Полный текст (284 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فَإِن قيل: فَكيف دخلت تَاء التَّأْنِيث على الْأَب، وَهُوَ مُذَكّر فَالْجَوَاب أَنه لَا غرو فِي ذَلِك، أَلا ترى أَنهم قَالُوا: رجل ربعَة وَرجل فروقة فوصفوا الْمُذكر بالمؤنث، وَقَالُوا: امْرَأَة حَائِض، فوصفوا الْمُؤَنَّث بالمذكر، وَإِنَّمَا يسْتَعْمل مَا ذَكرْنَاهُ فِي النداء خَاصَّة فَأَما قَوْلهم: عَمَّتي وخالتي، فَإِن التَّاء فيهمَا تثبت فِي غير موطن النداء.
[١١٤] وَيَقُولُونَ: عيرته بِالْكَذِبِ، والأفصح أَن يُقَال: عيرته الْكَذِب بِحَذْف الْبَاء، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب:
(وعيرني الواشون أَنِّي أحبها ... وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها)
وتمثل بعجز هَذَا الْبَيْت عبد الله بن الزبير حِين ناداه أهل الشأم لما حصر فِي الْمَسْجِد الْحَرَام: يَا بن ذَات النطاقين، فَقَالَ: إيه وَالله
(وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها
)
أَي زائل عَنْك، وَالْعرب تَقول: اللؤم ظَاهر عَنْك، وَالنعْمَة ظَاهِرَة عَلَيْك، أَي مُلَازمَة لَك.
وَجَاء فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿أم تنبئونه بِمَا لَا يعلم فِي الأَرْض أم بِظَاهِر من القَوْل﴾
стр. 142
) أَي بباطل من القَوْل، وَلم يسمع فِي كَلَام بليغ وَلَا شعر فصيح تَعديَة عيرته بِالْبَاء، فَأَما من روى بَيت الْمقنع الْكِنْدِيّ:
(يعيرني بِالدّينِ قومِي وَإِنَّمَا ... تدينت فِي أَشْيَاء تكسبهم حمدا)
فَهُوَ تَحْرِيف من الرَّاوِي فِي الرِّوَايَة، وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة: يعاتبني فِي الدَّين قومِي.
[١١٥] وَيَقُولُونَ ابدأ بِهِ أَولا، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: ابدأ بِهِ أول بِالضَّمِّ، كَمَا قَالَ معن بن أَوْس:
(لعمرك مَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجل ... على اينا تعدو الْمنية أول)
وَإِنَّمَا بني أول هَاهُنَا لَان الْإِضَافَة مُرَادة فِيهِ، إِذْ تَقْدِير الْكَلَام: ابدأ بِهِ أول النَّاس، فَلَمَّا اقتطع عَن الْإِضَافَة بنى كأسماء الغايات الَّتِي هِيَ قبل وَبعد ونظائرهما، وَمعنى تَسْمِيَة
стр. 143
هَذِه الْأَسْمَاء بالغايات، أَي قد جعلت غَايَة للنطق، بَعْدَمَا كَانَت مُضَافَة، ولهذه الْعلَّة اسْتَوْجَبت أَن تبنى، لِأَن آخرهَا حِين قطع عَن الْإِضَافَة صَار كوسط الْكَلِمَة، ووسط الْكَلِمَة لَا يكون إِلَّا مَبْنِيا، وَإِنَّمَا بنيت على الضمة لِأَنَّهَا فِي حَالَة الْإِضَافَة تعرف تَارَة بِالنّصب وَأُخْرَى بِالْجَرِّ، فخصت عِنْد الْبناء بِالضَّمِّ الَّذِي خَالف حركتي إعرابها، ليعلم بِهِ أَنَّهَا مَبْنِيَّة لَا معربة.
على أَن أول إِذا أعرب لَا يصرف لِأَنَّهُ على وزن أفعل وَهُوَ صفة، وَلِهَذَا قَالُوا: كَانَ ذَلِك عَاما أول، وَمَا رَأَيْته مذ أول من أمس، وَلم يسمع صرفه إِلَّا فِي قَوْلهم: مَا تركت لَهُ أَولا وَلَا آخرا، فجعلوه فِي هَذَا الْكَلَام اسْم جنس، وأخرجوه عَن حكم الصّفة، واجروا هَذَا الْكَلَام بِمَعْنى مَا تركت لَهُ قَدِيما وَلَا حَدِيثا.
وَمن مفاحش ألحان الْعَامَّة إلحاقهم هَاء التَّأْنِيث بِأول فَيَقُولُونَ الأولة كِنَايَة عَن الأولى، وَلم يسمع فِي لُغَات الْعَرَب إدخالها على أفعل الَّذِي هُوَ صفة، مثل أَحْمَر وأبيض، وَلَا على أفعل الَّذِي هُوَ للتفضيل نَحْو أفضل وَأول، وَالْعجب أَنهم فِي حَال صغرهم ومبدأ تعلمهمْ فِي مكاتبم، يَقُولُونَ: جُمَادَى الأولى فيلفظون بِالصَّحِيحِ، فَإِذا نبلوا ونبهوا أَتَوا باللحن الْقَبِيح.
وَنَظِير أول فِي المبنيات على الضَّم أَنَّك تَقول: انحدر من فَوق، وَأَتَاهُ من قُدَّام واستردفه من وَرَاء، وَأَخذه من تَحت، فتبنى هَذِه الْأَسْمَاء على الضَّم، وَإِن كَانَت ظروف أمكنة، لاقتطاعها عَن الْإِضَافَة، وعَلى ذَلِك قَول الشَّاعِر:
(ألبان إبل تعلة بن مساور ... مَا دَامَ يملكهَا عليّ حرَام)
(لعن الْإِلَه تعلة بن مساور ... لعنا يصب عَلَيْهِ من قُدَّام)
أَرَادَ من قدامه، فَلَمَّا حذف الضَّمِير مِنْهُ واقتطعه عَن الْإِضَافَة بناه على الضَّم.
[١١٦] وَيَقُولُونَ لهَذَا النَّوْع من المشموم: سوسن بِضَم السِّين، فيوهمون فِيهِ، كَمَا أَن بعض الْمُحدثين ضمهَا فتطير من اسْمه حِين أهدي إِلَيْهِ، وَكتب من أهداه لَهُ:
стр. 144
(لم يكفك الهجر فأهديت لي ... تفاؤلا بالسوء لي سوسنه)
(أَولهَا سوء وَبَاقِي اسْمهَا ... يخبر أَن السوء يبْقى سنه)
وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: سوسن بِفَتْح السِّين، وَكَذَلِكَ يُقَال: روشن بِفَتْح الرَّاء، ليلحقا بِمَا جَاءَ على وزن فوعل بِفَتْح الْفَاء، نَحْو جَوْهَر وجورب وكوثر وتولب، إِذْ مَا سمع فِي أَمْثِلَة الْعَرَب فوعل إِلَّا جؤذر فِي لُغَة بَعضهم.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام ﵀: وَقد اذْكُرْنِي السوسن أبياتا أنشدنيها عَليّ بن عبد الْعَزِيز الأديب المعري لأبي بكر بن الْقُوطِيَّة الأندلسي، يصف فِيهَا السوسن مِمَّا أبدع فِيهِ وَأحسن، فأوردتها على وَجه التشذير لسمط هَذَا الْفَصْل، والتأبين لمن درج من أولي الْفضل، وَهِي:
(قُم واسقنيها على الْورْد الَّذِي فعما ... وبادر السوسن الغض الَّذِي نجما)
(كَأَنَّمَا ارتضعا خَلْفي سمائهما ... فأرضعت لَبَنًا هَذَا، وَذَاكَ دَمًا)
(جسمان قد كفر الكافور ذَاك وَقد ... عق العقيق احمرارا ذَا وَمَا ظلما)
стр. 145
(كَأَن ذَا طلية نصت لمعترض ... وَذَاكَ خد غَدَاة الْبَين قد لطما)
(أَولا فَذَاك أنابيب اللجين وَذَا ... جمر الغضا حركته الرّيح فاضطرما)
[١١٧] وَيَقُولُونَ جرى الْوَادي فطم على القليب، والمسموع فِي هَذَا الْمثل: فطم على القريّ، وَهُوَ مجْرى المَاء إِلَى الرَّوْضَة، وَمعنى طم علا وقهر، وَمِنْه سميت الْقِيَامَة طامة، وَهَذَا الْمثل يضْرب فِي هجوم الْخطب الهائل المصغر مَا عداهُ من النَّوَازِل .
وَنَظِيره فِي التَّصْحِيف قَوْلهم: يَا حَامِل اذكر حلا، وَإِنَّمَا هُوَ: يَا حابل، أَي يَا من يشد الْحَبل اذكر وَقت حلّه.
ويحكى أَن اللحياني أول من صحف هَذَا الْمثل.
[١١٨] وَيَقُولُونَ لمن نبت شَاربه: قد طر شَاربه بِضَم الطَّاء، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: طر بِفَتْح الطَّاء، كَمَا يُقَال: طر وبر النَّاقة، إِذا بدا صغاره، وناعمه، وَمِنْه يُقَال: شَارِب طرير، وَعَلِيهِ قَول الشَّاعِر:
(وَمَا زلت فِي ليلى لدن طر شاربي ... إِلَى الْيَوْم أبدي إحْنَة وأواحن)
(وأضمر فِي ليلى لقوم ضغينة ... وتضمر فِي ليلى عَليّ الضغائن)
стр. 146
فَأَما طر بِضَم الطَّاء فَمَعْنَاه قطع، وَمِنْه اشتقاق اسْم الطرار، وَبِه سميت الطرة لِأَنَّهَا تقطع.
وَأما قَوْلهم: جَاءَ الْقَوْم طرا فَهُوَ بِمَعْنى جَاءَ الْقَوْم جَمِيعًا، وانتصابه على الْحَال أَو الْمصدر.
ونقيض هَذَا الْوَهم قَوْلهم فِي النادم المتحير: سقط فِي يَده بِفَتْح السِّين، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: سقط فِي يَده بضَمهَا.
وَقد سمع عَنْهُم: أسقط إِلَّا أَن الأول أفْصح، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم﴾ .
[١١٩] وَيَقُولُونَ: ركض الْفرس بِفَتْح الرَّاء وَقد أَقبلت الْفرس تركض بِفَتْح التَّاء، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: ركض بِضَم الرَّاء، وَأَقْبَلت تركض بِضَم التَّاء، وأصل الركض فِي اللُّغَة تَحْرِيك القوائم، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿اركض﴾
стр. 147
برجلك) وَلِهَذَا قيل للجنين، إِذا اضْطربَ حَيا فِي بطن أمه: قد ارتكض.
وَمن أَبْيَات الْمعَانِي المشكلة:
(قد سبق الْجِيَاد وَهُوَ رابض ... وَكَيف لَا يسْبق وَهُوَ راكض)
وَالْمرَاد بِهِ أَن أمه سبقت الْجِيَاد حِين أجريت وَهِي حَامِل بِهِ، وأضاف السَّبق إِلَيْهِ لاتصاله بِأُمِّهِ، وَأَشَارَ بركضه إِلَى تَحْرِيك قوائمه فِي مربضه ومقره، وَقد توهم بَعضهم أَن الركض لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْخَيل، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل يُقَال: ركض الْبَعِير بِرَجُل، إِذا رمح، وركض الطَّائِر، إِذا حرك جناحيه، ثمَّ ردهما على جسده فِي الطيران، كَمَا قَالَ سَلامَة ابْن جندل:
(أودى الشَّبَاب حميدا ذُو التعاجيب ... أودى وَذَلِكَ شَأْن غير مَطْلُوب)
(ولى حثيثا وَهَذَا الشيب يَطْلُبهُ ... لَو كَانَ يُدْرِكهُ ركص اليعاقيب)
يَعْنِي باليعاقيب ذكر الحجل، وَهُوَ جمع يَعْقُوب.
ويروى: ركض اليعاقيب بِالضَّمِّ وَالْفَتْح، فَمن رَفعه جعله فَاعل يدْرك، وَأَرَادَ بِهِ أَن هَذَا الطَّائِر على سرعَة طيرانه لَا يدْرك الشَّبَاب إِذا ولى فَكيف يُدْرِكهُ غَيره، وَمن رَوَاهُ بِالنّصب نَصبه بِفعل مُضْمر تَقْدِيره ولى يرْكض ركض اليعاقيب، وَجعله من صلَة صفة الشَّبَاب، وَجعل فَاعل يُدْرِكهُ ضمير الشيب
стр. 148
الْمُسْتَتر فِيهِ، وَيصير فِي الْبَيْت تَقْدِيم وَتَأْخِير، تَصْحِيحه ولى الشَّبَاب حثيثا يرْكض ركض اليعاقيب، هَذَا الشيب يَطْلُبهُ لَو كَانَ يُدْرِكهُ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الحريري: وللعامة وَبَعض الْخَاصَّة عدَّة أَوْهَام فِي إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى من فعل بِهِ، يماثل وهمهم فِي قَوْلهم: ركضت الْفرس، وَقَوْلهمْ: قد حلبت نَاقَته رسلًا كثيرا، وَلم تحلب شاته إِلَّا لَبَنًا يَسِيرا، فيسندون الْحَلب إِلَى المحلوبة، وَهُوَ موقع بهَا.
وَوجه القَوْل: كم حلبت نَاقَتك، وَكم تحلب حلوبتك وَمَا أشبه ذَلِك.
[١٢٠] وَيَقُولُونَ أَيْضا: حكني جَسَدِي فيجعلون الْجَسَد هُوَ الحاك، وعَلى التَّحْقِيق هُوَ المحكوك، وَالصَّحِيح أَن يُقَال: أحكني جَسَدِي، أَي ألجأني إِلَى الحك، كَذَلِك يَقُولُونَ: اشتكت عين فلَان، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: اشْتَكَى فلَان عينه، لِأَنَّهُ هُوَ المشتكي لَا هِيَ .
[١٢١] وَيَقُولُونَ: سَار ركاب السُّلْطَان، إِشَارَة إِلَى موكبه الْمُشْتَمل على الْخَيل وَالرجل وأجناس الدَّوَابّ.
وَهُوَ وهم ظَاهر لِأَن الركاب اسْم يخْتَص بِالْإِبِلِ وَجَمعهَا ركائب، والراكب هُوَ رَاكب الْبَعِير خَاصَّة، وَجمعه ركبان، فَأَما الركب والأركوب
стр. 149
فقد جوز الْخَلِيل أَن يُطلق اسمهما على راكبي كل دَابَّة إِلَّا أَن الأركوب أَكثر من الركب عدَّة وأوفى جمَاعَة.
[١٢٢] وَيَقُولُونَ للعبة الْهِنْدِيَّة: الشطرنج، بِفَتْح الشين، وَقِيَاس كَلَام الْعَرَب أَن تكسر لِأَن من مَذْهَبهم أَنه إِذا عرب الِاسْم العجمي رد إِلَى مَا يسْتَعْمل من نَظَائِره فِي لغتهم وزنا وَصِيغَة، وَلَيْسَ فِي كَلَامهم فعلل بِفَتْح الْفَاء، وَإِنَّمَا الْمَنْقُول عَنْهُم فِي هَذَا الْوَزْن فعلل، بِكَسْر الْفَاء فَلهَذَا وَجب كسر الشين من الشطرنج ليلحق بِوَزْن جردحل، وَهُوَ الضخم من الْإِبِل .
وَقد جوز فِي الشطرنج أَن يُقَال بالشين الْمُعْجَمَة لجَوَاز اشتقاقه من المشاطرة، وَأَن يُقَال بِالسِّين الْمُهْملَة، لجَوَاز أَن يكون اشتق من التسطير عِنْد التعبية.
وَمثله تَسْمِيَة الدُّعَاء للعاطس بالتسميت والتشميت، إِشَارَة بِالسِّين الْمُهْملَة أَن يرْزق السمت الْحسن، وبالشين الْمُعْجَمَة إِلَى جمع الشمل لِأَن الْعَرَب تَقول: تشممت الْإِبِل، إِذا اجْتمعت فِي المرعى.
وَقيل أَن مَعْنَاهُ بالشين الْمُعْجَمَة الدُّعَاء لشوامته، وَهِي اسْم الْأَطْرَاف.
وَلِهَذَا نَظَائِر فِي كَلَام الْعَرَب كَقَوْلِهِم لنَوْع من التَّمْر، سهريز وشهريز، وَلما يخْتم بِهِ: الروسم والروشم.
وكقولهم: انتشف لَونه وانتسف إِذا تغير وامتقع، وحمس الرجل وحمش إِذا اشْتَدَّ غَضَبه.
وَقَالُوا تنشمت مِنْهُ علما وتنسمت، فَمن قَالَه بِالسِّين الْمُهْملَة جعل اشتقاقه من النسيم، وَشبه مَا يشدوه مِنْهُ حَالا بعد حَال، وَفِي الْوَقْت بعد الْوَقْت
стр. 150
باستنشاق النسيم، وَمن قَالَه بالشين الْمُعْجَمَة أَخذه من قَوْلهم: نَشُمُّ النَّاس فِي الْأَمر، أَي ابتدأوا بِهِ، إِلَّا أَن الْأَصْمَعِي يرى أَن هَذِه اللَّفْظَة لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي الشَّرّ على مَا تقدم ذكره عَنهُ.
وَقد جَاءَ أَيْضا فِي الْآثَار والأشعار أَلْفَاظ رويت بِهَذَيْنِ الحرفين على اخْتِلَاف الْمَعْنيين، فَروِيَ فِي صفته ﷺ أَنه كَانَ منهوس الْقَدَمَيْنِ، أَي معروقهما.
وَذكر ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره أَنه يُقَال: هوس النَّاس وهوشوا، إِذا وَقَعُوا فِي الْفساد، والنهش بإعجام الشين مَا كَانَ بالاضراس والنهس بإهمالها مَا كَانَ بأطراف الْأَسْنَان.
وروى: محاش النِّسَاء حرَام بإعجام الشين وإهمالها، وَالْمرَاد بِهِ الدبر، وَوَاحِد المحاش محشة.
وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن الشَّهْر قد تسعسع فَلَو صمنا بَقِيَّته رُوِيَ بإعجام الشين وإهمالها، فَمن رَوَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ ذهب بِهِ إِلَى دقة الْهلَال وَقلة مَا بَقِي من الشَّهْر كَمَا يُقَال: شعشعت الشَّرَاب بِالْمَاءِ إِذا رققته، وَمن رَوَاهُ بِالسِّين الْمُهْملَة - وَهُوَ أشهر الرِّوَايَتَيْنِ - فَالْمُرَاد بِهِ أَن الشَّهْر قد أدبر وفنى إِلَّا أَقَله.
стр. 151
وَجَاء فِي حَدِيث عمر ﵁ أَنه كَانَ ينس النَّاس بعد الْعشَاء الْآخِرَة بِالدرةِ، وَيَقُول: انصرفوا إِلَى مَنَازِلكُمْ فَمن رَوَاهُ بِالسِّين الْمُهْملَة عَنى بِهِ يسوقهم، وَمِنْه سميت الْعَصَا منسأة للسوق بهَا، وَمن رَوَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاه يتناولهم، مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنى لَهُم التناوش﴾ .
وَورد فِي الْآثَار أَن عليا كرم الله وَجهه خطب النَّاس على مِنْبَر الْكُوفَة، وَهُوَ غير مسكوك، فَمن رَوَاهُ بِالسِّين الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه أَنه غير مسمور، لِأَن السك تضبيب الْبَاب.
وَمن رَوَاهُ بإعجام الشين فَالْمَعْنى أَنه غير مشدود.
وَنقل عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: توفّي رَسُول الله ﷺ بَين سحرِي وَنَحْرِي، فَمن رَوَاهُ بِالسِّين الْمُهْملَة عَنى بِهِ الرئة، وَمن رَوَاهُ بالشين الْمُعْجَمَة مَعَ الْجِيم فَقَالَ: شجري فَالْمَعْنى مجمع اللحيين.
ويروي بَيت النَّابِغَة:
(فَإِن يَك عَامر قد قَالَ جهلا ... فان مَطِيَّة الْجَهْل الشَّبَاب)
فَمن رَوَاهُ بالشين الْمُعْجَمَة فَالْمُرَاد بِهِ الشبيبة ومَطِيَّة الْجَهْل أَي مركبه، وَمن
стр. 152
رَوَاهُ: السباب بِالسِّين الْمُهْملَة فَالْمَعْنى بِهِ السب، كَمَا قد رُوِيَ أَيْضا فِي هَذَا الْبَيْت: فَإِن مَظَنَّة الْجَهْل أَي مَوْضِعه.
وَقد روى أَيْضا من شعر الْأَعْشَى بيتان بِهَذَيْنِ الحرفين أَحدهمَا قَوْله:
(نفى الذَّم عَن آل المحلق جَفْنَة ... كجابية الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ تفهق)
فَمن روى: كجابية السيح بِالسِّين الْمُهْملَة عَنى بالجابية دجلة، وبالسيح المَاء السائح.
وَمن رَوَاهُ بالشين الْمُعْجَمَة جعل الإرشارة فِيهِ إِلَى كسْرَى لِأَنَّهُ صَاحب دجلة، وَأَرَادَ الْأَعْشَى بِهَذَا التَّشْبِيه أَن جَفْنَة آل المحلق تمد بِالطَّعَامِ بعد الطَّعَام كَمَا تمد دجلة بِالْمَاءِ بعد المَاء.
وَالْبَيْت الآخر قَوْله فِي صفة الْخمر والخمار:
(وأقبلها الرّيح فِي دنها ... وَصلى على دنها وارتشم)
فَمن رَوَاهُ ارتشم بالشين الْمُعْجَمَة عَنى بِهِ أَنه دَعَا للدن ثمَّ ختم عَلَيْهِ، وَمن رَوَاهُ بِالسِّين الْمُهْملَة قَالَ: أَرَادَ أَنه دَعَا لَهَا وعوذ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ الْقطَامِي يصف فلكا:
(فِي ذِي جلول يقْضِي الْمَوْت صَاحبه ... إِذا الصراري من أهواله ارتسما)
يَعْنِي أَن الصراري، وَهُوَ الملاح عوذ وَكبر حِين شَاهد عظم الْأَهْوَال، وعاين تلاطم الأمواج.
الجلول: جمع جلّ، وَهُوَ شراع السَّفِينَة.
ويروي بَيت أَوْس بن حجر:
(مخلفون وَيَقْضِي النَّاس أَمرهم ... غس الْأَمَانَة صنبور بصنبور)
فَمن رَوَاهُ بِالسِّين الْمُهْملَة، عَنى أَنهم ضعفاء الْأَمَانَة، وَمن رَوَاهُ بالشين الْمُعْجَمَة، فاشتقاقه من الْغِشّ.
وَحكى الْأَصْمَعِي قَالَ: أنشدنا أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء:
(فَمَا جبنوا انا نَشد عَلَيْهِم ... وَلَكِن رَأَوْا نَارا تحش وتسفع)
قَالَ: فَذكرت ذَلِك لشعبة، فَقَالَ: وَيلك إِنَّمَا هُوَ تحس وتسفع، أَي تحرق وَتسود.
стр. 153
قَالَ الْأَصْمَعِي: وَقد أصَاب أَبُو عَمْرو لِأَن معنى تحش توقد، وَقد أصَاب شُعْبَة أَيْضا وَلم أر بالشعر أعلم مِنْهُ.
وَحكى خلف الْأَحْمَر: قَالَ: أخذت عَليّ الْمفضل الضَّبِّيّ وَقد أنْشد لامرئ الْقَيْس:
(نمس بأعراف الْجِيَاد اكْفِنَا ... إِذا نَحن قمنا عَن شواء مضهب)
فَقلت: لَهُ إِنَّمَا هُوَ نمش لِأَن المش مسح الْيَد بالشَّيْء الخشن، وَبِه سمى منديل الْغمر مشوشا، وَأما قَول الشَّاعِر:
(أعلمهُ الرماية كل يَوْم ... فَلَمَّا اشْتَدَّ ساعده رماني)
فَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة فِيهِ استد بِالسِّين المبهمة، وَيكون المُرَاد بِهِ السداد فِي الرَّمْي، وَقد رَوَاهُ بَعضهم بالشين الْمُعْجَمَة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى الْقُوَّة:
وَمثله فِي اخْتِلَاف الرِّوَايَة قَول عُرْوَة بن أذينة:
(لقد علمت وَمَا الْإِسْرَاف من خلقي ... إِن الَّذِي هُوَ رِزْقِي سَوف يأتيني)
فروى أَكْثَرهم لَفْظَة الْإِسْرَاف بِالسِّين المغفلة، وَرَوَاهُ بَعضهم بالشين الْمُعْجَمَة، ليَكُون مَعْنَاهَا التطلع إِلَى الشَّيْء والاستشراف لَهُ، وَهُوَ اخْتِيَار المرتضى أبي الْقَاسِم الموسوي ﵀.
وَلِهَذَا الْبَيْت حِكَايَة تحث على استشعار الْيَقِين، وإعلاق الأمل بالخالق دون المخلوقين فجنحته بهَا تحلية لعاطله، ومنبهة على صدق قَائِله، وَهِي مَا رويته من عدَّة طرق أَن عُرْوَة هَذَا وَفد على هِشَام بن عبد الْملك فِي جمَاعَة من الشُّعَرَاء فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ عرف عُرْوَة فَقَالَ لَهُ: أَلَسْت الْقَائِل:
(لقد علمت وَمَا الْإِسْرَاف من خلقي ... إِن الَّذِي هُوَ رِزْقِي سَوف يأتيني)
(أسعى لَهُ فيعنيني تطلبه ... وَلَو أَقمت أَتَانِي لَا يعنيني)
وأراك قد جبت تضرب من الْحجاز إِلَى الشأم فِي طلب الرزق: فَقَالَ لَهُ: لقد وعظت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فبالغت فِي الْوَعْظ، واذكرت مَا انسانيه الدَّهْر.
وَخرج من فوره
стр. 154
إِلَى رَاحِلَته فركبها، ثمَّ نَصهَا رَاجعا نَحْو الْحجاز.
فَمَكثَ هِشَام يَوْمه غافلا عَنهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل تعار على فرَاشه، فَذكره وَقَالَ فِي نَفسه: رجل من قُرَيْش قَالَ حِكْمَة، ووفد إِلَيّ فجبهته ووددته عَن حَاجته، وَهُوَ مَعَ هَذَا شَاعِر لَا آمن مَا يَقُول.
فَلَمَّا اصبح سَأَلَ عَنهُ، فَأخْبر بانصرافه.
فَقَالَ: لَا جرم ليعلمن أَن الرزق سيأتيه، ثمَّ دَعَا بمولى وَأَعْطَاهُ ألفي دِينَار، وَقَالَ لَهُ: الْحق بِهَذِهِ ابْن أذينة فأعطه إِيَّاهَا.
قَالَ: فَلم أدْركهُ إِلَّا وَقد دخل بَيته، فقرعت الْبَاب عَلَيْهِ، فَخرج فأعطيته المَال، فَقَالَ: أبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ السَّلَام، وَقل لَهُ: كَيفَ رَأَيْت قولي، سعيت فأكديت، وَرجعت إِلَى بَيْتِي فَأَتَانِي فِيهِ الرزق.
وَمِمَّا يرْوى أَيْضا بِهَذَيْنِ الحرفين قَول أبي بكر بن دُرَيْد فِي مقصورته:
(أرمق الْعَيْش على برض فَإِن ... رمت ارتشافا رمت صَعب المنتسى)
فَمن رَوَاهُ بِالسِّين الْمُهْملَة فَمَعْنَاه المبتعد واشتقاقه من أنسأ الله أَجله، أَي باعده، وَمن رَوَاهُ بالشين الْمُعْجَمَة، فَمَعْنَاه استقصاء الشّرْب بالمشافير.
[١٢٣] وَيَقُولُونَ فِي جَوَاب من قَالَ: سَأَلت عَنْك: سَأَلَ عَنْك الْخَيْر فيستحيل الْمَعْنى بِإِسْنَاد الْفِعْل إِلَيْهِ، لِأَن الْخَيْر إِذا سَأَلَ عَنهُ فَكَأَنَّهُ جَاهِل بِهِ أَو متناه عَنهُ، وصواب القَوْل: سُئِلَ عَنْك الْخَيْر، أَي كَانَ من الْمُلَازمَة لَك والاقتران بك بِحَيْثُ يسْأَل عَنْك .
стр. 155
[١٢٤] وَيَقُولُونَ للمتشبع بِمَا لَيْسَ عِنْده: مطرمذ وَبَعْضهمْ يَقُول: طرمذار، كَمَا قَالَ بعض الْمُحدثين:
(لَيْسَ للحاجات إِلَّا ... من لَهُ وَجه وقاح)
(ولسان طرمذار ... وغدو ورواح)
(إِن تكن أَبْطَأت الْحَاجة ... عني والسراح)
(فعليّ السَّعْي فِيهَا ... وعَلى الله النجاح)
وَالصَّوَاب فِيهِ: طرماذ على مَا حَكَاهُ أَبُو عمر الزَّاهِد فِي كتاب اليواقيت، وَأنْشد عَلَيْهِ لبَعض الرجاز:
(سلمت فِي يومي على معَاذ ... سَلام طرماذ على طرماذ)
[١٢٥] وَيَقُولُونَ للاثنين: هاتا بِمَعْنى أعطيا، فيخطئون فِيهِ، لِأَن هاتا اسْم للْإِشَارَة إِلَى المؤنثة الْحَاضِرَة، وَعَلِيهِ قَول عمرَان بن حطَّان:
(وَلَيْسَ لعيشنا هَذَا مهاة ... وَلَيْسَت دَارنَا هاتا بدار)
(وان قُلْنَا لَعَلَّ بهَا قرارا ... فَمَا فِيهَا لحي من قَرَار)
وَالصَّوَاب أَن يُقَال لَهما: هاتيا بِكَسْر التَّاء لِأَن الْعَرَب تَقول للْوَاحِد الْمُذكر
стр. 156
هَات بِكَسْر التَّاء، وللجمع: هاتوا، لَا كَمَا تَقول الْعَامَّة: هاتم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ .
وَيَقُولُونَ للمؤنث: هَاتِي ولجماعة الْإِنَاث هَاتين، وَتقول للاثنين من الْمُذكر والمؤنث: هاتيا من غير أَن يفرقُوا فِي الْأَمر لَهما، كَمَا لم يفرقُوا بَينهمَا فِي ضمير الْمثنى فِي مثل قَوْلك: غلامهما وضربهما، وَلَا فِي عَلامَة التَّثْنِيَة الَّتِي فِي قَوْلك: الزيدان والهندان، وَكَانَ الأَصْل فِي هَات آتٍ الْمَأْخُوذ من أَتَى، أَي أعْط، قلبت الْهمزَة هَاء، كَمَا قلبت فِي أرقت المَاء، وَفِي إياك فَقيل: هرقت وهياك.
وَفِي ملح الْعَرَب أَن رجلا قَالَ لإعرابي: هَات، فَقَالَ: وَالله مَا أهاتيك، أَي أُعْطِيك.
[١٢٦] وَيَقُولُونَ: رَأَيْت الْأَمِير وَذَوِيهِ، فيوهمون فِيهِ لِأَن الْعَرَب لم تنطق بِذِي الَّذِي بِمَعْنى صَاحب إِلَّا مُضَافا إِلَى اسْم جنس، كَقَوْلِك: ذُو مَال وَذُو نوال، فَأَما
стр. 157
إِضَافَته إِلَى الْأَعْلَام وَإِلَى أَسمَاء الصِّفَات المشتقة من الْأَفْعَال فَلم يسمع فِي كَلَامهم بِحَال، وَلِهَذَا لحن من قَالَ: ﷺ على نبيه مُحَمَّد وَذَوِيهِ، فَكَمَا لم يَقُولُوا: ذَوُو نَبِي لَا ذَوُو أَمِير، وَقصرُوا ذَا على إِضَافَته إِلَى الْجِنْس، وَلِهَذَا لم يرفع السَّبَب لِأَنَّهُ لَيْسَ بمشتق من فعل، فيرفع كَمَا ترفع الْأَفْعَال، فَلَا يجوز أَن يُقَال: مَرَرْت بِرَجُل ذِي مَال أَبوهُ، فَإِن أردْت تَصْحِيح هَذَا الْكَلَام جعلت الْجُمْلَة مُبْتَدأ بِهِ فَقلت: مَرَرْت بِرَجُل ذُو مَال أَبوهُ، فَيصح حِينَئِذٍ الْكَلَام، لِأَن النكرَة تخْتَص بِأَن تُوصَف بِالْجُمْلَةِ.
[١٢٧] يَقُولُونَ: الْحَوَامِل تطلقن والحادثات تطرقن، فيغلطون فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يجمع فِي هَذَا الْقَبِيل بَين تَاء المضارعة وَالنُّون، الَّتِي هِيَ ضمير الْفَاعِل، وَوجه الْكَلَام أَن يلفظ فِيهِ بياء المضارعة الْمُعْجَمَة بِاثْنَتَيْنِ من تَحت، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿تكَاد السَّمَاوَات يتفطرن مِنْهُ﴾ وعَلى هَذَا يُقَال: الغواني يمزحن والنوق يسرحن .
وَفِيمَا يحْكى أَن مُطِيع بن اياس وَيحيى بن زِيَاد وحمادا الراوية كَانُوا يشربون ذَات يَوْم، وَمَعَهُمْ نديم لَهُم، فبدرت مِنْهُ فلتة، فَخَجِلَ ونهض، وَلم يعد إِلَيْهِم، وَغَابَ أَيَّامًا عَنْهُم، فَكتب إِلَيْهِ مُطِيع بن اياس:
(أَمن قلُوص غَدَتْ لم يؤذها أحد ... إِلَّا تذكرها بالرمل أوطانا)
(خَان العقال لَهَا فانبت إِذْ نفرت ... وَإِنَّمَا الذَّنب فِيهَا للَّذي خَانا)
(أوليتنا مِنْك هجرانا ومقلية ... وَلم تزرنا كَمَا قد كنت تغشانا)
(خفض عَلَيْك فَمَا فِي النَّاس ذُو إبل ... إِلَّا وأينقه يشردن أَحْيَانًا)
стр. 158
[١٢٨] وَيَقُولُونَ: شلت الشَّيْء، فيعدون اللَّازِم بِغَيْر حرف التَّعْدِيَة، وَوجه الْكَلَام أَن يُقَال: أشلت الشَّيْء، أَو شلت بِهِ، فيتعدى بِهَمْزَة النَّقْل أَو بِالْبَاء كَمَا تَقول الْعَرَب: شالت النَّاقة بذنبها، وأشالت ذنبها، والشائل عِنْدهم هُوَ الْمُرْتَفع، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(يَا قوم من يعْذر فِي عجرد ... الْقَاتِل الْمَرْء على الدانق)
(لما رأى ميزاته شائلا ... وجاه بَين الْأذن والعاتق)
وَحكى ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: حضرت أَبَا عُبَيْدَة فِي بعض الْأَيَّام، فَأَخْطَأَ فِي موضِعين: فَقَالَ: شلت الْحجر، وَإِنَّمَا هُوَ: شلت بِضَم الشين ثمَّ أنْشد:
(شلت يدا فارية فرتها
)
فضم الشين، إِنَّمَا هُوَ بِالْفَتْح.
وَذكر بعض مَشَايِخ أهل اللُّغَة أَن من أفحش مَا تلحن فِيهِ الْعَامَّة قَوْلهم: شال الطير ذَنبه لأَنهم يلحنون فِيهِ ثَلَاث لحنات، إِذْ وَجه القَوْل: أشال الطَّائِر ذناباه.
ذكر أَبُو عمر الزَّاهِد أَن أَصْحَاب الحَدِيث يخطئون فِي لَفْظَة ثلاثية فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، فَيَقُولُونَ فِي حراء (اسْم الْجَبَل) حرى فيفتحون الْحَاء وَهِي مَكْسُورَة، ويكسرون
стр. 159
الرَّاء وَهِي مَفْتُوحَة ويقصرون الْألف وَهِي ممدودة وحراء مِمَّا صرفته الْعَرَب وَلم تصرفه.
[١٢٩] وَيَقُولُونَ لمن تنَاول شَيْئا: هَا، بقصر الْألف فيلحنون فِيهِ لِأَن الْألف ممدودة كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: الذَّهَب بِالذَّهَب رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء وَيجوز فِيهِ فتح الْهمزَة وَكسرهَا مَعَ مد الْألف فِي كلتيهما، وَلَا تقصر هَذِه الْألف إِلَّا إِذا اتَّصَلت بهَا كَاف الْخطاب، فَيُقَال: هاك، كَمَا يرْوى أَن عليا ﵁ آب إِلَى فَاطِمَة من بعض مَوَاطِن الْحَرْب وسيفه يقطر من الدَّم، فَقَالَ:
(أفاطم هاك السَّيْف غير مذمم
)
وَعند النَّحْوِيين أَن الْمدَّة فِي قَوْلك.
هَاء جعلت بَدَلا من كَاف الْخطاب، لِأَن أصل وَضعهَا أَن تقرن بهَا كَاف الْخطاب.
стр. 160
[١٣٠] وَيَقُولُونَ: حسد حاسدك بِضَم الْحَاء، فيعكسون المُرَاد بِهِ، ويجعلون الْمَدْعُو عَلَيْهِ مدعوا لَهُ، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: حسد حاسدك، بِفَتْح الْحَاء، أَي لَا أَنْفك حسودا وَلَا زلت محسودا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّاعِر فِي قَوْله:
(إِن يحسدوني فَإِنِّي غير لائمهم ... قبلي من النَّاس أهل الْفضل قد حسدوا)
(فدام لي وَلَهُم مَا بِي وَمَا بهم ... وَمَات أكثرنا غيظا بِمَا يجد)
[١٣١] وَيَقُولُونَ أعطَاهُ الْبشَارَة، وَالصَّوَاب فِيهِ ضم الْبَاء لِأَن الْبشَارَة بِكَسْر الْبَاء مَا بشرت بِهِ، وَبِضَمِّهَا حق مَا يعْطى عَلَيْهَا، فَأَما الْبشَارَة بِفَتْح الْبَاء فَإِنَّهَا الْجمال، وَمِنْه قَوْلهم: فلَان بشير الْوَجْه، أَي حسنه، وَعند أَكْثَرهم أَن لَفْظَة بَشرته لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي الْإِخْبَار بِالْخَيرِ، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل قد تسْتَعْمل فِي الْإِخْبَار بِالشَّرِّ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ:
стр. 161
﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ وَالْعلَّة فِيهِ أَن الْبشَارَة، إِنَّمَا سميت بذلك لاستبانة تَأْثِير خَبَرهَا فِي بشرة المبشر بهَا، وَقد تَتَغَيَّر الْبشرَة للمساءة بالمكروه، كَمَا تَتَغَيَّر عِنْد المسرة بالمحبوب، إِلَّا أَنه إِذا أطلق لَفظهَا وَقع على الْخَيْر كَمَا أَن النذارة تكون عِنْد إِطْلَاق لَفظهَا فِي الشَّرّ، وعَلى ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ .
ونظيرها لَفْظَة وعد تسْتَعْمل فِي الْخَيْر كَمَا قَالَ عز اسْمه: ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض﴾ ، وتستعمل أَيْضا فِي الشَّرّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿النَّار وعدها الله الَّذين كفرُوا﴾ ، فَإِن أطلق لَفْظَة الْوَعْد أَو لفظ وعد انْصَرف إِلَى الْخَيْر، كَمَا تَقول الْعَرَب فِي الشّجر المورق: شجر وَاعد، تومئ إِلَى أَنه وعد بالإثمار، وكقولهم فِي الْمثل: أنْجز حر مَا وعد، فَأَما الْوَعيد والإيعاد فَلَا يستعملان إِلَّا فِي الشَّرّ كَقَوْل الشَّاعِر:
(وَإِنِّي وان أوعدته أَو وعدته ... لمخلف ايعادي ومنجز موعدي)
ونقيض لَفْظَة الْبشَارَة لَفْظَة المأتم، يتَوَهَّم أَكثر الْخَاصَّة أَنَّهَا مجمع المناحة، وَهِي
стр. 162
عِنْد الْعَرَب النِّسَاء يجتمعن فِي الْخَيْر وَالشَّر بِدلَالَة قَول الشَّاعِر:
(رمته أَنَاة من ربيعَة عَامر ... نؤوم الضُّحَى فِي مأتم أَي مأتم)
أَي فِي نسَاء أَي نسَاء، ويروي أَي مأتم بِالرَّفْع على حذف الْخَبَر، وَيكون تَقْدِير الْكَلَام أيّ مأتم هُوَ.
[١٣٢] وَيَقُولُونَ تَفَرَّقت الْأَهْوَاء والآراء، وَالِاخْتِيَار فِي كَلَام الْعَرَب أَن يُقَال فِي مثله: افْتَرَقت، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر: تفترق أمتِي كَذَا وَكَذَا فرقة أَي تخْتَلف، فَأَما لَفْظَة التَّفَرُّق فتستعمل فِي الْأَشْخَاص والأجسام فَإِذا قيل: إِن لزيد ثَلَاثَة اخوة مُتَفَرّقين، كَانَ الْمَعْنى أَن كل وَاحِد مِنْهُم ببقعة، وان قيل فِي وَصفهم: مفترقين كَانَ الْمَعْنى أَن أحدهم لِأَبِيهِ وَأمه وَالْآخر لِأَبِيهِ، وَالثَّالِث لأمه، وَكَذَلِكَ يُقَال: فرق بتَشْديد الرَّاء فِيمَا كَانَ من قبيل الْجمع، وَفرق بِالتَّخْفِيفِ فِيمَا يُرَاد بِهِ التَّمْيِيز كَقَوْلِك: فرق بَين الْحق وَالْبَاطِل والحالي والعاطل .
[١٣٣] وَيَقُولُونَ فِي مصدر ذكر الشَّيْء: تذكار بِكَسْر التَّاء، وَالصَّوَاب فتحهَا، كَمَا تفتح فِي تسآل وتسيار وتسكاب وتهيام، وَعَلِيهِ قَول كثير عزة:
(وَإِنِّي وتهيامي بعزة بَعْدَمَا ... تخليت مِمَّا بَيْننَا وتخلت)
(لكا لمرتجي ظلّ الغمامة كلما ... تبوأ مِنْهَا للمقيل اضمحلت)
стр. 163
وَذكر أهل الْعَرَبيَّة أَن جَمِيع المصادر الَّتِي جَاءَت على تفعال هِيَ بِفَتْح التَّاء إِلَّا مصدرين: تبيان، وتلقاء، وَقَالَ بَعضهم: تنضال أَيْضا.
وَأما أَسمَاء الْأَجْنَاس وَالصِّفَات فقد جَاءَت مِنْهَا عدَّة أَسمَاء على تفعال بِكَسْر التَّاء: تجفاف، وتمثال وتمساح وتقصار، وَهِي المخنقة القصيرة، وتمراد، وَهُوَ بَيت صَغِير يتَّخذ للحمام، وَرجل تيتاء، وَهُوَ العذيوط وتبراك، وتعشار، وترباع، وَهِي أَسمَاء أمكنة.
وَقَالُوا: مر تهواء من اللَّيْل بِمَعْنى هوى، وَرجل تنبال، أَي قصير، وتلعاب أَي كثير اللّعب، وتلقام، أَي سريع اللقم.
وَقَالُوا أَيْضا: نَاقَة تضراب، إِذا ضربهَا الْفَحْل، وثوب تلفاق، أَي لفقان.
[١٣٤] وَيَقُولُونَ للقائم: اجْلِسْ، وَالِاخْتِيَار على مَا حَكَاهُ الْخَلِيل بن أَحْمد أَن يُقَال لمن كَانَ قَائِما: اقعد، وَلمن كَانَ نَائِما أَو سَاجِدا: اجْلِسْ، وَعلل بَعضهم لهَذَا الِاخْتِيَار، بَان الْقعُود هُوَ الِانْتِقَال من علو إِلَى سفل، وَلِهَذَا قيل لمن أُصِيب بِرجلِهِ: مقْعد، وَأَن الْجُلُوس هُوَ الِانْتِقَال من سفل إِلَى علو، وَمِنْه سميت نجد جلسا لارتفاعها وَقيل لمن أَتَاهَا: جَالس، وَقد جلس، وَمِنْه قَول عمر بن عبد الْعَزِيز للفرزدق .
(قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... ان كنت تَارِك مَا أَمرتك فاجلس)
стр. 164
أَي اقصد نجدا.
وَمُوجب هَذَا الْبَيْت أَن عمر بن عبد الْعَزِيز لما كَانَ واليا على الْمَدِينَة قَالَ للفرزدق: إِن كنت تلْزم العفاف وَإِلَّا فَاخْرُج إِلَى نجد، فان الْمَدِينَة لَيست بدار مقامة لَك.
وَحكى أَبُو عبد الله بن خالويه قَالَ: دخلت يَوْمًا على سيف الدولة بن حمدَان، فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ قَالَ لي: اقعد وَلم يقل: اجْلِسْ، فتبينت بذلك اعتلاقه بأهداب الْأَدَب، واطلاعه على أسرار كَلَام الْعَرَب.
[١٣٥]- وَيَقُولُونَ فِي جَوَاب من مدح رجلا أَو ذمه: نعم من مدحت، وَبئسَ من ذممت، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: نعم الرجل من مدحت، وَبئسَ الشَّخْص من ذممت، كَمَا قَالَ عَمْرو بن معدي كرب، وَقد سُئِلَ عَن قومه: نعم الْقَوْم قومِي عِنْد السَّيْف المسلول، وَالْمَال المسؤول .
وَيكون تَقْدِير الْكَلَام فِي قَوْلك: نعم الرجل زيد، أَي الممدوح من الرِّجَال زيد.
وَقد يجوز أَن يقْتَصر على ذكر الْجِنْس ويضمر الْمَقْصُود بالمدح والذم اكْتِفَاء بتقدم ذكره فَيُقَال: نعم الرجل وَبئسَ العَبْد، كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان نعم العَبْد﴾ ، أَي نعم العَبْد سُلَيْمَان، فَحذف اسْمه لتقدم ذكره وَعلم الْمُخَاطب بِهِ، وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن نعم وَبئسَ فعلان وضعا للمدح والذم بعد مَا نقلا عَن أصليهما، وهما النعم والبؤس، وفاعلهما لَا يكون إِلَّا مُعَرفا بِالْألف وَاللَّام اللَّتَيْنِ هما للْجِنْس، أَو مَا أضيف إِلَى مَا هما فِيهِ، كَقَوْلِك: نعم الرجل زيد، وَنعم صَاحب الْعَشِيرَة عَمْرو، أَو يضمر هَذَا الِاسْم على أَن تفسره نكرَة من جنسه، فينصب على
стр. 165
التَّمْيِيز كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿بئس للظالمين بَدَلا﴾ ، أَي بئس الْبَدَل بَدَلا، فأضمره وَفَسرهُ بالنكرة المنصوبة من جنسه، وَمنع أهل الْعَرَبيَّة أَن يكون فَاعل هذَيْن الْفِعْلَيْنِ مَخْصُوصًا، وَلِهَذَا لم يجيزوا أَن يُقَال: نعم زيد وَلَا نعم أَبُو عَليّ حَتَّى يُقَال: نعم الرجل زيد، وَنعم الرجل أَبُو عَليّ، وَيكون تَقْدِير الْكَلَام: الممدوح فِي الرِّجَال زيد، وَإِنَّمَا جوز نعم مَا صنعت، لدلَالَة الْفِعْل الْمَوْجُود على الِاسْم الْمَحْذُوف، إِذْ تَقْدِير الْكَلَام نعم الْفِعْل مَا فعلت، فَكَأَن الضَّمِير الْمَحْذُوف بِمَنْزِلَة المتلفظ بِهِ.
وَمنع عَليّ بن عِيسَى الربعِي من جَوَاز ذَلِك، وَقَالَ: تَصْحِيح الْكَلَام: نعم مَا مَا فعلت، لتَكون مَا الأولى بِمَعْنى شَيْء، كَمَا أَنَّهَا فِي التَّعَجُّب بِمَعْنَاهُ، وَيصير تَقْدِير الْكَلَام: نعم شَيْء شَيْئا صنعت، فيناسب قَوْلهم: نعم رجلا زيد.
وَكَذَلِكَ امْتَنعُوا أَن يَقُولُوا: نعم هَذَا الرجل لِأَن الرجل هَاهُنَا صفة لهَذَا، وَاللَّام فِيهِ لتعريف الْإِشَارَة وَالْخُصُوص، وَمن شريطة لَام التَّعْرِيف الدَّاخِلَة على فَاعل نعم وَبئسَ أَن تكون للْجِنْس الْمُحِيط بِالْعُمُومِ، فَتكون مَعَ إِفْرَاد لَفظهَا فِي معنى الْجمع، كاللام الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ ، أَي إِن النَّاس، بِدَلِيل أَنه تَعَالَى اسْتثْنى مِنْهُم ﴿الَّذين آمنُوا﴾ ، وَلَا يجوز استنثاء الْجمع من الْمُفْرد.
стр. 166
وَعند قوم أَن وضع نعم وَبئسَ للاقتصار فِي الْمَدْح والذم، وَلَيْسَ كَذَلِك بل وضعهما للْمُبَالَغَة، أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي تمجيد ذَاته وتعظيم صِفَاته: ﴿واعتصموا بِاللَّه هُوَ مولاكم فَنعم الْمولى وَنعم النصير﴾ وَإِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ فِي صفة النَّار توعد بهَا الْكفَّار: ﴿ومأواهم جَهَنَّم وَبئسَ المهاد﴾ .
وَحكى أَبُو الْقَاسِم بن برهَان النَّحْوِيّ أَنه كَانَ لِشَرِيك بن عبد الله النَّخعِيّ جليس من بني أُميَّة فَذكر شريك فِي بعض الْأَيَّام فَضَائِل عليّ رضوَان الله عَلَيْهِ، فَقَالَ ذَلِك الْأمَوِي: نعم الرجل عليّ، فأغضبه ذَلِك، وَقَالَ لَهُ: ألعليّ يُقَال: نعم الرجل فَأمْسك حَتَّى سكن غَضَبه، ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الله، ألم يقل الله تَعَالَى فِي الْإِخْبَار عَن نَفسه: ﴿فقدرنا فَنعم القادرون﴾ ، وَقَالَ فِي أَيُّوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نعم العَبْد إِنَّه أواب﴾ ، وَقَالَ فِي سُلَيْمَان ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان نعم العَبْد إِنَّه أواب﴾ ، أَفلا ترْضى لعَلي بِمَا رَضِي الله تَعَالَى لنَفسِهِ ولأنبيائه فَتنبه شريك عِنْد ذَلِك لوهمه، وزادت مكانة ذَلِك الْأمَوِي من قلبه.
[١٣٦]- وَيَقُولُونَ لضد الذّكر: النسْيَان بِفَتْح النُّون وَالسِّين فيوهمون فِيهِ، لِأَن النسْيَان تَثْنِيَة النسا، وَهُوَ الْعرق الَّذِي فِي الْفَخْذ، فَأَما الْمصدر من نسي فَهُوَ النسْيَان على وزن فعلان مثل الْعرْفَان والكتمان، فَإِن جَاءَت مصَادر فِي كَلَام الْعَرَب على فعلان بِفَتْح الْفَاء وَالْعين، فَهِيَ مِمَّا يخْتَص بالحركة وَالِاضْطِرَاب، كالوخدان والذملان واللمعان والضربان .
وَمن غَرِيب مَا جَاءَ على فعلان قَوْلهم فِي جمع كروان: كروان
стр. 167
كَمَا قَالَ ذُو الرمة.
(من آل أبي مُوسَى ترى الْقَوْم حوله ... كَأَنَّهُمْ الكروان أبصرن بازيا)
وَذكر بَعضهم أَنه يجمع صَفْوَان على صَفْوَان، وَهُوَ من الشاذ.
[١٣٧]- وَيَقُولُونَ: هُوَ بَين ظهرانيهم بِكَسْر النُّون، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: بَين ظهرانيهم، بِفَتْح النُّون، وَأَجَازَ أَبُو حَاتِم أَن يُقَال: بَين ظهريهم .
وَحكى الْفراء قَالَ: قَالَ أَعْرَابِي وَنحن فِي حَلقَة يُونُس بن حبيب بِالْبَصْرَةِ: أَيْن مسكنك فَقلت: الْكُوفَة، فَقَالَ لي: يَا سُبْحَانَ الله هَذِه بَنو أَسد بَين ظهرانيكم وَأَنت تطلب اللُّغَة بِالْبَصْرَةِ قَالَ: فاستفدت من كَلَامه فائدتين: إِحْدَاهمَا أَنه قَالَ: هَذِه، وَلم يقل: هَؤُلَاءِ، لِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْقَبِيلَة فأنث، وَالثَّانيَِة أَنه قَالَ: ظهرانيكم بِفَتْح النُّون وَلم يقل بِكَسْرِهَا.
ويحكى أَن المغربي وقف على الْجُنَيْد فَسَأَلَهُ عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿سنقرئك فَلَا تنسى﴾ ، فَقَالَ: سنقرئك التِّلَاوَة فَلَا تنس الْعَمَل بِهِ، ثمَّ سَأَلَهُ عَن قَوْله : ﴿ودرسوا مَا فِيهِ﴾ فَقَالَ: تركُوا الْعَمَل بِهِ، فَقَالَ: حرجت أمة أَنْت بَين ظهرانيها لَا تفوض أمرهَا إِلَيْك.
стр. 168
[١٣٨] وَيَقُولُونَ: دخلت الشأم، وَهُوَ غلط قَبِيح وَخطأ صَرِيح، لِأَن اسْم الْبَلَد الشأم، وَلَفظه مُذَكّر وَالدَّلِيل على هذَيْن الْأَمريْنِ قَول الشَّاعِر:
(يَقُولُونَ إِن الشأم يقتل أَهله
فَمن لي إِن لم آته بخلود
وَيجوز فِي الْمَنْسُوب إِلَيْهِ ثَلَاثَة أوجه: شأمي وَهُوَ الْقيَاس، وشآمي بياء مُخَفّفَة مثل يَاء المنقوص، وشآمي وَهُوَ شَاذ لِأَنَّهُ يصير بِمَنْزِلَة الْمَنْسُوب إِلَى الْمَنْسُوب، وَكَذَلِكَ جوز فِي الْمَنْسُوب إِلَى الْيمن هَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة، وعَلى الشاذ مِنْهَا قَول عمر بن أبي ربيعَة:
(إِنِّي أتيحت لي يَمَانِية ... إِحْدَى بني الْحَارِث من مذْحج)
[١٣٩] وَيَقُولُونَ: قدم الْحَاج وَاحِدًا وَاحِدًا، واثنين اثْنَيْنِ، وَثَلَاثَة ثَلَاثَة، وَأَرْبَعَة أَرْبَعَة، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِي مثله: جَاءُوا أحاد وثناء وَثَلَاث وَربَاع، أَو يُقَال: جاؤوا موحد ومثنى ومثلث ومربع، لِأَن الْعَرَب عدلت بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ إِلَى هَذِه الصِّيَغ لتستغني بهَا
стр. 169
عَن تَكْرِير الِاسْم، وَيدل مَعْنَاهَا على مَا يدل مَجْمُوع الاسمين عَلَيْهِ، وَلِهَذَا امْتنع أَن يَقُولُوا للْوَاحِد: هَذَا أحاد وللاثنين: هما مثنى، وَلم يمتنعوا عَن ذَلِك إِلَّا لزِيَادَة معنى فِي أحاد على وَاحِد، وَفِي ثَنَاء على اثْنَيْنِ.
وَفسّر قَوْله تَعَالَى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ أَي لينكح كل مِنْكُم مَا طَابَ لَهُ من النِّسَاء إِن شَاءَ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، أَو ثَلَاثًا ثَلَاثًا، أَو أَرْبعا أَرْبعا وَلَيْسَ انعطاف بعض هَذِه الْأَعْدَاد على بعض انعطاف جمع، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿جَاعل الْمَلَائِكَة رسلًا أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ .
أَي مِنْهُم من لَهُ جَنَاحَانِ وَمن لَهُ ثَلَاثَة أَجْنِحَة، وَمن لَهُ أَرْبَعَة.
وَقد اخْتلف أهل الْعَرَبيَّة فِيمَا نطقت بِهِ الْعَرَب من هَذَا الْبناء، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: أَنهم لم يتجاوزوا رباع إِلَّا إِلَى صِيغَة عشار لَا غير، كَمَا جَاءَ فِي شعر الْكُمَيْت:
(فَلم يستر يثوك حَتَّى رميت ... فَوق النصال خِصَالًا عشارا)
وروى خلف الْأَحْمَر أَنهم صاغوا هَذَا الْبناء منسقا إِلَى عشار، وَأنْشد عَلَيْهِ مَا عزي إِلَى أَنه مَوْضُوع فِيهِ:
(قل لعَمْرو: يَا بن هِنْد ... لَو رَأَيْت الْيَوْم شنا)
(لرأت عَيْنَاك مِنْهُم ... كل مَا كنت تمنى)
(إِذْ أتتنا فيلق شهباء ... من هُنَا وَهنا)
(وَأَتَتْ دوسر والملحاء ... سيرا مطمئنا)
وَمَشى الْقَوْم إِلَى الْقَوْم
آحادا وَأثْنى)
стр. 170
(وَثَلَاثًا ورباعا ... وخماسا فأطعنا)
(وسداسا وسباعا ... وثمانا فاجتلدنا)
(وتساعا وعشارا ... فأصبنا وأصبنا)
(لَا ترى إِلَّا كميا ... قَاتلا مِنْهُم وَمنا)
وَقد عيب على أبي الطّيب قَوْله:
(آحَاد أم سداس فِي احاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد)
وَنسب إِلَى أَنه وهم فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع فِي هَذَا الْبَيْت: أَحدهَا أَنه أَقَامَ احاد مقَام وَاحِدَة، وسداس مقَام سِتّ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أليلتنا هَذِه وَاحِدَة أم وَاحِدَة فِي سِتّ والموضع الثَّانِي أَنه عدل بِلَفْظَة سِتّ إِلَى سداس وَهُوَ مَرْدُود عِنْد أَكثر أهل اللُّغَة، الْموضع الثَّالِث أَنه صغر لَيْلَة على لييلة، والمسموع فِي تصغيرها: لييلية، وَالرَّابِع أَنه نَاقض كَلَامه، لِأَنَّهُ كنى بتصغير اللَّيْلَة عَن قصرهَا، ثمَّ عقب تصغيرها بَان وصفهَا بالامتداد إِلَى التناد.
стр. 171
[١٤٠] وَيَقُولُونَ لما يتعجل من الزروع وَالثِّمَار: هرف، وَهِي من أَلْفَاظ الأنباط ومفاضح الأغلاط، وَالصَّوَاب أَن يُقَال فِيهِ: بكر، لِأَن الْعَرَب تَقول لكل مَا يتَقَدَّم على وقته: بكر، فَيَقُولُونَ: بكر الْحر وَبكر الْبرد وبكرت النَّخْلَة، إِذا أثمرت أول مَا تثمر النّخل فَهِيَ بكور، وَالثَّمَرَة المعجلة باكورة .
وَيَقُولُونَ أَيْضا فِي كل شَيْء يخف فِيهِ فَاعله ويعجل إِلَيْهِ: قد بكر إِلَيْهِ، وَلَو أَنه فعل ذَلِك آخر النَّهَار أَو فِي أثْنَاء اللَّيْل، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: عجل.
قد يسْتَعْمل بكر بِمَعْنى عجل، يدل عَلَيْهِ قَول ضَمرَة ابْن ضَمرَة النَّهْشَلِي.
(بكرت تلومك بعد وَهن فِي الدجى ... بسل عَلَيْك ملامتي وعتابي)
أَرَادَ بقوله: بكرت تلومك أَي عجلت، لَا أَنه أَرَادَ بِهِ وَقت البكرة لإفصاحه بِأَنَّهَا لامته فِي اللَّيْل.
وَنَظِير استعمالهم لَفْظَة بكر بِمَعْنى عجل استعمالهم لَفْظَة رَاح بِمَعْنى سارع وخف، وَمِنْه قَوْله ﷺ : من رَاح إِلَى الْجُمُعَة فِي السَّاعَة الأولى فَكَأَنَّمَا قرب بَدَنَة،
стр. 172
أَي من خف إِلَيْهَا إِذْ لَا يجوز إتيانها آخر النَّهَار.
[١٤١] وَيَقُولُونَ عِنْد الحرقة ولذع الْحَرَارَة الممضة أَخ: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة من فَوق، وَالْعرب تنطق بِهَذِهِ اللَّفْظَة بِالْحَاء المغفلة، وَعَلِيهِ فسر قَول عبد الشارق الْجُهَنِيّ:
(فَبَاتُوا بالصعيد لَهُم احاح ... وَلَو خفت لنا الكلمى سرينا)
أَي بَات الكلمى يَقُولُونَ: أح لما وجدوا من حرق الْجِرَاحَات، وحز الكلوم.
وَحكي أَن الْحجَّاج لما نازله شبيب الْخَارِجِي ابرز إِلَيْهِ فِي بعض أَيَّام محاربته غُلَاما لَهُ، فألبسه سلاحه الْمَعْرُوف بِهِ، واركبه فرسه الَّذِي لم يكن يُقَاتل إِلَّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ شبيب غمس نَفسه فِي الْحَرْب إِلَى أَن خلص إِلَيْهِ فَضَربهُ بعمود كَانَ فِي يَده، وَهُوَ يَظُنّهُ الْحجَّاج، فَلَمَّا أحس الغلأام حرارة الضَّرْبَة، قَالَ: أَخ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، فَعلم شبيب بِهَذِهِ اللَّفْظَة مِنْهُ أَنه عبد، فانثنى عَنهُ، وَقَالَ: قبحك الله يَا بن أم الْحجَّاج.
أتتقي الْمَوْت بالعبيد
قَالَ الشَّيْخ الرئيس أَبُو مُحَمَّد ﵀: وَمن الْعَرَب من يَقُول فِي هَذَا الْمَعْنى: حس، كَمَا جَاءَ فِي بعض الْأَخْبَار أَن طَلْحَة ﵁ لما أُصِيبَت إصبعه يَوْم أحد، قَالَ: لَوْلَا أَن طَلْحَة قَالَ: حس لطار مَعَ الْمَلَائِكَة.
وَمن كَلَامهم: ضرب فلَان فَمَا قَالَ: حس وَلَا بس.
وَمِنْهُم من ينونهما، فَأَما قَوْلهم: جِيءَ بِهِ من حسك وبسك، فَالْمُرَاد بِهِ
стр. 173
جِيءَ بِهِ من رفقك وصعوبتك لَان الْحس الِاسْتِقْصَاء، والبس الرِّفْق فِي الْحَلب.
[١٤٢] وَيَقُولُونَ من التأوه: أوه، والأفصح أَن يُقَال: أوه، بِكَسْر الْهَاء وَضمّهَا وَفتحهَا، وَالْكَسْر أغلب، وَعَلِيهِ قَول الشَّاعِر:
(فأوه لذكراها إِذا مَا ذكرتها ... وَمن بعد أَرض بَيْننَا وسماء)
وَقد قلب بَعضهم الْوَاو ألفا فَقَالَ: آه، وشدد بَعضهم الْوَاو واسكن الْهَاء فَقَالَ: أوه.
وَفِيهِمْ من حذف الْهَاء وَكسر الْوَاو فَقَالَ: أَو.
وَقَالَ آخَرُونَ: آواه، بِالْمدِّ وَغَيره، وتصريف الْفِعْل مِنْهَا أوه وتأوه، والمصدر الآهة والآهة، وَمِنْه قَول المثقب الْعَبْدي:
(إِذا مَا قُمْت أرحلها بلَيْل ... تأوه آهة الرجل الحزين)
وَفسّر بَعضهم الاواه بِأَنَّهُ الَّذِي يتأوه من الذُّنُوب، وَقيل: هُوَ المتضرع فِي الدُّعَاء، وَقيل انه الْمُؤمن الموقن.
стр. 174
[١٤٣] وَيَقُولُونَ: لَقيته لقاة وَاحِدَة، فيخطئون فِيهِ، لِأَن الْعَرَب تَقول: لَقيته لقية ولقاءة ولقيانة، اذا ارادوا بِهِ الْمرة الْوَاحِدَة، فَإِن ارادوا الْمصدر قَالُوا: لَقيته لِقَاء ولقيا ولقيانا وَلَقي على وزن هدى، وَعَلِيهِ أنْشد الْكسَائي:
(وَأَن لقاها فِي الْمَنَام وَغَيره ... وان لم تَجِد بالبذل عِنْدِي لرابح)
وأنشدني بعض شُيُوخنَا ﵏ لبَعض الْعَرَب فِي الشيب:
(وَلَوْلَا اتقاء الله مَا قلت مرْحَبًا ... لأوّل شيبات طلعن وَلَا أَهلا)
(وَقد زَعَمُوا حلما لقاك وَلم أرد ... بِحَمْد الَّذِي أَعْطَاك حلما وَلَا عقلا)
[١٤٤] وَيَقُولُونَ: فلَان يكدف، بِمَعْنى يسْتَقلّ مَا أعطي، وَالصَّوَاب فِيهِ يجدف بِالْجِيم، لِأَن التجديف فِي اللُّغَة هُوَ اسْتِقْلَال النِّعْمَة وسترها، وَبِه فسر: لَا تجدفوا بنعم الله تَعَالَى .
стр. 175
ويماثل هَذِه اللَّفْظَة فِي إِبْدَال جيمها كافا قَوْلهم لمن يكثر السُّؤَال: مكد وَأَصله مجد لاشتقاقه من الاجتداء، وَكَانَ الأَصْل فِي المجدي المجتدي فأدغمت التَّاء فِي الدَّال، ثمَّ ألقيت حَرَكَة الْحَرْف المدغم على مَا قبله، كَمَا فعل ذَلِك من قَرَأَ: / < أَمن لَا يهدي إِلَّا أَن يهدي > /، وَالْأَصْل فِيهِ يَهْتَدِي.
[١٤٥] وَيَقُولُونَ: بِالرجلِ عنة وَلَا وَجه لذَلِك، لِأَن الْعنَّة الحظيرة من الْخشب، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: بِهِ عنينة أَو عنانة أَي تعنين، وَأَصله من عنّ، أَي اعْترض، فَكَأَنَّهُ يتَعَرَّض للنِّكَاح وَلَا يقدر عَلَيْهِ، وَالْعرب تسمي الْعنين السريس كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(أَلا حييت عَنَّا يالميس ... عَلَانيَة فقد بلغ النسيس)
(رغبت إِلَيْك كَيْمَا تنكحيني ... فَقلت بِأَنَّهُ رجل سريس)
(وَلَو جربتني فِي ذَاك يَوْمًا ... رضيت وَقلت أَنْت الدردبيس)
стр. 176
[١٤٦] وَيَقُولُونَ لمن يقتبس من الصُّحُف: صحفيّ، مقايسة على قَوْلهم فِي النّسَب إِلَى الْأَنْصَار: أَنْصَارِي، وَإِلَى الْأَعْرَاب أَعْرَابِي، وَالصَّوَاب عِنْد النَّحْوِيين الْبَصرِيين أَن يُوقع النّسَب إِلَى وَاحِدَة الصُّحُف وَهِي صحيفَة، فَيُقَال: صحفيّ، كَمَا يُقَال فِي النّسَب إِلَى حنيفَة: حنفيّ، لأَنهم لَا يرَوْنَ النّسَب إِلَّا إِلَى وَاحِد الجموع، كَمَا يُقَال فِي النّسَب إِلَى الْفَرَائِض: فرضيّ، وَإِلَى المقاريض: مقراضيّ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَجْعَل الْجمع إسما علما للمنسوب إِلَيْهِ، فيوقع النّسَب حِينَئِذٍ إِلَى صيغته، كَقَوْلِهِم فِي النّسَب إِلَى قَبيلَة هوَازن: هوازني، وَإِلَى حَيّ كلاب: كلابي، وَإِلَى مَدِينَة الأنبار: أنباري، وَإِلَى بَلْدَة الْمَدَائِن مدائني .
فَأَما قَوْلهم فِي النّسَب إِلَى الْأَنْصَار أَنْصَارِي فَإِنَّهُ شَذَّ عَن أَصله والشاذ لَا يُقَاس عَلَيْهِ، وَلَا يعْتد بِهِ.
وَأما قَوْلهم فِي النّسَب إِلَى الْأَعْرَاب: أَعْرَابِي فَإِنَّهُم فعلوا ذَلِك لإِزَالَة اللّبْس وَنفي الشُّبْهَة، إِذْ لَو قَالُوا فِيهِ: عَرَبِيّ لاشتبه بالمنسوب إِلَى الْعَرَب، وَبَين المنسوبين فرق ظَاهر لِأَن الْعَرَبِيّ هُوَ الْمَنْسُوب إِلَى الْعَرَب، وَإِن تكلم بلغَة الْعَجم، والأعرابي هُوَ النَّازِل بالبادية، وَإِن كَانَ عجمي النّسَب.
[١٤٧] وَيَقُولُونَ فِي النّسَب أَيْضا إِلَى رامهرمز رامهرمزي، فينسبون إِلَى مَجْمُوع
стр. 177
الاسمين المركبين، وَوجه الْكَلَام أَن ينْسب إِلَى الصَّدْر مِنْهُمَا، فَيُقَال: رامي، لِأَن الِاسْم الثَّانِي من الاسمين المركبين ينزل منزلَة تَاء التَّأْنِيث الَّتِي تقع طارفة، وتلتحق بعد تَمام الْكَلَام، فَوَجَبَ لذَلِك أَن تسْقط فِي النّسَب كَمَا تسْقط تَاء التَّأْنِيث فِيهِ، وعَلى هَذِه الْقَضِيَّة قيل فِي النّسَب إِلَى آذربيجان: آذري، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي بكر ﵁، قَالَ: لتأملن النّوم على الصُّوف الآذري كَمَا يألم أحدكُم النّوم على حسك السعدان.
وَقد رَوَاهُ بَعضهم الأذربي، وَالصَّحِيح الأول.
وَأَجَازَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي أَن ينْسب إِلَى الاسمين جَمِيعًا، وَاحْتج فِيهِ بقول الشَّاعِر:
(تَزَوَّجتهَا رامية هرمزية ... بِفضل الَّذِي أعْطى الْأَمِير من الْوَرق)
وَلم يطابقه على هَذَا القَوْل غَيره بل منع سَائِر النَّحْوِيين مِنْهُ لِئَلَّا تَجْتَمِع علامتا النّسَب فِي الِاسْم الْمَنْسُوب، وحملوا الْبَيْت الَّذِي احْتج بِهِ على الشذوذ.
وَاعْتِرَاض الشاذ لَا ينْقض مباني الْأُصُول، نعم وَعِنْدهم أَنه مَتى وَقع لبس فِي النّسَب إِلَى الِاسْم الْمركب لم ينْسب إِلَيْهِ، ولهذه الْعلَّة منعُوا من النّسَب إِلَى أحد عشر ونظائره إِذْ لَا يجوز النّسَب إِلَى مَجْمُوع الاسمين فَيُقَال: أحد عشريّ، كَمَا تَقول الْعَامَّة فِي النّسَب إِلَى الثَّوْب الَّذِي طوله أحد عشر شبْرًا، وَلَا يجوز أَن ينْسب إِلَى أَوله لاشتباهه
стр. 178
بِالنّسَبِ إِلَى أحد، وَلَا إِلَى الثَّانِي لاشتباهه بِالنّسَبِ إِلَى عشر، فَامْتنعَ النّسَب إِلَيْهِ من كل وَجه.
وَنَظِير هَذَا الْوَهم مِنْهُم، انهم ينسبون إِلَى مَجْمُوع الاسمين المضافين فَيَقُولُونَ فِي النّسَب إِلَى تَاج الْملك ونظائره: التاجملكي، وَقِيَاس كَلَام الْعَرَب أَن ينْسب إِلَى الأول مِنْهُمَا، فَيُقَال: التاجي كَمَا قَالُوا فِي النّسَب إِلَى تيم اللات: تيمي وَإِلَى سعد الْعَشِيرَة: سعدي، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يعْتَرض لبس فِي الْمَنْسُوب فينسب إِلَى الثَّانِي، كَمَا قَالُوا فِي النّسَب إِلَى عبد منَاف: منافي، وَلم يَقُولُوا عَبدِي لِئَلَّا يلتبس بالمنسوب إِلَى عبد الْقَيْس، وَقَالُوا فِي النّسَب إِلَى أبي بكر: بكري، لأَنهم لَو قَالُوا: أَبَوي لاستبهم الْمَنْسُوب إِلَيْهِ، وَقد سلكوا فِي هَذَا النَّوْع أسلوبا آخر، فَرَكبُوا من حُرُوف الاسمين اسْما على وزن جَعْفَر، ونسبوا إِلَيْهِ، وَأكْثر مَا استعملوا ذَلِك فِيمَا أَوله عبد، فَقَالُوا فِي النّسَب إِلَى عبد شمس: عبشمي، وَإِلَى عبد الدَّار عبدري وَإِلَى عبد الْقَيْس: عبقسي، وكل ذَلِك مِمَّا يقصر على السماع، وَلم يقْصد بِهِ إِلَّا الرياضة فِي تصريف الْكَلَام.
[١٤٨] وَيَقُولُونَ لما يغسل بِهِ الرَّأْس: غسلة بِفَتْح الْغَيْن، فيخطئون فِيهِ لِأَن الغسلة بِالْفَتْح كِنَايَة عَن الْمرة الْوَاحِدَة من الْغسْل، فَأَما الغسول فَهُوَ الغسلة بِكَسْر الْغَيْن، وَعَلِيهِ قَول عَلْقَمَة ابْن عَبدة:
(كَأَن غسلة خطميّ بمشفرها ... فِي الخد مِنْهَا وَفِي اللحيين تلغيم)
وَأما الْغسْل فمصدر غسلت وَالِاسْم مِنْهُ الْغسْل بِضَم الْغَيْن، وَأما
стр. 179
الغسلين فَهُوَ مَا يسيل من صديد أهل النَّار.
وَذكر عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: كل مَا فِي الْقُرْآن قد عَلمته إِلَّا أَرْبَعَة أحرف: لَا أَدْرِي مَا الأواه، والحنان - مُخَفّفَة - والغسلين، والرقيم، وَقد فَسرهَا غَيره، فَقَالَ: الحنان الرَّحْمَة، وَمِنْه قَوْلهم: حنانيك، أَي رَحْمَة مِنْك بعد رَحْمَة، وَقَالُوا: الأواه الْكثير التأوه من الذُّنُوب.
وَقيل أَنه المتضرع فِي الدُّعَاء، وَقيل فِيهِ: أَنه الْمُؤمن الموقن، وَفسّر الغسلين على مَا بَيناهُ.
وَقيل فِي الرقيم أَنه الْقرْيَة الَّتِي خرج مِنْهَا أهل الْكَهْف، وَقيل: بل هُوَ اسْم الْكَلْب، وَقيل: بل هُوَ الْوَادي الَّذِي فِيهِ أهل الْكَهْف.
وَذكر الْفراء أَنه لوح من رصاص، كتب فِيهِ أَسمَاؤُهُم وأنسابهم.
[١٤٩] وَيَقُولُونَ: دَابَّة لَا تردف، وَوجه القَوْل: لَا ترادف، أَي لَا تقبل المرادفة، لِأَن مبْنى المفاعلة على الِاشْتِرَاك فِي الْفِعْل، فَهُوَ بِهَذَا الْكَلَام أليق وبالمعنى المُرَاد أعلق، وَالْعرب تَقول: ترادفت الْأَشْيَاء، إِذا تَتَابَعَت، وَأهل الْمعرفَة بالقوافي يسمون الشّعْر الَّذِي تتوالى الْحَرَكَة فِي قافيته المترادف .
وَيُقَال: ردفت زيدا، أَي ركبت خَلفه،
стр. 180
ورادفته، أَي أركبته ورائي، وَإِنَّمَا سمي الردف ردفا لمجاورته الردف، وَهُوَ الْعَجز، وَيُقَال أَيْضا: جمل مرداف، أَي عَلَيْهِ رَدِيف، وَقُرِئَ فِي التَّنْزِيل: ﴿بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ﴾ بِكَسْر الدَّال وَفتحهَا، فَمن كسرهَا أَرَادَ بِهِ متتالين فِي الْعدَد، وَمن فتحهَا أَرَادَ انهم أردفوا بغيرهم من المدد.
[١٥٠] وَيَقُولُونَ: مطرد ومبرد ومبضع ومنجل، كَمَا يَقُولُونَ: مقرعة، ومقنعة، ومنطقة، ومطرقة، فيفتحون الْمِيم من جَمِيع هَذِه الْأَسْمَاء وَهُوَ من أقبح الأوهام وأشنغ معايب الْكَلَام، لِأَن كل مَا جَاءَ على وزن مفعل ومفعلة من الْآلَات المستعملة المتداولة فَهُوَ بِكَسْر الْمِيم كالأسماء الْمَذْكُورَة ونظائرها، وَعَلِيهِ قَول الفرزدق فِي مرثية سائس:
(ليبك أَبَا الخنساء بغل وَبغلة ... ومخلاة سوء قد أضيع شعيرها)
следующие страницы →