Полный текст (241 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بَيْننَا مداعبة ضربك الله بِاسْمِك فَقلت لَهُ مسرعاً أحوجك الله إِلَى اسْم أَبِيك
مر رجل من الأذكياء بِرَجُل قَائِم فِي الطَّرِيق قَالَ مَا وقوفك قَالَ انْتظر إنْسَانا فَقَالَ يطول قيامك إِذن تقدم رجل سيء الْأَدَب إِلَى حجام فَقَالَ لَهُ تقدم يَا ابْن الفاعلة وَأصْلح شاربي فَقَالَ لَهُ إِن كَانَ خطابك للنَّاس كَذَا فَعَن قَلِيل تسترح مِنْهُ حضر خياط عِنْد بعض الأتراك ليفصل لَهُ قبَاء فَأخذ يفصل والتركي ينظر إِلَيْهِ فَلم يتهيأ لَهُ أَن يسرق مِنْهُ شيا فضرط فَضَحِك التركي حَتَّى اسْتلْقى فَأخْرج الْخياط من الثَّوْب مَا أَرَادَ فَجَلَسَ التركي وَقَالَ يَا خياط ضرطة أُخْرَى فَقَالَ لَا يجوز يضيق القباء قَالَ رجل لرجل بكم ابتعت هَذِه الشَّاة فَقَالَ أَخَذتهَا بِسِتَّة وَهِي خير من سَبْعَة وَقد أَعْطَيْت بهَا ثَمَانِيَة فَإِن كَانَت من حَاجَتك بِتِسْعَة فزن عشرَة تزوج أعمى امْرَأَة فَقَالَت لَهُ لَو رَأَيْت حسني وبياضي لعجبت فَقَالَ لَو كنت كَمَا تَقُولِينَ مَا تَركك لي البصراء
قَالَ رجل لبَعض المياسير وَعَدتنِي وَعدا فأنجزه لي فَقَالَ مَا أذكر هَذَا الْوَعْد فَقَالَ صدقت أَنْت لَا تذكره لِأَن من تعد مثلي كثير وَأَنا لَا أنسى لِأَن من أسأله بمثلك قَلِيل فَقَالَ أَحْسَنت وَقضى حَاجته كَانَ رجل فِي دَاره بِأُجْرَة وَكَانَ خشب السّقف يتفرقع كثيرا فَلَمَّا جَاءَ رب الدَّار يُطَالِبهُ بِالْأُجْرَةِ قَالَ لَهُ اصلح هَذَا السّقف فَإِنَّهُ يتفرقع قَالَ لَا بَأْس عَلَيْك فَإِنَّهُ يسبح الله قَالَ أخْشَى أَن تُدْرِكهُ الرأفة فَيسْجد
وقف قوم على مزِيد وَهُوَ يطْبخ قدرا فَأخذ أحدهم قِطْعَة لحم فَأكلهَا وَقَالَ يَا مزِيد تحْتَاج الْقدر إِلَى الْخلّ وَأخذ آخر قِطْعَة لحم فَأكلهَا وَقَالَ تحْتَاج الْقدر إِلَى إبزار وَأخذ آخر قِطْعَة لحم وَقَالَ يحْتَاج الْقدر إِلَى ملح فَأخذ الطباخ قِطْعَة لحم وَقَالَ تحْتَاج الْقدر إِلَى لحم فَتَضَاحَكُوا مِنْهُ وَانْصَرفُوا قَالَ رجل لأعرابي مَا اسْمك فَقَالَ
стр. 142
فرأت بن الْبَحْرين الْفَيَّاض قَالَ فَمَا كنيتك قَالَ أَبُو الْغَيْث قَالَ بِأبي أَنْت يَنْبَغِي أَن نلقي فِيك زورقاً وَإِلَّا غرقنا قَالَ سعيد بن مُسلم لبَعض جُلَسَائِهِ فِي بستانه مَا أحسن هَذَا الْبُسْتَان قَالَ أَنْت أحسن مِنْهُ لِأَنَّهُ يُؤْتى أكله كل عَام مرّة وَأَنت تؤتي أكلك كل يَوْم
قَامَ رجل على رَأس ملك فَقَالَ لَهُ لم قُمْت قَالَ لأقعد فولاه دخل مخنث على الْعُرْيَان بن الْهَيْثَم وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ يَا عَدو الله أتتخنث وَأَنت شيخ فَقَالَ مَكْذُوب عَليّ كَمَا كذب على الْأَمِير أعزه الله فَاسْتَوَى جَالِسا وَقَالَ وَمَا قيل فِي قَالَ يسمونك الْعُرْيَان وَأَنت صَاحب عشْرين جُبَّة فَضَحِك وخلى سَبيله رمى رجل عصفوراً فأخطأه فَقَالَ لَهُ رجل أَحْسَنت فَغَضب وَقَالَ أتهزأ بِي قَالَ لَا وَلَكِن أَحْسَنت إِلَى العصفور
قَالَ جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي لبَعض ندمائه اشتهي وَالله أَن أرى إنْسَانا تلِيق بِهِ النِّعْمَة فَقَالَ لَهُ الرجل أَنا أريك ذَاك عيَانًا فَقَالَ هَات فَأخذ الْمرْآة فقربها من وَجهه قصّ قاص فَقَالَ إِذا مَاتَ العَبْد وَهُوَ سَكرَان دفن وَهُوَ سَكرَان وَحشر وَهُوَ سَكرَان فَقَالَ رجل فِي طرف الْحلقَة هَذَا وَالله نَبِيذ جيد يُسَاوِي الْكوز مِنْهُ عشْرين درهما نظر الْأَصْبَهَانِيّ إِلَى أبي هفان يسَار رجلا فَقَالَ فيمَ تُكَذِّبَانِ قَالَ فِي مدحك كَانَ رجل من الظراف مَعَ الرشيد فِي سَفَره إِلَى خُرَاسَان فَلَمَّا علا عقبَة ماسدان قَالَ الرشيد الْحَمد لله الَّذِي أخرجنَا من الدُّنْيَا سَالِمين اجتاز بالناشيء الْبَغْدَادِيّ قصاب يَبِيع لحم بقر هزيل وَهُوَ يَقُول أَيْن من حلف لَا يغبن فَقَالَ لَهُ الناشىء حَتَّى تحنثه قَالَ تَابَ مخنث فَلَقِيَهُ مخنث آخر فَقَالَ من أَيْن تَأْكُل قَالَ من بَقِيَّة ذَاك الْكسْب فَقَالَ لحم الْخِنْزِير طرياً أطيب مِنْهُ قديداً وَقَالَ رأى عبَادَة المخنث ثغر دَابَّة فمط ذنبها وَقَالَ هَذِه تمشي على استحياء أطْعم رجل رجلا من جدي أَرْبَعَة أَيَّام فَقَالَ لَهُ هَذَا الجدي مَوته أطول عمرا مِنْهُ فِي حَيَاته اجْتمع قوم فِي دَعْوَة
стр. 143
وَفِيهِمْ رجل لَهُ مَحْبُوب فِي الْجَمَاعَة فَلَمَّا نَامُوا قَامَ الْمُحب فأطفأ السراج وَأخذ بِيَدِهِ حَتَّى أَن رَآهُ أحد وضع المخدة تَحت رَأسه وَقَامَ فَلَمَّا بلغ إِلَى الْمَكَان خرجت جَارِيَة بشمعة فالصق المخدة بِالْحَائِطِ واتكأ عَلَيْهَا يغط فَقَالَت الْجَارِيَة وَيحك تنام وتغط قَائِما فَقَالَ لَهَا إيش عَلَيْك مني كَيْفَمَا أردْت أَن أَنَام نمت
دخل رجل ذكي إِلَى الْمَسْجِد يُصَلِّي فسرقوا نَعله فتركوها فِي كَنِيسَة بجوار الْمَسْجِد فَجعل يفتش عَلَيْهَا فرآها فِي الْكَنِيسَة فَقَالَ وَيحك لما أسلمت أَنا تهودت أَنْت قَالَ بعض الأذكياء إِذا رَأَيْت رجلا من صَلَاة الْغَدَاة على بَاب دَاره وَهُوَ يَقُول ﴿وَمَا عِنْد الله خير وَأبقى﴾ فَاعْلَم أَن فِي جواره وَلِيمَة لم يدع إِلَيْهَا وَإِذا رَأَيْت قوما يخرجُون من مجْلِس القَاضِي وهم يَقُولُونَ ﴿وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا﴾ فَاعْلَم أَن شَهَادَتهم لم تقبل وَإِذا تزوج الرجل فَسئلَ عَن حَاله فَإِن قَالَ وَمَا رغبنا إِلَّا فِي الصّلاح فَاعْلَم أَن زَوجته قبيحة قَالَ الشَّيْخ حُكيَ لنا أَن بعض النَّاس ضاف رجلا فانتبه صَاحب الدَّار بِاللَّيْلِ فَسمع ضحك الرجل من الغرفة فصاح بِهِ فلَان قَالَ لبيْك قَالَ أَنْت كنت فِي الدَّار فَمَا الَّذِي رقاك إِلَى الغرفة قَالَ تدحرجت قَالَ النَّاس يتدحرجون من فَوق إِلَى أَسْفَل فَكيف تدحرجت أَنْت قَالَ فَمن هَذَا أضْحك
قَالَ رجل لرجل إِن لطمتك لطمة لأبلغن بك الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ فَأحب إِن تردفها بِأُخْرَى لَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يَرْزُقنِي الْحَج على يَديك قَالَ صبي ليهودي يَا عَم قف حَتَّى أصفعك قَالَ أَنا مستعجل اصفع أخي قَالَ رجل لبَعض المغنين مَا تعرف الثقيل الأول وَلَا الثقيل الثَّانِي فَقَالَ وَكَيف لَا أَعْرفهُمَا وَأَنا أعرفك وَأعرف أَبَاك نظر أَبُو الْفضل الْهَمدَانِي إِلَى رجل طَوِيل بَارِد فَقَالَ قد أقبل ليل الشتَاء رُؤِيَ فَقير فِي قَرْيَة فَقيل لَهُ مَا تصنع فَقَالَ مَا صنع مُوسَى وَالْخضر ﵉ يَعْنِي
стр. 144
استطعما أَهلهَا وَسُئِلَ بعض السوقة عَن سوقهم فَقَالَ مثل سوق الْجنَّة يَعْنِي أَنه لَا بيع فِيهِ وَلَا شِرَاء قَالَ شتم رجل رجلا من الْعَوام فَقَالَ لَهُ إيش قلت لَك فأوهمه أَنه يسْأَل أَي شَيْء قلته لَك حَتَّى تَشْتمنِي وَإِنَّمَا أَرَادَ أَي شَيْء قلته فَهُوَ لَك وَهَذَا من عَجِيب الفطنة جَاءَت جَارِيَة رجل إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْت بِشَيْء يشربه فكرهه فَقَالَت لَهُ يَا سَيِّدي غمض عَيْنَيْك وخذه فَقَالَ كَذَا افْعَل بشرى لي أَنِّي أَمُوت
قَالَ رجل لرجل بِأَيّ وَجه تَلقانِي وَقد فعلت كَذَا وَكَذَا قَالَ بِالْوَجْهِ الَّذِي ألْقى بِهِ رَبِّي وذنوبي إِلَيْهِ أَكثر من ذُنُوبِي إِلَيْك تكلم بعض القصائص قَالَ فِي السَّمَاء ملك يَقُول كل يَوْم لدوا للْمَوْت وَابْنُوا للخراب فَقَالَ بعض الأذكياء اسْم ذَلِك الْملك أَبُو الْعَتَاهِيَة قَالَ استدعي رجل مغنيين فَلَمَّا هما بِالْغنَاءِ قَالَ أَحدهمَا للْآخر اتبعني قَالَ لَا بل أَنْت اتبعني قَالَ لَا بل أَنْت اتبعني فَلَمَّا طَال هَذَا بَينهمَا قَالَ صَاحب الْبَيْت اتبعاني جمعيا قَالَ قدم طباخ إِلَى بعض الأذكياء طبقًا وَعَلِيهِ رغيفان ثمَّ قَالَ لَهُ إيش تشْتَهي أجيئك بِهِ فَقَالَ خبْزًا وَحكى أَيْضا إِن بعض المحتسبين جَازَ يَوْمًا على رجل يُنَادي على الخبيص رطلين بِحَبَّة فَقَالَ لَهُ وَيحك الدبس يُبَاع رَطْل بِحَبَّة والشيرج رَطْل بقيراط فَكيف تبيع أَنْت الخبيص رطلين بِحَبَّة فَقَالَ يَا سيدنَا مَا فِي الخبيص شَيْء من اللَّذين ذكرت قَالَ فبع الْآن كَيفَ شِئْت وَالله الْمُوفق
الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي احترازات الأذكياء
قَالَ الشَّيْخ ﵁ روينَا عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَنه سُئِلَ أَيّمَا أكبر أَنْت أَو رَسُول الله ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ أكبر وَأَنا ولدت قبله وروينا عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ أَنه قَالَ
стр. 145
لبَعض أهل الْمَدِينَة أَنا أسن أم أَنْت فَقَالَ لَهُ لَا أذكر لَيْلَة زفت أمك الْمُبَارَكَة على أَبِيك الطّيب وَهَذَا الِاحْتِرَاز مليح لِأَنَّهُ لم يقل أمك الطّيبَة
قَالَ ابْن عرابة الْمُؤَدب حُكيَ لي مُحَمَّد بن عمر الصَّبِي أَنه حفظ ابْن المعتز وَهُوَ يؤدبه والنازعات وَقَالَ لَهُ إِذا سَأَلَك أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبوك فِي أَي شَيْء أَنْت فَقل لَهُ فِي السُّورَة الَّتِي تلِي عبس وَلَا تقل أَنا فِي النازعات قَالَ فَسَأَلَهُ أَبوهُ فِي أَي شَيْء أَنْت قَالَ فِي السُّورَة الَّتِي تلِي عبس فَقَالَ من علمك هَذَا قَالَ مؤدبي قَالَ فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم
قَالَ عبد الْوَاحِد بن نصر المَخْزُومِي قَالَ أَخْبرنِي من أَثِق بِهِ أَنه خرج فِي طَرِيق الشَّام مُسَافِرًا يمشي وَعَلِيهِ مرقعة وَهُوَ فِي جمَاعَة نَحْو الثَّلَاثِينَ رجلا كلهم على هَذِه الصّفة فصحبنا فِي بعض الطَّرِيق رجل شيخ حسن الْهَيْئَة مَعَه حمَار فأره يركبه وَمَعَهُ بغلان عَلَيْهِمَا رجل وقماش ومتاع فاخر فَقُلْنَا لَهُ يَا هَذَا إِنَّك لَا تفكر فِي خُرُوج الْأَعْرَاب علينا فَإِنَّهُ لَا شَيْء مَعنا يُؤْخَذ وَأَنت لَا تصلح لَك صحبتنا مَعَ مَا مَعَك فَقَالَ يكفينا الله ثمَّ سَار وَلم يقبل منا وَكَانَ إِذا نزل يَأْكُل استدعي أكثرنا فأطعمه وسقاه وَإِذا عيي الْوَاحِد منا أركبه على أحد بغليه وَكَانَت جمَاعَة تخدمه وتكرمه وتتدبر بِرَأْيهِ إِلَى أَن بلغنَا موضعا فَخرج علينا نَحْو ثَلَاثِينَ فَارِسًا من الْأَعْرَاب فتفرقنا عَلَيْهِم ومانعناهم فَقَالَ الشَّيْخ لَا تَفعلُوا فتركناهم وَنزل فَجَلَسَ وَبَين يَدَيْهِ سفرته ففرشها وَجلسَ يَأْكُل وأظلتنا الْخَيل فَلَمَّا رَأَوْا الطَّعَام دعاهم إِلَيْهِ فجلسوا يَأْكُلُون ثمَّ حل رَحْله وَأخرج مِنْهُ حلوى كَثِيرَة وَتركهَا بَين يَدي الْأَعْرَاب فَلَمَّا أكلُوا وشبعوا جمدت أَيْديهم وخدرت أَرجُلهم وَلم يتحركوا فَقَالَ لنا أَن الحلو مبنج أعددته لمثل هَذَا وَقد تمكن مِنْهُم وتمت الْحِيلَة وَلَكِن لَا يفك البنج إِلَّا أَن تصفعوهم فافعلوا فَإِنَّهُم لَا يقدرُونَ لكم على ضَرَر ونسير فَفَعَلُوا فَمَا قدرُوا على الِامْتِنَاع فَعلمنَا صدق قَوْله وأخذنا أسلحتهم وركبنا دوابهم وسرنا حواليه فِي موكب ورماحهم على أكتافنا وسلاحهم علينا فَمَا نجتاز بِقوم
стр. 146
إِلَّا يظنونا من أهل الْبَادِيَة فيطلبون النجا منا حَتَّى بلغنَا مَا مننا
حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله ابْن عَليّ الْمقري قَالَ دفن رجل مَالا فِي مَكَان وَترك عَلَيْهِ طابقاً وتراباً كثيرا ثمَّ ترك فَوق ذَلِك خرقَة فِيهَا عشرُون دِينَارا وَترك عَلَيْهَا أَتْرَابًا كثيرا وَمضى فَلَمَّا احْتَاجَ إِلَى الذَّهَب كشف عَن الْعشْرين فَلم يجدهَا فكشف عَن الْبَاقِي فَوَجَدَهُ فَحَمدَ الله على سَلامَة مَاله وَإِنَّمَا فعل ذَلِك خوفًا أَن يكون قد رَآهُ أحد وَكَذَلِكَ كَانَ فَأَنَّهُ لما جَاءَهُ الَّذِي رَآهُ وجد الْعشْرين فَأَخذهَا وَلم يعْتَقد أَن ثمَّ شَيْئا آخر
حَدثنِي بعض الْمَشَايِخ أَن رجلا يَهُودِيّا كَانَ مَعَه مَال فَاحْتَاجَ إِلَى دُخُول الْحمام وَخَافَ أَن ينكسر سبته إِن حمله مَعَه فَدخل إِلَى خزانَة الْحمام فحفر وَدَفنه ثمَّ دخل إِلَى الْحمام وَخرج فبحث عَنهُ فَلم يجده فَسكت وَلم يخبر أحدا لَا زَوجته وَلَا ولدا وَلَا صديقا فَجَاءَهُ بعد أَيَّام رجل فَقَالَ كَيفَ أَنْت من شغل قَلْبك فَلَزِمَهُ وَقَالَ رد مَالِي لي فَقَالُوا لَهُ من أَيْن علمت قَالَ رَآنِي لما دَفَنته مَخْلُوق وَلَا حدثت بِهِ مخلوقاً قَالَ إِن هَذَا أَخذه مَا قَالَ كَيفَ أَنْت من شغل قَلْبك
وَقَالَ بَعضهم خرجت فِي اللَّيْل لحَاجَة فَإِذا أعمى على عَاتِقه جرة وَفِي يَده سراج فَلم يزل يمشي حَتَّى أَتَى النَّهر وملأ جرته وَانْصَرف رَاجعا فَقلت يَا هَذَا أَنْت أعمى وَاللَّيْل وَالنَّهَار عنْدك سَوَاء فَقَالَ يَا فُضُولِيّ حملتها معي لأعمى الْقلب مثلك يستضيء بهَا فَلَا يعثر بِي فِي الظلمَة فَيَقَع عَليّ فيكسر جرتي روى أَبُو الْحسن الْأَصْفَهَانِي أَن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي دخل على الرشيد وَبَين يَدَيْهِ جَارِيَة كَأَنَّهَا خوط بَان فَقَالَ لَهَا الرشيد غَنِي فغنت
(توهمه قلبِي فَأصْبح خَدّه ... وَفِيه مَكَان الْوَهم من نَظَرِي أثر)
(وَمر بوهمي خاطراً فجرحته ... وَلم أر جسماً قطّ يجرحه الْفِكر)
стр. 147
قَالَ إِبْرَاهِيم فَذَهَبت وَالله بعقلي حَتَّى كدت أفتضح فَقلت من هَذِه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَذِه الَّتِي يَقُول فِيهَا الشَّاعِر
(لَهَا قلبِي الْغَدَاة وقلبها لي ... فَنحْن كَذَاك فِي جسدين روح)
ثمَّ قَالَ غَنِي يَا إِبْرَاهِيم فغنيت
(تشرب قلبِي حبها وَمَشى بهَا ... تمشي حميا الكأس فِي جسم شَارِب)
(ودب هَواهَا فِي عِظَامِي فشفها ... كَمَا دب فِي الملسوع سم العقارب)
قَالَ فَفطن بتعريضي وَكَانَت غلطة مني فَأمرنِي بالانصراف وَلم يدعني شهرا ثمَّ دس إِلَيّ خَادِمًا وَمَعَهُ رقْعَة فِيهَا مَكْتُوب
(قد تخوفت أَن أَمُوت من الوجد ... وَلم يدر من هويت بحالي)
(يَا كتابي اقْرَأ السَّلَام على من ... لَا أسمى وَقل لَهُ يَا كتابي)
(إِن كفا إِلَيْك قد كتبتني ... فِي شقاء مواصل وَعَذَاب)
فَأَتَانِي الْخَادِم بالرقعة فَقلت لَهُ مَا هَذَا قَالَ رقْعَة من فُلَانَة الْجَارِيَة الَّتِي غنتك بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ فأحسست بالقصة فشمت الْخَادِم وَقمت إِلَيْهِ فضربته ضربا شفيت مِنْهُ نَفسِي وَركبت إِلَى الرشيد من فوري فَأَخْبَرته بالقصة وأعطيته الرقعة فَضَحِك حَتَّى كَاد أَن يستلقي وَقَالَ عَليّ عمد فعلت ذَاك لامتحنك وَأعرف مذهبك وطريقتك ثمَّ دَعَا لي الْخَادِم فَخرج فَلَمَّا رَآنِي قَالَ قطع الله يَديك ورجليك وَيلك قتلتني فَقلت الْقَتْل بعض حفك لما وَردت بِهِ عَليّ وَلَكِنِّي أبقيت عَلَيْك وأخبرت أَمِير الْمُؤمنِينَ ليَأْتِي فِي عُقُوبَتك مَا تستحقه فَأمر لي الرشيد بصلَة سنية وَالله يعلم أَنِّي مَا فعلت مَا فعلته عفافاً بل خوفًا وَقعت على ابْن الْمُهلب حَيَّة فَلم يَدْفَعهَا عَن نَفسه فَقَالَ لَهُ أَبوهُ يَا بني ضيعت الْعقل من حَيْثُ حفظت الشجَاعَة
стр. 148
الْبَاب الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي ذكر طرف من أَحْوَال الشُّعَرَاء والمداحين
قَالَ يَمُوت بن المزرع جلس الجماز يَأْكُل على مائدة بَين يَدي جَعْفَر بن الْقَاسِم وجعفر يَأْكُل على مائدة أُخْرَى وَكَانَت الصحفة ترفع من بَين يَدي جَعْفَر فتوضع بَين يَدي الجماز فَرُبمَا كَانَ عَلَيْهَا قَلِيل وَرُبمَا لم يكن شَيْء فَقَالَ الجماز أصلح الله الْأَمِير مَا نَحن الْيَوْم إِلَّا عصبَة فَرُبمَا فضل لنا بعض المَال وَرُبمَا أَخذه أهل السِّهَام وَلَا يبْقى لنا شَيْء قَالَ أَبُو الْحسن السلَامِي الشَّاعِر مدح الخالديان سيف الدولة بن حمدَان بقصيدة أَولهَا
(تصدو دارها صدد ... وتوعده وَلَا تعد)
(وَقد قتلته ظالمة ... فَلَا عقل وَلَا قَود)
وَقَالا فِيهَا فِي مدحه
(فَوجه كُله قمر ... وَسَائِر جِسْمه أَسد)
فَلَمَّا أنْشدهُ إِيَّاهَا عجب بهَا سيف الدولة وَاسْتحْسن هَذَا الْبَيْت مِنْهَا وَجعل يردد إنشاده فَدخل عَلَيْهِ الشيطمي الشَّاعِر فَقَالَ لَهُ اسْمَع هَذَا الْبَيْت وأنشده إِيَّاه فَقَالَ لَهُ الشيطمي أَحْمد رَبك فقد جعلك من عجائب الْبَحْر قَالَ المُصَنّف الخالديان رجلَانِ وهما أَبُو بكر مُحَمَّد وَأَبُو عُثْمَان سعيد ابْنا هَاشم كَانَا أَخَوَيْنِ واتفقا فِي حسن الطَّبْع ورقة الشّعْر وَكَثْرَة الْأَدَب وَكَانَا يَشْتَرِكَانِ فِي الشّعْر وينفردان فَقَالَ فيهمَا أَبُو اسحق الصابي
стр. 149
(أرى الشاعرين الخالدين سيرا ... قصائد يفنى الدَّهْر وَهِي تخلد)
(تنَازع قوم فيهمَا وتناقضوا ... وَمر جِدَال بَينهم يتَرَدَّد)
(فطائفة قَالَت سعيد مقدم ... وَطَائِفَة قَالَت لَهُم بل مُحَمَّد)
(وصاروا إِلَى حكمي فأصلحت بَينهم ... وَمَا قلت إِلَّا بأنني هِيَ أرشد)
(هما فِي اجْتِمَاع الْفضل روح مؤلف ... وَمَعْنَاهَا من حَيْثُ ثنيت مُفْرد)
خرج طَاهِر بن الْحسن لقِتَال عِيسَى بن هامان فَخرج وَفِي كمه دَرَاهِم يفرقها على الْفُقَرَاء ثمَّ سَهَا وأسبل كمه فتبددت فتطير فَقَالَ لَهُ شَاعِر فِي ذَلِك
(هَذَا تفرق جمعهم لَا غَيره ... وذهابه منا ذهَاب الْهم)
(شَيْء يكون الْهم نصف حُرُوفه ... لَا خير فِي إِمْسَاكه فِي الْكمّ)
أحضر عبد الْملك رجلا يرى رأى الْخَوَارِج فَأمر بقتْله فَقَالَ السِّت الْقَائِل
(وَمنا سُوَيْد والبطين وقعنب ... وَمنا أَمِير الْمُؤمنِينَ شبيب)
فَقَالَ إِنَّمَا قلت وَمنا أَمِير الْمُؤمنِينَ أردْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فحقن دَمه وَدَرَأَ عَن نَفسه إِذْ صرف الْأَعْرَاب عَن الْخَبَر إِلَى الْخطاب هجا بعض الشُّعَرَاء أَبَا عُثْمَان الْمَازِني فَقَالَ
(وفتى من مَازِن سَاد أهل الْبَصْرَة ... أمه معرفَة وَأَبوهُ نكرَة)
وَدخل عبد الْملك بن صَالح دَار الرشيد فَلَقِيَهُ إِسْمَاعِيل بن صبيح الْحَاجِب فَقَالَ اعْلَم أَنه ولد لأمير الْمُؤمنِينَ ابْنَانِ فَعَاشَ أَحدهمَا وَمَات الآخر فَيجب أَن تخاطبه بِحَسب مَا عرفتك فَلَمَّا صَار بَين
стр. 150
يَدَيْهِ قَالَ سرك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا ساءك وَلَا ساءك فِيمَا سرك وَجعلهَا وَاحِدَة بِوَاحِدَة تستوجب من الله زِيَادَة الشَّاكِرِينَ وَجَزَاء الصابرين قَالَ دخل جَعْفَر الضَّبِّيّ على الْفضل بن سهل فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير اسكتي عَن أوصافك تساوى أفعالك فِي السؤدد وحيرني فِيهَا كَثْرَة عَددهَا فَلَيْسَ إِلَى ذكر جَمِيعهَا سَبِيل فَإِن أردْت وصف وَاحِدَة اعترضت أُخْتهَا فَلم تكن الأولى أَحَق بِالذكر فلست أصفها إِلَّا بِإِظْهَار الْعَجز عَن وصفهَا
قَالَ دخل أَبُو دلامة على الْمَنْصُور فأنشده قصيدة فَقَالَ يَا أَبَا دلامة إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَمر لَك بِكَذَا وَكَذَا من صله وكساك وجملك وأقطعك أَرْبَعمِائَة جريب مِائَتَان عَامر ومائتان غامر فَقل أما مَا ذكر أَمِير الْمُؤمنِينَ من الصِّلَة فقد عَرفته وَعرفت العامر فَمَا العامر قَالَ الَّذِي لَا نَبَات فِيهِ وَلَا شجر قَالَ فقد أقطعت أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرْبَعَة آلَاف جريب غامر قَالَ وَيحك أَيْن قَالَ ليما بَين الْحيرَة والكوفة فَضَحِك مِنْهُ وسوغها إِيَّاه عامرة
قَالَ المدايني دخل نصيب على عبد الْملك بن مَرْوَان فتغدي مَعَه ثمَّ قَالَ لَهُ هَل لَك فِيمَا يتنادم عَلَيْهِ فَقَالَ لوني حَائِل وشعري مفلفل وَخلقِي مُشَوه وَلم أبلغ مَا بلغت من إكرامك إيَّايَ بشرف أَب وَلَا أم وَإِنَّمَا بلغته بعقلي ولساني فأنشدك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تحول بيني وَبَين مَا بلغت بِهِ هَذِه الْمنزلَة فأعفاه قَالَ المدايني جلس نسَاء ظراف إِلَى بشار بن برد فَتحدث وتحدثن ثمَّ قُلْنَا لَهُ لَوَدِدْنَا أَنَّك أَبونَا قَالَ على أَنِّي على دين كسْرَى قَالَ خَالِد الْكَاتِب ارتج عَليّ وعَلى دعبل وَوَاحِد من الشُّعَرَاء قد سَمَّاهُ وَلم أحفظ اسْمه نصف بَيت قُلْنَا جَمِيعًا يَا بديع الْحسن ثمَّ قُلْنَا لَيْسَ لنا إِلَّا جعيفر أَن الموسوس فجنناه فَقَالَ مَا تبغوني فَقَالَ خَالِد جئْنَاك فِي حَاجَة فَقَالَ لَا تؤذوني فَإِنِّي جَائِع فَبَعَثنَا
стр. 151
فاشترينا لَهُ طَعَاما فَلَمَّا شبع قَالَ حَاجَتكُمْ قُلْنَا اخْتَلَفْنَا فِي نصف بَيت فَقَالَ مَا هُوَ قُلْنَا يَا بديع الْحسن فَمَا تلعثم وَالله إِن قَالَ
(يَا بديع الْحسن حاشا ... لَك من هجر بديع)
فَقَالَ لَهُ دعبل زِدْنِي بَيْتا فَقَالَ
(وَبِحسن الْوَجْه عوذتك ... من سوء الصَّنِيع)
فَقَالَ لَهُ الَّذِي مَعنا ولي بَيت فَقَالَ نعم وعزازة وكرامة
(وَمن النخوة يستعفيك ... لي ذل الخضوع)
فَقلت استودعك الله فَقَالَ انتظروا أزدكم بَيْتا آخر فَقَالَ
(لَا يعب بعضك بَعْضًا ... كن جميلاً فِي الْجَمِيع)
وَمن الفطنة الْكَلَام الموجه الَّذِي يحْتَمل الْمَدْح والذم وَمِنْه قَول المتنبي
عَدوك مَذْمُوم بِكُل لِسَان فَإِنَّهُ يحْتَمل الْمَدْح وَيحْتَمل الذَّم وَوجه الذَّم أَن يكون الْمَذْكُور دنيا وَلَا يعادي الدني إِلَّا مثله وَكَذَلِكَ قَوْله
وَالله سر فِي علاك يحْتَمل الْمَدْح أَي سر لَا يطلع عَلَيْهِ فِي تَقْدِيم مثلك قَالَ شَاعِر فَأَرَادَ أَن يكثر عَلَيْهِ فَقَالَ لأهل الْبَلَد
(وتشابهت سور الْقُرْآن عليكمو ... فقرنتم الْأَنْعَام بالشعراء)
ومدح رجل رجلا يُقَال لَهُ
(يسير فَقَالَ فِي مدحه ... وَفضل يسير فِي الْبِلَاد يسير)
стр. 152
فَقيل لَهُ أَنَّك قد مدحته وَأَنه لَا يعطيك شَيْئا فَقَالَ إِن لم يُعْطِنِي شَيْئا قلت بيَدي هَكَذَا وَضم أَصَابِعه يَعْنِي أَنه قَلِيل وَبَلغنِي من هَذَا الْجِنْس قَول رجل فِي رجل
(تحلى بأسماء الشُّهُور فكفه ... جُمَادَى وَمَا ضمت عَلَيْهِ الْمحرم)
وَقَالَ شَاعِر آخر
(وَقَائِل لي مَا الَّذِي تشْتَهي ... من الَّتِي قد ضمهَا خدرها)
(أوجهها حِين بدا مُقبلا ... أم شعرهَا الْأسود أم ثغرها)
(أم طرفها الأدعج أم كشحها ... أم منبت الرُّمَّان أم صدرها)
(قلت لَهُ أعشق ذَا كُله ... وَنصف حران وثلثي زها)
سُئِلَ جحظة عَن دَعْوَة حضرها فَقَالَ كل شَيْء كَانَ مِنْهَا بَارِد إِلَّا المَاء وقدمت إِلَى أبي يَعْقُوب الخزيمي سكباجه كَبِيرَة الْعِظَام فَقَالَ هَذِه شطرنجية وَاتَّبَعت بفالوذجة قَليلَة الْحَلَاوَة فَقيل قد عملت هَذِه قبل أَن يوحي رَبك إِلَى النَّحْل قَالَ شَاعِر لشاعر أَنا أَقُول الْبَيْت وأخاه وَأَنت تَقول الْبَيْت وَابْن عَمه قَالَ دخل بعض شعراء الْهِنْد على أَمِير فمدحه فَقَالَ لَهُ الْأَمِير تقدم يَا زوج القحبة فَقَالَ مَا زوج القحبة فَقَالَ هَذِه بلغَة الْعَرَب كِنَايَة عَمَّن لَهُ قدر جليل وَمحل كَبِير وَمَال ودواب وغلمان ومنزلة قَالَ فَأَنت وَالله أَيهَا الْأَمِير أكبر زَوْجَة قحبة فِي الدُّنْيَا فَخَجِلَ وَعلم أَن مزاحه جر عَلَيْهِ شَتمه دخل بعض الأدباء على الْمَأْمُون يسْأَله حَاجَة فَلم يقضها فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن لي شكر قَالَ وَمن يحْتَاج إِلَى شكرك فَأَنْشَأَ يَقُول
(فَلَو كَانَ يَسْتَغْنِي عَن الشُّكْر مَالك ... لِكَثْرَة مَال أَو علو مَكَان)
(لما ندب الله الْعباد لشكره ... وَقَالَ اشكروني أَيهَا الثَّقَلَان)
стр. 153
فَقَالَ أَحْسَنت وَقضى حَاجته
قَالَ ابْن الهبارية
(قد قلت للشَّيْخ الرئيس ... أخي السماح أبي المظفر)
(ذكر معِين الْملك بِي ... قَالَ الْمُؤَنَّث لَا يذكر)
روى أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن مُوسَى الموسوي قَالَ دخلت على أبي نصر بن أبي زيد وَعِنْده علوي مبرم فتأذى بطول جُلُوسه وَكَثْرَة كَلَامه فَلَمَّا نَهَضَ قَالَ لي أَبُو نصر بن عمك هَذَا خَفِيف على الْقلب فَقلت نعم فَقَالَ مَا أَظُنك فهمت ففكرت فَعلمت أَنه أَرَادَ خَفِيفا مقلوباً وَهُوَ الثقيل وَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَهُ أَبُو سعيد بن دوست
(وأثقل مني زائري وكأنما ... يقلب فِي أجفان عَيْني وَفِي قلبِي)
(فَقلت لَهُ لما برمت بِقُرْبِهِ ... أَرَاك على قلبِي خَفِيفا على الْقلب)
وصف لشاعر طيب خُرَاسَان فَلَمَّا سَافر إِلَيْهَا لم تعجبه فَقَالَ
(تمينا خراسانا زَمَانا ... فَلم نعط المنى وَالصَّبْر عَنْهَا)
(فَلَمَّا أَن أتيناها سرَاعًا ... وجدناها بِحَذْف النّصْف مِنْهَا)
حَدثنَا زِيَاد بن جُبَير ﵁ قَالَ أَتَى عمر بن الْخطاب ﵁ بِرَجُل من الْمُشْركين يُقَال لَهُ الهرمزان فَأسلم فَقَالَ فَإِنِّي مستشيرك فِي مغازي هَذِه فأشر عَليّ فَقَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الأَرْض مثلهَا وَمثل من فِيهَا من النَّاس من عَدو الْمُسلمين مثل طَائِر لَهُ رَأس وجناحان وَله رجلَانِ فَإِن انْكَسَرَ أحد الجناحين نهضت الرّجلَانِ بجناح وبالرأس وَإِن انْكَسَرَ الْجنَاح الآخر نهضت الرّجلَانِ وَالرَّأْس فَإِن انشنح الرَّأْس ذهبت الرّجلَانِ والجناحان فالرأس كسْرَى والجناح قَيْصر
стр. 154
والجناح الآخر فَارس فَمر الْمُسلمين فلينفروا إِلَى كسْرَى
وَقد روينَا أَن الْإِسْكَنْدَر رأى فِي عسكره سمياً لَهُ لَا يزَال ينهزم فَقَالَ لَهُ أما أَن تغير اسْمك أَو فعلك وَخرج يَوْمًا فِي الْحَرْب من صف أَصْحَابه وَأمر منادياً فَنَادَى يَا معشر الْفرس قد علمْتُم مَا كتبنَا لكم من الْأَمَانَات فَمن كَانَ على الْوَفَاء فليعتزل عَن الْعَسْكَر وَله منا الْوَفَاء بِمَا ضمناه فاتهمت الْفرس بَعْضهَا بَعْضًا وَكَانَ أول اضْطِرَاب حدث فيهم
وَفِي رِوَايَة أَنه لما صَاف ٣ دَارا أَمر منادياً فِي عَسْكَر دَارا أَيهَا النَّاس أما نَحن فقد فعلنَا مَا اتفقنا عَلَيْهِ فكونوا من وَرَاء مَا ضمنتم فاستشعر دَارا أَن عسكره قد عزموا على تَسْلِيمه إِلَى الْإِسْكَنْدَر وَكَانَ ذَلِك بِسَبَب هزيمته والما شخص عَن فَارس إِلَى الْهِنْد تَلقاهُ ملكهَا فِي جمع عَظِيم وَمَعَهُ ألف فيل عَلَيْهَا السِّلَاح وَالرِّجَال وَفِي خراطيمها السيوف والأغمدة فَلم تقف لَهَا دَوَاب الْإِسْكَنْدَر فَهزمَ وَعَاد إِلَى مأمنه فَأمر باتخاذ فيلة من نُحَاس مجوفة وربط خيله بَين تِلْكَ التماثيل حَتَّى ألفتها ثمَّ أَمر فملئت نفطاً وكبريتاً وألبسها الدروع وَجَرت على الْعجل إِلَى المعركة وَبَين تمثالين مِنْهَا جمَاعَة من أَصْحَابه فَلَمَّا نشبت الْحَرْب أَمر بإشعال النَّار فِي جَوف التماثيل فَلَمَّا حميت انْكَشَفَ أَصْحَابه عَنْهَا وغشيتها الفيلة فضربتها بخراطيمها فتشيطت وَوَلَّتْ مُدبرَة رَاجِعَة على أَصْحَابهَا وَصَارَت الدائرة على ملك الْهِنْد قَالَ وَنزل مرّة على مَدِينَة حَصِينَة فتحصن أَهلهَا مِنْهُ فَأخْبر أَن عِنْدهم من الْميرَة قدر كفايتهم فَدس تجارًا متنكرين وَأمرهمْ بِدُخُول الْمَدِينَة ورحل عَنْهَا وأمدهم بِمَال ومتاع فباعوا مَا مَعَهم وابتاعوا الْميرَة فَلَمَّا اكنزوا كتب أَن أحرقوا مَا عنْدكُمْ من الْميرَة واهربوا فَفَعَلُوا فزحف إِلَى الْمَدِينَة فحاصرها أَيَّامًا يسيرَة فَأَخذهَا وَكَانَ إِذا أَرَادَ محاصرة بلد شرد من حولهَا من الْقرى فَهَرَبُوا إِلَيْهَا فيسرعون فِي أكل الْميرَة فتقل فيحاصرهم فيفتحها
стр. 155
وَحكى عَن كسْرَى بن هُرْمُز أَنه كَانَ بعث الأصهد إِلَى الرّوم فِي جَيش عَظِيم فَأعْطى من الظفر مَا لم يُعْطه أحد قبله وَأخذ الأصهد خَزَائِن الرّوم ووجهها على هيئتها إِلَى كسْرَى فَفطن كسْرَى أَن مَال الأصهد من الظفر وَأَن هَذَا يعيره عَلَيْهِ وَيُوجب لَهُ كبرا فَبعث إِلَيْهِ رجلا ليَقْتُلهُ وَكَانَ الْمَبْعُوث عَاقِلا فَلَمَّا رأى الأصهد وتدبيره وعقله قَالَ مَا يصلح قتل هَذَا بِغَيْر جرم ثمَّ أخبرهُ بِالَّذِي جَاءَ لَهُ فَأرْسل الأصهد إِلَى قَيْصر أَنِّي أُرِيد أَن أَلْقَاك قَالَ إِذْ شِئْت فنلتقيا فَقَالَ لَهُم إِن هَذَا الْخَبيث قد هم بقتلي وَوجه إِلَيّ رجلا بذلك وَإِنِّي أُرِيد هَلَاكه كَالَّذي أَرَادَ مني والبادي أظلم فَاجْعَلْ لي من نَفسك مَا اطمئن إِلَيْهِ وَأُعْطِيك من بيُوت أَمْوَاله مثل الَّذِي أصبت مِنْك وَمثل الَّذِي أَنْت منفقه فِي مسيرك هَذَا فَأعْطَاهُ من المواثيق مَا اطْمَأَن إِلَيْهِ وَسَار قَيْصر فِي أَرْبَعِينَ ألفا فَنزل بكسرى فَعلم كسْرَى كَيفَ جرى الْأَمر فاحتال لفض جنود قَيْصر فَدَعَا قسا متنصر فِي دينه فَقَالَ إِنِّي كَاتب مَعَك كتابا لطيفاً فِي حريرة لتبلغه الأصهد فَلَا تطلعن على ذَلِك أحدا وَأَعْطَاهُ ألف دِينَار وَقد علم كسْرَى أَن القس يُوصل كِتَابه إِلَى قَيْصر لِأَنَّهُ تَحْتَهُ هَلَاك الرّوم وَكَانَ فِي الْكتاب إِلَى الأصهد أَنِّي كتبت إِلَيْك وَقد دنا مني قَيْصر فقد أحسن الله إِلَيْنَا وَأمكن مِنْهُم تدبيرك لَا عدمت صَوَاب الرَّأْي وَقد فرقت عَلَيْهِم وَأَنا ممهله حَتَّى يقرب من الْمَدَائِن ثمَّ أغافله فِي يَوْم كَذَا فغره على من قَتلك إيَّايَ فَإِنِّي استأصلهم فَخرج القس بِالْكتاب فأوصله إِلَى قَيْصر فَقَالَ قَيْصر هَذَا الْحق وَمَا أَرَادَ إِلَّا هلاكنا فَتَوَلّى منصرفاً وَاتبعهُ كسْرَى إِيَاس بن قبيصَة الطَّائِي فَقتل أَصْحَابه وَنَجَا قَيْصر فِي شرذمة قَليلَة
قَالَ هِشَام بن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه قَالَ كَانَ جذيمة بن مَالك ملكا على الْحيرَة وَمَا حولهَا من السوَاد ملك سِتِّينَ سنة وَكَانَ بِهِ وضح وَكَانَ شَدِيد السُّلْطَان يخافه الْقَرِيب ويهابه الْبعيد فنهيت الْعَرَب أَن
стр. 156
يَقُولُوا الأبرص فَقَالُوا الأبرش فغزا مليح بن الْبُرْء وَكَانَ ملكا على الْحَضَر وَهُوَ الحاجز بَين الرّوم وَالْفرس وَهُوَ الَّذِي ذكره عدي بن زيد فِي قصيدة مِنْهَا هَذَا الْبَيْت
(وأخو الْحَضَر إِذْ بناه وَإِذ ... دجلة تجبى إِلَيْهِ والخابور)
فَقتله جذيمة وطرد الزباء إِلَى الشَّام فلحقت بالروم وَكَانَت عَرَبِيَّة اللِّسَان حَسَنَة الْبَيَان شَدِيدَة السُّلْطَان كَبِيرَة الهمة قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ لم يكن فِي نسَاء عصرها أجمل مِنْهَا وَكَانَ اسْمهَا فارغة وَكَانَ لَهَا شعر إِذا مشت سحبته وَرَاءَهَا وَإِذا نشرته جللها فسميت الزباء قَالَ الْكَلْبِيّ وَبعث عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ بعد قتل أَبِيهَا فبلغت بهَا همتها أَن جمعت الرِّجَال وبذلت الْأَمْوَال وعادت إِلَى ديار أَبِيهَا وملكتها فأزالت جذيمة الأبرش عَنْهَا وابتنت على الْفُرَات مدينتين متقابلتين من شَرْقي الْفُرَات وَمن غربيه وَجعلت بَينهمَا نفقاً تَحت الْفُرَات وَكَانَ إِذا راهقها الْأَعْدَاء آوت إِلَيْهِ وتحصنت بِهِ وَكَانَت قد اعتزلت الرِّجَال فَهِيَ عذراء وَكَانَ بَينهَا وَبَين جذيمة بعد الْحَرْب مهادنة فَحدث جذيمة نَفسه بخطبتها فَجمع خاصته فشاورهم فِي ذَلِك وَكَانَ لَهُ عبد يُقَال لَهُ قصير بن سعد وَكَانَ عَاقِلا لبيباً وَكَانَ خازنه وَصَاحب أمره وعميد دولته فَسكت الْقَوْم وَتكلم قصير فَقَالَ أَبيت اللَّعْن أَيهَا الْملك أَن الزباء امْرَأَة قد حرمت الرِّجَال فَهِيَ عذراء لَا ترغب فِي مَال وَلَا جمال وَلها عنْدك ثار وَالدَّم لَا ينَام وَإِنَّمَا هِيَ تاركتك رهبة وحذار دولة الحقد دَفِين فِي سويداء الْقلب لَهُ كمون ككمون النَّار فِي الْحجر إِن اقتدحته أورى وَإِن تركته توارى وللملك فِي بَنَات الْمُلُوك الْأَكفاء متسع ولهن فِيهِ منتفع وَقد رفع الله قدرك عَن الطمع فِيمَن دُونك وَعظم شَأْنك فَمَا أحد فَوْقك فَقَالَ جذيمة يَا قصير الرَّأْي مَا رَأَيْت والحزم فِيمَا قلته وَلَكِن النَّفس تواقة إِلَى مَا تحب وتهوى وَلكُل امْرِئ قدر لَا مفر لَهُ مِنْهُ وَلَا وزر فَوجه إِلَيْهَا خاطباً وَقَالَ ائْتِ
стр. 157
الزباء فاذكر لَهَا مَا يرغبها فِيهِ وتصبو إِلَيْهِ فجاءتها خطبَته فَلَمَّا سَمِعت كَلَامه وَعرفت مُرَاده قَالَت لَهُ انْعمْ بك عينا وَبِمَا جِئْت بِهِ وَله وأظهرت لَهُ السرُور بِهِ وَالرَّغْبَة فِيهِ وأكرمت مُقَدّمَة وَرفعت مَوْضِعه وَقَالَت قد كنت أضربت عَن هَذَا الْأَمر خوفًا أَن لَا أجد كُفؤًا وَالْملك فَوق قدري وَأَنا دون قدره وَقد أجبْت إِلَى مَا سَأَلَ ورغبت فِيمَا قَالَ وَلَوْلَا أَن السَّعْي فِي مثل هَذَا الْأَمر بِالرِّجَالِ أجمل لسرت إِلَيْهِ وَنزلت عَلَيْهِ وأهدت إِلَيْهِ هَدِيَّة سنية ساقت العبيد وَالْإِمَاء والكراع وَالسِّلَاح وَالْأَمْوَال وَالْإِبِل وَالْغنم وحملت من الثِّيَاب وَالْعين وَالْوَرق فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ خَطِيبه أعجبه مَا سمع من الْجَواب وأبهجه مَا رأى من اللطف وَظن أَن ذَلِك لحُصُول رَغْبَة فَأَعْجَبتهُ نَفسه وَسَار من فوره فِيمَن يَثِق بِهِ من خاصته وَأهل مَمْلَكَته وَفِيهِمْ قصير خازنه واستحلف على مَمْلَكَته ابْن أُخْته عَمْرو بن عدي اللَّخْمِيّ وَهُوَ أول مُلُوك الْحيرَة من لخم وَكَانَ ملكه عشْرين وَمِائَة سنة وَهُوَ الَّذِي اختطفته الْجِنّ وَهُوَ صبي وردته وَقد شب ونبر فَقَالَت أمه ألبسوه الطوق فَقَالَ خَاله جذيمة شب عَمْرو عَن الطوق فَصَارَت مثلا فاستخلفه وَسَار إِلَى الزباء فَلَمَّا صَار ببقة نزل وتصيد وَأكل وَشرب واستعاد المشورة والرأي من أَصْحَابه فَسكت الْقَوْم وافتتح الْكَلَام قصير بن سعد قَالَ أَيهَا الْملك كل عزم لَا يُؤَيّد بحزم قَالَ لي أُفٍّ مَا يكون كَونه فَلَا تثق بزخرف قَول لَا حُصُول لَهُ وَلَا تعتقد الرَّأْي بالهوى فَيفْسد وَلَا الحزم بالمنى فيبعد والرأي عِنْدِي للْملك أَن يعتقب أمره بالتثبت وَيَأْخُذ حذره بالتيقظ وَلَوْلَا أَن الْأُمُور تجْرِي بالمقدور لعزمت على الْملك عزماً بتا أَن لَا يفعل فَأقبل جذيمة على الْجَمَاعَة فَقَالَ مَا عنْدكُمْ أَنْتُم فِي هَذَا الْأَمر فتكلموا بِحَسب مَا عرفُوا من رغبته فِي ذَلِك وصوبوا رَأْيه وقووا عزمه فَقَالَ جذيمة الرَّأْي للْجَمَاعَة وَالصَّوَاب مَا رَأَيْتُمْ فَقَالَ قصير أرى الْقدر يسابق الحذر وَلَا يطاع لقصير أَمر فأرسلها مثلا
стр. 158
وَسَار جذيمة فَلَمَّا قرب من ديار الزباء نزل وَأرْسل إِلَيْهَا يعلمهَا بمجيئه فرحبت وَقربت وأظهرت السرُور بِهِ وَالرَّغْبَة فِيهِ وَأمرت أَن يحمل إِلَيْهِ الْإِنْزَال والعلوفات وَقَالَت لجندها وخاصة أهل مملكتها وَعَامة أهل دولتها ورعيتها تلقوا سيدكم وَملك دولتكم وَعَاد الرَّسُول إِلَيْهِ بِالْجَوَابِ بِمَا رأى وَسمع فَلَمَّا أَرَادَ جذيمة أَن يسير دَعَا قَصِيرا فَقَالَ أَنْت على رَأْيك قَالَ نعم قد زَادَت بصيرتي فِيهِ أفأنت على عزمك قَالَ نعم وَقد زَادَت رغبتي فِيهِ فَقَالَ قصير لَيْسَ للأمور بِصَاحِب من لم ينظر فِي العواقب وَقد يسْتَدرك الْأَمر قبل فَوَاته وَفِي يَد الْملك بغية هُوَ بهَا مسلط على اسْتِدْرَاك الصَّوَاب فَإِن وثقت بأنك ذُو ملك وعشيرة وَمَكَان فَإنَّك قد نزعت يدك من سلطانك وَفَارَقت عشيرتك ومكانك وألقيتها فِي يَدي من لست آمن عَلَيْك مكره وغدره فَإِن كنت وَلَا بُد فَاعِلا ولهواك تَابعا فَإِن الْقَوْم أَن تلقوك غَدا فرقا وَسَارُوا أمامك وَجَاء قوم وَذهب قوم فَالْأَمْر بعده فِي يدك والرأي فِيهِ إِلَيْك وَأَن تلقوك رزدقاً وَاحِدًا وَأَقَامُوا لَك صفّين حَتَّى إِذا توسطتهم انقضوا عَلَيْك من كل جَانب فأحدقوا بك فقد ملكوك وصرت فِي قبضتهم وَهَذِه الْعَصَا لَا يشق غبارها وَكَانَت لجذيمة فرس تسبق الطير وتجاري الرِّيَاح يُقَال لَهَا الْعَصَا فَإِذا كَانَ كَذَلِك فتملك ظهرهَا فَهِيَ نَاجِية بك إِن ملكت ناصيتها فَسمع جذيمة كَلَامه وَلم يرد جَوَابا وَسَار وَكَانَت الزباء لما رَجَعَ رَسُول جذيمة من عِنْدهَا قَالَت لجندها إِذا أقبل جذيمة غَدا فتلقوه بأجمعكم وَقومُوا لَهُ صفّين عَن يَمِينه وشماله فَإِذا توَسط جمعكم فتعرضوا عَلَيْهِ من كل جَانب حَتَّى تحدقوا بِهِ وَإِيَّاكُم أَن يفوتكم وَسَار جذيمة وقصير عَن يَمِينه فَلَمَّا لقِيه الْقَوْم رزدقاً وَاحِدًا أَقَامُوا لَهُ صفّين فَلَمَّا توسطهم انقضوا عَلَيْهِ من كل جَانب انقضاض الأحدل على فريسته فأحدقوا بِهِ وَعلم أَنهم قد ملكوه وَكَانَ قصير يسايره فَأقبل عَلَيْهِ وَقَالَ صدقت يَا قصير فَقَالَ قصير أَيهَا الْملك أَبْطَأت بِالْجَوَابِ حَتَّى فَاتَ
стр. 159
الصَّوَاب فَأرْسلهُ مثلا فَقَالَ كَيفَ الرَّأْي الْآن قَالَ هَذِه الْعَصَا فدونكها لَعَلَّك تنجو بهَا فَأَنف جذيمة من ذَلِك وسارت بِهِ الجيوش فَلَمَّا رأى قصير أَن جذيمة قد استسلم للأسر وأيقن بِالْقَتْلِ جمع نَفسه فَصَارَ على ظهر الْعَصَا وَأَعْطَاهَا عنانها وزجرها فَذَهَبت تهوي بِهِ هوى الرّيح فَنظر إِلَيْهِ جذيمة وَهِي تطاول بِهِ وأشرفت الزباء من قصرهَا فَقَالَت مَا أحسنك من عروس تجلي عليّ وتزف إليّ حَتَّى دخلُوا بِهِ إِلَى الزباء وَلم يكن مَعهَا فِي قصرهَا إِلَّا جوَار أبكار أتراب وَكَانَت جالسة على سريرها وحولها ألف وصيفة كل وَاحِدَة لَا تشبه صاحبتها فِي خلق وَلَا زِيّ وَهِي بَينهُنَّ كَأَنَّهَا قمر قد حفت بِهِ النُّجُوم تزهو فَأمرت بالإنطاع فبسطت وَقَالَت لوصائفها خُذُوا بيد سيدكن وبعل مولاتكن فأخذن بِيَدِهِ فأجلسته على الالطلاع بِحَيْثُ يَرَاهَا وتراه وَتسمع كَلَامه وَيسمع كَلَامهَا ثمَّ أمرت الْجَوَارِي فقطعن رواهشه وَوضعت الطشت تَحت يَده فَجعلت تشخب فِي الطشت فقطرت قَطْرَة على النطع فَقَالَت لجواريها أَلا تضيعوا دم الْملك فَقَالَ جذيمة لَا يحزنك دم أراقه أَهله فَلَمَّا مَاتَ قَالَت وَالله مَا وفى دمك وَلَا شفى قَتلك وَلكنه غيض من فيض ثمَّ أمرت بِهِ فَدفن وَكَانَ جذيمة قد اسْتخْلف على مَمْلَكَته ابْن أُخْته عَمْرو بن عدي وَكَانَ يخرج كل يَوْم إِلَى ظهر الْحيرَة يطْلب الْخَبَر ويقتفي الْأَثر عَن خَاله فَخرج ذَات يَوْم فَنظر إِلَى فَارس قد أقبل يهوي بِهِ فرسه هوى الرّيح فَقَالَ أما الْفرس ففرس جذيمة وَأما الرَّاكِب فكالهيمة لأمر مَا جَاءَت الْعَصَا فَأَشْرَف عَلَيْهِم قصير فَقَالُوا مَا وَرَاءَك قَالَ سعى الْمُقدر بِالْملكِ إِلَى حتفه على الرغم من انفي وَأَنْفه فاطلب بثأرك من الزباء فَقَالَ عَمْرو وَأي ثأر يطْلب من الزباء وَهِي أمنع من عِقَاب الجو فَقَالَ قصير قد علمت نصحي كَانَ لخالك وَكَانَ الْأَجَل رائده وَالله لَا أَنا عَن الطّلب بدمه مَا لَاحَ نجم وطلعت شمس أَو أدْرك بِهِ ثأراً أَو تخترم نَفسِي فاعذر ثمَّ إِنَّه عمد إِلَى أَنفه فجدعه ثمَّ لحق بالزباء على صُورَة كَأَنَّهُ هارب من عَمْرو بن عدي فَقيل لَهَا
стр. 160
هَذَا قصير بن سعد عَم جذيمة وخازنه وَصَاحب أمره قد جَاءَك فَأَذنت لَهُ فَقَالَت مَا الَّذِي جَاءَك إِلَيْنَا يَا قصير وبيننا وَبَيْنك دم عَظِيم الْخطر فَقَالَ يَا ابْنة الْمُلُوك الْعِظَام لقد أتيت فِيمَا يُؤْتِي مثلك فِي مثله وَلَقَد كَانَ دم الْملك يَطْلُبهُ حَتَّى أدْركهُ وَقد جئْتُك مستجيراً بك من عَمْرو بن عدي فَإِنَّهُ اتهمني بخاله وبمشورتي عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَيْك فجدع أنفي وَأخذ مَالِي وَحَال بيني وَبَين عيالي وتهددني بِالْقَتْلِ وَإِنِّي خشيت على نَفسِي فهربت مِنْهُ إِلَيْك أَنا مستجير بك ومستند إِلَى كَهْف عزك فَقَالَت أَهلا وسهلاً لَك حق الْجوَار وَذمَّة المستجير وَأمرت بِهِ فَأنْزل وأجرت لَهُ الْإِنْزَال ووصلته وكسته وأخدمته وزادت فِي إكرامه وَأقَام مُدَّة لَا يكلمها وَلَا تكَلمه وَهُوَ يطْلب الْحِيلَة عَلَيْهَا وَمَوْضِع الفرصة مِنْهَا وَكَانَت ممتنعة بقصر مشيد على بَاب النفق تعتصم بِهِ فَلَا يقدر أحد عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا قصير يَوْمًا إِن لي بالعراق مَالا كثيرا وذخائر نفيسة مِمَّا يصلح للملوك وَإِن أَذِنت لي فِي الْخُرُوج إِلَى الْعرَاق وأعطيتيني شَيْئا أتعلل بِهِ فِي التِّجَارَة وأجعله سَببا للوصول إِلَى مَالِي أَتَيْتُك بِمَا قدرت عَلَيْهِ من ذَلِك فَأَذنت لَهُ وأعطته مَالا فَقدم الْعرَاق وبلاد كسْرَى فأطرفها من طرائفه وزادها مَالا إِلَى مَالهَا كثيرا وَقدم عَلَيْهَا فأعجبها ذَلِك وسرها وترتب لَهُ عِنْدهَا منزلَة وَعَاد إِلَى الْعرَاق ثَانِيَة فَقدم بِأَكْثَرَ من ذَلِك طرفا من الْجَوَاهِر والبز والخز والديباج فازداد مَكَانَهُ مِنْهَا وازدادت مَنْزِلَته عِنْدهَا ورغبتها فِيهِ وَلم يزل قصير يتلطف حَتَّى عرف مَوضِع النفق الَّذِي تَحت الْفُرَات وَالطَّرِيق إِلَيْهِ ثمَّ خرج ثَالِثَة فَقدم بِأَكْثَرَ من الأولتين ظرائف ولطائف فَبلغ مَكَانَهُ مِنْهَا وموضعه عِنْدهَا إِلَى أَن كَانَت تستعين بِهِ فِي مهماتها وملماتها واسترسلت إِلَيْهِ وعولت فِي أمورها عَلَيْهِ وَكَانَ قصير رجلا حسن الْعقل وَالْوَجْه حصيناً لبيباً أديباً فَقَالَت لَهُ يَوْمًا أُرِيد أغزو الْبَلَد الْفُلَانِيّ من أَرض الشَّام فَاخْرُج إِلَى الْعرَاق فَاتَنِي بِكَذَا وَكَذَا من السِّلَاح والكراع وَالْعَبِيد وَالثيَاب فَقَالَ قصير ولي فِي بِلَاد عَمْرو بن عدي ألف بعير
стр. 161
وخزانة من السِّلَاح والكراع وَالْعَبِيد وَالثيَاب وفيهَا كَذَا وَكَذَا وَمَا يعلم عَمْرو بهَا وَلَو علمهَا لأخذها واستعان بهَا على حربك وَكنت أتربص بِهِ الْمنون وَأَنا أخرج متنكراً من حَيْثُ لَا يعلم فآتيك بهَا مَعَ الَّذِي سَأَلت فَأَعْطَتْهُ من المَال مَا أَرَادَ وَقَالَت يَا قصير الْملك يحسن لمثلك وعَلى يَد مثلك يصلح أمره
وَلَقَد بَلغنِي أَن أَمر جذيمة كَانَ إِيرَاده واصادره إِلَيْك وَمَا تقصر يدك عَن شَيْء تناله يَدي وَلَا يقْعد بك حَال ينْهض بِي فَسمع بهَا رجل من خَاصَّة قَومهَا فَقَالَ أَسد خادر وَلَيْث ثَائِر قد تحفز للوثبة وَلما رأى قصير مَكَانَهُ مِنْهَا وتمكنه من قَلبهَا قَالَ الْآن طَابَ المصاع وَخرج من عِنْدهَا فَأتى عمر بن عدي فَقَالَ قد أصبت الفرصة من الزباء فانهض فَعجل الوثبة فَقَالَ لَهُ عمر وَقل أسمع وَمر أفعل فَأَنت طَبِيب هَذِه القرحة فَقَالَ الرِّجَال وَالْأَمْوَال قَالَ حكمك فِيمَا عندنَا مسلط فَعمد إِلَى ألفي رجل من فتيَان قومه وصناديد أهل مَمْلَكَته فحملهم على ألف بعير فِي الغرائر السود وألبسهم السِّلَاح وَالسُّيُوف والحجف وأنزلهم فِي الغرائر وَجعل رُؤُوس المسوح من أسفالها مربوطة من دَاخل وَكَانَ عَمْرو فيهم وسَاق الْخَيل وَالْعَبِيد والكراع وَالسِّلَاح وَالْإِبِل محملة فَجَاءَهَا البشير فَقَالَ قد جَاءَ قصير وَلما قرب من الْمَدِينَة حمل الرِّجَال فِي الغرائر متسلحين بِالسُّيُوفِ والحجف وَقَالَ إِذا توسطت الْإِبِل الْمَدِينَة فالإمارة بَيْننَا كَذَا وَكَذَا فاخترطوا الرَّبْط
فَلَمَّا قربت العير من مَدِينَة الزباء فِي قصرهَا فرأت الْإِبِل تتهادى بأحمالها فارتابت بهَا وَقد كَانَ شَيْء بقصير إِلَيْهَا وحذرت مِنْهُ فَقَالَت للواشي بِهِ إِلَيْهِ أَن قَصِيرا الْيَوْم منا وَهُوَ ربيب هَذِه النِّعْمَة وصنيعة هَذِه الدولة وَإِنَّمَا يبعثكم على ذَلِك الْحَسَد لَيْسَ فِيكُم مثله فقدح مَا رَأَتْ من كَثْرَة الْإِبِل وَعظم أحمالها فِي نَفسهَا مَعَ مَا عِنْدهَا من قَول الواشي بِهِ إِلَيْهَا
стр. 162
فَقَالَت
(مَا للجمال مشيها وئيداً ... أجند لَا يحملن أَو حديدا)
(أم صرفاناً بَارِدًا شَدِيدا ... أم الرِّجَال فِي المسوح سُودًا)
ثمَّ أَقبلت على جواريها فَقَالَت أرى الْمَوْت الْأَحْمَر فِي الغرائر السود فَذَهَبت مثلا حَتَّى إِذا توسطت الْإِبِل الْمَدِينَة وتكاملت ألقوا إِلَيْهِم الْإِمَارَة فاخترطوا رُؤُوس الغرائر فَسقط إِلَى الأَرْض ألفا ذِرَاع بألفي باتر طَالب ثأر الْقَتِيل غدراً وَخرجت الزباء تمصع تُرِيدُ النفق فسبقها إِلَيْهِ قصير فحال بَينهمَا وَبَينه فَلَمَّا رَأَتْ أَن قد أحيط بهَا وملكت التقمت خَاتمًا فِي يَدهَا تَحت فصه سم سَاعَة وَقَالَت بيَدي لَا بِيَدِك يَا عَمْرو فأدركها عَمْرو وقصير فضرباها بِالسَّيْفِ حَتَّى هَلَكت وملكا مملكتها واحتويا على نعمتها وَخط قصير على جذيمة قبراً وَكتب على قَبره هَذِه الأبيات يَقُول
(ملك تمتّع بالعساكر والقنا ... والمشرفية عزه مَا يُوصف)
فسعت منيته إِلَى أعدائه ... وَهُوَ المتوج والحسام المرهف)
وَقد روينَا أَن ملكا كَانَ يُقَال لَهُ شمر ذُو الْجنَاح سَار إِلَى سَمَرْقَنْد فحاصرها فَلم يظفر مِنْهَا بِشَيْء فَطَافَ حولهَا بالحرس فَأخذ رجلا من أَهلهَا فاستمال قلبه وَسَأَلَهُ عَن الْمَدِينَة فَقَالَ أما ملكهَا فأحمق النَّاس لَيْسَ لَهُ هم إِلَّا الشَّرَاب وَالْأكل وَالْجِمَاع وَلَكِن لَهُ بنت هِيَ الَّتِي تقضي أَمر النَّاس فَبعث مِنْهُ هَدِيَّة إِلَيْهَا وَقَالَ أخْبرهَا أَنِّي لم أجيء لالتماس المَال فَإِن معي من المَال أَرْبَعَة آلَاف تَابُوت ذَهَبا وَفِضة وَأَنا دافعها إِلَيْهَا وأمضى إِلَى الصين فَإِن كَانَت لي الأَرْض كَانَت امْرَأَتي وَإِن هَلَكت كَانَ المَال لَهَا فَلَمَّا بلغتهَا رسَالَته قَالَت قد أَجَبْته فليبعث بِالْمَالِ فَأرْسل إِلَيْهَا أَرْبَعَة
стр. 163
آلَاف تَابُوت فِي كل تَابُوت وَجعل شمر الْعَلامَة بَينه وَبينهمْ أَن يضْرب بالجلجل فَلَمَّا صَارُوا فِي الْمَدِينَة ضرب بالجلجل فَخَرجُوا فَأخذُوا الْأَبْوَاب ونهض شمر فِي النَّاس فَدخل الْمَدِينَة فَقتل أَهلهَا وحوى مَا فِيهَا ثمَّ سَار إِلَى الصين وَقد كَانَ كسْرَى من الذكاء على غَايَة فروينا عَنهُ أَنه نم إِلَيْهِ رجل بصديق لَهُ فَكتب كسْرَى للنام قد اخترنا نصحك وذممنا صَاحبك لسوء اختباره الإخوان
قَالَ منجموا كسْرَى إِنَّك تقتل فَقَالَ لأقتلن من يقتلني فَأمر بِسم فخلط فِي أدوية ثمَّ كتب عَلَيْهِ دَوَاء الْجِمَاع مجرب من أَخذ مِنْهُ وزن كَذَا جَامع كَذَا وَكَذَا مرّة فَلَمَّا قَتله ابْنه شيرويه وفتش خزائنه مر بِهِ فَقَالَ فِي نَفسه هَذَا الدَّوَاء الَّذِي كَانَ يُقَوي بِهِ على السراري فَأخذ مِنْهُ فَقتله وَهُوَ ميت رِوَايَة أَن شيرويه لما أَرَادَ قتل أَبِيه بعث إِلَيْهِ من يقْتله فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ إِنِّي أدلك على شَيْء لوُجُوب حَقك يكون فِيهِ غناك قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ الصندوق الْفُلَانِيّ فَذهب الرجل إِلَى شيرويه فَأخْبرهُ الْخَبَر فَأخْرج الصندوق وَفِيه حق فِيهِ حب وَثمّ مَكْتُوب من اخذ مِنْهُ وَاحِدَة افتض عشرَة أبكار فطمع شيرويه فِي صِحَة ذَلِك فَأَخذه وَعوض الرجل مِنْهُ ثمَّ أَخذ مِنْهُ حَبَّة فَكَانَ هَلَاكه وَكَانَ كسْرَى أول ميت أَخذ بثأره من حَيّ
هزم بعض الْمُلُوك فنثر لطالبيه زجاجاً ملوناً شَبِيها بالجوهر الْأَحْمَر والأخضر ودنانير صفراً مطلية بِالذَّهَب فتشاغل طالبوه بلقطها فنجا علم بعض الْمُلُوك بسكر يَطْلُبهُ فَأخذ شَعِيرًا فطبخه بِالْمَاءِ مَعَ قضبان الدفلى ثمَّ جففه ثمَّ جربه فِي دَابَّة فَلَمَّا أَكلته نفقت من يَوْمهَا فَخرج هُوَ وَعَسْكَره نَاحيَة ونثر الشّعير والميرة فَلَمَّا سَار الْقَوْم إِلَيْهِ ترك مَا فِي مُعَسْكَره وَتَنَحَّى فجاؤوا فأطلقوا دوابهم فِي الشّعير فَهَلَكت كلهَا
стр. 164
حَارب قوم وَمَعَهُمْ فيلة فقهروا عدوهم فَأَشَارَ على الْعَدو رجل أَن يحملوا خنزيراً وَأَن يضربوه فَلَمَّا سَمِعت الفيلة صَوته هربت جَاءَ رجل مَعَه هر تَحت حضنه وَمَشى بِسَيْفِهِ إِلَى الْفِيل فَلَمَّا دنا مِنْهُ رمى بالهر فِي وَجهه فَأَدْبَرَ الْفِيل هَارِبا وتساقط من كَانَ فَوْقه فَكبر الْمُسلمُونَ وَكَانَ سَبَب الْهَزِيمَة قيل لأسلم بن زراعة أَن انْهَزَمت من أَصْحَاب مرداس بن أدية يغْضب عَلَيْك الْأَمِير عبيد الله بن زِيَاد قَالَ يغْضب عَليّ وَأَنا حَيّ أحب من أَن يرضى عني وَأَنا ميت
خرج أَمِير وَمَعَهُ رجل فِيهِ ذكاء فَبَيْنَمَا هم على الْغَدَاء قَالَ للأمير اركب فقد لحقنا الْعَدو قَالَ كَيفَ وَمَا يرى أحد قَالَ اركب عَاجلا فَإِن الْأَمر أسْرع مِمَّا تحسب فَركب وَركب النَّاس فلاحت الغبرة وطلع عَلَيْهِم سرعَان الْخَيل فَعجب الْأَمِير وَقَالَ كَيفَ علمت قَالَ أما رَأَيْت الْوَحْش مقبلة علينا وَمن شَأْن الوحوش الْهَرَب منا فَعلمت أَنَّهَا لم تدع عاداتها إِلَّا لأمر قد دهمها وَالله الْمُوفق
الْبَاب السَّادِس وَالْعشْرُونَ فِي ذكر طرف من فطن المتطببين
قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الْأمين حَدثنَا بعض الْأَطِبَّاء الثِّقَات أَن غُلَاما من بَغْدَاد قدم الرّيّ فَلحقه فِي طَرِيقه أَنه كَانَ ينفث الدَّم فاستدعى أَبَا بكر الرَّازِيّ الطَّبِيب الْمَشْهُور بالحذق فَأرَاهُ مَا ينفث وَوصف لَهُ مَا يجد فَنظر إِلَى نبضه وقارورته واستوصف حَاله فَلم يقم لَهُ دَلِيل على سل وَلَا قرحَة وَلم يعرف الْعلَّة فاستنظر العليل لينْظر فِي حَاله فَاشْتَدَّ الْأَمر على الْمَرِيض وَقَالَ هَذَا يأس لي من الْحَيَاة لحذق المتطبب وجهله بِالْعِلَّةِ فَزَاد ألمه ففكر الرَّازِيّ ثمَّ عَاد إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَن الْمِيَاه الَّتِي شرب فَقَالَ من صهاريج
стр. 165
ومسقفات فَثَبت فِي نفس الرَّازِيّ بحدة خاطره وجودة ذكائه أَن علقَة كَانَت فِي المَاء وَقد حصلت فِي معدته وَذَلِكَ الدَّم من فعلهَا فَقَالَ إِذا كَانَ فِي غَد عالجتك وَلَكِن بِشَرْط أَن تَأمر غلمانك أَن يطيعوني فِيك بِمَا آمُرهُم قَالَ نعم فَانْصَرف الرَّازِيّ فَجمع مركنين كبيرين من طحلب فأحضرهما فِي غَد مَعَه فَأرَاهُ إيَّاهُمَا قَالَ ابلع جَمِيع مَا فِي هذَيْن المركنين فَبَلع شَيْئا يَسِيرا ثمَّ وقف قَالَ ابلع قَالَ لَا أَسْتَطِيع فَقَالَ للغلمان خذوه فأقيموه فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِك وطرحوه على قَفاهُ وفتحوا فَاه فَأقبل الرَّازِيّ يدس الطحلب فِي حلقه ويكبسه كبساً شَدِيدا ويطالبه ببلعه ويتهدده بِأَن يضْرب إِلَى أَن بلعه كَارِهًا أحد المركنين بأسره وَالرجل يستغيث وَيَقُول السَّاعَة قذف فَزَاد الرَّازِيّ فِيمَا يسكبه فِي حلقه فذرعه الْقَيْء فَتَأمل الرَّازِيّ مَا قذف فَإِذا فِيهِ علقَة وَإِذا هِيَ لما وصل إِلَيْهَا الطحلب قربت إِلَيْهِ بالطبع وَتركت موضعهَا فَالْتَفت على الطحلب ونهض العليل معافى
حَدثنَا عَليّ بن الْحسن الصيدلاني قَالَ كَانَ عندنَا غُلَام حدث من أَوْلَاد النبا فَلحقه وجع فِي معدته شَدِيد بِلَا سَبَب يعرفهُ فَكَانَت تضرب عَلَيْهِ أَكثر الْأَوْقَات ضربا عَظِيما حَتَّى يكَاد يتْلف وَقل أكله وَنحل جِسْمه فَحمل إِلَى الأهواز فعولج بِكُل شَيْء فَلم ينجح فِيهِ ورد إِلَى بَيته وَقد يئس مِنْهُ فَجَاز بعض الْأَطِبَّاء فَعرف حَاله فَقَالَ للعليل اشرح لي حالك من زمن الصِّحَّة فشرح إِلَى أَن قَالَ دخلت بستاناً فَكَانَ فِي بَيت الْبَقر رمان كثير للْبيع فَأكلت مِنْهُ كثيرا قَالَ كَيفَ كنت تَأْكُله قَالَ كنت أعض رَأس الرمانة بفمي وأرمي بِهِ وأكسرها قطعا وآكل فَقَالَ الطَّبِيب غَدا أعالجك بِإِذن الله تَعَالَى فَلَمَّا كَانَ الْغَد جَاءَ بِقدر اسفيداج قد طبخها من لحم جرو سمين فَقَالَ للعليل كل هَذَا قَالَ العليل مَا هُوَ قَالَ إِذا أكلت عرفتك فَأكل العليل فَقَالَ لَهُ امتليء مِنْهُ فَامْتَلَأَ ثمَّ قَالَ لَهُ أَتَدْرِي أَي شَيْء أكلت قَالَ لَا قَالَ لحم كلب فَانْدفع يقذف فَتَأمل الْقَذْف إِلَى أَن طرح
стр. 166
العليل شَيْئا أسود كالنواة يَتَحَرَّك فَأَخذه الطَّبِيب وَقَالَ ارْفَعْ رَأسك فقد برأت فَرفع رَأسه فَسَقَاهُ شَيْئا يقطع الغثيان وصب على وَجهه مَاء ورد ثمَّ أرَاهُ الَّذِي وَقع فَإِذا هُوَ قرداً فَقَالَ أَن الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ الرُّمَّان كَانَ فِيهِ قردان من الْبَقر وَأَنه حصلت مِنْهُم وَاحِدَة فِي رَأس إِحْدَى الرمانات الَّتِي اقتلعت رؤوسها بفيك فَنزل القرد إِلَى حلقك وعلق بمعدتك يمتصها وَعلمت أَن القراد تهش إِلَى لحم الْكَلْب فَإِن لم يَصح الظَّن لم يَضرك مَا أكلت فصح فَلَا تدخل فمك شَيْئا لَا تَدْرِي مَا فِيهِ وَالله الْمُوفق
حَدثنَا أَبُو إِدْرِيس الْخَولَانِيّ قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول مَا أَفْلح سمين قطّ إِلَّا أَن يكون مُحَمَّد بن الْحسن وَقيل لَهُ قَالَ لَا تَغْدُو الْعَاقِل إِحْدَى خَصْلَتَيْنِ إِمَّا أَن يهتم لآخرته ومعاده أَو الدُّنْيَا ومعاشه والشحم مَعَ الْهم لَا ينْعَقد فَإِذا خلا من الْمَعْنيين صَار فِي حد الْبَهَائِم فانعقد الشَّحْم ثمَّ قَالَ كَانَ ملك فِي الزَّمَان الأول وَكَانَ مُثقلًا كثيرا الشَّحْم لَا ينْتَفع بِنَفسِهِ فَجمع المتطببين وَقَالَ احْتَالُوا إليّ بحيلة يخفّ عني لحمي هَذَا قَلِيلا قَالَ فَمَا قدرو لَهُ على شَيْء قَالَ فَبعث لَهُ رجل عَاقل أديب متطبب فاره فَبعث إِلَيْهِ وأشحصه فَقَالَ لَهُ عالجني وَلَك الْغنى قَالَ أصلح الله الْملك أَنا متطبب منجم دَعْنِي حَتَّى أنظر اللَّيْلَة فِي طالعك أَي دَوَاء يُوَافق طالعك فأسقيك قَالَ فغدا عَلَيْهِ فَقَالَ أَيهَا الْملك الْأمان قَالَ لَك الْأمان قَالَ رَأَيْت طالعك يدل على أَن الْبَاقِي من عمرك شهر فَإِن أَحْبَبْت عالجتك وَإِن أردْت بَيَان ذَلِك فاحبسني عنْدك فَإِن كَانَ لقولي حَقِيقَة فَخَل عني وَإِلَّا فاستقص مني قَالَ فحبسه قَالَ ثمَّ رفع الْملك الملاهي واحتجب عَن النَّاس وخلا وَحده مهتماً كلما انْسَلَخَ يَوْم ازْدَادَ غماً حَتَّى هزل وخف لَحْمه وَمضى لذَلِك ثَمَان وَعِشْرُونَ يَوْمًا فَبعث إِلَيْهِ وَأخرجه فَقَالَ مَا ترى قَالَ أعز الله الْملك أَنا أَهْون على الله من أَن أعلم الْغَيْب وَالله مَا أعرف عمري فَكيف أعرف عمرك
стр. 167
إِنَّه لم يكن عِنْدِي دَوَاء إِلَّا الْغم فَلم أقدر أَن أجلب إِلَيْك الْغم إِلَّا بِهَذِهِ الْعلَّة فأذاب شَحم الْكُلِّي فَأَجَازَهُ وَأحسن إِلَيْهِ حَدثنَا أَبُو الْحسن بن الْحسن بن مُحَمَّد الصَّالِحِي الْكَاتِب قَالَ رَأَيْت بِمصْر طَبِيبا كَانَ بهَا مَشْهُورا يعرف بالقطيعي وَقَالَ أَنه يكْسب فِي كل شهر ألف دِينَار من جرايات يجريها عَلَيْهِ قوم من رُؤَسَاء الْعَسْكَر وَمن السُّلْطَان وَمِمَّا يَأْخُذهُ من الْعَامَّة قَالَ وَكَانَ لَهُ دَار قد جعلهَا شبه المرستان من جملَة دَاره يأوي إِلَيْهَا الضُّعَفَاء والمرضى فيداويهم وَيقوم بأغذيتهم وأدويتهم وَخدمَتهمْ وَينْفق أَكثر كَسبه فِي ذَلِك فاتفق أَن بعض فتيَان الرؤساء بِمصْر أسكت قَالَ فَجعل إِلَيْهِ أهل الطِّبّ وَفِيهِمْ الْقطيعِي فاجمعوا على مَوته إِلَّا الْقطيعِي وَعمل أَهله على غسله وَدَفنه فَقَالَ الْقطيعِي أعَالجهُ وَلَيْسَ يلْحقهُ أَكثر من الْمَوْت الَّذِي قد أجمع هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ فَخَلَّاهُ أَهله مَعَه فَقَالَ هَات غُلَاما جلدا ومقارع فَأتى بذلك فَأمر بِهِ فَمد وضربه عشر مقارع أَشد الضَّرْب قُم مس جسده ثمَّ ضربه عشرا أخر ثمَّ جس مجسه ثمَّ ضربه عشر أخر ثمَّ جس مجسه وَقَالَ أَيكُون للْمَيت نبض قَالُوا لَا قَالَ فجسوا نبض هَذَا فجسوه فَأَجْمعُوا أَنه نبض متحرك فَضَربهُ عشر مقارع أخر ثمَّ جسوه فجسوه فَقَالُوا لقد زَاد نبضه فَضَربهُ عشرا أخر فتقلب فَضَربهُ عشرا فتأوه فَضَربهُ عشرا فصاح فَقطع عَنهُ الضَّرْب فَجَلَسَ العليل يتأوه فَقَالَ لَهُ مَا تَجِد قَالَ أَنا جَائِع فَقَالَ أطعموه فجاؤا بِمَا أكله فَرَجَعت قوته وقمنا وَقد برأَ فَقَالَ لَهُ الْأَطِبَّاء من أَيْن لَك هَذَا كنت مُسَافِرًا فِي قافلة فِيهَا أَعْرَاب يخفرونا فَسقط مِنْهُم فَارس عَن فرسه فأسكت فَقَالُوا قد مَاتَ فَعمد شيخ مِنْهُم فَضَربهُ ضربا شَدِيدا عَظِيما وَمَا رفع الضَّرْب عَنهُ حَتَّى أَفَاق فَعلمت أَن الضَّرْب جلب إِلَيْهِ حرارة أزالت سكتته فقست عَلَيْهِ أَمر هَذَا العليل
قَالَ أَبُو مَنْصُور بن مَارِيَة وَكَانَ من رُؤَسَاء الْبَصْرَة قَالَ أَخْبرنِي
стр. 168
شُيُوخنَا قَالَ كَانَ بعض أهلنا قد استسقى وَأَيِسُوا من حَيَاته فَحمل إِلَى بَغْدَاد وشاورا الْأَطِبَّاء فِيهِ فوصفوا لَهُ أدوية كبار فعرفوا أَنه قد تنَاولهَا فَلم تَنْفَع فأيسوا من حَيَاته وَقَالُوا لَا حِيلَة لنا فِي برئه فَسمع العليل فَقَالَ دَعونِي الْآن أتزود من الدُّنْيَا وآكل مَا أشتهي وَلَا تقتلوني بالحمية فَقَالُوا كل مَا تُرِيدُ فَكَانَ يجلس بِبَاب الدَّار فمهما اجتاز بِهِ اشْتَرَاهُ وَأكله فَمر بِهِ رجل يَبِيع جَرَادًا مطبوخاً فَاشْترى مِنْهُ عشرَة أَرْطَال فَأكلهَا بأسرها فانحل طبعه فَقَامَ فِي ثَلَاثَة أَيَّام أَكثر من ثَلَاثمِائَة مجْلِس وَكَاد يتْلف ثمَّ انْقَطع الْقيام وَقد زَالَ كل مَا كَانَ فِي جَوْفه وثابت قوته فبرأ خرج يتَصَرَّف فِي حَوَائِجه فَرَآهُ بعض الْأَطِبَّاء فَعجب من أمره وَسَأَلَهُ عَن الْخَبَر فَعرفهُ فَقَالَ لَيْسَ من شَأْن الْجَرَاد أَن يفعل هَذَا الْفِعْل وَلَا بُد أَن يكون فِي الْجَرَاد الَّذِي فعل هَذَا خاصية فَأحب أَن تدلني على صَاحب هَذَا الْجَرَاد الَّذِي بَاعه لَك فَمَا زَالا فِي طلبه حَتَّى علما بِهِ فَرَآهُ الطَّبِيب فَقَالَ لَهُ مِمَّن اشْتريت هَذَا الْجَرَاد فَقَالَ مَا اشْتَرَيْته أَنا أصيده وَأجْمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا وأطبخه وأبيعه قَالَ فَمن أَيْن تصطاده فَذكر لَهُ مَكَانا على فراسخ يسيرَة من بَغْدَاد فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب أُعْطِيك دِينَارا أَو تَجِيء معي إِلَى الْموضع الَّذِي اصطدت مِنْهُ الْجَرَاد قَالَ نعم فَخَرَجَا وَعَاد الطَّبِيب من الْغَد وَمَعَهُ من الْجَرَاد شَيْء وَمَعَهُ حشيشه فَقَالُوا لَهُ مَا هَذَا قَالَ صادفت الْجَرَاد الَّذِي يصيده هَذَا الرجل يرْعَى فِي صحراء جَمِيع نباتها حشيشة يُقَال لَهَا مازريون وَهِي من دَوَاء الاسْتِسْقَاء فَإِذا دفع إِلَى العليل مِنْهَا وزن دِرْهَم أسهله إسهالاً عَظِيما لَا يُؤمن أَن يَنْضَبِط والعلاج بهَا خطر وَلذَلِك مَا يكَاد يصفها الْأَطِبَّاء فَلَمَّا وَقع الْجَرَاد على هَذِه الحشيشة ونضجت فِي معدته ثمَّ طبخ الْجَرَاد ضعف فعلهَا بطبختين فاعتدلت بِمِقْدَار مَا أبرأت هَذَا
قَالَ أَبُو بكر الجفاني دخلت يَوْمًا على القَاضِي حُسَيْن بن أبي عمر وَهُوَ مهموم حَزِين فَقلت لَا يغم الله قَاضِي الْقُضَاة أبدا وَمن يزِيد
стр. 169
المائي حَتَّى إِذا مَاتَ يغتم عَلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاة هَذَا الْغم كُله فَقَالَ وَيحك مثلك يَقُول هَذَا فِي رجل أوحد فِي صناعته قد مَاتَ وَلَا خلف لَهُ يُقَارِبه فِي حدقه وَهل فَخر الْبَلَد إِلَّا أَن يكون رُؤَسَاء الصَّاع وحذاق أهل الْعُلُوم فِيهِ فَإِذا مضى رجل لَا مثل لَهُ فِي صناعَة لَا بُد للنَّاس مِنْهَا فَهَلا يدل هَذَا لأمر على نُقْصَان الْعلم وانحطاط الْبلدَانِ ثمَّ أَخذ يعدد فضائله والأشياء الظريفة الَّتِي عالج بهَا والعلل الصعبة الَّتِي زَالَت بتدبيره فَذكر من ذَلِك أَشْيَاء كَثِيرَة وَمِنْهَا أَنه قَالَ لقد أَخْبرنِي من مُدَّة مديدة رجل من جلة هَذَا الْبَلَد أَنه كَانَ حدث بابنة لَهُ عِلّة ظريفة فكتمتها عَنهُ اطلع عَلَيْهَا فكتمها هُوَ مُدَّة ثمَّ انْتهى أمرهَا إِلَى الْمَوْت قَالَ فَقلت لَا يسعني كتم هَذَا أَكثر من هَذَا قَالَ وَكَانَت الْعلَّة أَن فرج الصبية كَانَ يضْرب عَلَيْهَا ضرباناً عَظِيما لَا تكَاد تنام مِنْهُ اللَّيْل وَلَا تهدأ بِالنَّهَارِ وتصرخ من ذَلِك أعظم صُرَاخ وَيجْرِي فِي خلال ذَلِك مِنْهُ دم يسير كَمَاء اللَّحْم وَلَيْسَ هُنَاكَ جرح يظْهر وَلَا ورم كثير فَلَمَّا خفت المأتم ثمَّ أحضرت يزِيد فشاورته فَقَالَ تَأذن لي فِي الْكَلَام وتبسط عُذْري فِيهِ فَقلت نعم فَقَالَ أَنه لَا يمكنني أَن أصف شَيْئا دون أَن أشاهد الْموضع وأفتشه بيَدي واسأل الْمَرْأَة عَن أَسبَاب لَعَلَّهَا كَانَت الجالبة لِلْعِلَّةِ قَالَ فلعظم الصُّورَة وبلوغها حد التّلف أمكنه من ذَلِك فَأطَال مساءلتها وحديثها بِمَا لَيْسَ من جنس الْعلَّة بعد أَن حبس الْموضع حَتَّى عرف بقمة الْأَلَم حَتَّى كدت أَن أثب بِهِ ثمَّ تصبرت وَرجعت إِلَى مَا أعرفهُ من ستراه فَصَبَرت على مضض إِلَى أَن قَالَ تَأمر من يمْسِكهَا فَفعلت ثمَّ أَدخل يَده فِي الْموضع دُخُولا شَدِيدا فصاحت الصبية وأغمي عَلَيْهَا وانبعث الدَّم فَأخْرج فِي يَده حَيَوَانا أقل من الخنفساء فَرمى بِهِ فَجَلَست الِابْنَة فِي الْحَال واستترت وَقَالَت يَا أَبَت استرني فقد عوفيت قَالَ فَأخذ الْحَيَوَان فِي يَده وَخرج من الْموضع فلحقته وأجلسته وَقلت أَخْبرنِي مَا هَذَا قَالَ أَن تِلْكَ الْمَسْأَلَة الَّتِي لم أَشك أَنَّك أنكرتها إِنَّمَا كَانَت لأطلب شَيْئا أستدل بِهِ على الْعلَّة إِلَى أَن قَالَت
стр. 170
لي أَن يَوْمًا من الْأَيَّام جَلَست فِي بَيت دولاب الْبَقر من بُسْتَان لكم ثمَّ حدثت الْعلَّة بهَا من غير سَبَب تعرفه من بعد ذَلِك الْيَوْم فتخايلت أَنه قد دب إِلَى فرجهَا من القردان وَكلما امتص من مَوْضِعه ولد الضربان وَأَنه إِذا شبع نقط من الْفرج الَّذِي يمتص مِنْهُ إِلَى خَارج الْفرج هَذِه النقطة الْيَسِيرَة من الدَّم فَقلت أَدخل يَدي وأفتش فأدخلت يَدي فَوجدت القراد فَأَخْرَجته وَهُوَ هَذَا الْحَيَوَان وَقد كبر وتغيرت صورته لِكَثْرَة مَا يمص من الدَّم على طول الْأَيَّام قَالَ فتأملت الْحَيَوَان فَإِذا هُوَ قراد قَالَ بَرِئت الصبية قَالَ فَقَالَ لي أَبُو الْحسن القَاضِي هَل بِبَغْدَاد الْيَوْم من لَهُ صناعَة مثل هَذَا فَكيف لَا أغتم بِمن هَذَا بعض حذقه
قَالَ جِبْرِيل بن بختيشوع كنت مَعَ الرشيد بالرقة وَمَعَهُ مُحَمَّد والمأمون وَكَانَ رجلا كثير الْأكل وَالشرب فَأكل يَوْمًا أَشْيَاء خلط فِيهَا وَدخل المستراح فَغشيَ عَلَيْهِ فَأخْرج وقوى الْأَمر حَتَّى لم يشكوا فِي مَوته فأحضرت وجسيت عرقه فَوجدت نبضاً خفِيا وَقد كَانَ قبل ذَلِك بأيام يشكو امتلاء وحركة الدَّم فَقلت الصَّوَاب أَن يحتجم السَّاعَة فَقَالَ كوثر الْخَادِم لما لم تقدر من أَمر الْخَلِيفَة يَا ابْن الفاعلة تَقول أحجموا رجلا مَيتا لَا نقبل قَوْلك وَلَا كَرَامَة فَقَالَ الْمَأْمُون الْأَمر قد وَقع وَلَيْسَ يضر أَن تحجمه فأحضر الْحجام وَتَقَدَّمت إِلَى جمَاعَة من الغلمان بإمساكه ومص الْحجام المحاجم فاحمر الْمَكَان فَفَرِحت ثمَّ قلت اشرطه فشرطه فَخرج الدَّم فسجدت شكرا فَكلما خرج الدَّم أَسْفر لَونه إِلَى أَن تكلم وَقَالَ أَيْن أَنا أَنا جَائِع فغديناه وعوفي فَسَأَلَ صَاحب الحرس عَن علته فَعرفهُ أَنَّهَا ألف دِرْهَم فِي كل سنة وَسَأَلَ صَاحبه فَعرفهُ أَنَّهَا خَمْسمِائَة ألف فَقَالَ يَا جِبْرِيل كم عَلَيْك قلت خَمْسُونَ ألفا قَالَ مَا أنصفناك إِذا غلات هَؤُلَاءِ وهم يحرسوني كَذَلِك وغلتك كَمَا ذكرت فَأمر بإقطاعه ألف ألف دِرْهَم
стр. 171
حَدثنَا أَبُو الْحسن الْمهْدي الْقزْوِينِي قَالَ كَانَ عندنَا طَبِيب يُقَال لَهُ ابْن نوح فلحقتني سكتة فَلم يشك أَهلِي فِي موتِي وغسلوني وكفنوني وحملوني على الْجِنَازَة فمرت الْجِنَازَة عَلَيْهِ وَنسَاء خَلْفي يصرخن فَقَالَ لَهُم إِن صَاحبكُم حَيّ فدعوني أعَالجهُ فصاحوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم النَّاس دَعوه يعالجه فَإِن عَاشَ وَإِلَّا فَلَا ضَرَر عَلَيْكُم فَقَالُوا نَخَاف أَن تصير فضيحة فَقَالَ عَليّ أَن لَا تصير فضيحة قَالُوا فَإِن صرنا قَالَ حكم السُّلْطَان فِي أَمْرِي وَإِن برأَ فَأَي شَيْء لي قَالُوا مَا شِئْت قَالَ دِيَته قَالُوا لَا نملك ذَلِك فَرضِي مِنْهُم بِمَال أَجَابَهُ الْوَرَثَة إِلَيْهِ وحملني فَأَدْخلنِي الْحمام وعالجني وَافَقت فِي السَّاعَة الرَّابِعَة وَالْعِشْرين من ذَلِك الْوَقْت وَوَقعت البشائر وَدفع إِلَيْهِ المَال فَقلت للطبيب بعد ذَلِك من أَيْن عرفت هَذَا فَقَالَ رَأَيْت رجليك فِي الْكَفَن منتصبة وأرجل الْمَوْتَى منبسطة وَلَا يجوز انتصابها فَعلمت انك حَيّ وخمنت أَنَّك أسكت وجربت عَلَيْك فَصحت تجربتي
قَالَ أَبُو أَحْمد الْحَارِثِيّ كَانَ طَبِيب نَصْرَانِيّ يُقَال لَهُ مُوسَى بن سِنَان قد أَتَى بِرَجُل منتفخ الذّكر لَا يقدر أَن يَبُول وَهُوَ يستغيث ويصيح فَسَأَلَهُ عَن علته فَذكر أَنه لم يبل مُنْذُ أَيَّام وَرَأى ذكره منتفخاً فَنظر فِي حَاله فَلم يجد شَيْئا يُوجب عسر الْبَوْل وَلَا حَصَاة فَتَركه عِنْده يَوْمًا يسْأَله فَقَالَ لَهُ حَدثنِي أدخلت ذكرك فِي شئ لم تجر عَادَة النَّاس بِهِ فلحقك هَذَا فَسكت الرجل واستحى فَلم يزل الطَّبِيب يبسطه ويشرط لَهُ الكتمان إِلَى أَن قَالَ نكحت حمارا ذكرا فَقَالَ الطَّبِيب هاتوا مطرقة وغلمانا فجاؤه فأمسكوا الرجل وَجعل ذكره على سندان حداد وطرقه بالمطرقة مرّة وَاحِدَة وجيعة فبرزت شعيرَة وَذَاكَ أَنه خمن أَن شعيرَة من جاعرة الْحمار قد دخلت فِي ثقب الذّكر فَلَمَّا طرقها خرجت
حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم الْجُهَنِيّ أَن حظية لبَعض الْخُلَفَاء أَظُنهُ الرشيد
стр. 172
قَامَت لتتمطى فَلَمَّا تمطت جَاءَت لنرد يَدهَا فَلم تقدر وبقيتا حافتين فصاحت وآلمها ذَلِك وَبلغ الْخَلِيفَة فَدخل وَشَاهد من أمرهَا مَا أقلته وشاور الْأَطِبَّاء فَكل قَالَ شَيْئا واستعلمه فَلم ينجح وَبقيت الْجَارِيَة على تِلْكَ الصُّورَة أَيَّامًا والخليفة قلق بهَا فَجَاءَهُ أحد الْأَطِبَّاء فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا دَوَاء لَهَا إِلَّا أَن يدْخل إِلَيْهَا رجل غَرِيب فيخلو بهَا ويمرخها مروخا بعرفه فَأَجَابَهُ الْخَلِيفَة إِلَى ذَلِك طلبا لعافيتها فأحضر الطَّبِيب رجلا وَأخرج من كمه دهناً وَقَالَ أُرِيد أَن تَأمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بتعريتها حَتَّى أمرح جَمِيع أعضائها بِهَذَا الدّهن فشق ذَلِك عَلَيْهِ ثمَّ أَمر أَن يفعل ذَلِك وَوضع فِي نَفسه قتل الرجل وَقَالَ للخادم خُذْهُ فَأدْخلهُ عَلَيْهَا بعد أَن تعريها فعريت الْجَارِيَة وأقيمت فَلَمَّا دخل الرجل وَقرب مِنْهَا سعى إِلَيْهَا وَأَوْمَأَ إِلَى فرجهَا ليمسه فغطت الْجَارِيَة فرجهَا بِيَدِهَا ولشدة مَا داخلها من الْحيَاء والجزع حمى بدنهَا بانتشار الْحَرَارَة الغريزية فعاونتها على مَا أَرَادَت من تَغْطِيَة فرجهَا وَاسْتِعْمَال بدنهَا فِي ذَلِك فَلَمَّا غطت فرجهَا قَالَ لَهَا الرجل قد برأت فَلَا تحركي يَديك فَأَخذه الْخَادِم وَجَاء بِهِ إِلَى الرشيد وَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ لَهُ الرشيد كَيفَ تعْمل بِمن شَاهد فرج حرمتنا فجذب الطَّبِيب بِيَدِهِ لحية الرجل فَإِذا هِيَ ملصقة فانفعلت فَإِذا الشَّخْص جَارِيَة وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا كنت لأبدي حرمتك للرِّجَال وَلَكِن خشيت أَنِّي أكشف لَك الْخَبَر فيتصل بالجارية فَتبْطل الْحِيلَة لِأَنِّي أردْت أَن أَدخل إِلَى قَلبهَا فَزعًا شَدِيدا بحمى طبعها ويقودها إِلَى الْحمل على يَديهَا وتحريكها وإعانة الْحَرَارَة الغريزية على ذَلِك فَلم يَقع لي غير هَذَا فأخبرتك بِهِ فأجزل الْخَلِيفَة جائزته وأصرفه قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَلِهَذَا اسْتعْملت الْأَطِبَّاء فِي علاج اللقوة الضعيفة الصفعة الشَّدِيدَة على غَفلَة من ضد الْجَانِب الملقوا ليدْخل قلب المصفوع مَا يحميه فيحول وَجهه ضَرُورَة بالطبع إِلَى حَيْثُ صفع فترجع لقُوته
روى الصَّلْت بن مُحَمَّد الجحدري قَالَ حَدثنَا بشر بن الْفضل
стр. 173
قَالَ خرجنَا حجاجاً فمررنا بمياه من مياه الْعَرَب فوصف لنا فِيهِ ثَلَاثَة أَخَوَات بالجمال وَقيل لنا إنَّهُنَّ يتطببن ويعالجن فأحببنا أَن نراهن فعمدنا إِلَى صَاحب لنا فحككنا سَاقه بِعُود حَتَّى أدميناه ثمَّ رفعناه على أَيْدِينَا وَقُلْنَا هَذَا سليم فَهَل من راق فَخرجت أصغرهن فَإِذا جَارِيَة كَالشَّمْسِ الطالعة فَجَاءَت حَتَّى وقفت عَلَيْهِ فَقَالَت لَيْسَ سليم قُلْنَا وَكَيف قَالَت لِأَنَّهُ خدشه عود بَالَتْ عَلَيْهِ حَيَّة ذكر وَالدَّلِيل أَنه إِذا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس مَاتَ فَلَمَّا طلعت الشَّمْس مَاتَ فعجبنا من ذَلِك شكا رجل إِلَى طَبِيب وجع بَطْنه فَقَالَ مَا الَّذِي أكلت قَالَ أكلت رغيفاً محترقاً فَدَعَا الطَّبِيب ليكحله بذور فَقَالَ الرجل إِنَّمَا اشْتَكَى وجع بَطْني لَا عَيْني قَالَ قد عرفت وَلَكِن أكحلك لتبصر المحترق فَلَا تَأْكُله
الْبَاب السَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي ذكر طرف من فطن المتطفلين
قَالَ الْأَصْمَعِي الطفيلي الدَّاخِل على الْقَوْم من غير أَن يدعى مَأْخُوذ من الطِّفْل وَهُوَ إقبال اللَّيْل على النَّهَار بظلمته وَأَرَادُوا أَن أمره يظلم على الْقَوْم فَلَا يَدْرُونَ من دَعَاهُ وَلَا كَيفَ دخل عَلَيْهِم قَالَ وَقَوْلهمْ طفيلي مَنْسُوب إِلَى طفيل رجل بِالْكُوفَةِ من بني غطفان وَكَانَ يَأْتِي الولائم من غير أَن يدعى إِلَيْهَا وَكَانَ يُقَال لَهُ طفيل الأعراس والعرائس
فِيهِ نظر لِأَن الْعَرَب تسمي الطفيلي الوارش والرائش وَالَّذِي يدْخل على الْقَوْم فِي شرابهم وَلم يدع إِلَيْهِ الواغل قَالَ أَبُو عبيده كَانَ رجل من بني هِلَال يُقَال لَهُ طفيل ابْن زلال إِذا سمع بِقوم عِنْدهم دَعْوَة أَتَاهُم فَأكل طعامهم فَسمى كل من فعل ذَلِك بِهِ روى ابْن مَسْعُود قَالَ كَانَ فِينَا رجل يُقَال لَهُ أَبُو شُعَيْب وَكَانَ لَهُ غُلَام لحام فَقَالَ لغلامه اجْعَل لي طَعَاما لعَلي أَدْعُو النَّبِي ﷺ فَدَعَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 174
خَامِس خَمْسَة فَتَبِعَهُ رجل فَقَالَ النَّبِي ﷺ للرجل أَنَّك دعوتني خَامِس خَمْسَة وَأَن هَذَا أتبعنا فَإِن أَذِنت وَإِلَّا رَجَعَ قَالَ بل ائْذَنْ لَهُ
حَدثنَا أَحْمد بن الْحسن الْمقري قَالَ مر بنان بعروس فَأَرَادَ الدُّخُول فَلم يقدر فَذهب إِلَى بقال فَوضع خَاتمه عِنْده على عشرَة أقداح عسلاً وَجَاء إِلَى بَاب الْعرس فَقَالَ يَا بواب افْتَحْ لي فَقَالَ لَهُ البواب من أَنْت قَالَ أَرَاك لَيْسَ تعرفنِي أَنا الَّذِي بعثوني أَشْتَرِي لَهُم الأقداح فَفتح لَهُ الْبَاب فَدخل فَأكل وَشرب مَعَ الْقَوْم فَلَمَّا فرغ أَخذ الأقداح فَقَالَ يَا بواب افْتَحْ لي يُرِيدُونَ ناصحيه حَتَّى أرد هَذِه فَخرج فَردهَا على الْبَقَّال وَأخذ خَاتمه قَالَ وَجَاء بنان إِلَى وَلِيمَة فأغلق الْبَاب دونه فاكترى سلما وَوَضعه على حَائِط للرجل فَأَشْرَف على عِيَال الرجل وَبنَاته فَقَالَ لَهُ الرجل يَا هَذَا أما تخَاف الله رَأَيْت أَهلِي وبناتي فَقَالَ يَا شيخ لقد علمت مَا لنا فِي بناتك من حق وَإنَّك لتعلم مَا نُرِيد فَضَحِك الرجل وَقَالَ لَهُ انْزِلْ فَكل
قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الْجلاب جَاءَ طفيلي إِلَى عرس فَمنع من الدُّخُول وَكَانَ يعلم أَن أَخا للعروس غَائِب فَذهب فَأخذ ورقة كاغد فطواها وختمها وَلَيْسَ فِي بَطنهَا شَيْء وَجعل فِي ظَاهرهَا من الْأَخ إِلَى الْعَرُوس وَجَاء فَقَالَ معي كتاب من أخي الْعَرُوس فَأذن لَهُ فَدخل فَدفع إِلَيْهِم الْكتاب فَقَالُوا مَا رَأينَا مثل هَذَا العنوان لَيْسَ عَلَيْهِ اسْم أحد فَقَالَ واعجب من هَذَا إِنَّه لَيْسَ فِي بطن الْكتاب وَلَا حرف وَاحِد لِأَنَّهُ كَانَ مستعجلاً فضحكوا مِنْهُ وَعرفُوا أَنه احتال لدُخُوله فقبلوه
قَالَ مَنْصُور بن عَليّ الْجَهْضَمِي كَانَ لي جَار طفيلي وَكَانَ من
стр. 175
أحسن النَّاس منْظرًا وأعذبهم منطقاً وأطيبهم رَائِحَة وأجملهم ملبوساً وَكَانَ من شَأْنه أَنِّي إِذا دعيت إِلَى دَعْوَة تَبِعنِي فيكرمه النَّاس من أَجلي ويظنون أَنه صَاحب لي فاتفق يَوْمًا أَن جَعْفَر بن الْقَاسِم الْهَاشِمِي أَمِير الْبَصْرَة أَرَادَ أَن يختن بعض أَوْلَاده فَقلت فِي نَفسِي كَأَنِّي بِرَسُولِهِ وَقد جَاءَ وَكَأَنِّي بِهَذَا الرجل قد تَبِعنِي وَالله لَئِن تَبِعنِي لأفضحنه فَأَنا على ذَلِك إِذْ جَاءَ الرَّسُول يدعوني فَمَا زِدْت على أَن لبست ثِيَابِي وَخرجت فَإِذا أَنا بالطفيلي وَاقِف على بَاب دَاره قد سبقني بالتأهب فتقدمت وتبعني فَلَمَّا دَخَلنَا دَار الْأَمِير جلسنا سَاعَة ودعي بِالطَّعَامِ وَحَضَرت الموائد وَكَانَ كل جمَاعَة على مائدة والطفيلي معي فَلَمَّا مد يَده ليتناول الطَّعَام قلت حَدثنَا درست ابْن زِيَاد عَن أبان بن طَارق عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من دخل دَار قوم بِغَيْر إذْنهمْ فَأكل طعامهم دخل سَارِقا وَخرج مغيرا فَلَمَّا سمع ذَلِك قَالَ أثبت لَك عثراً وَالله من هَذَا الكلاء فَإِنَّهُ مَا من أحد من الْجَمَاعَة إِلَّا وَهُوَ يظنّ أَنَّك تعرض بِهِ دون صَاحبه وَلَا تَسْتَحي أَن تحدث بِهَذَا الْكَلَام على مائدة سيد من أطْعم الطَّعَام وتبخل بِطَعَام غَيْرك على من سواك ثمَّ لَا تَسْتَحي أَن تحدث عَن درست بن زِيَاد وَهُوَ ضَعِيف عَن أبان بن طَارق وَهُوَ مَتْرُوك لحَدِيث يحكم بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ والمسلمون على خِلَافه لِأَن حكم السَّارِق الْقطع وَحكم المغير أَن يُعَزّر على مَا يرَاهُ الإِمَام وَأَيْنَ أَنْت عَن حَدِيث حَدثنَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَطَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَة وَطَعَام الْأَرْبَعَة يَكْفِي الثَّمَانِية وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح قَالَ مَنْصُور بن عَليّ فأفحمني فَلم يحصرني لَهُ جَوَاب فَلَمَّا خرجنَا من الْموضع للانصراف فارقني من جَانب الطَّرِيق إِلَى الْجَانِب الآخر بعد أَن كَانَ يمشي ورائي وسمعته يَقُول
стр. 176
(وَمن ظن مِمَّن يلاقي الحروب ... بِأَن لَا يصاب فقد ظن عَجزا)
عَن عبيد الله مُحَمَّد ن عمرَان المرزباني قَالَ كَانَ طفيلي العرائس الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الطفيليون يُوصي ابْنه عبد الحميد بن طفيل فِي علته الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَيَقُول لَهُ إِذا دخلت عرساً فَلَا تلْتَفت تلفت الْمُرِيب وتخير الْمجَالِس فَإِن كَانَ الْعرس كثير الزحام فَأمر وانهِ وَلَا تنظر فِي عُيُون أهل الْمَرْأَة وَلَا فِي عُيُون أهل الرجل ليظن هَؤُلَاءِ أَنَّك من هَؤُلَاءِ فَإِن كَانَ البواب غليظاً وقاحاً فابدأ بِهِ ومره وانه من غير أَن تعنف بِهِ وَعَلَيْك بِكَلَام بَين النَّصِيحَة والأدلال ثمَّ انشد وَقَالَ
(لَا تجزعن من الْغَرِيب ... وَلَا من الرجل الْبعيد)
(وادخل كَأَنَّك طابخ ... بيديك مغرفة الْحَدِيد)
(متدلياً فَوق الطَّعَام ... تدلي الباز الصيود)
(لتلف مَا فَوق الموائد ... كلهَا لف الفهود)
(واطرح حياءك إِنَّمَا ... وَجه الطفيلي من حَدِيد)
(لَا تلْتَفت نَحْو الْبُقُول ... وَلَا إِلَى غرف الثَّرِيد)
(حَتَّى إِذا جَاءَ الطَّعَام ... ضربت فِيهِ كالشديد)
(وَعَلَيْك بالفالوذجات ... فَإِنَّهَا عين القصيد)
(هَذَا إِذا حررتهم ... ودعوتهم هَل من مزِيد)
(والعرس لَا يَخْلُو من ... اللوزينج الرطب الفنيد)
(فَإِذا أتيت بِهِ محوت ... محَاسِن الْجَام الْجَدِيد)
قَالَ ثمَّ أغمى عَلَيْهِ عِنْد ذكر اللوزينج سَاعَة فَلَمَّا أَفَاق رفع رَأسه قَالَ
(وتنقلن على الموائد ... فعل شَيْطَان مُرِيد)
стр. 177
(وَإِذا انْتَقَلت عبثت ... بالكعك المجفف والقديد)
(يارب أَنْت رزقتني ... هَذَا على رغم الحسود)
(وَاعْلَم أَنَّك إِن قبلت ... نعمت يَا عبد الحميد)
قَالَ عَليّ بن المحسن بن عَليّ القَاضِي عَن أَبِيه قَالَ صحب طفيلي رجلا فِي سفر فَقَالَ لَهُ الرجل امضِ فاشتر لنا لَحْمًا قَالَ لَا وَالله مَا أقدر فَمضى هُوَ اشْترى ثمَّ قَالَ لَهُ قُم فاطبخ قَالَ لَا أحسن فطبخ الرجل ثمَّ قَالَ لَهُ قُم فاثرد قَالَ أَنا وَالله كسلان فثرد الرجل ثمَّ قَالَ لَهُ قُم واغرف قَالَ أخْشَى أَن يَنْقَلِب على ثِيَابِي فغرف الرجل ثمَّ قَالَ لَهُ قُم الْآن فَكل قَالَ الطفيلي قد وَللَّه استحييت من كَثْرَة خلافي لَك وَتقدم فَأكل
قَالَ الجاحظ قلت لأبي سعد الطفيلي كم أَرْبَعَة فِي أَرْبَعَة قَالَ رغيفين وَقطعَة لحم وَقَالَ الْمبرد قيل لطفيلي كم اثْنَيْنِ فِي اثْنَيْنِ فَقَالَ أَرْبَعَة أرغفة وَقَالَ مرّة أُخْرَى انتظرته مِقْدَار مَا يَأْكُل الْإِنْسَان رغيفاً وَقَالَ أَبُو هفان قيل لطفيلي كم أَرْبَعَة فِي أَرْبَعَة قَالَ سِتَّة عشر رغيفاً قَالَ وتطفل رجل مرّة على رجل فَقَالَ لَهُ صَاحب الْمنزل من أَنْت قَالَ أَنا الَّذِي لم أحوجك إِلَى رَسُول اجْتمع جمَاعَة على عصيدة فَأخذ بَعضهم لقْمَة وَأَلْقَاهَا فِي السّمن وَقَالَ فكبكبوا فِيهَا هم والغاوون وجر السّمن إِلَيْهِ وَقَالَ الآخر إِذا ألقوا فِيهَا سمعُوا لَهَا شهيقاً وَهِي تَفُور وجر السّمن إِلَيْهِ وَقَالَ الآخر وبئر معطلة وَقصر مشيد وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ الآخر أخرقتها لتغرق أَهلهَا لقد جِئْت شَيْئا أمرا وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ الآخر إِنَّا نسوق المَاء إِلَى الأَرْض الجرز وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ الآخر فيهمَا عينان تجريان وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ الآخر فيهمَا عينان نضاختان وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ الآخر فَالتقى المَاء على أَمر قدر وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ
стр. 178
الآخر فسقناه إِلَى بلد ميت وجر السّمن إِلَيْهِ فَقَالَ آخر وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك وَيَا سَمَاء أقلعي وخلط السّمن بِمَا بَقِي من العصيدة فَأَخذه كُله
جَاءَ طفيلي إِلَى بَيت رجل مَعَ جمَاعَة فَقَالَ لَهُ الرجل من أَنْت فَقَالَ إِذا كنت لَا تدعونا وَنحن لَا نأتي صَار فِي هَذَا نوع جفَاء عرس طفيلي فَأَتَاهُ طفيليان فِي أول النَّاس فأدخلهما وَجَاء إِلَى غرفَة لَهُ يرتقي إِلَيْهَا بسلم فَوضع السّلم وَقَالَ اصعدا لتبعدا من الْأَذَى وأخصكما بفائق الطَّعَام فصعدا فَلَمَّا حصلا فِي الغرفة نحى السّلم وَوضع الْمَائِدَة وَأطْعم أصدقاءه وجيرانه وهما مطلعان عَلَيْهِ فَلَمَّا فرغ الْقَوْم وضع السّلم وَقَالَ انزلا فَدفع فِي إقفائهما وَقَالَ انصرفا راشدين لَا أصفر الله ممشاً كَمَا قد قضيتما حق أَخِيكُمَا دخل طفيلي على قوم فَبَيْنَمَا هُوَ يَأْكُل سمع صَوت السَّدَنَة فَأمْسك يَده عَن الطَّعَام فَقيل لَهُ لم لَا تَأْكُل قَالَ حَتَّى يسكن هَذِه الأراجيف الَّتِي أسمعها وَقيل لطفيلي مرّة مَا بالك أصفر اللَّوْن فَقَالَ من الفترة الَّتِي بَين العصارتين أَخَاف أَن يكون الطَّعَام قد فني وَقَالَ طفيلي إياك وَالْكَلَام على الطَّعَام إِلَّا أَن تَقول نعم فَإِنَّهَا مُضْغَة أوصى طفيلي غُلَامه فَقَالَ إِذا ضَاقَ بك الْموضع فَقل للَّذي إِلَى جَانِبك لعلى ضيقت عَلَيْك فَإِنَّهُ سيوسع لَك الْمَكَان كموضع رجل آخر وَقَالَ بنان حفظت الْقُرْآن كُله ثمَّ أنسيته إِلَّا حرفين اتنا غداءنا وَقَالَ بنان التَّمَكُّن على الْمَائِدَة خير لَك من زِيَادَة أَرْبَعَة ألوان وعطش رجل إِلَى جنب بنان فِي دَعْوَة فَقَالَ بنان ارْفَعْ نَفسك إِلَى فَوق وتنفس ثَلَاثًا فَإِنَّهُ ينزل مَا أَكلته من الطَّعَام
стр. 179
الْبَاب الثَّامِن وَالْعشْرُونَ فِي ذكر طرف من فطن المتلصلصين
أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أخبرنَا عبد الله الْحميدِي قَالَ أخبرنَا أَبُو غَالب مُحَمَّد بن أَحْمد بن سهل بن بَشرَان قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن بن دِينَار قَالَ أَنبأَنَا أَبُو طَالب عبيد الله ابْن أَحْمد الْأَنْبَارِي قَالَ حَدثنَا يَمُوت بن المزرع عَن الْمبرد قَالَ حَدثنِي أَحْمد بن الْمعدل الْبَصْرِيّ قَالَ كنت جَالِسا عِنْد عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز الْمَاجشون فَجَاءَهُ بعض جُلَسَائِهِ فَقَالَ أعجوبة قَالَ مَا هِيَ قَالَ خرجت إِلَى حائطي بِالْغَابَةِ فَلَمَّا أَن أصحرت وبعدت عَن الْبيُوت بيُوت الْمَدِينَة تعرض لي رجل فَقَالَ اخلع ثِيَابك فَقلت وَمَا يدعوني إِلَى خلع ثِيَابِي قَالَ أَنا أولى بهَا مِنْك قلت وَمن أَيْن قَالَ لِأَنِّي أَخُوك وَأَنا عُرْيَان وَأَنت مكس قلت فالمواساة قَالَ كلا قد لبستها بُرْهَة وَأَنا أُرِيد أَن ألبسها كَمَا لبستها قلت فتعريني وتبدي عورتي قَالَ لَا بَأْس بذلك قد روينَا عَن مَالك أَنه قَالَ لَا بَأْس للرجل أَن يغْتَسل عُريَانا قلت فيلقاني النَّاس فيرون عورتي قَالَ لَو كَانَ النَّاس يرونك فِي هَذِه الطَّرِيق مَا عرضت لَك فِيهَا فَقلت أَرَاك ظريفاً فَدَعْنِي حَتَّى أمض إِلَى حائطي وانزع هَذِه الثِّيَاب فأوجه بهَا إِلَيْك قَالَ كلا أردْت أَن توجه إِلَى أَرْبَعَة من عبيدك فيحملوني إِلَى السُّلْطَان فيحبسني ويمزق جلدي ويطرح فِي رجْلي الْقَيْد قلت كلا أَحْلف لَك إِيمَانًا أَنِّي أوفي لَك بِمَا وعدتك وَلَا أسوءك قَالَ كلا إِنَّا روينَا عَن مَالك أَنه قَالَ لَا تلتزم الْأَيْمَان الَّتِي يحلف بهَا اللُّصُوص قلت فأحلف أَنِّي لَا أحتال فِي أيماني هَذِه قَالَ هَذِه يَمِين مركبة على اللُّصُوص قلت فدع المناظرة بَيْننَا فوَاللَّه لأوجهن إِلَيْك هَذِه الثِّيَاب طيبَة بهَا نَفسِي فَأَطْرَقَ ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ تَدْرِي فيمَ فَكرت قلت لَا قَالَ تصفحت أَمر اللُّصُوص من عهد رَسُول الله ﷺ إِلَى وقتنا
стр. 180
هَذَا فَلم أجد لصاً أَخذ تسئمة وأكره أَن أبتدع فِي الْإِسْلَام بِدعَة يكون على وزرها ووزر من عمل بهَا بعدِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة اخلع ثِيَابك قَالَ فخلعتها ودفعتها إِلَيْهِ فَأَخذهَا وَانْصَرف
أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر قَالَ أَنبأَنَا عَليّ بن الْحسن التنوخي عَن أَبِيه أَن أَبَا الْقَاسِم عبيد الله بن مُحَمَّد الْخفاف حَدثهُ أَنه شَاهد لصاً قد أَخذ وَأشْهد عَلَيْهِ أَنه كَانَ يفتش الأقفال فِي الدّور اللطاف الَّتِي لجيراننا فَإِذا دخل حفر فِي الدَّار حُفْرَة لَطِيفَة كَأَنَّهَا بِئْر النَّرْد وَطرح فِيهَا جوزات كَانَ إنْسَانا يلاعبه واخرج منديلاً فِيهِ نَحْو مِائَتي جوزة فَتَركه لي جَانبهَا ثمَّ حَار فكور كل مَا فِي الدَّار مِمَّا يُطيق حمله فَإِن لم يفْطن بِهِ أحد خرج من الدَّار وَحمل ذَلِك كُله وَإِن جَاءَ صَاحب الدَّار ترك عَلَيْهِ قماشه وَطلب المفالتة وَالْخُرُوج وَإِن كَانَ صَاحب الدَّار جلدا فواثبه وَمَانعه وهم بِأَخْذِهِ وَصَاح اللُّصُوص وَاجْتمعَ الْجِيرَان أقبل عَلَيْهِ وَقَالَ مَا أبردك أَنا أقامرك بالجوز مِنْك شهور قد أفقرتني وَأخذت مني كل مَا أملكهُ وأهلكتني لأفضحك بَين جيرانك لما قامرتك الْآن تصيح فَمَا يشك أحد فِي قَوْله وَأَنت تَدعِي عَليّ باللصوصية بلعب بَارِد بيني وَبَيْنك دَار الْقمَار الَّتِي تعارفنا فِيهَا قد صنعت هَذَا حَتَّى أخرج وأدع عَلَيْك قماشك وَكلما قَالَ الرجل هَذَا لص قَالَ الْجِيرَان إِنَّمَا يُرِيد أَن لَا يفضح نَفسه بالقمار فقد ادّعى عَلَيْهِ اللصوصية وَلَا يَشكونَ فِي أَنه صَادِق وان صَاحب الدَّار مقامر فيلعنوه ويحولون بَينه وَبَين اللص حَتَّى ينْصَرف وَيَأْخُذ الْجَوْز وَيفتح الْبَاب وينصرف ويفتضح الرجل بَين جِيرَانه
أَنبأَنَا مُحَمَّد قَالَ أَنبأَنَا عَليّ بن المحسن قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن عمر الْمُتَكَلّم ويلقب جُنَيْد قَالَ حَدثنِي رجل من الدقاقين قَالَ أورد عَليّ رجل غَرِيب سفتجة ٣ باجل
следующие страницы →