَعهما، وأتَمَّ صَلَاتَه، ولأنَّ النَّجَاسَةَ يُعْفَى عن يَسِيرِها، فعُفِىَ عن يَسِيرِ زَمَنِها، كَكَشْفِ العَوْرَةِ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. فصل: وإذا صَلَّى علَى مَنْديلٍ، طَرَفُه نَجِسٌ، أو كان تَحْتَ قَدَمِه حَبْلٌ مَشْدودٌ في نَجَاسَةٍ، وما يُصَلِّي عليه طاهِرٌ، فصَلاتُه صَحِيحَةٌ، سواء تَحَرَّك النَّجَسُ بَحَركَتِه، أو لم يَتَحَرَّكْ، لأنَّه ليس بحَامِلٍ للنَّجَاسَةِ، ولا بِمُصلٍّ عليها، وإنما اتَّصَلَ مُصَلَّاهُ بها، أشْبَهَ ما لو صَلَّى على أرْضٍ طَاهِرَةٍ مُتَّصِلَة بأرْضٍ نجسَة. وقال بعضُ أصْحَابِنا: إذا كان النَّجَسُ يَتَحرَّكُ بَحَركَتِه، لم تَصِحَّ صَلاتُه. والمُعَوّلُ على ما ذكرْنا. فأمَّا إن كان الحَبْلُ أو المَنْدِيلُ مُتَعَلِّقًا به، بحيث يَنْجَرُّ معه إذا مَشَى، لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لأنَّه مْسْتَتْبِعٌ لها، فهو كحَامِلِها. ولو كان في يَدِه أو وَسَطِه حَبْلٌ مَشْدودٌ في نَجَاسَةٍ، أو حَيَوَانٍ نَجِسٍ، أو سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ فيها نَجَاسَةٌ تَنْجَرُّ معه إذا مَشَى، لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لأنه مُسْتَتْبِعٌ لها، [فهو كحَامِلِها] (١١). وإن كانت السَّفِينَةُ كَبِيرَةً لا يُمْكِنُه جَرُّها، أو الحَيَوانُ كبيرًا لا يَقْدِرُ على جَرِّه إذا اسْتَعْصَى عليه، لم تَفْسُدْ صَلاتُه؛ لأنَّه ليس بِمُسْتَتْبِعٍ لها. قال القاضي: هذا إذا كان الشَّدُّ في مَوْضِعٍ طَاهِرٍ، فإن كان مَشْدُودًا في مَوْضِعٍ نَجِسٍ، فَسَدَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه حامِلٌ لما هو مُلاقٍ لِلنَّجَاسَةِ. والأَوْلَى أنَّ صَلاتَه لا تَفْسُدُ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على اسْتِتْبَاعَ ما هو مُلاقٍ للنَّجَاسَةِ، فأشْبَهَ ما لو أمْسَكَ سَفِينَةً عَظِيمةً فيها نَجَاسَةٌ، أو غُصْنًا من شَجَرةٍ عليها نَجَاسَةٌ. فصل: وإذا حَمَلَ في الصَّلاةِ حيوانًا طَاهِرًا أو صَبِيًّا، لم تَبْطُلْ صَلاتُه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى وهو حَامِلٌ أُمامَةَ ابْنَةَ أبي العاص. مُتَّفَقٌ عليه (١٢). ورَكِبَ الحسنُ

стр. 974

والحسينُ على ظَهْرِه وهو سَاجِدٌ (١٣)، ولأنَّ ما في الحيوانِ من النَّجاسةِ في مَعِدَتِهِ، فهى كالنَّجاسةِ في مَعِدَةِ المُصَلِّى، ولو حَمَلَ قَارُورَةً فيها نَجَاسَةٌ مَسْدُودَةً، لم تَصِحَّ صلاتُه. وقال بعضُ أصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لا تَفْسُدُ صَلاتُه؛ لأنَّ النَّجَاسَةَ لا تَخْرُجُ منها، فهى كالحيوانِ. ولَيْسَ بصَحِيحٍ؛ لأنَّه حامِلٌ لِنَجَاسَةٍ غيرِ مَعْفُوٍّ عنها في غيرِ مَعْدِنِها (١٤)، فأشْبَهَ ما لو حَمَلها في كُمِّه. ٢٢٣ - مسألة؛ قال: (وَكَذَلِك إنْ صَلَّى في المَقْبَرَةِ أوْ الحُشِّ أو الحَمَّامِ أو فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ، أَعَادَ) اخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في الصَّلاةِ في هذه المواضِعِ، فَرُوِىَ أنَّ الصَّلاةَ لا تَصِحُّ فيها بحَالٍ. ومِمَّنْ رُوِىَ عنه أنَّه كَرِهَ الصَّلاةَ في المَقْبَرَةِ؛ علىٌّ، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عمرَ، وعَطَاءٌ، والنَّخَعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. ومِمَّنْ رأَى أن يُصَلَّى في مَرَابِضِ الغَنَمِ ولا يُصَلَّى في مَبَارِك الإبِلِ؛ ابْنُ عمرَ، وجابرُ بنُ سَمُرَةَ، والحسنُ، ومالِكٌ، وإسْحَاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وعنٍ أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ الصَّلاةَ في هذه المَواضعِ (١) صَحِيحَةٌ، ما لم تكنْ نَجِسَةً. وهو مذهبُ مالِكٍ، وأبى حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْله ﵇: "جُعِلَتْ لي الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا" وفى لَفِظٍ: "فَحَيْثُما أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ، فَإنَّه مَسْجِدٌ". وفى لَفْظٍ: "أيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَإنَّهُ مَسْجِدٌ". مُتَفَقٌ عليها (٢)، ولأنَّه مَوْضِعٌ طَاهِرٌ، فصَحَّت الصَّلاةُ فيه، كالصَّحْراءِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ إلَّا الحَمَّامَ والمَقْبَرَةَ"

стр. 975

رَواهُ أبو داوُدَ (٣). وهذا خاصٌّ مُقَدَّمٌ على عُمُومِ ما رَوَوْه. وعن جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، أنَّ رَجُلًا سَأل رسولَ اللهِ ﷺ : أَنُصَلِّى في مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قال: "نَعَمْ". قال: أَنُصَلِّى في مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قال: "لا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). وعن البَرَاءِ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإِبِلِ فإِنَّها من الشَّيَاطِين". رواهُ أبو دَاوُدَ (٥). وعن أُسَيْدِ بنِ حُضَيْر، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "صَلُّوا في مَرَابِض الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإبِلِ". رواهُ الإِمامُ أحمدُ، في"مُسْنَدِهِ" (٦). والنَّهْيُ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ، وهذا خاصٌّ يُقَدَّمُ على عُمُومِ ما رَوَوْهُ، ورُوِىَ هذا الحديث عن ابنِ عمرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ، رَوَاهُنَّ الأثْرَمُ (٧). فأمَّا الحُشُّ، فإنَّ الحُكْمَ يثْبُتُ فيه بالتَّنْبِيهِ؛ لأنَّه إذا مُنِعَ مِن الصَّلاةِ في هذه المَوَاضِعِ لكَوْنِها مَظَانَّ النَّجَاسَةِ، فالحُشُّ مُعَدٌّ للنَّجَاسَةِ ومَقْصُودٌ لها، فهو أوْلَى بالمَنْعِ فيه. وقال بَعْضُ أصْحابِنا: إنْ كان المصَلِّى عَالِمًا بالنَّهْي في هذه المَوَاضِع، لم تَصِحَّ صَلاتُه فيها؛ لأنَّه عَاصٍ بصلاتِه فيها، والمَعْصِيَةُ لا تكونُ قُرْبَةً ولا طَاعَةً، وإن لم يَكنْ عَالِمًا فهل تَصِحُّ صَلاتُه؟ على رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه صَلَّى فِيمَا لا تَصِحُّ الصَّلاةُ فيه مع العِلْمِ، فلا تَصِحُّ مع الجَهْلِ، كالصَّلاةِ في مَحَلٍّ نَجِسٍ

стр. 976

والثانية، تَصِحُّ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. فصل: وذَكَرَ بعضُ أصحابِنا مع هذه المَوَاضِع المَزْبَلَةَ، والمَجْزَرَةَ، ومَحَجَّةَ الطَّرِيقِ، وظَهْرَ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ، والمَوْضِعَ المَغْصُوبَ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيَها الصَّلاةُ؛ ظَهْرُ بَيْتِ اللهِ، والمَقْبَرَةُ، والمَزْبَلَةُ، والمَجْزَرَةُ، والحَمَّامُ، وعَطَنُ الإِبِلِ، ومَحَجَّةُ الطَّرِيقِ" رَواهُ ابنُ مَاجَه (٨). وعن ابْنِ عمرَ، قال: نَهىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُصَلَّى في سَبْعِ مَوَاطِنَ. وذَكَرَها، وقال: وقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، ومَعَاطِنِ الإِبِلِ، وفَوْقَ الكَعْبَةِ (٨). وقال: الحُكْمُ في هذه المَوَاضِعِ السَّبْعَةِ كالحُكْمِ في الأرْبعةِ سَوَاء. ولأنَّ هذه المَوَاضِعَ مَظِنَّةُ النَّجَاسَاتِ، فَعُلِّقَ الحُكْمُ عليها دُونَ حَقِيقَتِها، كما يَثْبُتُ حُكْمُ نَقْضِ الطَّهَارَةِ بالنَّوْمِ، ووُجُوبِ الغُسْلِ بالْتِقاءِ الخِتَانينِ. فصل: قال القاضي: المَنْعُ من هذه المَوَاضِعِ تَعَبُّدٌ (٩)، لا لِعِلَّةٍ مَعْقُولَةٍ، فعلى هذا يَتَنَاوَلُ النَّهْىُ كُلَّ ما وَقَعَ عليه الاسْمُ، فلا فَرْقَ في المَقْبَرَةِ بين القَدِيمَةِ والحَدِيثَةِ، وما تَقَلَّبَتْ أتْرِبَتُها أو لم تَتَقَلَّبْ؛ لِتَنَاوُلِ الاسْمِ لها، فإنْ كان في المَوْضِعِ قَبْرٌ أو قَبْرانِ، لم يَمْنَعْ من الصَّلاةِ فيها. لأنَّها لا يَتَنَاوَلُها اسْمُ المَقْبَرَةِ. وإن نُقِلَت القُبُورُ منها، جازتِ الصَّلاةُ فيها؛ لأنَّ مَسْجِدَ رسولِ اللهِ ﷺ كانت فيه قُبُورُ المُشْركِينَ، فنُبِشَتْ. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). ولا فرقَ في الحَمَّامِ بين مكانِ الغَسْلِ وصَبِّ الماءِ، وبين بَيْتِ المَسْلَخِ

стр. 977

الذي يُنْزَعُ فيه الثِّيابُ والأتُونِ وكلِّ ما يُغْلَقُ عليه بابُ الحَمَّامِ؛ لتَناوُلِ الاسْمِ له. وأمَّا المَعَاطِنُ، فقالَ أحمدُ: هي التي تُقِيمُ فيها الإِبِلُ وتَأْوِى إليها. وقيل: هي المَوَاضِعُ التي تُنَاخُ فيها إذا وَرَدتْ. والأوَّلُ أجْوَدُ؛ لأنَّه [جعَلَه في] (١١) مُقَابِلَةِ مُرَاحِ الغَنَمِ. والحُشُّ: المَكَانُ الذي يُتَّخَذُ للغَائِطِ والبَوْلِ. فَيُمْنَعُ من الصَّلاةِ فيما هو دَاخِلُ بَابِه. ولا أعْلَمُ في مَنْعِ الصَّلاةِ فيه نَصًّا (١٢)، إلَّا أنَّه قد مُنِعَ من ذِكْرِ اللهِ تعالى فيه والكلام، فمَنْعُ الصَّلاةِ فيه أوْلَى، ولأنه إذا مُنِعَ الصَّلاةُ في هذه المَوَاضِعِ لِكَوْنها مَظَانَّ لِلنَّجَاسَاتِ، فهذا أوْلَى؛ فإنَّه بُنِىَ لها. ويَحْتَمِلُ أنَّ المَنْعَ في هذه المَوَاضِع مُعَلَّلٌ بأنَّها مَظَانُّ لِلنَّجاساتِ، فإنَّ المَقْبَرَةَ تُنْبَشُ ويَظْهَرُ التُّرَابُ الذي فيه صَدِيدُ المَوْتَى وَدِمَاؤُهم ولُحُومُهم، ومَعَاطِنُ الإِبِلِ يُبَالُ فِيها، فإنَّ البَعِيرَ البَارِكَ كالجِدَارِ يُمْكِنُ أن يَسْتَتِرَ به ويَبُول، كما رُوِىَ عن ابْنِ عمرَ، أنه أنَاخَ بَعِيرَه مُسْتَقْبِلَ القِبْلَة، ثم جَلَسَ يَبُولُ إليه. ولا يتَحَقَّقُ هذا في حَيَوانٍ سِوَاها؛ لأنَّه في حالِ رَبضْهِ (١٣) لا يَسْتُرُ، وفي حالِ قِيَامِه لا يَثْبُتُ ولا يَسْتُرُ. والحَمَّامُ مَوْضِعُ الأوْساخِ والبَوْلِ، فَنُهِى عن الصَّلاةِ فيها لذلك. وتَعَلَّقَ الحُكْمُ بها وإن كانت طَاهِرَةً؛ لأن المَظِنَّةَ يَتَعَلَّقُ الحُكْمُ بها وإن خَفيَت الحِكْمَةُ فيها، ومتَى أمْكَنَ تَعْلِيلُ الحُكْمِ تَعَيَّنَ تَعْلِيلُه، وكان أوْلَى من قَهْرِ التَّعَبُّدِ ومَرَارَةِ التَّحَكُّمِ، ويَدُلّ عَلَى صِحَّةِ هذا تَعْدِيَةُ الحُكْمِ إلى الحُشِّ المَسْكُوت عنه، بالتَّنْبِيهِ [ولا بُدَّ في التَّنْبِيهِ] (١٤) من وُجُودِ مَعْنَى المَنْطُوقِ فيه، وإلَّا لم يَكُنْ ذلك تَنْبِيهًا، فعلى هذا يُمْكِنُ قَصْرُ الحُكْمِ على ما هو مَظِنَّةٌ منها، فلا يَثْبُتُ حُكْمُ المَنْعِ في مَوْضِع المَسْلَخِ من الحَمَّامِ، ولا في سَطْحِه (١٥)، لِعَدَمِ المَظِنَّة فيه، وكذلك ما أشْبَهَهُ. واللهُ أعلمُ.

стр. 978

فصل: وزَادَ أصْحَابُنا المَجْزَرَةَ، والمَزْبَلَةَ، ومَحَجَّةَ الطَّرِيقِ، وظَهْرَ الكَعْبَةِ؛ لأنَّها في خَبَرِ عمرَ وابْنِه (١٦). وقالُوا: لا يجُوزُ فيها الصَّلاةُ. ولم يَذْكُرْهَا الخِرَقِىُّ. فيَحْتَمِلُ أنَّه جَوَّزَ الصَّلاةَ فيها، وهو قولُ أكثر أهلِ العِلْمِ؛ لِعُمُومِ قولِه ﵊: "جُعِلَتْ لِىَ الأَرضُ مَسْجدًا" وهو صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عليه (١٧). واسْتَثْنَى منه المَقْبَرَةَ، والحَمَّامَ، ومَعَاطِنَ الإِبِلِ، بأحادِيثَ صَحِيحَةٍ خاصَّة، ففيما عَدَا ذلك يَبْقَى على العُمُومِ. وحَدِيثُ عمرَ وابْنِه يَرْوِيهما العُمَرِىُّ (١٨)، وزَيْدُ بنُ جَبِيرَةَ (١٩)؛ وقد تُكُلِّمَ فيهما من قِبَلِ حِفْظِهِما، فلا يُتْرَكُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ بِحدِيثهِما. وهذا أصَحُّ، وأكْثَرُ أصْحَابِنا، فيما عَلِمْتُ، عَمِلُوا بِخَبَرِ عمرَ وابْنِه في المَنْعِ من الصَّلاةِ في المَوَاضِع السَّبْعَة. ومَعْنَى مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ: الجَادَّةُ المَسْلُوكَةُ التي تَسْلُكُها السَّابِلَةُ. وقَارِعَة الطَّرِيقِ: يعني التي تَقْرَعُها الأقْدَامُ، فاعِلَةٌ بمعنى مَفْعُولَةٍ، مثل الأسْواقِ والمَشَارِعِ والجادَّةِ لِلسَّفَرِ. ولا بَأْسَ بالصَّلاةِ [فيما علَا منها يَمْنَةً ويَسْرَةً ولم يَكْثُرْ قَرْعُ الأقْدَامِ له (٢٠). وكذلك لا بَأْسَ بالصَّلاةِ] (٢١) في الطُّرُق التي يَقِلُّ سَالِكُوها، كطُرُقِ الأبياتِ اليَسِيرَة. والمَجْزَرَةُ: المَوْضِعُ الذي يَذْبَحُ القَصَّابون وشِبْهُهُم فيه البَهَائِمَ مَعْرُوفًا (٢٢) بذلك مُعَدًّا. والمَزْبَلَةُ: المَوْضِعُ الذي يُجْمَعُ فيه الزِّبْلُ. ولا فَرْقَ في هذه المَوَاضِع بَيْنَ ما كان منها طَاهِرًا أو نَجِسًا، ولا بين كَوْن الطَّرِيقِ فيها سَالِكًا أو لم يكنْ؛ ولا في المَعَاطِنِ بين أن يكونَ فيها إبلٌ في ذلك (٢٣) الوَقْتِ أو لم يكنْ. وأمَّا

стр. 979

المَواضِعُ التي تَبِيتُ فيها الإِبِلُ في مَسِيرِها، أو تُنَاخُ فيها لِعَلْفِهَا أو وِرْدِها، فلا يُمْنَعُ الصَّلاةُ فيها. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأَلُ عن مَوْضِعٍ فيه أَبْعارُ الإِبِلِ يُصَلَّى فيه؟ فَرَخَّصَ فيه، ثم قال: إذا لم يكنْ من مَعَاطِنِ الإِبِلِ، التي نُهِىَ عن الصَّلاةِ فيها، التي تَأْوِى إليها الإِبِلُ. فصل: ويُكْرَهُ أن يُصَلِّىَ إلى هذه المَوَاضِعِ، فإن فَعَلَ صَحَّتْ صَلاتُه. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ أبي طَالِبٍ. وقد سُئِلَ عن الصَّلاةِ إلى المَقْبَرَةِ والحَمَّامِ والحُشِّ؟ قال: لا يَنْبَغِى أن يكونَ في القِبْلَةِ قَبْرٌ، ولا حُشٌّ، ولا حَمَّامٌ، فإن كان، يُجْزِئُه. وقال أبو بكرٍ: يتوَجَّه في الإِعادَةِ قَوْلان؛ أحَدُهما، يُعِيدُ؛ لِمْوضِعِ النَّهْى، وبه أقولُ. والثَّانِى: يَصِحُّ؛ لأنَّه لم يُصَلِّ في شيءٍ من المَوَاضِع المَنْهىِّ عنها. وقال أبو عبدِ اللَّه بِنُ حامِدٍ: إنْ صَلَّى إلى المَقْبَرَةِ والحُشِّ، فحُكْمُه حُكْمُ المُصَلِّى فيهما إذا لم يكن بينه وبَيْنَهما حائِلٌ؛ لما رَوَى أبُو مَرْثَدٍ الغَنَوِيُّ، أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقولُ: "لا تُصَلُّوا إلى القُبُورِ، ولا تَجْلِسُوا إلَيْها". مُتَّفَقٌ عليه (٢٤). وقال الأثْرَمُ: ذَكَرَ أحمدُ حديثَ أبي مَرْثَدٍ، ثم قال: إسْنادُه جَيِّدٌ. وقال أنَسٌ: رَآنِى عمرُ، وأنا أُصَلِّى إلى قَبْرٍ، فجَعَلَ يُشِيرُ إلَيَّ: القَبْر، القَبْر. قال القاضي: وفى هذا تَنْبِيهٌ على نَظَائِرِه من المَوَاضِع التي نُهِىَ عن الصَّلاةِ فيها. والصَّحِيحُ أنَّه لا بَأْسَ بالصَّلاةِ إلى شَىءٍ من هذه المَوَاضِع إلّا المَقْبَرَةَ؛ لأنَّ قَوْلَه ﷺ : "جُعِلَت الأرْضُ مَسْجِدًا" يتَنَاوَلُ المَوْضِعَ الذي يُصَلِّى فيه مَن هي في قِبْلَتهِ، وقِيَاسُ ذلك على الصَّلاةِ إلى المَقْبَرَةِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ النَّهْيَ إنْ كان تَعَبُّدًا غيرَ مَعْقُولِ المَعْنَى امْتَنَعَ تَعْدِيتُهُ ودُخُولُ القِيَاسِ فيه، وإن كان لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ

стр. 980

بها، وهو اتِّخَاذُ القُبُورِ مَسْجِدًا، أو التَّشَبُّهُ بمنَ يُعَظِّمُها ويُصَلِّي إليها، فلا يَتَعَدَّاها الحُكْمُ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ المَعْنَى في غيرِها، وقد قال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهم وصَالحِيهِم مَسَاجِدَ، ألا فَلا تَتَّخِذُ والقُبُورَ مَسَاجِدَ، إنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذلِكَ". وقال: "لَعْنَةُ اللهِ على اليَهُودِ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ". يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا. مُتَّفَقٌ عليهما (٢٥). فعَلَى هذا لا تَصِحُّ الصَّلاةُ إلى القُبُورِ لِلنَّهْىِ عنها، ويَصِحُّ إلى غيرِها لِبَقائِها في عُمُومِ الإِباحةِ وامْتِناعِ قِيَاسِها على ما وَرَدَ النَّهْىُ فيه، واللهُ أعْلمُ. فصل: وإن صَلَّى على سَطْحِ الحُشِّ أو الحَمَّامِ أو عَطنِ الإِبِلِ أو غيرِها، فذَكَرَ القاضي أنَّ حُكْمَه حُكْمُ المُصَلِّى فيها؛ لأنَّ الهواءَ تابِعٌ للقَرارِ، فَيَثْبُتُ فيه حُكْمُه، ولذلك لو حَلَفَ لا يَدْخُلُ دَارًا، فَدَخَلَ سَطْحَها، حَنِثَ، ولو خَرَجَ المُعْتَكِفُ إلى سَطْحِ المَسْجِدِ كان له ذلك؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ المَسْجِدِ. والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، قَصْرُ النَّهْىِ على ما تَنَاوَلَه، وأنَّه لا يُعَدَّى إلى غيرِه؛ لأنَّ الحُكْمَ إن كان تَعَبُّدِيًّا فالقِياسُ فيه مُمْتَنِعٌ، وإن عُلِّلَ فإنّما يُعَلَّلُ بِكَوْنِه مَظِنَّةٌ (٢٦) لِلنَّجَاسَةِ، ولا يُتَخَيَّلُ هذا في أسْطُحِها (٢٧). فأمَّا إن بُنِىَ على طَرِيقٍ ساباطٌ (٢٨) أو أُخْرِجَ عليه خُرُوجٌ (٢٩)، فعلى

стр. 981

قَوْلِ القَاضِى: حُكْمُه حُكْمُ الطَّرِيقِ، لما ذَكَرَه فيما تَقَدَّمَ. وعلى قَوْلِنا، إن كان السَّابَاطُ مُبَاحًا له، مثل أن يكونَ في دَرْبٍ غيرِ نَافِذٍ بإذْنِ أَهْلِه، أو مُسْتَحِقًّا له، أو حَدَثت (٣٠) الطَّرِيقُ بعدَه، فلا بَأْسَ بالصَّلاةِ عليه، وإن كان على طَرِيقٍ نافِذٍ، فليس ذلك له، فيَكُون المُصَلِّي فيه كالمُصَلِّي في المَوْضِعِ المَغْصُوبِ. على ما سَنَذْكُره إن شاء اللهُ تعالى. وإن كان السَّاباطُ على نَهْرٍ تَجْرِى فيه السُّفُنُ، فهو كالسَّاباطِ على الطَّرِيقِ، في القَوْلَينِ جميعا. وهذا يُؤَيِّدُ (٣١) ما ذَكَرْناه (٣٢)؛ لأنَّه لو كانت العِلَّةُ كَوْنَه تابعًا لِلقَرارِ، لجازَتِ الصَّلاةُ ههنا، لِكَوْنِ القَرَارِ غيرَ مَمْنُوعٍ من الصَّلاةِ فيه، بِدلِيلِ ما لو صَلَّى عليه في سَفِينَةٍ، أو لو جَمَدَ ماؤُه فصَلَّ ى عليه، صَحَّ، ولأنَّه لو كانت العِلَّةُ ما ذَكَرَه لَصَحَّت الصَّلاةُ على ما حَاذَى مَيْمَنَةَ الطَّرِيقِ ومَيْسَرَتَها، وما لا تَقْرَعُهُ الأَقدَامُ منها، وهذا فيما إذا كان السَّطْحُ جارِيًا (٣٣) على مَوْضِع النَّهْيِ (٣٤)، فإن كان المَسْجِدُ سَابِقًا، وجُعِلَ تَحْتَه طَريقٌ أو عَطَنٌ، أو غيرُهما من مَوَاضِع النَّهْي. أو كان في غيرِ مَقْبَرَةٍ فحَدَثَت المَقْبَرَةُ حَوْلَه، لم تُمْنَع (٣٥) الصَّلاةُ فيه، بغيرِ خِلافٍ، لأنَّه لم يَتْبَعْ ما حَدَثَ بَعْدَه، واللهُ أعلمُ. فصل: وإن بَنَى مَسْجِدًا في المَقْبَرَةِ بين القُبُورِ، فَحُكْمُه حُكْمُها؛ لأنَّه لا يَخْرُجُ بذلك عن أن يكونَ في المَقْبَرَةِ. وقد رَوَى قَتَادةُ: أن أَنَسًا مَرَّ على مَقْبَرَةٍ، وهم يَبْنُونَ فيها مَسْجِدًا، فقال أنَسٌ: كان يُكْرَهُ أن يُبْنَى مَسْجِدٌ في وَسَطِ القُبُورِ. فصل: ولا تَصِحُّ الفَرِيضَةُ في الكَعْبَةِ، ولا على ظَهْرِها. وجَوَّزَه الشَّافِعِيُّ وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه مَسْجِدٌ، ولأنه مَحَلٌّ لِصَلاةِ النَّفْلِ، فكان مَحَلًّا لِلْفَرْضِ، كخَارِجِها.

стр. 982

ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣٦). والمُصَلِّى فيها أو على ظَهْرِها غيرُ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتها، والنَّافِلَةُ مَبْنَاها على التَّخْفِيفِ والمُسامَحَةِ، بدَلِيلِ صَلاتِها قاعِدًا، وإلى غيرِ القِبْلَةِ، في السَّفَرِ على الرَّاحِلَةِ. فصل: وتَصِحُّ النَّافِلَةُ في الكَعْبَةِ وعلى ظَهْرِها. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في البَيْتِ رَكْعَتَيْنِ (٣٧). إلَّا أنَّه إنْ صَلَّى تِلْقَاءَ البابِ أو على ظَهْرِها، وكان بين يَدَيْهِ شيءٌ من بِنَاءِ الكَعْبَةِ مُتَّصِلٌ بها، صَحَّتْ صَلاتُه، فإنْ لم يَكُنْ بين يَدَيْهِ شَىءٌ شَاخِصٌ، أو كان بين يَدَيْه آجُرٌّ مُعَبَّأٌ غيرُ مَبْنِىٍّ، أو خَشَبٌ غيرُ مَسْمُورٍ فيها، فقال أصْحابُنا: لا تَصِحُّ صَلاتُه؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَقْبِلٍ لشىءٍ منها. وإن كان الخَشَبُ مَسْمُورًا، والآجُرُّ مَبْنيًّا، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّ ذلكَ تابِعٌ لها. والأوْلَى أنَّه لا يُشْتَرَطُ كَوْنُ شيءٍ منها بين يَدَيْه؛ لأنَّ الوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ مَوْضِعِها وهَوَائِها، دُونَ حِيطَانِها، بدليلِ ما لو انْهَدَمتِ الكَعْبَةُ، صَحَّتِ الصَّلاةُ إلى مَوْضِعِها، ولو صَلَّى على جَبَلٍ عالٍ يَخْرُجُ عن مُسَامَتَتِها، صَحَّتْ صَلاتُه إلى هَوَائِها، كذا ههُنا. فصل: وفى الصَّلاةِ في المَوْضِعِ المَغْصُوبِ رِوَايتانِ: إحْدَاهما، لا تَصِحُّ. وهو أحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ. والثَّانِيةُ، تَصِحُّ. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، ومَالِكٍ، والقَوْلُ الثَّانِى، للشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ النَّهْىَ لا يَعُودُ إلى الصَّلاةِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّتَها، كما لو صَلَّى وهو يَرَى غَرِيقًا، يُمْكِنُ (٣٨) إنْقَاذُه، فلم يُنْقِذْهُ، أو حَرِيقًا يَقْدِرُ على إطْفَائِه، فلم يُطْفِئْه،

стр. 983

أو مَطَلَ غَرِيمَه الذي يُمْكِنُ إيفَاؤُه وصَلَّى. ولَنا، أنَّ الصَّلاةَ عِبَادَةٌ أَتَى بها على الوَجْهِ المَنْهِيِّ عنه، فلم تَصِحَّ، كصَلاةِ الحائِضِ وصَوْمِها، وذلك لأنَّ النَّهْىَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الفِعْلِ، واجْتِنَابَه، والتَّأْثِيمَ بفِعْلِه، فكيف يكون مُطِيعًا بما هو عاصٍ به، مُمْتَثِلًا بما هو مُحَرَّمٌ عليه، مُتَقَرِّبًا بما يَبْعُدُ به، فإنَّ حَرَكَاتِه (٣٩) من القِيَامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ أفْعَالٌ اخْتِيارِيَّةٌ، هو عاصٍ بها مَنْهِيٌّ عنها. فأمَّا من رَأَى الحَرِيق فليسَ بمَنْهِيٍّ عن الصَّلاةِ، إنَّما هو مَأْمُورٌ بإطْفَاءِ الحَرِيقِ، وإنْقَاذِ الغَرِيقِ، وبالصَّلَاةِ، إلّا أنَّ أحَدَهما آكَدُ من الآخَرِ، أمَّا في مَسْأَلَتِنا فإنَّ أفْعَالَ الصَّلاةِ في نَفْسِها مَنْهِيٌّ عنها. إذا ثَبَتَ هذا فلا فَرْقَ بين غَصْبِه لِرَقَبةِ الأَرْضِ بأَخْذِهَا، أو دَعْوَاهُ مِلْكِيَّتَها، وبين غَصْبِه مَنَافِعَها، بأنْ يَدَّعِيَ إجَارَتَها ظَالِمًا، أو يَضَعَ يَدَه عليها لِيَسْكُنَها مُدَّةً أو يُخْرِجَ رَوْشَنًا (٤٠) أو سَابَاطًا في مَوْضِعٍ لا يَحِلُّ له، أو يَغْصِبَ رَاحِلَةً ويُصَلِّيَ عليها، أو سَفِينَةً ويُصَلِّىَ فيها، أو لَوْحًا فَيَجْعَلَهُ في سَفِينَةٍ ويُصَلِّيَ عليه، كلُّ ذلك حُكْمُه في الصَّلَاةِ حُكْمُ الدَّارِ، على ما بَيَّنَّاه. فصل: قال أحمدُ، ﵀: تُصَلَّى الجُمُعَةُ في المَوْضِعِ الغَصْبِ. يَعْنِى لو كان الجامِعُ أو مَوْضِعٌ منه مَغْصُوبًا، صَحَّتِ الصَّلاةُ فيه؛ لأنَّ الجُمُعَةَ تَخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ، فإذا صَلَّاها الإِمامُ في المَوْضِعِ المَغْصُوبِ، فامْتَنَعَ الناسُ من الصَّلاةِ فيه، فاتَتْهُم الجُمُعَةُ، وإن امْتَنَعَ بَعْضُهُم، فاتَتْهُ الجُمُعَةُ، ولذلك أُبِيحَتْ خَلْفَ الخَوَارِجِ والمُبْتَدِعَةِ، وكذلك تَصِحُّ في الطُّرُقِ ورِحَابِ المَسْجِدِ، لِدُعَاءِ الحَاجَةِ إلى فِعْلِها في هذه المَوَاضِع، وكذلك في الأعْيَادِ والجِنَازَةِ. فصل: قال أحمدُ، ﵀: أكْرَهُ الصَّلاةَ في أرْضِ الخَسْفِ؛ وذلك لأنها مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عليه. وقد قال النبيُّ ﷺ لأصْحَابِه يَوْمَ مَرُّوا بالحِجْر (٤١): "لا

стр. 984

تَدْخُلُوا على هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلا أن تَكُونُوا باكِينَ أن يُصيبَكُمْ مِثْلُ ما أصَابَهُمْ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٢). فصل: ولا بَأْسَ بالصَّلاةِ في الكَنِيسَةِ النَّظِيفَةِ، رَخَّصَ فيها الحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، ورُوِىَ أيضًا عن عمرَ، وأبى موسى، وكَرِهَ ابنُ عَبَّاسٍ، ومَالِكٌ الكَنَائِسَ؛ من أجْلِ الصُّوَرِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في الكَعْبَةِ وفيها صُوَرٌ (٤٣)، ثم هي دَاخِلَةٌ في قَوْلِه ﵇: "فأَيْنَما أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ (٤٤)، فإنَّه مَسْجِدٌ" (٤٥). فصل: وإذا كانت الأرْضُ نَجِسَةً، فَطَيَّنَها بِطَاهِرٍ، أو بَسَطَ عليها شيئًا طَاهِرًا، [وصَلَّى عليه، ] (٤٦) صَحَّتِ الصَّلاةُ مع الكَرَاهَةِ، في ظَاهِرِ كلامِ أحمدَ، ﵀. وهو قَوْلُ طَاوُسٍ، ومالِكٍ، والأَوْزَاعِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحاقَ، وذَكَرَ أصْحابُنا في المسألةِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّها مَدْفَنُ (٤٧) النَّجَاسَةِ، فأشْبَهَتِ المَقْبَرَةَ. ولَنا، أنَّ الطَّهَارَةَ إنَّما تُشْتَرَطُ في بَدَنِ المُصَلِّي وثَوْبِهِ ومَوْضِعِ صَلاتِه، وقد وُجِدَ ذلك كُلُّه، ولا نُسَلِّمُ العِلَّةَ في الأصْلِ، فإنَّه لو صَلَّى بينَ القُبُورِ لم

стр. 985

تَصِحَّ صَلاتُه وإن لم يَكُنْ مَدْفَنًا لِلنَّجَاسَةِ، وقد قِيلَ: إن الحُكْمَ غيرُ (٤٨) مُعَلَّلٍ. فلا يُقَاسُ عليه. فصل: ويُكْرَهُ تَطْيِينُ المَسْجِدِ بِطِينٍ نَجِسٍ، أو تَطْبِيقُه بِطوَابِقَ نَجِسَةٍ، أو بِنَاؤُه بِلَبِنٍ نَجِسٍ، أوَ آجُرٍّ نَجِسٍ، فإن فَعَلَ، وباشَرَ المُصَلِّى أرْضَه النَّجِسَةَ بِبَدَنِه أو ثِيَابِه، لم تَصِحَّ صلاتُه. وأمَّا الآجُرُّ المَعْجُونُ بالنَّجَاسَةِ، فهو نَجسٌ؛ لأنَّ النَّارَ لا تُطَهِّرُه، فإن غُسِلَ طَهُرَ ظَاهِرُه؛ لأنَّ النَّارَ أكَلَتْ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةَ، وبَقِىَ أثَرُها، فتَطْهُرُ بالغَسْلِ، كالأرْضِ النَّجِسَةِ ويَبْقَى (٤٩) باطِنُها نَجِسًا؛ لأنَّ الماءَ لم يَصِلْ إليه، فإنْ صَلَّى عليه بعد الغَسْلِ فهو كما لو صَلَّى على بِسَاطٍ طَاهِرٍ مَفْرُوشٍ على أرْضٍ نَجِسةٍ، وكذلك الحُكْم في البِسَاطِ الذي باطِنُه نَجِسٌ وظَاهِرُه طَاهِرٌ. ومتى انْكَسَرَ من الآجُرِّ النَّجِسِ قِطْعَةٌ، فظَهَرَ بعضُ باطِنِه، فهو نَجِسٌ، لا تَصِحُّ الصَّلاةُ عليه. فصل: ولا بَأْسَ بالصَّلاةِ على الحَصِيرِ والبُسُطِ من الصُّوفِ والشَّعَرِ والوَبَرِ، والثِّيَابِ من القُطْنِ والكَتَّانِ وسائِرِ الطَّاهِرَاتِ. وصَلَّى عمرُ على عَبْقَرِىٍّ (٥٠)، وابْنُ عَبَّاسٍ على طِنْفِسَةٍ، وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ وجَابِرٌ على حَصِيرٍ، وعلىٌّ وابْنُ عبَّاسٍ، وابنُ مسعودٍ، وأنَسٌ على المَنْسُوجِ. وهو قَوْلُ عَوَامِّ أهلِ العِلْمِ، إلَّا ما رُوِىَ عن جَابِرٍ، أنَّه كَرِهَ الصَّلاةَ على كل شيءٍ من الحيوانِ، واسْتَحَبَّ الصَّلاةَ على كلِّ شيءٍ من نباتِ الأرْضِ (٥١). ونحوَه قال مالِكٌ، إلَّا أنه قال في بِسَاطِ الصُّوفِ والشَّعَرِ: إذا كان سُجُودُه على الأرْضِ لم أرَ بالقِيام عليه بَأْسًا. والصَّحِيحُ: أنَّه لا بَأْسَ بالصَّلاةِ على شىءٍ من ذلك، وقد صَلَّى النبيُّ ﷺ على حَصِيرٍ في بَيْتِ عِتْبَانَ بن مالِكٍ، وأنسٍ، مُتَّفَقٌ
следующие страницы →