← Язык

Язык · id 6936

المزهر في علوم اللغة وأنواعها

الجلال السيوطي

Полный текст (942 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقولهم: رميت بالقوس وإنما يقال: ورميت عن القوس. وقولهم: اشتريت زوج نِعال وإنما يُقال زَوْجي نعال. وقولهم: مِقرَاض ومِقَص وتوأم وإنما يقال: مقرضان ومِقَصَّان وتَوْأَمان. وقال ابن السكيت في الإصلاح والتبريزي في تهذيبه: يقال: غَلَت القدر ولا يقال غليت. وأنشد لأبي الأسود: (من البسيط) (ولا أقول لِقدْر القوم قد غليت ... ولا أقولُ لبابِ الدَّار مَغْلُوق) أخبر أنه فصيح لا يلحن وقول العامة: (غليت) لحنٌ قبيح وكذلك قولهم: باب مغلوق والصواب مُغْلق. وقال ابن السكيت أيضا: تقول: لقيته لقَاءً ولُقْيَانَاً ولُقِيَّاً ولُقًى ولِقْيَانة واحدة ولُقْية ولِقَاءَة واحدة ولا تقل لَقاةً فإنها مولدة ليست من كلام العرب. وقال أيضا: يقال افعلي ذاك زيادة ولا تقل زوادة. وجسبي من كذا بَسّي قال: وقال الأصمعي: تقول: شتَّان ما هما وشتان ما عمرٌو وأخوه ولا تقل: شتان ما بينهما قال: وقول الشاعر: // من الطويل // (لشتَّان ما بين اليَزيْدَين في الندى ... يزيدِ سُلَيمٍ والأغرِّ بن حاتم) ليس بحجة إنما هو مولد والحجة قول الأعشى: // من السريع // (شتَّانَ ما نومي على كُورِها ... ونوم حَيَّانَ أخي جابِر) قال ابنُ السكيت: ومما تضعُه العامةُ في غير موضعه قولهم: خَرجْنا نَتَنَزَّه إذا

стр. 247

خرجوا إلى البساتين وإنما التنزه التباعُد عن المياه والأريافومنه قيل: فلان يتنزه عن الأقذار. قال: وتقول: تعلمت العلم قبل أن يُقْطَع سُرّك وسَرَرك وهو ما يُقْطع من المولود مما يكون متعلقا بالسُّرَّة ولا تقل: قبل أن تُقْطَع سرتك إنما السرة التي تبقى. قال: وتقول: كانا مُتَهاجرين فأصبحا يتكالمان ولا تقل يتكلَّمان. وتقول: هذه عَصَاي وزعم الفراء أن أول لحْن سُمِع بالعراق: هذه عَصَاتي. وتقول: هذه أتان ولا تقل: أتانة. وهذا طائر وأثناه ولا تقُلْ: وأنثاته. وهذه عَجَوز. ولا تَقُلْ: عجوزة. وتقول: الحمد لله إذ كان كذا وكذا ولا يُقال: الحمد لله الذي كان كذا وكذا حتى تقول به أو منه أو بأمره. وفي الصحاح: يقال للمرأة إنسان ولا يُقَال إنْسانة والعامة تقوله. وفي كتاب (ليس) لابْنِ خالويه: العامّةُ تقول: النُّقْل بالضم للَّذي يُتَنَقّلُ به على الشراب وإنما هو النَّقْل بالفتح. ويقولون: سوسن وإنما هو سَوْسَن ويقولون: مُشمشة لهذه الثمرة وإنما هي مِشْمشة. وقال الموفق البغدادي في ذَيْل الفصيح: اللَّحْنُ يتولد في النواحي والأمم بحسب العادات والسيرة فمما تَضَعُه العامةُ في غير مَوْضعه قولهم: قدور بِرَام والبرَام هي القدور واحدها بُرْمة. وقول المتكلمين: المحْسوسات والصواب المحسَّات من أحسَسْتُ الشيء أدركته وكذا قولهم: ذَاتِيَّ والصفات الذاتيَّة مخالفة للأوضاع العربية لأن النسبةَ إلى ذات ذووي. ويقال للسائل: شحاذ ولا يقال بالثاء. وكُرَة ولا يقال أُكْرة. واجترَّ البعير ولا يجوز بالشين. وفي النسبة إلى الشافعي شافعي ولا يجوزُ شفعوي. وفي فلان ذَكا ولا يجوز ذكاوة. والخُبَّازَى والخُبَّازُ ولا يُقال: الخُبَّيْز. وأَرَاني يُرِيني ولا يجوز أوراني. والسَّلْجَم بالسين المهملة ولا يجوز بالمعجمة. وشِرْذِمة وطَبْرَزذ وذحل للحقدكله بالذال المعجمة وهَنُ المرأةِ وحَرُها بالتخفيف والعامَّةُ تشددهما.

стр. 248

النوع الثاني والعشرون معرفة خصائص اللغة من ذلك: أنها أفضل اللغات وأوسعهاقال ابنُ فارس في فقه اللغة: لغةُ العرب أفضل اللغات وأوسعهاقال تعالى: وإنه لتنزيل رب العاملين نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتكُونَ مِنَ المُنْذِرين بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُبِينٍ فوصفه - سبحانه - بأبلغ ما يُوصَف به الكلامُ وهو البيان. وقال تعالى: ﴿خَلَق الإنسانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ فقدَّم - سبحانه - ذِكْرَ البيان على جميع ما توحَّد بخلقه وتفرد بإنشائهمن شمسٍ وقمر ونجْم وشجر وغير ذلك من الخلائق المُحْكَمَة والنشايا المتقنة فلما خصَّ - سبحانه - اللسانَ العربي بالبيان عُلم أن سائرَ اللغات قاصرةٌ عنه وواقعة دونه. فإن قال قائلٌْ: فقد يقع البيان بغير اللسان العربيلأن كلَّ من أفهمَ بكلامه على شرط لُغته فقد بيَّن. قيل له: إن كنتَ تريد أن المتكلم بغير اللغة العربية قد يُعْرِب عن نفسه حتى يفم السامع مراده فهذا أخس مراتب البيانلأن الأبْكم قد يدلُّ بإشارات وحركات له على أكثر مراده ثم لا يسمى متكلمافضلا عن أن يسمى بينا أو بليغاوإن أردت أنَّ سائرَ اللغات تُبِين إبانَةَ اللغة العربية فهذا غلطلأنا لو احتجنا إلى أن نُعَبِّر عن السيف وأوصافه باللغة الفارسية لما أمكننا ذلك إلا باسم واحد ونحن نذكر للسيف بالعربية صفاتٍ كثيرة وكذلك الأسد والفرس وغيرهما من الأشياء والمسميات بالأسماء المترادفة. فأين هذا من ذاكوأين لسائر اللغات من السعة ما للغة العربهذا ما لا خفاء به على ذي نُهْية. وقد قال بعض علمائنا - حين ذكر ما للعرب من الاستعارة والتمثيل والقَلْب والتقديم والتأخير وغيرها من سنن العرب في القرآن فقال: وكذلك لا يقدرُ أحدٌ من التَّراجم على أن ينقلَه إلى شيء من الألْسِنة كما نُقِل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية وترجمت التوارة والزَّبور وسائر كتب الله بالعربية لأنَّ غيرَ العرب لم تتسع في المجاز اتساع العربألا ترى أنك لو أردتَ أن تنقلَ قوله

стр. 249

تعالى: ﴿وإما تَخَافَنَّ من قومٍ خيانة فانبِذْ إليهم على سواءٍ﴾ . لم تستطع أن تأتي لهذه بألفاظ مؤدِّية عن المعنى الذي أودِعَتْه حتى تبسط مجموعها وتصل مقطوعها وتظهر مستورهافتقول: إن كان بينك وبين قوم هُدْنة وعَهْد فخِفْت منهم خيانة ونقضا فأعْلمهم أنك قد نقضت ما شرطته لهم وآذنهم بالحربلتكون أنتَ وهم في العلم بالنَّقْض على الاستواء. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا على آذانهم في الكَهْف﴾ . وقد تأتي الشعراء بالكلام الذي لو أراد مريد نَقْلَه لاعْتاصَ وما أمكن إلا بمبسوط من القول وكثير من اللفظولو أراد أن يعبر عن قول امرىء القيس: // من الطويل // (فدع عنك نَهْباً صِيحَ في حَجَراته) بالعربية فَضْلاً عن غيرِها لطالَ عليه. وكذا قول القائل: والظنُّ على الكاذب. ونِجَارُها نارها. وعَيَّ بالأسْناف. وإنشأي يرم لك وهو باقِعَة. وقلبٌ لو رَفع. وعلى يدي فاخْضَم. وشأنك إلا تركه مُتفاقم. وهو

стр. 250

كثير بمثله طالت لغةُ العرب (دون) اللغات ولو أراد معبِّرٌ بالأعجمية أن يعبر عن الغنيمة والإخْفاق واليقين والشك والظاهر والباطن والحق والباطل والمُبين والمُشْكل والاعتزاز والاستسلام لعيَّ به والله تعالى أعلم حيث يجعل الفضل. ومما اختصَّت به العربُ بعد الذي تقدم ذكرُه: قَلْبُهم الحروفَ عن جهاتها ليكون الثاني أخفَّ من الأولنحو قولهم مِيعاد ولم يقولوا مِوْعاد (وهما من الوعد إلا أن اللفظ الثاني أخف) . ومن ذلك: تركُهم الجمع بين الساكِنَيْن وقد يجتمعُ في لغة العجم ثلاثة سواكن ومنه قولهم: يا حارميلا إلى التخفيف. ومنه: اختلاسُهم الحركات في مثل: // من السريع // (فاليوم أشْرَبْ غير مُسْتَحْقِبٍ) ومنه الإدغامُ وتخفيفُ الكلمة بالحذف نحو: لم يَكُ ولم أُبَلْ. ومن ذلك إضمارُهم الأفعال نحو: امرأ اتَّقى الله وأمْرَ مُبْكياتك لا أمْر مُضْحكاتك. ومما لا يمكنُ نقلهُ البتَّة أوصافُ السيف والأسد والرُّمح وغير ذلك من الأسماء المُترادفة. ومعلوم أن العجمَ لا تعرفُ للأسد أسماء غيرَ واحد. فأما نحن فنخرج له خمسين ومائة اسم.

стр. 251

وحدثني أحمد بن محمد بن بندار قال: سمعتُ أبا عبد الله بن خالَويْه الهمذاني يقول: جمعت للأسد خمسمائة اسم وللحيَّة مائتين. قلت: ونظيرُ ذلك ما في فقه اللغة للثعالبي: قد جمع حمزة بن حسن الأصبهاني من أسماء الدواهي ما يزيد على أربعمائة وذكر أن تكاثر أسماء الدواهي من الدواهي. قال: ومن العجائب أن أمة وسَمت معنى واحدا بمئين من الألفاظ. ثم قال ابن فارس: وأخبرني عليُّ بن أحمد بن الصباح قال: حدثنا أبو بكر بنُ دُريد قال: حدثنا ابن أخي الأصمعي عن عمِّه أن الرشيد سألَه عن شعر لابن حزام العُكْلي فسره فقال: يا أصمعي إن الغريب عندك لغيرُ غريب. قال: يا أمير المؤمنين ألا أكون كذلك وقد حفِظت للحَجَر سبعين اسما. قال ابن فارس: فأين لسائر الأمم ما للعربومن ذا يُمكنُه أن يُعبّر عن قولهم: ذَات الزُّمَين وكثرة ذات اليد ويد الدهر وتخَاوَصَت النجوم ومجت الشمس ريقها ودرأ الفيءومفاصل القول وأتى بالأمر من فصه وهو رَحْب العطن وغمر الرداءويخلق ويَفْرِي وهو ضيق المَجَم قَلِق الوضِين رابط الجأش وهو ألْوى بعيد المُسْتَمَرّ وهو شَرَّاب بأنقُع وهو جُذَيلُها المُحَكّك وعُذَيقُها المرَجَّب وما أشبه هذا من بارع كلامهم ومن الإيماء اللطيف والإشارة الدالة. وما في كتاب الله تعالى من الخطاب العالي أكثر وأكثركقوله تعالى: ولكم

стр. 252

في القِصاص حياةٌ) . و ﴿يحسبون كلَّ صَيحةٍ عليهم﴾ . ﴿وأُخْرَى لم تَقْدِرُوا عليها قد أحاطَ اللهُ بها﴾ . و ﴿إن يتَّبعون إلَاّ الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِى من الحقّ شيئاً﴾ . ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله وهو أكثر من أن نأتي عليه. وللعرب بعد ذلك كَلَِم تلوح في أثناء كلامهم كالمصابيح في الدُّجى كقولهم للجَمُوع للخير (قَثوم) وهذا أمر قاتِم الأعماق أسودُ النَّواحي. واقْتَحَفَ الشرابَ كلَّه. وفي هذا الأمر مصاعب وقُحَم. وامرأة حَييَّة قَدِعة وقد تقادعوا تقادُع الفراش في النار. وله قدمُ صِدق. وذا أمر أنت أدرته ودبَّرته. وتقاذَفَتْ بنا النَّوى. واشْتَفَّ الشراب. ولك قُرْعة هذا الأمر: خياره. وما دخلت لفلان قَرِيعة بيت. وهو يَبْهَرُ القرينة إذا جاذبته. وهم على قَرْو واحد: أي طريقة واحدة. وهؤلاء قرابين الملك. وهو قَشْع: إذا لم يثبت على أمرٍ. وقَشَبه بقبيح: لطخه. وصبي قصيع: لا يكاد يشب. أقبلت مقاصر الظلام. وقطَّع الفرس الخيلَ تقطيعا: إذا خلفها. وليلٌ أقْعس: لا يكاد يبرح. وهو منزول قفز. وهذه كلمات من قدحة واحدة فكيف إذا جال الطّرْف في سائر الحروف مجالهولو تقصَّينا ذلك لجاوزنا الغَرضَ ولما حوته أجْلاد وأجلاد. هذا ما ذكره ابن فارس في هذا الباب. وقال في موضع آخر: باب ذكر ما اختصت به العربُ: من العلوم الجليلة التي اختصت بهاالأعراب الذي هو الفارق بين المعاني

стр. 253

المتكافئة في اللفظ وبه يُعْرف الخبر الذي هو أصل الكلام ولولاه ما مُيِّزَ فاعلٌ من مفعول ولا مضافٌ من منعوت ولا تعجب من استفهام ولا صَدْر من مصدر ولا نعتٌ من تأْكيد. وزعم ناسٌ يُتَوَقَّفُ عن قبول أخبارهم أن الفلاسفة قد كان لهم إعرابٌ ومؤلفاتُ نحو وهو كلامٌ لا يُعَرَّج على مثله وإنما تشبَّه القوم آنفا بأهل الإسلام فأخذوا من كتب علمائنا وغيَّروا بعضَ ألفاظها ونسبُوا ذلك إلى قومٍ ذوي أسماء مُنكرة بتراجم بَشِعة لا يكاد لسانُ ذي دينٍ ينطق بها وادَّعَوا مع ذلك أن للقوم شعراوقد قرأناه فوجدناه قليل المآثر والحلاوة غير مستقيم الوَزْن. بلى الشعرُ شعرُ العرب وديوانُهم وحافظُ مآثرهم ومقيِّد حسابهم. ثم للعرب العَرُوض التي هي ميزان الشِّعْرِ وبها يُعْرَف صحيحُه من سقيمه ومَن عَرف دقائقه وأسرارَه وخفاياه علم أنه يُرْبي على جميع ما يحتجُّ به هؤلاء الذين ينتحلون معرفة حقائق الأشياء من الأعداد والخُطوط والنُّقَط التي لا أعرف لها فائدة غيرَ أنها مع قلَّة فائدتها تُرِقّ الدين وتنتجُ كلَّ ما نعوذُ بالله منه. هذا كلام ابن فارس. ثم قال: وللعرب حفظُ الأنساب وما يُعْلمُ أحدٌ من الأمم عُنيَ بحفظ النسب عناية العرب. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناسُ إنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ . فهي آيةٌ ما عمِل بمضمونها غيرُهم. فصل - قال ابنُ فارس: انفردت العرب بالهَمْزِ في عَرض الكلام مثل قرأولا يكون في شيء من اللغات إلا ابتداء. قال: ومما اختصت به لغة العرب الحاءُ والطاءوزعم قومٌ أن الضادَ مقصورةٌ على العرب دونَ سائرِ الأمم. وقال أبو عبيد: قد انفردت العربُ بالألف واللام التي للتَّعريف كقولنا: الرجل والفرسفليستا في شيء من لغات الأمم غير العرب. انتهى. فصل - وقال ابن فارس في فقه اللغة في موضع آخر: باب الخطاب الذي يقعُ به الإفهامُ من القائل والفهمُ من السامع:

стр. 254

يقع ذلك من المُتَخاطبين من وجهين: أحدهما الإعرابُ والأخر التَّصْريف. فأما الإعراب فَبِه تميَّزُ المعاني ويُوقَف على أغراض المتكلمين وذلك أنَّ قائلا لو قال: ما أَحْسن زيد غيرَ معربلم يُوقف على مراده فإذا قال: ما أحسَنَ زيداأو ما أحسن زيد أو ما أحسن زيدأبان بالإعرابِ عن المعنى الذي أرادَه. وللعرب في ذلك ما ليس لغيرهمفهم يفرقون بالحركات وغيرها بين المعانييقولون: مِفْتَح للآلةِ التي يُفْتح بها ومَفْتح لموضع الفتحِ ومِقَص لآلة القص ومَقصّ للموضع الذي يكون فيه القص ومِحْلب للقدَح يُحْلَب فيه ومَحْلَب للمكان يُحْتَلب فيه ذَواتُ اللبن. ويقولون: امرأة طاهر من الحيضلأن الرجل لا يَشْرَكها في الحيض وطاهرةٌ من العيوبلأن الرجلَ يشْرَكُها في هذه الطهارة. وكذلك قاعدٌ من الحَبَل وقاعِدةٌ من القعود. ويقولون: هذا غلاما أحسن منه رجل يريدون الحالَ في شخص واحد. ويقولون: هذا غلامٌ أحسنُ منه رجلٌ فهما إذن شخصان. ويقولون: كم رجلا رأيتفي الاسْتخبار. وكم رجلٍ رأيت في الخبر يراد به التكثير. وهُنَّ حَوَاجُّ بيتِ الله إذا كنَّ قد حَجَجْنَ. وحَوَاجّ بيتَ الله إذا أردنَ الحج. ويقولون: جاء الشتاء والحطبَ إذا لم يرد أنَّ الحطَب جاء إنما أريدَ الحاجةُ إليه. فإن أريد مجيئُهما قال: والحطبُ. وأما التصريف فإن مَنْ فاته عِلْمُه فاتَه المعظملأنا نقول: وَجَد وهي كلمة مُبْهمة فإذا صرفت أفصحتفقلت في المال: وجداوفي الضالة: وجداناوفي الغضب: مَوْجِدَةً وفي الحُزْن: وَجْداً. ويقال: القاسِط للجائر والمقسط للعادلفتحول المعنى بالتصريف من الجَوْر إلى العَدْل. ويقولون للطريقة في الرَّمْل: خِبَّة. وللأرض (بين المخْصبَة والمجْدبة) خُبَّة. (ونقول في الأرض السهلة الخوارة: خارت تخور خورا وخؤوراوفي الإنسان إذا ضعف: خار خوراوفي الثور: خارَ خُوَاراً) . وللمرأة الضخمة: ضِنَاك وللزُّكْمَة: ضُنَاك ويقولون للإبل التي ذهبتْ ألبانها: شَوْل وهي جمع شائلة وللتي شالَتْ أَذْنَابُها لِلَّقْح: شولوهي جمع شائل ولبَقيَّةِ الماء في الحوض: شَوْل. ويقولون للعاشق: عَمِيد وللبعير المتأكل السَّنَام: عمِد إلى غير ذلك من الكلام الذي لا يحصى.

стр. 255

فصل - وقال ابنُ فارس في موضع آخر: بابُ نظم للعرب لا يقولُه غيرهم: يقولون: عاد فلان شيخاوهو لم يكن شيخا قط. وعاد الماء آجناوهو لم يكن آجنا فيعود. قال تعالى: ﴿حتى عادَ كالعُرْجُون القديم﴾ . (فقال: عاد) ولم يكن عُرْجوناً قبلُ. وقال تعالى حكاية عن شعيب ﵇: ﴿قَد افْتَرَينا على الله كَذِباً إنْ عُدْنَا في مِلَّتِكُم﴾ . ولم يكن في ملتهم قط. ومثله: ﴿يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر﴾ وهو لم يكن في ذلك قط. ﴿يُخْرِجونهم من النُّور إلى الظلمات﴾ . وهم لم يكونوا في نورٍ قطُّ. فصل - في جملة من سنن العرب التي لا توجد في غير لغتهم: قال ابنُ فارس: فمن سنن العرب مخالفة ظاهر اللفظ معناهكقولهم عند المدح: قاتله الله ما أشعرهفهم يقولون هذا ولا يُريدون وقوعَه. وكذا هَوَت أمهو هبلته وثكِلَتْه وهذا يكون عند التعجب من إصابة الرَّجل في رَمْيه أو في فعل يفعله. قال: ومن سنن العرب: الاستعارة وهي أن يضعوا الكلمة للشيء مستعارة من موضع آخرفيقولون: انشقَّتْ عَصَاهم إذا تفرَّقُوا. وكشَفَتْ عن ساقها الحربُ. ويقولون للبليد: هو حِمَار. قال: ومن سنن العرب الحذف والاختصاريقولون: والله أفعل ذاكتريد لا أفعل. وأتانا عند مَغِيب الشمس أو حين أرادت أو حين كادت تَغْرُب. قال ذو الرمة: // من الطويل // (فلما لَبسْن الليل أو حين نصَّبتْ ... له من خَذَا آذانها وهو جانحُ) قال: ومن سنن العرب الزيادةُ إما للأسماء أو الأفعال أو الحروف نحو

стр. 256

﴿ويبقى وجهُ ربك﴾ أي ربك. ليس كَمِثِله شيء. ﴿وشَهِد شَاهِدٌ من بني إسرائيل على مثله﴾ أي عليه. قال: ومن سنن العرب الزيادة في حروف الاسمإما للمبالغة وإما للتسوئة والتقبيحنحو رَعْشَن للذي يرتعش وزُرْقُم للشديد الزَّرَق وشَدْقَم للواسع الشدق وصِلْدِم للناقة الصُّلبة والأصل صَلْد. ومنه كُبّار وطُوَّال وطِرِمَّاح للمفرط الطول وسِمْعَنَّةٌ نِظْرَنّة للكثيرة التسَمُّع والتَّنَظُّر. ومن سننهم الزيادةُ في حروفِ الفعل مُبالغةً يقولون: حلا الشيء فإذا انتهى قالوا: احْلَوْلَى ويقولون: افْلَوْلَى واثْنَوْنَى. قال: ومن سنن العرب: التكرير والإعادة إرداة الإبلاغ بحسب العناية بالأمرقال الحارث بن عباد: // من الخفيف // (قَرِّبا مَربط النَّعامةِ منِّي ... لَقَحَتْ حربُ وائلٍ عن حِيال) فكرر قوله: (قربا مربط النعامة مني) في رؤوس أبياتٍ كثيرة عناية بالأمر وإرادةَ الإبلاغ في التنبيه والتحذير. قال: ومن سنن العرب إضافةُ الفعل إلى ما ليس فاعلا في الحقيقة يقولون: أراد الحائطُ أن يقعَ: إذا مال وفلان يريد أن يموت: إذا كان مُحْتضراً. قال: ومن سنن العرب ذكر الواحد والمراد الجمعكقولهم للجماعة: ضيف وعدوقال تعالى: ﴿هؤلاءِ ضَيْفِى﴾ وقال: ﴿ثم يُخْرجكُم طِفْلاً﴾ . وذكر الجمع والمراد واحد أو اثنانقال تعالى: (إنْ نَعْف عن طائفة) .

стр. 257

والمراد واحد. ﴿إنَّ الذين يُنادونك من وراء الحُجُرات﴾ والمنادى واحد. (بِمَ يَرْجِع المُرْسلون) وهو واحد بدليل ارجع إليهم. ﴿فقد صَغَتْ قلوبكما﴾ . وهما قلبان. وصفة الجمع بصفة الواحد نحو ﴿وإن كنتُم جُنُباً﴾ . ﴿والملائكةُ بعد ذلك ظَهِير﴾ وصفة الواحد أو الاثنين بصفة الجمعنحو برمة أعشاروثوب أهدام وحبل أحذاق. قال: // من الرجز // (جاء الشتاء وقَمِيصِي أخلاقْ) وأرض سَبَاسِبٌ يسمُّون كلَّ بُقعة منها سَبْسَباً لاتِّساعها. قال: ومن الجمع الذي يُراد به الاثنان قولهم: امرأة ذات أوْراكٍ ومآكِم. قال: ومن سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجمعفيقال للرجل العظيم: انظُرُواْ في أمْري وكان بعضُ أصحابنا يقول: إنما يُقال هذا لأن الرجلَ العظيم يقول: نحن فعلنافعلى هذا الابتداء خُوطبوا في الجواب. ومنه في القرآن: ﴿قال ربِّ ارْجعون﴾ .

стр. 258

قال: ومن سنن العرب أن تذكر جماعة وجماعة أو جماعة وواحداثم تخبر عنهما بلفظ الاثنين كقوله: // من الكامل // (إنَّ المنيَّة والحتوفَ كلاهما ... يُوفِي المخارمَ يَرْقُبان سوادي) وفي التنزيل: ﴿أن السماوات والأرض كانتا رَتْقَاً ففَتَقْنَاهُما﴾ . قال: ومن سنن العرب أن تخاطب الشاهدثم تحوِّل الخطاب إلى الغائب أو تخاطب الغائبَ ثم تحوِّله إلى الشاهد وهو الالْتِفاتُ وأن تخاطب المخاطب ثم يرجع الخطاب لغيرهنحو: ﴿فإن لم يَسْتَجيبوا لكم﴾ . الخطاب للنبي ﷺ ثم قال للكفار: ﴿فاعْلَمُوا أنما أُنْزِل بعلم الله﴾ . يدل على ذلك قوله: ﴿فهل أنتم مُسلمون﴾ . وأن يُبتدأ بشيءٍ ثم يخبر عن غيرهنحو: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ منكم ويَذَرون أزْواجاً يَتَرَبَّصْن﴾ . فخبَّر عن الأزواج وترك الذين. قال: ومن سنن العرب أن تَنْسُِب الفعل إلى اثنين وهو لأحدهمانحو: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَين﴾ إلى قوله: ﴿يَخْرُجَ منهما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجان﴾ . وإنما يخرَجان من المِلْح لا العَذْب. وإلى الجماعة وهو لأحدهمنحو: وإذ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادّرَأْتُمْ فيها والقاتل واحد. وإلى أحد اثنين وهو لهمانحو: (واللَّه ورسولُه أحقُّ أن يُرْضُوه) . قال: ومن سنن العرب أن تأمرَ الواحد بلفظ أمرِ الاثنيننحو: افعلا ذلك ويكون المخاطبُ واحدا.

стр. 259

أنشد الفراء: // من الوافر // (فقلتُ لصاحبي لا تَحْبِسَنَّا ... بنَزْع أُصوله واجْدَزَّ شيحا) وقال: // من الطويل // (فإن تزجراني يابن عَفّان أنْزَجِر ... وإن تَدَعاني أحْمِ عِرْضاً ممنَّعا) وقال الله تعالى: ﴿ألقِْيَا في جهنم﴾ وهو خطاب لخزنة النار والزَّبانِية) قال: ونرى أن أصلَ ذلك أن الرُّفقَة أدنى ما تكون ثلاثة نفر فجرى كلام الواحد على صاحبيهألا ترى أن الشعراء أكثرُ الناس قولا: يا صاحبي ويا خَلِيليّ. قال: ومن سنن العرب أن تأتي بالفعل بلفْظِ الماضي وهو حاضر أو مستقبل أو بلفظ المستقبل وهو ماضنحو قوله تعالى: ﴿أتى أمرُ الله﴾ أي يأتي. ﴿كنتُم خيرَ أُمَّة﴾ أي أنتم. واتَّبعوا ما تَتْلو الشياطينُ أي ما تَلَت. وأن تأتي بالمفعول بلفظ الفاعلنحو سرٌّ كاتم أي مكتوم. وماء دافق أي مَدفوق. وعيشة راضية أي مرْضيّ بها وحرَماً آمناأي مأمونا فيه. وبالفاعل بلفظ المفعولنحو عيش مغبون أي غابنذكره ابن السِّكيت. قال: ومن سنن العرب وصفُ الشيء بما يقع فيهنحو يوم عاصِف وليل نائمٌ وليلٌ ساهر.

стр. 260

قال: ومن سنن العرب التوهم والإيهام وهو أن يتوهم أحدهم شيئاثم يجعل ذلك كالحقِّ منه قولهم: وقفتُ بالرَّبع أسأله. وهو أكملُ عقلا من أن يسأل رسمايعلم أنه لا يسمعُ ولا يَعْقِلُ لكنه تفجَّع لما رأى السَّكْن رَحلوا وتوهَّم أنه يسأل الرَّبع أين انْتَأوْا وذلك كثيرٌ في أشعارهم. قال: ومن سنن العرب الفرقُ بين ضدين بحرف أو حركة كقولهم: يَدْوَى من الداء ويُدَاوي من الدواء ويُخْفِر إذا نَقض من أخفر ويخفر إذا أجارمن خَفَر ولُعَنَة إذا أكثر اللَّعن ولُعْنَة إذا كان يلعنوهزأة وهُزْأة وسُخَرة وسُخْرة. قال: ومن سنن العرب البسطُ بالزيادة في عدد حروف الاسمِ والفعل ولعل أكثر ذلك لإقامة وزن الشعروتسوية قوافيهكقوله: // من الرجز // (وليلةٍ خامِدةٍ خُمُودا ... طخْياءِ تُعْشِي الجَدْي والفُرْقودا) فزاد في الفرقد الواو وضم الفاءلأنه ليس في كلامهم فعلولوكذلك زاد الواو في قوله: (لو أنَّ عمرا هم أن يَرْقُودا) أي يَرْقد. قال: ومن سنن العرب القَبْضُ محاذاة للبسْطِ وهو النُّقْصانُ من عدد الحروفكقوله: // من الرجز // (غَرْثَى الوِشاحَيْن صَموتُ الخَلْخَل) أي الخَلْخال.

стр. 261

ويقولون: دَرَس المَنا يريدون (المنازل ونار الحُباحب) . ومنه بابُ الترْخيم في النداء وغيره ومنه قولهم: لاه ابن عمكأي لله ابنُ عمك. قال: ومن سنن العرب الإضمارُ إما للأسماء نحو ألا يا اسْلَمى أي يا هذه أو للأفعال نحو: أثعلبا وتفر: أي أترى ثعلبا. ومنه إضمار القول كثيرا. أو للحروف نحو: // من الطويل // (ألا أيهذا الزَّاجري أشهدَ الوَغى) أي أن أشْهد. قال: ومن سنن العرب التعويضُ وهو إقامةُ الكلمة مقامَ الكلمة كإقامة المصدر مقامَ الأمرنحو ﴿فضرب الرقاب﴾ والفاعل مقام المصدرنحو ﴿ليس لوَقْعتها كاذبة﴾ أي تكذيب. والمفعول مقامَ المصدر نحو بِأيّيِكُمُ المَفْتُون أي الفتنة. والمفعول مقام الفاعل نحو: ﴿حجابا مَسْتوراً﴾ أي ساترا.

стр. 262

قال: ومن سنن العرب تقديمُ الكلام وهو في المعنى مؤخر وتأخيرهُ وهو في المعنى مقدم كقوله: // من البسيط // (ما بالُ عينيك منها الماءُ يَنْسَكِب) أراد ما بال عينك ينسكب منها الماءوقوله تعالى: ﴿ولولا كلمةٌ سَبقَتْ من رَبّك لكان لِزاماً وأجَلٌ مسمى﴾ (فأجل معطوفة على (كلمة) والتأويل: ولولا كلمةٌ سبقت من ربِّك وأجل مسمى لكان العذابُ لازِماً لهم) قال: ومن سنن العربِ أن يَعْترضِ بين الكلام وتمامِه (كلام) نحو: اعملْ - والله ناصِري - ما شئت. قال: ومن سنن العرب أن تُشيرَ إلى المعنى إشارة وتومىء إيماء دون التصريح نحو طويلُ النِّجاد يريدون طولَ الرَّجل وغَمْر الرِّداء: يُومِئون إلى الجُود وطَرِب العِنان: يُومِئون إلى الخفَّةِ والرَّشاقة. قال: ومن سنن العرب الكفُّ وهو أن تكفَّ عن ذكر الخبر اكتفاء بما يدلُّ عليه الكلام كقوله: // من الطويل // (إذا قلتُ سيروا نحو ليلى لعلَّها ... جرى دونَ ليلى مائلُ القَرْن أعْضَبُ) ترك خَبَر لعلها. قال: ومن سُنَن العرب أن تُعيرَ الشيءَ ما ليس له فتقول: مرَّ بين سَمْع الأرض وبَصَرِها. قال: ومن سنن العرب أن تُجْري المواتَ وما لا يَعْقل في بعض الكلام مَجْرى بني آدم كقوله في جمعِ أرض أرضون وقال تعالى: ﴿كلٌّ في فلك يسبحون﴾ .

стр. 263

قال: ومن سنن العرب المُحاذاة وذلك أن تجعل كلاما ما بِحذاء كلام فيُؤْتى به على وزنه لفظاوإن كانا مختلفينفيقولون: الغَدَايا والعَشايا. فقالوا: الغَدَيا لانضمامها إلى العَشايا. ومثلُه قولهم: (أعوذُ بك من السامَّةِ واللامة) فالسامة من قولك: سمت إذا خصَّتْ واللامة أصلها من ألمَّت لكن لما قُرِنت بالسامَّة جُعِلتْ في وزنها. قال: وذكر بعضُ أهل العلم أن من هذا الباب كتابه المصحف كتبوا: ﴿والليل إذا سَجَى﴾ بالياءوهو من ذوات الواو لمَّا قُرِن بغيره ممَّا يُكْتَب بالياء. قال: ومن هذا الباب قوله تعالى ﴿ولو شاء الله لسلطهم عليكم﴾ اللام في (لَسَلَّطَهُمْ) جوابُ لو. ثم قال: ﴿فَلقَاتَلُوكُم﴾ فهذه حُوذِيتْ بتلك اللام وإلا فالمعنى لسلَّطهم عليكم فقاتلوكم. ومثله: لأعذبنه عذابا شديداأو لأذْبَحَنَّه. فهما لاما قَسَمٍ ثم قال: ﴿أو ليأتيني﴾ فليس ذا موضع قسملأنه عذر للهدهدفلم يكن ليقسم على الهدهد أن يأتي بعذرلكنه لما جاء به على أثر ما يجوز فيه القسم أجراه مجراهفكذا باب المحاذاة. قال: ومن الباب وزَنْتُه فاتَّزَن وكِلْته فاكْتال أي استوفاه كَيْلاً ووَزْناً. ومنه قوله تعالى: ﴿فما لكم عليهن من عِدَّةٍ تعتدونها﴾ أي تستوفونه الأنها حق للأزواج على النساء. قال: ومن هذا الباب الجزاءُ عن الفِعْل بمثل لفظه نحو: إنما نحن مستهزئون الله يستهزىء بهم. أي يجازيهم جزاء الاستهزاء. ومكروا ومكر

стр. 264

الله) ﴿فَيَسْخَرُون منهم سَخِر اللهُ منهم﴾ . ونَسُوا الله فنسيهم. ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ مثل هذا في شعر العرب قول القائل: // من الوافر // (ألا لا يَجْهلن أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا) انتهى ما ذكره ابن فارس. ومن نظائر الغَدَايا والعشايا ما في الجمهرة تقول العربُ للرجل إذا قدم من سفَر: أوْبَةً وطَوْبة أي أُبْتَ إلى عيش طيِّب ومآبٍ طيب والأصل طيبَة فقالوه بالواو لمحاذاة أوبة. وقال ابن خالويه إنما قالوا: طَوْبة لأنهم أزْوَجوا به أوْبة. وفي ديوان الأدب: يقال: بِفيهِ البَرَى وحُمّى خَيْبَرَى وشرُّ ما يُرَى فإنه خَيْسَرى يعني الخسران وهو على الازدواج. وفيه: يقال أخذني (من ذلك) ما قَدُم وما حَدُث لا يُضَمّ حدَث في شيء من الكلام إلا في هذا الموضع وذلك لمكان قدم على الازدواج. وفي أمالي القالي: قال أبو عبيدة: يقال (خيرُ المال سِكَّةٌ مأبُورة أو مُهْرة مأْمُورة) أي كثيرةُ الولد وكان ينبغي أن يقال: مُؤْمَرة ولكنه اتبع مأبورة.

стр. 265

والسكة: السطر من النَّخْل. وفي الصحاح: قال الفراء يقال: هَنأني الطعام ومَرأني إذا أتبعوها هَنأني قالوها بغير ألف فإذا أفردوها قالوا: أمرأني. وفيه: يقال له عندي ما ساءه وناءه قال بعضهم: أراد ساءه وأناءه وإنما قال ناءه - وهو لا يتعدى - لأجل ساءه ليزْدَوِج الكلام كما يقال: إني لآتيه بالغَدَايا والعشايا والغَداةُ لا تجمع على غدايا. وفيه: جمعوا الباب على أبوبة للازدواج قال: // من البسيط // (هَتَّاكِ أخْبِيَةٍ ولاج أبْوبِة) ولو أفرده لم يجز. وفيه يقال: تَعْساً له ونَكْساً. وإنما هو نُكس بالضم وإنما فُتح هنا للازدواج. وقال الفراء: إذا قالوا: النجس مع الرجس أتْبَعوه إياه فقالوا: رِجْس نِجْس بالكسر وإذا أفردوه قالوا: نَجس بالفتح: قال تعالى ﴿إنما المشْركون نَجَس﴾ . وفي الصحاح يقال: لا دَرَيْتَ ولا تليتتزويجا للكلام والأصلُ ولا ائتليت وهو افتعلت من قولك: ما ألوت هذا: أي ما استعطته أي ولا استطعْتَ. قال ابن فارس: ومن سنن العرب الاقتصارُ على ذكر بعض الشيء وهم يريدونه كلهفيقولون: قَعد على صَدْر رَاحلِته ومضى. ويقول قائلهم: // من الكامل // (الواطِئِين على صُدُور نعالهم)

стр. 266

ومن هذا الباب: ﴿ويَبْقَى وجْهُ رَبِّك﴾ . ﴿ويُحَذِّرُكم اللهُ نفسَه﴾ أي إياه وتواضعت سورُ المدينة. قال: وقد جاء القرآن بجميع هذه السننلتكون حجة الله عليهم آكد ولئلا يقولوا: إنما عجزنا عن الإتيان بمثله لأنه بغير لُغَتِنا وبغير السنن التي نستنهافأنزله جلَّ ثناؤه بالحروفِ التي يعرفونها وبالسنن التي يسلكونها في أشعارهم ومخاطباتهم ليكون عجزُهم عن الإتيان بمثله أظْهر وأشعر. انتهى. وقال الفارابي في ديوان الأدب: هذا اللسانُ كلامُ أهل الجنة وهو المُنَزَّه من بين الألسنةِ من كلِّ نقيصة والمعلى من كل خسيسة والمهذَّب ما يُسْتَهجن أو يُسْتَشْنع فبنى مباني باينَ بها جميع اللغات من إعراب أوْجده الله له وتأليف بين حركة وسكون حلَاّه به فلم يجمع بين ساكنين أو متحرِّكين متضادين ولم يلاقِ بين حرفين لا يأْتلفان ولا يعذب النطق بهما أو يشنع ذلك منهما في جرس النغمة وحس السمعكالغين مع الحاء والقاف مع الكاف والحرف المُطْبَق مع غير المطبق مثل تاء الافتعال مع الصاد والضاد في أخوات لهما والواو الساكنة مع الكسرة قبلها والياء الساكنة مع الضمة قبلها في خلالٍ كثيرة من هذا الشكل لا تُحْصى. وقال في موضع آخر: العربُ تَميل عن الذي يُلْزِم كلامها الجفاء إلى ما يُلين حواشيه ويُرِقّها وقد نزه الله لسانَها عما يجفيه فلم يجعل في مباني كلامها جيما تُجاورها قاف متقدمة ولا متأخرة أو تجامعها في كلمة صاد أو كاف إلا ما كان أعجميا أُعرب وذلك لجُسْأة هذا اللَّفظ ومباينته ما أسَّس اللهُ عليه كلام العرب من الرَّونق والعُذوبة وهذه علة أبواب الإدغام وإدخالُ بعضِ الحروف في بعض وكذلك الأمثلة والموازين اختِير منها ما فيه طِيبُ اللفظ وأُهْمِل منها ما يجفُو اللسانُ عن النطق به أولا مكرهاكالحرف الذي يبتدأ به لا يكون إلا متحركاوالشيء الذي تتوالى فيه أربعُ حركات او نحو ذلك يسكن بعضها. فائدة جليلة - قال الزمخشري في (ربيع الأبرار) قالوا: لم تكن الكُنَى

стр. 267

لشيءٍ من الأمم إلا للعرب وهي من مفاخرها والكُنية إعظام وما كان يُؤْهَل لها إلا ذو الشرف من قومهم قال: // من البسيط // (أكْنيه حين أُناديه لأكْرِمَه ... ولا ألقبه والسوءة اللَّقب) والذي دعاهم إلى التكنية الإجلال عن التصريح بالاسم بالكناية عنه ونظيرهُ العدولُ عن فعلٍ إلى فعل في نحو قوله: ﴿وغِيضَ الماءُ وقُضِي الأمر﴾ . ومعنى كَنَيْتُه بكذا: سمَّيتُه به على قَصْد الإخفاء والتورية ثم ترقَّوْا عن الكُنَى إلى الألقاب الحسنة فقلَّ من المشاهير في الجاهلية والإسلام مَنْ ليس له لقب إلا أن ذلك ليس خاصا بالعرب فلم تزل الألقابُ في الأمم كلِّها من العرب والعجم. خاتمة: - قال المطرزي في شرح المقامات: كان يقال: اختصَّ اللهُ العرب بأربع: العمائمُ تيجانها والحِبا حِيطانها والسيوف سِيجانها والشِّعر ديوانها. قال: وإنما قيل: الشعر ديوان العربلأنهم كانوا يرجعون إليه عند اختلافهم في الأنساب والحروب ولأنه مستودعُ علومهم وحافظُ آدابهم ومعدنُ أخبارهمولهذا قيل // من البسيط // (الشعرُ يحفظ ما أودى الزمانُ به ... والشعرُ أفخر ما يُنْبي عن الكرم) (لولا مقال زهير في قصائده ... ما كنت تعرف جودا كان في هَرِم) وأخرج ابنُ النجار في تاريخه من طريق إبراهيم بن المنذر. قال: حدثني أبو سعيد المكي عمَّن حدثه عن ابن عباس: أنه دخل على معاوية وعنده عمرو بن العاص فقال عمرو: إنَّ قريشا تزعم أنك أعلمهافلم سميت قريش قريشاقال: بأمرٍ بيِّنٍ. قال: فسِّرْه لنا. ففسَّرَه قال: هل قال أحد فيه شعراقال: نعم. قال: سمِّيت قريش بدابة في البحر. وقد قال المشمرج بن عمرو الحميري: // من الخفيف // (وقُرَيشٌ هي التي تَسْكُنَ البَحْرَ ... بها سُمِّيت قريش قريشا)

стр. 268

(تأكل الغثَّ والسمين ولا تتركُ ... فيه لذي الجناحين ريشا) (هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلادَ أكلا كميشا) (ولهم آخرُ الزمان نبي ... يكثر القَتْل فيهم والخموشا) (تملأُ الأرض خيلُه ورجالٌ ... يحشرون المطي حشرا كشيشا) وأخرج ابنُ عساكر في تاريخه من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي ريحانة العامري قال: قال: معاوية لابنِ عباس: لِمَ سميت قريش قريشاقال: بدابة تكون في البحر من أعْظم دوابِّه يقال لها القِرْش لا تمرُّ بشيء من الغثِّ والسمين إلا أكلَتْه قال فأنشدني في ذلك شيئافأنشده شعرَ الحميري فذكر الأبيات. النوع الثالث والعشرون معرفة الاشتقاق قال ابن فارس في فقه اللغة: باب القول على لغة العربهل لها قياسوهل يشتق بعضُ الكلام من بعض أجمع أهل اللغة - إلَاّ من شذَّ منهم - أن للغةِ العرب قياساوأن العرب تشتقُّ بعض الكلام من بعض واسم الجنِّ مشتقٌّ من الاجْتِنان وأن الجيم والنون تدلان أبدا على السترتقول العرب للدِّرْع: جُنَّة وأجَنَّه الليلُ وهذا جَنين أي هو في بَطْن أمِّه. وأن الإنس من الظهوريقولون: آَنسْتُ الشيء: أبْصَرْتُه. وعلى هذا سائرُ كلام العرب عَلِم ذلك مَن عَلِم وجَهِله من جهل. قال: وهذا مبنيٌّ أيضا على ما تقدم من أن اللغة توقيففإن الذي وَقَّفَنا على أن الاجتِنان: الستر هو الذي وقفنا على أن الجن مشتق منهوليس لنا اليوم أن

стр. 269

نخترع ولا أن نقول غيرَ ما قالوه ولا أن نقيس قياسا يقيسوهلأن في ذلك فساد اللغة وبُطلانَ حقائقها. قال: ونكتةُ الباب أن اللغة لا تُؤْخذ قياسا نقيسه الآن نحن. انتهى كلام ابن فارس. وقال ابن دحية في التنوير: الاشتقاقُ من أغْرَب كلام العرب وهو ثابت عن الله تعالى بنقل العدول عن رسول اللَّه ﷺ لأنه أُوتي جَوامعَ الكَلِم وهي جمعُ المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة فمن ذلك قوله فيما صح عنه: يقولُ الله: (أنا الرحمن خلقتُ الرُّحم وشققت لها من اسمي) . وغير ذلك من الأحاديث. وقال في شرح التسهيل: الاشتقاقُ أخْذُ صيغةٍ من أخرى مع اتفاقهما معنى ومادة أصلية وهيئة تركيب لهاليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة لأجلها اختلفا حروفا أو هيئة كضارب من ضرب وحَذِرٌ من حَذِر. وطريقُ معرفته تقليبُ تصاريفِ الكلمة حتى يرجع منها إلى صيغة هي أصل الصيغ دلالة اطراد أو حروفا غالباكضرب فإنه دال على مُطلق الضرب فقط أما ضارب ومضروب ويَضْرب واضْرِب فكلُّها أكثرُ دلالة وأكثر حروفاوضرب الماضي مساوٍ حروفا وأكثرُ دلالة وكلها مشتركة في (ض ر ب) وفي هيئة تركيبها وهذا هو الاشتقاق الأصْغر المحتجُّ به. وأما الأكبرُ فيحفظ فيه المادّةُ دون الهيئة فيجعل (ق ول) و (ول ق) و (وق ل) و (ل ق و) وتقاليبها الستة بمعنى الخفة والسرعة. وهذا مما ابتدعه الإمامُ أبو الفتح ابن جني وكان شيخه أبو علي الفارسي يأنس به يسيراوليس معتَمداً في اللغة ولا يصح أن يُستنبط به اشتقاق في لغة العربوإنما جعله أبو الفتح بيانا لقوة ساعده ورده المختلفات إلى قَدْرٍ مشترك مع اعترافه وعِلْمِه بأنه ليس هو موضوع تلك الصيغ وأن تراكيبها تفيد أجناسا من المعاني مغايرة للقَدْر المشتركوسبب إهمال العرب وعدمِ التفات المتقدمين إلى معانيه أن الحروف قليلةٌ وأنواع المعاني المتفاهمة لا تكاد تتناهى فخصوا كل تركيب بنوع منهاليفيدوا بالتراكيب والهيئات أنواعا كثيرة ولو اقتصروا على تغاير المواد حتى لا يدلوا على معنى

стр. 270

الإكرام والتعظيم إلا بما ليس فيه من حروف الإيلام والضربلمنافاتهما لهما لضاق الأمر جداولاحتاجوا إلى ألوف حروفٍ لا يجدونها بل فرقوا بين مُعْتِق ومُعْتَق بحركةٍ واحدة حصل بها تمييزٌ بين ضدين. هذا وما فعلوهُ أخْصر وأنسب وأخفولسنا نقولُ: إن اللغةَ أيضا اصطلاحيةٌ بل المرادُ بيان أنها وقعت بالحكمة كيف فرضتففي اعتبار المادة دون هيئة التركيب من فساد اللغة ما بينت لكولا يُنْكَر مع ذلك أن يكونَ بين التراكيب المتحدة المادة معنى مشترَكٌ بينها هو جنسٌ لأنواع موضوعاتهاولكن التحيُّل على ذلك في جميع مواد التركيبات كطلبٍ لعنقْاء مُغرب ولم تُحْمل الأوضاعُ البشرية إلا على فهوم قريبةٍ غير غامضة على البديهة فلذلك إن الاشتقاقات البعيدة جدا لا يقبلها المحققون. واختلفوا في الاشتقاق الأصغرفقال سيبويه والخليل وأبو عمرو وأبو الخطاب وعيسى بن عمروالأصمعي وأبو زيد وابن الأعرابي والشيباني وطائفة: بعضُ الكَلِم مشتقٌّ وبعضُه غيرُ مشتق. وقالت طائفة من المتأخرين اللغويين: كل الكلم مشتقونسب ذلك إلى سيبويه والزجاج. وقالت طائفة من النظار: الكلم كلُّه أصلٌ والقول الأوسط تخليط لا يعد قولالأنه لو كان كل منها فرعا للآخر لدار أو تسلسل وكلاهما محالبل يلزم الدور عينالأنه يثبت لكل منها أنه فرْع وبعضُ ما هو فرع لا بد أنه أصلضرورة أن المشتقَّ كلَّه راجع إليه أيضا. لا يقال: هو أصل وفرع بوجهينلأن الشرط اتحاد المعنى والمادة وهيئة التركيبمع أن كلا منها مفرَّع عن الآخر بذلك المعنى. ثم التغييرات بين الأصل المشتق منه والفرع المشتق خمسة عشر: الأول - زيادة حركة كعلم وعلم. الثاني - زيادة مادة كطالب وطلب. الثالث - زيادتهما كضارب وضرب. الرابع - نقصان حركة كالفرس من الفرس. الخامس - نقصان مادة كثبت وثبات. السادس - نقصانهما كنَزَا ونزوان. السابع - نقصان حركة وزيادة مادة كغضبى وغضب. الثامن: - نقص مادة وزيادة حركة كحرم وحرمان.

стр. 271

التاسع - زيادتهما مع نقصانهما كاسْتَنْوقَ من الناقة. العاشر - تغاير الحركتين كبَطِر بَطَراً. الحادي عشر - نقصان حركة وزيادة أخرى وحرف كاضْرِب من الضرب. الثاني عشر - نقصان مادة وزيادة أخرى كراضع من الرضاعة. الثالث عشر - نَقْص مادة بزيادة أخرى وحركة كخاف من الخوفلأن الفاء ساكنة في خوف لعدم التركيب. الرابع عشر - نقصان حركة وحرف وزيادة حركة فقد كعد من الوعدفيه نقصان الواو وحركتها وزيادة كسرة. الخامس عشر - نقصان حركة وحرف وزيادة حرف كفاخَر من الفخارنقصت ألف وزادت ألف وفتحة. وإذا ترددت الكلمةُ بين أَصْلين في الاشتقاق طلب الترجيح وله وجوه: أحدها - الأمكنية كمَهْدَد علما من الهد أو المهد فيرد إلى المهدلأن باب كرم أمْكنُ وأوسع وأفصحُ وأخف من باب كر فيرجح بالأمكنية. الثاني - كون أحد الأصلين أشرفلأنه أحق بالوضْع له والنفوس أذكر له وأقبل كدَوَران كلمة (الله) - فيمن اشتقها - بين الاشتِقاق من (أَلِه) أو (لوه) أو (وَلِه) فيقال: من أله أشرف وأقرب. الثالث - كونه أظهر وأوضح كالإق بال والقبل. الرابع - كونه أخص فيرجح على الأعم كالفضل والفضيلة وقيل عكسه. الخامس - كونه أسهل وأحسن تصرفاكاشتقاق المعارضة من العرض بمعنى الظهور أو من العُرْض وهو الناحية فمن الظهور أولى. السادس - كونه أقرب والآخر أبعدكالعقار يرد إلى عَقْر الفهم لا إلى أنها تسكر فتعقر صاحبها. السابع - كونه أليقكالهداية بمعنى الدلالة لا بمعني التقدم من الهوداي بمعنى المتقدمات. الثامن - كونه مطلقا فيُرجّح على المقيدكالقرب والمقاربة. التاسع - كونه جوهرا والآخر عرَضاً لا يصلح للمصدرية ولا شأنه أن يشتق منهفإن الرد إلى الجوهر حينئذ أولى لأنه الأسبقفإن كان مصدرا تعين الردُّ إليه

стр. 272

لأن اشتقاق العرب من الجواهر قليل جداوالأكثر من المصادر ومن الاشتقاق من الجواهر قولهم: استَحْجَر الطين واستَنْوق الجمل. فوائد - الأولى - قال في شرح التسهيل: الأعلام غالبُها منقولٌ بخلاف أسماء الأجناسفلذلك قل أن يشتق اسم جنسلأنه أصل مُرْتَجَل. قال بعضهم: فإن صح فيه اشتقاقٌ حمل عليه. قيل: ومنه غُرَاب من الاغتراب وجراد من الجَرْد. وقال في الارتشاف: الأصل في الاشتقاق أن يكونَ من المصادر وأصدقُ ما يكون في الأفعال المزيدة والصفات منها وأسماء المصادر والزمان والمكان ويغلبُ في العَلَم ويقل في أسماء الأجناس كغُراب يمكن أن يُشتق من الاغتراب وجراد من الجَرْد. الثانية - قال في شرح التسهيل أيضا: التصريفُ أعم من الاشتقاقلأن بناء مثل قردد من الضرب يسمى تصريفاولا يسمى اشتقاقالأنه خاصٌّ بما بنَتْه العرَب. الثالثة - أَفْرَد الاشتقاق بالتأليف جماعةٌ من المتقدمين منهم الأصمعي وقُطْرب وأبو الحسن الأخفش وأبو نصر الباهلي والمفضل بن سلمة والمبرد وابن دُريد والزَّجاج وابن السراج والروماني والنحاس وابن خالويه. الرابعة - قال الجواليقي في (المعرب) قال ابن السراج في رسالته في الاشتقاق: مما ينبغي أن يُحْذَر كل الحذَر أن يشتق من لغة العرب لشيء من لغة العَجَمِ قال: فيكونُ بمنزلةِ مَن ادَّعى أن الطيرَ وَلَد الحوت. الخامسة - في مثال من الاشتقاق الأكبر: مما ذكره الزجاج في كتابه قال: قولهُم: شجَرتُ فلانا بالرمح تأويله جعلته فيه كالغُصْن في الشجرة وقولهم: للحلقوم وما يتصل به شجرلأنه مع ما يتصل به كأغصان الشجرة وتشاجر القوم إنما تأويلُه اختلفوا كاختلاف أغصان الشجرة وكل ما تفرع من هذا الباب فأصله الشجرة. ويروى عن شيبة بن عثمان قال: أتيتُ النبي ﷺ يوم حُنين فإذا العباس آخذ بلجام بَغْلَته قد شجرها.

стр. 273

قال أبو نصر صاحب الأصمعي: معنى قوله: (قد شجرها) أي رفع رأسها إلى فوق. يقال: شجرَتُ أغصان الشجرة إذا تدلت فرفعتُها. والشِّجار مَرْكب يُتَّخذ للشيخ الكبير ومَنْ مَنَعَته العلة من الحركة ولم يؤمن عليه السقوطتشبيها بالشجرة الملتفة والنخل يسمى الشجرقال الشاعر: // من الطويل // (وأخبث طَلْع طلعكن لأهله ... وأنكر ما خيرت من شَجَرات) والمرعى يقال له الشجر لاختلاف نَبته وشجر الأمر إذا اختلط وشجَرني عن الأمر كذا وكذا معناه صرفنيوتأويله أنه اختلَف رأيي كاختلاف الشجر والباب واحد وكذلك شجر بينهم فلان أي اختلف بينهم وقد شجر بينهم أمرأي وقع بينهم. انتهى. وفي قوله: والنخلُ يسمى الشجر فائدة لطيفة فإني رأيت في كتاب (عمل من طب لمن حب) للشيخ بدر الدين الزركشي بخطه: إن النخلة لا تسمى شجرة وأن قوله ﷺ فيها: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ... الحديث) . على سبيل الاستعارة لإرادة الإلغاز وما ذكره الزجاجي يرده ويمشي الحديثُ على الحقيقة. فائدة - قال ابن فارس في المجمل: اشتَبه علي اشتقاقُ قولهم: (لا أبالي به) غاية الاشتباه غيرَ أني قرأت في شعر ليلى الأخيلية: // من الطويل // (تبالى رواياهم هبالة بعد ما ... ورَدْن وحول الماء بالجم يرتمي) وقالوا في تفسير التبالي: المبادرة بالاستقاءيق ال تبالى القوم: إذا تبادروا الماء فاستقوهوذلك عند قلة الماء قال بعضهم تبالى القوم. وذلك إذا قل الماء ونزح استقى هذا شيئاوينتظر الآخر حتى يجم الماء فيسقي فإن كانَ هذا هكذا فلعل قولهم لا أبالي به: أي لا أبادر إلى اقتنائه والانتظار به بل أنبذه ولا أعتد به.

стр. 274

فائدة - قال ابن دريد: قال أبو عثمان: سمعتُ الأخفش يقول: اشتقاقُ الدُّكان من الدَّكْدَك وهي أرضٌ فيها غلظ وانبساط ومنه اشتقاق ناقة دَكَّاء إذا كانت مفترشة السَّنام في ظهرها أو مجْبُوبَته. لطيفة - قال أبو عبد الله محمد بن المعلى الأزدي في كتاب الترقيص: حدثني هارون بن زكريا عن البلعي عن أبي حاتم قال: سألت الأصمعي لِمَ سُمِّيت مِنًى منى: قال: لا أدْري. فلقيت أبا عبيدة فسألته فقال: لم أكن مع آدم حين علمه الله الأسماءفأسأله عن اشتقاق الأسماءفأتيت أبا زيد فسألته. فقال: سمِّيت منى لما يُمْنى فيها من الدماء. وقال ابن خالويه في شرح الدريدية: سمعتُ ابنَ دريد يقول: سألت أبا حاتم عن (ثادق) اسم فرسمن أي شيء اشتقفقال: لا أدري. فسألت الرياشي عنه فقال: يا معشر الصبيانإنكم لتتعمقون في العلمفسألت أبا عثمان الأشنانداني عنه فقال: يُقال: ثَدَق المطر إذا سال وانصب فهو ثادقفاشتقاقه من هذا. فائدة - قال أبو بكر الزبيدي في طبقات النحويين: سُئِل أبو عمرو بن العلاء عن اشتقاق الخيل فلم يعرف فمرَّ أعرابي مُحرِم فأراد السائلُ سؤالَ الأعرابي فقال له أبو عمرو: دعْني فإني ألطفُ بسُؤَاله وأعرف فسأله. فقال الأعرابي: استفاد الاسمَ من فِعْل السير فلم يعرف مَنْ حَضَر ما أراد الأعرابيُّ فسألوا أبا عمرو عن ذلك فقال: ذهبَ إلى الخُيَلاء التي في الخيل والعُجْب ألا تراها تمشي العََرضْنَة خيلاء وتكبرا. فائدة - قال حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتاب (الموازنة) : كان الزَّجَّاج يزعُم أن كل لفظتين اتفقتا ببعض الحروف وإن نَقَصت حروفُ إحداهما عن حروف الأخرى فإن إحداهما مشتقةٌ من الأخرى فتقول: الرحل مشتق من الرحيل والثور

стр. 275

إنما سُمّي ثورا لأنه يُثير الأرض والثوب إنما سُمِّي ثوبا لأنه ثاب لباسا بعد أن كان غزلاحسيبه اللهكذا قال. قال: وزعم أن القَرْنان إنما سُمّي قَرْناناً لأنه مُطيق لفجور امرأته كالثور القَرْنان أي المطيق لحمل قرونهوفي القرآن: ﴿وما كُنَّا له مُقْرِنين﴾ . أي مُطيقين. قال: وحكى يحيى بن علي بن يحيى المنجم أنه سأله بحَضْرة عبد الله بن أحمد بن حمدون النديم: من أي شيء اشتق الجرجيرفقال: لأن الريح تجرجره. قال: وما معنى تجرجرهقال: تجرره. قال: ومن هذا قيل للحبل الجريرلأنه يجر على الأرض. قال: والجرة لِمَ سميت جرة قال: لأنها تجر على الأرض. فقال: لو جرت على الأرض لانكسرتقال فالمجرَّة لم سميت مجرة قال: لأن الله جرَّها في السماء جرا. قال فالجُرْجور الذي هو اسم المائة من الإبل لِمَ سُميت بهفقال: لأنها تجر بالأزمة وتُقاد. قال: فالفصيل المجَرّ الذي شُق طرفُ لسانه لئلا يرضع أمه ما قولك فيهقال: لأنهم جروا لسانه حتى قطعوه. قال: فإن جروا أذنه فقطعوها تسميه مجراقال: لا يجوز ذلكفقال يحيى بن علي: قد نَقَضْتُ العلة التي أتيتَ بها على نفسك ومن لم يدر أن هذا مناقضة فلا حس له. انتهى. النوع الرابع والعشرون معرفة الحقيقة والمجاز قال ابن فارس في فقه اللغة: الحقيقة من قَوْلنا: حقَّ الشيء إذا وَجَب. واشتقاقُه من الشيء المحقق وهو المحكميقال: ثَوبٌ محقّقُ النَّسج: أي مُحْكَمُه. فالحقيقةُ: الكلامُ الموضوعُ موضعه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل ولا تقديم فيه ولا تأخيركقول القائل: أحمد الله على نِعَمه وإحسانه. وهذا أكثر الكلام وأكثَرُ آي القرآن وشعرُ العرب على هذا. وأما المجاز فمأخوذٌ من جازَ يجوز إذا استن ماضياتقول جاز بنا فلان وجاز

стр. 276

علينا فارسهذا هو الأصل. ثم تقول: يجوز أن تفعل كذا: أي يَنْفُذ ولا يُردّ ولا يُمْنع. وتقول: عندنا دراهم وَضَح وازنة وأخرى تجوزُ جَواز الوازِنة: أي إن هذه وإن لم تكن وازِنة فهي تجوز مجازَها وجوازها لقُرْبها منها. فهذا تأويلُ قولنا (مجاز) يعني أن الكلام الحقيقي يمضي لسَنَنه لا يُعترَض عليه وقد يكون غيره يجوزُ جوازَه لقُربه منه إلا أن فيه من تشبيهٍ واستعارةٍ وكفٍّ ما ليس في الأولوذلك كقولنا: عطاء فلان مزْنٌ واكِف. فهذا تشبيه وقد جاز مجاز قوله: عطاؤُه كثيرٌ وافٍ. ومن هذا قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُه عَلَى الخُرْطُومِ﴾ . فهذا استعارة. وقال ابن جني في الخصائص: الحقيقية ما أُقِرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة والمجازُ: ما كان بضد ذلك وإنما يقع المجازُ ويُعْدَل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة: وهي الاتساع والتوكيد والتشبيه فإن عُدِمت الثلاثة تعيَّنت الحقيقة فمن ذلك قوله ﷺ في الفرس: (هو بحر) فالمعاني الثلاثة موجودة فيه: أما الاتساع فلأنه زاد في أسماء الفرس - التي هي فرَس وطِرْف وجَواد ونحوها - البحرحتى إنه إن احتِيج إليه في شعر أو سجع أو اتِّساع استعمل استعمال بقية تلك الأسماءلكن لا يفضي إلى ذلك إلا بقرينة تُسْقِط الشبهة وذلك كأن يقول الشاعر: // من الوافر // (عَلوت مطا جوادك يوم يوم ... وقد ثمد الجياد فكان بحرا) وكأن يقول الساجع: فرسك هذا إذا سما بغرته كان فجراوإذا جرى إلى غايته كان بحرافإن عري من دليل فلالئلا فلا يكون إلباسا وإلغازا.

стр. 277

وأما التشبيه فلأن جَرْيه يجري في الكثرة مجرى مائه. وأما التوكيد فلأن شبه العَرَض بالجوْهر وهو أثبت في النفوس منه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وأدْخَلْناهُ في رحمتِنا﴾ هو مجاز وفيه المعاني الثلاثة: أما السعة فلأنه كأنه زاد في اسم الجهات والمحال اسما هو الرحمة. وأما التشبيه فلأنه شبَّه الرحمة - وإن لم يصح دخولها - بما يجوزُ دخولهفلذلك وضعَها موضعه. وأما التوكيد فلأنه أخْبر عن المعنى بما يُخْبرَ به عن الذات. وجميعُ أنواع الاستعارات داخلة تحت المجاز كقوله: // من الكامل // (غَمْر الرِّداءِ إذا تَبَسَّم ضاحكا ... غَلِقَت لضَحْكَتِه رقاب المال) وقوله: // من الطويل // (ووجه كأنَّ الشمس حَلَّت رِدَاءها ... عليه نقي الخد لم يَتَخَدّد) جعل للشمس رداء استعارة للنورلأنه أبلغ. وكذلك قولك: (بنيتُ لك في قلبي بيتا) مجاز استعارة لما فيه من الاتساع والتوكيد والتشبيه بخلاف قولك: (بنيت دارا) فإنه حقيقة لا مجازَ فيه ولا استعارة وإنما المجاز في الفعل الواصل إليه. قال: ومن المجاز في اللغة أبوابُ الحذف والزيادات والتقديم والتأخير والحَمْل على المعنى والتحريف: نحو ﴿واسأل القرية﴾ ووجه الاتساع فيه أنه استعمل لفظ السؤال مع ما لا يصح في الحقيقة سؤاله والتشبيه أنها شُبّهت بمن يصح سؤاله لِمَا كان بها والتوكيد أنه في ظاهر اللفظ أحالَ بالسؤال على مَنْ ليس من عادته الإجابة فكأنهم ضمنوا لأبيهم أنه إن سأل الجمادات والجِمَال أنبأته بصحة قولهموهذا تناهٍ في تصحيح الخبر.

стр. 278

قال: واعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة ألا ترى أن نحو (قام زيد) معناه كان من القيام أي هذا الجنس من الفعلومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام وكيف يكون ذلك وهو جنسٌ والجنسُ يُطْلَق على جميع الماضي وجميع الحاضر وجميع الآتي من الكائنات من كل من وجد منه القيامومعلوم أنه لا يجتمعُ لإنسان واحد في وقتٍ واحد ولا في أوقاتٍ القيامُ كلُّه الداخل تحت الوهم. هذا محالفحينئذ (قام زيد) مجاز لا حقيقة على وضع الكلِّ موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثيرويدل على انتظام ذلك لجميع جنسِه أنك تقولهُ في جميع أجزاء ذلك الفعلفتقول: قمت قومة وقومتين وقياما حسناوقياما قبيحافإعمالك إياه في جميع أجزائه يدل على أنه موضوعٌ عندهم على صَلَاحه لتناول جميعها وكذلك التأكيد في قوله: لعمري لقد أَحْبَبْتُك الحب كله. وقوله: // من الطويل // (يَظُنّان كلَّ الظَّنّ أنْ لا تَلَاقِيَا) يدلان على ذلك. قال لي أبو علي: قولنا: (قام زيد) بمنزلة قولنا: (خرجتُ فإذا الأسد) . ومعناه أن قولهم: (خرجت فإذا الأسد) تعريفه هنا تعريف الجنسكقولك: (الأسد أشدُّ من الذئب) . وأنت لا تُريد أنك خرجتَ وجميعُ الأُسْد التي يتناولها الوَهْم على الباب. هذا محالوإنما أردت: فإذا واحد من هذا الجنس بالبابفوضعت لفظ الجماعة على الواحد مجازالما فيه من الاتساع والتوكيد والتشبيه: أما الاتساع فلأنك وضعتَ اللفظ المعتادَ للجماعة على الواحد. وأما التوكيد فلأنك نَظَمْت قدرَ ذلك الواحد بأن جئتَ بلفظه على اللفظ المعتاد للجماعة. وأما التشبيه فلأنك شبَّهتَ الواحد بالجماعة لأن كل واحد منها مثله في كونه أسداوإذا كان كذلك فمثلُه: (قعد زيد وانطلق) (وجاء الليل) و (انصرم النهار) . وكذلك ضربت زيدامجازا أيضا من جهة أخرى سوى التجوز في الفعل

стр. 279

وذلك لأن المضروب بعضه لا جميعهوحقيقة الفعل ضرب جميعهولهذا يؤتى عند الاستظهار ببدل البعض نحو ضربت زيدا رأسه. وفي البدل أيضا تجوزلأنه قد يكون المضروب بعضَ رأسه لا كلَّ الرأس. قال: ووقوع التوكيد في هذه اللغة أقوى دليلا على شيوع المجاز فيها. انتهى كلامُ ابن جني - ملخصا. فصل - قال الإمامُ فخرُ الدين وأتباعُه: جهاتُ المجاز يحضرُنا منها اثنا عشَر وجها: أحدها: التجوُّز بلفظ السبب عن المسبب ثم الأسباب أربعة: القابل كقولهم: سال الوادي. والصورى كقولهم لليد: إنها قدرة. والفاعل كقولهم: نزل السحاب أي المطر الغائيكتسميتهم العنب بالخمر. الثاني - بلفظ المسبب عن السببكتسميتهم المرض الشديد بالموت. الثالث - المشابهة كالأسد للشجاع. الرابع - المضادة كالسيئة للجزاء. الخامس والسادس - اسم الكل للجزءكالعام للخاص واسم الجزء للكلكالأسود للزنجي. السابع - اسمُ الفعل على القوة كقولنا للخَمْرة في الدن: إنها مُسْكِرة. الثامن - المشتق بعد زوال المصدر. التاسع - المجاورة كالرَّاوِية للقِرْبة. العاشر - المجاز العرفي وهو إطلاق الحقيقة على ما هجر عرفاكالدابة للحمار. الحادي عشر - الزيادة والنقصانكقوله: ليس كَمِثْلِه شيءٌ. ﴿واسْأَل القَرْية﴾ الثاني عشر - اسم المتعلق على المتعلق به كالمخلوق بالخَلْق. قالوا: ولا يدخل المجاز بالذات إلا على أسماء الأجناس أما الحَرْف فلا يفيد

стр. 280

وحده بل إنْ قُرِن بالملائم كان حقيقةً وإلا كان مجازا في التركيبوأما الفعل فإنه يدل على المصدر واستناده إلى موضوع. والمجاز في الإسناد عقلي وفي المصدر يستتبع تجوز العقل فلا يكون بالذات. وأما الأسماء فالأعلام منها لم تُنْقل بعلاقة فلا مجاز فيها والمشتقات تتبع الأصولفلم يبق إلا أسماءُ الأجناس. قالوا: والمجازُ إما لأجل اللفظ أو المعنى أو لأجلهما فالذي لأجل اللفظ إما لأَجْل جَوْهره بأن تكون الحقيقة ثقيلة على اللسانإما لِثِقل الوزن أو تنافر التركيب أو ثقل الحروف أو عوارضه بأن يكون المجازُ صالحا لأصْناف البديع دون الحقيقة. والذي لأجل المعنى إما لعظَمةٍ في المجاز أو حقارة في الحقيقة أو لبيان في المجاز أو لِلُطف فيه: أما العظمة فكالمجلس وأما الحقارة فكقضاء الحاجة بدلا عن التغوط وأما زيادة البيانفإما لتَقْويةِ حال المذكور كالأسد للشجاع أو للذكر وهو المجاز في التأكيد. وأما التلطيف فنقولُ: إنه لا شوقَ إلى الشيء مع كمال العلم به ولا كمالِ الجهل به بل إذا عُلم من وجهٍ شَوَّق ذلك الوجهُ إلى الآخر فتتعاقب الآلام واللذات ويكونُ الشعورُ بتلك اللذات أتموعند هذا فالتعبيرُ بالحقيقة يفيدُ العلم. والتعبير بلوازم الشيء الذي هو المجاز لا يفيدُ العلم بالتمام فيحص دَغْدَغة نَفْسانية فكان المجاز آكَدَ وألطف. انتهى. وذكر القاضي تاج الدين السبكي في شرح منهاج الأصول: أن المجاز يدخُل في الأعلام التي تُلْمَح فيها الصفة كالأسْوَد والحرثونقله عن الغز اليفيستثنى هذا مما تَقَّدّم. تنبيه - قال الإمام وأتباعه: المجاز خلاف الأصللأنه يتوقف على الوضع لأول والمناسبة والنقلوهي أمورٌ ثلاثة. والحقيقة على الوَضْع وهو أحدُ الثلاثة فكان أكثرولأن المجاز لو ساوى الحقيقة لكانت النصوص كُلُّها مجملة بل المخاطبات. فكان لا يحصلُ الفهمُ إلا بعد الاستفهام. وليس كذلك ولأن لكل

стр. 281

مجاز حقيقة ولا عكسيدل عليه أن المجاز هو المنقول إلى معنى ثان لمناسبة شاملة والثاني له أول وذلك الأول لا يجب فيه المناسبة. قال القاضي تاج الدين السبكي في شرح المنهاج: الأصلُ تارة يطلق ويراد به الغالب وتارة يردا به الدليل فقولهم: المجاز خلاف الأصلإما بمعنى خلاف الغالب والخلاف في ذلك مع ابن جني حيث ادعى أن المجاز غالب على اللغات أو بالمعنى الثاني والفرض أن الأصل الحقيقة والمجاز خلاف الأصلفإذا دار اللفظ بين احتمال المجاز واحتمال الحقيقة فاحتمالُ الحقيقة ارجح. فصل - قال القاضي عبد الوهاب في كتاب الملخص: اعلم أن الفرق بين الحقيقة والمجاز لا يُعْلم من جهة العقل ولا السمع ولا يُعلم إلا بالرجوع إلى أهل اللغة والدليل على ذلك أن العقلَ متقدم على وَضْع اللغة فإذا لم يكن فيه دليل على أنهم وضعوا الاسم لمسمى مخصوص امتنع أن يُعْلم به أنهم نقلوه إلى غيرهلأن ذلك فرعُ العلم بوضعه وكذلك السمع إنما يَرِد بعد تقرر اللغة وحصول المواظبة وتمهيد التخاطب واستمرار الاستعمال وإقرار بعض الأسماء فيما وُضع له واستعمال بعضها في غير ما وضع لهفيمتنع لذلك أن يُقال إنه يعلم به أن استعمال أهل اللغة لبعض الكلام هو في غير ما وُضع له لامتناع أن يُعلم الشيء بما يتأخر عنه. قال: فمن وجوه الفرق بين الحقيقة والمجاز أن يُوقِفنا أهلُ اللغة على أنه مجاز ومستعمل في غير ما وُضع له كما وَقَفونا في استعمال أسد وشجاع وحمار في القوي والبليد وهذا من أقوى الطرق في ذلك. ومنها: أنْ تكون الكلمةُ تصرَّف بتثنية وجمع واشتقاق وتعلَّق بمعلوم ثم تجدها مستعملة في موضع لا يثبت ذلك فيهفيعلم بذلك أنها مجازمثل لفظة أمرفإنها حقيقة في القول لتصرفها بالتثنية والجمع والاشتقاقتقول: هذان أمران وهذه أوامر الله وأوامر رسوله وأمَر يأمر أمرا فهو آمر. ويكون لها تعلق بآمرومأمور به ثم تجدها مستعملة في الحال والأفعال والشأن عارية من هذه الأحكامفيعلم أنها فيه مجازمثل: وما أَمْرُ فِرْعَوْنَ برَشيد يريدُ جملة أفعاله وشأنه. ومنها: أن تطَّرد الكلمةُ في موضع ولا تطَّرد في موضع آخر من غير مانع

стр. 282

فيستدل بذلك على كونها مجازاوذلك لأن الحقيقة إذا وُضِعت لإفادة شيء وجب اطرادها وإلا كان ذلك ناقصا للغة فصار امتناع الاطراد مع إمكانه دالا على انتقال الحقيقة إلى المجازوذلك كتسمية الجد أبا فإنه لا يطرد وكذا تَسْمية ابن الابن ابنا. قال: ومنها ما ذكره القاضي أبو بكر من أن تقوية الكلام بالتأكيد من علامات الحقيقة دون المجازلأن أهل اللغة لا يقوون المجاز بالتأكيدفلا يقولون أراد الجدارُ إرادة ولا قالت الشمس قولاكطلعت طلوعاوكذلك ورد الكلام في الشرع لأنه على طريق اللغة. قال تعالى: ﴿وكلَّمَ اللَّه مُوسَى تكليما﴾ فتأكيده بالمصدر يفيد الحقيقة أنه أسمعه كلامه وكلمه بنفسه لا كلاما قام بغيره. انتهى ما ذكره القاضي عبد الوهاب. وقال الإمام وأتباعه: الفرقُ بين الحقيقة والمجاز إما أن يقعَ بالتنصيص أو بالاستدلال. أمَّا التَّنصيصُ فمن وجهين: أحدهما - أن يقول الواضِعُ: هذا حقيقةٌ وذاك مجاز أو يقول ذلك أئمةُ اللغة. قال الصفي الهندي: لأن الظاهرَ أنهم لم يقولوا ذلك إلا عن ثقة. والثاني - أن يقول الواضعُ هذا حقيقة أو هذا مجازفيثبت بهذا أحدهما. وهو ما نص عليه. وأما الاستدلال فبالعلاماتفمن علامات الحقيقة تبادرُ الذهن إلى فَهم المعنى والعَراء عن القرينة أي إذا سمعنا أهل اللغة يعبرون عن معنى واحد بعبارتين ويستعلمون إحداهما بقرينة دون الأخرى فنعرفُ أن اللفظَ حقيقةٌ في المستعملة بدون القرينة لأنه لولا استقرار أنفسهم على تعين ذلك اللفظ لذلك المعنى بالوَضْع لم يقتصروا عادة. ومنْ علامات المجاز: إطلاقُ اللفظ على ما يستحيل تَعَلُّقه به واستعمال اللفظ في المعنى المنسي كاستعمال لفظ الدابَّة في الحمار فإنه موضوع في اللغة لكل ما يدب على الأرض. وفي تعليق أَلِكْيَا: قد ذكر القاضي أبو بكر فروقا بين الحقيقة والمجازفمن ذلك أن الحقيقة يُقاسُ عليها والمجازُ لا يقاسُ عليه. فإنَّ من وجد منه الضَّرب

стр. 283

يقال: ضرب يضرب فهو ضاربفيطلق هذا الاسم على كل ضرب إذ هو حقيقةٌْ فيُطْلَق ذلك على من كان في زَمَن واضِع اللغة وعلى مَنْ يأتي بعدَه ولا يُقال: اسأل البساط واسأل الحصير واسأل الثوب بمعنى صَاحبه قياسا على ﴿واسأل القَرْيةَ﴾ . الثاني - إن الحقيقة يشتق منها النعوت يقال أمر يأمر فهو آمر والمجازُ لا يشتق منه النعوت والتفريعات الثالث إنَّ الحقيقة والمجاز يفترقان في الجمع فإن جمع (أمْر) الذي هو ضد للنهي أوَامر وجمع الأمر الذي هو بمعنى القَصْد والشأن أمور. فوائد: الأولى - قال ابنُ برهان في كتابه في الأصول: اللغة مشتملة على الحقيقة والمجاز وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: لا مجازَ في لغة العرب. وعُمْدَتنا في ذلك النقلُ المتواتر عن العربلأنهم يقولون: استوى فلان على مَتْن الطريق ولا مَتْنَ لها وفلان على جناح السفر ولا جناح للسفر وشابَتْ لمَّةُ الليل وقامت الحَرْبُ على ساق. وهذه كلها مجازاتومنكر المجاز في اللغة جاحدٌ للضرورة ومبطل محاسن لغة العرب. قال امرؤ القيس: // من الطويل // (فقلتُ له لما تَمَطَّى بصُلبه ... وأردَف أعجازا وناء بِكَلْكَلِ) وليس لليلٍ صُلْب ولا أرْداف. وكذلك سموا الرجل الشجاع أسداوالكريم والعالم بحرا والبليد حمارالمقابلة ما بينه وبين الحمار في معنى البلادة والحمارُ حقيقةٌ في البهيمة المعلومة. وكذلك الأسدُ حقيقة في البهيمة ولكنه نُقل إلى هذه المستعارات تجوّزاً. وعمدة الأستاذ أن حدَّ المجاز عند مُثْبتيه أنه كلُّ كلام تجوّزَ به عن موضوعه الأصلي إلى غير موضوعه الأصلي لنوع مقارنةٍ بينهما في الذات أو في المعنى: أما المقارنة في المعنى فكَوَصْف الشجاعة والبلادة وأما في الذات فكتسمية المطر سماءوتسمية الفضلة غائطاوعذرة والعَذِرَة: فناء الدار والغائط: الموضع المطمئن من الأرض كانوا يرتادونه عند قضاء الحاجة فلما كَثُر ذلك نُقِل الاسمُ إلى الفَضْلة وهذا يستدعي منقولا عنه متقدما إليه متأخراوليس في لغة العرب تقديم وتأخيربل كلُّ زمان قُدِّر أن العرب قد نطقَتْ فيه بالحقيقة فقد نطقت فيه

стр. 284

بالمجازلأن الأسماء لا تدل على مدلولاتها لذاتهاإذ لا مُناسبة بين الاسمِ والمسمَّى ولذلك يجوز اختلافها باختلاف الأمم ويجوز تغييرها والثوب يسمى في لغة العرب باسم وفي لغة العَجَم باسم آخر ولو سمي الثوب فرساوالفرس ثوبا ما كان ذلك مستحيلابخلاف الأدلة العقلية فإنها تدل لذواتهاولا يجوز اختلافهاأما اللغة فإنها تدلُّ بوضعٍ واصطلاح والعرب نطقَتْ بالحقيقة والمجاز على وجهٍ واحدٍ فجعلُ هذا حقيقة وهذا مجازا ضربٌ من التحكم فإن اسمَ السبع وضع للأسد كما وضع للرجل الشجاع. وطريق الجواب عن هذا أنا نسلم له أن الحقيقةَ لا بدَّ من تقديمها على المجازفإن المجاز لا يُعْقل إلا إذا كانت الحقيقة موجودة ولكن التاريخَ مجهولٌ عندنا والجهلُ بالتاريخ لا يدلُّ على عدم التقديم والتأخير. وأما قوله: إنَّ العربَ وضعت الحقيقة والمجاز وضعا واحدا فباطلبل العربُ ما وَضعت الأسد اسما لعين الرجل الشجاعبل اسم العَين في حق الرجل هو الإنسانُ ولكن العربَ سمَّت الإنسانَ أسدا لمشابهته الأسد في معنى الشجاعة فإذا ثبت أن الأسامي في لغة العرب انقسمت انقساما معقولا إلى هذين النوعينفسمينا أحدهما حقيقة والآخر مجازافإن أنكَرَ المعنى فقد جحد الضرورة وإن اعترف به ونازع في التسمية فلا مشاحة في الأسامي بعد الاعتراف بالمعانيولهذا لا يفهَم من مُطْلَق اسم الحمار إلا البهيمة وإنما ينصرف إلى الرجل بقرينة ولو كان حقيقة فيهما لتناولهما تناولا واحدا. انتهى. وقال إمام الحرمين في (التلخيص) والغزالي في (المنخول) : الظن بالأستاذ أنه لا يصح عنه هذا القول. وقال التاج السبكي في شرح منهاج الأصول: نقلت من خط ابن الصلاح أن أبا القاسم بن كج حكى عن أبي علي الفارسي إنكارَ المجاز كما هو المحكي عن الأستاذ. قلت: هذا لا يصحُّ أيضافإن ابنَ جني تلميذُ الفارسي وهو أعلم الناس بمذهبه ولم يحكِ عنه ذلك بل حكى عنه ما يدلُّ على إثباته. قال ابن السبكي: وليس مرادُ مَنْ أنكرَ المجازَ في اللغة أن العربَ لم تَنْطق بمثل

стр. 285

قولك للشجاع: (إنه أسدٌ) فإن ذلك مُكابرةٌ وعنادولكن هو دائرٌ بين أمرين إما أن يَدَّعي أنَّ جميع الألفاظ حقائق ويكتفي في الحقيقة بالاستعمال وإن لم يكن بأصْل الوضع وهذا مسلم ويعود البحث لفظياوإن أراد استواءَ الكلِّ في أصل الوضع. قال القاضي في مختصر التقريب: فهذه مراغمة للحقائقفإنا نعلمُ أن العرب ما وضعت اسم الحمار للبليد. الثانية - قال الإمام وأتباعه: اللفظُ يجوز خلوه عن الوصفينفيكون لا حقيقة ولا مجازا لغويافمن ذلك اللفظُ في أول الوَضع قبل استعماله فيما وُضع له أو في غيره ليس بحقيقة ولا مجازلأن شرط تحقق كل واحد من الحقيقة والمجاز الاستعم الفحيث انْتَفَى الاستعمال انتفيا ومنه الأعلام المتجدِّدة بالنسبة إلى مسمياتهافإنها أيضا ليست بحقيقةٍ لأن مستعمِلَها لم يستَعْمِلها فيما وضعت له أولابل إما أنه اختَرعها من غير سَبْق وَضع كما في الأعلام المُرْتجلة أو نقلها عما وضعت له كالمنقولة وليست بمجازلأنها لم تنقل لعلاقة. قال القاضي تاج الدين السبكي: وقد ظهر أنَّ المراد بالأعلام هنا الأعلامُ المتجددة دون الموضوعة بوَضع أهل اللغة فإنها حقائق لغوية كأسماء الأجناسوقد ألحق بعضُهم بذلك اللفظ المستعمل في المشاكلة نحو: ﴿وجزاءُ سيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلها﴾ . فذكر أنه واسطةٌ بين الحقيقة والمجاز وهو ممنوعٌ كما بيَّنْتُه في الإتقان وغيره. الثالثة - قد يجتمع الوصفان في لفظ واحدفيكون حقيقة ومجازا إمَّا بالنسبة إلى مَعْنيين وهو ظاهر وإما بالنسبة إلى معنى واحد وذلك من وَضْعين كاللفظ الموضوع في اللغة لمَعْنًى وفي الشرع أو العرف لمعنى آخر فيكون استعماله في أحد المعنيين حقيقة بالنسبة إلى ذلك الوَضع مجازا بالنسبة إلى الوَضع الآخر. قال الإمام وأتْبَاعُه: ومن هذا يُعرف أن الحقيقة قد تصيرُ مجازا وبالعكس فالحقيقةُ متى قل استعمالها صارت مجازا عرفاوالمجاز متى كثر استعماله صار حقيقة عرفاوأما بالنسبة إلى معنى واحد من وَضْع واحد فمحال لاسْتحالة الجمع بين النفي والإثبات. الرابعة - قال أهل الأصول: اللفظُ والمعنى إما أن يتحدا فهو المُفْرَد كلفظة
следующие страницы →