Полный текст (241 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
عَن عَليّ بن الْحسن عَن أَبِيه حَدثنَا جمَاعَة من أهل جند نيسابور فيهم كتاب وتجار وَغير ذَلِك أَنه كَانَ عِنْدهم فِي سنة نَيف وَأَرْبَعين وثلثمائة شَاب من كتاب النَّصَارَى وَهُوَ ابْن أبي الطّيب القلانسي فَخرج إِلَى بعض شَأْنه فِي الرستاق فَأَخَذته الأكراد وعذبوه وطالبوه أَن يَشْتَرِي نَفسه مِنْهُم فَلم يفعل وَكتب إِلَى أَهله أنفذوا لي أَرْبَعَة دَرَاهِم أفيون وَاعْلَمُوا أَنِّي أشربها فتلحقني سكتة فَلَا تشك إِلَى الأكراد أَنِّي قد مت فيحملوني إِلَيْكُم فَإِذا حصلت عنْدكُمْ فأدخلوني الْحمام واضربوني ليحمي بدني وسوكوني بالأيارج فَأَنِّي أفِيق وَكَانَ الْفَتى متخلقاً وَقد سمع أَنه من شرب أفيوناً اسْكُتْ فَإِذا دخل الْحمام وَضرب وسوك بالايارج برِئ فَلم يعلم مِقْدَار الشربة من ذَلِك فَشرب أَرْبَعَة دَرَاهِم فَلم يشك الأكراد فِي مَوته فلفوه فِي شَيْء وأنفذوه إِلَى أَهله فَلَمَّا حصل عِنْدهم أدخلوه الْحمام وضربوه وسوكوه فَمَا تحرّك وَأقَام فِي الْحمام أَيَّامًا وَرَآهُ أهل الطِّبّ فَقَالُوا قد تلف كم شرب أفيونا قَالُوا وزن أَرْبَعَة دَرَاهِم فَقَالُوا لَهُم هَذَا الوشوى فِي جَهَنَّم مَا عَاشَ إِنَّمَا يجوز أَن يفعل هَذَا بِمن شرب أَرْبَعَة دوانيق أفيونا أَو وزن دِرْهَم أَو حواليه فَأَما هَذَا فقد مَاتَ فَلم يقبل أَهله ذَلِك فَتَرَكُوهُ فِي الْحمام حَتَّى أراح وَتغَير فدفنوه وانعكست الْحِيلَة على نَفسه
قَالَ المحسن وَقد روى قَدِيما مثل هَذَا أَن بِلَال بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كَانَ فِي حبس الْحجَّاج وَكَانَ يعذبه وَكَانَ كل من مَاتَ من الْحَبْس رفع خَبره إِلَى الْحجَّاج فيأمر بِإِخْرَاجِهِ وتسليمه إِلَى أَهله فَقَالَ بِلَال للسجان خُذ مني عشرَة آلَاف دِرْهَم واخرج اسْمِي إِلَى الْحجَّاج فِي الْمَوْتَى فَإِذا أَمرك بتسليمي إِلَى أَهلِي هربت فِي الأَرْض فَلم يعرف الْحجَّاج خبري وَإِن شِئْت أَن تهرب معي فافعل وعَلى غناك أبدا فَأخذ السجان المَال وَرفع اسْمه فِي الْمَوْتَى فَقَالَ الْحجَّاج مثل هَذَا
стр. 107
لَا يجوز أَن يخرج إِلَى أَهله حَتَّى أرَاهُ هاته فَعَاد إِلَى بِلَال فَقَالَ اعهد قَالَ وَمَا الْخَبَر قَالَ أَن الْحجَّاج قَالَ كَيْت وَكَيْت فَإِن لم أحضرك إِلَيْهِ مَيتا قتلني وَعلم أَنِّي أردْت الْحِيلَة عَلَيْهِ وَلَا بُد أَن أَقْتلك خنقاً فَبكى بِلَال وَسَأَلَهُ أَن لَا يفعل فَلم يكن إِلَى ذَلِك طَرِيق فأوصى وَصلى فَأَخذه السجان وخنقه وَأخرجه إِلَى الْحجَّاج فَلَمَّا رَآهُ مَيتا قَالَ سلمه إِلَى أَهله فَأَخَذُوهُ وَقد اشْترى الْقَتْل لنَفسِهِ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَرجعت الْحِيلَة عَلَيْهِ
وَذكر ابْن جرير وَغَيره أَن الْمَنْصُور دفع عبد الله بن عَليّ إِلَى عِيسَى بن مُوسَى سرا بِاللَّيْلِ قَالَ يَا عِيسَى أَن هَذَا أَرَادَ أَن يزِيل نعمتي ونعمتك وَأَنت ولي عهدي بعد الْمهْدي والخلافة صائرة إِلَيْك فَخذه فَاضْرب عُنُقه وَإِيَّاك أَن تخور أَو تضعف ثمَّ كتب إِلَيْهِ مَا فعلت فِيمَا أَمرتك بِهِ فَكتب إِلَيْهِ قد أنفذت مَا أَمرتنِي بِهِ فَلم يشك فِي أَنه قَتله وَكَانَ عِيسَى قد أخبر كَاتبه بِالْحَال فَقَالَ إِنَّمَا أَرَادَ قَتلك وَقَتله لِأَنَّهُ أَمرك أَن تقتله سرا ثمَّ يَدعِيهِ عَلَيْك عَلَانيَة فيقيدك بِهِ قَالَ فَمَا الرَّأْي قَالَ أَن تستره فِي مَنْزِلك فَإِن طلبه مِنْك عَلَانيَة أظهرته عَلَانيَة ثمَّ إِن الْمَنْصُور دس على عمومته من يحركهم على مَسْأَلَة عَن عبد الله بن عَليّ ويطمعهم فِي أَنه سيفعل وكلموه ورافعوه فَقَالَ عَليّ بِعِيسَى بن مُوسَى فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا عِيسَى قد علمت أَنِّي دفعت إِلَيْك عبد الله بن عَليّ وَقد كلموني فِيهِ فأتني بِهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم تَأْمُرنِي بقتْله ثمَّ قَالَ لعمومته قد أقرّ لكم بقتل ابْن أخيكم فَادّعى أَنِّي أَمرته بقتْله وَكذب قَالُوا فادفعه إِلَيْنَا نقيده قَالَ شَأْنكُمْ بِهِ فخرجوه إِلَى الراحبة وَاجْتمعَ النَّاس فشهر أحدهم سَيْفه وَتقدم إِلَى عِيسَى ليضربه فَقَالَ لَهُ عِيسَى أقاتلي أَنْت قَالَ أَي وَالله قَالَ ردوني إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَردُّوهُ فَقَالَ إِنَّمَا أردْت بقتْله أَن تقتلني هَذَا عمك حَتَّى سوى فَأَتَاهُ بِهِ
حَدثنَا الْحَارِثِيّ قَالَ اجتزت بِبَغْدَاد فِي أَيَّام المقتدر وَأَنا حدث
стр. 108
مَعَ جمَاعَة من مجان أَصْحَاب الحَدِيث وَإِذا بخادم خصي جَالس على دكه فِي الطَّرِيق وَبَين يَدَيْهِ أدوية ومكاحل ومباضع وعَلى رَأسه مظلة خرق كَمَا يكون الطَّبِيب فَقلت لِأَصْحَابِنَا مَا هَذَا فَقَالُوا خَادِم طَبِيب يصف للنَّاس ويعالج وَيَأْخُذ الدَّرَاهِم وَهَذَا من عجائب بَغْدَاد فَقلت أَنا أحب أَن أخاطبه لأنظر كَيفَ فهمه فَقَالَ وَاحِد مِنْهُم فهمه لَا أَدْرِي وَلَكِن نحب أَن تعبث بِهِ فَتقدم إِلَيْهِ وتغاشى وتماوت وتمارض وَقَالَ يَا أستاذ يَا أستاذ دفعات فضجر الْخَادِم وَقَالَ قولي لَا شفاك الله ايش أَصَابَك أَي طاعون ضربك قَالَ فَقَالَ لَهُ يَا أستاذ أجد ظلمَة فِي أحشاي ومغصاً فِي أَطْرَاف شعري وَمَا آكله الْيَوْم يخرج غَدا مثل الجيفة فَصف لي صفة لما أَنا فِيهِ قَالَ وَكَانَ الْخَادِم قد اعد الْجَواب فَقَالَ أما مَا تجدين من مغص فِي أَطْرَاف شعرك فاحلقي رَأسك ولحيتك حَتَّى يذهب مغصك وَأما ظلمَة فِي أحشاك فعلقي على بَاب حجرك قِنْدِيلًا يضيء مثل الساباط وَأما مَا تأكليه الْيَوْم يخرج غداء مثل الجيفة فكلي خراك واربحي النَّفَقَة قَالَ فعطعط بِنَا الْعَامَّة الْقيام وَضَحِكُوا بِنَا وانقلب الطنز الَّذِي أردنَا بالخادم وصارا طنزا بِنَا فَصَارَ أقْصَى أرادتنا الْهَرَب فهربنا
حَدثنَا الْحُسَيْن بن عُثْمَان وَغَيره أَن عضد الدولة بعث القَاضِي أَبَا بكر الباقلاني فِي رِسَالَة إِلَى ملك الرّوم فَلَمَّا ورد مدينته عرف الْملك خَبره وَبَين لَهُ مَحَله من الْعلم فأفكر الْملك فِي أمره وَعلم أَنه لَا يفكر لَهُ إِذا دخل عَلَيْهِ كَمَا جرى رسم الرّعية أَن يقبل الأَرْض بَين يَدي الْملك فنتجت لَهُ الفكرة أَن يضع سَرِيره الَّذِي يجلس عَلَيْهِ وَرَاء بَاب لطيف لَا يُمكن أحد أَن يدْخل مِنْهُ إِلَّا رَاكِعا ليدْخل القَاضِي مِنْهُ على تِلْكَ الْحَال عوضا من تفكيره بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا وصل القَاضِي إِلَى مَكَان فطن بالقصة فأدار ظَهره وحنى رَأسه وَدخل من الْبَاب وَهُوَ
стр. 109
يمشي إِلَى خَلفه وَقد اسْتقْبل الْملك بدبره حَتَّى صَار بَين يَدَيْهِ ثمَّ رفع رَأسه وَنصب وَجهه وأدار وَجهه حِينَئِذٍ إِلَى الْملك فَعلم الْملك من فطنته وهابه
وَقد روينَا أَن مزينة أسرت ثَابتا أَبَا حسان الْأنْصَارِيّ وَقَالُوا لَا نَأْخُذ فداءه إِلَّا تَيْسًا فَغَضب قومه وَقَالُوا لَا تفعل هَذَا فَأرْسل إِلَيْهِم أعطوهم مَا طلبُوا فَلَمَّا جاؤا بالتيس قَالَ أعطوهم أَخَاهُم وخذوا أَخَاكُم فسموا مزينة التيس فَصَارَ لَهُم لعباً وعبثاً كَانَ مهيار الشَّاعِر الْحَيّ والمطرز الشَّاعِر كوسجا فَمر أَبَا بِي الْحسن الجهرمي فَقَالَ
(اضرط على الكوسج وَإِلَّا لحى ... وزدهما أَن غَضبا سلحاً)
وَأَرَادَ أَن يتهما فَقَالَ لَهُ الْمُطَرز فَكيف وَقع لَك أَن تذكر عَليّ بن أبي عَليّ حَاجِب الْقَادِر بِاللَّه وَالْحسن بن أَحْمد صَاحب الْقَادِر بعد عَليّ بن أبي عَليّ وَكَانَ عَليّ ألحى وَالْحسن كوسجاً فانزعج الجهرمي وَخَافَ أَن يبلغهُ ذَلِك فيقابل عَلَيْهِ فَكتب إِلَى مهيار الديلمي يستعطفه
(أَبَا الْحسن أصفح أَن مثلي من جنى ... وَمثلك من اعفى من الْعَدو اَوْ عَفا)
(أئن طوحت بِي هفوة قلت جفوة ... وحملت سَمْعِي من عتابك مَا حفا)
حَدثنِي أَبُو بكر الخطاط قَالَ كَانَ رجل فَقِيه خطه فِي غَايَة الرداءة فَكَانَ الفكهاء يعيبونه بِخَطِّهِ وَيَقُولُونَ لَا يكون خطّ أردأ من خطك فيضجر من عيبهم إِيَّاه فَمر يَوْمًا بمجلد يُبَاع فِيهِ خطّ أردأ من خطه فَبَالغ فِي ثمنه فَاشْتَرَاهُ بِدِينَار وقيراط وَجَاء بِهِ ليحتج عَلَيْهِم إِذا قرؤه فَلَمَّا حضر مَعَهم أخذُوا يذكرُونَ قبح خطه فَقَالَ لَهُم قد وجدت أقبح من خطي وبالغت فِي ثمنه حَتَّى أتخلص من عيبكم فَأخْرجهُ
стр. 110
فتصفحوه وَإِذا فِي آخِره اسْمه وَأَنه كتبه فِي شبابه فَخَجِلَ من ذَلِك
قَالَ كَانَ بِالْبَصْرَةِ مغنية حذرها خمس دَنَانِير وَكَانَت مفرطة فِي حسن الصُّورَة والغناء إِلَّا أَنَّهَا بدوية تقلب الْقَاف كافاً فَدُعِيت لبَعض أُمَرَاء الْبَصْرَة فغنت وَمَالِي لَا أبْكِي وأندب فجَاء فِي كَلَامه وأندب ناكتي فَقَالَ الْأَمِير وزنا خَمْسَة دَنَانِير فَإِذا كنت تندبيننا فَمَا نُرِيد أَن تقيمي عندنَا فصرفها وَقد خجلت وَالله أعلم
الْبَاب الثَّامِن عشر فِي ذكر من وَقع فِي آفَة فتخلص مِنْهَا بالحيلة
ذكر أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اسْتعْمل رجلا من قُرَيْش على عمل فَبَلغهُ أَنه قَالَ
(اسْقِنِي شربة ألذ عَلَيْهَا ... واسق بِاللَّه مثلهَا ابْن هِشَام)
فأشخصه إِلَيْهِ وَذكر أَنه إِنَّمَا أشخصه من أجل الْبَيْت فضم إِلَيْهِ آخر فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ قَالَ السِّت الْقَائِل
(اسْقِنِي شربة ألذ عَلَيْهَا ... واسق بِاللَّه مثلهَا ابْن هِشَام)
قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
(لَعَلَّه عسلاً بَارِدًا بِمَاء سَحَاب ... أنني لَا أحب شرب المدام)
قَالَ الله قَالَ الله قَالَ ارْجع إِلَى عَمَلك
قَالَ حَدثنِي عبيد راوية الْأَعْشَى قَالَ خرج النُّعْمَان إِلَى ظهر الْحيرَة وَكَانَ معشابا وَكَانَت الْعَرَب تسميه خد الْعَذْرَاء فِيهِ نبت الشيح
стр. 111
والقيصوم والخزامي والزعفران وشقائق النُّعْمَان والأقحوان فَمر بالشقائق فَأَعْجَبتهُ فَقَالَ من نزع من هَذَا شيا فانزعوا كَفه قَالَ فسميت شقائق النُّعْمَان قَالَ فَإِنَّهُ ليسير فِيهَا يَوْمًا فَانْتهى إِلَى وهدة فِي طرف النجف وَإِذا شيخ يخصف نعلا فَوقف عَلَيْهِ وَقد سبق أَصْحَابه فَقَالَ مِمَّن أَنْت يَا شيخ قَالَ من بكر بن وَائِل فَقَالَ يَا شيخ مَالك هَهُنَا قَالَ طرد النُّعْمَان الرُّعَاة فَأخذُوا يَمِينا وَشمَالًا وَوجدت وهدة خَالِيَة فنتجت الْإِبِل وَولدت الْغنم وسالت السّمن فَقَالَ أَو مَا تخَاف النُّعْمَان قَالَ وَمَا أَخَاف مِنْهُ وَالله لربما لمست بيَدي هَذِه مَا بَين سرة أمه وعانتها كَأَنَّهُ أرنب جاثم قَالَ أَنْت أَيهَا الشَّيْخ قَالَ نعم قَالَ فهاج وَجهه غَضبا وطلعت أَوَائِل خيله فَقَالُوا حييت أَبيت اللَّعْن قَالَ وحسر عَن رَأسه فَإِذا خَرَزَات ملكه فَقَالَ النُّعْمَان أَيهَا الشَّيْخ كَيفَ قلت قَالَ أَبيت اللَّعْن لَا يهولنك ذَاك وَالله لقد علمت الْعَرَب أَنه لَيْسَ بَين لأبتيها أكذب مني فَضَحِك ثمَّ مضى
قَالَ طلب الْحجَّاج الحكم بن أَيُّوب بن جبر بن حبيب فخشي أَن يَجِيء بِهِ فيعاقبه فَقَالَ تركته يَتَحَرَّك رَأسه يصب فِي حلقه المَاء وَالله لَئِن حمل على سَرِير لتكونن عَورَة فَقيل لَهُ انْصَرف
حَدثنَا مُحَمَّد بن قُتَيْبَة فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أَنه ذكر بني إِسْرَائِيل وتحريفهم وتغييرهم وَذكر عَالما كَانَ فيهم عرضوا عَلَيْهِ كتابا اختلقوه على الله فَأخذُوا ورقة فِيهَا كتاب الله ثمَّ جعلهَا فِي قرن ثمَّ علقه فِي عُنُقه ثمَّ لبس عَلَيْهِ الثِّيَاب فَقَالُوا أتؤمن بِهَذَا قَالَ فَأَوْمأ بِيَدِهِ إِلَى صَدره وَقَالَ آمَنت بِهَذَا الْكتاب يعْنى الْكتاب الَّذِي فِي الْقرن فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت نبشوه فوجدوا الْقرن وَالْكتاب فَقَالُوا إِنَّمَا عَنى هَذَا
وَعَن الْأَصْمَعِي عَن أَبِيه قَالَ أَتَى عبد الْملك بن مَرْوَان بِرَجُل كَانَ مَعَ بعض من خرج عَلَيْهِ فَقَالَ اضربوا عُنُقه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا كَانَ هَذَا جزائي مِنْك قَالَ وَمَا جزاؤك قَالَ وَالله مَا خرجت مَعَ فلَان إِلَّا بِالنّظرِ لَك
стр. 112
وَذَلِكَ أَنِّي رجل مشؤم مَا كنت مَعَ رجل قطّ إِلَّا غلب وَهزمَ وَقد بَان لَك صِحَة مَا ادعيت وَكنت لَك خيرا من مائَة ألف مَعَك فَضَحِك وخلى سَبيله قَالَ اسحق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ شبيب بن شبة دخل خَالِد بن صَفْوَان التَّمِيمِي على أبي الْعَبَّاس وَلَيْسَ عِنْده أحد فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي وَالله مَا زلت مُنْذُ قلدك الله خِلَافَته اطلب أَن أصير إِلَى مثل هَذَا الْموقف فِي هَذِه الْخلْوَة فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْمر بإمساك الْبَاب حَتَّى أفرغ فعل قَالَ فَأمر الْحَاجِب بذلك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي فَكرت فِي أَمرك وأجلت الْفِكر فِيك فَلم أر أحدا لَهُ مثل قدرك اتساعاً فِي الِاسْتِمْتَاع بِالنسَاء مِنْك وَلَا بأضيق فِيهِنَّ عَيْشًا إِنَّك ملكت نَفسك امْرَأَة من نسَاء الْعَالمين واقتصرت عَلَيْهَا فَإِن مَرضت مَرضت وَإِن غَابَتْ غبت وَإِن عركت عركت وَحرمت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نَفسك من التَّلَذُّذ بأطراف الْجَوَارِي وَمَعْرِفَة اخْتِلَاف أَحْوَالهم والتلذذ بِمَا يشتهى مِنْهُنَّ أَن مِنْهُنَّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الطَّوِيلَة الَّتِي تشْتَهي لجسمها والبيضاء الَّتِي تحب لروعتها والسمراء اللعساء والصفراء العجزاء ومولدات الْمَدِينَة والطائف واليمامة ذَوَات الألسن العذبة وَالْجَوَاب الْحَاضِر وَبَنَات سَائِر الْمُلُوك وَمَا يشتهى من نظافتهن وتخلل خَالِد بِلِسَانِهِ فاطنب فِي صِفَات ضروب الْجَوَارِي وشوقه إلَيْهِنَّ فَلَمَّا فرغ قَالَ وَيحك وَالله مَا سلك مسامعي كَلَام أحسن من هَذَا فأعد على كلامك فقد وَقع مني موقعاً فَأَعَادَ عَلَيْهِ خَالِد كَلَامه بِأَحْسَن مِمَّا ابتدأه ثمَّ انْصَرف وَبَقِي أَبُو الْعَبَّاس مفكراً فَدخلت عَلَيْهِ أم سَلمَة وَكَانَ قد حلف أَن لَا يتَّخذ عَلَيْهَا ووفى فَلَمَّا رَأَتْهُ مفكراً قَالَت أَنِّي لأَذْكُرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَهَل حدث شَيْء نكرهه وأتاك خبر أرتعت لَهُ قَالَ لَا فَلم نزل تستخبره حَتَّى أخْبرهَا بمقالة خَالِد قَالَت فَمَا قلت لِابْنِ الفاعلة فَقَالَ لَهَا ينصحني وتشتميه فَخرجت إِلَى مواليها فَأَمَرتهمْ بِضَرْب خَالِد فَخرجت من الدَّار مَسْرُورا بِمَا ألقيت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم اشك فِي الصِّلَة فَبَيْنَمَا أَنا وَاقِف
стр. 113
أَقبلُوا يسْأَلُون عني فحققت الْجَائِزَة فَقلت لَهُم هَا أَنا ذَا فَاسْتَبق إِلَى أحدهم بخشبة فغمزت برذوني ولحقني فَضرب كفله وركضت ففتهم واستخفيت فِي منزلي أَيَّامًا وَوَقع فِي قلبِي أَنِّي أتيت من قبل أم سَلمَة فَمَا أشعر إِلَّا بِقوم قد هجموا عَليّ وَقَالُوا أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَسبق إِلَى قلبِي أَنه الْمَوْت فَقلت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون لم أردم شيخ أضيع من دمي فركبت إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَقِيته خَالِيا فَنَظَرت فِي الْمجْلس بَينا عَلَيْهِ ستور رقاق وَسمعت حسا خلف السّتْر فَقَالَ وَيحك وصفت لأمير الْمُؤمنِينَ صفة فأعدها فَقلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلمتك أَن النِّسَاء أَكثر من وَاحِدَة الأضر وتنغص فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس لم يكن هَذَا الْعَرَب إِنَّمَا اشْتقت اسْم الضرتين من الضَّرَر وَإِن أحد لم يكن عِنْده من فِي الحَدِيث قَالَ بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأخبرتك أَن الثَّلَاث من النِّسَاء كأنهن فِي الْقدر يغلي عَلَيْهِنَّ قَالَ بَرِئت من قَرَابَتي من رَسُول الله ﷺ إِن كنت سَمِعت هَذَا مِنْك ولأمر فِي حَدِيثك قَالَ وأخبرتك أَن الْأَرْبَع من النِّسَاء شَرّ مَجْمُوع لصَاحبه يشيبنه ويهرمنه قَالَ لَا وَالله مَا سَمِعت هَذَا مِنْك قلت بلَى وَالله قَالَ أفتكذبني قلت أفتقتلني نعم وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أبكار الْإِمَاء رجال إِلَّا أَنه لَيست لَهُنَّ خصي قَالَ خَالِد فَسمِعت ضحكاً من خلف السّتْر ثمَّ قلت نعم وَالله وأخبرتك أَن عنْدك رَيْحَانَة قُرَيْش وَأَنت تطمح بِعَيْنِك إِلَى النِّسَاء والجواري قَالَ فَقيل من وَرَاء السّتْر صدقت وَالله يَا عماه بِهَذَا حدثته وَلكنه غير حَدِيثك ونطق من لسَانك فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَالك قَاتلك الله قَالَ وانسللت فَبعثت إِلَى أم سَلمَة بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وبرذون وتخت ثِيَاب قَالَ حَدثنِي رجل من بني نَوْفَل بن عبد منَاف قَالَ لما أصَاب نصيب من المَال مَا أصَاب وَكَانَ عِنْده أم محجن وَكَانَت سَوْدَاء اشتاق إِلَى الْبيَاض فَتزَوج امْرَأَة سَرِيَّة بَيْضَاء فَغضِبت أم محجن وَغَارَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا وَالله يَا أم محجن مَا مثلي يغار عَلَيْهِ أَنِّي شيخ كَبِير وَمَا مثلك يغار أَنَّك لعجوز كَبِيرَة وَمَا أحد
стр. 114
أكْرم عَليّ مِنْك وَلَا أوجب حَقًا فجوزي هَذَا الْأَمر وَلَا تكدريه على فرضيت وقرت ثمَّ قَالَ لَهَا بعد ذَلِك هَل لَك أَن أجمع إِلَيْك زَوْجَتي الجديدة فَهُوَ أصلح لذات الْبَين وألم للشعث وَأبْعد للشماتة فَقَالَت نعم أفعل وَأَعْطَاهَا دِينَار وَقَالَ لَهَا أَنِّي أكره أَن ترى بك خصَاصَة أَن تفضل عَلَيْك فاعملي لَهَا إِذا أَصبَحت عنْدك غَدا بِهَذَا الدِّينَار ثمَّ أَتَى زَوجته الجديدة فَقَالَ لَهَا إِنِّي أردْت أَن أجمعك إِلَى أم محجن غَدا وَهِي مكرمتك وأكره أَن تفضل عَلَيْك أم محجن فَخذي هَذَا الدِّينَار فاعدي لَهَا بِهِ إِذا أَصبَحت عِنْدهَا غَدا لِئَلَّا ترى بك خصَاصَة وَلَا تذكري لَهَا الدِّينَار ثمَّ أَتَى صاحباً لَهُ يستنصحه فَقَالَ إِنِّي أُرِيد أَن أجمع زَوْجَتي الجديدة إِلَى أم محجن غَدا فأتني مُسلما فَإِنِّي سأستجلسك للغداء فَإِذا تغذيت فسلني عَن أحبهما إِلَيّ فَإِنِّي سانفروا أعظم ذَلِك فَإِذا أَبيت عَلَيْك أَن لَا أخْبرك فاحلف عَليّ فَلَمَّا كَانَ الْغَد زارت زَوجته الجديدة لأم محجن وَمر بِهِ صديقه فاستجلسه فَلَمَّا تغذيا أقبل الرجل عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا محجن أحب أَن تُخبرنِي عَن أحب زوجتيك إِلَيْك فَقَالَ سُبْحَانَ الله أتسألني عَن هَذَا وهما يسمعان مَا سَأَلَ عَن مثل هَذَا أحد قَالَ فَإِنِّي أقسم عَلَيْك لتخبرني فوَاللَّه لأعذرتك وَلَا أقيل إِلَّا ذَاك قَالَ أما إِذْ فعلت فأحبهما إِلَى صَاحِبَة الدِّينَار وَالله لَا أُرِيد على هَذَا شيا فَأَعْرَضت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تضحك ونفسها مسرورة وَهِي تظن أَنه عناها بذلك القَوْل
قَالَ حَدثنِي القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن بن عتبَة قَالَ كَانَت لي ابْنة عَم موسرة وتزوجتها فَلم أوترها لشَيْء من الْجمال وَلَكِنِّي كنت استعين بمالها وأتزوج سرا فَإِذا فطنت بذلك هجرتني وطرحتني وضيقت عَليّ إِلَى أَن أطلق من تَزَوَّجتهَا ثمَّ تعود إِلَيّ فطال ذَلِك عَليّ وَتَزَوَّجت صبية حسناء مُوَافقَة لطباعي مساعدة على اخْتِيَاري فَمَكثت معي مُدَّة يسيرَة وسعي بهَا إِلَى ابْنة عمي فَأخذت فِي المناكدة والتضييق عَليّ فَلم يسهل عَليّ فِرَاق
стр. 115
تِلْكَ الصبية فَقلت لَهَا استعيري من كل جَارة قِطْعَة من أَفْخَر ثِيَابهَا حَتَّى يتكامل لَك خلعة تَامَّة الْجمال وتبخري بالعنبر واذهبي إِلَى ابْنة عمي فابكي بَين يَديهَا واكثري من الدُّعَاء لَهَا والتضرع إِلَيْهَا إِلَى أَن تضجريها فَإِذا سَأَلتك عَن حالك فَقولِي لَهَا أَن ابْن عمي قد تزَوجنِي وَفِي كل وَقت يتَزَوَّج عَليّ وَاحِدَة وَينْفق مَالِي عَلَيْهَا وَأُرِيد أَن تسألي القَاضِي معونتي وإنصافي مِنْهُ فَإِنِّي أقدمه إِلَيْهِ فَإِنَّهَا سترفعك إِلَيّ فَفعلت فَلَمَّا دخلت عَلَيْهَا واتصل بكاؤها رحمتها وَقَالَت لَهَا فَالْقَاضِي شَرّ من زَوجك وَهَكَذَا يفعل بِي وَقَامَت فَدخلت عَليّ وَأَنا فِي مجْلِس لي وَهِي غَضبى وَيَد الصبية فِي يَدهَا فَقَالَت هَذِه المؤمنة حَالهَا مثل حَالي فاسمع مقالها وَاعْتمد إنصافها فَقلت ادخلا فدخلتا جَمِيعًا فَقلت لَهَا مَا شَأْنك قَالَت فَذكرت مَا وافقها عَلَيْهِ فَقلت لَهَا هَل اعْترف ابْن عمك بِأَنَّهُ قد تزوج عَلَيْك فَقَالَت لَا وَالله وَكَيف يعْتَرف بِمَا يعلم أَنِّي لَا أقاره عَلَيْهِ قلت فشاهدت أَنْت هَذِه الْمَرْأَة وقفت على مَكَانهَا وَصورتهَا فَقَالَت لَا وَالله فَقلت يَا هَذِه اتقِي الله وَلَا تقبلي شَيْئا سمعته فَإِن الحساد كثير والطلاب لإفساد النِّسَاء كثير والحيل والتكذيب فَهَذِهِ زَوْجَتي قد ذكر لَهَا إِنِّي تزوجت عَلَيْهَا وكل زَوْجَة لي وَرَاء هَذَا الْبَاب طَالِق ثَلَاثًا فَقَامَتْ ابْنة عمي فَقبلت رَأْسِي وَقَالَت قد علمت أَنه مَكْذُوب عَلَيْك أَيهَا القَاضِي وَلم يلْزَمنِي حنث لاجتماعهما بحضرتي حَدثنَا الْأَصْمَعِي قَالَ أَتَى الْمَنْصُور بِرَجُل ليعاقبه على شَيْء بلغه عَنهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الانتقام عدل والتجاوز فضل وَنحن نعيذ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِاللَّه أَن يرضى لنَفسِهِ بأوكس النَّصِيبَيْنِ دون أَن يبلغ أرفع الدرجتين فَعَفَا عَنهُ
حَدثنَا أَبُو الْحسن المدايني أَن أَحْمد بن سميط أسر خَمْسمِائَة فَأتى بهم الْمُخْتَار فَقتل مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَحبس بَعْضًا وَمن على بعض فَكَانَ مِمَّن حبس من الأسرى سراقَة بن مرداس الْبَارِقي ثمَّ أَمر بقتْله
стр. 116
فَقَالَ لَا وَالله لَا تقتلني حَتَّى أنقض مَعَك دَاري حجرا حجرا قَالَ وَمَا يدْريك قَالَ الْأَخْبَار الصادقة الَّتِي جَاءَت بهَا الْكتب الناطقة فاقبل الْمُخْتَار على عبد الله بن كَامِل وعَلى أبي عمْرَة فَقَالَ من يظْهر أَسْرَارنَا فَأمر بِتَخْلِيَتِهِ فَقَالَ سراقَة أَنا قد أسرنا قوم لَا نراهم قَالَ هم هَؤُلَاءِ وهم شَرط الله قَالَ لَا وَالله لقد أسرنا قوم عَلَيْهِم عمائم حمر على خيل بلق تطير بَين السَّمَاء وَالْأَرْض قَالَ هَذِه الْمَلَائِكَة فَاعْلَم النَّاس ذَلِك يَا سراقَة قَالَ فَصَعدت مَنَارَة وأعلمت النَّاس وَحلفت لَهُم فخلى سبيلي
حَدثنَا ابْن عِيَاض قَالَ استؤمن لعباس بن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ من مُسلم بن عقبَة يَوْم الْحرَّة فَأبى أَن يُؤمنهُ فَأتوهُ بِهِ ودعا بالغداء فَقَالَ عَبَّاس أصلح الله الْأَمِير وَالله لكأنهما جَفْنَة أَبِيك كَانَ يخرج عَلَيْهِ مطرف حرَّة حَتَّى يجلس بفنائها ثمَّ يضع حفنته بَين يَدي من حضر قَالَ صدقت كَانَ كَذَلِك أَنْت آمن فَقيل للْعَبَّاس كَانَ أَبوهُ كَمَا قلت قَالَ لَا وَالله لقد رَأَيْته فِي عناء بحرة مَا نَخَاف على رِكَابنَا ومتاعنا أَن يسرقه غَيره
حَدثنَا دُرَيْد عَن عبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي عَن عَمه قَالَ بعث إِلَيّ الرشيد فَدخلت فَإِذا صبية فَقَالَ من هَذِه الصبية فَقلت لَا أَدْرِي قَالَ هَذِه مواسة بنت أَمِير الْمُؤمنِينَ فدعوت لَهَا وَله قَالَ نعم فَقبل رَأسهَا فَقلت إِنِّي أطعته أَدْرَكته الْغيرَة فقتلني وَإِن أَنا عصيته قتلني بِمَعْصِيَة فَوضعت كمي على رَأسهَا وَقبلت كمي فَقَالَ وَالله يَا أصمعي لَو أخطأتها لقتلتك أَعْطوهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم
حَدثنَا ابْن البهلول أَن أَبَا حُذَيْفَة وَاصل بن عَطاء خرج يُرِيد سفرا فِي رَهْط فاعترضهم جَيش من الْخَوَارِج فَقَالَ وَاصل لَا ينطقن أحد ودعوني مَعَهم فقصدهم وَاصل فَلَمَّا قربوا بَدَأَ الْخَوَارِج ليوقعوا فَقَالَ
стр. 117
كَيفَ تستحلون هَذَا وَمَا تَدْرُونَ من نَحن وَلَا لأي شَيْء جِئْنَا فَقَالُوا نعم فَمَا أَنْتُم قَالَ قوم من الْمُشْركين جئناكم لنسمع كَلَام الله قَالَ فكفوا عَنْهُم وَبَدَأَ رجل مِنْهُم يقْرَأ عَلَيْهِم الْقُرْآن فَلَمَّا امسك قَالَ وَاصل قد سمعنَا كَلَام الله فأبلغنا مأمننا حَتَّى نَنْظُر فِيهِ وَكَيف ندخل فِي الدّين فَقَالَ هَذَا وَاجِب سِيرُوا فسرنا والخوارج وَالله مَعنا يحمونا فراسخ حَتَّى قربنا إِلَى بلد لَا سُلْطَان لَهُم عَلَيْهِ فانصرفوا قَالَ أَبُو إِسْحَق الجهمي لما صرف الْحجَّاج قَالَ لغلام لَهُ تعال نتنكر وَنَنْظُر مَا لنا عِنْد النَّاس فتنكروا وخرجا فمرا على الْمطلب غُلَام أبي لَهب فَقَالَا يَا هَذَا أَي شَيْء غير الْحجَّاج قَالَ على الْحجَّاج لعنة الله قَالَا فَمَتَى يخرج قَالَ اخْرُج الله روحه من بَين جَنْبَيْهِ مَا يدريني قَالَ اتعرفني قَالَ لَا قَالَ أَنا الْحجَّاج بن يُوسُف قَالَ الْمطلب أتعرفني أَنْت قَالَ لَا قَالَ أَنا الْمطلب غُلَام أبي لَهب مَعْرُوف أصرع فِي كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام أَولهَا الْيَوْم فَتَركه وَمضى
وَحكى أَبُو الْحسن بن هِلَال الصابي أَن الْحجَّاج انْفَرد يَوْمًا من عسكره فَمر ببستاني يسْقِي ضيعته فَقَالَ كَيفَ حالكم مَعَ الْحجَّاج فَقَالَ لَعنه الله المبيد الْبر الحقود عجل الله الانتقام مِنْهُ فَقَالَ لَهُ أتعرفني قَالَ لَا قَالَ أَنا الْحجَّاج فَرَأى أَن دَمه قد طاح فَرفع عَصا كَانَت مَعَه فَقَالَ أتعرفني قَالَ لَا قَالَ أَنا أَبُو ثَوْر الْمَجْنُون وَهَذَا يَوْم صرعي وأزبد وأرغى وهاج وَأَرَادَ أَن يضْرب رَأسه بالعصى فَضَحِك مِنْهُ وَانْصَرف
وبلغنا أَن الْحجَّاج انْفَرد يَوْمًا عَن عسكره فلقي أَعْرَابِيًا فَقَالَ يَا وَجه الْعَرَب كَيفَ الْحجَّاج قَالَ ظَالِم غاشم قَالَ فَهَلا شكوته إِلَى عبد الْملك فَقَالَ لَعنه الله أظلم مِنْهُ وأغشم فأحاط بِهِ الْعَسْكَر فَقَالَ اركبوا البدوي فاركبوه فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالُوا هُوَ الْحجَّاج فركض من الْفرس خَلفه وَقَالَ يَا
стр. 118
حجاج قَالَ مَالك قَالَ السِّرّ الَّذِي بيني وَبَيْنك لَا يطلع عَلَيْهِ أحد فَضَحِك وخلاه وَلَقي الْحجَّاج أَعْرَابِيًا بفلاة فَسَأَلَهُ عَن نَفسه وَعَن عماله وسعاته فَأخْبرهُ بِكُل مَا يكره فَقَالَ لَهُ أَنا الْحجَّاج قتلني الله إِن لم أَقْتلك قَالَ فَأَيْنَ حق الاسترسال قَالَ أولى لَك مَا أحسن مَا تخلصت وخلى سَبيله قَالَ كَانَ أَبُو الْحُسَيْن بن السماك يتَكَلَّم على النَّاس بِجَامِع الْمَدِينَة وَكَانَ لَا يحسن من الْعُلُوم شَيْئا إِلَّا مَا شَاءَ الله وَكَانَ مطبوعاً يتَكَلَّم على مَذْهَب الصُّوفِيَّة فَكتبت إِلَيْهِ رقْعَة مَا يَقُول السَّادة الْفُقَهَاء فِي رجل مَاتَ وَخلف كَذَا وَكَذَا فَفَتحهَا فتأملها فَقَرَأَ مَا تَقول السَّادة الْفُقَهَاء فِي رجل مَاتَ فَلَمَّا رَآهَا فِي الْفَرَائِض رَمَاهَا من يَده وَقَالَ أَنا أَتكَلّم على مَذَاهِب قوم إِذا مَاتُوا لم يخلفوا شيا فَعجب الْحَاضِرُونَ من حِدة خاطره
ويحكى أَن مزيداً كَانَ يدْخل على بعض وُلَاة الْمَدِينَة فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ ذَات يَوْم ثمَّ جَاءَ فَقَالَ مَا أبطأك عني قَالَ جَارة لي كنت أهواها مُنْذُ حِين فظفرت بهَا لَيْلَتي وتمكنت مِنْهَا فَغَضب الْوَالِي وَقَالَ وَالله لآخذنك بِإِقْرَار فَلَمَّا رأى الْجد مِنْهُ قَالَ فاسمع تَمام حَدِيثي قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ فَلَمَّا أَصبَحت خرجت أطلب مُفَسرًا يُفَسر لي رُؤْيَايَ فَلم أقدر عَلَيْهِ إِلَى السَّاعَة قَالَ ذَلِك فِي الْمَنَام رَأَيْت قَالَ نعم فسكن غَضَبه وَقد روينَا عَن أبي الْفضل الربعِي عَن أَبِيه قَالَ قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا وَهُوَ مغضب لأبي دلف أَنْت الَّذِي يَقُول فِيك الشَّاعِر
(إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دلف ... بَين بادية ومحتضره)
(فَإِذا ولى أَبُو دلف ... ولت الدُّنْيَا على أَثَره)
فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ شَهَادَة زور وَقَول عزور وملق معتاف وَطلب عرف واصدق مِنْهُ ابْن أُخْت لي حَيْثُ يَقُول
стр. 119
(دعيني أجوب الأَرْض فِي طلب الْغنى ... فَلَا الكرخ الدُّنْيَا وَلَا النَّاس قَاسم)
فَضَحِك الْمَأْمُون وَسكن غَضَبه وروى أَن عزة وبثينة اجتمعتا فتحدثتا فاقبل كثير فَقَالَت بثينة أتحبين أَن أبين لَك إِن كثيرا غير صَادِق فِي محبتك قَالَت نعم قَالَت ادخلي الخباء فَدخلت فَدَنَا كثير فَوقف على بثينة فَسلم عَلَيْهَا فَقَالَت لَهُ مَا تركت عزة فِيك مستمعاً لأحد فَقَالَ كثير وَالله لَو أَن عزة أمة لوهبتها لَك فَقَالَت إِن كنت صَادِقا فَقل فِي هَذَا شعرًا فَأَنْشَأَ يَقُول
(رمتني على عمد بثينة بَعْدَمَا ... تولى شَبَابِي وارجحن شبابها)
(بعينين نجلاوين لَو رقرقتهما ... لنؤ الثريا لاستهل سحابها)
فبادرت عزة وكشفت الْحجاب وَقَالَت لَهُ يَا فَاسق قد سَمِعت الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ لَهَا فاسمعي الثَّالِث قَالَت وَمَا هُوَ قَالَ
(ولكنما ترمين نفسا سقيمة ... لعزة مِنْهَا صفوها ولبابها)
فاستحسنت عذره
وَذكر أَبُو هِلَال العسكري أَن رجلا كَانَت لَهُ صديقَة لَهَا زوج غَائِب وَكَانَ يَأْتِيهَا على طمأنينة فَقدم زَوجهَا فَدخل فَرَأى الرجل نَائِما فَظَنهُ الْمَرْأَة فَأخذ برجليه فَوَثَبَ إِلَى السَّيْف وَكَانَ فِي جِيرَانه مُعَاوِيَة بن ستار فَنَادَى يَا مُعَاوِيَة هَل وفيت فَتوهم الزَّوْج أَنه جعل لَهُ على مَا فعل وَعلم مُعَاوِيَة أَنه مكروب فَقَالَ نعم وتعليت فَخَلَّاهُ الزَّوْج وَحكى أَبُو الْحسن بن الصابي أَن مغنية غنت بَين يَدي الْمهْدي
(مَا نقموا من بني أُميَّة إِلَّا ... أَنهم يسفهون إِذْ غضبوا)
فَقيل لَهَا غَلطت فَقَالَت غلطي يذكرنِي هَذَا الْبَيْت فأصلحته بِمَا سَمِعْتُمْ
стр. 120
الْبَاب التَّاسِع عشر فِي ذكر من اسْتعْمل بذكائه المعاريض
أخبرنَا سعيد بن الْمسيب أَن عَائِشَة ﵂ سُئِلت هَل كَانَ رَسُول الله ﷺ يمزح قَالَت نعم كَانَ عِنْدِي عَجُوز فَدخل رَسُول الله ﷺ فَقَالَت ادْع الله أَن يَجْعَلنِي من أهل الْجنَّة قَالَ إِن الْجنَّة لَا تدْخلهَا الْعَجَائِز وَسمع النداء فَخرج وَدخل وَهِي تبْكي فَقَالَ مَا لَهَا قَالُوا إِنَّك حدثتها أَن الْجنَّة لَا يدخلهَا الْعَجَائِز قَالَ إِن الله يحولهن أَبْكَارًا عربا أَتْرَابًا قَالَ وَحدثنَا الْحَرْث بن نَوْفَل أَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب قَالَ يَا رَسُول الله مَا ترجوا لأبي طَالب قَالَ كل خير أَرْجُو من رَبِّي
وَحدثنَا الْقرشِي قَالَ دخلت امْرَأَة على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ من زَوجك فَسَمتْهُ لَهُ فَقَالَ الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ بَيَاض فَرَجَعت فَجعلت تنظر إِلَى زَوجهَا فَقَالَ مَا لَك قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ زَوجك فلَان قلت نعم قَالَ الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ بَيَاض قَالَ أَو لَيْسَ الْبيَاض فِي عَيْني أَكثر من السوَاد
حَدثنَا أنس بن مَالك قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ ليستحمله قَالَ أَنا حاملك على ولد نَاقَة قَالَ يَا رَسُول الله وَمَا أصنع بِولد نَاقَة قَالَ وَهل تَلد الْإِبِل إِلَّا النوق
حَدثنَا مُحَمَّد بن سلمى عَن مُحَمَّد بن إِسْحَق أَن رَسُول الله ﷺ لما سَار إِلَى بدر نزل قَرِيبا مِنْهَا ثمَّ ركب هُوَ وَرجل من أَصْحَابه قَالَ ابْن أسحق حَدثنِي مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان أَنه وقف على شيخ فَسَأَلَهُ عَن
стр. 121
قُرَيْش وَعَن مُحَمَّد وَأَصْحَابه وَمَا بلغه عَنْهُم فَقَالَ الشَّيْخ لَا أخبركما حَتَّى تخبراني من أَنْتُمَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أخبرتنا أخبرناك قَالَ وَذَاكَ بِذَاكَ ثمَّ قَالَ الشَّيْخ إِنَّه بَلغنِي أَن مُحَمَّد وَأَصْحَابه خَرجُوا يَوْم كَذَا وَكَذَا فَإِن كَانَ صدقني الَّذِي أَخْبرنِي فهم الْيَوْم بمَكَان كَذَا وَكَذَا بِالْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ رَسُول الله ﷺ وبلغنا أَن قُريْشًا خَرجُوا يَوْم كَذَا وَكَذَا فَإِن كَانَ صدقني الَّذِي أَخْبرنِي فهم الْيَوْم بمَكَان كَذَا وَكَذَا بِالْمَكَانِ الَّذِي بِهِ قُرَيْش فَلَمَّا فرغ من خَبره قَالَ فَمن أَنْتُم قَالَ رَسُول الله ﷺ نَحن من مَاء الْعرَاق قَالَ أَحْمد بن عَليّ أَوْهَمهُ النَّبِي ﷺ بِأَنَّهُ من الْعرَاق فَكَانَ الْعرَاق يُسمى مَاء وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِي ﷺ من الْعرَاق أَنه خلق من نُطْفَة مَاء عَن ابْن أبي الزِّنَاد قَالَ كَانَ عِنْد أَسمَاء بنت أبي بكر قَمِيص رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا قتل عبد الله بن الزبير ذهب الْقَمِيص فِيمَا ذهب وَفِيمَا انْتَهَت فَقَالَت أَسمَاء للقميص أَشد على من قتل عبد الله فَوجدَ الْقَمِيص عِنْد رجل من أهل الشَّام فَقَالَ لَا أرده أَو تستغفر لي أَسمَاء فَقيل لَهَا قَالَت كَيفَ أسْتَغْفر لقَاتل عبد الله قَالُوا أفليس يرد الْقَمِيص قَالَت قُولُوا لَهُ فليجيء فجَاء بالقميص وَمَعَهُ عبد الله بن عُرْوَة فَقَالَت ادْفَعْ الْقَمِيص إِلَى عبد الله فَدفعهُ فَقَالَت قبضت الْقَمِيص يَا عبد الله قَالَ نعم قَالَت غفر الله لَك يَا عبد الله وَإِنَّمَا عنت عبد الله بن عُرْوَة عَن حجر المدري قَالَ قَالَ لي عَليّ ﵁ كَيفَ بك إِذا أمرت أَن تلعنني قلت أَو كَائِن ذَلِك قَالَ نعم قلت كَيفَ اصْنَع قَالَ إلعني وَلَا تتبرأ مني قَالَ فَقَامَ مُحَمَّد بن يُوسُف إِلَى جنب الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ لَهُ الْعَن عليا فَقَالَ إِن الْأَمِير أَمرنِي أَن ألعن عليا مُحَمَّد بن يُوسُف العنوه لَعنه الله فَلَقَد تفرق أهل الْمَسْجِد وَمَا فهمها إِلَّا رجل وَاحِد
قَالَ قَامَت الخطباء إِلَى الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالْكُوفَةِ فَقَامَ صعصعة بن سرحان فَتكلم فَقَالَ الْمُغيرَة أرجوه فأقيموه على المصطبة فليلعن عليا
стр. 122
فَقَالَ لعن الله من لعن الله وَلعن عَليّ بن أبي طَالب فَأخْبرهُ بذلك فَقَالَ أقسم بِاللَّه لتقيدنه فَخرج فَقَالَ إِن هَذَا يَا أبي إِلَّا عَليّ بن أبي طَالب فالعنوه ولعنه الله فَقَالَ الْمُغيرَة أَخْرجُوهُ أخرج الله نَفسه قَالَ كلم رجل عِيسَى بن مُوسَى فِي شَيْء وَعِنْده عبد الله بن شبْرمَة القَاضِي فَقَالَ عِيسَى للرجل من يعرفك قَالَ ابْن شبْرمَة قَالَ أتعرفه قَالَ إِنِّي لَا أعلم أَن لَهُ شرفاً وبيتاً وقدماً فَلَمَّا خرج ابْن شبْرمَة سُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ اعْلَم أَن لَهُ أذنين مشقوقتين وَأَن لَهُ بَيْتا يأوي إِلَيْهِ وَأَن لَهُ قدماً يطَأ بهَا
قَالَ ضرب الْحجَّاج عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وأقامه النَّاس وَمَعَهُ رجل يحثه وَيَقُول الْعَن عليا فَيَقُول اللَّهُمَّ الْعَن الْكَذَّابين ثمَّ يسكت وَيَقُول آه عَليّ بن أبي طَالب ثمَّ يسكت ثمَّ يَقُول الْمُخْتَار بن الزبير
حَدثنَا الْمُبَارك قَالَ بَيْنَمَا الْحجَّاج جَالس إِذْ أقبل رجل مقارب الْخلق أفجع ذُو غدر بَين فَلَمَّا رَآهُ الْحجَّاج قَالَ مرْحَبًا بِأبي غادية فَلم يرحب بِهِ حَتَّى أجلسه على سَرِيره ثمَّ قَالَ لَهُ أَنْت قَاتل ابْن سمنة قَالَ نعم قَالَ كَيفَ قَالَ صنعت كَذَا وَفعلت كَذَا حَتَّى قتلته قَالَ الْحجَّاج لأهل الشَّام من سره أَن ينظر إِلَى رجل عَظِيم الباع يَوْم الْقِيَامَة فَلْينْظر إِلَى هَذَا الَّذِي قتل ابْن سمنة ثمَّ ساره أَبُو غادية فَسَأَلَهُ شَيْئا فَأبى عَلَيْهِ فَقَالَ أَو غادية نعطي لَهُم الدُّنْيَا ثمَّ نسألهم مِنْهَا شيا فَلَا يعطونا وتزعم أَنه عَظِيم الباع يَوْم لقيمة قَالَ أجل وَالله إِن من كَانَ ضرسه مثل أحد وَفَخذه مثل وقان وَسَاقه الْبَيْضَاء ومجلسه مَا بَين الْمَدِينَة إِلَى الزبيد لعَظيم الباع يَوْم الْقِيَامَة وَالله لَو أَن عمار بن سمنة قَتله أهل الأَرْض لدخلوا كلهم النَّار قَالَ الْقرشِي قَالَ كَانَ مطرف بن عبد الله خرج مَعَ ابْن الْأَشْعَث فَأتى بِهِ إِلَى الْحجَّاج بعد ذَلِك فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج يَا مطرف أكفرت قَالَ لَا وَلَكِن كَانَت حيرة وَلَو نصرنَا الْحق وَأَهله كَانَ خير لنا
стр. 123
قَالَ الْقرشِي وَحدثنَا أَبُو جَعْفَر الْمَدِينِيّ قَالَ خرج قوم من الْخَوَارِج بِالْبَصْرَةِ فَلَقوا شَيخا أَبيض الرَّأْس واللحية فَقَالُوا لَهُ من أَنْت قَالَ أَعهد إِلَيْكُم من الْيَهُود بِشَيْء أَو بدا لكم فِي قتل أهل الدِّيَة قَالُوا اذْهَبْ عَنَّا إِلَى النَّار
أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يَعْقُوب قَالَ كَانَ يحيى بن أَكْثَم يحْسد حسداً شَدِيدا وَكَانَ مفنناً فَكَانَ إِذا نظر إِلَى رجل يحفظ الْفِقْه سَأَلَهُ عَن الحَدِيث وَإِذا رَآهُ يحفظ الحَدِيث سَأَلَهُ عَن النَّحْو وَإِذا رَآهُ يعلم النَّحْو سَأَلَهُ عَن الْكَلَام ليخجله ويقطعه فَدخل إِلَيْهِ رجل من أهل خُرَاسَان ذكي حَافظ فناظره فَرَآهُ مفنناً فَقَالَ لَهُ نظرت فِي الحَدِيث قَالَ نعم قَالَ فَمَا تحفظ من الْأُصُول قَالَ احفظ حَدِيث شريك عَن أبي إِسْحَق عَن الْحَرْث إِن عليا رجل لوطياً فامسك فَلم يكلمهُ قَالَ قَالَ رجل لهشام بن عَمْرو القوطي كم تعد قَالَ من وَاحِد إِلَى ألف ألف وَأكْثر قَالَ لم أرد هَذَا قَالَ فَمَا أردْت قَالَ كم تعد من السن قَالَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة عشر من أَعلَى وَسِتَّة عشر من أَسْفَل قَالَ لم أرد هَذَا قَالَ فَمَا رَأَيْت قَالَ كم لَك من السنين قَالَ مَا لي مِنْهَا شَيْء كلهَا لله قَالَ فَمَا سنك قَالَ عظم قَالَ فَابْن كم أَنْت قَالَ ابْن اثْنَيْنِ أَب وَأم قَالَ فكم أَتَى عَلَيْك قَالَ لَو أَتَى عَليّ شَيْء لَقَتَلَنِي قَالَ فيكف أَقُول قَالَ قل كم مضى من عمرك
وثب رجلَانِ على بعض الْمُلُوك فِي زمن الْإِسْكَنْدَر فَقَالَ الْإِسْكَنْدَر أَن من قتل هَذَا عَظِيم الفعال وَلَو ظهر لنا جازيناه بِمَا يسْتَحق وَرَفَعْنَاهُ على النَّاس فَلَمَّا بلغهما ذَلِك ظهرا فَقَالَ الاسكندر إِنَّا مجازيكما بِمَا تستحقان فَمَا يسْتَحق من قتل سَيّده وَرَافِع قدره فغدر بِهِ إِلَّا الْقَتْل وَأما رفعكما على النَّاس فَإِنِّي سأصلبكما على أطول خشب يمكنني روى أَن رجلَيْنِ من آل فِرْعَوْن سعيا بِرَجُل مُؤمن إِلَى فِرْعَوْن فَأحْضرهُ فِرْعَوْن وأحضرهما وَقَالَ للساعيين من رَبكُمَا قَالَا أَنْت فَقَالَ لِلْمُؤمنِ من
стр. 124
رَبك قَالَ رَبِّي ربهما فَقَالَ فِرْعَوْن سعيتما بِرَجُل على ديني لأقتله فَقَتَلَهُمَا قَالُوا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى فوقاه الله سيئات مَا مكروا وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب
حَدثنَا إِسْحَق بن هَانِيء قَالَ كُنَّا عِنْد أبي عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ فِي منزله ومعنا الْمروزِي ومهنى بن يحيى الشَّامي فدق داق الْبَاب وَقَالَ الْمروزِي هَهُنَا فَكَانَ الْمروزِي كره أَن يعلم مَوْضِعه فَوضع مهني بن يحيى إصبعيه فِي رَاحَته وَقَالَ لَيْسَ الْمروزِي هَهُنَا فَضَحِك أَحْمد وَلم يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك بَلغنِي عَن أبي بكر الْخلال قَالَ أَبُو بكر الْمروزِي جَاءَ مهنى بن يحيى الشَّامي إِلَى أبي عبد الله وَمَعَهُ أَحَادِيث فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله معي هَذِه الْأَحَادِيث وَأُرِيد أَن أخرج فَحَدثني بهَا فَقَالَ مَتى تُرِيدُ أَن تخرج قَالَ السَّاعَة اخْرُج فحدثه بهَا وَخرج فَلَمَّا كَانَ من الْغَد أَو بعد ذَلِك جَاءَ إِلَى أبي عبد الله فَقَالَ لَهُ أَبُو عبد الله أَلَيْسَ قلت لي اخْرُج السَّاعَة قَالَ قلت لَك إِنِّي أخرج السَّاعَة من بَغْدَاد إِنَّمَا قلت اخْرُج من زقاقك عَن مُصعب الزبيرِي قَالَ أَتَى الْعُرْيَان بشاب سَكرَان فَقَالَ لَهُ من أَنْت فَقَالَ شعرًا
(ترى النَّاس أَفْوَاجًا إِلَى ضوء ناره ... فَمنهمْ قيام حولهَا وقعود)
فَقَالَ لبَعض شَرطه سل عَن هَذَا فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالَ هُوَ ابْن صَاحب باقلا قلت وَفِي رِوَايَة أُخْرَى زِيَادَة
(ترى النَّاس أَفْوَاجًا إِلَى ضوء ناره ... فَمنهمْ قيام حولهَا وقعود)
فَظَنهُ كَبِير الْقدر فخلى بِهِ فَإِذا هُوَ ابْن باقلاوى أَتَى الْحَرْث بن مِسْكين أَيَّام المحنة وَابْن دَاوُد يمْتَحن النَّاس بِخلق الْقُرْآن فَقَالَ
стр. 125
لِلْحَارِثِ أشهد أَن الْقُرْآن مَخْلُوق فَقَالَ أشهد أَن هَذِه الْأَرْبَعَة مخلوقة وَبسط أَصَابِعه الْأَرْبَع فَقَالَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان فَعرض وكنى وتخلص من الْقَتْل قَالَ شَيخنَا عبد الْوَهَّاب الْأنمَاطِي كَانَ أَحْمد بن عبد المحسن الْوَكِيل إِذا حمل إِلَيْهِ محْضر كتب فِيهِ يحل صَدره فَيكْتب فِيهِ فَقيل لَهُ كَيفَ تكْتب خلاف الأول فَقَالَ أَنا أكتب مَا ذكر صَحِيح ومقصودي نفي الصِّحَّة
الْبَاب الْعشْرُونَ فِي ذكر من فلج على خَصمه فِي المناظرة بِالْجَوَابِ المسكت
حَدثنَا خبيب عَن عبد الرَّحْمَن بن خبيب عَن أَبِيه عَن جده خبيب بن يسَار قَالَ أتيت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يُرِيد غزواً أَنا وَرجل من قومِي وَلم نسلم فَقُلْنَا إِنَّا لنستحي أَن يشْهد قَومنَا مشهداً لَا نشهده مَعَهم قَالَ وأسلمتما قُلْنَا لَا قَالَ فَإنَّا لَا نستعين بالمشركين على الْمُشْركين قَالَ فأسلمنا وَشَهِدْنَا مَعَه فقتلت رجلا وضربني ضَرْبَة فَتزوّجت ابْنَته بعد ذَلِك فَكَانَت تَقول لَا عدمت رجلا وشحك هَذَا الوشاح فَأَقُول لَهَا لَا عدمت رجلا عجل أَبَاك إِلَى النَّار عَن إِبْرَاهِيم بن جَعْفَر بن مَحْمُود الأشْهَلِي عَن أَبِيه قَالَ كَانَ حويطب بن عبد الْعُزَّى قد بلغ مائَة وَعشْرين سنة سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَام فَلَمَّا ولي مَرْوَان بن الحكم الْمَدِينَة دخل عَلَيْهِ حويطب فَقَالَ لَهُ مَرْوَان مَا نيتك فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ تَأَخّر إسلامك أَيهَا الشَّيْخ حَتَّى سَبَقَك الْأَحْدَاث فَقَالَ وَالله لقد هَمَمْت بِالْإِسْلَامِ غير مرّة وكل ذَلِك يعوقني عَنهُ أَبوك وينهاني وَيَقُول تدع دين آبَائِك لدين مُحَمَّد فأسكت مَرْوَان وَنَدم على مَا كَانَ قَالَ مَرْوَان لحبيش بن دلجة أَظُنك أَحمَق فَقَالَ أَحمَق مَا يكون الشَّيْخ إِذا عمل بظنه
стр. 126
حَدثنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا قَالَ حضرت مَجْلِسا فِيهِ عبيد الله بن مُحَمَّد بن عَائِشَة التَّمِيمِي وَفِيه جَعْفَر بن الْقَاسِم الْهَاشِمِي فَقَالَ لِابْنِ عَائِشَة هَهُنَا آيَة نزلت فِي بني هَاشم خُصُوصا قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك﴾ فَقَالَ ابْن عَائِشَة قومه قُرَيْش وَهِي لنا مَعكُمْ قَالَ بل هِيَ لنا خُصُوصا قَالَ فَخذ مَعهَا وَكذب بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحق قَالَ فَسكت جَعْفَر فَلم يجد جَوَابا قَالَ المُصَنّف غفر الله لَهُ وروينا أَن مُعَاوِيَة قَالَ لعبد الله ابْن عَامر أَن لي عنْدك حَاجَة تقضيها قَالَ نعم قَالَ ولي إِلَيْك حَاجَة أتقضيها قَالَ نعم قَالَ سل حَاجَتك قَالَ أُرِيد أَن تهب لي دورك وضياعك بِالطَّائِف قد فعلت فسل حَاجَتك قَالَ أَن تردها عَليّ قَالَ قد فعلت وافتخر قوم من الْيمن عِنْد هِشَام بن عبد الْملك فَقَالَ لخَالِد بن صَفْوَان أجبهم فَقَالَ هم بَين حائك برد ودابغ جلد وسايس قرد وملكتهم امْرَأَة ودلت عَلَيْهِم هدهد وغرقتهم فارة قَالَ قَالَ غيلَان لعبد الرَّحْمَن أنْشدك الله أَتَرَى الله يحب أَن يعْصى فَقَالَ ربيعَة أنْشدك الله أَتَرَى الله يعْصى قسراً فَكَانَ ربيعَة لقم غيلَان حجرا
أنْشدك الله أَتَرَى الله يعْصى قسراً فَكَانَ ربيعَة ألقم عيلان حجرا
قَالَ وقف رجل بَين يَدي الْمَأْمُون قد جنا جِنَايَة فَقَالَ لَهُ وَالله لأَقْتُلَنك فَقَالَ الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تان عَليّ فَإِن الرِّفْق نصف الْعَفو قَالَ وَكَيف أَن تَلقاهُ قَاتلا قَالَ فخلى سَبيله قَالَ الْمَنْصُور ولي يحيى بن أَكْثَم قَضَاء الْبَصْرَة وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَعشْرين سنة قَالَ فاستزرى بِهِ النَّاس واستضعفوه فامتحنوه فَقَالُوا كم سنّ القَاضِي قَالَ سنّ عتاب بن أسيد حَيْثُ ولاه رَسُول الله ﷺ مَكَّة كَانَ النظام لَا يكتم سرا فَأسر إِلَيْهِ يُونُس التمار سرا فأذاعه فلامه فَقَالَ النظام للنَّاس سلوه هَل أذعت سرا مرّة أَو مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا أَو أَرْبعا فَلِمَنْ الذَّنب الْآن فَلم يرضى أَن يُشَارِكهُ فِي الذَّنب حَتَّى سَار الذَّنب كُله لصَاحب السِّرّ
قَالَ كَانَ أَصْحَاب الْمبرد إِذا اجْتَمعُوا وَاسْتَأْذَنُوا يخرج الْإِذْن
стр. 127
فَيَقُول إِن كَانَ فِيكُم أَبُو الْعَبَّاس الزّجاج وَإِلَّا انصرفوا فَحَضَرُوا مرّة وَلم يكن الزّجاج فيهم فَقَالَ لَهُم ذَلِك فانصرفوا وَثَبت رجل مِنْهُم فَقَالَ عُثْمَان للآذن قل لأبي الْعَبَّاس انْصَرف الْقَوْم كلهم إِلَّا عُثْمَان فَإِنَّهُ لَا ينْصَرف فَعَاد الْآذِن إِلَيْهِ وَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ إِن عُثْمَان إِذا كَانَ نكرَة انْصَرف وَنحن لَا نعرفك فَانْصَرف راشداً قَالَ قَالَ رجل من أهل الْحجاز لرجل من أهل الْعلم خرج من عندنَا قَالَ نعم إِلَّا أَنه لم يرجع إِلَيْكُم قَالَ تكلم شَاب يَوْمًا عِنْد الشّعبِيّ فَقَالَ الشّعبِيّ مَا سمعنَا بِهَذَا فَقَالَ الشَّاب كل الْعلم سَمِعت قَالَ لَا قَالَ فشطره قَالَ لَا قَالَ فَاجْعَلْ هَذَا فِي الشّطْر الَّذِي لم تسمعه فأفحم الشّعبِيّ وَقَالَ عبد الله بن سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث سَمِعت أبي يَقُول كَانَ هرون الْأَعْوَر يَهُودِيّا فَأسلم وَحسن إِسْلَامه وَحفظ الْقُرْآن وَضَبطه وَحفظ النَّحْو فناظره إِنْسَان يَوْمًا فِي مَسْأَلَة فغلبه هرون فَلم يدر المغلوب مَا يصنع فَقَالَ لَهُ أَنْت كنت يَهُودِيّا فَأسْلمت فَقَالَ لَهُ هرون أفبئس مَا صنعت فغلبه أَيْضا وَالله الْمُوفق
قَالَ مَالك بن سُلَيْمَان كَانَ لإِبْرَاهِيم بن طهْمَان جراية من بَيت المَال فَسئلَ عَن مَسْأَلَة فِي مجْلِس الْخَلِيفَة فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَالُوا لَهُ تَأْخُذ فِي كل شهر كَذَا وَكَذَا وَلَا تحسن مسئلة فَقَالَ إِنَّمَا آخذ على مَا أحسن وَلَو أخذت على مَا لَا أحسن لفني بَيت المَال وَلَا يفنى مَا لَا أحسن فأعجب الْخَلِيفَة جَوَابه وَأمر لَهُ بجائزة فاخرة وَزَاد فِي جرايته قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد ضاف رجل قوما فكرهوه فَقَالَ الرجل لامْرَأَته كَيفَ لنا أَن نعلم مِقْدَار مقَامه فَقَالَت ألقِ بَيْننَا شرا حَتَّى تتحاكم إِلَيْهِ ففعلا فَقَالَت للضيف بِالَّذِي يُبَارك لَك فِي غدوك غَدا أَيّنَا أظلم فَقَالَ الضَّيْف وَالَّذِي يُبَارك لي فِي مقَامي عنْدكُمْ شهرا مَا أعلم
قَالَ ابْن خلف حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ بَلغنِي أَن الرشيد خرج
стр. 128
يَوْمًا متنزهاً وَانْفَرَدَ عَن عسكره وَالْفضل بن الرّبيع خَلفه فَإِذا هُوَ بشيخ قد ركب حمارا لَهُ وَفِي يَده لجام كَأَنَّهُ مبعر محشو فَنظر إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ رطب الْعَينَيْنِ فغمز الْفضل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْفضل أَيْن تُرِيدُ قَالَ حَائِطا لي قَالَ هَل لَك أَن أدلك على شَيْء تداوي بِهِ عَيْنَيْك فتذهب هَذِه الرُّطُوبَة قَالَ مَا أحوجني إِلَى ذَلِك قَالَ لَهُ خُذ عيدَان الْهَوَاء وغبار المَاء وورق الكماة فصيره فِي قشر جوزة واكتحل بِهِ فَإِنَّهُ يذهب عَنْك مَا تَجِد قَالَ فاتكأ على قربوسة فضرط ضرطة طَوِيلَة ثمَّ قَالَ تَأْخُذ هَذِه أُجْرَة لوصفتك فَإِن نفعتنا زدناك قَالَ فاستضحك الرشيد حَتَّى كَاد أَن يسْقط عَن ظهر دَابَّته قَالَ الجاحظ قَالَ الْمهْدي لِشَرِيك القَاضِي وَعِيسَى بن مُوسَى عِنْده لَو شهد عنْدك عِيسَى كنت تقبله وَأَرَادَ أَن يضْرب بَينهمَا فَقَالَ شريك من سَأَلت عَنهُ لَا يسْأَل عَن عِيسَى غير أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن زكيته قبلته فقلبها عَلَيْهِ قَالَ أَبُو بكر بن مُحَمَّد كَانَ لي أَخ يجيد الشّعْر فَقَالَ لَهُ رجل مِنْهُم وَقد حسده على شعره مَا أَدْرِي مَا معنى أعجمي يَقُول الشّعْر فَقَالَ لَهُ رجل دب إِلَى أمه عَرَبِيّ فَقَالَ لَهُ وَكَذَلِكَ يلْزم فِي قِيَاس قَوْلك إِذا لم يقل الْعَرَبِيّ شعرًا فقد دب إِلَى أمه أعجمي غضب رجل على رجل فَقَالَ لَهُ مَا أغضبك قَالَ شَيْء تنقله إِلَى الثِّقَة عَنْك فَقَالَ لَهُ لَو كَانَ ثِقَة مَا تمّ
قَالَ أَبُو الْحسن بن الْمَأْمُون قَالَ قَالَ الْمَأْمُون ليحيى بن أَكْثَم من الَّذِي يَقُول وَهُوَ يعرض بِهِ
(قاضٍ بَرى الْحَد فِي الزناء وَلَا ... يرى على من يلوط من باس)
قَالَ أَو مَا يعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ من قَالَه قَالَ لَا قَالَ يَقُوله الْفَاجِر أَحْمد بن أبي نسيم الَّذِي يَقُول
(حاكمنا يرتشي وقاضينا ... يلوط وَالرَّأْس شَرّ مَا رَأس)
(لَا أَحسب الْجور يَنْقَضِي وعَلى ... السَّلامَة وَآل من آل عَبَّاس)
стр. 129
قَالَ فأفحم الْمَأْمُون وَسكت خجلا وَقَالَ يَنْبَغِي أَن ينفى أَحْمد بن أبي نعيم إِلَى السَّنَد قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن شهَاب الْعَطَّار قَالَ روى يَعْقُوب الشحام قَالَ قَالَ لي أَبُو الْهُذيْل بَلغنِي أَن رجلا يَهُودِيّا قدم الْبَصْرَة وَقد قطع وَغلب عَامَّة متكليميهم فَقلت لِعَمِّي امْضِي إِلَى هَذَا الْيَهُودِيّ كَلمه فَقَالَ يَا بني هَذَا قد غلب جمَاعَة متكلمي الْبَصْرَة فَقلت لَا بُد فَأخذ بيَدي فَدَخَلْنَا على الْيَهُودِيّ فَوَجَدته يُقرر النَّاس الَّذين يكلمونه نبوة مُوسَى ﵇ ثمَّ يجْحَد نبوة نَبينَا ﷺ فَيَقُول نَحن على مَا اتفقنا عَلَيْهِ من نبوة مُوسَى إِلَى أَن نتفق على غَيره فَنقرَ بِهِ فَدخلت إِلَيْهِ فَقلت لَهُ أَسأَلك أَو تَسْأَلنِي فَقَالَ يَا بني أَو مَا ترى مَا أَفعلهُ بمشايخك فَقلت دع عَنْك هَذَا واختر قَالَ بل أَسأَلك أَخْبرنِي أَلَيْسَ مُوسَى نَبيا من أَنْبيَاء الله قد صحت نبوته وَثَبت دَلِيله تقر بِهَذَا أَو تجحده فتخالف صَاحبك فَقلت لَهُ أَن الَّذِي سَأَلتنِي عَنهُ من أَمر مُوسَى عِنْدِي على أَمريْن أَحدهمَا أَنِّي أقرّ بنبوة مُوسَى الَّذِي أخبر بِصِحَّة نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وأمرنا باتباعه وَبشر نبوته فَإِن كَانَ عَن هَذَا تَسْأَلنِي فَأَنا مقرّ بنبوته وَإِن كَانَ الَّذِي سَأَلتنِي عَنهُ لَا يقر بنبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَلم يَأْمر باتباعه وَلَا بشر بِهِ فلست أعرفهُ وَلَا أقرّ بنبوته وَهُوَ عِنْدِي شَيْطَان مخزي فتحير مِمَّا قلت لَهُ فَقَالَ لي فَمَا تَقول فِي التَّوْرَاة فَقلت أَمر التَّوْرَاة أَيْضا عِنْدِي على وَجْهَيْن إِن كَانَت التَّوْرَاة الَّتِي أنزلت على مُوسَى الَّذِي أقرّ بنبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَهِيَ التَّوْرَاة الْحق وَإِن كَانَت الَّذِي تدعيه فَبَاطِل وَأَنا غير مُصدق بهَا فَقَالَ احْتَاجَ أَن أَقُول لَك شَيْئا بيني وَبَيْنك فَظَنَنْت أَنه يَقُول شَيْئا من الْخَيْر فتقدمت إِلَيْهِ فسارني وَقَالَ أمك كَذَا وَكَذَا وَأم الَّذِي علمك لَا يكني وَقد رأى أَنِّي أثب بِهِ فَيَقُول وَثبُوا عَليّ فَأَقْبَلت على من كَانَ فِي الْمجْلس فَقلت أعزكم الله أَلَيْسَ قد أَجَبْته قَالُوا نعم فَقلت أَلَيْسَ عَلَيْهِ إِن يرد جوابي فَقَالُوا نعم فَقلت أَنه لما سَارَّنِي شَتَمَنِي بالشم الَّذِي يُوجب الْحَد وَشتم من عَلمنِي
стр. 130
وَأَنه ظن أَنِّي أثب بِهِ فيدعي أَنا أثبناه وَقد عرفتكم شَأْنه فَأَخَذته الْأَيْدِي بالنعال فَخرج هَارِبا من الْبَصْرَة وَقد كَانَ لَهُ بهَا دين كثير فَتَركه وَخرج هَارِبا لما لحقه من الِانْقِطَاع
قَالَ لما دخل الجماز على المتَوَكل قَالَ لَهُ إِنِّي أُرِيد أَن أستبريك فَقَالَ الجماز بِحَيْضَة أَو بحيضتين فَضَحِك الْجَمَاعَة مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الْفَتْح قد كلمت أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيك حَتَّى ولاك جَزِيرَة القرود فَقَالَ لَهُ الجماز أفلست فِي السّمع وَالطَّاعَة أصلحك الله فحصر الْفَتْح وأسكت فَأمر لَهُ المتَوَكل بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَأَخذهَا وَانْحَدَرَ فَمَاتَ فَرحا بهَا قَالَ الْعُتْبِي دخل الْوَلِيد بن زيد على هِشَام بن عبد الْملك وعَلى الْوَلِيد عِمَامَة وَشَيْء فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد بكم أخذت عمامتك قَالَ بِأَلف دِرْهَم فَقَالَ هِشَام عِمَامَة بِأَلف يستكثر ذَلِك فَقَالَ الْوَلِيد إِنَّهَا لأكرم أطرافي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقد اشْتريت جَارِيَة بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم لأخس أطرافك
كَانَ معن بن زَائِدَة يذكر عَنهُ قلَّة دين فَبعث إِلَى ابْن عَيَّاش بِأَلف دِينَار وَكتب إِلَيْهِ بعثت إِلَيْك بِأَلف دِينَار اشْتريت بهَا دينك فاقبض الثّمن واكتب بِالتَّسْلِيمِ فَكتب إِلَيْهِ قد قبضت وبعتك ديني مَا خلا التَّوْحِيد لعلمي بزهدك فِيهِ
حَدثنَا يَمُوت بن المزرع قَالَ كَانَ أبي والجماز يمشيان وَأَنا خلفهمَا بالعشى فمررنا بِإِمَام وَهُوَ ينْتَظر من يمر عَلَيْهِ فَيصَلي مَعَه فَلَمَّا رآنا أَقَامَ الصَّلَاة مبادراً فَقَالَ لَهُ الجماز دع عَنْك هَذَا فَإِن رَسُول الله ﷺ قد نهى أَن يتلَقَّى الجلب أخبرنَا ابْن الْأَعرَابِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ اجتزت فِي بعض سِكَك الْكُوفَة فَإِذا بِرَجُل قد خرج من حبس على كتفه جرة وَهُوَ ينشد وَيَقُول
стр. 131
(وَأكْرم نَفسِي أنني أَن أهنتها ... وحقك لم تكرم على أحد بعدِي)
فَقلت لَهُ تكرمها بِمثل هَذَا فَقَالَ نعم واستغني عَن سفلَة مثلك إِذا سالمته يَقُول صنع الله لَك فَقلت ترَاهُ عرفني فأسرعت فصاح بِي يَا أصمعي فَالْتَفت إِلَيْهِ فَقَالَ
(لنقل الصخر من قلل الْجبَال ... أحب إِلَيّ من منن الرِّجَال)
(يَقُول النَّاس كسب فِيهِ عَار ... وكل الْعَار فِي ذل السُّؤَال)
حَدثنَا أَبُو الطّيب بن هرثمة قَالَ كنت مجتازاً بِبَغْدَاد ومخنث يمشي فرأته امْرَأَة وَكَانَ حسن الْبدن فَقَالَت لَيْت عَليّ شَحم هَذَا المخنث فَقَالَ لَهَا المخنث مَعَ بغاي فشتمته فَقَالَ لَهَا كَيفَ صَار تأخذين الْجيد وتدعين الردئ وَدخل رجل إِلَى الْحمام فَرَأى مخنثاً بَين يَدي حطمي فَقَالَ الرجل أَعْطِنِي مِنْهُ قَلِيلا فَأبى فَقَالَ الرجل كل قفيز بدرهم فَقَالَ المخنث كل أَرْبَعَة أَقْفِزَة بدرهم احسب حِسَابك كم يصيبك بِلَا شَيْء
قَالَ طراد بن مُحَمَّد ابْن يَهُودِيّا نَاظر مُسلما أَظُنهُ قَالَ فِي مجْلِس المرتضي فَقَالَ الْيَهُودِيّ إيش أَقُول فِي قوم سماهم الله مُدبرين يَعْنِي النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه يَوْم حنين فَقَالَ الْمُسلم فَإِذا كَانَ مُوسَى أدبر مِنْهُم قَالَ لَهُ كَيفَ قَالَ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ولى مُدبرا وَلم يعقب وَهَؤُلَاء مَا قَالَ فيهم وَلم يعقبوا فَسكت قَالَ نصر بن سيار قلت لأعرابي هَل أتخمت قطّ فَقَالَ أما من طَعَامك وَطَعَام أَبِيك فَلَا فَيُقَال أَن نصراحم من هَذَا الْجَواب أَيَّامًا
قَالَ رجل من الْيَهُود لعَلي بن أبي طَابَ مَا دفنتم نَبِيكُم حَتَّى
стр. 132
قَالَت الْأَنْصَار منا أَمِير ومنكم أَمِير فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵇ أَنْتُم مَا جَفتْ أقدامكم من مَاء الْبَحْر حَتَّى قُلْتُمْ اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة
حبلت امْرَأَة يزِيد فَقَالَت لَهُ وَكَانَ قَبِيح الصُّورَة الويل لَك أَن كَانَ يشبهك فَقَالَ لَهَا وَالْوَيْل لَك إِن لم يشبهني رأى رجل من الْأَعَاجِم رجلا أَعور فَقَالَ قد حَان خُرُوج الدَّجَّال فَقَالَ إِنَّه يخرج من بِلَاد الْأَعَاجِم لَا الْعَرَب جَازَ أَبُو بكر بن قَانِع بالكرخ فِي زمن الرَّفْض فَقَالَت لَهُ امْرَأَة يَا سَيِّدي أَبَا بكر فَقَالَ لَهَا لبيْك يَا عَائِشَة فَقَالَت كَانَ اسْمِي عَائِشَة قَالَ فيقتلوني وحدي أُرِيد أَن يضْربُونَ رقابنا جَمِيعًا
ظفر رجل بخصمه فِي حَرْب فَقَالَ لَهُ مَا تراني اصْنَع بك فَقَالَ مهلا فَمَا أمكنك الله مني إِلَّا لشأن حلمك قيل لأبي الْأسود اشْهَدْ مُعَاوِيَة بَدْرًا فَقَالَ نعم من ذَاك الْجَانِب كَانَ أَبُو الْحسن المتيم الصُّوفِي يسكن الرصافة وَكَانَ مطبوعاً مضاحكاً وَكَانَ يتولع بِرَجُل شَاهد فِيهِ غَفلَة يعرف بِأبي عبد الله الكيا قَالَ ابْن المتيم فَلَقِيته يَوْمًا فَسلمت عَلَيْهِ وَصحت بِهِ اشْهَدْ عَليّ فَاجْتمع النَّاس علينا فَقَالَ بِمَ أشهد فَقلت بِأَن الله إِلَه وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَأَن مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله وَأَن الْجنَّة حق وَالنَّار حق والساعة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور فَقَالَ اُبْشُرْ يَا أَبَا الْحسن سقط عَنْك الْجِزْيَة وصرت أَخا من إِخْوَاننَا فَضَحِك النَّاس وانقلب الولع بِي
قَالَ الشَّيْخ سَمِعت بعض أصدقائي يَحْكِي أَن رجلا كَانَ يشرب لَيْلَة الْجُمُعَة فَنَهَاهُ بعض الْعَوام وَقَالَ لَهُ هَذِه لَيْلَة عَظِيمَة فَقَالَ لَهُ الرجل فِي مثل هَذِه اللَّيْلَة يرفع الْقَلَم فَقَالَ الْعَاميّ وَلَكِن يكْتب بصوفة قَالَ فاتعظ الرجل وَلم يرجع بعد إِلَى شرب الْخمر وقفت امْرَأَة قبيحة على
стр. 133
عطار ماجن فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا قَالَ ﴿وَإِذا الوحوش حشرت﴾ فَقَالَت ﴿وَضرب لنا مثلا وَنسي خلقه﴾ اسْتَأْجر رجل غُلَاما ليخدمه فَقَالَ لَهُ كم أجرتك قَالَ شبع بَطْني فَقَالَ لَهُ سامحني فَقَالَ أَصوم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس
شكا جمَاعَة من الصَّالِحين ضَرَر الأتراك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُم أَنْتُم تعتقدون أَن هَذَا بِقَضَاء الله فَكيف أدفَع قَضَاء الله فَقَالَ لَهُ أحدهم صَاحب الْقَضَاء قَالَ ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ فأفحم أَمِير الْمُؤمنِينَ
الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي ذكر من غلب من الْعَوام بذكائه كبار الرؤساء
حَدثنِي رجل من أهل الرقة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ أَخذ زِيَاد رجلا من الْخَوَارِج فَأَفلَت مِنْهُ فَأخذ خَاله فَقَالَ إِن جِئْت بأخيك وَإِلَّا ضربت عُنُقك قَالَ أَرَأَيْت إِن جِئْت بِكِتَاب من أَمِير الْمُؤمنِينَ تخلي سبيلي قَالَ نعم قَالَ فَأَنا آتِيك بِكِتَاب من الْعَزِيز الرَّحِيم وأقيم عَلَيْهِ شَاهِدين إِبْرَاهِيم ومُوسَى ﵉ ﴿أم لم ينبأ بِمَا فِي صحف مُوسَى وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وفى﴾ ﴿أَلا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ قَالَ زِيَاد خلوا سَبيله هَذَا رجل لقن حجَّته قَالَ يَمُوت بن المزرع قَالَ لنا الجاحظ مَا غلبني أحد قطّ إِلَّا رجل وَامْرَأَة فَأَما الرجل فَإِنِّي كنت مجتازاً فِي بعض الطّرق فَإِذا أَنا بِرَجُل قصير بطين كَبِير الهامة طَوِيل اللِّحْيَة متزر بمئزر وَبِيَدِهِ مشط يسْقِي بِهِ شقَّه ويمشطها بِهِ فَقلت فِي نَفسِي رجل قصير بطين الْحَيّ فاستزريته فَقلت أَيهَا الشَّيْخ قد قلت فِيك شعرًا فَترك الْمشْط من يَده وَقَالَ قل فَقلت
(كَأَنَّك صعوة فِي أصل حش ... أصَاب الحش طش بعد رش)
стр. 134
فَقَالَ لي اسْمَع جَوَاب مَا قلت فَقلت هَات فَقَالَ
(كَأَنَّك كندر فِي ذَنْب كَبْش ... يدلدل هَكَذَا والكبش يمشي)
وَأما الْمَرْأَة فَكنت مجتازاً بِبَعْض الطرقات فَإِذا أَنا بامرأتين وَكنت رَاكِبًا على حمارة فضرطت الحمارة فَقَالَت إِحْدَاهمَا لِلْأُخْرَى وي حمارة الشَّيْخ تضرط فغاظني قَوْلهَا فاحندت ثمَّ قلت لَهَا إِنَّه مَا حَملتنِي أُنْثَى قطّ إِلَّا وضرطت فَضربت بِيَدِهَا على كتف الْأُخْرَى وَقَالَت كَانَت أم هَذَا مِنْهُ تِسْعَة أشهر على جهد جهيد
لَقِي بعض الأكاسرة فِي موكبه رجلا أَعور فحبسه فَلَمَّا نزل خلاه وَقَالَ تطيرت مِنْك قَالَ أَنْت أشام مني لِأَنَّك خرجت من مَنْزِلك ولقيتني فَمَا رَأَيْت إِلَّا خيرا وَخرجت من منزلي فلقيتك فحبستني فَلم يعد بعْدهَا يتطير عَن الْأَصْمَعِي قَالَ قَالَ الْوَلِيد بن عبد الْملك لبديح خُذ بِنَا فِي المنى فوَاللَّه لأغلبنك قَالَ لَا تغلبني قَالَ بلَى لَأَفْعَلَنَّ وَقَالَ فستعلم قَالَ الْوَلِيد فَإِنِّي أُرِيد أَتَمَنَّى ضعف مَا تتمنى أَنْت فهات قَالَ فَإِنِّي أَتَمَنَّى سبعين كفلاً من الْعَذَاب ويلعنني الله لعناً كثيرا فَقَالَ غلبتني قبحك الله قَالَ مرض مولى لسَعِيد بن الْعَاصِ وَلم يكن لَهُ من يَخْدمه وَيقوم بأَمْره فَبعث إِلَى سعيد بن الْعَاصِ فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ لَيْسَ لي وَارِث غَيْرك وَهَهُنَا ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم مدفونة فَإِذا أَنا مت فَخذهَا فَقَالَ سعيد حِين خرج من عِنْده مَا أرانا إِلَّا قد أسأنا إِلَى مَوْلَانَا وقصرنا فِي تعاهده فتعاهده كل التعاهد ووكل بِهِ من يَخْدمه فَلَمَّا مَاتَ اشْترى لَهُ كفناً بثلاثمائة دِرْهَم وَشهد جنَازَته فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْبَيْت حفر الْبَيْت كُله فَلم يجد شَيْئا وَجَاء صَاحب الْكَفَن يُطَالب بِثمن الْكَفَن فَقَالَ لقد هَمَمْت أَن أنبش عَلَيْهِ وأسلبه كَفنه أَتَى الْحجَّاج بِرَجُل ليَقْتُلهُ وَبِيَدِهِ لقْمَة فَقَالَ وَالله لَا أكلتها حَتَّى أَقْتلك قَالَ أَو خير من ذَلِك تطعمنيها وَلَا تقتلني
стр. 135
فَتكون قد بررت فِي يَمِينك ومننت عَليّ فَقَالَ ادن مني فأطعمه إِيَّاهَا وخلاه وأتى الْحجَّاج بِرَجُل من الْخَوَارِج فَأمر بِضَرْب عُنُقه فاستنظره يَوْمًا قَالَ مَا تُرِيدُ بذلك قَالَ أُؤَمِّل عَفْو الْأَمِير مَعَ مَا تجْرِي بِهِ الْمَقَادِير فَاسْتحْسن قَوْله وخلاه
وبلغنا عَن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه منع أَصْحَابه مَا كَانَ يصل إِلَيْهِم فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير اتخذ جنداً من حِجَارَة لَا تَأْكُل وَلَا تشرب فَقَالَ لَهُ عَمْرو أخسا أَيهَا الْكَلْب فَقَالَ لَهُ الرجل أَنا من جندك فَإِذا كنت كَلْبا فَأَنت أَمِير الْكلاب وقائدها
قَالَ المتَوَكل يَوْمًا لجلسائه أَتَدْرُونَ مَا الَّذِي نقم الْمُسلمُونَ من عُثْمَان قَالُوا لَا قَالَ أَشَاء مِنْهَا أَنه قَامَ أَبُو بكر دون مقَام الرَّسُول ﷺ بمرقاة ثمَّ ومقام عمر دون مقَام أبي بكر بمرقاة فَصَعدَ عُثْمَان ذرْوَة الْمِنْبَر فَقَالَ عباد مَا أحد أعظم مِنْهُ عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من عُثْمَان قَالَ وَكَيف وَيلك قَالَ لِأَنَّهُ صعد ذرْوَة الْمِنْبَر فَلَو أَنه كلما قَامَ خَليفَة نزل عَمَّن تقدمه كنت أَنْت تخطبنا من بِئْر جلولاً فَضَحِك المتَوَكل وَمن حوله قَالَ رجل لغلامه يَا فَاجر فَقَالَ الْغُلَام أتولى الْقَوْم مِنْهُم قَالَ الرّبيع كنت قَائِما على رَأس الْمَنْصُور إِذْ أَتَى بخارجي قد هزم لَهُ جيوشاً فأقامه ليضْرب عُنُقه ثمَّ قَالَ لَهُ يَا ابْن الفاعلة مثلك يهْزم الجيوش فَقَالَ لَهُ الْخَارِجِي وَيلك وسوءة لَك بيني وَبَيْنك أمس الْقَتْل وَالسيف وَالْيَوْم الْقَذْف والسب وَمَا كَانَ يُؤمنك أَن أرد عَلَيْك وَقد يئست من الْحَيَاة فَلَا تستقبلها أبدا فاستحى الْمَنْصُور وَأطْلقهُ
وَقَالَ الصاحب بن عباد مَا أخجلني غير ثَلَاثَة مِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن البهديني فَإِنَّهُ كَانَ فِي نفر من جلسائي فَقلت لَهُ وَقد أَكثر من أكل المشمش لَا تَأْكُله فَإِنَّهُ يلطخ الْمعدة فَقَالَ مَا يُعجبنِي مَا يطب النَّاس على مائدته وَآخر
стр. 136
قَالَ لي وَقد جِئْت من دَار السُّلْطَان وَأَنا ضجر من أَمر عرض لي من أَيْن أَقبلت فَقلت من لعنة الله فَقَالَ رد الله غربتك فَأحْسن عَليّ إساءة الْأَدَب وَصبي مستحسن داعبته فَقلت لبيْك تحتي فَقَالَ مَعَ ثَلَاثَة أخر يَعْنِي فِي رفع جنازتي فأخجلني قَالَ رجل شربت البارحة فَاحْتَجت إِلَى الْقيام لإراقة المَاء كأنني جدي فَقَالَ لَهُ عَامي لم تصغر نَفسك يَا سيدنَا
الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِي ذكر أَقْوَال وأفعال صدرت من أواسط النَّاس وعوامهم تدل على قُوَّة الذكاء
حَدثنَا يحيى الْمروزِي قَالَ كنت آكل مَعَ الرشيد يَوْمًا فَرفع رَأسه إِلَى خَادِم فَكَلمهُ بِالْفَارِسِيَّةِ فَقلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن كنت تُرِيدُ أَن تسر إِلَيْهِ شَيْئا فَإِنِّي أفهم بِالْفَارِسِيَّةِ فَاسْتحْسن الرشيد ذَلِك مني وَقَالَ لَيْسَ نطوي سرا قَالَ عَاد أَبُو عمر الضَّرِير رجلا من أَصْحَابه فَأخذت أمة بِيَدِهِ فَصَعدت بِهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَن ينزل جَاءَت فَأخذت بِيَدِهِ فَقَالَ رديني إِلَى مَوْلَاك فَردته فَقَالَ إِن جاريتك أخذت بيَدي حِين صعدت وَهِي بكر ثمَّ أخذت بيَدي السَّاعَة وَهِي ثيب فَسَأَلَ عَن ذَلِك فَأخْبر أَن ابْنا للرجل افترشها قَالَ مُصعب بن عبد الله قَالَ مَالك بن أنس صلى بعض الشطار خلف رجل فَلَمَّا قَرَأَ ارتج عَلَيْهِ فَلم يدر مَا يَقُول فَجعل يَقُول أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَجعل يردد ذَلِك مرَارًا فَقَالَ الشاطر من خَلفه مَا للشَّيْطَان ذَنْب إِلَّا أَنَّك مَا تحسن تقْرَأ
قَالَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن دَعَا معن مرّة أَخا لَهُ فأقعده إِلَى الْعَصْر فَلم يطعمهُ شَيْئا فَاشْتَدَّ جوعه فَأَخذه مثل الْجُنُون فَأخذ صَاحب
стр. 137
الْبَيْت الْعود وَقَالَ لَهُ بحياتي أَي صَوت تشْتَهي أَن أسمعك قَالَ صَوت المقلي أخبرنَا الجماز قَالَ سَمِعت وَاحِد يَقُول لَا آخر قد رمد بِأَيّ شَيْء تداوي عَيْنَيْك قَالَ بِالْقُرْآنِ وَدُعَاء الوالدة فَقَالَ اجْعَل مَعَهُمَا شَيْئا من أنزروت قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن هِشَام بن عبيد الله الْكَاتِب الْمَعْرُوف أَبوهُ بِأبي قِيرَاط قَالَ سَمِعت حَامِد بن الْعَبَّاس يَقُول رُبمَا انْتفع الْإِنْسَان فِي نكبته بِالرجلِ الصَّغِير أَكثر من منفعَته بِالرجلِ الْكَبِير فَمن ذَلِك أَن إِسْمَاعِيل بن بلبل لما حَبَسَنِي جعلني فِي يَد بواب كَانَ يَخْدمه فَكَانَ رجلا حرا فأحسنت إِلَيْهِ وبررته وَكَانَ ذَلِك البواب يدْخل إِلَى مجْلِس الْخَاصَّة وَلَا يُنكر عَلَيْهِ لسابق خدمته فَجَاءَنِي فِي بعض اللَّيَالِي وَقَالَ قد حرر الْوَزير عَليّ ابْن الْفُرَات وَقَالَ مَا يكسر المَال على حَامِد غَيْرك وَلَا بُد من الْجد فِي مُطَالبَته بباق مصادرته وسيدعو بك الْوَزير غَدا إِلَى حَضرته ويهددك فشغل ذَلِك قلبِي فَقلت لَهُ فَهَل عنْدك من رَأْي فَقَالَ اكْتُبْ رقْعَة إِلَى رجل من معامليك تعرف شحه وَالْتمس مِنْهُ لعاليك ألف دِرْهَم يقرضك إِيَّاهَا واسأله أَن يجيبك على ظهر الرقعة لترجع إِلَيْك لتخرجها فَإِنَّهُ لشحه يردك بِعُذْر احتفظ بالرقعة فَإِذا طالبك أخرجتها إِلَيْهِ وَقلت لَهُ قد أفضت حَالي إِلَى هَذَا فأخرجتها على غير مواطئة فَلَعَلَّ ذَلِك ينفعك فَفعلت مَا قَالَ وَجَاءَنِي الْجَواب بِالرَّدِّ كَمَا حَسبنَا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد أخرجني الْوَزير وطالبني فأخرجت الرقعة فقرأها فلَان واستحى وَكَانَ ذَلِك سَبَب خفَّة أَمْرِي وَزَوَال محنتي
قَالَ عِيسَى بن مُحَمَّد الطوماري سَمِعت أَبَا عمر مُحَمَّد بن يُوسُف القَاضِي يَقُول اعتل أبي عِلّة شهوراً فانتبه ذَات لَيْلَة فَدَعَا بِي وبأخوتي وَقَالَ لنا رَأَيْت فِي النّوم كَأَن قَائِلا يَقُول كل لَا واشرب لَا فَإنَّك تَبرأ فَلم ندر تَفْسِيره وَكَانَ بِبَاب الشَّام رجل يعرف بِأبي عَليّ الْخياط حسن الْمعرفَة بِعِبَارَة الرُّؤْيَة فَجِئْنَا بِهِ فَقص عَلَيْهِ الْمَنَام فَقَالَ مَا أعرف
стр. 138
تَفْسِيره وَلَكِنِّي أَقرَأ كل لَيْلَة نصف الْقُرْآن فأخلوني اللَّيْلَة حَتَّى أَقرَأ رسمي وأتفكر فَلَمَّا كَانَ من الْغَد جَاءَنَا فَقَالَ مَرَرْت على هَذِه الْآيَة ﴿لَا شرقية وَلَا غربية﴾ فَنَظَرت إِلَى لَا وَهِي تردد فِيهَا اسقوه زيتاً وأطعموه زيتاً فَفَعَلْنَا وَكَانَت سَبَب عافيته
قَالَ حَدثنَا الْأَصْمَعِي قَالَ رَأَيْت رجلا قَاعِدا على قصراوس فِي الطَّاعُون يعد الْمَوْتَى فِي كوز فعد أول يَوْم عشْرين وَمِائَة ألف فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي عد خمسين وَمِائَة ألف فَمر قوم بميتهم وَهُوَ يعد فَلَمَّا رجعُوا إِذا عِنْد الْكوز غَيره فَسَأَلُوهُ عَنهُ فَقَالُوا لَهُم هُوَ فِي الْكوز حكى جَعْفَر البرني قَالَ مَرَرْت بسائل على الجسر وَهُوَ يَقُول مِسْكينا ضريراً فَدفعت إِلَيْهِ قِطْعَة وَقلت يَا هَذَا لم نصبت قَالَ فديتك بإضمار ارحموا حَدثنَا أَبُو عُثْمَان الخالدي قَالَ عملت قصيدة أمدح سيف الدولة أَبَا الْحسن أبن حمدَان وعرضتها على جمَاعَة أتعرف مَا عِنْدهم فِيهَا إِذْ حضر مخنث وَأَنا أقرؤها فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى قولي
(وَأنْكرت شيبَة فِي الرَّأْس وَاحِدَة ... فَعَاد يسخطها مَا كَانَ يرضيها)
قَالَ هَذَا غلط قلت مَا هُوَ قَالَ تَقول للأمير فِي الرَّأْس وَاحِدَة أَلا قلت فِي الرَّأْس طالعة أَو لائحة فعجبت من فطنته وجودة خاطره روى سعيد بن يحيى الْأمَوِي عَن أَبِيه قَالَ كَانَ فتيَان من قُرَيْش يرْمونَ فَرمى مِنْهُم من ولد أبي بكر وَطَلْحَة فقرطس فَقَالَ أَنا بن القرنين فَرمى آخر من ولد عُثْمَان فقرطس فَقَالَ أَنا ابْن الشَّهِيد وَرمى رجل من الموَالِي فقرطس فَقَالَ أَنا ابْن من سجدت لَهُ الْمَلَائِكَة فَقَالُوا لَهُ من هُوَ فَقَالَ آدم
قَالَ الْمبرد قدم بعض الْبَصرِيين من أَصْحَاب أبي هُذَيْل بَغْدَاد قَالَ فَلَقِيت مخنثين فَقلت لَهما أيد منزلا وَكَانَ هَذَا الرجل فِي نِهَايَة الْقبْح فَقَالَ أَحدهمَا بِاللَّه من أَيْن أَنْت قلت من الْبَصْرَة فَأقبل على الآخر وَقَالَ
стр. 139
لَا إِلَه إِلَّا الله تحول يَا أخنى كل شَيْء من الدُّنْيَا حَتَّى هَذَا كَانَت القرود تَجِيء من الْيمن صَارَت تَجِيء من الْبَصْرَة
بلغنَا عَن أبي الْحَرْث أَنه كَانَ يهوى جَارِيَة يتعرس بطيفها فَشَكا حَاله إِلَى مُحَمَّد بن مَنْصُور فاشتراها لَهُ وأنفذها إِلَيْهِ فَلم يساعده مَا مَعَه عَلَيْهَا فبكر إِلَيْهِ فَقَالَ كَيفَ كَانَت ليلتك قَالَ شَرّ لَيْلَة صَار مَا عِنْدِي قرشياً من بني أُميَّة قَالَ كَيفَ ذَاك قَالَ صَار كَمَا قَالَ الأخطل
(شمس الْعَدَاوَة حَتَّى تستفاد لَهُم ... وَأعظم النَّاس أحلاماً إِذْ قدرُوا)
فَضَحِك مُحَمَّد بن مَنْصُور مضى إِلَى الْفضل وجعفر فَأَخْبرهُمَا وَكَانَ خَبره حَدِيثهمْ عَامَّة يومهم شكا أَصْحَاب هِشَام إِلَى أسلم بن الْأَحْنَف احتباس أَرْزَاقهم فَدخل على هِشَام فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَن منادياً نَادَى يَا مُفلس مَا بَقِي أحد من أَصْحَابك إِلَّا الْتفت فَضَحِك وَأمر بصلَة أَرْزَاقهم عربد هاشمي على قوم فشكوه إِلَى عَمه فَأَرَادَ عَمه أَن يتَنَاوَلهُ بالأدب فَقَالَ إِنِّي أَسَأْت وَلَيْسَ معي عَقْلِي فَلَا تسيء إِلَيّ ومعك عقلك فصفح عَنهُ قَالَ قدم وَفد من الْعرَاق على سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَقَامَ رجل مِنْهُم فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أَتَيْنَاك رَغْبَة وَلَا رهبة قَالَ فَلم جئْتُمْ قَالَ نَحن وَفد الشُّكْر أما الرَّغْبَة فقد وصلت إِلَيْنَا فِي رحالنا وَأما الرهبة فقد أمناها بعدلك وَلَقَد حببت إِلَيْنَا الْحَيَاة وهونت علينا الْمَوْت فَأَما تحبيبك إِلَيْنَا الْحَيَاة فَلَمَّا انْتَشَر من عدلك وَأما تهوينك علينا الْمَوْت فَلَمَّا نثق مِنْك فِيمَن تخلف من أعقابنا عَلَيْك فوصله وَأحسن جائزته وجوائز أَصْحَابه
حَدثنَا أَبُو الْحسن المدايني قَالَ بعض الْعلمَاء كَانَ لنا صديق من أهل الْبَصْرَة وَكَانَ ظريفاً أديباً فوعدنا أَن يَدْعُونَا إِلَى منزله فَكَانَ يمر بِنَا فَكلما رَأَيْنَاهُ قُلْنَا مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين فيسكت
стр. 140
إِلَى أَن اجْتمع مَا يُريدهُ فَمر بِنَا فأعدنا عَلَيْهِ القَوْل فَقَالَ انْطَلقُوا إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ تكذبون ذكر هِلَال بن المحسن أَن رجلا كَانَ يُقَال لَهُ أَبُو الْعجب لم ير مثله فِيمَا كَانَ يعْمل من الشعبذة دخل يَوْمًا إِلَى دَار المقتدر بِاللَّه فَرَأى خَادِمًا من خواصه يبكي على بلبل مَاتَ لَهُ فَقَالَ لَهُ مَا عَلَيْك أَيهَا الْأُسْتَاذ إِن أحييته فَقَالَ مَا تُرِيدُ فَأخذ البلبل الْمَيِّت فَأدْخلهُ كمه وَأدْخل رَأسه وَأخرج بعد سَاعَة بلبلاً حَيا فماجت الدَّار وَعجب الْحَاضِرُونَ فاستدعاه عَليّ بن عِيسَى وَقَالَ وَالله إِن لم تصدقني عَن حَقِيقَة الْأَمر لَأَضرِبَن عُنُقك فَقَالَ إِنِّي شاهدت الْخَادِم يبكي على بلبله فطمعت بِمَا آخذه مِنْهُ فمضيت فِي الْحَال إِلَى السُّوق وابتعت بلبلاً وخبأته فِي كمي وعدت إِلَى الْخَادِم فَقلت مَا قلته وَأخذت البلبل الْمَيِّت وأدخلت رَأسه فِي كمي وأكلته وأخرجت الْحَيّ فَلم يشك أَنه بلبله وَهَذَا رَأس الْمَيِّت
أحضر رجل بَين يَدي الْمَأْمُون قد أذْنب فَقَالَ لَهُ أَنْت الَّذِي فعلت كَذَا وَكَذَا قَالَ نعم أَنا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذِي أسرف على نَفسه واتكل على عفوك فَعَفَا عَنهُ قَالَ بعض الأدباء لصديق لَهُ أَنْت وَالله بُسْتَان الدُّنْيَا فَقَالَ الآخر أَنْت النَّهر الَّذِي يشرب مِنْهُ ذَلِك الْبُسْتَان
تظلم أهل الْكُوفَة من عاملها إِلَى الْمَأْمُون فَقَالَ مَا علمت فِي عمالي أعدل مِنْهُ فَقَالَ رجل من الْقَوْم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد لزمك أَن تجْعَل لسَائِر الْبلدَانِ نَصِيبا من عدله حَتَّى تكون قد ساويت بَين رعاياك فِي حسن النّظر فَأَما نَحن فَلَا تخصنا مِنْهُ بِأَكْثَرَ من ثَلَاث سِنِين فَضَحِك الْمَأْمُون وَأمر بصرفه دَعَا بعض الظرفاء قوما فجاؤا وَمَعَهُمْ طفيلي فَفطن الرجل بِهِ وَأَرَادَ أَن يعلمهُمْ أَنه قد فطن فَقَالَ مَا أَدْرِي لمن أشكر لكم أَن دعوتكم فجئتم أَو لهَذَا الَّذِي تجشم من غيران دَعوته
قَالَ يَمُوت بن المزرع قَالَ لي سهل بن صَدَقَة يَوْمًا وَكَانَت
стр. 141
بَيْننَا مداعبة ضربك الله بِاسْمِك فَقلت لَهُ مسرعاً أحوجك الله إِلَى اسْم أَبِيك
مر رجل من الأذكياء بِرَجُل قَائِم فِي الطَّرِيق قَالَ مَا وقوفك قَالَ انْتظر إنْسَانا فَقَالَ يطول قيامك إِذن تقدم رجل سيء الْأَدَب إِلَى حجام فَقَالَ لَهُ تقدم يَا ابْن الفاعلة وَأصْلح شاربي فَقَالَ لَهُ إِن كَانَ خطابك للنَّاس كَذَا فَعَن قَلِيل تسترح مِنْهُ حضر خياط عِنْد بعض الأتراك ليفصل لَهُ قبَاء فَأخذ يفصل والتركي ينظر إِلَيْهِ فَلم يتهيأ لَهُ أَن يسرق مِنْهُ شيا فضرط فَضَحِك التركي حَتَّى اسْتلْقى فَأخْرج الْخياط من الثَّوْب مَا أَرَادَ فَجَلَسَ التركي وَقَالَ يَا خياط ضرطة أُخْرَى فَقَالَ لَا يجوز يضيق القباء قَالَ رجل لرجل بكم ابتعت هَذِه الشَّاة فَقَالَ أَخَذتهَا بِسِتَّة وَهِي خير من سَبْعَة وَقد أَعْطَيْت بهَا ثَمَانِيَة فَإِن كَانَت من حَاجَتك بِتِسْعَة فزن عشرَة تزوج أعمى امْرَأَة فَقَالَت لَهُ لَو رَأَيْت حسني وبياضي لعجبت فَقَالَ لَو كنت كَمَا تَقُولِينَ مَا تَركك لي البصراء
قَالَ رجل لبَعض المياسير وَعَدتنِي وَعدا فأنجزه لي فَقَالَ مَا أذكر هَذَا الْوَعْد فَقَالَ صدقت أَنْت لَا تذكره لِأَن من تعد مثلي كثير وَأَنا لَا أنسى لِأَن من أسأله بمثلك قَلِيل فَقَالَ أَحْسَنت وَقضى حَاجته كَانَ رجل فِي دَاره بِأُجْرَة وَكَانَ خشب السّقف يتفرقع كثيرا فَلَمَّا جَاءَ رب الدَّار يُطَالِبهُ بِالْأُجْرَةِ قَالَ لَهُ اصلح هَذَا السّقف فَإِنَّهُ يتفرقع قَالَ لَا بَأْس عَلَيْك فَإِنَّهُ يسبح الله قَالَ أخْشَى أَن تُدْرِكهُ الرأفة فَيسْجد
وقف قوم على مزِيد وَهُوَ يطْبخ قدرا فَأخذ أحدهم قِطْعَة لحم فَأكلهَا وَقَالَ يَا مزِيد تحْتَاج الْقدر إِلَى الْخلّ وَأخذ آخر قِطْعَة لحم فَأكلهَا وَقَالَ تحْتَاج الْقدر إِلَى إبزار وَأخذ آخر قِطْعَة لحم وَقَالَ يحْتَاج الْقدر إِلَى ملح فَأخذ الطباخ قِطْعَة لحم وَقَالَ تحْتَاج الْقدر إِلَى لحم فَتَضَاحَكُوا مِنْهُ وَانْصَرفُوا قَالَ رجل لأعرابي مَا اسْمك فَقَالَ
стр. 142
فرأت بن الْبَحْرين الْفَيَّاض قَالَ فَمَا كنيتك قَالَ أَبُو الْغَيْث قَالَ بِأبي أَنْت يَنْبَغِي أَن نلقي فِيك زورقاً وَإِلَّا غرقنا قَالَ سعيد بن مُسلم لبَعض جُلَسَائِهِ فِي بستانه مَا أحسن هَذَا الْبُسْتَان قَالَ أَنْت أحسن مِنْهُ لِأَنَّهُ يُؤْتى أكله كل عَام مرّة وَأَنت تؤتي أكلك كل يَوْم
قَامَ رجل على رَأس ملك فَقَالَ لَهُ لم قُمْت قَالَ لأقعد فولاه دخل مخنث على الْعُرْيَان بن الْهَيْثَم وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ يَا عَدو الله أتتخنث وَأَنت شيخ فَقَالَ مَكْذُوب عَليّ كَمَا كذب على الْأَمِير أعزه الله فَاسْتَوَى جَالِسا وَقَالَ وَمَا قيل فِي قَالَ يسمونك الْعُرْيَان وَأَنت صَاحب عشْرين جُبَّة فَضَحِك وخلى سَبيله رمى رجل عصفوراً فأخطأه فَقَالَ لَهُ رجل أَحْسَنت فَغَضب وَقَالَ أتهزأ بِي قَالَ لَا وَلَكِن أَحْسَنت إِلَى العصفور
قَالَ جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي لبَعض ندمائه اشتهي وَالله أَن أرى إنْسَانا تلِيق بِهِ النِّعْمَة فَقَالَ لَهُ الرجل أَنا أريك ذَاك عيَانًا فَقَالَ هَات فَأخذ الْمرْآة فقربها من وَجهه قصّ قاص فَقَالَ إِذا مَاتَ العَبْد وَهُوَ سَكرَان دفن وَهُوَ سَكرَان وَحشر وَهُوَ سَكرَان فَقَالَ رجل فِي طرف الْحلقَة هَذَا وَالله نَبِيذ جيد يُسَاوِي الْكوز مِنْهُ عشْرين درهما نظر الْأَصْبَهَانِيّ إِلَى أبي هفان يسَار رجلا فَقَالَ فيمَ تُكَذِّبَانِ قَالَ فِي مدحك كَانَ رجل من الظراف مَعَ الرشيد فِي سَفَره إِلَى خُرَاسَان فَلَمَّا علا عقبَة ماسدان قَالَ الرشيد الْحَمد لله الَّذِي أخرجنَا من الدُّنْيَا سَالِمين اجتاز بالناشيء الْبَغْدَادِيّ قصاب يَبِيع لحم بقر هزيل وَهُوَ يَقُول أَيْن من حلف لَا يغبن فَقَالَ لَهُ الناشىء حَتَّى تحنثه قَالَ تَابَ مخنث فَلَقِيَهُ مخنث آخر فَقَالَ من أَيْن تَأْكُل قَالَ من بَقِيَّة ذَاك الْكسْب فَقَالَ لحم الْخِنْزِير طرياً أطيب مِنْهُ قديداً وَقَالَ رأى عبَادَة المخنث ثغر دَابَّة فمط ذنبها وَقَالَ هَذِه تمشي على استحياء أطْعم رجل رجلا من جدي أَرْبَعَة أَيَّام فَقَالَ لَهُ هَذَا الجدي مَوته أطول عمرا مِنْهُ فِي حَيَاته اجْتمع قوم فِي دَعْوَة
стр. 143
وَفِيهِمْ رجل لَهُ مَحْبُوب فِي الْجَمَاعَة فَلَمَّا نَامُوا قَامَ الْمُحب فأطفأ السراج وَأخذ بِيَدِهِ حَتَّى أَن رَآهُ أحد وضع المخدة تَحت رَأسه وَقَامَ فَلَمَّا بلغ إِلَى الْمَكَان خرجت جَارِيَة بشمعة فالصق المخدة بِالْحَائِطِ واتكأ عَلَيْهَا يغط فَقَالَت الْجَارِيَة وَيحك تنام وتغط قَائِما فَقَالَ لَهَا إيش عَلَيْك مني كَيْفَمَا أردْت أَن أَنَام نمت
دخل رجل ذكي إِلَى الْمَسْجِد يُصَلِّي فسرقوا نَعله فتركوها فِي كَنِيسَة بجوار الْمَسْجِد فَجعل يفتش عَلَيْهَا فرآها فِي الْكَنِيسَة فَقَالَ وَيحك لما أسلمت أَنا تهودت أَنْت قَالَ بعض الأذكياء إِذا رَأَيْت رجلا من صَلَاة الْغَدَاة على بَاب دَاره وَهُوَ يَقُول ﴿وَمَا عِنْد الله خير وَأبقى﴾ فَاعْلَم أَن فِي جواره وَلِيمَة لم يدع إِلَيْهَا وَإِذا رَأَيْت قوما يخرجُون من مجْلِس القَاضِي وهم يَقُولُونَ ﴿وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا﴾ فَاعْلَم أَن شَهَادَتهم لم تقبل وَإِذا تزوج الرجل فَسئلَ عَن حَاله فَإِن قَالَ وَمَا رغبنا إِلَّا فِي الصّلاح فَاعْلَم أَن زَوجته قبيحة قَالَ الشَّيْخ حُكيَ لنا أَن بعض النَّاس ضاف رجلا فانتبه صَاحب الدَّار بِاللَّيْلِ فَسمع ضحك الرجل من الغرفة فصاح بِهِ فلَان قَالَ لبيْك قَالَ أَنْت كنت فِي الدَّار فَمَا الَّذِي رقاك إِلَى الغرفة قَالَ تدحرجت قَالَ النَّاس يتدحرجون من فَوق إِلَى أَسْفَل فَكيف تدحرجت أَنْت قَالَ فَمن هَذَا أضْحك
قَالَ رجل لرجل إِن لطمتك لطمة لأبلغن بك الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ فَأحب إِن تردفها بِأُخْرَى لَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يَرْزُقنِي الْحَج على يَديك قَالَ صبي ليهودي يَا عَم قف حَتَّى أصفعك قَالَ أَنا مستعجل اصفع أخي قَالَ رجل لبَعض المغنين مَا تعرف الثقيل الأول وَلَا الثقيل الثَّانِي فَقَالَ وَكَيف لَا أَعْرفهُمَا وَأَنا أعرفك وَأعرف أَبَاك نظر أَبُو الْفضل الْهَمدَانِي إِلَى رجل طَوِيل بَارِد فَقَالَ قد أقبل ليل الشتَاء رُؤِيَ فَقير فِي قَرْيَة فَقيل لَهُ مَا تصنع فَقَالَ مَا صنع مُوسَى وَالْخضر ﵉ يَعْنِي
стр. 144
استطعما أَهلهَا وَسُئِلَ بعض السوقة عَن سوقهم فَقَالَ مثل سوق الْجنَّة يَعْنِي أَنه لَا بيع فِيهِ وَلَا شِرَاء قَالَ شتم رجل رجلا من الْعَوام فَقَالَ لَهُ إيش قلت لَك فأوهمه أَنه يسْأَل أَي شَيْء قلته لَك حَتَّى تَشْتمنِي وَإِنَّمَا أَرَادَ أَي شَيْء قلته فَهُوَ لَك وَهَذَا من عَجِيب الفطنة جَاءَت جَارِيَة رجل إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْت بِشَيْء يشربه فكرهه فَقَالَت لَهُ يَا سَيِّدي غمض عَيْنَيْك وخذه فَقَالَ كَذَا افْعَل بشرى لي أَنِّي أَمُوت
قَالَ رجل لرجل بِأَيّ وَجه تَلقانِي وَقد فعلت كَذَا وَكَذَا قَالَ بِالْوَجْهِ الَّذِي ألْقى بِهِ رَبِّي وذنوبي إِلَيْهِ أَكثر من ذُنُوبِي إِلَيْك تكلم بعض القصائص قَالَ فِي السَّمَاء ملك يَقُول كل يَوْم لدوا للْمَوْت وَابْنُوا للخراب فَقَالَ بعض الأذكياء اسْم ذَلِك الْملك أَبُو الْعَتَاهِيَة قَالَ استدعي رجل مغنيين فَلَمَّا هما بِالْغنَاءِ قَالَ أَحدهمَا للْآخر اتبعني قَالَ لَا بل أَنْت اتبعني قَالَ لَا بل أَنْت اتبعني فَلَمَّا طَال هَذَا بَينهمَا قَالَ صَاحب الْبَيْت اتبعاني جمعيا قَالَ قدم طباخ إِلَى بعض الأذكياء طبقًا وَعَلِيهِ رغيفان ثمَّ قَالَ لَهُ إيش تشْتَهي أجيئك بِهِ فَقَالَ خبْزًا وَحكى أَيْضا إِن بعض المحتسبين جَازَ يَوْمًا على رجل يُنَادي على الخبيص رطلين بِحَبَّة فَقَالَ لَهُ وَيحك الدبس يُبَاع رَطْل بِحَبَّة والشيرج رَطْل بقيراط فَكيف تبيع أَنْت الخبيص رطلين بِحَبَّة فَقَالَ يَا سيدنَا مَا فِي الخبيص شَيْء من اللَّذين ذكرت قَالَ فبع الْآن كَيفَ شِئْت وَالله الْمُوفق
الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي احترازات الأذكياء
قَالَ الشَّيْخ ﵁ روينَا عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَنه سُئِلَ أَيّمَا أكبر أَنْت أَو رَسُول الله ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ أكبر وَأَنا ولدت قبله وروينا عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أَنه قَالَ
стр. 145
لبَعض أهل الْمَدِينَة أَنا أسن أم أَنْت فَقَالَ لَهُ لَا أذكر لَيْلَة زفت أمك الْمُبَارَكَة على أَبِيك الطّيب وَهَذَا الِاحْتِرَاز مليح لِأَنَّهُ لم يقل أمك الطّيبَة
قَالَ ابْن عرابة الْمُؤَدب حُكيَ لي مُحَمَّد بن عمر الصَّبِي أَنه حفظ ابْن المعتز وَهُوَ يؤدبه والنازعات وَقَالَ لَهُ إِذا سَأَلَك أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبوك فِي أَي شَيْء أَنْت فَقل لَهُ فِي السُّورَة الَّتِي تلِي عبس وَلَا تقل أَنا فِي النازعات قَالَ فَسَأَلَهُ أَبوهُ فِي أَي شَيْء أَنْت قَالَ فِي السُّورَة الَّتِي تلِي عبس فَقَالَ من علمك هَذَا قَالَ مؤدبي قَالَ فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم
قَالَ عبد الْوَاحِد بن نصر المَخْزُومِي قَالَ أَخْبرنِي من أَثِق بِهِ أَنه خرج فِي طَرِيق الشَّام مُسَافِرًا يمشي وَعَلِيهِ مرقعة وَهُوَ فِي جمَاعَة نَحْو الثَّلَاثِينَ رجلا كلهم على هَذِه الصّفة فصحبنا فِي بعض الطَّرِيق رجل شيخ حسن الْهَيْئَة مَعَه حمَار فأره يركبه وَمَعَهُ بغلان عَلَيْهِمَا رجل وقماش ومتاع فاخر فَقُلْنَا لَهُ يَا هَذَا إِنَّك لَا تفكر فِي خُرُوج الْأَعْرَاب علينا فَإِنَّهُ لَا شَيْء مَعنا يُؤْخَذ وَأَنت لَا تصلح لَك صحبتنا مَعَ مَا مَعَك فَقَالَ يكفينا الله ثمَّ سَار وَلم يقبل منا وَكَانَ إِذا نزل يَأْكُل استدعي أكثرنا فأطعمه وسقاه وَإِذا عيي الْوَاحِد منا أركبه على أحد بغليه وَكَانَت جمَاعَة تخدمه وتكرمه وتتدبر بِرَأْيهِ إِلَى أَن بلغنَا موضعا فَخرج علينا نَحْو ثَلَاثِينَ فَارِسًا من الْأَعْرَاب فتفرقنا عَلَيْهِم ومانعناهم فَقَالَ الشَّيْخ لَا تَفعلُوا فتركناهم وَنزل فَجَلَسَ وَبَين يَدَيْهِ سفرته ففرشها وَجلسَ يَأْكُل وأظلتنا الْخَيل فَلَمَّا رَأَوْا الطَّعَام دعاهم إِلَيْهِ فجلسوا يَأْكُلُون ثمَّ حل رَحْله وَأخرج مِنْهُ حلوى كَثِيرَة وَتركهَا بَين يَدي الْأَعْرَاب فَلَمَّا أكلُوا وشبعوا جمدت أَيْديهم وخدرت أَرجُلهم وَلم يتحركوا فَقَالَ لنا أَن الحلو مبنج أعددته لمثل هَذَا وَقد تمكن مِنْهُم وتمت الْحِيلَة وَلَكِن لَا يفك البنج إِلَّا أَن تصفعوهم فافعلوا فَإِنَّهُم لَا يقدرُونَ لكم على ضَرَر ونسير فَفَعَلُوا فَمَا قدرُوا على الِامْتِنَاع فَعلمنَا صدق قَوْله وأخذنا أسلحتهم وركبنا دوابهم وسرنا حواليه فِي موكب ورماحهم على أكتافنا وسلاحهم علينا فَمَا نجتاز بِقوم
следующие страницы →