Полный текст (284 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أحد قطّ، وَمن حكى أَنه سمع فِي بعض اللُّغَات انساغ لي الشَّيْء، أَي جَازَ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يعْتد بِهِ، وَلَا يعْذر من اسْتَعْملهُ فِي أَلْفَاظه وَكتبه.
[٨٢] وَيَقُولُونَ للند الْمُتَّخذ من ثَلَاثَة أَنْوَاع من الطّيب: مثلث، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: مثلوث، كَمَا قَالَت الْعَرَب: حَبل مثلوث إِذا أبرم على ثَلَاث قوى، وَكسَاء مثلوث إِذا نسج من صوف ووبر وَشعر، ومزادة مثلوثة إِذا اتَّخذت من ثَلَاثَة جُلُود .
وأصل هَذَا الْكَلَام مَأْخُوذ من قَوْلك: ثلثت الْقَوْم فَأَنا ثَالِث، وهم مثلوثون.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام ﵀: وقرأت فِي بعض النَّوَادِر أَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وصف لنديم لَهُ طيب ند اتَّخذهُ، ثمَّ أَتَاهُ بِقِطْعَة مِنْهُ، فألقاها على مجمرة، ووضعها تَحْتَهُ، فَخرجت مِنْهُ ريح فِي أثْنَاء تجمره، فَقَالَ: مَا أجد هَذِه الْمُثَلَّثَة طيبَة، فَقَالَ لَهُ: فديتك قد كَانَت طيبَة حِين كَانَت مُثَلّثَة، فَلَمَّا ربعتها خبثت.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام ﵀: وَإِنَّمَا قلت مُثَلّثَة لِأَن النادرة تحكى على الأَصْل وَلَا يُغير مَا فِيهَا من اللّحن وَلَا من سخافة اللَّفْظ، وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم: إِن ملحة النادرة فِي لحنها وحرارتها فِي حلاوة مقطعها.
стр. 107
وَنَظِير وهمهم فِي هَذِه اللَّفْظَة قَوْلهم: صبيي مجدر وَالصَّوَاب أَن يُقَال: مجدور، لِأَنَّهُ دَاء يُصِيب الْإِنْسَان مرّة فِي عمره من غير أَن يتَكَرَّر عَلَيْهِ، فَلَزِمَ أَن يَبْنِي الْمِثَال مِنْهُ على مفعول، فَيُقَال: مجدور، كَمَا يُقَال: مقتول، وَلَا وَجه لبنائه على مفعل الْمَوْضُوع للتكرير، كَمَا يُقَال لمن: يجرح جرحا على جرح مجرح، وَلما يضْرب نوبَة بعد نوبَة: مضرب، والأفصح أَن يُقَال: جدري بِضَم الْجِيم، واشتقاقه من الْجدر وَهُوَ آثَار الكدم فِي عنق الْحمار.
[٨٣] وَيَقُولُونَ: قمئ الرجل ودفئ الْيَوْم، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فيهمَا: قمؤ ودفؤ لينتظما فِي سلك حيزهما من أَفعَال الطبائع الَّتِي تَأتي على فعل بِضَم الْعين مثل:
стр. 108
بدن وسخن وضخم وَعظم، وَمثله وضؤ وَجهه إِذا صَار وضيئا، ووطؤ مركبه إِذا صَار وطيئا، ومرؤ الطَّعَام إِذا صَار مريئا ومرؤ الانسان إِذا صَار ذَا مُرُوءَة، ودنؤ عرض فلَان، أَي صَار دنيئا، وردؤ الطَّعَام، إِذا صَار رديئا.
وَمن أوهامهم فِي هَذَا الْبَاب قَوْلهم: تبريت من فلَان، بِمَعْنى بَرِئت مِنْهُ، فيخطئون فِيهِ، لِأَن معنى تبريت تعرضت مثل انبريت، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(وأهلة ود قد تبريت ودهم ... وأبليتهم فِي الْحَمد جهدي ونائلي)
أَي تعرضت لودهم، فَأَما مَا هُوَ بِمَعْنى الْبَرَاءَة، فَقَالَ فِيهِ: قد تبرأت كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿تبرأنا إِلَيْك﴾ .
وَنَظِير هَذَا قَوْلهم: هديت من غَضَبي أَي سكنت، وَالصَّوَاب، أَن يُقَال: هدأت، لاشتقاقه من الهدوء، فَأَما هديت فمشتقة من الْهِدَايَة وَالْهدى.
وَمن أوهامهم أَيْضا فِي هَذَا النَّوْع قَوْلهم: التباطي والتوضي والتبري والتهزي: وَالصَّوَاب أَن يُقَال: التباطؤ والتوضؤ والتبرؤ والتهزؤ.
وَعقد هَذَا الْبَاب أَن كل مَا كَانَ على وزن تفعل أَو تفَاعل مِمَّا آخِره مَهْمُوز كَانَ مصدره على التفعل والتفاعل وهمز آخِره وَلِهَذَا قيل: التَّوَضُّؤ والتبرؤ، لِأَن تصريف الْفِعْل مِنْهُمَا تَوَضَّأ وتبرأ.
وَقيل: التباطؤ والتمالؤ والتكافؤ والتطأطؤ، لِأَن أصل الْفِعْل مِنْهَا تباطأ وتطأطأ وتمالأ وتكافأ، وَهَذَا الأَصْل مطرد حكمه، وَغير منحل من هَذَا السمط نظمه.
[٨٤] وَيَقُولُونَ للْأُنْثَى من ولد الضَّأْن: رخلة، وَهِي فِي اللُّغَة الفصحى رخل بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْخَاء، وَقد قيل فِيهَا: رخل بِكَسْر الرَّاء وَإِسْكَان الْخَاء، وعَلى كلتا اللغتين لَا يجوز إِلْحَاق الْهَاء بهَا، لِأَن الذّكر لَا يشركها فِي هَذَا الِاسْم وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: حمل، فجرت
стр. 109
مجْرى عَجُوز واتان وعنز وناب فِي منع إِلْحَاق الْهَاء بهَا لاختصاصها بالمؤنث، وَقد جمع رخل على رخال بِضَم الرَّاء وَهُوَ مِمَّا جمع على غير قِيَاس كماقالوا فِي الْمُرْضع: ظئر وظؤار، وَفِي ولد الْبَقَرَة الوحشية: فرير وفرار، وللشاة الحديثة الْعَهْد بالنتاج: ربى ورباب، وللعظم الَّذِي عَلَيْهِ بَقِيَّة من اللَّحْم: عرق وعراق وللمولود مَعَ قرينه توأم وتؤام، وَعَلِيهِ قَول الراجز:
(قَالَت لَهَا ودمعها تؤام
كالدر إِذْ أسلمه النظام
على الَّذين ارتحلوا السَّلَام)
فَأَرَادَ بقوله: ودمعها تؤام أَي تنزل قطرتين قطرتين.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى: وقرأت على أبي عمر الْحسن بن عَليّ بن غَسَّان، قَالَ: قَرَأت على أبي الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الزنْجِي اللّغَوِيّ، قَالَ: قَرَأت على أبي عبد الله النمري فِي كِتَابه سَمَّاهُ الاختراع أَن أَبَا زيد حكى أَن الْعَرَب تَقول فِي ملحها: قيل للضأن: مَا أَعدَدْت للشتاء قَالَت: أجز جفالا، وانتج رخالا، واحلب كثبا ثقالا، وَلنْ يرى مثلي مَالا، وَفسّر أَن الجفال الْكثير، والرخال جمع رخل والكثب جمع كثبة.
وَهُوَ مَا انصب ومار، وَمِنْه سمي الْكَثِيب من الرمل.
[٨٥] وَيَقُولُونَ سررت برؤيا فلَان إِشَارَة إِلَى مرآه، فيوهمون فِيهِ، كَمَا وهم أَبُو الطّيب فِي قَوْله لبدر بن عمار، وَقد سامره ذَات لَيْلَة إِلَى قطع من اللَّيْل:
(مضى اللَّيْل وَالْفضل الَّذِي لَك لَا يمْضِي ... ورؤياك أحلى فِي الْعُيُون من الغمض)
стр. 110
وَالصَّحِيح أَن يُقَال: سررت برؤيتك، لِأَن الْعَرَب تجْعَل الرُّؤْيَة لما يرى فِي الْيَقَظَة، والرؤيا لما يرى فِي الْمَنَام، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ إِخْبَارًا عَن يُوسُف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل﴾ .
ويجانس هَذَا الْوَهم قَوْلهم: أَبْصرت هَذَا الْأَمر قبل حُدُوثه.
وَالصَّوَاب فِيهِ أَن يُقَال: بصرت بِهَذَا الْأَمر لِأَن الْعَرَب تَقول: أَبْصرت بِالْعينِ، وبصرت من البصيرة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ بصرت بِمَا لم يبصروا بِهِ﴾ وَعَلِيهِ فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿فبصرك الْيَوْم حَدِيد﴾ ، أَي علمك بِمَا أَنْت فِيهِ الْيَوْم نَافِذ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى يشار بقَوْلهمْ: هُوَ بَصِير بِالْعلمِ.
[٨٦] وَيَقُولُونَ: قَالَ فلَان كَيْت وَكَيْت، فيوهمون فِيهِ، لِأَن الْعَرَب تَقول: كَانَ من الْأَمر كَيْت وَكَيْت، وَقَالَ فلَان: ذيت وذيت، فيجعلون كَيْت وَكَيْت كِنَايَة عَن
стр. 111
الْأَفْعَال، وذيت وذيت كِنَايَة عَن الْمقَال كَمَا أَنهم يكنون عَن مِقْدَار الشَّيْء وعدته بِلَفْظَة كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُونَ: قَالَ فلَان من الشّعْر كَذَا وَكَذَا بَيْتا، وَاشْترى الْأَمِير كَذَا وَكَذَا عبدا، وَالْأَصْل فِي هَذِه اللَّفْظَة ذَا فَأدْخل عَلَيْهَا كَاف التَّشْبِيه إِلَّا أَنه قد انخلع من ذَا معنى الْإِشَارَة، وَمن الْكَاف معنى التَّشْبِيه بِدلَالَة أَنَّك لست تُشِير إِلَى شَيْء وَلَا تشبه شَيْئا بِشَيْء وَإِنَّمَا تكنى بهَا عَن عدد مَا، فتنزل الْكَاف فِي هَذَا الموطن منزلَة الزَّائِدَة اللَّازِمَة، وَصَارَت كَقَوْلِهِم: فعله إثرا مَا أَي أَولا، وَيُقَال: آثرتك بِهَذَا فَخذه، وَلَفْظَة ذَا مجرورة بهَا إِلَّا أَن الْكَاف لما امتزجت بذا، وَصَارَت مَعَه كالجزء الْوَاحِد مِنْهُ، ناسب لَفْظهمَا لَفْظَة حبذا الَّتِي لَا يجوز أَن تلحقها عَلامَة التَّأْنِيث، فَتَقول: عِنْده كَذَا وَكَذَا جَارِيَة، وَلَا يجوز أَن تَقول كذه، كَمَا لَا يُقَال: حبذه هِنْد.
وَعند الْفُقَهَاء أَنه إِذا قَالَ من لَهُ معرفَة بِكَلَام الْعَرَب: لفُلَان عَليّ كَذَا كَذَا درهما.
إلزم لَهُ أحد عشر درهما، لِأَنَّهُ أقل الْأَعْدَاد المركبة، وَإِن قَالَ: لَهُ عَليّ كَذَا وَكَذَا درهما ألزم وَاحِدًا وَعشْرين درهما لكَونه أول مَرَاتِب الْأَعْدَاد المعطوفة، وَذَاكَ ان الْمقر بالشي الْمُبْهم لَا يلْزم إِلَّا أقل مَا يحْتَملهُ إِقْرَاره، ويشتمل عَلَيْهِ اعترافه كَمَا أَنه إِذا قَالَ: لَهُ عَليّ دَرَاهِم لزمَه ثَلَاثَة لِأَنَّهَا أدنى الْجمع.
[٨٧] وَيَقُولُونَ فِي مضارع ذخر يدّخر بِضَم الْخَاء، وَالصَّوَاب فتحهَا، كَمَا يُقَال: فَخر يفخر وزخر الْبَحْر يزخر، وَمن أصُول الْعَرَبيَّة أَنه إِذا كَانَت عين الْفِعْل أحد حُرُوف الْحلق الَّتِي هِيَ الْهمزَة وَالْهَاء وَالْعين والحاء الْغَيْن وَالْخَاء، كَانَ الْأَغْلَب فتحهَا فِي الْمُضَارع، نَحْو سَأَلَ يسْأَل وَذهب يذهب ونعب ينعب وسحر يسحر، وفغر فَاه يفغر، وفخر يفخر، فَإِن نطق فِي بَعْضهَا بِالْكَسْرِ أَو بِالضَّمِّ فَهُوَ مِمَّا شَذَّ عَن أَصله، وندر عَن رسمه .
стр. 112
[٨٨] وَيَقُولُونَ فِي تَصْغِير مُخْتَار مخيتير، وَالصَّوَاب فِيهِ مُخَيّر، لِأَن الأَصْل فِي
стр. 113
مُخْتَار مختير، فالتاء فِيهِ تَاء مفتعل الَّتِي لَا تكون إِلَّا زَائِدَة، وَيدل على زيادتها فِي هَذَا الِاسْم اشتقاقه من الْخَيْر، وَمن حكم التصغير حذف هَذِه التَّاء، فَلهَذَا قيل: مُخَيّر، وَمن عوض من الْمَحْذُوف قَالَ مخيير.
وَقد غلط الْأَصْمَعِي فِي تَصْغِير هَذَا الِاسْم غَلطا أودع بطُون الأوراق، وتناقلته الروَاة فِي الْآفَاق ذَاك أَن أَبَا عمر الْجرْمِي حِين شخص إِلَى بَغْدَاد ثقل مَوْضِعه على الْأَصْمَعِي اشفاقا من أَن يصرف وُجُوه أَهلهَا عَنهُ، وَيصير السُّوق لَهُ، فاعمل الْفِكر فِيمَا يغض مِنْهُ، فَلم ير إِلَّا أَن يرهقه فِيمَا يسْأَله عَنهُ، فَأَتَاهُ فِي حلقته، وَقَالَ لَهُ: كَيفَ تنشد قَول الشَّاعِر:
(قد كن يخبأن الْوُجُوه تسترا ... فاليوم حِين بدان للنظار)
أَو حِين بدين فَقَالَ لَهُ: بدأن، قَالَ: أَخْطَأت، فَقَالَ: بدين، قَالَ: غَلطت إِنَّمَا هُوَ حِين بِدُونِ أَي ظهرن.
فأسرها أَبُو عمر فِي نَفسه، وفطن لما قَصده بِهِ، واستأنى بِهِ إِلَى أَن تصدر الْأَصْمَعِي فِي حلقته، واحتف الْجمع بِهِ، فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: كَيفَ تَقول فِي تَصْغِير مُخْتَار فَقَالَ: مخيتير، قَالَ: أنفت لَك من هَذَا القَوْل، أما تعلم أَن اشتقاقه من الْخَيْر، وَأَن التَّاء فِيهِ زَائِدَة وَلم يزل يندد بغلطه، ويشنع بِهِ، إِلَى أَن انفض النَّاس من حوله.
[٨٩] وَيَقُولُونَ: دستور، بِفَتْح الدَّال، وَقِيَاس كَلَام الْعَرَب فِيهِ أَن يُقَال بِضَم الدَّال، كَمَا يُقَال: بهْلُول وعرقوب وخرطوم وَجُمْهُور ونظائرها، مِمَّا جَاءَ على فعلول، إِذْ لم يَجِيء فِي كَلَامهم فعلول بِفَتْح الْفَاء إِلَّا صعفوق وَهُوَ اسْم قَبيلَة بِالْيَمَامَةِ قَالَ فيهم العجاج:
(من آل صعفوق وَاتِّبَاع آخر
)
стр. 114
ويشاكل هَذَا الْوَهم قَوْلهم: أطروش بِفَتْح الْهمزَة، وَالصَّوَاب ضمهَا كَمَا يُقَال اسكوب واسلوب، على أَن الطرش لم يسمع فِي كَلَام الْعَرَب العرباء، وَلَا تضمنته أشعار فحول الشُّعَرَاء.
ونقيض هَذِه الأوهام قَوْلهم لما يلعق: لعوق، وَلما يستف سفوف، وَلما يمص مصوص، فيضمون أَوَائِل هَذِه الْأَسْمَاء، وَهِي مَفْتُوحَة فِي كَلَام الْعَرَب، كَمَا يُقَال: برود وسعوط وغسول.
وَمِمَّا يشاكل هَذَا قَوْلهم: تلميذ وطنجير وبرطيل وجرجير بِفَتْح أوائلها، وَهِي على قِيَاس كَلَام الْعَرَب بِالْكَسْرِ إِذْ لم ينْطق فِي هَذَا الْمِثَال إِلَّا بفعليل بِكَسْر الْفَاء، كَمَا قَالُوا: صنديد وقطمير وغطريف ومنديل.
وَذكر ثَعْلَب فِي بعض أَمَالِيهِ أَن قَول الْكتاب لكيس الْحساب: تليسة بِفَتْح التَّاء مِمَّا وهموا فِيهِ، وَأَن الصَّوَاب كسرهَا كَمَا يُقَال: سكينَة وعريسة.
وعَلى مقاد هَذِه الْقَضِيَّة يجب أَن يُقَال فِي اسْم الْمَرْأَة: بلقيس بِكَسْر الْبَاء، كَمَا قَالُوا فِي تعريب برجيس وَهُوَ اسْم النَّجْم الْمَعْرُوف بالمشتري: برجيس بِكَسْر الْبَاء، لِأَن كل مَا يعرب يلْحق بنظائره فِي أَمْثِلَة الْعَرَب وأوزان اللُّغَة.
وعَلى ذكر بلقيس فَإِنِّي قَرَأت فِي أَخْبَار سيف الدولة ابْن حمدَان أَنه لما امتدحه الخالديان بعث إِلَيْهِمَا وصيفا ووصيفة، وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بدرة وتخت
стр. 115
من ثِيَاب مصر والشأم فكتبا إِلَيْهِ فِي الْجَواب:
(لم يغد شكرك فِي الْخَلَائق مُطلقًا ... الا وَمَالك فِي النوال حبيس)
(خولتنا بَدْرًا وشمسا أشرقت ... بهما لدينا الظلمَة الحنديس)
(رشأ أَتَانَا وَهُوَ حسنا يُوسُف ... وغزالة هِيَ بهجة بلقيس)
(هَذَا وَلم تقنع بِذَاكَ وَهَذِه ... حَتَّى بعثت المَال وَهُوَ نَفِيس)
(أَتَت الوصيفة وَهِي تحمل بدرة ... وأتى على ظهر الوصيف الْكيس)
(وكسوتنا مِمَّا أجادت حوكه ... مصر وزادت حسنه تنيس)
(فغدا لنا من جودك الْمَأْكُول والمشروب ... والمنكوح والملبوس)
فَلَمَّا قَرَأَهَا سيف الدولة قَالَ: لقد أحسنا إِلَّا فِي لَفْظَة المنكوح، إِذا لَيست مِمَّا يُخَاطب بهَا الْمُلُوك، وَهَذَا من بَدَائِع نَقده الْمليح، وشواهد ذكائه الصَّرِيح.
[٩٠] وَيَقُولُونَ: كلا الرجلَيْن خرجا وكلتا الْمَرْأَتَيْنِ حضرتا، وَالِاخْتِيَار أَن يوّحد الْخَبَر فيهمَا، فَيُقَال: كلا الرجلَيْن خرج، وكلتا الْمَرْأَتَيْنِ حضرت، لِأَن كلا وكلتا
стр. 116
اسمان مفردان وضعا لتأكيد الاثنثن والاثنين، وليسا فِي ذاتهما مثنيين.
وَلِهَذَا وَقع الْإِخْبَار عَنْهُمَا كَمَا يخبر عَن الْمُفْرد.
وَبِهَذَا نطق الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلهَا﴾ ، وَلم يقل: آتتا، وَعَلِيهِ قَول الشَّاعِر:
(كِلَانَا يُنَادي يَا نزار وبيننا ... قِنَا من قِنَا الخطي أَو من قِنَا الْهِنْد)
وَمثله قَول الآخر:
(كِلَانَا غنى عَن أَخِيه حَيَاته ... وَنحن إِذا متْنا أَشد تَغَانِيًا)
فَقَالَ الأول: كِلَانَا يُنَادي، وَلم يقل: يناديان، وَقَالَ الآخر: كِلَانَا غنى وَلم يقل: غنيان، فَإِن وجد فِي بعض الْأَخْبَار تَثْنِيَة خبر عَن كلا وكلتا فَهُوَ مِمَّا حمل على الْمَعْنى أَو لضَرُورَة الشّعْر.
[٩١] وَيَقُولُونَ: أَنْت تكرم عَليّ: بِضَم التَّاء وَفتح الرَّاء، وَالصَّوَاب فِيهِ تكرم، بِفَتْح التَّاء وَضم الرَّاء لِأَن فعله الْمَاضِي كرم وَمن أصُول الْعَرَبيَّة أَن كل مَا جَاءَ من الْأَفْعَال الْمَاضِيَة على مِثَال فعل بِضَم الْعين كَانَ مضارعه على يفعل، نَحْو حسن يحسن وظرف يظرف وَإِنَّمَا ضمت عين الْمُسْتَقْبل من هَذَا النَّوْع وَلم يُخَالف فِيهِ بِنَاء الْمَاضِي
стр. 117
للمحافظة على الْمَعْنى الْمَوْضُوع على هَذَا الْمِثَال، وَذَلِكَ أَن ضمة الْعين جعلت دَلِيلا على فعل الطبيعة، فَلَو كسرت أَو فتحت، لذهب ذَلِك الْمَعْنى.
[٩٢] وَيَقُولُونَ: فِيهِ شغب بِفَتْح الْغَيْن، وَهُوَ تهيج الشَّرّ والفتنة وَالْخِصَام، فيوهمون فِيهِ كَمَا وهم بعض الْمُحدثين فِي قَوْله:
(يَا ظَالِما يتجنى جِئْت بالعجب ... شغبت كَيْمَا تغطي الذَّنب بالشغب)
(ظلمت سرا وتستعدي عَلَانيَة ... أضرمت نَارا وتستعفي من اللهب)
وَالصَّوَاب فِيهِ شغب باسكان الْغَيْن، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(رَأَيْتُك لما نلْت مَالا وعضنا ... زمَان ترى فِي حد أنيابه شغبا)
(جعلت لنا ذَنبا لتمنع نائلا ... فَأمْسك وَلَا تجْعَل غناك لنا ذَنبا)
وَنَظِير هَذَا الْوَهم قَوْلهم للداء الْمُعْتَرض فِي الْبَطن: المغص بِفَتْح الْغَيْن، فيغلطون فِيهِ، لِأَن المغص بِفَتْح الْغَيْن هُوَ خِيَار الْإِبِل، يدل عَلَيْهِ قَول الراجز:
(أَنْت وهبت هجمة جرجورا ... ادما وحمرا مغصا خبورا)
стр. 118
الجرجور: الْعِظَام من الْإِبِل، والخبور الغزيرات الدّرّ، فَأَما اسْم الدَّاء فَهُوَ المغص بِإِسْكَان الْغَيْن، وَقد يُقَال بِالسِّين، وَأما المعص بِفَتْح الْعين المغفلة فَهُوَ وجع يُصِيب الانسان فِي عصبه من الْمَشْي، وَفِي الحَدِيث: أَن عمرا بن معدي كرب شكا إِلَى عمر ﵁ المعص، فَقَالَ: كذب عَلَيْك الْعَسَل، أَي عَلَيْك بِسُرْعَة الْمَشْي، إِشَارَة إِلَى اشتقاقه من عسلان الذِّئْب.
[٩٣] وَيَقُولُونَ: هُوَ سداد من عوز، فيلحنون فِي فتح السِّين كَمَا لحن هشيم الْمُحدث فِيهَا، وَالصَّوَاب أَن يُقَال بِالْكَسْرِ .
وَجَاء فِي أَخْبَار النَّحْوِيين أَن النَّضر بن شُمَيْل الْمَازِني اسْتَفَادَ بإفادة هَذِه الْحَرْف ثَمَانِينَ ألف دِرْهَم.
ومساق خَبره مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو عَليّ بن أَحْمد التسترِي عَن حميد القَاضِي أبي الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد العسكري عَن أبي أَحْمد بن الْحسن بن سعيد العسكري اللّغَوِيّ عَن أَبِيه، عَن إِبْرَاهِيم بن حَامِد، عَن مُحَمَّد بن نَاصح الْأَهْوَازِي، قَالَ: حَدثنِي النَّضر بن شُمَيْل، قَالَ: كنت أَدخل على الْمَأْمُون فِي سمره، فَدخلت عَلَيْهِ ذَات لَيْلَة، وعليّ قَمِيص مرقوع، فَقَالَ: يَا نضر، مَا هَذَا التقشف حَتَّى تدخل على أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذِه الخلقان قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا شيخ ضَعِيف، وحر مرو شَدِيد، فأتبرد بِهَذِهِ الخلقان، قَالَ لَا وَلَكِنَّك قشف.
ثمَّ أجرينا الحَدِيث فَأجرى هُوَ ذكر النِّسَاء، فَقَالَ: حَدثنَا هشيم عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا تزوج الرجل الْمَرْأَة لدينها وجمالها كَانَ فِيهَا سداد من عوز، فَأوردهُ بِفَتْح السِّين، قَالَ: فَقلت: صدق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هشيم، حَدثنَا عَوْف بن أبي جميلَة عَن الْحسن عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا تزوج الرجل الْمَرْأَة لدينها وجمالها، كَانَ فِيهَا سداد من عوز.
قَالَ: وَكَانَ الْمَأْمُون مُتكئا فَاسْتَوَى جَالِسا، وَقَالَ: يَا نضر، كَيفَ قلت سداد قلت: لِأَن السداد هَاهُنَا لحن، قَالَ: أَو تلحنني قلت: إِنَّمَا لحن هشيم - وَكَانَ لحانة - فتبع أَمِير الْمُؤمنِينَ لَفظه، قَالَ: فَمَا الْفرق بَينهمَا قلت: السداد بِفَتْح السِّين، الْقَصْد فِي الدَّين والسبيل، والسداد بِالْكَسْرِ الْبلْغَة، وكل مَا سددت بِهِ شَيْئا فَهُوَ سداد،
стр. 119
قَالَ: أَو تعرف الْعَرَب ذَلِك قلت: نعم، هَذَا العرجيّ يَقُول:
(أضاعوني وأيّ فَتى أضاعوا ... ليَوْم كريهة وسداد ثغر)
فَقَالَ الْمَأْمُون: قبح الله من لَا أدب لَهُ وأطرق مليأً، ثمَّ قَالَ لَهُ: مَا مَالك يَا نضر قَالَ: أريضة لي بمرو اتصابها واتمززها - أَي أشْرب صبابتها - قَالَ: أَفلا نفيدك مَالا مَعهَا قلت: إِنِّي إِلَى ذَلِك لمحتاج، قَالَ: فَأخذ القرطاس وَأَنا لَا أَدْرِي مَا يكْتب، ثمَّ قَالَ: كَيفَ تَقول إِذا أمرت أَن يترب الْكتاب قلت: أتربه قَالَ: فَهُوَ مَاذَا قلت: مترب، قَالَ: فَمن الطين قلت: طنه، قَالَ: فهوع مَاذَا قلت: مطين، قَالَ: هَذِه أحسن من الأولى، ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام أتربه وَطنه، ثمَّ صلى بِنَا الْعشَاء وَقَالَ لِخَادِمِهِ: تبلغ مَعَه إِلَى الْفضل بن سهل.
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ الْفضل الْكتاب، قَالَ: يَا نضر أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَمر لَك بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، فَمَا كَانَ السَّبَب فِيهِ فَأَخْبَرته وَلم أكذبه، فَقَالَ: ألحنت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقلت: كلا إِنَّمَا لحن هشيم - وَكَانَ لحانة، فتبع أَمِير الْمُؤمنِينَ لَفظه - وَقد تتبع أَلْفَاظ الْفُقَهَاء ورواة الْآثَار.
ثمَّ أَمر لي الْفضل من خاصته بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
فَأخذت ثَمَانِينَ ألف دِرْهَم بِحرف اسْتُفِيدَ مني.
قَالَ الْمُؤلف: قلت: وَقد اذْكُرْنِي هَذَا الْمثل أبياتا أنشدنيها أحدث أشياخي ﵏ لأبي الهيذام:
(لي صديق هُوَ عِنْدِي فِي عوز ... من سداد لَا سداد من عوز)
(وَجهه يذكرنِي دَار البلى ... كلما أقبل نحوي وضمز)
(وَإِذا جالسني جرعني ... غصص الْمَوْت بكرب وعلز)
(يصف الود إِذا شاهدني ... فَإِذا غَابَ وشى بِي وهمز)
(كخمار السوء يُبْدِي مرحا ... فَإِذا سيق إِلَى الْحمل غمز)
(لَيْتَني أَعْطَيْت مِنْهُ بَدَلا ... بنصيبي شَرّ أَوْلَاد الْمعز)
(قد رَضِينَا بَيْضَة فَاسِدَة ... عوضا مِنْهُ إِذا البيع نجز)
стр. 120
[٩٤] وَيَقُولُونَ: اقطعه من حَيْثُ رق، وَكَلَام الْعَرَب اقطعه من حَيْثُ رك، أَي من حَيْثُ ضعف، وَمِنْه قيل للضعيف الرَّأْي: رَكِيك، وَفِي الحَدِيث: أَن الله تَعَالَى ليبغض السُّلْطَان الركاكة، والرككة .
[٩٥] وَيَقُولُونَ لمن تَعب: هُوَ عيان، وَالصَّوَاب هُوَ أَن يُقَال: هُوَ معي، لِأَن الْفِعْل مِنْهُ أعيا، فَكَانَ الْفَاعِل مِنْهُ على وزن مفعل، كَمَا يُقَال: أرْخى السّتْر فَهُوَ مرخ، وأغلى فَهُوَ مغل، وَعند أهل اللُّغَة أَن كل مَا كَانَ من حَرَكَة وسعي قيل فِيهِ: اعيا، وَمَا كَانَ من قَول ورأي قيل فِيهِ عيي وعي، وَالِاسْم مِنْهُمَا عيي على وزن شجي.
وَقيل فِيهِ: عي على وزن شج وَعم، وَنَظِير هَاتين اللفظتين فِي قَوْلهم: عيي وعيّ، قَوْلهم: حييّ وَحي، وَقُرِئَ بهما قَوْله تَعَالَى: ﴿ويحيي من حيّ عَن بَيِّنَة﴾ وحيي.
стр. 121
[٩٦] وَيَقُولُونَ: قاما الرّجلَانِ وَقَامُوا الرِّجَال فيلحقون الْفِعْل عَلامَة التَّثْنِيَة، وَالْجمع، وَمَا سمع ذَلِك إِلَّا فِي لُغَة ضَعِيفَة لم ينْطق بهَا الْقُرْآن وَلَا اخبار الرَّسُول ﵇، وَلَا نقل أَيْضا عَن الفصحاء، وَوجه الْكَلَام تَوْحِيد الْفِعْل، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي الْمثنى: ﴿قَالَ رجلَانِ﴾ ، وَفِي الْجمع: ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ﴾ .
فَأَما قَوْله تَعَالَى: ﴿وأسرّوا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا﴾ فَالَّذِينَ بدل من الضَّمِير الَّذِي فِي لَفْظَة أسرّوا، وَقيل: بل مَوْضِعه نصب على الذَّم، أَي أَعنِي الَّذين كفرُوا، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ عموا وصموا كثير مِنْهُم﴾ ، فكثير بدل من الضَّمِير الَّذِي فِي لفظتي ﴿عموا وصموا﴾ فَإِن تَأَخّر الْفِعْل الْحق عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع، فَقيل: الرّجلَانِ قاما، وَالرِّجَال قَامُوا، وَيكون الْألف فِي قاما وَالْوَاو فِي قَامُوا اسْمَيْنِ مضمرين، وَالْفرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّك إِذا قدمت الْفِعْل كَانَت عَلامَة تَثْنِيَة الْفَاعِل وَجمعه تغني عَن الحاق عَلامَة فِي الْفِعْل، وَإِذا أخرت الْفِعْل صَار الْفَاعِل بتقدمه مُبْتَدأ، فَلَو أفرد الْفِعْل فَقيل: النَّاس خرج لجَاز أَن يتَوَهَّم أَنَّك تُرِيدُ مِنْهُم جُزْءا، لجَوَاز أَن يُقَال: النَّاس خرج سيدهم.
[٩٧] وَيَقُولُونَ: أجد حمى، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: أجد حميا أَو حموا، لِأَن
стр. 122
الْعَرَب تَقول لكل مَا سخن: حمى يحمي حميا، فَهُوَ حام، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي عين حمئة﴾ .
وَيَقُولُونَ أَيْضا: اشْتَدَّ حمى الشَّمْس وحموها، إِذا عظم وهجها، وَمِنْه مَا أنْشدهُ الْمفضل:
(تجيش علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عَنَّا إِذا حميها غلا)
يَعْنِي أَنه مَتى جَاشَتْ قدرهم للشر سكنوها، وَهُوَ معنى نديمها، وَأَنه مَتى غلت فثؤوها، أَي كسروا غليانها.
وكنى بِالْقدرِ عَن تهيج الْحَرْب كَمَا يكنى بفور الْمرجل عَنهُ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن عَليّ الحريري ﵀: وَحكى لي أَبُو الْفَتْح عَبدُوس بن مُحَمَّد الهمذاني حِين قدم الْبَصْرَة علينا حَاجا سنة نَيف وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة أَن الصاحب أَبَا الْقَاسِم بن عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة فَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي بك قَالَ: حما، فَقَالَ لَهُ الصاحب: قه، فَقَالَ النديم: وه، فَاسْتحْسن الصاحب ذَلِك مِنْهُ وخلع عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: ولعمري لقد أحسن الصاحب فِي تعقيب لفظ حما بِمَا صَارَت بِهِ إِلَى حَمَاقَة، ولطف النديم فِي صلَة تعقيبه بِمَا جعله قهوه، وَهَكَذَا فلتكن مداعبة الْفُضَلَاء ومفاكهة الأدباء الأذكياء
[٩٨] وَيَقُولُونَ: جَاءَنِي الْقَوْم إلاك وإلاه، فيوقعون الضَّمِير الْمُتَّصِل بعد إِلَّا كَمَا
стр. 123
يُوقع بعد غير فِي مثل قَوْلك: جَاءَ الْقَوْم غَيْرك فيوهمون كَمَا وهم أَبُو الطّيب فِي قَوْله:
(لَيْسَ إلاك يَا عَليّ همام ... سَيْفه دون عرضه مسلول)
وَالصَّوَاب: أَلا يُوقع بعد إِلَّا إِلَّا الضَّمِير الْمُنْفَصِل، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمر أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ ، وَالْفرق هَاهُنَا بَين الا وَغير أَن الِاسْم الْوَاقِع بعد غير لَا يَقع أبدا إِلَّا مجرورا بِالْإِضَافَة، وَضمير الْمَجْرُور لَا يكون إِلَّا مُتَّصِلا، وَلِهَذَا امْتنع أَن يفصل بَينهمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك الِاسْم الْوَاقِع بعد إِلَّا، لِأَنَّهُ يَقع إِمَّا مَنْصُوبًا وَإِمَّا مَرْفُوعا، وَكِلَاهُمَا يجوز أَن يفصل بَينه وَبَين الْعَامِل فِيهِ وَلِهَذَا جعل لَهُ ضميران: مُتَّصِل ومنفصل، إِلَّا أَنه لما اعترضت إِلَّا فِي الْكَلَام وفصلت بَين الْعَامِل والمعمول، أوقع بعْدهَا الضَّمِير الْمُنْفَصِل، كَمَا قَالَ فِي ضير الْمَنْصُوب: ﴿ضل من تدعون إِلَّا إِيَّاه﴾ ، وكما قَالَ عَمْرو بن معدي كرب فِي ضمير الْمَرْفُوع:
(قد علمت سلمى وجاراتها ... مَا قطر الْفَارِس إِلَّا أَنا)
فَأَما قَول الْقَائِل:
стр. 124
(فَمَا نبالي إِذا مَا كنت جارتنا ... أَلا يجاورنا إلاك ديار)
فَلم يَأْتِ فِي أشعار الْمُتَقَدِّمين سواهُ، والنادر لَا يعْتد بِهِ، وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ.
[٩٩] وَيَقُولُونَ: هَب أَنِّي فعلت، وهب أَنه فعل، وَالصَّوَاب إِلْحَاق الضَّمِير الْمُتَّصِل بِهِ، فَيُقَال: هبني فعلت وهبه فعل، كَمَا قَالَ أَبُو دهبل الجُمَحِي:
(هبوني امْرأ مِنْكُم أضلّ بعيره ... لَهُ ذمَّة إِن الذمام كثير)
وَمثله قَول عُرْوَة بن أذينة:
(إِذا وجدت أوار الْحبّ فِي كَبِدِي ... أَقبلت نَحْو سقاء الْقَوْم أبترد)
(هبني بردت بِبرد المَاء ظَاهره ... فَمن لنار على الأحشاء تتقد)
وَكَانَ عُرْوَة هَذَا مَعَ تغزله نقي الدخلة ظَاهر الْعِفَّة.
وَرُوِيَ أَن سكينَة بنت الْحُسَيْن ﵄: وقفت عَلَيْهِ ذَات يَوْم، فَقَالَت لَهُ: أَأَنْت الْقَائِل، وأنشدت:
(قَالَت وأبثثتها وجدي فبحت بِهِ ... قد كنت عِنْدِي تحب السّتْر فاستتر)
(أَلَسْت تبصر من حَولي فَقلت لَهَا ... غطى هَوَاك وَمَا القى على بَصرِي)
قَالَ: نعم، فَقَالَت وَأَنت الْقَائِل:
(إِذا وجدت أوار الْحبّ فِي كَبِدِي
)
وأنشدته الْبَيْتَيْنِ الْمُقدم ذكرهمَا، قَالَ: نعم، فالتفتت إِلَى جوَار كن حولهَا، وَقَالَت: هن حرائر إِن كَانَ خرج هَذَا من قلب سليم.
وَمعنى هبني، أَي عدني واحسبني، فَكَانَ فِيهِ معنى الْأَمر من وهب.
стр. 125
[١٠٠] وَيَقُولُونَ: امْرَأَة شكورة ولجوجة وصبورة وخؤونة، فيلحقون هَاء التَّأْنِيث بهَا، فيوهمون فِيهِ لِأَن هَذِه التَّاء إِنَّمَا تدخل على فعول إِذا كَانَ بِمَعْنى مفعول كَقَوْلِك: نَاقَة ركوبة وشَاة حلوبة، لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى مركوبة ومحلوبة، فَأَما إِذا كَانَ فعول بِمَعْنى فَاعل، نَحْو صبور الَّذِي بِمَعْنى صابر ونظائره، فَيمْتَنع من إِلْحَاق التَّاء بِهِ، وَتَكون صفة مُؤَنّثَة على لفظ مذكره، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلنْ يمْنَع النَّفس اللجوج عَن الْهوى ... من النَّاس إِلَّا وَاحِد الْفضل كَامِله)
وَقد ذكر النحويون فِي امْتنَاع الْهَاء من هَذِه الصِّفَات عللا، أَجودهَا أَن الصِّفَات الْمَوْضُوعَة للْمُبَالَغَة نقلت عَن بَابهَا لتدل على الْمَعْنى الَّذِي تخصصت بِهِ، فَأسْقطت هَاء التَّأْنِيث فِي قَوْلهم: امْرَأَة صبور وشكور وقبيله، وَفِي قَوْلهم: فتاة معطار ونظائره، كَمَا ألحقت بِصفة الْمُذكر فِي قَوْلهم: رجل عَلامَة ونسابة، ليدل مَا فَعَلُوهُ على تَحْقِيق الْمُبَالغَة، وَيُؤذن بحدوث معنى زَائِد فِي الصّفة، وَامْتِنَاع الْهَاء من فعول بِمَعْنى فَاعل أصل مطرد لم يشذ مِنْهُ إِلَّا قَوْلهم: عدوة الله، فَإِنَّهُم ألْحقُوا بهَا الْهَاء، فَقَالُوا: عَدو وعدوة،
стр. 126
ليماثل قَوْلهم: صديق وصديقة لِأَن الشَّيْء فِي أصُول الْعَرَبيَّة قد يحمل على ضِدّه ونقيضه كَمَا يحمل على نَظِيره ورسيله.
وَفِي أَخْبَار النَّحْوِيين أَن أَبَا عُثْمَان الْمَازِني سُئِلَ بِحَضْرَة المتَوَكل على الله عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَت أمك بغيا﴾ فَقيل لَهُ: كَيفَ حذفت الْهَاء من بغيّ، وفعيل إِذا كَانَ بِمَعْنى فَاعل لحقته الْهَاء نَحْو فتيّ وفتية وغنيّ وغنية فَقَالَ: إِن لَفْظَة بغي لَيست بفعيل، وَإِنَّمَا هِيَ فعول الَّذِي بِمَعْنى فاعلة، لِأَن الأَصْل فِيهَا بغوي، وَمن أصُول التصريف أَنه مَتى اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء فِي كلمة وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ قلبت الْوَاو يَاء، وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، كَمَا قَالُوا: شويت اللَّحْم شيا، وكويت الدَّابَّة كيا، وَالْأَصْل فيهمَا شوبا وكويا، وكما قيل: يَوْم وَأَيَّام، وَالْأَصْل أيوام فعلى هَذِه الْقَضِيَّة قيل: بغي، وَوَجَب حذف الْهَاء مِنْهَا، لِأَنَّهَا بِمَعْنى باغية، كَمَا تحذف من صبور الَّتِي بِمَعْنى صابرة.
وَهَذَا العقد الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي قلب الْوَاو يَاء إِذا اجتمعتا، وَكَانَ السَّابِق مِنْهُمَا سَاكِنا أصل مطرد لم يشذ مِنْهُ إِلَّا حَيْوَة اسْم رجل، وضيون، وَهُوَ اسْم للهر.
وَحكى الْفراء أَنهم قَالُوا: عوى الْكَلْب عوية، وَلَيْسَ الشاذ مِمَّا يلْتَفت إِلَيْهِ، وَلَا يعاج عَلَيْهِ.
стр. 127
[١٠١] وَيَقُولُونَ لمن يَأْتِي الذَّنب مُتَعَمدا: قد اخطأ، فيحرفون اللَّفْظ وَالْمعْنَى لِأَنَّهُ لَا يُقَال: اخطأ إِلَّا لمن لم يتعمدالفعل أَو لمن اجْتهد، فَلم يُوَافق الصَّوَاب، وإياه عَنى ﷺ بقوله: إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر وَإِنَّمَا أوجب لَهُ الْأجر عَن اجْتِهَاده فِي إِصَابَة الْحق الَّذِي هُوَ نوع من أَنْوَاع الْعِبَادَة، لَا عَن الْخَطَأ الَّذِي يَكْفِي صَاحبه أَن يعْذر فِيهِ وَيرْفَع مأثمه عَنهُ، وَالْفَاعِل من هَذَا النَّوْع مخطيء، وَالِاسْم مِنْهُ الْخَطَأ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ﴾ ، أما الْمُتَعَمد الشَّيْء فَيُقَال فِيهِ: خطئَ فَهُوَ خاطئ، وَالِاسْم مِنْهُ الْخَطِيئَة، والمصدر الخطء بِكَسْر الْخَاء وَإِسْكَان الطَّاء، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن قَتلهمْ كَانَ خطأ كَبِيرا﴾ قَالَ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد ﵀: ولى فِيمَا انتظم هَاتين اللفظتين واحتضن معنييهما المتنافيين:
(لَا تخطون إِلَى خطء وَلَا خطأ ... من بَعْدَمَا الشيب فِي فوديك قد وخطا)
(فأيّ عذر لمن شابت مفارقه ... إِذا جرى فِي ميادين الْهوى وخطا)
الْخَطِيئَة تقع على الصَّغِيرَة كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ إِخْبَارًا عَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ السَّلَام: ﴿وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدَّين﴾ وَيَقَع على الْكَبِيرَة كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خطيئته فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .
[١٠٢] يَقُولُونَ لمن بَدَأَ فِي إثارة شَرّ أَو فَسَاد أَمر: قد نشب فِيهِ، وَوجه الْكَلَام أَن
стр. 128
يُقَال: قد نَشُمُّ بِالْمِيم لاشتقاقه من قَوْلك: نَشُمُّ اللَّحْم، إِذا بدا التَّغَيُّر والأرواح فِيهِ، وعَلى هَذَا جَاءَ فِي حَدِيث مقتل عُثْمَان ﵁: فَلَمَّا نَشُمُّ النَّاس فِي الْأَمر، أَي ابتدأوا فِي التوثب على عُثْمَان، والنيل مِنْهُ.
وَكَانَ الْأَصْمَعِي يرى أَن لَفْظَة نَشُمُّ لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي الشَّرّ، وان مِنْهَا اشتقاق قَوْلهم: دقوا بَينهم عطر منشم، لَا أَن هُنَاكَ عطرا يدق حَقِيقَة.
وَقَالَ غَيره: بل منشم عطارة، مَا تطيب بعطرها أحد فبرز لقِتَال إِلَّا وَقتل أَو جرح، وَقيل: بل الْإِشَارَة فِي الْمثل إِلَى عطارة أغار عَلَيْهَا قوم، وَأخذُوا عطرا كَانَ مَعهَا، فَأقبل قَومهَا إِلَيْهَا فَمن شموا مِنْهُ رَائِحَة الْعطر قَتَلُوهُ.
وَمن أَوله على هَذَا قَالَ: هُوَ عطر من شم، فَجعله مركبا من كَلِمَتَيْنِ.
وَقيل: الْكِنَايَة فِيهِ عَن قُرُون السنبل الَّذِي يُقَال انه سم سَاعَة.
وَذكر ابْن الْكَلْبِيّ أَنَّهَا امْرَأَة من خُزَاعَة كَانَت تبيع الْعطر، فتطيب بعطرها قوم، وتحالفوا عى الْمَوْت فتفانوا.
وَقَالَ غَيره: بل هِيَ صَاحِبَة يسَار الكواعب، وَكَانَ يسَار هَذَا عبدا أسود يرْعَى الْإِبِل، إِذا رَأَتْهُ النِّسَاء ضحكن مِنْهُ، فيتوهم أَنَّهُنَّ يضحكن من حسنه، فَقَالَ يَوْمًا لرفيق لَهُ: أَنا يسَار الكواعب مَا رأتني حرَّة إِلَّا وعشقتني، فَقَالَ لَهُ رَفِيقه: يَا يسَار، اشرب لبن العشار، وكل لحم الحوار، وَإِيَّاك وَبَنَات الْأَحْرَار.
فَأبى وراود مولاته عَن نَفسهَا، فَقَالَت لَهُ: مَكَانك حَتَّى آتِيك بِطيب أشمك إِيَّاه، فَأَتَتْهُ بمُوسَى، فَلَمَّا أدنى أَنفه إِلَيْهَا لتشمه الطّيب جدعته.
стр. 129
وَفِي الشين من منشم رِوَايَتَانِ: الْكسر وَالْفَتْح، وَإِن كَانَ الْكسر أَكثر وَأشهر.
وَنَظِير وهمهم فِي هَذِه اللَّفْظَة قَوْلهم: مَا عتب أَن فعل كَذَا، وَوجه الْكَلَام مَا عتم، أَي مَا أَبْطَأَ، وَمِنْه اشتقاق صَلَاة الْعَتَمَة لتأخير الصَّلَاة فِيهَا.
ومدح بعض الْأَعْرَاب رجلا فَقَالَ: وَالله مَا مَاء وَجهك بقاتم وَلَا زادك بعاتم.
[١٠٣] وَيَقُولُونَ فِي الْأَمر للْغَائِب والتوقيع إِلَيْهِ: يعْتَمد ذَلِك، بِحَذْف لَام الْأَمر من الْفِعْل، وَالصَّوَاب اثباتها فِيهِ، وجزمه بهَا لِئَلَّا تَلْتَبِس الْكَلِمَة بِصِيغَة الْخَبَر، وَتخرج عَن حيّز الْأَمر، على ذَلِك جَاءَت الْأَوَامِر فِي الْقُرْآن وفصيح الْكَلَام والأشعار، فَأَما قَول الشَّاعِر:
(مُحَمَّد تفد نَفسك كل نفس ... إِذا مَا خفت من أَمر زيالا)
فَهُوَ عِنْد الْبَصرِيين من ضرورات الشّعْر الملجئة إِلَى تَصْحِيح النّظم، وَإِقَامَة الْوَزْن.
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لعبادي الَّذين آمنُوا يقيموا الصَّلَاة﴾ ، فَإِنَّمَا جزم يقيموا لوُقُوعه موقع جَوَاب الْأَمر الْمَحْذُوف الَّذِي تَقْدِيره لَو ظهر: قل لعبادي الَّذين آمنُوا: أقِيمُوا الصَّلَاة يقيموا وَجَوَاب الْأَمر مجزوم لتلمح معنى الْجَزَاء فِيهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ:
стр. 130
﴿فَادع لنا رَبك يخرج لنا﴾ ، وأصل هَذِه اللَّام الْكسر كَمَا كسرت لَام الْجَرّ مَعَ الظَّاهِر.
فَإِن دخلت عَلَيْهَا الْوَاو أَو الْفَاء أَو ثمَّ جَازَ كسرهَا على الأَصْل وإسكانها لتخفيف، إِلَّا أَن الِاخْتِيَار أَن تسكن مَعَ الْفَاء وَالْوَاو لِكَوْنِهِمَا على حرف وَاحِد لَا يُمكن السُّكُوت عَلَيْهِ، وَأَن تكسر مَعَ ثمَّ لِأَنَّهَا كلمة بذاتها.
وَبِهَذَا أَخذ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء، فَقَرَأَ: ﴿فليضحكوا قَلِيلا وليبكوا كثيرا﴾ بِإِسْكَان اللَّام مَعَ الْفَاء وَالْوَاو، وَقَرَأَ: ﴿ثمَّ ليقطع﴾ بِكَسْر اللَّام مَعَ ثمَّ.
[١٠٤] وَيَقُولُونَ لمركز الضرائب: المأصر بِفَتْح الصَّاد وَالصَّوَاب كسرهَا، لِأَن مَعْنَاهُ الْموضع الحابس للمار عَلَيْهِ والعاطف للمجتاز بِهِ، وَمن ذَلِك اشتقاق أواصر الْقَرَابَة والعهد لِأَنَّهَا تعطف على مَا تجب رعايته من الرَّحِم والمودة .
وَحكى عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، قَالَ: اجْتمع عندنَا أَبُو نصر أَحْمد بن حَاتِم
стр. 131
وَابْن الْأَعرَابِي فتجاريا الحَدِيث إِلَى أَن حكى أَبُو نصر: أَن أَبَا الْأسود الدؤَلِي دخل على عبيد الله بن زِيَاد، وَعَلِيهِ ثباب رثَّة، فَكَسَاهُ ثيابًا جددا، من غير أَن عرض لَهُ بسؤال، أَو أَلْجَأَهُ إِلَى استكساء، فَخرج وَهُوَ يَقُول:
(كساك وَلم تستكسه فحمدته ... أَخ لَك يعطيك الجزيل ويأصر)
(وان أَحَق النَّاس إِن كنت مادحا ... بمدحك من أَعْطَاك وَالْعرض وافر)
فَأَنْشد أَبُو نصر قافية الْبَيْت: وياصر يُرِيد بِهِ: ويعطف، فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: بل هُوَ وناصر بالنُّون، فَقَالَ أَبُو نصر: دَعْنِي يَا هَذَا وياصري، وَعَلَيْك بناصرك.
[١٠٥] وَيَقُولُونَ: هَذَا أَمر يعرفهُ الصَّادِر والوارد، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال .
الْوَارِد والصادر لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْورْد والصدر، وَمِنْه قيل للخادع: يُورد وَلَا يصدر، وَلما كَانَ الْورْد تقدم الصَّدْر وَجب أَن تقدم لَفْظَة الْوَارِد على الصَّادِر.
ويماثل قَوْلهم: الْوَارِد والصادر قَوْلهم: القارب والهارب، فالقارب الَّذِي
стр. 132
يطْلب المَاء، والهارب الَّذِي يصدر عَنهُ.
[١٠٦] وَيَقُولُونَ: أبنت بِكَسْر الْبَاء مَعَ همزَة الْوَصْل، وَهُوَ من أقبح أوهامهم وأفحش لحن فِي كَلَامهم لِأَن همزَة الْوَصْل لَا تدخل على متحرك، وَإِنَّمَا اجتلبت للساكن ليتوصل بإدخالها عَلَيْهِ إِلَى افْتِتَاح النُّطْق بِهِ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهَا: ابْنة أَو بنت، لِأَن الْعَرَب نطقت فِيهَا بِهَاتَيْنِ الصيغتين، فَمن قَالَ: ابْنة صاغها على لَفْظَة ابْن ثمَّ ألحق بهَا هَاء التَّأْنِيث الَّتِي تسمى الْهَاء الفارقة، وَتصير فِي الْوَصْل تَاء، وَمن قَالَ فِيهَا: بنت أَنْشَأَهَا نشأة مؤتنفة، وصاغها صِيغَة مُفْردَة، وبناها على وزن جذع المتحرك أَوله، فاستغنى بحركة بائها على اجتلاب الْهمزَة لَهَا وإدخالها عَلَيْهَا، وَهَذِه التَّاء المتطرفة فِي بنت وَفِي أُخْت أَيْضا هِيَ تَاء أَصْلِيَّة تثبت فِي الْوَصْل وَالْوَقْف، وَلَيْسَت للتأنيث على الْحَقِيقَة، لِأَن تَاء التَّأْنِيث يكون مَا قبلهَا مَفْتُوحًا، كالميم فِي فَاطِمَة وَالرَّاء فِي شَجَرَة، إِلَّا أَن تكون ألفا كالألف فِي قطاة وقناة .
وَلما كَانَ مَا قبل التَّاء فِي بنت وَأُخْت سَاكِنا وَلَيْسَ بِأَلف دلّ على أَن التَّاء فِيهَا أَصْلِيَّة.
وَأكْثر اللغتين فيهمَا اسْتِعْمَالا ابْنة، وَبِه نطق الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَرْيَم ابْنة عمرَان﴾ ، وَفِي قَوْله سُبْحَانَهُ إِخْبَارًا عَن خطاب شُعَيْب لمُوسَى
стр. 133
عَلَيْهِمَا وعَلى نَبينَا وَسَائِر النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ السَّلَام: ﴿إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين﴾ وَعَلِيهِ قَول أبي العميثل:
(لقِيت ابْنة السَّهْمِي زَيْنَب عَن عفر ... وَنحن حرَام مسي عَاشر الْعشْر)
(فكلمتها ثِنْتَيْنِ كَالْمَاءِ مِنْهُمَا ... وَأُخْرَى على لوح أحر من الْجَمْر)
أَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الأولى تَحِيَّة الْقدوم، وبالأخرى سَلام الْوَدَاع.
[١٠٧] وَيَقُولُونَ: ودعت قافلة الْحَاج، فينطقون بِمَا يتضاد الْكَلَام فِيهِ لِأَن التوديع إِنَّمَا يكون لمن يخرج إِلَى السّفر، والقافلة اسْم للرفقة الراجعة إِلَى الوطن، فَكيف يقرن بَين اللفظتين مَعَ تنَافِي الْمَعْنيين وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: تلقيت قافلة الْحَاج، أَو اسْتقْبلت قافلة الْحَاج .
ويشاكل هَذَا التَّنَاقُض قَوْلهم: رب مَال كثير أنفقته، فينقضون أول كَلَامهم بِآخِرهِ، ويجمعون بَين الْمَعْنى وضده لِأَن رب للتقليل، فَكيف يخبر بهَا عَن المَال الْكثير
стр. 134
[١٠٨] وَيَقُولُونَ: فلَان أنصف من فلَان، إِشَارَة إِلَى أَنه يفضل فِي النصفة عَلَيْهِ، فيحيلون الْمَعْنى فِيهِ، لِأَن الْمَعْنى هُوَ أنصف مِنْهُ، أَي أقوم مِنْهُ بالنصافة الَّتِي هِيَ الْخدمَة لكَونه مصدر نصفت الْقَوْم، أَي خدمتهم فَأَما إِذا أُرِيد بِهِ التَّفْضِيل فِي الانصاف، فَلَا يُقَال إِلَّا: هُوَ أحسن انصافاً مِنْهُ، أَو أَكثر انصافاً، وَمَا أشبه ذَلِك .
وَالْعلَّة فِيهِ أَن الْفِعْل من الانصاف أنصف، وأفعل الَّذِي للتفضيل لَا يبْنى إِلَّا من الْفِعْل الثلاثي لتنتظم حُرُوفه فِيهِ، إِذْ لَو بنى مِمَّا جَاوز الثلاثي لاحتيج إِلَى حذف جُزْء مِنْهُ، وَلَو فعل ذَلِك لاستحال الْبناء هدما، وَالزِّيَادَة المجتلبة لَهُ ثلمًا، فَأَما قَول حسان بن ثَابت:
(كلتاهما حلب الْعصير فعاطني ... بزجاجة ارخاهما للمفصل)
فانما قَالَ: ارخاهما وَالْقِيَاس أَن يُقَال: أشدهما ارخاء، لِأَن أصل هَذَا الْفِعْل رخو فبناه مِنْهُ، كَمَا قَالُوا: مَا أحوجه إِلَى كَذَا، فبنوه من حوج، وَإِن كَانَ قِيَاسه أَن يُقَال: مَا أَشد حَاجته.
وَلِهَذَا الْبَيْت حِكَايَة يحسن أَن نعقب بروايتها، ونصوع نشرة بنشر ملحتها، وَهِي مَا رَوَاهُ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الانباري عَن أَبِيه قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن عبد الرَّحْمَن الربعِي، قَالَ: حَدثنَا احْمَد بن عبد الْملك بن أبي الشمَال السَّعْدِيّ قَالَ: حَدثنَا ابو ظبْيَان
стр. 135
الْحمانِي قَالَ: اجْتمع قوم على شراب لَهُم، فغناهم مغنيهم بِشعر حسان:
(ان الَّتِي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل)
(كلتاهما حلب الْعصير فعاطني ... بزجاجة ارخاهما للمفصل)
فَقَالَ بَعضهم: امْرَأَته طَالِق، إِن لم أسأَل اللَّيْلَة عبيد الله ابْن الْحسن القَاضِي عَن عِلّة هَذَا الشّعْر، لم قَالَ: ان الَّتِي فَوحد ثمَّ قَالَ: كلتاهما فَثنى فأشفقوا على صَاحبهمْ وَتركُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ، ومضوا يتخطون الْقَبَائِل حَتَّى انْتَهوا إِلَى بني شقرة وَعبيد الله بن الْحسن يُصَلِّي عِنْدهم فَلَمَّا فرغ من صلَاته قَالُوا: قد جئْنَاك فِي أَمر دعتنا إِلَيْهِ ضَرُورَة وشرحوا لَهُ خبرهم، وسألوه الْجَواب، فَقَالَ: إِن الَّتِي ناولتني فرددتها، عني بهَا الْخمر الممزوجة بِالْمَاءِ، ثمَّ قَالَ من بعد: كلتاهما حلب الْعصير، يُرِيد الْخمر المتحلبة من الْعِنَب وَالْمَاء المتحلب من السَّحَاب المكنى عَنهُ بالمعصرات فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجا﴾ .
قَالَ الْمُؤلف: هَذَا مَا فسره القَاضِي عبيد الله بن الْحسن القَاضِي، وَكَانَ مِمَّن يرمق بالمهابة، وَلَا يسمح بالدعابة، وَقد بَقِي فِي الشّعْر مَا يحْتَاج إِلَى كشف سره وتبيان نكته، أما قَوْله: ان الَّتِي ناولتني فرددتها، قتلت قتلت، إِنَّه خَاطب بِهِ الساقي الَّذِي كَانَ نَاوَلَهُ كأسا ممزوجة لِأَنَّهُ يُقَال: قتلت الْخمر إِذا مزجتها، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يُعلمهُ أَنه قد فطن لما فعله، ثمَّ مَا اقتنع بذلك مِنْهُ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ فِي مُقَابلَة المزج.
وَقد أحسن كل الاحسان فِي تجنيس اللَّفْظ، ثمَّ انه عقب الدُّعَاء عَلَيْهِ بِأَن استعطى مِنْهُ مَا لم يقتل، يَعْنِي الصّرْف الَّتِي لم تمزج، وَقَوله: ارخاهما للمفصل - يَعْنِي بِهِ اللِّسَان، وَسمي مفصلا بِكَسْر الْمِيم، لِأَنَّهُ يفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل، وَلَيْسَ مَا اعْتَمدهُ عبيد الله بن الْحسن من الاسماح وخفض الْجنَاح مِمَّا يقْدَح فِي نزاهته، أَو يغض من نبله ونباهته.
ويضارع هَذِه الْحِكَايَة فِي وَطْأَة الْقُضَاة المتقشفين للمستفتين وتلاينهم فِي مَوَاطِن اللين مَا حُكيَ أَن حَامِد ابْن الْعَبَّاس سَأَلَ عَليّ بن عِيسَى فِي ديوَان الوازرة عَن دَوَاء الْخمار، وَقد علق بِهِ، فَأَعْرض عَن كَلَامه، وَقَالَ: مَا أَنا وَهَذِه الْمَسْأَلَة فَخَجِلَ حَامِد
стр. 136
مِنْهُ، ثمَّ الْتفت إِلَى قَاضِي الْقُضَاة أبي عمر، فَسَأَلَهُ فتنحنح القَاضِي لاصلاح صَوته، ثمَّ قَالَ: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ اسْتَعِينُوا فِي الصناعات بِأَهْلِهَا.
والأعشى هُوَ الْمَشْهُور بِهَذِهِ الصِّنَاعَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَقد قَالَ:
(وكأس شربت على لَذَّة ... وَأُخْرَى تداويت مِنْهَا بهَا)
ثمَّ تلاه أَبُو نواس فِي الْإِسْلَام فَقَالَ:
(دع عَنْك لومي فان اللوم إغراء ... وداوني بِالَّتِي كَانَت هِيَ الدَّاء)
فأسفر حِينَئِذٍ وَجه حَامِد، وَقَالَ لعَلي بن عِيسَى: مَا ضرك يَا بَارِد أَن تجيب بِبَعْض مَا أجَاب بِهِ قَاضِي الْقُضَاة
وَقد استظهر فِي جَوَاب الْمَسْأَلَة بقول الله تَعَالَى أَولا، ثمَّ بقول الرَّسُول ﷺ وَسلم ثَانِيًا، وَبَين الْفتيا وَأدّى الْمَعْنى وتفصى من الْعهْدَة، فَكَانَ خجل عَليّ بن عِيسَى من حَامِد بِهَذَا الْكَلَام أَكثر من خجل حَامِد مِنْهُ لما ابتدأه بِالْمَسْأَلَة.
[١٠٩] وَيَقُولُونَ لمن أَصَابَته الْجَنَابَة: قد جنب، فيوهمون فِيهِ، لِأَن معنى جنب أَصَابَته ريح الْجنُوب، فَأَما من الْجَنَابَة، فَيُقَال فِيهِ: قد أجنب .
وَجوز أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي جنب، واشتقاقه من الْجَنَابَة وَهِي الْبعد، فَكَأَنَّهُ
стр. 137
سمى بذلك لتباعده عَن الْمَسَاجِد إِلَى أَن يغْتَسل، فَأَما قَول ابْن عَبَّاس، ﵁: الْإِنْسَان لَا يجنب، وَالثَّوْب لَا يجنب، فَأَرَادَ بِهِ أَن الْإِنْسَان لَا يجنب بمماسة الْجنب وَكَذَلِكَ الثَّوْب إِذا لبسه الْجنب.
[١١٠] وَيَقُولُونَ: عِنْدِي ثَمَان نسْوَة وثمان عشرَة جَارِيَة وَثَمَانمِائَة دِرْهَم .
فيحذفون الْيَاء من ثَمَان فِي هَذِه المواطن الثَّلَاثَة، وَالصَّوَاب اثباتها فِيهَا، فَيُقَال: ثَمَانِي نسْوَة وثماني عشرَة جَارِيَة وثماني مائَة دِرْهَم، لِأَن الْيَاء فِي ثَمَان يَاء المنقوص وياء المنقوص تثبت فِي حَال الْإِضَافَة وَحَالَة النصب كالياء فِي قَاض، فَأَما قَول الْأَعْشَى:
(وَلَقَد شربت ثمانيا وثمانيا ... وثمان عشرَة واثنتين وأربعا)
فانه حذف الْيَاء لضَرُورَة الشّعْر، كَمَا حذفت من المنقوص الْمُعَرّف فِي قَول الشَّاعِر:
(وطرت بمنصلى فِي يعملات ... دوامى الأيد يخبطن السريحا)
يُرِيد الْأَيْدِي، وَقد جوز فِي ضرورات الشّعْر حذف الياءات من أَوَاخِر الْكَلم والاجتزاء عَنْهَا بالكسرة الدَّالَّة عَلَيْهَا، كَقَوْل الراجز:
стр. 138
(كَفاك: كف مَا تلِيق درهما ... جودا وَأُخْرَى تُعْطِي بِالسَّيْفِ الدما)
[١١١] وَيَقُولُونَ: ابتعت عبدا وَجَارِيَة أُخْرَى، فيوهمون فِيهِ لِأَن الْعَرَب لم تضف بلفظتي آخر وَأُخْرَى إِلَّا مَا يجانس الْمَذْكُور قبله، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ ، وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه وَمن كَانَ مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ ، فوصف جلّ اسْمه مَنَاة بِالْأُخْرَى لما جانست الْعُزَّى وَاللات، وَوصف الْأَيَّام بالاخر لكَونهَا من جنس الشَّهْر، وَالْأمة لَيست من جنس العَبْد لكَونهَا مُؤَنّثَة، وَهُوَ مُذَكّر، فَلم يجز لذَلِك أَن يَتَّصِف بِلَفْظَة أُخْرَى، كَمَا لَا يُقَال: جَاءَت هِنْد وَرجل آخر، وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن آخر من قبيل افْعَل الَّذِي تصحبه من، ويجانس الْمَذْكُور بعده، يدل على ذَلِك أَنَّك إِذا قلت: قَالَ الفند الزماني، وَقَالَ آخر، كَانَ تَقْدِير الْكَلَام: وَقَالَ آخر من الشُّعَرَاء، وَإِنَّمَا حذفت لَفْظَة من لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهَا وَكَثْرَة اسْتِعْمَال آخر فِي النُّطْق، وَأما قَول الشَّاعِر:
(صلى على عزة الرَّحْمَن وابنتها ... ليلى وَصلى على جاراتها الْأُخَر)
стр. 139
فَمَحْمُول على أَنه جعل ابْنَتهَا جَارة لَهَا، لتَكون الآخر من جِنْسهَا، وَلَوْلَا هَذَا التَّقْدِير لما جَازَ أَن يعقب ذكر النبت بالجارات، بل كَانَ يَقُول: وَصلى على بناتها الْأُخَر.
وَيَقُولُونَ فِي جمع بَيْضَاء وسوداء وخضراء: بيضاوات وسوداوات وخضراوات، وَهُوَ لحن فَاحش، لِأَن الْعَرَب لم تجمع فعلاء الَّتِي هِيَ مؤنث أفعل بِالْألف وَالتَّاء، بل جمعته على فعل، نَحْو خضر وسود وصفر وبيض، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن: ﴿وَمن الْجبَال جدد بيض وحمر مُخْتَلف ألوانها وغرابيب سود﴾ وَالْعلَّة فِيهِ انه لما كَانَ هَذَا النَّوْع من الْمُؤَنَّث على غير لفظ الْمُذكر ومبنيا على صِيغَة أُخْرَى قل تمكنه، وَامْتنع من الْجمع بِالْألف وَالتَّاء، كَمَا امْتنع مذكره من الْجمع بِالْوَاو وَالنُّون.
فَأَما قَوْله ﷺ : لَيْسَ فِي الخضروات صَدَقَة فالخضروات هُنَا لَيست بِصفة بل هِيَ اسْم جنس للبقلة، وفعلاء فِي الْأَجْنَاس تجمع بِالْألف وَالتَّاء، نَحْو: بيداء وبيداوات وصحراء وصحراوات، وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت صفة خَارِجَة عَن مؤنث أفعل نَحْو: نفسَاء ونفساوات.
[١١٢] يَقُولُونَ: السَّبع الطول بِكَسْر الطَّاء، فيلحنون فِيهِ لِأَن الطول هُوَ الْحَبل، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: السَّبع الطول، بِضَم الطَّاء، لِأَنَّهَا جمع الطُّولى ،
стр. 140
وكل مَا كَانَ على وزن فعلى الَّتِي هِيَ مؤنث أفعل جمع على فعل كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن ﴿إِنَّهَا لإحدى الْكبر﴾ ، وَهِي جمع كبرى.
[١١٣] يَقُولُونَ عِنْد نِدَاء الْأَبَوَيْنِ: يَا أبتي وَيَا أمتِي، فيثبتون يَاء الْإِضَافَة فيهمَا مَعَ إِدْخَال تَاء التَّأْنِيث عَلَيْهِمَا، قِيَاسا على قَوْلهم: يَا عَمَّتي، وَهُوَ وهم يشين وَخطأ مستبين، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: يَا أَبَت وَيَا أمت، بِحَذْف الْيَاء والاجتزاء عَنْهَا بِالْكَسْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَبَت لَا تعبد الشَّيْطَان﴾ ، ﴿يَا أَبَت لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا﴾ ، أَو يُقَال: يَا أبتا وَيَا أمتا بِإِثْبَات الْألف، وَالِاخْتِيَار أَن يُوقف عَلَيْهِمَا بِالْهَاءِ، فَيُقَال: يَا أبه وَيَا أمه .
стр. 141
فَإِن قيل: فَكيف دخلت تَاء التَّأْنِيث على الْأَب، وَهُوَ مُذَكّر فَالْجَوَاب أَنه لَا غرو فِي ذَلِك، أَلا ترى أَنهم قَالُوا: رجل ربعَة وَرجل فروقة فوصفوا الْمُذكر بالمؤنث، وَقَالُوا: امْرَأَة حَائِض، فوصفوا الْمُؤَنَّث بالمذكر، وَإِنَّمَا يسْتَعْمل مَا ذَكرْنَاهُ فِي النداء خَاصَّة فَأَما قَوْلهم: عَمَّتي وخالتي، فَإِن التَّاء فيهمَا تثبت فِي غير موطن النداء.
[١١٤] وَيَقُولُونَ: عيرته بِالْكَذِبِ، والأفصح أَن يُقَال: عيرته الْكَذِب بِحَذْف الْبَاء، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب:
(وعيرني الواشون أَنِّي أحبها ... وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها)
وتمثل بعجز هَذَا الْبَيْت عبد الله بن الزبير حِين ناداه أهل الشأم لما حصر فِي الْمَسْجِد الْحَرَام: يَا بن ذَات النطاقين، فَقَالَ: إيه وَالله
(وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها
)
أَي زائل عَنْك، وَالْعرب تَقول: اللؤم ظَاهر عَنْك، وَالنعْمَة ظَاهِرَة عَلَيْك، أَي مُلَازمَة لَك.
وَجَاء فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿أم تنبئونه بِمَا لَا يعلم فِي الأَرْض أم بِظَاهِر من القَوْل﴾
стр. 142
) أَي بباطل من القَوْل، وَلم يسمع فِي كَلَام بليغ وَلَا شعر فصيح تَعديَة عيرته بِالْبَاء، فَأَما من روى بَيت الْمقنع الْكِنْدِيّ:
(يعيرني بِالدّينِ قومِي وَإِنَّمَا ... تدينت فِي أَشْيَاء تكسبهم حمدا)
فَهُوَ تَحْرِيف من الرَّاوِي فِي الرِّوَايَة، وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة: يعاتبني فِي الدَّين قومِي.
[١١٥] وَيَقُولُونَ ابدأ بِهِ أَولا، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: ابدأ بِهِ أول بِالضَّمِّ، كَمَا قَالَ معن بن أَوْس:
(لعمرك مَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجل ... على اينا تعدو الْمنية أول)
وَإِنَّمَا بني أول هَاهُنَا لَان الْإِضَافَة مُرَادة فِيهِ، إِذْ تَقْدِير الْكَلَام: ابدأ بِهِ أول النَّاس، فَلَمَّا اقتطع عَن الْإِضَافَة بنى كأسماء الغايات الَّتِي هِيَ قبل وَبعد ونظائرهما، وَمعنى تَسْمِيَة
стр. 143
هَذِه الْأَسْمَاء بالغايات، أَي قد جعلت غَايَة للنطق، بَعْدَمَا كَانَت مُضَافَة، ولهذه الْعلَّة اسْتَوْجَبت أَن تبنى، لِأَن آخرهَا حِين قطع عَن الْإِضَافَة صَار كوسط الْكَلِمَة، ووسط الْكَلِمَة لَا يكون إِلَّا مَبْنِيا، وَإِنَّمَا بنيت على الضمة لِأَنَّهَا فِي حَالَة الْإِضَافَة تعرف تَارَة بِالنّصب وَأُخْرَى بِالْجَرِّ، فخصت عِنْد الْبناء بِالضَّمِّ الَّذِي خَالف حركتي إعرابها، ليعلم بِهِ أَنَّهَا مَبْنِيَّة لَا معربة.
على أَن أول إِذا أعرب لَا يصرف لِأَنَّهُ على وزن أفعل وَهُوَ صفة، وَلِهَذَا قَالُوا: كَانَ ذَلِك عَاما أول، وَمَا رَأَيْته مذ أول من أمس، وَلم يسمع صرفه إِلَّا فِي قَوْلهم: مَا تركت لَهُ أَولا وَلَا آخرا، فجعلوه فِي هَذَا الْكَلَام اسْم جنس، وأخرجوه عَن حكم الصّفة، واجروا هَذَا الْكَلَام بِمَعْنى مَا تركت لَهُ قَدِيما وَلَا حَدِيثا.
وَمن مفاحش ألحان الْعَامَّة إلحاقهم هَاء التَّأْنِيث بِأول فَيَقُولُونَ الأولة كِنَايَة عَن الأولى، وَلم يسمع فِي لُغَات الْعَرَب إدخالها على أفعل الَّذِي هُوَ صفة، مثل أَحْمَر وأبيض، وَلَا على أفعل الَّذِي هُوَ للتفضيل نَحْو أفضل وَأول، وَالْعجب أَنهم فِي حَال صغرهم ومبدأ تعلمهمْ فِي مكاتبم، يَقُولُونَ: جُمَادَى الأولى فيلفظون بِالصَّحِيحِ، فَإِذا نبلوا ونبهوا أَتَوا باللحن الْقَبِيح.
وَنَظِير أول فِي المبنيات على الضَّم أَنَّك تَقول: انحدر من فَوق، وَأَتَاهُ من قُدَّام واستردفه من وَرَاء، وَأَخذه من تَحت، فتبنى هَذِه الْأَسْمَاء على الضَّم، وَإِن كَانَت ظروف أمكنة، لاقتطاعها عَن الْإِضَافَة، وعَلى ذَلِك قَول الشَّاعِر:
(ألبان إبل تعلة بن مساور ... مَا دَامَ يملكهَا عليّ حرَام)
(لعن الْإِلَه تعلة بن مساور ... لعنا يصب عَلَيْهِ من قُدَّام)
أَرَادَ من قدامه، فَلَمَّا حذف الضَّمِير مِنْهُ واقتطعه عَن الْإِضَافَة بناه على الضَّم.
[١١٦] وَيَقُولُونَ لهَذَا النَّوْع من المشموم: سوسن بِضَم السِّين، فيوهمون فِيهِ، كَمَا أَن بعض الْمُحدثين ضمهَا فتطير من اسْمه حِين أهدي إِلَيْهِ، وَكتب من أهداه لَهُ:
стр. 144
(لم يكفك الهجر فأهديت لي ... تفاؤلا بالسوء لي سوسنه)
(أَولهَا سوء وَبَاقِي اسْمهَا ... يخبر أَن السوء يبْقى سنه)
وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: سوسن بِفَتْح السِّين، وَكَذَلِكَ يُقَال: روشن بِفَتْح الرَّاء، ليلحقا بِمَا جَاءَ على وزن فوعل بِفَتْح الْفَاء، نَحْو جَوْهَر وجورب وكوثر وتولب، إِذْ مَا سمع فِي أَمْثِلَة الْعَرَب فوعل إِلَّا جؤذر فِي لُغَة بَعضهم.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام ﵀: وَقد اذْكُرْنِي السوسن أبياتا أنشدنيها عَليّ بن عبد الْعَزِيز الأديب المعري لأبي بكر بن الْقُوطِيَّة الأندلسي، يصف فِيهَا السوسن مِمَّا أبدع فِيهِ وَأحسن، فأوردتها على وَجه التشذير لسمط هَذَا الْفَصْل، والتأبين لمن درج من أولي الْفضل، وَهِي:
(قُم واسقنيها على الْورْد الَّذِي فعما ... وبادر السوسن الغض الَّذِي نجما)
(كَأَنَّمَا ارتضعا خَلْفي سمائهما ... فأرضعت لَبَنًا هَذَا، وَذَاكَ دَمًا)
(جسمان قد كفر الكافور ذَاك وَقد ... عق العقيق احمرارا ذَا وَمَا ظلما)
стр. 145
(كَأَن ذَا طلية نصت لمعترض ... وَذَاكَ خد غَدَاة الْبَين قد لطما)
(أَولا فَذَاك أنابيب اللجين وَذَا ... جمر الغضا حركته الرّيح فاضطرما)
[١١٧] وَيَقُولُونَ جرى الْوَادي فطم على القليب، والمسموع فِي هَذَا الْمثل: فطم على القريّ، وَهُوَ مجْرى المَاء إِلَى الرَّوْضَة، وَمعنى طم علا وقهر، وَمِنْه سميت الْقِيَامَة طامة، وَهَذَا الْمثل يضْرب فِي هجوم الْخطب الهائل المصغر مَا عداهُ من النَّوَازِل .
وَنَظِيره فِي التَّصْحِيف قَوْلهم: يَا حَامِل اذكر حلا، وَإِنَّمَا هُوَ: يَا حابل، أَي يَا من يشد الْحَبل اذكر وَقت حلّه.
ويحكى أَن اللحياني أول من صحف هَذَا الْمثل.
[١١٨] وَيَقُولُونَ لمن نبت شَاربه: قد طر شَاربه بِضَم الطَّاء، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: طر بِفَتْح الطَّاء، كَمَا يُقَال: طر وبر النَّاقة، إِذا بدا صغاره، وناعمه، وَمِنْه يُقَال: شَارِب طرير، وَعَلِيهِ قَول الشَّاعِر:
(وَمَا زلت فِي ليلى لدن طر شاربي ... إِلَى الْيَوْم أبدي إحْنَة وأواحن)
(وأضمر فِي ليلى لقوم ضغينة ... وتضمر فِي ليلى عَليّ الضغائن)
следующие страницы →