← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6940

المدهش

ابن الجوزي

Полный текст (530 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الْفَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي قصَّة يحيى بن زَكَرِيَّا ﵇ لما قَامَ زَكَرِيَّا ﵇ بِإِقَامَة الْإِقَامَة لِمَرْيَم رأى وَكيل الْغَيْب يسْبقهُ بالإنفاذ على يَد الْقُدْرَة فِي كن كن وَكَانَ إِذا خرج ثمَّ جَاءَ فاجأ ثمَّ الثِّمَار قد نمت فكم قد ألفى ألفاف الْفَاكِهَة الفايقة لَا فِي حينها فتلمح بِعَين زرقاء الْفَهم فَرَأى نَفَقَة الْجَارِيَة جَارِيَة وكيس الْأَسْبَاب على خَتمه فصاح لِسَان الدهش ﴿أَنى لَك هَذَا﴾ فأحالت الْحَال على الْمُسَبّب ﴿هُوَ من عِنْد الله﴾ فنبهت هَذِه الْآيَة رَاقِد طمعه بعد أَن أَطَالَ وسنه سبعين سنة فسن على سنة وَجهه مَاء رَجَاء مَاء آسن مِمَّا لم يتسنه وَقَامَ الدردح بعد أَن تقعوس وتسعسع وَعَسَى على بَاب عَسى فِي محراب ﴿دَعَا زَكَرِيَّا ربه﴾ فسرى بسره سرا لِئَلَّا ينْسب إِلَى فن من أفن وَكتب قصَّة ﴿لَا تذرني فَردا﴾ وشكا مَا شيك بِهِ مِمَّا حل من حل التَّرْكِيب وشيكا فِي كَلِمَات هن ﴿وَهن الْعظم مني﴾ فَلَمَّا أورد فِي قصَّته مَا يُرِيد حملهَا بريد الرَّجَاء إِلَى من عود الْعود الْعود فكشف الجوى فِي الْجَواب لله دره خدم حَتَّى شَاب ثمَّ طلب نايبا على الْبَاب فَأصْبح ميت أمله بِوُجُود يحيي فَمشى

стр. 107

لمشاهدة وَجه الْقُدْرَة وَقد حَال بَينهمَا سفر الْعَادَات إِلَى أَن لفظ بِلَفْظ ﴿إِنِّي﴾ وهتف بِهِ هَاتِف ﴿هُوَ عَليّ هَين﴾ فَسَأَلَ علما على مَا يعلم بِهِ وجود الْحمل لحمل نَفسه على الشُّكْر فوعد بسجن اللِّسَان مَعَ سَلامَة اللِّسَان إِلَّا عَن ذكر الرَّحْمَن ليَكُون حج نطقه مُفردا فَلَمَّا ولد لَهُ يحيى لم يبلغ مبلغ يافع إِلَّا وَهُوَ ولد نَافِع كَانَ صبا الصِّبَا تميل بالصبيان وَلَا تهزه فَإِذا قَالُوا لَهُ هَلُمَّ بِنَا فلنلعب قَالَ إِنَّمَا خلقنَا للتعب لَا للعب فَقَط لَهُ الْقدر قطا من عِصَام الْعِصْمَة مَا قطّ لأحد فَمَا خطا إِلَى خطأ وَلَا هم وَلَقَد رمى الدُّنْيَا عَن يَد التَّمَسُّك وَعلا عَن فضولها على قلل التقلل فَكَانَ عَيْش عيشه العشب واقتنع بمسوك الْحَيَوَان عَن السب والشف والمشبرق وشغله عَن رقش نقش القشيب والدمقس مَا لف مِمَّا لفق وَلَقَد دوى فِي دو فُؤَاده غيم الْغم فغدا الغدق يدق إِلَى أَن فاض قليب قلبه فَانْقَلَبت عَيناهُ بقلب كالعيون حَتَّى فرت فحفرت فِي أخدُود الخدود مجْرى وَلم يزل معول دمعه يحْفر ركية خَدّه حَتَّى بَدَت فِيهِ أضراس فِيهِ يَا عجبا من بكاء من مَا عصى وَلَا هم وَضحك من كِتَابه بِالذنُوبِ قد إدلهم فَلَمَّا قَارب الْوَفَاة وَفَاتَ الْعَدو علم من آفَات النَّقْل فِي المواطن الْمَخْصُوصَة بوحش الوحشة فتخلص فِيهَا من أَسد الْبلَاء كَمَا حمى من ذَنْب الذَّنب ﴿يَوْم ولد وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يبْعَث حَيا﴾

стр. 108

الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِي قصَّة أهل الْكَهْف كَانَ رقم ﴿كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ قد علا على كَهْف قُلُوب أهل الْكَهْف فَلَمَّا نصب ملكهم شرك الشّرك بِأَن لَهُم خيط الفخ فَفرُّوا وَخَرجُوا من ضيق حصر الْحَبْس إِلَى الفضاء فضاء لَهُم فَمَا راعهم فِي الطَّرِيق إِلَّا رَاع وافقهم فرافقهم كَلْبه فَأخذُوا فِي ضربه لكَوْنهم لَيْسُوا من ضربه فصاح لسلط حَاله لَا تطردوني لمباينتي جنسكم فَإِن معبودكم لَيْسَ من جنسكم أَنا فِي قَبْضَة إيثاركم أَسِير أَسِير إِن سِرْتُمْ وأحرس إِن نمتم فَلَمَّا دخلُوا دَار ضِيَافَة الْعُزْلَة اضطجعوا على رَاحَة الرَّاحَة من أَرْبَاب الْكفْر فغلب النّوم الْقَوْم ﴿ثَلَاث مائَة سِنِين وازدادوا تسعا﴾ وَكَانَت الشَّمْس تحول عَن حلتهم لحراسة حلتهم من بلَاء بلي وأعينهم مَفْتُوحَة لِئَلَّا تذوب بأطباق الأطباق وَيَد اللطف تقلب أَجْسَادهم لتسلم من أفن عفن وَجَرت الْحَال فِي كلبهم على مَا جرت بهم فَكَأَنَّهُ فِي شرك نومهم قد صيد ﴿بالوصيد﴾ فَخرج الْملك بجم جمعه فِي طلابهم فَإِذا بهم فسد الْبَاب وَمَا وعى على وعَاء مسك فأضاع حَتَّى ضَاعَ بيد الْملك فِي بيد الهلك فانساب رَاع إِلَى سبسبهم فَفتح بَاب الْكَهْف ليحوز الْغنم فَهَب الْهَوَاء الراقد فترنم أحدهم بِلَفْظ ﴿كم لبثتم﴾ فَأَجَابَهُ الآخر

стр. 109

﴿يَوْمًا﴾ ثمَّ رأى بَقِيَّة الشَّمْس نقية فاتقى بالورع ورطات الْكَذِب فَعَاد يتبع اوب ﴿أَو بعض يَوْم﴾ فَلَمَّا قَفَلُوا من سفر النّوم إِلَى ديار الْعَادة زَاد تقاضي الطَّبْع بالزاد فَخرج رئيسهم فِي ثوب متنكر فضلت مَعْرفَته الْمعَاهد فاقبل يتهم الْيَقَظَة فَمد إِلَى بَايع الطَّعَام بَاعه فَمَا بَاعه وَظن أَنه قد وجد كنزا وَلَقَد وجد كنز ﴿وزدناهم هدى﴾ فَحَمله الْقَوْم إِلَى الْوَالِي فَقَالَ إِنَّه لمالي فَمَا لكم وَمَالِي كُنَّا فتية أكرهنا على فتْنَة فخرجنا عَشِيَّة أمس فنمنا فِي بَاطِن كَهْف فَلَمَّا انتبهنا خرجت لابتاع لِلِاتِّبَاعِ قوت الْوَقْت فَسَار الْقَوْم مَعَه فِي عَسْكَر التَّعَجُّب فَسمع اخوانه جلبة الْخَيل فِي حلبة الطّلب فتجاوبوا بِأَصْوَات التوديع وَقَامُوا إِلَى صَلَاة مُودع فَدخل تمليخا فَقص عَلَيْهِم نبأهم فعادوا إِلَى مَوَاضِع الْمضَاجِع فوافتهم الْوَفَاة وَفَاتَ لقاؤهم وسدلت عَلَيْهِم حجاب الرعب كف ﴿لَو اطَّلَعت﴾ اخواني لَيْسَ الْعجب من نَائِم لم يعرف قدر مَا مر من يَوْمه وَإِنَّمَا الْعجب من نَائِم فِي يقظة عمره (أما وَالله لَو عرف الْأَنَام ... لما خلقُوا لما غفلوا وناموا) (لقد خلقُوا لما لَو أبصرته ... عُيُون قُلُوبهم ساحوا وهاموا) (ممات ثمَّ قبر ثمَّ حشر ... وتوبيخ وأهوال عِظَام) (ليَوْم الْحَشْر قد خلقت رجال ... فصلوا من مخافته وصاموا) (وَنحن إِذا أمرنَا أَو نهينَا ... كَأَهل الْكَهْف أيقاظ نيام)

стр. 110

الْفَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي بداية أَمر نَبينَا ورضاعه ﷺ خلق نَبينَا ﷺ من أرْضى الأَرْض أَرضًا وأصفى الْأَوْصَاف وَصفا وصين آباؤه من زلل الزِّنَا إِلَى أَن صدفت بِتِلْكَ الدرة صدفة آمِنَة فَوَثَبت لرضاعه ثويبة ثمَّ قَضَت بَاقِي الدّين حليمة فَقَامَ نَبَاته مستعلجا على سوقه مستعجلا قيام سوقه فَنَشَأَ فِي حجر الْكَمَال كَمَا نَشأ فشأى من شأى منشأ قدمت حليمة والجدب عَام فِي الْعَام فَعرض على المرضعات فأبين لليتم فراحت بِهِ حليمة إِلَى حلتها فَثَابَ لَبنهَا وَلبن راحلتها فَبَاتُوا الْبركَة رُوَائِهِ رواء وهب على مباركهم نسيم نسمَة مباركة فَلَمَّا ظعنت الظعاين أَتَت اتانها تؤم أَمَام الركب فَلَمَّا حلوا حللهم كَانَت الرعاء تسرح فيعفرها سرحان الجدب وراعي حليمة يُعِيد الْغنم بالغنم فَبينا الصَّبِي مَعَ الصّبيان هبت صبا الْجَبْر بِجِبْرِيل فَجَاءَهُ فَجْأَة فشق عَن الْقلب ثمَّ شقَّه وَمَا شقّ عَلَيْهِ فعلق بِيَدِهِ من باطية بَاطِنه علقَة فَقَالَ هَذَا حَظّ الشَّيْطَان وَقد قَطعنَا علقه ثمَّ أعَاد قلبه بعد أَن قلبه وَمَا بِهِ قلبة فَبَقيَ أثر الْمخيط فِي صَدره بَاقِي عمره لإِظْهَار سُورَة ﴿ألم نشرح﴾

стр. 111

فَلَمَّا بلغ سِتّ سِنِين ألوى الْمَوْت بالوالدة فجد فِي كفَالَته الْجد ثمَّ طلب الْمَوْت عبد الْمطلب فَمَا أَبى الطَّالِب وَلَا اشْتغل بأوصابه حَتَّى أوصى بِهِ أَبَا طَالب فَخرج بِهِ وَقد زانه كالتاج تَاجِرًا فَتَيَمم باليتيم منزل تيماء فَرَآهُ بحيراء ببحرته فَقَرَأَ سمات النُّبُوَّة من شمايل ﴿يعرفونه﴾ فَشَام برق فَضله فلاح من شِيمَة شامته فَقَالَ لِعَمِّهِ احفظ هَذِه الشامة من شامت وَمَا زَالَ نشره يضوع وَلَا يضيع إِلَى أَن تمخضت حَامِل النُّبُوَّة فِي ابان التَّمام وآثر الطلق طَلَاق الْخلق فتحرى غَار حراء للفراغ فرَاغ إِلَيْهِ الْملك فَأَغَارَ حَبل الْوِصَال فِي ذَلِك الْغَار فَأَفَاضَ عَلَيْهِ حلَّة ﴿اقْرَأ﴾ فَأَفَاضَ إِلَى حلَّة زَمِّلُونِي فسكنت خَدِيجَة غَلَّته بعلة إِنَّك لتصل الرَّحِم ثمَّ انْطَلَقت بِهِ إِلَى ورقة فَقَرَأَ من ورقة سيماه نقش فَضله فتيقظ لفهم أمره إِذْ نَامُوا فَقَالَ هَذَا الناموس الَّذِي نزل على مُوسَى وَلَقَد عرفه الْأَحْبَار فِي الكنايس والرهبان فِي الصوامع وانذر بِهِ الرئى وَأخْبر بِهِ التَّابِع فَكَانَت تسلم عَلَيْهِ قبل النُّبُوَّة الْأَحْجَار وتبشره بِمَا أولاه مَوْلَاهُ الْأَشْجَار وَكَانَ خَاتم النُّبُوَّة بَين كَتفيهِ وسرايا الرعب تتْرك كسْرَى كالكسرة بَين يَدَيْهِ ألبس أهاب الهيبة وتوج تَاج السِّيَادَة وضمخ بأذكى خلوق أزكى الْأَخْلَاق واحل دَار المدراة واجلس على صفحة الصفح ولقم لقم لُقْمَان الْحَكِيم وَوضعت لَهُ أكواب التَّوَاضُع وأديرت عَلَيْهِ كؤوس الْكيس متضمنة حلاوة الْحلم ختامها مسك النّسك واعطى لقطع مفازة الدُّنْيَا جواد الْجُود ونوول قلم الْعِزّ

стр. 112

فَوَقع على صَحَائِف الكد كل عمل لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد كَانَ يعود الْمَرِيض ويجيب دَعْوَة الْمَمْلُوك وَيجْلس على الأَرْض ويلبس الخشن وَيَأْكُل البشع ويبيت اللَّيَالِي طاويا يتقلب فِي قَعْر الْفقر ولسان الْحَال يُنَادِيه يَا مُحَمَّد نَحن نضن بك عَن الدُّنْيَا لَا بهَا عَنْك وَلَقَد شَارك الانبياء فِي فضائلهم وَزَاد أَيْن سطوة ﴿لَا تذر﴾ من حلم ﴿اهد قومِي﴾ أَيْن انْشِقَاق الْبَحْر من انْشِقَاق الْقَمَر أَيْن انفجار الْحجر من نبع المَاء من بَين الْأَصَابِع أَيْن التكليم عِنْد الطّور من قاب قوسين أَيْن تَسْبِيح الْجبَال فِي أماكنها من تقديس الْحَصَى فِي الْكَفّ أَيْن علو سُلَيْمَان بِالرِّيحِ من لَيْلَة الْمِعْرَاج أَيْن إحْيَاء عِيسَى الْأَمْوَات من تكليم الذِّرَاع كل الْأَنْبِيَاء ذهبت معجزاتهم بموتهم ومعجزة نَبينَا الْأَكْبَر قَائِمَة على منار ﴿لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ تنادي ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ وَلَقَد أعرب عَن تقدمه من تقدمه آدم وَمن دونه تَحت لِوَائِي لَو كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حيين مَا وسعهما إِلَّا اتباعي فَإِذا نزل عِيسَى صلى مَأْمُوما لِئَلَّا يدنس بغبار الشُّبْهَة وَجه لَا نَبِي بعدِي فَهُوَ أول النَّاس خُرُوجًا إِذا بعثوا وخطيب الْخَلَائق إِذا وفدوا ومبشر الْقَوْم إِذا يأسوا الْأَنْبِيَاء قد سكتوا لنطقه والأملاك قد اعْتَرَفُوا بِحقِّهِ وَالْجنَّة وَالنَّار تَحت أمره والخزان داخلون فِي دَائِرَة حكمه وَكَلَام غَيره قبل قَوْله لَا ينفع وَجَوَاب الحبيب لَهُ قل تسمع فسبحان من فض لَهُ من الْفَضَائِل مَا فَضله وَكسب من حلل الْفَخر الجم مَا جمله جمع الله بَيْننَا وَبَينه فِي جنته وَأَحْيَانا على كِتَابه وسنته

стр. 113

الْفَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ قصَّة الْغَار وَالصديق لما أغارت قُرَيْش خيل الْحِيَل على الرَّسُول خرج إِلَى غَار لَو دخله غَيره كَانَ غررا فغريت قُرَيْش بِالطَّلَبِ فَنَبَتَتْ شَجَرَة لم تكن قبل قبل الْبَاب فأظلت الْمَطْلُوب وأضلت الطَّالِب وَجَاءَت عنكبوت فَسدتْ فَسدتْ بَاب الطّلب حاكت وَجه الْغَار فحاكت ثوب نسجها فحاكت سترا ثمَّ حمى اللطف الحمن بحمامتين فَمَا كَانَ إِلَّا أَن سكنتا من الْغَار فَمَا فَمَا بَان الْمُسْتَتر فاتخذتا عشا فغشى مَا غشى من غشاء العشا على أبصار المقتفين فصاروا كالأعشى فرَاغ الاعداء نَحْو تِلْكَ النَّاحِيَة فَرَأَوْا دَلِيل فرَاغ الْغَار الْغَار فعادوا عَن من عَادوا عودا بحتا بِلَا بخت فَقَالَ الصّديق عَن حر الوجد لَو أَن أحدهم نظر إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرنَا فَقَالَ مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما فَلَمَّا رحلا لحقهما سراقَة فسرقت الأَرْض قوايم فرسه فَلَمَّا رأى أَرضًا صَلدًا قد فرست الْفرس فرست إِلَى بَطنهَا بِبَطْنِهَا أشربت نَفسه علم الْيَقِين بظنها فَأخذ يعرض المَال على من قد رد مَفَاتِيح الْكُنُوز وَيقدم الزَّاد إِلَى شبعان أَبيت عِنْد رَبِّي فجازا على خيمة أم معبد فاصحت شَاتِهَا وأصبحت تشهد فوصلا إِلَى يثرب على نَجَائِب السَّلامَة وَفَاتَ الْخَيْر مَكَّة وفاءت الْمَدِينَة بالكرامة

стр. 114

الْفَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ فِي قصَّة أهل بدر لما بَادر بدر الشَّرِيعَة بِالْخرُوجِ إِلَى بدر رأى فِي أَصْحَابه قلَّة فارتقى قلَّة ﴿وشاورهم﴾ فَقَامَ الْمِقْدَاد عَن قَوْله قومة لحق مُتَابعَة الْمُبَايعَة فَقَالَ لَو سرت إِلَى برك الغماد لتابعناك فَمَا لبث الرَّسُول أَن صَار يطْلب بِالْخِطَابِ الْأَنْصَار فَفطن لسعادته سعد بن معَاذ فَقَالَ لَو خضت الْبَحْر لخضنا فَرَأى الْمُصْطَفى فِي الْأَعْدَاء الْعدَد وَالْعدة والتفت إِلَى الْمُسلمين فَوجدَ إِذْ مَا وجد فَاسْتقْبل قبْلَة الطّلب وَاقْتضى كَرِيمًا مَا ماطل فَانْتدبَ مدد العون بِلَا عون فاقبلت سَحَابَة تسحب ذيل النَّصْر فَسمع الْمُشْركُونَ مِنْهَا حَمْحَمَة الْخَيل فحموا وانقلبت قُلُوبهم من يحمومها حما فَنزلت الْمَلَائِكَة مَعَ الْأَلفَيْنِ جِبْرِيل فِي أَلفَيْنِ وَمِيكَائِيل فِي أَلفَيْنِ وَأسرى اسرافيل فِي ألف مرد مُردفِينَ فعدلوا كالغمايم قد سدلوا العمايم وَأرْسلت قُرَيْش رايدا فَعَاد بتأثير سالقي فحذر الْقَوْم الْعَزْل سِهَام العزايم فأثر عَتبه فِي عتبَة وَكَانَ يشيب خوفًا شيبَة وَأحكم حزَام الحزم حَكِيم بن حزَام وأبى للْجَهْل أَبُو جهل (فلزهم الطراد إِلَى قتال ... أحد سِلَاحهمْ فِيهِ الْفِرَار) (مضوا متسابقي الْأَعْضَاء فِيهِ ... لأرجلهم بأرؤسهم عثار)

стр. 115

فَلَمَّا قلبوا إِلَى القليب قَامَ الرَّسُول على رَأس الرس يُنَادي الرؤساء حِين رسوا بِلِسَان ﴿فانتقمنا﴾ عَن جَوَاب ﴿إِن تستفتحوا﴾ لتصديق ﴿وينصرك الله﴾ فِي مَضْمُون ﴿هَل ثوب﴾ يَا فلَان وَيَا فلَان هَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا ذكر من شهد بَدْرًا على الْحُرُوف حرف الْألف أبي بن كَعْب أبي بن ثَابت أَوْس بن ثَابت أَوْس بن خولي أَوْس بن الصَّامِت أسعد بن يزِيد أنس بن معَاذ الأرقم أَرْبَد أسيرة انسة اياس حرف الْبَاء بشير بن الْبَراء بشير بن سعيد بِلَال بحاث بسبس حرف التَّاء تَمِيم بن يعار تَمِيم مولى خرَاش تَمِيم مولى بني غنم حرف الثَّاء ثَابت بن أَرقم ثَابت بن ثَعْلَبَة ثَابت بن خلد ثَابت بن عَمْرو ثَابت بن هزال ثَعْلَبَة بن حَاطِب ثَعْلَبَة بن عَمْرو ثَعْلَبَة بن غنمة ثَقِيف حرف الْجِيم جَابر بن خَالِد جَابر بن عبد الله بن رِئَاب جَبَّار جُبَير جبر حرف الْحَاء الْحَارِث بن أنس الْحَارِث بن أَوْس الْحَارِث بن خزمة الْحَارِث

стр. 116

ابْن ظَالِم الْحَارِث قيس الْحَارِث بن النُّعْمَان حَارِثَة بن الْحمير حَارِثَة بن سراقَة حَارِثَة بن النُّعْمَان بن رَافع حَارِثَة بن النُّعْمَان بن نفيع حَاطِب بن أبي بلتعة حَاطِب بن عَمْرو الْحباب حبيب حرَام حُرَيْث حُصَيْن حَمْزَة حرف الْخَاء خَالِد بن البكير خَالِد بن زيد خَالِد بن قيس خَلاد بن رَافع خَلاد بن سُوَيْد خَلاد بن عَمْرو خُلَيْد خباب بن الأرث خباب مولى عتبَة خبيب بن يسَاف خَارِجَة خَليفَة خُنَيْس خولي حرف الدَّال لَيْسَ فِيهِ أحد حرف الذَّال ذكْوَان ذُو الشمالين حرف الرَّاء رَافع بن الْحَارِث رَافع بن عنجدة رَافع بن الْمُعَلَّى رِفَاعَة بن رَافع رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر رِفَاعَة بن عَمْرو الرّبيع ربيعَة ربعي رجيلة حرف الزَّاي زيد بن اسْلَمْ زيد بن حَارِثَة زيد بن الْخطاب زيد بن سهل زيد بن وَدِيعَة زِيَاد بن كَعْب زِيَاد بن لبيد الزبير حرف السِّين سعد بن خَوْلَة سعد بن الرّبيع سعد بن سهل سعد بن عُثْمَان سعد بن مَالك سعد بن معَاذ سعد الْقَارِي سعيد بن قيس سهل

стр. 117

ابْن حنيف سُهَيْل بن رَافع سُهَيْل بن عتِيك سهل بن عدي سهل ابْن قيس سُهَيْل بن بَيْضَاء سليم بن الْحَارِث سليم بن عَمْرو سليم ابْن قيس سليم بن ملْحَان سليم أَبُو كَبْشَة سَلمَة بن اسْلَمْ سَلمَة ابْن ثَابت سَلمَة بن سَلامَة سَالم بن عُمَيْر سَالم مولى أبي حُذَيْفَة سراقَة بن عَمْرو سراقَة بن كَعْب سماك بن خَرشَة سماك بن سعد سِنَان بن صَيْفِي سِنَان بن أبي سِنَان سويبط سَواد بن رزين سَواد بن غرية السايب سبيع سفين سليط حرف الشين شُجَاع شماس حرف الصَّاد صَالح صَفْوَان حرف الضَّاد ضَمرَة الضَّحَّاك حرف الطَّاء الطُّفَيْل بن الْحَارِث الطُّفَيْل بن مَالك الطُّفَيْل بن النُّعْمَان حرف الظَّاء لَيْسَ فِيهَا أحد حرف الْعين عبد الله أَبُو بكر الصّديق عمر بن الْخطاب عَليّ بن أبي طَالب عبد الله بن مَسْعُود عبد الله أَبُو سَلمَة عبد الله أنيس عبد الله بن ثَعْلَبَة عبد الله بن جُبَير عبد الله بن جحش عبد الله بن الْجد عبد الله بن الرّبيع عبد الله بن رَوَاحَة عبد الله بن زيد عبد الله بن سراقَة عبد الله

стр. 118

ابْن سَلمَة عبد الله بن سهل عبد الله بن سُهَيْل عبد الله بن طَارق عبد الله بن عبيد الله بن أبي عبد الله بن عبد منَاف عبد الله بن عبس عبد الله ابْن عرفطة عبد الله بن عَمْرو عبد الله بن عُمَيْر عبد الله بن قيس ابْن خلدَة عبد الله بن قيس بن صَخْر عبد الله بن مخرمَة عبد الله بن مَظْعُون عبد الله بن النُّعْمَان عبد الرَّحْمَن بن جبر عبد الرَّحْمَن بن عبد الله عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عبيد بن أَوْس عبيد بن زيد عبيد بن أبي عبيد عُبَيْدَة بن الْحَارِث عباد بن بشر عباد بن قيس عباد بن الخشخاش عبد ربه عتبَة بن أبي ربيعَة عتبَة بن زيد عتبَة ابْن غَزوَان عتبَة بن عبد الله عقبَة بن عَامر عقبَة بن وهب بن ربيعَة عقبَة بن وهب بن كلدة عمر بن اياس عَمْرو بن ثَعْلَبَة عَمْرو بن سراقَة عَمْرو بن طلق عمر بن معَاذ عمر بن أبي سرح عُمَيْر بن الْحَارِث عُمَيْر بن الْحمام عُمَيْر بن عَامر عُمَيْر بن عَوْف عُمَيْر بن مَالك عُمَيْر بن معبد عمار عمَارَة عَامر بن أُميَّة عَامر بن البكير عَامر بن الْجراح عَامر بن ربيعَة عَامر بن سَلمَة عَامر بن فهَيْرَة عَامر بن مخلد عَاصِم بن ثَابت عَاصِم بن العكير عَامر بن قيس عصيمة الْأَشْجَعِيّ عصيمة الْأنْصَارِيّ عَوْف بن أَثَاثَة عَوْف بن عفرا عَاقل عايذ عبس عدي عنترة عويم عِيَاض عُثْمَان بن مَظْعُون حرف الْغَيْن غَنَّام حرف الْفَاء الْفَاكِه وفروة حرف الْقَاف قيس بن أبي صعصعة قيس بن عَمْرو قيس بن مُحصن قيس بن مخلد قَتَادَة قدامَة قُطْبَة

стр. 119

حرف الْكَاف كَعْب بن حماز كَعْب بن زيد كَعْب بن عَمْرو كناز حرف اللَّام لَيْسَ فِيهِ أحد حرف الْمِيم مَالك بن التيهَان مَالك بن ثَابت مَالك بن الدخشم مَالك بن ربيعَة مَالك بن عَمْرو أَبُو حَبَّة مَالك بن عَمْرو أَخُو ثَقِيف مَالك ابْن عَمْرو بن خثيمَةَ ملك بن قدامَة ملك بن مَسْعُود مَسْعُود بن خلدَة مَسْعُود بن الرّبيع مَسْعُود بن سعد الْحَارِثِيّ مَسْعُود بن سعد الزرقي معَاذ بن جبل معَاذ بن عفراء معَاذ بن ماعص الْمُنْذر بن عَمْرو الْمُنْذر بن قدامَة الْمُنْذر بن مُحَمَّد معتب بن حَمْرَاء معتب ابْن عَبدة معتب بن قُشَيْر معبد بن عبَادَة معبد بن قيس مُحرز ابْن عَامر مُحرز بن نَضْلَة معوذ بن عفراء معوذ بن عَمْرو مُبشر المحذر مُحَمَّد بن مسلمة مدلاج مرْثَد مُصعب معقل معمر معن الْمِقْدَاد مليل مهجع حرف النُّون النُّعْمَان بن ثَابت النُّعْمَان بن سِنَان النُّعْمَان بن عَمْرو النُّعْمَان ابْن عبد عَمْرو النُّعْمَان بن عصر النُّعْمَان بن مَالك النُّعْمَان بن أبي خزمة نصر نَوْفَل حرف الْوَاو وهب بن سعد وهب بن مُحصن وَافد وَدِيعَة وذقة حرف الْهَاء هاني هِشَام هِلَال

стр. 120

حرف الْيَاء يزِيد بن الْحَارِث يزِيد بن رُقَيْش يزِيد بن عَامر يزِيد بن المزين يزِيد بن الْمُنْذر وَمِمَّنْ يعرف بكنيته وَلَا يعرف باسمه أَبُو الْحَمْرَاء أَبُو خُزَيْمَة أَبُو سُبْرَة أَبُو مليل وَامْتنع من شُهُود بدر ثَمَانِيَة لأعذار فَضرب لَهُم رَسُول الله ﷺ سِهَامهمْ وأجورهم فَكَانُوا كمن شَهِدَهَا عُثْمَان وَطَلْحَة وَسَعِيد والْحَارث بن حَاطِب والْحَارث ابْن الصمَّة وخوات وَعَاصِم بن عدي وَأَبُو لبَابَة فَهَؤُلَاءِ البدريون بجملتهم حشرنا الله فِي زمرتهم

стр. 121

الْفَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ فِي تَزْوِيج عَليّ بفاطمة ﵉ كَانَ للنَّبِي ﷺ بَنَات فضلتهن فَاطِمَة وزوجات سبقنهن عَائِشَة وَذَلِكَ أَن اخْتِيَار الْقدر لَا يحابي فِي التَّسَاوِي تسقى بِمَاء وَاحِد ﴿ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل﴾ لما نَهَضَ عَليّ لخطبتها طرق بأنامل رجائه أرجاء بَاب الْخطْبَة فَمشى إِلَيْهِ الْآذِن بِالْإِذْنِ على عجل الْعجل فنقد صدق الرَّغْبَة قبل نقد الصَدَاق فعقد العقد على درع لينبه على جِهَاد الْهوى وجهزت بالإيجهاز على عَدو الزّهْد وَلم يرض لَهَا جهاز الدُّنْيَا لموافقة الْبضْعَة الَّتِي هِيَ مِنْهُ فحلاها الرَّسُول بحلية فَاطِمَة بضعَة مني وَعقد لَهَا عقدا خَرَزَات نظامه إِن الله يغْضب لغضبك ويرضى لرضاك وَبعث بَين يَديهَا وصايف غضوا أبصاركم وَنصب لَهَا سدة أَلا ترْضينَ أَن تَكُونِي سيدة نسَاء هَذِه الْأمة وأدخلها على الزَّوْج فِي حلل الحالية عَلَيْهَا قناع القناعة تسْعَى فِي فضاء الْفَضَائِل إِلَى خلْوَة الْخلَّة حَتَّى أجلست على منصة النَّص فَأمر الله تَعَالَى لَيْلَة عرسها شجر الْجنان فَحملت

стр. 122

حللا وحليا فنثرته على الْمَلَائِكَة وَلَيْسَ المُرَاد بذلك الْملك وَلَكِن ليعلم رضى الْملك يَا عجبا نثرت الْحلَل لأجل من فرَاشه جلد كَبْش هلا حلت لَهُ مِنْهَا حلَّة كلا مركب الْملك أحلى من أَن يحلى فَدخل عَلَيْهَا الرَّسُول فاستدعى بأناء من مَاء فَدَعَا فِيهِ بِالْبركَةِ ثمَّ رش على حبيبين بِلَا غش فَلَمَّا طَابَ لعَلي ذَلِك الْوَقْت سَأَلَ الرَّسُول سُؤال سَكرَان من شراب الْوَصْل يَا رَسُول الله أَنا أحب إِلَيْك أم هِيَ ففصل الْحَاكِم بَين خصوم الْحبّ فَقَالَ هِيَ أحب إِلَيّ مِنْك وَأَنت أعز عَليّ مِنْهَا فَلَمَّا حازت بِمَا حازت قناطر الْفضل صين وَجه الْكَمَال بخال الْخلَل فِي الْعَيْش فأقوى على الْأَقْوَى ففر الْفقر فصيح خطاب الشَّرْع يَا عَليّ قُم لكسب قوت الْوَقْت فَخرج يسْعَى على أَرض الرِّضَا بَين أَعْلَام الصَّبْر فَبَاتَ يسْقِي نخلا إِلَى الْفجْر بِشَيْء من الشّعير على وَجه الْأجر فَلَمَّا جَاءَ بِهِ وَأصْلح للْأَكْل قَامَ سايل على بَاب الْبَذْل فَنَادَى ياأهل نَادِي الندى وَالْفضل اطعمونا أطْعمكُم الله من الْفضل فثارت ريَاح الارتياح للايثار فأثارت سحابا يقطر من قطرته قطر جور الْجُود فَسَأَلَ سيله بِقدر وَادي الود فَلَمَّا تروت بِالْمَاءِ أَشجَار الْأنس صدحت على وَرقهَا ورق الْقُدس وأغنى عَن غرايب صدح الْمَدْح ﴿ويطعمون الطَّعَام على حبه﴾ ثمَّ أخبر الْحق عَن مَضْمُون الْقَصْد ﴿إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله﴾ فَلَو رَأَيْت الْقَوْم يَوْم الْقِيَامَة فِي ظلّ ﴿فوقاهم الله﴾ وَقد اكتست أجساد وكست بكسا الضنك غضارة الْعَيْش على حلل الْخَفْض واستراحت أيد تفرق أيدها من طحن الرَّجَاء وَنزع الدَّلْو ﴿متكئين فِيهَا﴾ هَذَا من حصاد بذر النّذر

стр. 123

وَلَقَد عجب الْعلمَاء من شرح هَذَا الْأجر واستظرفوا عدم ذكر الْحور فِي هَذَا الذّكر فبقوا متحيرين فِي جير الْفِكر فنودوا من بطْنَان وَادي الْفضل بِأَن ذَلِك لفضل فضل زهراء الْأنس غير عَلَيْهَا من ذكر الْغَيْر وَإِنَّمَا أثرا على الطفلين لِأَنَّهُمَا غصنان من شَجَرَة ابيت يطعمني رَبِّي وَبَعض من جملَة هِيَ بضعَة مني وفرخ البط سابح وذكاة الْجَنِين كذكرة أمه

стр. 124

الْقسم الثَّانِي من المواعظ وَهُوَ الْمُشْتَمل على المواعظ والإرشادات مُطلقًا وَهُوَ مائَة فصل الْفَصْل الأول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الأول وَالْآخر﴾ يذكر فِيهِ التَّوْحِيد أول لَيْسَ لَهُ مبدأ آخر جلّ عَن مُنْتَهى ظَاهر بِالدَّلِيلِ بَاطِن بالحجاب يُثبتهُ الْعقل وَلَا يُدْرِكهُ الْحس كل مَخْلُوق مَحْصُور بِحَدّ مأسور فِي سور قطر والخالق بَائِن مباين يعرف بِعَدَمِ مألوف التَّعْرِيف ارْتَفَعت لعدم للشبه الشّبَه وَإِنَّمَا يَقع الأشكال فِي وصف من لَهُ أشكال وَإِنَّمَا تضرب الْأَمْثَال لمن لَهُ أَمْثَال فَأَما من لم يزل وَلَا يزَال فَمَا للحس مَعَه مجَال عَظمته عظمت عَن نيل كف الخيال كَيفَ يُقَال لَهُ كَيفَ والكيف فِي حَقه محَال أَنى تتخايله الأوهام وَهِي صنعه كَيفَ تحده الْعُقُول وَهِي فعله كَيفَ تحويه الْأَمَاكِن وَهِي وَضعه انْقَطع سير الْفِكر وقف سلوك الذِّهْن بطلت إِشَارَة الْوَهم عجز لطف الْوَصْف عشيت عين الْعقل خرس لِسَان الْحس لَا طور للقدم فِي طور الْقدَم عز المرقى فيأس المرتقى بَحر لَا يتَمَكَّن مِنْهُ غايص ليل لَا يبين للعين فِيهِ كَوْكَب (مرام شط مرمى الْعقل فِيهِ ... فدون مداه بيد لَا تبيد) جادة التَّسْلِيم سليمَة وادى النَّقْل بِلَا نقع انْزِلْ عَن علو غلو التَّشْبِيه وَلَا تعل قلل أباطيل التعطيل فالوادي بَين جبلين الْمُشبه متلوث بفرث التجسيم والمعطل نجس بِدَم الْجُحُود وَنصِيب المحق

стр. 125

لبن خَالص هُوَ التَّنْزِيه تخمر فِي نفوس الْكفَّار حب الْأَصْنَام فجَاء مُحَمَّد فمحا ذَلِك بِالتَّوْحِيدِ وتخمر فِي قُلُوب المشبهة حب صُورَة وشكل حييت فمحوتها بالتنزيه وَالْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء مَا عرفه من كيفه وَلَا وَحده من مثله وَلَا عَبده من شبهه الْمُشبه أعشى والمعطل أعمى فَمَا ينزه عَنهُ فَم فِيمَا يجب نَفْيه بثم جلّ وجوب وجوده عَن رجم لَعَلَّ سبق الزَّمَان فَلَا يُقَال كَانَ إِذْ تمجد فِي وحدانيته عَن زحام مَعَ تفرد بالإنشاء فَلَا يستفهم عَن الصَّانِع بِمن أبرز عرايس الْمَخْلُوقَات من كن كن بَث الْحلم فَلم يُعَارض بلم تَعَالَى عَن بعضية من وتقدس عَن ظرفية فِي وتنزه عَن شبه كَانَ وتعظم عَن نقص لَو أَن وَعز عَن عيب أَلا أَن وسما كَمَاله عَن تدارك لَكِن إِن وقف ذهن بوصفه صَاح الْعِزّ جز إِن سَار فكر نَحوه قَالَت الهيبة عد إِن قعد اللِّسَان عَن ذكره قَالَ الْقلب قُم أَن تجبر متكبر قَالَ الْقَهْر شم أَن سَأَلَ مُحْتَاج قَالَ الْأَنْعَام رش أَن تعرض فَقير قَالَ الوفر فر أَن سكت مذنب حَيا قَالَ الْحلم قل أَن بعد ذُو خطاء نَادَى اللطف إب نثر عجايب النعم وَقَالَ للْكُلّ خُذ من بَيَان عَظمته ﴿رفيع الدَّرَجَات﴾ من أثر قسره ﴿تسبح لَهُ السَّمَاوَات﴾ توقيع أمره ﴿يَأْمر بِالْعَدْلِ﴾ وَاقع زَجره ﴿وَينْهى عَن الْفَحْشَاء﴾ يُنَادي على بَاب عزته ﴿لَا يسْأَل﴾ يصاح على محجة حجَّته ﴿لمن الأَرْض وَمن فِيهَا﴾ ينذر جاسوس علمه ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة﴾ يَقُول جهبذ طوله ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله﴾ يترنم منشد فَضله ﴿لَا تقنطوا﴾

стр. 126

سُبْحَانَ من أَقَامَ من كل مَوْجُود دَلِيلا على عزته وَنصب علم الْهدى على بَاب حجَّته الأكوان كلهَا تنطق بِالدَّلِيلِ على وحدانيته وكل مُوَافق ومخالف يمشي تَحت مَشِيئَته إِن رفعت بصر الْفِكر ترى دَائِرَة الْفلك فِي قَبضته وتبصر شمس النَّهَار وَبدر الدجى يجريان فِي بَحر قدرته وَالْكَوَاكِب قد اصطفت كالمواكب على مناكب تسخير سطوته فَمِنْهَا رجوم للشياطين ترميهم فترميهم عَن حمى حمايته وَمِنْهَا سطور فِي المهامه يقْرؤهَا الْمُسَافِر فِي سفر سفرته وَإِن خفضت الْبَصَر رَأَيْت الأَرْض ممسكة بحكمة حكمته كل قطر مِنْهَا محروس باطواده عَن حركته فَإِذا ضجت عطائها ثار السَّحَاب من بركَة بركته وَنفخ فِي صور الرَّعْد لإحياء صور النَّبَات من حفرته فيبدو نور النُّور يَهْتَز طَربا بخزامى رَحمته فَإِذا اسْتَوَى على سوقه زَادَت فِي سوقه نعامى نعْمَته ويفتق يَد الإيجاد بأنامل الْقُدْرَة أكمام النَّبَات عَن صَنْعَة صبغته فيرفل فِي حلى حلل الْحَال الحالية إِلَى معبر عبرته وتصدح الْوَرق على الْوَرق كل بتبليغ لغته وَالْأَشْجَار معتنقة ومفترقة على مِقْدَار إِرَادَته صنْوَان وَغير صنْوَان هَذَا بعض صَنعته ﴿ويسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته﴾ نظر بِعَين الإختيار إِلَى آدم فحظى بسجود مَلَائكَته وَإِلَى ابْنه شِيث فأقامه فِي مَنْزِلَته وَإِلَى ادريس فاحتال بالهامه على جنته وَإِلَى نوح فنجا من الْغَرق بسفينته وَإِلَى هود فَعَاد على عَاد شُؤْم مُخَالفَته وَإِلَى صَالح فتمخضت صَخْرَة بناقته وَإِلَى ابراهيم فتبختر فِي حلَّة خلته وَإِلَى إِسْمَاعِيل فَأَعَانَ الْخَلِيل فِي بِنَاء كعبته وَإِلَى اسحق فافتكه بِالْفِدَاءِ من ضجعته وَإِلَى لوط فَنَجَّاهُ وَأَهله من عشيرته وَإِلَى شُعَيْب فَأعْطَاهُ الفصاحة فِي خطبَته وَإِلَى يَعْقُوب فَرد حَبِيبه مَعَ حبيبته وَإِلَى يُوسُف فَأرَاهُ الْبُرْهَان فِي همته وَإِلَى مُوسَى فخطر فِي ثوب مكالمته وَإِلَى الْيَأْس فاليأس للنَّاس من حَالَته وَإِلَى دَاوُد فالان الْحَدِيد لَهُ على حِدته وَإِلَى سُلَيْمَان فراحت الرّيح من فِي مَمْلَكَته وَإِلَى أَيُّوب فيا

стр. 127

طُوبَى لركضته وَإِلَى يُونُس فَسمع نداه فِي ظلمته وَإِلَى زَكَرِيَّا فقرن سُؤَاله ببشارته وَإِلَى يحيى فتلمح حَصِير الحصور على سدة سيادته وَإِلَى عِيسَى فكم أَقَامَ مَيتا من حفرته وَإِلَى مُحَمَّد فخصه لَيْلَة الْمِعْرَاج بِرُؤْيَتِهِ واعرض عَن ابليس فخزي ببعده ولعنته وَعَن قابيل فَقلب قلبه إِلَى مَعْصِيَته وَعَن نمْرُود فَقَالَ أَنا أحيي الْمَوْتَى ببلاهته وَعَن فِرْعَوْن فَادّعى الربوبية على جرأته وَعَن هامان فَأَيْنَ رَأْيه يَوْم أَلِيم فِي وزارته وَعَن قَارون فَخرج على قومه فِي زينته وَعَن بلعام فَهَلَك بل عَام فِي بَحر شقوته وَعَن برصيصا فَلم تَنْفَعهُ سَابق عِبَادَته وَعَن أبي جهل فشقي مَعَ سَعَادَة أمه وَابْنه وَابْنَته هَكَذَا جرى تَقْدِيره من يَوْم لَا أُبَالِي فِي قسمته ﴿ويسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته﴾

стр. 128

الْفَصْل الثَّانِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق﴾ نذْكر فِيهِ فضل نَبينَا ﷺ لم يزل ذكر نَبينَا ﷺ منشورا وَهُوَ فِي طي الْعَدَم توسل بِهِ آدم وَأخذ لَهُ مِيثَاق الْأَنْبِيَاء على تَصْدِيقه فِي بعض درسه علم ادريس فِي ضمن وجده حزن يَعْقُوب فِي سر جده صَبر أَيُّوب فِي طي خَوفه بكاء دَاوُد بعض غنى نَفسه يزِيد على ملك سُلَيْمَان غير بعيد خل خلاله خلة الْخَلِيل ونال تكليم مُوسَى واسترجح لَهُ النّظر عِنْد قاب قوسين فَهُوَ جملَة الْجمال وكل الْكَمَال وواسطة العقد وزينة الدَّهْر يزِيد على الْأَنْبِيَاء زِيَادَة الشَّمْس على الْبَدْر وَالْبَحْر على الْقطر فَهُوَ أصدرهم وبدرهم وَعَلِيهِ يَدُور أَمرهم قطب فلكهم عين كتيبتهم وَاسِطَة قلادتهم نقش فصهم بَيت قصيدتهم حاتمهم خاتمهم (شمس ضحاها هِلَال لَيْلَتهَا ... در تقاصيرها زبرجدها) لما رأى تَخْلِيط قُرَيْش فِي دَعْوَى الشّرك فر فِي بادية الْهَرَب فتحرى غَار حراء فِي الْفِرَار للفراغ فرَاغ إِلَيْهِ فجَاء مُزَاحم ﴿اقْرَأ﴾ يَا رَاهِب الصمت تكلم قَالَ لِسَان الْعَجز البشري لست بقارئ فَحم لما حم فزمزم بِلَفْظ زَمِّلُونِي فصاح الْملك ﴿يَا أَيهَا المزمل﴾ يَا أطيب ثماركن يَا مَحْمُولا عَلَيْهِ ثقل قل ﴿قُم﴾

стр. 129

لما بعث الْملك الْملك إِلَى نَبينَا برسالة ﴿اقْرَأ﴾ فتر الْوَحْي بعْدهَا مُدَّة مَاتَ قَوس الشوق فرمت الكبداء الكبد بكبد أعجز المكابدة فَكَانَ يهم لما يلقِي بإلقاء نَفسه من ذرْوَة الْجَبَل فَإِذا بدا لَهُ جِبْرِيل بُد لَهُ ثمَّ رميت الشَّيَاطِين عِنْد مبعثه بأسهم الشهب عَن قَوس ﴿ويقذفون من كل جَانب﴾ فَمروا إِلَى المغارب وَمَشوا إِلَى الْمَشَارِق ليقطعوا سبسب السَّبَب فجرت ريح التَّوْفِيق بمراكب بَعضهم إِلَى تهَامَة فصادفوه فِي الصلوة فصادفوه قُلُوب الْقَوْم فصاحت أَلْسِنَة الوجد ﴿إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا﴾ تحركت لتعظيمه السواكن فحن إِلَيْهِ الْجذع وَسبح الْحَصَى وتزلزل الْجَبَل وَتكلم الذيب كل كنى عَن شوقه بلغاته فمرضت قُرَيْش بداء الْحَسَد فَقَالُوا مَجْنُون يَا مُحَمَّد هَذَا نقش يرقانهم لَا لون وَجهك لما أَخذ فِي سفر ﴿أسرى﴾ فَنقل إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى برز إِلَيْهِ عباد الْأَنْبِيَاء من صوامعهم فاقتدوا بِصَلَاة رَاهِب الْوُجُود ثمَّ خرج فعرج فعرضت عَلَيْهِ الْجنَّة وَالنَّار حَتَّى عرف الطَّبِيب عقاقير الْأَدْوِيَة قبل تركيب الْأَدْوِيَة يَا لَهَا من لَيْلَة فل عزب حد سيف ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا﴾ ظنت الْمَلَائِكَة أَن الْآيَات تخْتَص بالسماء فَإِذا آيَة الأَرْض قد علت أَقبلت رُؤَسَاء الْأَمْلَاك تحيي الرئيس الْأَكْبَر فَرَأى فِي الْقَوْم ملكا نصفه من ثلج وَنصفه من نَار فَعجب لِاجْتِمَاع الضدين فَقيل لَا تعجب فعندك أعجب مِنْهُ لَو وزن خوف الْمُؤمن ورجاؤه لاعتدلا كَانَ جِبْرِيل دَلِيل الْبَادِيَة فَلَمَّا وصل إِلَى مفازة لَيْسَ فِيهَا علم يعرفهُ علم ابْن أَجود أَن الصدْق أَجود فَقَالَ هَا أَنْت وَرَبك

стр. 130

فَإِذا قَامَت الْقِيَامَة فموسى صَاحبه وَعِيسَى حَاجِبه والخليل فِي عسكره وآدَم يُنَادي بِلِسَان حَاله يَا ولد صُورَتي وَيَا وَالِد معناي مَا صعد من بحور الأكوان أشرف من درة نَبينَا ﷺ طرة غرته أحسن من جمال يُوسُف لعاب فِيهِ اشفى من الْبُرْء شمس شَرعه لَا يُدْرِكهَا كسوف نَاسخ قمر دينه لَا يدْخل فِي محاق كل الْأَنْبِيَاء فِي الْقِيَامَة تَقول نَفسِي نَفسِي وَهُوَ يَقُول أمتِي أمتِي فَإِذا سجد قيل ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع كم بَين ذل محب وادلال مَحْبُوب الْحَيَوَانَات تذل فِي طلب الْقُوت والفيلة تتملق حَتَّى تَأْكُل يَا من هُوَ فِي جملَة جنود هَذَا الشجاع أيحسن بك كل يَوْم هزيمَة لَوْلَا جد أَصْحَابه فِي جهادهم وشجاعتهم فِي صُفُوف قِتَالهمْ لافتضح الْمُتَأَخّرُونَ فَالْحَمْد لله على اليزل كَانُوا بِاللَّيْلِ رهبانا وبالنهار فُرْسَانًا قطع الرَّسُول طمع من طمع فِي لحاقهم بحسام مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه وَكَيف تنَال مرتبَة السَّابِق بِشَيْء وقر فِي صَدره أَو منقبة المهيب والعدو يفرق من ظله أَو مقَام الوقور فالملائكة تَسْتَحي مِنْهُ أَو فَضِيلَة مُزَاحم النَّفس فِي منزلَة كهرون من مُوسَى يأس وَالله الكهول من مُقَارنَة سَيِّدي كهول أهل الْجنَّة كَمَا لم تطمع الشَّبَاب فِي مزاحمة سَيِّدي شباب أهل الْجنَّة مَتى التهبت فِي صحابة الْأَنْبِيَاء عَزِيمَة كحمرة جَمْرَة حَمْزَة أَو علا على الْعَلَاء عَليّ كعلاء عَليّ لقد فَازَ بلقب الصدْق طَلْحَة الْجُود كَمَا سعد بِالْفَضْلِ وحوارى الزبير وسما بصلوة النَّبِي ﷺ خَلفه ابْن عَوْف كَمَا قرت بِلَفْظ فدَاك أبي وَأمي عين سعد وَنَجَا بِالشَّهَادَةِ لَهُ بِالْجنَّةِ سعيد كَمَا عز ابْن الْجراح بلقب الْأمين

стр. 131

وَلم يذكر باسمه بِالْقُرْآنِ غير زيد وَأَيْنَ فِي الموَالِي مثل سَالم وسلمان وَمن فِي الزهاد كمصعب وَابْن مَظْعُون وَأَنه لمسعود عبد الله ابْن مَسْعُود وطوبى ثمَّ طُوبَى لخباب وصهيب وَيَا شرف المؤذنين بِصَوْت بِلَال وَيَكْفِي فخرا كوني بردا لعمَّار وَأي بَيت يشبه بَيت أبي أَيُّوب وَمن زين الْقُرَّاء الا ابي بن كَعْب وَمن فِي النُّقَبَاء كَابْن زُرَارَة وَابْن الرّبيع وَأَنِّي للفقهاء مثل معَاذ وَمن لَهُ زهد كزهد أبي ذَر وَالْفَخْر لبني هَاشم بِالْعَبَّاسِ وَكفى للبصراء قائدا ابْن أم مَكْتُوم وَأَنه لقدوة المؤثرين أَبُو الدحداح وَمن فِي قوام اللَّيْل مثل تَمِيم وَمن صَبر على الْقَتْل صَبر خبيب كلهم أخيار وجميعهم أبرار وَلَا مثل صَاحب الْغَار وَأَيْنَ نَظِير فتاح الْأَمْصَار وَمن يشبه قَتِيل الدَّار وَلَقَد افتقروا إِلَى الْمُجَاهِد بِذِي الفقار بحب هَؤُلَاءِ ترجى الْجنَّة وتتقي النَّار إِن الله تَعَالَى لما حلى مُحَمَّد حلية التَّنَزُّه خلع عَلَيْهِ خلعة هِيَ الْإِسْلَام وَأَعْطَاهُ منشورا هُوَ الْقُرْآن ولواء هُوَ النَّصْر فَأَبُو بكر صدق النُّبُوَّة وَعمر أظهر الرسَالَة وَعُثْمَان جمع المنشور وَعلي حمل السَّيْف لما جلا الرَّسُول عروس الْإِسْلَام لم يكن بُد من نثار نثر عمر نصف مَاله فَرمي أَبُو بكر بِالْكُلِّ فَقَامَ عُثْمَان يُجهز جَيش الْعسرَة بوليمة الْعرس فَعلم على حَال الْغيرَة فَبت طَلَاق الضرة ثمَّ رأى بعض جهاز الدُّنْيَا الْمُطلقَة عِنْده وَهُوَ الْخَاتم فَسلم وَمَا سلم (خطوا وأقلامهم خطية سلب ... فهم على الْخَيل أُمِّيُّونَ كتاب) (أَن احسنوا كلما واخلو لقوا ذمما ... وَاخْشَوْشنُوا شيما فالقوم أَعْرَاب)

стр. 132

الْفَصْل الثَّالِث فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ﴾ لما تَكَامل بِنَاء الْبَيْت أرسل الله تَعَالَى إِلَى خَلِيله أد رِسَالَة ﴿وَأذن﴾ فعلا على أبي قبيس ونادى فِي جَمِيع الْوُجُوه أَن ربكُم قد بنى لكم بَيْتا فحجوه فَأجَاب من جرى الْقدر بحجه لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك فَكَانَ ذَلِك الْيَوْم أَخا ليَوْم ﴿أَلَسْت بربكم﴾ (لما رَأَيْت مناديهم ألم بِنَا ... شددت ميزر إحرامي ولبيت) (وَقلت للنَّفس جدي الْآن واجتهدي ... وساعديني كَهَذا مَا تمنيت) (لَو جِئتُكُمْ زَائِرًا أسعى على بَصرِي ... لم أقض حَقًا وَأي الْحق أدّيت) قطع الْقَوْم بيد السّفر ﴿بشق الْأَنْفس﴾ فوافقتهم الركاب ﴿وعَلى كل ضامر﴾ (دع المطايا تنسم الجنوبا ... إِن لَهَا لنبأ عجيبا) (حنينها وَمَا اشتكت لوبا ... يَشْهَدَانِ قد فَارَقت حبيبا) (مَا حملت إِلَّا فَتى كئيبا ... يسر مِمَّا أعلنت نَصِيبا) (لَو غادر الشوق لنا قلوبا ... إِذن لأثرنا بِهن النيبا) (إِن الغربيب يسْعد الغريبا ... ) وَاعجَبا من حنين النوق كَأَنَّهَا قد علمت وجد الركاب تَارَة تَجِد

стр. 133

فِي السّير وَتارَة تتَوَقَّف وَتارَة تذل وتطأطئ الْأَعْنَاق وَتارَة تمرح كَأَنَّهَا قد استعارت أَحْوَال العارفين (اذكراها فِي سراها مَا عراها ... فغدت تنفخ شوقا فِي براها) (تقطع الْبر وتنسى مَا جنى ... سَيرهَا وَالسير أَمر قد براها) (كلما ظنت مني قد قربت ... وتدانت دارها طَار كراها) (أسعداها يَا خليلي على ... مَا دَعَاهَا فِي الْهوى أَو فَدَعَاهَا) (ذكرا مَا زَالَ من عهد الصبى ... خلياها وَالصبَا فَهُوَ رِضَاهَا) (غنها يَا أَيهَا الْحَادِي لَهَا ... بالحمى أَو بالنقا وَانْظُر سراها) (نح عَنْهَا السَّوْط يَكْفِي شوقها ... قد رَأَتْ فِي نَفسهَا مَا قد كفاها) (بَاعهَا الوجد بكثبان النقي ... عجبا إِذا بَاعهَا كَيفَ اشْتَرَاهَا) (أتراها علمت من حملت ... ليتها قد عرفت من فِي ذراها) (أَنْت إِن لاحت لَك الْأَعْلَام قف ... فَهِيَ الْمَقْصُود لَا شَيْء سواهَا) (قف على الْوَادي وسل عَن كَبِدِي ... كَبِدِي واكبدي مَاذَا دهاها) (يَا رفيقي اهدياني دَارهم ... وَدَعَانِي وَدَعَانِي وثراها) (أَنا مقتول بِسَهْم غرب ... قوسه خيف مني أَو مَا زماها) (حرم الصَّيْد على من حجه ... فانظرا إِلَى مهجتي من قد رَمَاهَا) (اكتبا فِي لوح قَبْرِي عشتما ... مهجة مَاتَت وَمَا هالت مناها) أَمر المحرمون بالتعري ليدخلوا بزِي الْفُقَرَاء فيبين أثر ﴿وَمَا أَمْوَالكُم﴾ (من أعلم السايق العنيف بهم ... بِأَن روحي تساق مَعَ أبله) (وَأَن دمعي يروي ركايبهم ... لَوْلَا دم فِي انسكاب منهمله) تالله لقد جمعُوا الْخَيْر لَيْلَة جمع ونالوا المنى إِذْ دخلُوا منى

стр. 134

(لله در منى وَمَا جمعت ... وبكا الْأَحِبَّة لَيْلَة النَّفر) (ثمَّ اغتدوا فرقا هُنَا وَهنا ... يتلاحظون بأعين الذّكر) (مَا للمضاجع لَا تلايمني ... وَكَأن قلبِي لَيْسَ فِي صَدْرِي) حج جَعْفَر الصَّادِق فَأَرَادَ أَن يُلَبِّي فَتغير وَجهه فَقيل مَالك يَا ابْن رَسُول الله فَقَالَ أُرِيد أَن ألبي فَأَخَاف أَن أسمع غير الْجَواب وقف مطرف وَبكر فَقَالَ مطرف اللَّهُمَّ لَا تردهم من أَجلي وَقَالَ بكر مَا أشرفه من مقَام لَوْلَا أَنِّي فيهم وَقَامَ الفضيل بِعَرَفَة فَشَغلهُ الْبكاء عَن الدُّعَاء فَلَمَّا كَادَت الشَّمْس تغرب قَالَ واسؤتاه مِنْك وَأَن عَفَوْت وقف بعض الْخَائِفِينَ على قدم الأطراق وَالْحيَاء فَقيل لَهُ لم لَا تَدْعُو فَقَالَ ثمَّ وَحْشَة قيل فَهَذَا يَوْم الْعَفو عَن الذُّنُوب فَبسط يَده فَوَقع مَيتا (وَأنزل الْوَادي بأيمنه ... أَنه بالدمع ملأآن) (وارم بالطرف العقيق فلي ... ثمَّ أوطار وأوطان) (وَأنْشد الْقلب المشوق عَسى ... يرجع الْمَفْقُود نشدان) (وابك عني مَا اسْتَطَعْت إِذا ... مَا بدا للطرف نعْمَان) (واقره عني السَّلَام فَكَأَن ... قلبِي فِيهِ سكان) (لَا تزدني يَا عذول جوى ... أَنا بالأشواق سَكرَان) حج الشبلي فَلَمَّا رأى مَكَّة قَالَ (أبطحاء مَكَّة هَذَا الَّذِي ... أرَاهُ عيَانًا وَهَذَا أَنا) ثمَّ غشى عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ (هَذِه دَارهم وَأَنت محب ... مَا بَقَاء الدُّمُوع فِي الأماق)

стр. 135

حج قوم من الْعباد فيهم عابدة فَجعلت تَقول أَيْن بَيت رَبِّي أَيْن بَيت رَبِّي فَيَقُولُونَ أَلا ترينه (إِذا دنت الْمنَازل زَاد شوقي ... وَلَا سِيمَا إِذا دنت الْخيام) فَلَمَّا لَاحَ الْبَيْت قَالُوا هَذَا بَيت رَبك فَخرجت تشتد وَتقول بَيت رَبِّي بَيت رَبِّي حَتَّى وضعت جبهتها على الْبَيْت فَمَا رفعت الا ميتَة (هاتيك دَارهم وَهَذَا ماؤهم ... فاحبس ورد وشرقت إِن لم تَسْقِنِي) أودعت اقرارك يَوْم السبت الْحجر الْأسود وأمرتك بِالْحَجِّ لتستحي بالتذكير من نقض الْعَهْد الْحجر صندوق أسرار المواثيق مستمل لما أمْلى الْمعَاهد مُشْتَمل على حفظ الْعَهْد فاستلم الْمُسْتَمْلِي الْمُشْتَمل ليعلم أَن اقرارك لَا عَن اكراه لَا تنس عهدي فَإِنِّي لَا أنساك (فَلَا تحسبوا أَنِّي نسيت ودادكم ... فَإِنِّي وَإِن طَال المدى لست أنساكم) (حفظنا وضيعتم ودادا وَحُرْمَة ... فَلَا كَانَ من فِي هجرنا الْيَوْم أغراكم) كم شخص أشخصه الوجد إِلَى الْحَج فكاد نشابة المواثيق قبل تقبيله تقتله فَلَمَّا قضى الناسك الْمَنَاسِك وَرجع بَقِي سهم الشوق إِلَيْهِ فِي قلب منى المنى (يكَاد يمسِكهُ عرفان رَاحَته ... ركن الْحطيم إِذا مَا جَاءَ يسْتَلم) أخواني ذكر تِلْكَ الْأَمَاكِن يعْمل فِي الْقلب قبل السّمع كَأَنَّهَا قد خلقت من طين الطَّبْع لسلع سلع لسع لَيْسَ لعسل لعس للمهيار (هَل مجاب يَدْعُو مبدد أوطاري ... بِجمع يرد أَيَّام جمع)

стр. 136

(أَو أَمِين القوى أحملهُ هما ... ثقيلا يحطه دون سلع) (فافرجا لي عَن نفحة من صباه ... طَال مدى لَهَا الصليف ورفعي) (إِن ذَاك النسيم يجْرِي على أَرض ... ثراها فِي الرّيح رقية لسع) (كم زفير علمت مِنْهُ حمام ... الدوح مَا كَانَ من حنين وسجع) وآخجل المتخلف وآسف المسوف أَيْن حسرات الْبعد أَيْن لذعات الوجد للخفاجي (أتظن الْوَرق فِي الأيك تغني ... أَنَّهَا تضمر حزنا مثل حزني) (لَا أَرَاك الله نجدا بعْدهَا ... أَيهَا الْحَادِي بِنَا إِن لم تجبني) (هَل تباريني إِلَى بَث الجوى ... فِي ديار الْحَيّ نشوي ذَات غُصْن) (هَب لَهَا السَّبق وَلَكِن زادنا ... أننا نبكي عَلَيْهَا وتغني) (يَا زمَان الْخيف هَل من عودة ... يسمح الدَّهْر بهَا من بعد ضن) (أرضينا بثنيات اللوى ... عَن زرود يَا لَهَا صَفْقَة غبن) (سل أَرَاك الْجزع هَل مرت بِهِ ... مزنة رَوَت ثراه غير جفني) (وَأَحَادِيث الغضا هَل علمت ... أَنَّهَا تملك قلبِي قبل أُذُنِي) يَا عجبا لمن يقطع المفاوز ليرى الْبَيْت فيشاهد آثَار الْأَنْبِيَاء كَيفَ لَا يقطع نَفسه عَن هَوَاهُ ليصل إِلَى قلبه فَيرى آثَار ويسعني لمُحَمد بن أَحْمد الشِّيرَازِيّ (إِلَيْك قصدي لَا للبيت والأثر ... وَلَا طوافي بأركان وَلَا حجر) (صفاء دمعي الصفالي حِين أعبره ... وزمزمي دمعة تجْرِي من الْبَصَر) (عرفانكم عرفاتي إِذْ مني منن ... وموقفي وَقْفَة فِي الْخَوْف والحذر) (وفيك سعيي وتعميري ومزدلفي ... وَالْهدى جسمي الَّذِي يُغني عَن الجزر) (وَمَسْجِد الْخيف خوفي من تباعدكم ... ومشعري ومقامي دونكم خطري) (زادي رجائي لكم والشوق رَاحِلَتي ... وَالْمَاء من عبراتي والهوى سَفَرِي)

стр. 137

الْفَصْل الرَّابِع إخْوَانِي قد نمى إِلَيْكُم أَمر من نما وسامي وصال الوسام وسما وافتخر بِالنّسَبِ والنشب وانتمى كَيفَ بارزه من أبرزه عَن الْحمى فَبَاتَ بعد الرّيّ يشكو الظما وَقد رَأَيْتُمْ مَا جرى فانتظروا مثل مَا لِابْنِ المعتز (يَا نفس وَيحك طَال مَا ... أَبْصرت موعظة وَمَا) (نفعتك فاخشى وانْتهى ... وَعَلَيْك بالتقوى كَمَا) (فعل الأناس الصالحون ... وبادري فلربما) (سلم المبادر واحذري ... يَا نفس من سَوف فَمَا) (خدع الشقي بِمِثْلِهَا ... إياك مِنْهَا كلما) (ناجت مكايدها ضميرك ... إِنَّمَا هِيَ إِنَّمَا) (خطرت وَكم قتلت ... وأهلكت النُّفُوس وقلما) (تغني أمانيها إِذا ... حضر الردى فَكَأَنَّمَا) (لم يحيي من لَاقَى منيته ... فيا عجبا أما) (فِي ذَاك مُعْتَبر وَلَا ... شاف يبصر من عمى) (يَا ذَا المنى يَا ذَا المنى ... عش مَا بدا لَك ثمَّ مَا) يَا سَكرَان الْهوى أما آن الصحو يَا ساطرا قبح الْخلاف أما حَان المحو أَيْن الراحلون كَانُوا بالْأَمْس صحت حجَّة الْمَوْت فبطلت حجَّة النَّفس واعتقلهم حَاكم البلى على دين الرمس وكف أكف الْحس بعد تصرف آلَة الْخمس واستوعر عَلَيْهِم الْحصْر واستطال الْحَبْس

стр. 138

وأصبحت مَنَازِلهمْ ﴿كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾ يَا قَلِيل اللّّبْث خل الْعَبَث كم حدث جدث فِي حدث يَا موقنا بالرحيل وَمَا اكترث أقبل نصحي ورم الشعث (إِذا نلْت من دنياك خيرا ففز بِهِ ... فَإِن لجمع الدَّهْر من صرفه شتا) (فكم من مشت لم يصيف بأَهْله ... وَآخر لم يُدْرِكهُ صيف إِذا شَتَّى) إنتهب نثار الْخَيْر فِي مَكَان الْإِمْكَان قبل أَن تدخل فِي خبر كَانَ قبل مُعَاينَة الهول الْمخوف الفظيع وتلهف المجدب على زمَان الرّبيع إِنَّمَا أهل هَذِه الدَّار سفر لَا يحلونَ عقد الركاب إِلَّا فِي غَيرهَا فاعجبوا لدار قد أَدْبَرت والنفوس عَلَيْهَا والهة ولأخرى قد أَقبلت والقلوب عَنْهَا غافلة (وَالله لَو كَانَت الدُّنْيَا بأجمعها ... تبقى علينا وَيَأْتِي رزقها رغدا) (مَا كَانَ من حق حر أَن يذل لَهَا ... فَكيف وَهِي مَتَاع يضمحل غَدا) يَا مكرما بحلية الْإِيمَان بعد حلَّة الإيجاد وَهُوَ يخلقها فِي مُخَالفَة الْخَالِق كم من نعْمَة نعْمَة فِي ترف ترف وَمَا يخف عَلَيْك ذكر شكر يَا عبد السوء مَا تساوى قدر قدرتك لَا كَانَت دَابَّة لَا تعْمل بعلفها إِلَى مَتى يخدعك المنى ويغرك الأمل وَيحك إفتح عَيْنك مَتى رَأَيْت الْعقل يوثر الفاني على الْبَاقِي فَاعْلَم أَنه قد مسخ مازالت الدُّنْيَا مرّة فِي الْعبْرَة وَلَكِن قد مرض ذوقك لِسَان قَلْبك فِي عقلة غَفلَة وَسمع فهمك مسدود عَن الفطنة بقطنة وبصر بصيرتك مَحْجُوب بعشا عمى ومزاج تقواك منحرف عَن الصِّحَّة وَأما نبض الْهوى فشديد الخفقان سَارَتْ اخلاط الأمل فِي أَعْضَاء الكسل فتثبطت عَن البدار وَقد صَارَت المفاصل فِي منافذ الفهوم سددا وَمَا يسهل عَلَيْك شرب مسهل وَيحك إجتنب حلواء الشره فَإِنَّهَا سَبَب حمى الرّوح خل خل الْبُخْل فَإِنَّهُ يُؤْذِي عصب المرؤة

стр. 139

إِن عولجت أمراضك فعولجت وَإِلَّا ملكت فأهلكت لَو احتميت عَن اخلاط الْخَطَايَا لم تحتج إِلَى طَبِيب من ركب ظهر التَّفْرِيط نزل بِهِ دَار الندامة ألم تسمع أَن دَاوُد كَانَ قد أعْطى نعْمَة نَغمَة كَانَ يقف لَهَا المَاء فَلَا يسير وَالطير وقُوف الْأَسير فامتدت يَد الْغَفْلَة فقدت قَمِيص الْعِصْمَة فأثر زلله حَتَّى فِي التِّلَاوَة أعرض المعمار عَن المراعاة فتشعب منزل الصَّفَا وانقطعت جامكية الْعَسْكَر فتفرقت جنود ﴿أوبي﴾ كَانَ يُؤْتى بِالْإِنَاءِ نَاقِصا فيتمه بالدموع للمهيار (مَا لي شَرقَتْ بِمَاء ذِي الأثل ... هَل كدر الوراد من قبلي) (أم بَان سكان فاملح لي ... مَا كنت قبل الْبَين أستحلي) (مَا ابيض لي فِي الدَّار بعدهمْ ... يَوْم وَهل دَار بِلَا أهل) (رحلوا بأيامي الرقَاق على ... آثَارهم وبعيشي السهل) كَانَ عَيْش عيشة خضرًا فأحالت الْحَال سنة الهجر فَكَأَن أَيَّام الْوِصَال كَانَت سنة وَكَاد يقطع باليأس لَوْلَا التقاء الْخضر باليأس (أرقي قد رق لي من أرقي ... ورثى لي قلقي من قلقي) (وبكائي من بُكَائِي قد بكا ... وتشكت حرقي من حرقي) كَانَ دَاوُد إِذا أَرَادَ النِّيَاحَة نَادَى مناديه فِي أندية المحزونين فيجتمعون فِي مآتم الندوب فتزداد الحرق بالتعاون للْعَبَّاس بن الْأَحْنَف (يَا بعيد الدَّار عَن وَطنه ... مُفردا يبكي على شجنه) (كلما جد النحيب بِهِ ... زَادَت الأسقام فِي بدنه) (وَلَقَد زَاد الْفُؤَاد شجى ... هَاتِف يبكي على فننه) (شاقه مَا شاقني فَبكى ... كلنا يبكي على سكنه)

стр. 140

يَا مذنبين مُصِيبَتنَا فِي التَّفْرِيط وَاحِدَة وكل غَرِيب للغريب نسيب يَا مُتَرَافِقين فِي سفر الطَّرْد إنزلوا للنياحة فِي ساحة اندبوا طيب أوطان الْوَصْل واستغيثوا من هجير الهجر لَعَلَّ الْغم يَنْقَلِب غمامة تظل من لفخ الكرب للْمُصَنف (أَيْن فُؤَادِي إِذا بِهِ الْبعد ... وَأَيْنَ قلبِي أما صَحا بعد) (حدا بِذكر العقيق سايقه ... فطار شوقا بلبه الوجد) (جسم بِبَغْدَاد لَيْسَ تصحبه ... روح وروح يضمها نجد) (يَا لفؤاد مَا يستريح من الكرب ... لَهُ كل لَحْظَة وَقد) (آه لعيش قد كنت أَصْحَبهُ ... لَو كَانَ يَوْمًا لفايت رد) (أروح فِي حبكم ووا قلقي ... وَهَكَذَا اشْتَكَى إِذا اغدوا) (كل زماني جزر عَن الْوَصْل أشكوه ... فَهَلا تناوب الْمَدّ) (يَا سعد زِدْنِي جوى بذكرهم ... يَا سعد قل لي فديت يَا سعد) (بَلغهُمْ مَا أجن من حرق ... وَقل وَحدث بِبَعْض مَا يدو) (وَقل رَأَيْت الْأَسير فِي قلق ... وَقَالَ لي حُرْمَة ولي عهد) (ثمَّ فَسلم وَالْأَمر أَمرهم ... يَقُول مولى ويصمت العَبْد)

стр. 141

الْفَصْل الْخَامِس أيتها النَّفس تدبري أَمرك وتأملي ومثلي بَين مَا يفنى وَلَا تعجلِي لقد ضللت طَرِيق الْهدى فقفي واسألي وآثرت وَهنا مَا يؤرث وَهنا لَا تفعلي يَا غمرة من الشقا مَا أَرَاهَا تنجلي اتبع الْهوى والهوى عَليّ وَلَيْسَ لي أُرِيد حَيَاة نَفسِي وَنَفْسِي تُرِيدُ مقتلي يَا جسدا قد بلَى بِمَا قد بلَى (نخطو وَمَا خطونا إِلَّا إِلَى الْأَجَل ... وننقضي وَكَأن الْعُمر لم يطلّ) (والعيش يوذننا بِالْمَوْتِ أَوله ... وَنحن نرغب فِي الْأَيَّام والدول) (يَأْتِي الْحمام فينسى الْمَرْء منيته ... ونستقر وَقد أمسكن بالطول) (لَا تحسب الْعَيْش ذَا طول فتتبعه ... يَا قرب مَا بَين عنق الْمَرْء والكفل) (سلى عَن الْعَيْش إِنَّا لَا ندوم لَهُ ... وهون الْمَوْت مَا نلقى من الْعِلَل) (لنا بِمَا يَنْقَضِي من عمرنا شغل ... وكلنَا علق الأحشاء بالغزل) (ونستلذ الْأَمَانِي وَهِي مردية ... كشارب السم ممزوجا مَعَ الْعَسَل) أخواني أوقدوا أدهان الأذهان فِي ليل الْفِكر صابروا سني الجدب لعام الخصب تعصروا فَمن أدْلج فِي غياهب ليل العلى على نجايب الصَّبْر صبح منزل السرُور فِي السِّرّ وَمن نَام على فرَاش الكسل سَالَ بِهِ سيل التَّمَادِي إِلَى وَادي الأسف الرجولية قُوَّة معجونة فِي طين الطَّبْع والأنوثية رخاوة ولد السَّبع عَزِيز الهمة وَابْن الذِّئْب غدار وكل إِلَى طبعه عايد الْجد كُله حَرَكَة والكسل كُله سُكُون إِذا أردْت أَن تعرف الديك من الدَّجَاجَة حِين يخرج من

стр. 142

الْبَيْضَة فعلقه بمنقاره فَإِن تحرّك فديك وَإِلَّا فدجاجة فتورك عَن السَّعْي فِي طلب الْفَضَائِل دَلِيل على تَأْنِيث الْعَزْم يَا من قد بلغ أَرْبَعِينَ سنة وكل عمره نوم وَسنة يَا متعبا فِي جمع المَال بدنه ثمَّ لَا يدْرِي لمن قد أخزنه اعْلَم هَذِه النَّفس الممتحنة إِنَّهَا بكسبها مرتهنة أَلا يعْتَبر الْمَغْرُور بِمن قد دَفنه كم رأى جبارا فَارق مَسْكَنه ثمَّ سكن مسكن مسكنة أيا راحلين بِالْإِقَامَةِ يَا هالكين بالسلامة أَيْن من أَخذ صفو مَا أَنْتُم فِي كدره أما وعظكم فِي سيره بسيره بلَى قد حمل بريد الْإِنْذَار أخبارهم وأراكم تصفح الْآثَار آثَارهم (وحدثتك اللَّيَالِي ان شيمتها ... تَفْرِيق مَا جمعته فاسمع الخبرا) (وَكن على حذر مِنْهَا فقد نصحت ... وَانْظُر إِلَيْهَا تَرَ الْآيَات والعبرا) (فَهَل رَأَيْت جَدِيدا لم يعد خلقا ... وَهل سَمِعت بصفو لم يعد كدرا) حبال الدُّنْيَا خيال تغر الغر المتمسك بهَا يلْعَب بلعاب الشَّمْس الدُّنْيَا كالمرآة الْفَاجِرَة لَا تثبت مَعَ زوج فَلذَلِك عنت طلابها (ميزت بَين جمَالهَا وفعالها ... فَإِذا الملاحة بالقباحة لَا تفي) (حَلَفت لنا أَن لَا تخون عهودها ... فَكَأَنَّمَا حَلَفت لنا أَن لَا تفي) محبَّة الدُّنْيَا محنة عيونها بابلية كم تفتح بَاب بلية وَلَا حِيلَة كحيلة من عين كحيلة كم أفردت من أرفدت كم أخمدت من أخدمت كم فللت من ألفت من أفقرت من أرفقت كم فَارَقت من رافقت كم قطعت من أقطعت فعلهَا فِي التكدير كُله هَكَذَا فَإِن آثرت الصَّفَا فَمَا فِي الزّهْد أَذَى وَإِن أردْت القذى فالق ذَا للمهيار (تعجب من صبري على ألوانها ... فِي وَصلهَا طورا وَفِي هجرانها)

стр. 143

(ورهاء من كلفها وَثِيقَة ... كلفها مَا لَيْسَ من أديانها) (تسلط الْبلوى على عشاقها ... تسلط الْحِنْث على إيمَانهَا) (الود فِي الْقلب وَدَعوى ودها ... لَا يتَعَدَّى طرفِي لسانها) (فَكَمَا أعطتك فِي محبَّة ... زِيَادَة فاقطع على نقصانها) (وقفت اسْترْجع يَوْم بَينهَا ... قلبا شعاعا طاح فِي أظعانها) (وَلم يكن مني إِلَّا ضلة ... نشدان شَيْء وَهُوَ فِي ضَمَانهَا) يَا من إِذا أصبح طلب بالمعاش الشَّهَوَات وَإِذا أَمْسَى إنقلب إِلَى فرَاش الغفلات أَيْن أَنْت من أَقوام نصبوا الْآخِرَة نصب أَعينهم فنصبوا فوفر النصب نصِيبهم ﴿إِنَّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدَّار﴾ قَالَ بعض السّلف لقِيت رجلا فِي بَريَّة فَقلت من أَيْن فَقَالَ من عِنْد قوم ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾ قلت وَإِلَى أَيْن قَالَ إِلَى قوم ﴿تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع﴾ (بنفسي من غَدَاة نايت عَنْهُم ... تركت الْقلب عِنْدهم رهينا) (أما لَك أَيهَا الْقلب اعْتِبَار ... بِمَا فعل الْهوى بالعاشقينا) ملأوا مراكب الْقُلُوب مَتَاعا لَا ينْفق إِلَّا على الْملك فَلَمَّا هبت ريَاح الدجى دفعت المراكب لأبي اسحق الْغَزِّي (إِذا الصِّبَا سحبت أذيالها سحرًا ... على العقيق وقرت فِي ربى اضم) (وحرشت بَين بَان الْجزع ظالمة ... وشيحه وَجَرت فِي الضال وَالسّلم) (تنفس الوجد وارتاح المشوق وعاش ... الرّوح بِالروحِ بعد الْأَخْذ بالكظم) يَا سوق الْأكل أَيْن أَرْبَاب الصّيام يَا فرش النّوم أَيْن حراس الظلام درست وَالله المعالم وَوَقعت الْخيام قف بِنَا على الأطلال نخصها بِالسَّلَامِ

стр. 144

للمهيار (أَيْن سكانك لَا أَيْن هم ... أحجازا سلوكها أم شئاما) (قد وقفنا بعدهمْ فِي ربعهم ... فنهبناه استلاما والتزاما) أَتَرَى أَي طَرِيق سلكوا أَتَرَى أَي شعب أخذُوا (حمامة الواديين مَا الْخَبَر ... اعرسوا بالفرات أَن عبروا) مَا وصل الْقَوْم إِلَى الْمنزل إِلَّا بعد طول السرى مَا نالوا حلاوة الرَّاحَة إِلَّا بعد مرَارَة التَّعَب لصردر (لَو قرب الدّرّ على جلابه ... مَا لجج الخايص فِي طلابه) (وَلَو أَقَامَ لَازِما أصدافه ... لم تكن التيجان فِي حسابه) (مَا لُؤْلُؤ الْبَحْر وَلَا مرجانه ... إِلَّا وَرَاء الهول من عبابه) (من يعشق العلياء يلق عِنْدهَا ... مَا لَقِي الْمُحب من أحبابه) مَا حظي الدِّينَار بنقش إسم الْملك حَتَّى صبرت سبيكته على التَّرَدُّد إِلَى النَّار فنفت عَنْهَا كل كدر ثمَّ صبرت على تقطيعها دَنَانِير ثمَّ صبرت على ضربهَا على السِّكَّة فَحِينَئِذٍ ظهر عَلَيْهَا رقم النقش ﴿كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ (كم أحمل فِي هَوَاك ذلا وعنا ... كم اصبر فِيك تَحت سقم وضنا) (لَا تطردني فَلَيْسَ لي عَنْك غنا ... هَذَا نَفسِي إِذا أردْت الثمنا) من طلب الْأَنْفس هجر الألذ من اهتم بالجوهر نسي الْعرض يَا صفراء يَا بَيْضَاء غرى غَيْرِي

стр. 145

(من أجل هواكم عشقت العشقا ... قلبِي كلف ودمعتي مَا ترقا) (فِي حبكم يهون مَا قد ألْقى ... مَا يحصل بالنعيم من لَا يشقى) يَا معشر التائبين ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا﴾ مكابدة الْبَادِيَة تهون عِنْد ذكر منى المضحى فِي بوادي الْجُوع والمعشى بوادي السهر إِلَى أَن تلوح بوادي الْقبُول إِن ونت فِي السّير ركائبكم فأقيموا حداة الْعَزْم تدلج (الْبَين يَا أَيدي المطايا البينا ... لاتتشكى شوطك البطينا) (يَا حادييها من نمير عَامر ... خذا بهَا عَن حاجر يَمِينا) (حلا على وَادي الغضى نسوعها ... وأرخيا برامة الوضينا) (ردا بهَا مَاء العذيب عِلّة ... يشفى ويطفى داءها الدفينا) (واستخبرا بالجزع أنفاس الصِّبَا ... أَيْن اسْتَقل الجيرة الغادونا) يَا مطرودا عَن صُحْبَة الصَّالِحين إمش فِي أَعْرَاض الركب وناشد حادي الْقَوْم لَعَلَّه يتَوَقَّف لَك (يَا حادي العيس اصخ لمدنف ... متيم لج بِهِ الغرام) (إِذا وقفت فِي ثنيات اللوى ... وَلَا الديار والخيام) (وافترت الرياض عَن أزهارها ... عقيب مَا قد رَحل الْغَمَام) (وهبت الرّيح فَهَب شيحها ... وانتبه الحوذان والثمام) (فقف قَلِيلا نتزود نظرة ... تحيى بهَا الْأَرْوَاح وَالسَّلَام)
следующие страницы →