Полный текст (942 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الأصمعي عن هذا فقال: لا يقال أباع، فقلت قول الشاعر: [// من الكامل //]
(فليس جوادنا بمباع)
فقال: أي غير معرض للبيع.
وقال: يقال: هوى له، وأهوى.
وقال الأصمعي: هوى من علو إلى سفل، وأهوى إليه إذا غَشِيَه.
قال ابن دريد: قلت لأبي حاتم: أليس قد قال الشاعر: [// من الطويل //]
(هوى زَهْدَم تحت العَجاج لحاجب ... كما انقضَّ باز أقتمُ الريش كاسِر)
فقال: أحسب الأصمعي أُنْسي، وهذا بيت فصيح صحيح، وقال: سمع ابن أحمر يقول: [// من البسيط //]
(أهوى لها مِشْقَصاً حشْراً فشَبْرقَها ... وكنت أدعو قَذَاها الإثْمِدَ القَرِدا)
فاستعمل هذا ونسي ذاك.
وقال في الجمهرة:
جمع فَعَل على أَفْعِلة في المعتل.
أجازه النحويون ولم تتكلم به العرب، مثل: رَحَى وأرحية، ونَدَى وأندية، وقفا وأقفية.
قال أبو عثمان: سألت الأخفش: لم جمعت نَدَى على أندية فقال نَدى في وزن فَعل، وجَمل في وزن فَعل فجمعت جملا جِمالاً فصار في وزن نِداء، فجمعت نِداء أندية.
قال: وهذا غير مسموع من العرب.
وفيها: تقول العرب للرجل في الدعاء عليه: أَرِبْتَ من يديك، فقلت لأبي حاتم: ما معنى هذا فقال: شلت يده.
وسألت عبد الرحمن فقال: أن يسأل الناس بهما.
стр. 772
وقال في الجمهرة: قالوا ناب أعصل، وأنياب عصال، وأنشد يقول: [// من الرجز //]
(وَفُرَّ عن أنيابها العِصال)
فقلت لأبي حاتم: ما نظير أَعصَل وعِصَال فقال: أبْطَح وبِطَاح، وأَجْرَب وجِراب، وأَعْجَف وعِجاف.
وقال.
سأل النعمانُ بن المنذر رجلا طعن رجلا فقال: كيف صنعت فقال: طعنته في الكَبَّة، طعنة في السَّبَّة، فأنفذتُها من اللَّبة فقلت لأبي حاتم: كيف طعنه في السَّبة وهو فارس فضحك، وقال: انهزم فتَبعه فلما رَهِقه أكب ليأخذ بمَعرفَةِ فرسه، فطعنه في سبته، أي دبره
وقال القالي في أماليه: حدثني أبو بكر بن دريد، قال: حدثني أبو حاتم: قال: قلت للأصمعي: أتقول في التَّهدد: أبْرق وأرْعد فقال: لا لست أقول ذلك إلا أن أرَى البَرْق أو أسمع الرَّعْد، قلت: فقد قال الكميت: [من // مجزوء الكامل //]
(أبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لي بِضَائر)
فقال: الكميت جُرْمُقانيّ من أهل الموصل، ليس بحجة، والحجة الذي يقول: [// من الطويل //]
(إذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوسَ ما شئت فارْعُد)
فأتيت أبا زيد، فقلت له: كيف تقول من الرعد البرق: فَعَلت السماء فقال:
стр. 773
رَعَدَتْ وَبَرَقَت، فقلت: من التهدد فقال: رَعَد وبَرَق وأَرْعد وأبرَق فأجاز اللغتين جميعا.
وأقبل أعرابي محرم، فأردت أن أسأله، فقال لي أبو زيد: دَعْني فأنا أعرف بسؤاله منك فقال: يا أعرابي، كيف تقول: رَعَدت السماء وبرقت أَوْ أرعدت وأبرقت فقال: رعدت وبرقت.
فقال أبو زيد: فكيف تقول للرجل مِنْ هذا فقال: أمن الجَخِيف تريد يعني التهديد فقال: نعم فقال: أقول رَعَدَ وبَرَق وأرْعد وأبرق.
وفي الغريب المصنف.
الزنجيل: الضعيف البدن من الرجال، قال الأموي: الزِّنْجيل (بالنون) فسألت الفراء عنها فقال الزِّئجيل (بالياء مهموز) قال أبو عبيد: وهو عندي على ما قال الفراء لقولهم في بعض اللغات الزؤاجل.
وفيه: قال الأموي: جرح تَغَّار (بالتاء) إذا سال منه الدم.
وقال أبو عبيدة: نَغَّار (بالنون) ، قال أبو عُبيد: هو بالنون أشبه.
وقال ثعلب في أماليه:
أنشدنا ابن الأعرابي: [// من الطويل //]
(ولا يدرك الحاجات من حيث تبتغي ... من الناس إلا المصبحون على رحل)
قال ثعلب: قلنا لابن الأعرابي: أمعه آخر قال: لا، هو يتيم.
النوع الثاني والأربعون
معرفة كتابة اللغة
من فوائد [معرفة كتابة اللغة] الأولى:
قال ابن فارس في فقه اللغة:
стр. 774
باب القول على الخط العربي وأول من كتب به
يروى أن أول من كتب الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها آدمُ ﵇ قبل موته بثلثمائة سنة.
كتبها في طين وطبخه، فلما أصاب الأرضَ الغرقُ وجد كل قوم كتابا فكتبوه، فأصاب إسماعيل ﵇ الكتاب العربي.
قلت: هذا الأثر أخرجه ابن أشْتَة في كتاب المصاحف بسنده عن كعب الأحبار.
ثم قال ابن فارس
وكان ابن عباس يقول: أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل ﵇ وضعه على لفظه ومنطقه.
قلت: هذا الأثر أخرجه ابن أَشْتَة والحاكم في المستدرك من طريق عكرمة عن ابن عباس، وزاد أنه كان موصولا حتى فرقه بين ولده، يعني أنه وصل فيه جميع الكلمات ليس بين الحروف فرق هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم فرقه بين ابنيه هميسع وقيذر.
ثم قال ابن فارس: والروايات في هذا الباب تكثر وتختلف.
قلت: ذكر العسكري عن الأوائل في ذلك اقوالا فقال: أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل ﵇، وقيل مُرَامِر بن مُرَّة، وأسلم بن جَدَرَة وهما من أهل الأنبار، وفي ذلك يقول الشاعر: [// من الكامل //]
(كتبت أبا جاد وحُطِّي مرامر ... وسودت سربالي ولست بكاتب)
стр. 775
وقيل: أول من وضعه، أبجدُ وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت، وكانوا ملوكا فسمي الهجاء بأسمائهم.
وأخرج الحافظ أبو طاهر السلفي في الطيوريات بسنده عن الشعبي قال: أول العرب الذي كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس، تعلم من أهل الحيرة، وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار.
وقال أبو بكر بن أبي داوود في كتاب المصاحف: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: سَألْنَا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة قالوا: تعلمنا من أهل الحيرة.
وسألنا أهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة قالوا: من أهل الأنبار.
ثم قال ابن فارس: والذي نقوله فيه: إن الخط توقيف وذلك لظاهر قوله تعالى: الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يَعْلَمْ.
وقوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ ومَا يَسْطُرُونَ﴾ .
وإذا كان كذا فليس ببعيد أن يوَقَّف آدم ﵇ أو غيرُه من الأنبياء ﵈ على الكتاب فأما أن يكون مخترع اخترعه من تلقاء نفسه فشيء لا يُعْلَم صحته إلا من خبر صحيح.
قلت يؤيد ما قاله من التوقيف ما أخرجه ابنُ أَشْتَة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أول كتاب أنزله الله من السماء أبو جاد وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: ((أول من خط بالقلم إدريس ﵇) .
قال ابن فارس: وزعم قوم أن العرب العَارِبَة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها، وأنهم لم يعرفوا نحوا ولا إعرابا، ولا رفعا ولا نصبا ولا همزا، قالوا: والدليل على ذلك ما حكاه بعضهم
стр. 776
عن بعض الأعراب أنه قيل له: أتهمز إسرائيل فقال: إني إذن لرجل سواء قالوا: وإنما قال ذلك لأنه لم يعرف من الهمز إلا الضغط والعصر.
وقيل لآخر: أتجرُّ فلسطين فقال: إني إذن لقوي قالوا:
وسمع بعض فصحاء العرب ينشده: [// من الرجز //]
(نحن بني عَلْقَمَة الأخيارا)
فقيل له: لم نصبت بَني فقال: ما نصبته، وذلك أنه لم يعرف من النصب إلا إسناد الشيء.
قالوا:
وحكى الأخفش عن أعرابي فصيح أنه سُئل أن ينشد قصيدة على الدال فقال: وما الدال وحكي أن أبا حية النميري سئل أن ينشد قصيدة على الكاف فقال: [// من الوافر //]
(كفى بالنأي من أسماءَ كافِ ... وليس لحبها إذ طال شاف)
قال ابن فارس: والأمر في هذا بخلاف ما ذهب إليه هؤلاء، ومذهبنا فيه التوفيق فنقول: إن أسماء هذه الحروف داخلةٌ في الأسماء التي أعلم الله تعالى أنه علمها آدم ﵇ وقد قال تعالى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾ فهل يكون أولُ البيان إلا علم الحروف التي يقع بها البيان ولم لا يكون الذي علم آدم الأسماء كلَّها هو الذي علمه الألف والباء والجيم والدال فأما من حكى عنه الأعراب الذين لم يعرفوا الهمز والجر
стр. 777
والكاف والدال، فإنا لم نزعم أن العرب كلها مَدراً ووبرا قد عرفوا الكتابة كلَّها، والحروف أجمعها، وما العرب في قديم الزمان إلا كنحن اليوم، فما كل أحد يعرف الكتابة والخط والقراءة.
وأبو حية كان أمس وقد كان قبله بالزمن الأطول من كان يعرف الكتابة ويخط ويقرأ، وكان في أصحاب رسول الله ﷺ كاتبون، منهم: عثمان وعلي وزيد وغيرهم، وقد عرضت المصاحف على عثمان فأرسل بكَتِفِ شاة إلى أبي ابن كعب فيها حروف فأصلحها، أفيكون جهل أبي حية بالكتابة حجة على هؤلاء الأئمة والذي نقوله في الحروف هو قولنا في الإعراب والعروض، والدليل على صحة هذا وأن القوم قد تَداولوا الإعراب أنا نستقرىء قصيدة الحطيئة التي أولها: [// من مجزوء الكامل //]
(شاقتكَ أظعان لليلى ... دون ناظرةٍ بواكرْ)
(فنجد قوافيها كلها عند الترنم والإعراب تجيء مرفوعة، ولولا علم الحطيئة بذلك لأشبه أن يختلف إعرابها، لأن تساويها في حركة واحدة اتفاقا من غير قصد لا يكاد يكون.
فإن قال قائل: فقد تواترت الروايات بأن أبا الأسود أولُ من وضع العربية وأن الخليل أول من تكلم في العروض.
قيل له: نحن لا ننكر ذلك، بل نقول: إن هذين العِلْمين قد كانا قديما، وأتت عليهما الأيام وقلا في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الإمامان.
وقد تقدم دليلنا في معنى الإعراب، وأما العروض فمن الدليل على أنه كان متعارفا معلوما قول الوليد بن المغيرة منكرا لقول من قال إن القرآن شعر: لقد عرضته على أقْرَاء الشعر، هَزَجِه ورَجَزه، وكذا وكذا، فلم أره يشبه شيئا من ذلك أفيقول الوليد هذا وهو لا يعرف بحور الشعر
وقد زعم ناس أن علوما كانت في القرون الأوائل، والزمن المتقادم، وأنها دَرَست وجددت منذ زمان قريب، وترجمت وأصلحت منقولة من لغة إلى لغة وليس ما قالوا ببعيد، وإن كانت تلك العلوم بحمد الله وحسن توفيقه مرفوضة عندنا.
فإن قال: قد سمعناكم تقولون: إن العرب فعلت كذا ولم تفعل كذا: من أنها لا تجمع بين ساكنين، ولا تبتدىء بساكن، ولا تقف على متحرك، وأنها تسمى الشخص الواحد بالأسماء الكثيرة، وتجمع الأشياء الكثيرة تحت الإسم الواحد.
стр. 778
قلنا: نحن نقول: إن العربَ تفعل كذا بعد ما وطأناه أن ذلك توقيف حتى ينتهى الأمر إلى الموقف الأول.
ومن الدليل على عِرْفان القدماء من الصحابة وغيرهم بالعربية كتابتُهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو، والياء، والهمز، والمد، والقصر، فكتبوا ذوات الياء باليا، وذوات الواو بالألف، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنا في مثل: الخبء والدفء والملء فصار ذلك كله حجة، وحتى كره من كره العلماء ترك أتباع المصحف.
انتهى كلام ابن فارس.
وقال ابن دريد في أماليه:
أخبرني السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبي عن عوانة قال: أول من كتب بخطنا هذا وهو الجزم مُرَامِر بن مُرّة وأسلم بن جَدَرَة الطائيان، ثم علموه أهل الأنبار، فتعلمه بِشْر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دُومَة الجَنْدَل، وخرج إلى مكة، فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان، فعلم جماعة من أهل مكة، فلذلك كثر من يكت بمكة في قريش، فقال رجل من أهل دومة الجندل من كندة يَمنُّ على قريش بذلك: [// من الطويل //]
(لا تجْحَدوا نَعْمَاء بِشْرٍ عليكمو ... فقد كان ميمونَ النقيبةِ أَزْهَرَا)
(أتاكم بخط الجَزْمِ حتى حفظتمو ... من المال ما قد كان شتى مبعثرا)
(وأتقنتمو ما كان بالمال مُهمَلاً ... وطامنتمو ما كان منه منفرا)
(فأجريتمُ الأقلام عَوْداً وبَدأةً ... وضاهيتمو كتَّاب كسرى وقيصرا)
(وأُغْنيتمو عن مُسْنِد الحي حِمْير ... وما زَبَرت في الصحف أقيال حميرا)
وقال الجوهري في الصِّحاح: قال شَرْقي بن القَطامي: إن أول من وضع خطنا هذا رجال من طي منهم مرامر ابن مرة قال الشاعر: [// من الكامل //]
(تعلمت باجاد وآل مرامر ... وسودت سربالي ولست بكاتب)
стр. 779
وإنما قال: آل مرامر لأنه قد سمى كل واحد من أولاده بكلمة من أبي جاد وهم ثمانية.
وقال أبو سعيد السِّيرافي:
فصَّل سيبويه بين أبي جاد وهوَّز وحطي فجعلهن عربيات، وبين البواقي فجعلهن أعجميات.
وكان أبو العباس يجيز أن يكون كلهن أعجميات، وقال من يحتج لسيبويه: جعلهن عربيات لأنهن مفهومات المعاني من كلام العرب، وقد جرى أبو جاد على لفظ لا يجوز أن يكون إلا عربيا تقول: هذا أبو جاد، ورأيت أبا جاد، وعجبت من أبي جاد.
قال أبو سعيد: ولا تبعد فيها العجمة لأن هذه الحروف عليها يقع تعليم الخط بالسرياني وهي معارف.
وقال المسعودي في تاريخه: قد كان عدة أمم تفرقوا في ممالك متصلة منهم المسمى بأبي جاد، وهوَّز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشيات، وهم بنو المحصن بن جندل بن يصعب بن مدين بن إبراهيم الخليل ﵇.
وأحرف الجُمَّل هي أسماء هؤلاء الملوك وهي الأربعة والعشرون حرفا التي عليها حساب الجُمَّل، وقد قيل في هذه الحروف غير ذلك فكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز، وكان هوز وحطي ملكين بأرض الطائف، وما اتصل بها من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرشيات ملوكا بمدين، وقيل: ببلاد مضر، وكان كلمن على أرض مدين وهو ممن أصابه عذاب يوم الظُّلَّة مع قوم شعيب وكانت جارية ابنته بالحجاز، فقالت ترثي كلمن أباها بقولها: [// من مجزوء الرمل //]
(كلَمُونٌ هدَّ رُكني ... هلكه وسْط المحلَّهْ)
(سيد القوم أتاه الحتف ... ثَاوٍ وَسْطَ ظُلَّهْ)
(كونت نارا فأضحت ... دار قومي مُضْمَحِله)
وقال المنتصر بن المنذر المديني: [// من الطويل //]
(ألا ياشعيب قد نطقت مقالة ... أتيت بها عمرا وحي بني عمرو)
стр. 780
(هُمُ ملكوا أرض الحجاز بأوْجُه ... كمثل شعاع الشمس في صورة البدر)
(وهُمْ قَطنوا البيت الحرام وزينوا ... قطورا وفازوا بالمكارم والفخر)
(ملوك بني حطي وسعفص في الندي ... وهوز أرباب الثَّنِية والحِجر)
وقال الخطيب في المتفق والمفترق: أخبرنا علي بن المحسن التنوجي: حدثنا أحمد بن يوسف الأزرق، أخبرنا عمي إسماعيل بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول، حدثني أبو الفوارس بن الحسن بن منبه بن أحمد اليربوعي، حدثنا يحيى بن محمد بن حشيش المغربي القرشي، حدثنا عثمان بن أيوب من أهل المغرب، حدثنا بهلول بن عبيد التجيي، عن عبد الله بن فروخ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن أبيه قال: قلت لابن عباس: معاشرَ قريش من أين أخذتم هذا الكتاب العربي قبل أن يُبعث محمد ﷺ تجمعون منه ما اجتمع، وتفرقون منه ما افترق مثل الألف واللام قال: أخذناه من حرب بن أمية.
قال: فممن أخذه حرب قال: من عبد الله بن جُدْعان، قال: فممن أخذه ابن جُدعان قال: من أهل الأنبار، قال: فممن أخذه أهل الأنبار قال: من أهل الحيرة قال فممن أخذه أهل الحيرة قال: من طارىء طرأ عليهم من اليمن من كندة.
قال: فممن أخذه ذلك الطارىء قال: من الخفلجان بن الوهم كاتب الوحي لهود ﵇.
وفي فوائد النَّجَيْرَميّ بخطه:
قال عيسى بن عمر النحوي: أملى عليَّ ذو الرُّمة شعرا، فبينا أنا أكتبه إذ قال لي: أصلح حرف كذا وكذا فقلت له: إنك لا تخط، قال: أجل، قدم علينا عراقي لكم، فعلم صبياننا فكنت أخرج معه في ليالي القمر، فكان يخط لي في الرمل فتعلمته.
وقال القالي في أماليه: حدثني أبو المياس قال، حدثني أحمد بن عبيد بن ناصح، قال: قال الأصمعي: قيل لذي الرُّمة: من أين عرفتَ الميم لولا صِدْقُ مَنْ يَنْسُبُك إلى تعليم أولاد الأعراب في أكتَاف الإبل فقال: والله ما عرفتُ الميم، إلا أني قدِمت من البادية إلى الريف، فرأيت الصبيان وهم يجوزون بالفِجْرم في الأُوَق، فوقفت حِيالهم أنظر
стр. 781
إليهم، فقال غلام من الغِلمة: قد أزَّفتم هذه الأوقة، فجعلتموهما كالميم، فقام غلام من الغِلمة فوضع فمه في الأُوقة فَنَجْنَجه، فأفْهقها، فعلمت أن الميم شيء ضيق فشبهت عين ناقتي به، وقد اسلَهمَّت وأعيت.
قال أبو المياس. الفِجْرم: الجوز.
قال القالي: ولم أجد هذه الكلمة في كتب اللغويين ولا سمعتها من أحد من أشياخنا غيره.
والأُوقة: الحفرة، وقوله: أزَّفتم أي ضيقتم.
ونجنجه: حركه، وأفهقها: ملأها والمسلهم: الضامر المتغير.
فائدة قال الزَّجاجي في شرح أدب الكاتب: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أو أثا﴾ ة مِنْ عِلْمٍ، قال: الخط الحسن.
وقال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْض إنِّي حَفِيظٌ عَلِيم قال: كاتب حاسب.
وقال تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ.
قال بعض المفسرين: هو الصوت الحسن.
وقال بعضهم: هو الخط الحسن.
وقال صاحب كتاب زاد المسافر: الخط لليد لسان، وللخَلَدِ تَرجمان، فرداءَته زَمَانة الأدب، وجودته تبلغ بصاحبه شرائف الرتب، وفيه المرافق العظام التي مَنّ الله بها على عباده فقال جل ثناؤه: وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بالْقَلَم.
وروي جبير
стр. 782
عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾ .
قال: الخط، وقيل في قوله تعالى: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيم﴾ : أي كاتب حاسب وهو لمحة الضمير، ووحي الفكر، وسفير العقل، ومستودع السر، وقيد العلوم والحِكم، وعنوان المعارف، وترجمان الهمم وأما قول الشيباني: ما استجدنا خط أحد إلا وجدنا في عوده خَوَراً.
فهل يسف إليه الفقهاء، ويتجافى عنه الكتاب والبلغاء ولإيثاره أبينه، حرم أجوده وأحسنه.
ولما أعجب المأمون بخط عمرو بن مسعدة قال له: يا أمير المؤمنين، لو كان الخط فضيلة لأوتيه النبي ﷺ .
ولئن سر بما قاله عن ابن عباس فقد أنكره عليه كثير من عقلاء الناس، إذ الأنبياء ﵈ يلجلون عن أشياء ينال غيرهم بها خصائص المراتب، ويُحْرِز بالانتماءِ إليها عقائل المواهب.
ومن أهل الجاهلية نفر ذو عدد كانوا يكتبون، والعرب إذ ذاك من عز بز منهم بشر بن عبد الملك صاحب دُومة الجنْدَل، وسفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة، وعمرو بن عمرو بن عدس.
وممن اشتهر في الإسلام بالكتابة من عِلْية الصحابة عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وأبو عبيدة وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، ويزيد بن أبي سفيان.
وأقسم بالقلم في الكتاب الكريم.
وأحسن عدي حيث شبه به قرن الرِّيم // من الكامل //:
(تُزْجِي أغَنَّ كأنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ ... قَلَمٌ أصاب من الدّوَاة مِدَادَهَا) وهو أمضى بيد الكاتب من السيف بيد الكميَّ، وقد أصاب ابن الرومي // من البسيط // في قوله شاكلة الرمي:
(كذا قضى الله للأقلام إذْ بُرِيَتْ ... أن السيوف لها مذ أُرْهِفْت خَدَمُ) وكان المأمون يقول: لله دَرُّ القلم كيف يحوك وشي المملكة ووصفه عبد الله بن المعتز فقال:
стр. 783
يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، فيسكت واقفا وينطق سائرا على أرض بياضها مظلم وسوادها مضيء.
وقال أرسطو طاليس: عقول الرجال تحت أسنان أقلامها.
وقال علماؤنا: إن أول من خط بالقلم إدريس ﵇.
فمتى وضع الخط العربي وسُطِّر المسند الحميري.
وقد ذكر أن لغة يونان عارية من حرف الحلق، ومخالفة لسائر لغات الخَلق.
النوع الثالث والأربعون
معرفة التصحيف والتحريف
أفرده بالتصنيف جماعةٌ من الأئمة منهم العسكري والدارقطني فأما العسكري فرأيت كتابه مجلدا ضخما فيما صحَّف فيه أهل الأدب من الشعر والألفاظ وغير ذلك.
قال المعري: أصل التصحيف أن يأخذ الرجلُ اللفظ من قراءته في صحيفة ولم يكن سمعه من الرجال فيغيره عن الصواب، وقد وقع فيه جماعةٌ من الأجلاء من أئمة اللغة وأئمة الحديث، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: ومَنْ يَعْرَى من الخطأ والتصحيف.
قال ابن دريد: صحف الخليل بن أحمد فقال: يوم بُغاث (بالغين المعجمة) وإنما هو (بالمهملة) .
أورده ابن الجوزي.
ونظير ذلك ما أورده العسكري قال: حدثني شيخ من شيوخ بغداد قال: كان حيان بن بِِشْر قد وُلِّي قضاء بغداد،
стр. 784
وكان من جملة أصحاب الحديث، فروى يوما حديث أن عَرْفجة قطع أنفُه يوم الكِلاب فقال له مستمليه: أيهما القاضي إنما هو يوم الكُلاب، فأمر بحبسه، فدخل إليه الناس فقالوا: ما دَهَاك قال قُطِعَ أنف عَرْفَجة في الجاهلية، وابتليت به أنا في الإسلام.
وقال عبد الله بن بكر السهمي: دخل أبي علي عيسى بن جعفر وهو أمير بالبصرة، فعزاه عن طفل مات له، ودخل بعده شبيب بن شبَّة فقال: أَبْشِر أيها الأمير فإن الطفل لا يزال محبنظيا على بابِ الجنَّة، يقول: لا أدخل حتى يدخلَ والداي، فقال له أبي: يا أبا معمر، دع الظاء والزم الطاء.
فقال له شبيب: أتقول هذا وما بين لابتيها أفصح مني فقال له أبي: هذا خطأ ثَان، من أين للبصرة لابَة واللَاَّبة: الحجارة السود، والبَصرة: الحجارة البيض.
أورد هذه الحكاية ياقوت الحموي في معجم الأدباء، وابنُ الجوزي في كتاب الحمْقى والمغفلين.
وقال أبو القاسم الزجاجي في أماليه: أخبرنا أبو بكر بن شقير قال أخبرني محمد بن القاسم بن خلاد عن عبد الله ابن بكر بن حبيب السهمي عن أبيه قال: دخلت على عيسى فذكرها.
وفي الصِّحاح: قال الأصمعي: كنت في مجلس شُعبة، فروى الحديث فقال: تسمعون جَرْش طير الجنة (بالشين) .
فقلت: جَرْس، فنظر إلي وقال: خذوها منه، فإنه أعلم بهذا منا.
قال الجوهري:
стр. 785
ويقال: أجرس الحادي إذا حدا للإبل قال الراجز:
(أجرش لها يابن أبي كباش) // الرجز // قال: رواه ابن السكيت بالشين وألف الوصل، والرواة على خلافه.
وقال أبو حاتم السجستاني: قرأ الأصمعي على أبي عمرو بن العلاء شعر الحطيئة، فقرأ قوله: // من مجزوء الكامل //
(وغررتني وزعمت أننك ... لابِنٌ بالصيف تَامِر) أي كثير اللبن والتمْر، فقرأها: لا تني بالضيف تامُر.
يريد: لا تتوانى عن ضيفك تأمر بتعجيل القِرَى إليه.
فقال له أبو عمرو: أنت والله في تصحيفك هذا أشعر من الحطيئة وفي طبقات النحويين لأبي بكر الزبيدي: قال أبو حاتم: صحف الأصمعي في بيت أوس: // من السريع //
(يا عام لو صادفت أرماحنا ... لكان مَثْوَى خدك الأحزما)
стр. 786
يعني بالأحزم، الحزم الغليظ من الأرض، قال أبو حاتم: والرواة على خلافة، وإنما هو الأَخْرم (بالراء) ، وهو طرف أسفل الكتف أي كنت تقتل فيقطع رأسك على أخرم كتفك.
وفيما زعم الجاحظ أن الأصمعي كان يصحِّف هذا البيت: // من الخفيف //
(سَلَعٌ ما ومثلُه عُشَرٌ ما ... عائلٌ ما وعالت البَيْقُورا) فكان ينشده وعالت النيقورا، فقال له علماء بغداد: صحَّفت إنما هو البيقورا، مأخوذة من البقر.
وقال العسكري: أخبرنا أبو بكر بن الأنباري قال: أخبرني أبي قال: قرأ القَطْربِليّ المؤدب على ثعلب بيت الأعشى: // من الطويل //
(فلو كنت في جُبٍّ ثمانين قَامَةً ... ورقيت أسبابَ السماء بسُلَّمِ) فقرأها في حَب (بالحاء المهملة) فقال له ثعلب: خرب بيتك هل رأيت حَبّاً قط ثمانين قامة إنما هو جب.
وقال القالي في أماليه: أنشد أبو عبيد: // من الرجز //
(أشكو إلى الله عِيالاً دَرْدَقا ... مُقَرْقَمِينَ وعجوزا شَمْلَقا) بالشين معجمة وهو أحد ما أُخِذ عليه.
وروى ابن الأعرابي: سملقا (بالسين غير المعجمة) ، وهو الصحيح.
стр. 787
وقال القالي: كان الطوسي يزعم أن أبا عبيد روى قَبْس (بالباء) قال: وهو تصحيف، وكذا قال أحمد بن عبيد، وإنما هو قَنْس (بالنون) وهو الأصل.
وفي المحكم: القَنْس: الأصل وهو أحد ما صحفه أبو عبيدة فقال القبس بالباء انتهى.
قال القالي: وقول الأعشى // الطويل //:
(تَرُوح على آل المحلِّق جَفْنة ... كجابية الشيخ العراقي تَفْهَق) كان أبو محرز يرويه كجابية السَّيح، ويقول: الشيخ تصحيف، والسيح: الماء الذي يَسِيح على وجه الأرض.
وأنشد أبو زيد في نوادره: // من البسيط //
(إن التي وضعت بيتا مهاجرة ... بكوفة الخلد قد غالت بها غول) // البسيط // قال الرِّياشيّ: الأصمعي يقول بكوفة الجند، ويزعم أن هذا تصحيف.
وقال الجَرْمي: كوفة الخلد أي أنها دار قَرَارٍ لا يتحولون عنها.
وقال القالي في قول علقمة:
(رَغا فوقهمْ سَقْب السماء فداحِص ... بشِكّته لم يُسْتَلَب وسليب) // الطويل //
стр. 788
داحض فيه بالصاد غير معجمة.
يقال: دَحَص برجله وفَحَص.
وكان بعض العلماء يرويه فداحِض ونسب فيه إلى التصحيف.
وقال أبو جعفر النحاس في شرح المعلقات: قال أبو عمرو الشيباني: بلغني أن أبا عبيدة روى قول الأَعشى:
(إنِّي لعمر الذي حطت مناسمُها ... تَهوى وسيق إليه الثافر العتل) // البسيط // فأرسل إليه إنك قد صَحَّفْت إنما هو: الباقر البغيل، جمع غيل وهو الكثير، والباقر: بمعنى البقر.
وقال أبو عبيدة الثافر: بمعنى الثفار.
والعَثَل: الجماعة.
وقال ابن دُرَيد في الجمهرة: الجُف الجمع الكثير من الناس قال النابغة:
(في جف ثعلب واردي الأمرار) // الكامل // يعني ثعلبة بن عوف بن سعد بن ذبيان.
قال ابن دريد: وروى الكوفيون: في جف تغلب، وهذا خطأ لأن تغلب بالجزيرة، وثعلب بالحجاز، وأمرار موضع هناك.
وفيها: الفلفل معروف وسمون ثمر البَرْوق فلفلا تشبيها به، قال الراجز:
(وانحَتَّ من حَرْشاء فَلْج خَرْدَلُهْ ... وانْتَفَضَ البَرْوَقُ سودا فلفله) // الرجز // قال ابن دريد: ومن روى هذا البيت قِلْقِلِه فقد أخطأ لأن القِلْقِل ثمر شجر من العِضَاه، وأهل اليمن يسمون ثمر الغاب قِلْقلاً.
وقال القالي في أماليه:
стр. 789
قال نِفْطَويه: صحف العتبي اسم نُقَيلة الأشجعي فقال نُفَيلة وقال الزجاجي في شرح أدب الكاتب: حدثنا أبو القاسم الصائغ عن عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: حدثنا أحمد ابن سعيد اللحياني، وحدثنا أبو الحسن الأخفش، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرِّد قال: حدثني أبو محمد التوزي عن أبي عمرو الشيباني قال كنا بالرَّقة فأنشد الأصمعي:
(عَنتاً باطلا وظُلْماً كما تُعنَزُ ... عن حجرة الربيض الظباء) // الخفيف // فقلت له: إنما هو تُعتَر من العتيرة، والعَتْر الذَّبْح، فقال الأصمعي: تُعْنَز أي تطعن بالعَنَزة وهي الحَرْبةُ، وجعل يصيح ويشغب، فقلت: تكلم كلام النمل وأصب والله لو نفخت في شَبُّور يهودي، وصحت إلى التناد ما نفعك شيء ولا كان إلا تُعتَر، ولا رويته أنت بعد هذا اليوم إلا تعتر فقال الأصمعي: والله لا رويته بعد هذا اليوم إلا تُعْنَزُ.
وفي شرح المعلقات لأبي جعفر النحاس: روى أن أبا عمرو الشيباني سأل الأصمعي كيف تروي هذا البيت فقال: تُعنَز، فقال له أبو عمرو صحفت، إنما هو تُعْتر، فقيل لأبي عمرو: تحرز من الأصمعي، فإنك قد ظفرت به، فقال له الأصمعي: ما معنى هذا البيت
(وضَرْبٍ كآذان الفِراءِ فُضُولُه ... وَطعْنٍ كإيزَاغِ المخَاضِ تَبُورُها)
стр. 790
ما يريد بالفراء هاهنا وكانوا جلوسا على فروة، فقال له أبو عمرو: يريد ما نحن عليه فقال له الأصمعي: أخطأت وإنما الفراء هاهنا جمع فَرَأ، وهو الحمار الوحشي.
وقال محمد بن سلام الجمحي: قلت ليونس بن حبيب إنَّ عيسى بن عمر قال: صحَّف أبو عمرو بن العلاء في الحديث: (اتقوا على أولادكم فَحْمة العشاء) فقال بالفاء، وإنما هي بالقاف، فقال يونس: عيسى الذي صحَّف ليس أبا عمرو وهي بالفاء كما قال أبو عمرو لا بالقاف كما قال عيسى.
وفي فوائد النَّجَيْرَمِيّ بخطه: قرأ رجل على حماد الراوية شعر الشماخ فقرأ:
(تَلوذُ ثعالِبُ الشَّرَفيْن منها ... كما لاذ الغريم من التبيع) // الوافر // فقال: هو السِّرْقين، فقبح عليه حماد، فقال الرجل، إن الثعالب أولع شيء بالسِّرْقين، فقال: حماد انظروا يصحف ويفسر وفيها: قال الأخفش: أنشدت أبا عمرو بن العلاء:
(قَالتْ قُتَيْلةُ ماله ... قد جُلِّلَتُ شيبا شَواتُه)
(أم لا أراه كما عهدت ... صَحَا وأقْصر عاذلاتُه)
(ما تعجبين من امرىء ... أن شاب قد شابت لداته) // مجزوء الكامل // فقال أبو عمرو: كبرت عليك رأس الراء فظننتها واوا، قلت: وما سراته قال: سراة البيت: ظهره قال الأخفش: ما هو إلا شَواته ولكنه لم يسمعها.
стр. 791
وفيها: قال أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري عن الطوسي قال: كنا عند اللحياني فأمْلى علينا: مثقل استعان بذقنه، فقال له يعقوب بن السكيت: بِدَفَّيْه، فوَجَم.
ثم أملى يوما آخر: هو جاري مكاشري، فقال له ابن السكيت: مكاسري أي كِسر بيتي إلى كِسر بيته، فقطع اللحياني المجلس وقطع نوادِرَه.
وفيها: قال الطوسي: صحَّف أبو عمرو الشيباني في عجز بيت فقال:
(فُرْعُلة ما بين أدمان فالكدي) // الطويل //
فقيل له إنما هو
(رمينا بها شبهى بُوانَة عودا ... فُرْعُلة منا بين أَدْمَان فالكُدي) وفيها: قال أبو إسحاق الزجاجي: ما سمعت من ثعلب خطأ قط إلا يوما أنشد:
(يلوذ بالجود من النيل الدول) // الرجز // فقال له بعض الكتاب: أنشدَناه الأحول: بالجوْبِ، وقال: يريد التُّرس، فسكت ثعلب وما قال شيئا.
وفيها: قالوا: صحف الطوسي في شعر حاتم:
(إذا كان بعض الخبز مسحا بخرقة)
стр. 792
وإنما هو:
(إذا كان نفض الخبز مسحا بخرقة) // الطويل // وفيها: قال السكري: سمعت يعقوب بن السكيت يقول: صحَّف ابن دَأْب في قول الحارث بن حلزة:
(أيها الكاذب المبلِّغ عنا ... عبد عمرو وهل بذاك انتهاء) // الخفيف // وإنما هو عند عمرو.
وفي كتاب ليس لابن خالويه: الناس كلهم قالوا: قد بلع فيه الشيب إذا وخطه القَتِير، إلا ابن الأعرابي، فإنه قال: بلغ (بالغين معجمة) وصحَّف.
وهذا الكلام يعزى إلى رؤبة، وذلك أنه قال ليونس النحوي: إلى كم تسألني عن هذه الخزعبلات وألوقها لك وأروقها الآن، وقد بلغ منك الشيب وفيه: الهِمْيغ: الموت الوَحِيّ (بالغين معجمة) ، رواه الخليل بالعين غير معجمة.
وفيه: جمع أبا عمرو بن العلاء وأبا الخطاب الأخفش مجلس، فأنشد أبو الخطاب:
(قالت قتيلة ماله ... قد جللت شيبا شواته) // مجزوء الكامل // فقال أبو عمرو: صحفت يا أبا الخطاب، إنما هو سَراتُه، وسراة كل شيء أعلاه، ثم انصرف أبو عمرو، فقال أبو الخطاب: والله إنها لفي حفظه، ولكنه ما حضره، فسأل جماعة من الأعراب، فقال قوم: سَرَاته، وقال آخرون: شَوَاته، فعلم أن كل واحد منهما ما رَوَى إلا ما سَمِع.
стр. 793
وفيه: جمع المفضل والأصمعي مجلس فأنشد المفضل:
(وذاتُ هِدْمٍ عارٍ نَواشِرُها ... تُصْمِتُ بالماء تَوْلباً جذعا) // المنسرح // فقال الأصمعي: صحفت، إنما هو جَدِعاً، أي سيء الغذاء، فصاح المفضل: فقال له: والله لو نفخت في ألف شَبُّور لما أنشدته بعد هذا إلا بالدال.
وفيه: جمع أبا عمرو الجَرْمي والأصمعي مجلِس، فقال الجَرميّ: ما في الدنيا بيت للعرب إلا وأعرف قائله، فقال: ما نشك في فضلك - أيدك الله - ولكن كيف تنشد هذا البيت
(قَدْ كُنّ يَخْبَأْنَ الوجوه تَسَتُّراً ... فالآن حِينَ بَدَأْنَ لِلنُّظَّارِ) // الكامل // قال: بدأن، قال: أخطأت، قال: بَدَيْن، قال: أخطأت، إنما هو بَدَوْن، من بدا يبدو إذا ظهر.
فأفحمه.
وفيه: من أسماء الشمس يوح، وصحَّفه ابن الأنباري فقال: بُوح، وإنما البوح النفس، وجرى بينه وبين أبي عمر الزاهد في هذا كل شيء قالت الشعراء فيهما حتى أخرجنا كتاب الشمس والقمر لأبي حاتم فإذا فيه يوح كما قال أبو عمر.
وفيه: اختلف المعمري والنحويان في الظَّرَوْرى، فقال أحدهما: الكيس، وقال الآخر:
стр. 794
الكَبْش، فقال كل منهما لصاحبه: صَحَّفْتَ: وكُتِب بذلك إلى أبي عمر الزاهد فقال: من قال إن الظَّرَوْرَى الكبش، فهو تيس، وإنما الظَّرَوْرَى: الكيِّس العاقل.
وفيه: قال ابن دُرَيد: القَيْس: الذكر قال أبو عمر: هذا تصحيف، إنما هو فَيْش، والقَيْس: القِرْد، ومصدر قاس يقيس قَيْساً.
وفي شرح الكامل لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد البَطْلَيوسي قول الراجز:
(لم أر بؤسا مثلَ هذا العام ... أرهنت فيه للشقا خَيْتامي)
(وحق فخري وبني أعمامي ... ما في الفروق حفنتا حتامي) // الرجز // صحفه بعضهم فقال في إنشاده حثام (بثاء مثلثة) وهو - بتاء مثناة، بقية الشيء.
ونقلت من خط الشيخ بدر الدين الزركشي في كراسة له سماها عمل من طَبَّ لمن حب صحَّف ابن دريد قول مُهَلْهِل:
(أنكحها فَقْدُها الأَرَاقِم في ... جَنْبٍ وكان الحِباءُ من أدم) // المنسرح // فقال: الخِباء بالخاء المعجمة، وإنما هو بالمهملة.
وصحَّف أيضا قول قَيْس بن الخَطِيم يصف العين:
(تغترق الطرف وهي لاهبة) // المنسرح // فرواه بالعين غير معجمة، وإنما هو بالمعجمة فقال فيه المفجع:
(ألسْتَ ممَّا صحفت تغترق الطرف ... بجهل فقلت تعترق)
стр. 795
(وقلت كان الخِباء من أدم ... وهو حِباء يُهْدى ويُصْطَدَقُ) وأورد ذلك التيجاني في كتاب تحفة العروس، وأورد البيت الأول بلفظ
(ألم تصحف فقلت تعترق الطرف ... بجهل مكان تغترق) // المنسرح // وفي طبقات النحويين للزبيدي قال الفراء: صحَّف المفضل الضبي قول الشاعر:
(أفاطم إني هالك فتبيني ... ولا تجزعي كل النساء تئيم) // الطويل // فقال يتيم: وإنما هو تَئِيم.
وفيها قال ابنُ أبي سعيد، قال أبو عمرو الشيباني، يقال: في صدره عليَّ حَسيكة وحَسيفة، وكان أبو عبيدة يصحِّف فيهما فيقول: حشيكة وحشيفة، قال أبو عمرو: فأرسلت إليه يا أبا عبيدة، إنك تصحف في هذين الحرفين فارجع عنهما، قال: قد سمعتهما.
وقال الزبيدي: حدثني قاضي القضاة منذر بن سعيد قال: أتيت أبا جعفر النحاس فألفتيه يُملي في أخبار الشعراء شعر قَيس بن مُعاذ المجنون حيث يقول:
(خليلي هل بالشام عينٌ حزينة ... تُبَكِّي على نَجْدٍ لعلي أعينها)
(قد أسْلَمَها الباكون إلا حمامة ... مطوقة باتت وبات قرينها) // الطويل //
стр. 796
فلما بلغ هذا الموضع قلت: باتا يفعلان ماذا أعزك الله فقال لي: وكيف تقول أنت يا أَنْدَلسي فقلت: بانت وبان قرينها.
وقال في الجمهرة: الغضغاض (بالغين المعجمة) في بعض اللغات: العِرْنِين وما وَالَاهُ من الوجه قال أبو عمر الزاهد: هذا تصحيف إنما هو العَضْعاض بالعين (غير معجمة) .
قال ابن دُرَيد: وقال قوم: العُضَّاض (بالتشديد) .
وفي الصِّحاح: اجْفَأظَّت الجِيفة اجْفِئْظاظاً: انتفخت.
قال ثعلب: وهو بالحاء تصحيف: وفي الجمهرة: يقال: أن الرجل الماء إذا صبَّه، وفي بعض كلام الأوائل.
أُنّ ماء وأغْلهِ أي صُبّ ماء وأغْلهِ وقال ابن الكلبي: إنما هو أُزّ ماء: وزعم أُنَّ تصحيف.
وقال الأزهري في التهذيب: قال الليث: الرَّصَع: فِرَاخ النحل، وهو خطأ، قال ابن الأعرابي: الرَّضَع: فراخ النحل (بالضاد معجمة) رواه أبو العباس عنه، وهو الصواب.
والذي قاله الليث في هذا الباب تصحيف.
وقال ابن فارس في المجمل: حدثني العباس بن الفضل، قال: حدثنا ابن أبي دؤاد قال: حدثنا نَصْر بن علي الجُهْضُمِي.
قال: حدثنا الأصمعي قال: أنشدنا أبو عمرو بن العلاء:
(فما جبنوا أنا نشد عليهم ... ولكن رأوا نارا تحس وتسفع) // الطويل //
стр. 797
قال فذكرت ذلك لشعبة فقال: ويلك إنما هو:
(فما جَبُنُوا أنا نشدُّ عليهمُ ... ولكن رأوا نارا تُحشّ وتَسْفَعُ) قال الأصمعي: وأصاب أبو عمرو، وأصاب شعبة، ولم أر أحدا أعلم بالشعر من شُعبة تُحش: توقد، وتحس: تمس وتشوى.
وفي بعض المجاميع: صحف حماد بن الزبرقان ثلاثة ألفاظ في القرآن لو قرىء بها لكان صوابا وذلك أنه حفظ القرآن من مصحف ولم يقرأه على أحد: اللفظ الأول ﴿وَمَا كان اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلَاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا﴾ أبَاهُ، يريد إياه.
والثاني ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقَاق﴾ . والثالث: ﴿لِكلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ﴾ يَعْنيهِ.
وروى الدارقطني في التصحيف عن عثمان بن أبي شيبة: أنه قرأ على أصحابة في التفسير: ﴿ألم تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحَابِ الفِيلِ﴾ .
يعني قالها كأول البقرة.
وقال ابن جِنّي في الخصائص: باب في سقطات العلماء حكي عن الأصمعي أنه صحَّف قول الحُطَيئة:
(وغررتني وزعمت أنك ... لابن بالصيف تامر) // مجزوء الكامل // فأنشده لا تَنِي بالضيف تامر أي تأمر بإنزاله وإكرامه.
стр. 798
وحُكي أن الفراء صحف فقال: الحراصل: الجبل، يريد الحُرّ أصل الجبل.
وأخبرنا أبو صالح السليل بن أحمد عن أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي عن الخليل بن أسد النُّوشَجاني عن التوزي.
قال: قلت لأبي زيد الأنصاري: أنتم تنشدون قول الأعشى:
(بِساباطَ حتى مات وهو محزرق) // الطويل // وأبو عمرو الشيباني ينشدها مُحَرْزَق، فقال، إنها نَبَطية، وأم أبي عمرو نَبَطية فهو أعلم بها منا.
وذهب أبو عبيد في قولهم: لي عن هذا الأمر مَندوحة أي متسع - إلى أنه من قولهم: انْداح بطنه، أي اتسع.
وهذا غلط لأن انداح انفعل وتركيبه مُندَوَح، ومَنْدُوحة مفعولة، وهي من تركيب نَدَح، والنّدْح: جانب الجبل وطرفه وهو إلى السعة، وجمعه أَنْداح، أفلا ترى إلى هذين الأصلين تباينا وتباعدا فكيف يجوز أن يشتق أحدهما من صاحبه وذهب ابن الأعرابي في قولهم: يوم أَرْوَنان إلى أنه من الرُّنّة وذلك أنها تكون مع البلاء والشدة.
قال أبو علي: وهذا غلط، لأنه ليس في الكلام أَفْوَعَال، وأصحابنا يقولون: هو أفْعلان من الرُّونة وهي الشدة في الأمر.
وذهب ثعلب في قولهم: أسكُفّه الباب إلى أنها من قولهم: استكف أي
стр. 799
اجتمع.
وهذا أمر ظاهر الشناعة لأن أسْكُفَّة أُفْعُلّة، والسين فيها فاء، وتركيبها من سكف، وأما استكف فسينه زائدة لأنه استفعل وتركيبه من كَفف فأين هذان الأصلان حتى يجتمعا وذهب ثعلب أيضا في تَنّور إلى أنه تَفْعُول من النار وهو غلط، إنما هو فَعّول من لفظ ت ن ر، وهو أصل لم يستعمل إلا في هذا الحرف، وبالزيادة كما ترى.
ومثله مما لم يستعمل إلا بالزيادة: حَوْشب وكوكب وشَعَلَّع وهَزَنْبَزَان ومَنْجنون وهو باب واسع جدا.
ويجوز في التَّنُّورِ أن يكون فَعْنُولاً ويقال: إن التنور لفظة اشترك فيها جميع اللغات من العرب وغيرهم، وإن كان كذلك فهو ظريف إلا أنه على كل حال فعُّول أو فَعْنول.
التواطخ من الطيْخ، وهو الفساد وهذا عجب، وكأنه أراد أنه مقلوب منه.
ويحكى عن خلف أنه قال: (وعن ثعلب أيضا أنه قال) : أخذت على المفضَّل الضَّبيِّ في مجلس واحد ثلاث سقطات: أنشد لامرىء القيس:
(نمسُّ بأعْرافِ الجِياد أكُفَّنا ... إذا نحنُ قمنا عن شواء مضهب) // الطويل // فقلت: عافاك الله إنما هو نمش أي نمسح، ومنه سمي منديل الغَمَر مشوشا.
стр. 800
وأنشد للمخبل السعدي:
(وإذا ألم خيالُها طرقت ... عيني فماء جفونها سجم) // الكامل // فقلت: عافاك الله إنما هو طرفت.
وأنشد للأعشى:
(ساعة أكبر النهار كما شد ... محيل لبونه اعتاما) // الخفيف // فقلت: عافاك الله إنما هو مخيل (بالخاء معجمة) : رأي خال السحابة فأشفق منها على بُهْمِه فشدها.
وأما ما تعقب به أبو العباس المبرد كتاب سيبويه في المواضع التي سماها مسائل الغلط فقلما يلزم صاحبَ الكتاب منه إلا الشيء النَّزْر، وهو أيضا مع قلته من كلام غير أبي العباس، وحدثنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال: إن هذا كتاب كنا عملناه في الشبيبة والحداثة.
واعتذر منه.
وأما كتاب العين ففيه من التخليط والخلل والفساد ما لا يجوز أن يحمل على أصغر أتباع الخليل، فضلا عنه نفسه.
وكذلك كتاب الجمهرة.
ومن ذلك اختلاف الكسائي وأبي محمد اليزيدي عند أبي عبيد الله في الشِّراء أممدود هو أم مقصور فمده اليزيدي وقصره الكسائي وتراضيا ببعض فصحاء كانوا بالباب، فمده على قول اليزيدي.
ومن ذلك ما رواه الأعمش في حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله
стр. 801
صلى الله عليه وسلم كان يتَخَوّلُنا بالموعظة مخافة السآمة، وكان أبو عمرو بن العلاء حاضرا عنده، فقال الأعمش، يتخولنا، فقال أبو عمرو: يتخوننا فقال الأعمش: وما يُدريك فقال أبو عمرو: إن شئت أن أعلمك أن الله تعالى لم يعلمك من العربية حرفا أعْلَمْتُكَ.
فسأل عنه الأعمش.
فأخبر بمكانة من العلم فكان بعد ذلك يُدْنِيه، ويسأله عن الشيء إذا أَشكل عليه.
وسُئِل الكسائي في مجلس يونس عن أَوْلق ما مثاله من الفعل، فقال: أفعل، فقال له مروان: استحييت لك يا شيخ والظاهر عندنا أنه فوعل من قولهم: أُلِقَ الرجل فهو مألوق.
وسئل الكسائي أيضا في مجلس يونس عن قولهم: لأضربن أيُّهم يقوم لم لا يقال: لأضربن أيَّهم فقال: أي هكذا خلقت.
ومن ذلك إنشاد الأصمعي لشُعبة بن الحجاج قولَ فَرْوَة بن مُسَيْك:
(فما جبنوا أنا نشد عليهم ... ولكن رأوا نارا تحس وتسفع) // الطويل // قال شُعبة: ما هكذا أنشدنا سماك بن حرب، قال:
(ولكن رأوا نارا تُحَش وتَسْفع) // الطويل // قال الأصمعي: فقلت: تحس من قول الله تعالى: ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ بإذْنِهِ﴾ : أي تقتلونهم وتُحش: توقد، فقال لي شعبة: لو فرغتُ للزمتك.
وأنشد رجل من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس:
(إن الحوادثَ بالمدينة قد ... أوجعنني وقرعن مروتيه) // الكامل //
стр. 802
فانتهره أبو عمرو وقال: ما لنا ولهذا الشعر الرخو إن هذه الهاء لم تدخل في شيء من الكلام إلا أرْخَته.
فقال له المديني: قالتلك الله ما أجهلك بكلام العرب قال الله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ .
وقال: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ .
(فانكسر أبو عمرو انكسارا شديدا) .
وقال أبو حاتم: قلت للأصمعي: أتجيز إنك لتُبْرق لي وتُرْعِد فقال: لا، إنما هو تبرُق وترعُد.
فقلت له: فقد قال الكميت:
(أبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لي بضائر) // مجزوء الكامل // فقال: ذاك جُرمُقاني من أهل الموصل ولا آخذ بلغته.
فسألت عنها أبا زيد الأنصاري فأجازها، فنحن كذلك إذ وقف علينا أعرابي محرِم، فأخذنا نسأله فقال: لستم تحسنون أن تسألوه، ثم قال له: كيف تقول: إنك لتُبرق لي وتُرعِد.
فقال له الأعرابي: أفي الجَخيف تعني أي في التهدد فقال: نعم.
قال الأعرابي: إنك لتُبرِق لي وتُرْعِد.
فعدت إلى الأصمعي فأخبرته، فأنشدني:
(إذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد) // الطويل // ثم قال لي: هذا كلام العرب.
وقال أبو حاتم أيضا:
стр. 803
قرأت على الأصمعي رجز العجاج حتى وصلت إلى قوله:
(جأبا ترى بليته مسحجا) // الرجز // فقال: تليلَه (فقلت بليتِه، فقال: ثليله) مسَّحجاً فقلت له: أخبَرَني مَن سمعه من فِلْق في رُؤْبة، أعني أبا زيد الأنصاري.
فقال: هذا لا يكون.
قلت: جعل مَسَحَّجاً مصدرا أي تسحيجا.
فقال: هذا لا يكون.
فقلت: فقد قال جرير:
(ألم تَعْلَمْ بمُسَّرَحِي القَوَافِي) // الوافر // أي تسريحي، فكأنه توقف.
قلت: فقد قال تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق﴾ .
فأمسك.
وقال أبو حاتم: كان الأصمعي ينكر زَوْجة، ويقول: إنما هو زوج ويحتج بقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجكَ﴾ .
قال: فأنشدته قول ذي الرُّمة:
(أذو زوجة بالمِصْرِ أم ذو خصومة ... أراك لها بالبصرة اليوم ثاويا) // الطويل // فقال: ذو الرُمة طالما أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين.
стр. 804
قال: وقد قرأنا عليه من قبل لأَفصح الناس فلم ينكره:
(فبكى بناتي شَجْوَهُنَّ وزوجتي ... والطامعون إلي ثم تصدعوا) // الكامل // وقال آخر:
(مِنْ منزلي قد أخرجتني زوجتي ... تهر في وجهي هرير الكلبة) // الرجز // وحكى أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي عن أحمد بن يحيى عن سلمة قال: حضر الأصمعي وأبو عمرو الشيباني عند أبو السَّمْراء فأنشده الأصمعي:
(بضرب كآذان الفِراء فضوله ... وطعن كتشهاق العفاهم بالنهق) // الطويل // ثم ضرب بيده إلى فَرْو كان بقُرْبِه يوهم أن الشاعر أراد فروا فقال أبو عمرو: أراد الفَرْوَ فقال الأصمعي: هكذا روايتكم.
وحكى الأصمعي قال: دخلت على حماد بن سلمة وأنا حَدَث فقال لي كيف تنشد قول الحطيئة:
(أولئك قوم إن بنوا أَحْسَنُوا..... ... ... ... ... . ماذا // الطويل // فقلت:
стр. 805
(أولئك قوم إن بَنَوْا أحسنوا البِنَا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا) فقال: يا بني، أحسنوا البُنَى، يقال: بنى يبني بِنَاءً في العمران، وبنى يبنو بُنىً يعني في الشرف.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن القاسم الذهبي بإسناد عن أبي عثمان أنه كان عند أبي عبيدة فجاء رجل فسأله: كيف تأمر من قولنا: عُنيت بحاجتك.
فقال له أبو عبيدة اعْنَ بحاجتي، فأومَأْتُ إلى الرجل أن ليس كذلك، فلما خَلَوْنا قلت له: إنما يقال لِتُعْنَ بحاجتي، فقال لي أبو عبيدة: لا تدخل إلي، قلت: لِمَ قال: لأنك كنت مع رجل خوزي سرق مني عاما أول قطيفة لي.
فقلت: لا والله، ما الأمر كذا، ولكنك سمعتني أقول ما سمعت.
وحدثنا أبو بكر محمد بن علي المراغي قال: حضر الفراء أبا عمر الجَرمي فأكثر سؤاله إياه، فقيل لأبي عمر: قد أطال سؤالك أفلا تَسْأَلُه أنت فقال له أبو عمر: يا أبا زكرياء ما الأصلُ في قُمْ قال: اقْوُم.
قال: فصنعوا ماذا قال: استثقلوا الضمة على الواو فأسكنوها ونقلوها إلى القاف.
فقال له أبو عمر: هذا خطأ، الواو إذا سكن ما قبلها جرت مجرى الصحيح، ولم تستثقل الحركات فيها.
ومن ذلك حكاية أبي عمر مع الأصمعي وقد سمعه يقول: أنا أعلم الناس بالنحو، فقال له الأصمعي، يا أبا عمر كيف تنشد قول الشاعر:
(قد كنَّ يخبأْنَ لوجُوه تستُّراً ... فالآنَ حين بدأن للنظار) // الكامل // بدأن أو بدين فقال أبو عمر: بدأن.
فقال الأصمعي: يا أبا عمر، أنت أعلم الناس بالنحو، يمازحه.
إنما هو بَدَوْن، أي ظهرن.
فيقال: إن أبا عمر تغفل الأصمعي فجاءه يوما وهو في مجلسه فقال له: كيْف تصغر مختارا فقال الأصمعي: مخيتير، فقال له أبو عمر: أخطأت، إنما هو مخيِّر أو مخيير بحذف التاء لأنها زائدة.
стр. 806
وحدثني أبو علي قال: اجتمعت مع أبي بكر الخياط عند أبي العباس العمري بنهر معقل، فتجارينا الكلام في مسائل وافترقنا، فلما كان الغدُ اجتمعت معه عنده، وقد أحضر جماعة من أصحابه يسألونني، فسألوني فلم أر فيهم طائلا، فلما انقضى سؤالهم قلت لأكبرهم: كيف تبني من سفرجل مثل عَنْكَبُوت فقال سفرروت، فلما سمعت ذلك قمت في المجلس قائما وصفقت بين الجماعة: سفرروت فالتفت إليهم أبو بكر فقال: لا أحسن الله جزاءكم، ولا أكثر في الناس مثلكم فافترقنا فكان آخر العهد بهم.
وقال الرياشي: حدثنا الأصمعي قال: ناظرني المفضل عند عيسى بن جعفر فأنشد بيت أوس:
(وذاتُ هِدْمٍ عارٍ نَواشِرُها ... تُصْمِتُ بالماء تَوْلباً جذعا) // المنسرح // فقلت: هذا تصحيف لا يوصف التَّوْلَب بالإجذاع، وإنما هو جَدِعاً وهو السيء الغذاء فجعل المفضل يشغب، فقلت له: تكلم كلام النمل وأصب، لو نفخت في شَبُّور يَهُودِي ما نفعك شيء.
وقال محمد بن يزيد: حدثنا أبو محمد التوزي عن أبي عمرو الشيباني قال: كنا بالرقة فأنشد الأصمعي:
(عنتا باطلا وظُلْماً كما تُعنَزُ ... عن حُجَْرَةِ الرَّبيضِ الظِّباءُ) // الخفيف // فقلت: يا سبحان الله تعتر من العَتيرة فقال الأصمعي: تعنز أي تطعن بعَنَزة، قال: فقلت لو نفخت في شَبُّور اليهودي وصِِحْتَ إلى التنادي ما كان إلا تُعتر، ولا ترويه بعد اليوم تعنز فقال: والله لا أعود بعدها إلى (تعتر) .
стр. 807
وأنشد الأصمعي أبا توبة ميمون بن حفص مؤدب عمر بن سعيد بن سلم بحضرة سعيد:
(واحدة أَعضَلَكم شَأْنُها ... فكيفَ لو قُمْت على أربع) // السريع // ونهض الأصمعي فدار على أَربع، يُلبِّس بذلك على أبي توبة فأجابه أبو توبة بما يشاكل فعل الأصمعي، فضحك سعيد: وقال: ألم أنْهَك عن مجاراته في هذه المعاني هذه صِنَاعته.
ومن ذلك إنكار الأصمعي على ابن الأعرابي ما كان رواه ابن الأعرابي لبعض ولد سعيد بن سلم بحضرة سعيد بن سلم لبعض بني كلاب:
(سمينُ الضواحي لم تؤرقه ليلة ... وأنعم أبكار الهموم عونها) // الطويل // ورفع ابن الأعرابي ليلة، ونصبها الأصمعي، وقال: إنما أراد لم تؤرقه أبكار الهموم وعونها ليلة، وأنعم أي زاد على ذلك، فأُحضر ابن الأعرابي، وسئل عن ذلك فرفع ليلة، فقال الأصمعي لسعيد: مَن لم يحسن هذا القدر فليس موضعا لتأديبِ ولدك فنحَّاه سعيد فكان ذلك سبب طعن ابن الأعرابي على الأصمعي.
وقال الأثرم علي بن المغيرة: مثقل استعان بذقنه ويعقوب بن السكيت حاضر، فقال يعقوب: هذا تصحيف، وإنما هو استعان بدَفَّيْه، فقال الأثرم: إنه يريد الرياسة بسرعة ودَخَل بيته.
وقال أبو الحسن لأبي حاتم:
стр. 808
ما صنعتَ في كتاب المذكر والمؤنث قال قلات: قد صنعت فيه شيئا، قال: فما تقول في الفِرْدوس قلت: مذكر، قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِين يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
قال: قلت: ذهب إلى الجنة فأَنَّث.
قال أبو حاتم: فقال لي التوزي: يا غافل، ما سمعت الناس يقولون: أسألك الفردوس الأعلى فقلت له: يا نائم، الأعلى ههنا أفعل لا فُعْلى وقال أبو عثمان: قال لي أبو عبيدة: ما أكذب النحويين يقولون: إن هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث: سمعت رُؤْبَة ينشد
(فكر في عَلْقي وفي مكور) // الرجز // فقلت له: ما واحد العَلْقى فقال: علقاة قال أبو عثمان: فلم أفسر له، لأنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا.
انتهى ما أورده ابن جنى.
خاتمة
ذكر المحدِّثون أن من أنواع التصحيف: التصحيف في المعنى.
وقال ابن السكيت: يقال: ما أصابتنا العَامَ قَابة أي قَطْرة من مطر.
قال: وكان الأصمعي يصحف في هذا ويقول: هو الرعد، وكذا ذكر التِّبريزي في تهذيبه وتعقب ذلك بعضهم فقال: لا يُسَمَّى هذا تصحيفا، وهو إلى الغلط أقرب.
стр. 809
ذكر بعض ما أخذ على كتاب العين من التصحيف
قال أبو بكر الزبيدي في استدراكه: ذَكر في باب همع: الهِمِيْع: الموت، فصحفه والصواب الهِميْغ (بالغين المعجمة) .
وذكر في باب قفع: القُفَاعيّ من الرجال: الأحمر، وهو غلط، والصواب فُقَاعيّ، يقال: هو أحمر فُقَاعيّ للذي يُخَالِط حمرتَه بياض.
وذكر في باب عنك: عَرَق عانك: أصفر، والصواب عاتك.
وذكر في باب زعل: الزغلول: الخفيف من الرجال، وإنما هو الزُّغلول (بالغين المعجمة) - عن أبي عمرو الشيباني.
وذكر في باب معط: المُمَعّط: الطويل، والصواب المُمغَّط (بالغين المعجمة) .
وذكر في باب ذعر: ائذعر القوم: تفرقوا، والمعروف ابْذَعرّ (بالباء) ، والذي ذكر تصحيف.
وذكر في باب عفر: مَعافر العرفط: شيء يخرج منها مثل الصمغ، وإنما هي المغافير (بالغين معجمة) .
وذكر في باب معر: رجل أَمْعَر الشعر وهو لون يَضْرِب إلى الحمرة، والصواب أمغر، مشتق من المَغْرة.
وذكر في باب وَعق: الَوَعِيق: صوت قُنْب الدابة وإنما هو الوغيق بالغين (معجمة) ، رويناه عن إسماعيل مُسْنَداً إلى اللِّحياني.
стр. 810
وذكر في باب عسو: عسا الليل: أظلم، وإنما من غسا (بالغين معجمة) .
وذكر في باب الرباعي: عَلْهَضْتُ رأس القارورة والرجل: عالجته، والصواب بالصاد غير معجمة.
وذكر في باب حنك: يقال للعود الذي يضم العَرَاصِِيف حُنْكة وحِناك، والرواية عن أبي زيد حُبْكة وحِباك فيما أخبرني به إسماعيل، وروى أبو عبيد بالنون فصحَّف كتصحيف صاحب العين.
وذكر في باب جَحل: الجَحل: أولاد الإبل، وهو غلط، إنما هو الحجل (بالحاء قبل الجيم) .
وذكر في باب لحص: التَّلحيص: استقصاء خبر الشيء وبيانه، وإنما هو التَّلْخِيص (بالخاء المعجمة) .
وأنشد في باب حصف للأعشى
(تأوي طوائفها إلى محصوفة) // الكامل // والصواب: مخصوفة بالخاء معجمة، يعني سَوْداَء كثيفة.
وذكر في باب سحب: السَّحْب: شدة الأكل والشرب، وإنما هو السَّحْت.
وذكر في باب حزل: الاحتزال: الاحتزام بالثوب، وهو باللام غلط، إنما هو الاحتزاك - عن أبي عمرو الشيباني.
وذكر في باب حذل: الحُذَال: شيء يخرج من السمن وهو غلط، والصواب شيء يخرج من السَّمُر كالدم والعرب تسميه حيض السَّمُر.
следующие страницы →