← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6940

المدهش

ابن الجوزي

Полный текст (530 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْفَصْل الْخَامِس فِي قصَّة ثَمُود لما أَعرَضت ثَمُود عَن كل فعل صَالح بعث إِلَيْهِم للإصلاح صَالح فتعنت عَلَيْهِ نَاقَة أهوائهم بِطَلَب نَاقَة فَخرجت من صَخْرَة صماء تقبقب ثمَّ فصل عَنْهَا فصيل يرغو فارتعت حول نهي نهيهم عَنْهَا فِي حمى حماية ﴿وَلَا تمسوها﴾ فاحتاجت إِلَى المَاء وَهُوَ قَلِيل عِنْدهم فَقَالَ حَاكم الْوَحْي ﴿لَهَا شرب﴾ فَكَانَت يَوْم وردهَا تقضي دين المَاء بِمَاء درها فَاجْتمعُوا فِي حلَّة الْحِيلَة على شاطئ غديرالغدر فدار قدار حول عطن ﴿فتعاطى﴾ فصاب عَلَيْهِم صيب صاب صَاع صَاعِقَة الْعَذَاب الْهون فحين دنا وديدن دمغهم دمار فدمدم فَأَصْبَحت الْمنَازل لهول ذَلِك النَّازِل ﴿كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾

стр. 72

الْفَصْل السَّادِس فِي قصَّة الْخَلِيل ﵇ كَانَ الكهنة قد حذرت نمْرُود وجود محَارب غَالب فَفرق بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء فَحمل بِهِ على رغم أنف اجْتِهَاده فَلَمَّا خَاضَ الْمَخَاض فِي خضم أم إِبْرَاهِيم وَجعلت بَين خيف الْخَوْف وحيز التحيز تهيم فَوَضَعته فِي نهر قد يبس وسترته بالحلفاء ليلتبس وَكَانَت تخْتَلف لرضاعه وَقد سبقها رضَاع ﴿وَلَقَد آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رشده من قبل﴾ فَلَمَّا بلغ سبع سِنِين رأى قومه فِي هزل ﴿وجدنَا آبَاءَنَا﴾ فجادلهم فجدلهم فجدلهم وابرز نور الْهدى فِي حجَّة ﴿رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت﴾ فقابله نمْرُود بسهى السَّهْو فِي ظلام ﴿أَنا أحيي﴾ فَأَلْقَاهُ كاللقا على عجز الْعَجز بآفات ﴿فأت بهَا من الْمغرب فبهت﴾ ثمَّ دخل دَار الْفَرَاغ ﴿فرَاغ عَلَيْهِم﴾ فجردوه من برد برد الْعدْل إِلَى حر حرقوه فبنوا لسفح دَمه بنيانا إِلَى سفح جبل فاحتطبوا لَهُ على عجل الْعجل فوضعوه فِي كفة المنجنيق فاعترضه جِبْرِيل فِي عرض الطَّرِيق فناداه وَهُوَ يهوي فِي ذَلِك الفلا أَلَك حَاجَة قَالَ أما إِلَيْك فَلَا فَسبق بريد الْوَحْي إِلَى النَّار بِلِسَان التفهيم ﴿كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم﴾

стр. 73

الْفَصْل السَّابِع فِي قصَّة الذَّبِيح ﵇ لما ابتلى الْخَلِيل بالنمرود فَسلم وبالنار فَسلم امْتَدَّ ساعد الْبلَاء إِلَى الْوَلَد المساعد فظهرت عِنْد الْمُشَاورَة نجابة ﴿افْعَل مَا تُؤمر﴾ وآب يُوصي الْأَب أشدد باطي ليمتنع ظاهري من التزلزل كَمَا سكن قلبِي مسكن السّكُون واكفف ثِيَابك عَن دمي لِئَلَّا يصبغها عندمي فتحزن لرُؤْيَته أُمِّي واقر السَّلَام عَلَيْهَا مني فَقَالَ نعم العون أَنْت يَا بنى ثمَّ أَمر السكين على مريئي الْمَرْء فَمَا مرت غير أَن حسرات الْفِرَاق للعيش أمرت فطعن بهَا فِي الْحلق مَرَّات فنبت لَكِن حب حب الرِّضَا فِي حَبَّة الْقلب نبت يَا إِبْرَاهِيم من عَادَة السكين أَن تقطع وَمن عَادَة الصَّبِي أَن يجزع فَلَمَّا نسخ الذَّبِيح نُسْخَة الصَّبْر ومحا سطور الْجزع قلبنا عَادَة الْحَدِيد فَمَا مر وَلَا قطع وَلَيْسَ المُرَاد من الِابْتِلَاء أَن نعذب وَلَكنَّا نبتلي لنهذب أَيْن المعتبرون بقصتهما فِي غصتهما لقد حصحص الْأجر فِي حصتهما لما جعلا الطَّاعَة إِلَى الرِّضَا سلما سل مَا يُؤْذِي فسلما

стр. 74

وَكلما كلما حَاجِب كلم كل مَا بِهِ تذبحان فصد مَا بِهِ صدما بَينا هما على تل ﴿وتله﴾ جَاءَ بشير ﴿قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ فَارْتَد أعمى الْحزن بَصيرًا بقميص ﴿وفديناه﴾ لَيْسَ الْعجب أَمر الْخَلِيل بِذبح وَلَده وَإِنَّمَا الْعجب مُبَاشرَة الذّبْح بِيَدِهِ وَلَوْلَا استغراق حب الامر لما هان مثل هَذَا الْمَأْمُور

стр. 75

الْفَصْل الثَّامِن فِي قصَّة ذِي القرنين قطع ذِي القرنين الأَرْض واقطعها فَمر سالكا مسلكا مَا فت سبسبه فَتى ﴿فأتبع سَببا﴾ فشمر مشمرا مَا تلفت حَتَّى لفت شملة جمع شَمله بالشمس فِي عين حمئه فَلَمَّا أفرغ غرب الغرب على غارب الغربة مَشى نَحْو الْمَشَارِق وَلم يزل يحوز الْكُنُوز وَيجوز إِلَى قتل من يجوز إِلَى أَن طلعت طلايعه الطلعة على مطلع الشَّمْس فابرز نير عدله الْمشرق فِي الْمشرق ثمَّ رأى بَاقِي عرضه فِي دَمه مِقْدَار مقدرته كَالدّين فسلك بَين السدين فَلَمَّا حشى حَشا الجبلين بالزبر ولج المفسدون قسر قصراهم على مضض ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا﴾ عجبا لَهُ كم اقتنى من أصقع وأقنف وَكم أسعف باغشى وأسعف وَكم لطى لَهُ من لطيم واخيف وَكم سعى بِهِ من اكسع وقفز بِهِ من اقفز وَمَشى بِهِ فِي محجة الْمشرق محجل وطرق بِهِ طَرِيق الْمغرب مغرب كم صَحبه من سايف ونابل وسالح كم تبعه من مدجج ورام ورامح كم تقدم فِي مقدمته من مقنع مقتنع كم تبعه من فِي السِّلَاح كَافِر غير شَاك فِي الصّلاح وَلَا كَافِر فَمَا دَرأ عَنهُ الاد المودى لَهُ مود وَلَا دارى عَن دَاره الدَّوَائِر دارع وَلَا رد عَنهُ ورد وَلَا كميت إِذْ ورد عَلَيْهِ مَا تَركه كميت وَلَا فر بِهِ من منيته

стр. 76

سَابق وَلَا سكيت فَكَأَنَّهُ إِذا مَاتَ مَا تحرّك على حارك فرس وَلَا شَاك شاكلته بشولحة عقب بل مر كَأَنَّهُ لم يكن وذل للْمَوْت وَقبلهَا لم يهن فتلمح آخر الدُّنْيَا إِن كنت تَدْرِي وَانْظُر فِي أَي بَحر إِلَى الْهَلَاك تجْرِي واصخ لخطاب الخطوب وافهم مَا يجْرِي وَكن على أهبة فهذي الركاب تسري للشريف الرضي (أَو مَا رَأَيْت وقائع الدَّهْر ... أَفلا تسيء الظَّن بالعمر) (بَينا الْفَتى كالطود تَمنعهُ ... هضباته والعصب ذِي الْأَثر) (يَأْبَى الدنية فِي عشيرته ... ويجاذب الْأَيْدِي على الْفَخر) (وَإِذا أَشَارَ إِلَى قبائله ... حشدت عَلَيْهِ بأوجه غر) (زل الزَّمَان بِوَطْء أَخْمُصُهُ ... ومواطئ الْأَقْدَام للعثر) (نزع الإباء وَكَانَ شملته ... واقر اقرارا على صغر) (صدع الردى أعيى تلاحمه ... من ألحم الصدفين بالقطر) (جر الْجِيَاد على الوجى وَمضى ... أمما يدق السهل بالوعر) (حَتَّى التقى بالشمس مغمده ... فِي قَعْر مُنْقَطع من الْبَحْر) (ثمَّ انْثَنَتْ كف الْمنون بِهِ ... كالضغث بَين الناب وَالظفر) (لم تشتجر عَنهُ الرماح وَلَا ... رد الْقَضَاء بِمَالِه الدثر) (جمع الْجنُود وَرَاءه فَكَأَنَّمَا ... لاقته وَهُوَ مضيع الظّهْر) (وَبنى الْحُصُون ممتعا فَكَأَنَّمَا ... أَمْسَى بمضيعة وَلَا يدْرِي) (وَيرى المعابل للعدى فَكَأَنَّمَا ... لحمامه كَانَ الَّذِي يبرى)

стр. 77

(أودى وَمَا أودت مناقبه ... وَمن الرِّجَال معمر الذّكر) (إِن التوقي فضل معْجزَة ... فدع الْقَضَاء يقد أَو يفري) (نحمي المطاعم للبقاء وَذي ... الْآجَال ملؤ فروجها تحزي) (لَو كَانَ حفظ النَّفس ينفعها ... كَانَ الطَّبِيب أَحَق بالعمر) (الدَّاء دَاء لَا دَوَاء لَهُ ... سيان مَا يوبي وَمَا يمري)

стр. 78

الْفَصْل التَّاسِع فِي قصَّة قوم لوط لما تهاوى قوم لوط فِي هوة أهوائهم وتنادوا فِي جِهَات جهلهم ﴿أخرجُوا آل لوط﴾ بعثت الْأَمْلَاك لانتزاع ملاك الْحَيَاة من أَيْديهم فنزلوا من منزل لوط منزل النزيل وهم فِي أفسح بَيت بنى من الْكَرم غير أَن حارس حذره يُنَادي ﴿وضاق بهم ذرعا﴾ فخاف من قومه آذاهم فَإِذا هم ﴿يهرعون﴾ فَأخذ يدافع تَارَة بمشورة ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ وَتارَة بتقاة ﴿فَاتَّقُوا الله﴾ وَتارَة بسؤال ﴿وَلَا تخزون﴾ وَتارَة بتوبيخ ﴿أَلَيْسَ مِنْكُم﴾ فَلَمَّا كل كل سلاحه وأعيته جِهَات جهاده أَن برمز ﴿لَو أَن لي بكم قُوَّة﴾ فحجبهم جِبْرِيل بحجاب ﴿فطمسنا﴾ وانتاشه من أسر الْغم بِلَفْظ ﴿فَأسر﴾ فَلَمَّا علم أَن الْمَلأ مَلَائِكَة تشوق إِلَى تَعْجِيل التعذيب فنادت عواطف الْحلم ﴿أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب﴾ فَسَار بأَهْله على اعجاز نَجَائِب النجَاة إِلَّا عَجُوز الْعَجز عَن عرفان المعجز فَإِنَّهَا لحقت بالعجزة فَلَمَّا لَاحَ مِصْبَاح الصَّباح احْتمل جِبْرِيل قرى من جنى على قرى جنَاحه فَلم ينكسر فِي وَقت رفعهم أناء وَلم يرق فِي صعُود صعودهم مَاء فَلَمَّا سمع أهل السَّمَاء نباح كلابهم أسرعت كف القلى بهم فِي انقلابهم فتفكروا

стр. 79

بِالْقَلْبِ كَيفَ جوزوا على قلب الْحِكْمَة بِالْقَلْبِ ثمَّ بعث إِلَيْهِم سَحَاب فشصا بالشصائص واحزال ثمَّ آل إِلَيْهِم فاكفهرت بِالْغَضَبِ أرجاؤه واحومت بالسخط أرجاؤه وابذعرت فعرت بوارقه وارتتقت فِي جو الجوى جوبه واستقلت على قلل قلاقل الردى أردافه فارتجز بأرجوزة الرجز قبل أَن يهمي فهمهم فِي دوى بأدواء فِي دو دورانه فاظلم وركد كَيده فَلم تكد قلوعه تقلع حَتَّى قلعهم حِينه حِين اثجم فَمَا أرك وَلَا دث وَلَا بغش بل قطقط فافرط وَعم عميمه حِين اغمط فتقاطر على قطرهم من قَطْرَة قطر الْحِجَارَة وبغتهم فِي غرَّة غرتهم بالغرور حِين شن الْغَارة تالله لقد ضكضك الْعَذَاب فضعضعهم فتضعضعوا وانقض بقضه وقضيضه فقضقض عِظَام عظامهم وقطعها فتقطعوا وَسَار بهم على طرفسان عِقَاب الْعقَاب إِلَى عوطب العطب فاهرمعوا وَكَانُوا فِي كن صافي الصفاة فَمروا إِلَى مر الملق فانفرنقعوا وهمس هميسعهم وَهل لمثلهم إِلَّا الوهل والوهى ولات حِين مناص فادرنقعوا وبرقط المخر نَشُمُّ بعد أَن بهنس وبلطط

стр. 80

فبلطح وحزن المبرنشق بعد أَن زهزق فبلسم وكلح فاجيل على ذَلِك الجيل سجل السجيل فَمَا برح حَتَّى برح وَدَار هَاتِف الْعبْرَة على دارس دَارهم يُنَادي ﴿وَلَقَد تركنَا مِنْهَا آيَة﴾ فليحذر العازمون على طروق طريقهم من وَعِيد ﴿وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد﴾ قبل غصص الجرض والم الحرض عِنْد حُلُول الْمَرَض حِين يعتقل اللِّسَان ويتحير الْإِنْسَان وتسيل الأجفان وَيَزُول الْعرْفَان وتنشر الأكفان فيا عجبا كَيفَ ألفى لَذَّة الْعَيْش الفاني أَلفَانِ وَقد مر فَأمر كل مَا كَانَ ﴿كل من عَلَيْهَا فان﴾

стр. 81

الْفَصْل الْعَاشِر فِي قصَّة يُوسُف ﵇ لما تمكن الْحَسَد من قُلُوب أخوة يُوسُف ارى الظَّالِم مَال الظَّالِم فِي مرْآة ﴿إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا﴾ فتلطفوا بخداع ﴿مَا لَك لَا تأمنا﴾ وشوقوا يُوسُف إِلَى رياض ﴿يرتع ويلعب﴾ فَلَمَّا أصحروا أظهرُوا المقت لَهُ ورموا بِسَهْم الْعدوان مَقْتَله ففسخ نَهَار رفقهم بِهِ ليل انتهارهم لَهُ فصاح يهودا فِي بقايا شفق الشَّفَقَة واغباش غيابة الْحبّ ﴿لَا تقتلُوا يُوسُف وألقوه فِي غيابة الْجب﴾ فَلَمَّا ألقوه وَقَالُوا هلك جَاءَ ملك من عِنْد ملك يَقُول ستبلغ أملك ﴿لتنبئنهم﴾ فعادوا عَمَّن عَادوا كالأعشى ﴿عشَاء يَبْكُونَ﴾ ولطخوا قَمِيصه الصَّحِيح ﴿بِدَم كذب﴾ فلاحت عَلامَة سَلامَة الْقَمِيص كي يظْهر كيدهم فَقَالَ حَاكم الفراسة ﴿بل سَوَّلت﴾ فَلَمَّا ورد وَارِد السيارة باعوا الصدفة وَلم يتلمحوا الدرة وَاعجَبا لقمر قومر بِهِ فَلَمَّا وصل إِلَى مصر تفرس فِيهِ الْعَزِيز فأجلسه على اعزاز ﴿أكرمي﴾ فشغف قلب سيدته وفرى فراودته فَسَار بأقدام الطَّبْع فِي فلاة غفلات ﴿هَمت بِهِ وهم بهَا﴾ رد ﴿لَوْلَا أَن رأى﴾ فانقذ قوى الْفِرَار وَمَا استبقى ﴿واستبقا﴾ فانبسطت يَد الْعدوان وامتدت ﴿وقدت﴾ فَلَمَّا بَانَتْ حجَّته فِي ابان ﴿وَشهد شَاهد﴾ أخذت تزكي مصراة الْإِصْرَار بِيَمِين يَمِين ﴿وَلَئِن لم يفعل﴾ فَاخْتَارَتْ درة فهمه

стр. 82

صدفة الْحَبْس لجهل النَّاقِد ﴿رب السجْن أحب إِلَيّ﴾ فَلَمَّا ضَاقَ قفص الْحصْر على بلبل الطَّبْع ترنم بِصَوْت ﴿اذْكُرْنِي﴾ فَعُوقِبَ بإيثاق بَاب ﴿فَلبث فِي السجْن﴾ فَلَمَّا آن أَوَان الْفرج خرج إِلَى الْملك هَذَا وَيَعْقُوب مفترش فرَاش الأسى على حزن الْحزن لَا يستلذ نوما وَلَا سنة ثَمَانِينَ سنة حَتَّى نحل الْبدن وَذهب الْبَصَر (لم يبْق لي بعدكم رسم وَلَا طلل ... إِلَّا وللشوق فِي حَافَّاته عمل) (إِذا شممت نسيما من بِلَادكُمْ ... فقدت عَقْلِي كَأَنِّي شَارِب ثمل) فَلَمَّا عَم عَام الْقَحْط أَرض كنعان خرج أخوته لطلب الْميرَة فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي ظلام ظلمهم فَرَآهُمْ الْمَظْلُوم بِعَين ﴿لتنبئنهم﴾ وخفى عَلَيْهِم نعْمَة ﴿اقْتُلُوا يُوسُف﴾ فاقبل عَلَيْهِم سَائِلًا وَاقْبَلْ الدمع سايلا وتقلقل تقلقل الْوَاجِد ليسمع أَخْبَار الْوَالِد (أيه أَحَادِيث نعْمَان وساكنه ... إِن الحَدِيث عَن الأحباب أسمار) (أفتش الرّيح عَنْكُم كلما نفحت ... من نَحْو أَرْضكُم نكباء معطار) فَقَالُوا جِئْنَا من أَرض كنعان وَلنَا شيخ يُقَال لَهُ يَعْقُوب وَهُوَ يقْرَأ ﵇ فَلَمَّا سمع رِسَالَة أَبِيه انتفض طَائِر الوجد لذكر الحبيب (وداع دَعَا إِذْ نَحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الْفُؤَاد وَمَا يدْرِي) فَرد السَّلَام قلبه قبل لِسَانه وشغله وكف شانه عَن شانه وَقَالَ مقول إبدائه بِعِبَارَة صعدائه (خذي نَفسِي يَا ريح من جَانب الْحمى ... فلاقي بِهِ لَيْلًا نسيم ربى نجد) (فَإِن بِذَاكَ الجو حبا عهدته ... وبالرغم مني أَن يطول بِهِ عهدي) ثمَّ انه طلب آخاه فاحتالو بِحجَّة منع منا الْكَيْل فَلَمَّا حملُوا حَال بَينهم وَبَينه بحيلة ﴿جعل السِّقَايَة﴾ فَلَمَّا دخل وَقت التُّهْمَة ﴿أذن مُؤذن﴾

стр. 83

فعادوا إِلَى أَبِيهِم بشجى على شجن وقرح على جرح وعقر على عقر فِي عقر فَقَامَ وَقد تقوس وَعَسَى على بَاب ﴿عَسى﴾ ثمَّ بَعثه لطف ﴿لَا تقنطوا﴾ على أَن بَعثهمْ برسالة ﴿فتحسسوا﴾ فَلَمَّا رجعُوا دخلُوا من قفر الْفقر فاستلقوا فِي ساحة الضّر ينادون على غليل عليل الذل ﴿وَتصدق علينا﴾ تالله لقد جوزيت أيد مدها تغشرم ﴿وشروه﴾ أَن مدت فِي طَرِيق ذل ﴿وَتصدق علينا﴾ فَلَمَّا عرفوه اعْتَرَفُوا فمحى مَا اقترفوا بكف ﴿لَا تَثْرِيب﴾ فَرفع من مَوَائِد تِلْكَ الْفَوَائِد نصيب الْوَالِد ﴿اذْهَبُوا بقميصي﴾ فَهبت نسايم الْفَرح فتوغلت فِي خياشيم مَرِيض كالفرخ من فرج الْفرج فَخر ركام الزُّكَام عَن منخر الضّر فَنَادَى مدنف الوجد ﴿إِنِّي لأجد﴾ (نشدتك الله يَا نسيم ... مَا فعلت بَعدنَا الرسوم) (هَل استهلت بهَا الغوادي ... ونمقت روضها الغيوم) (وَهل بهَا من عهِدت فِيهَا ... بعد على حَاله مُقيم) (علل بِروح الْوِصَال صبا ... أنفاسه للجري سموم) (وعد فَسلم على أنَاس ... مَا أَنا من بعدهمْ سليم) (واشرح لَهُم حَال مستهام ... أَنْت بأشواقه عليم) (وَقل غَرِيب ثوى بِأَرْض ... فِي غَيرهَا قلبه يهيم) (يكابد الشوق حِين يُمْسِي ... وتعتري قلبه الهموم) (أحبابنا تَنْقَضِي اللَّيَالِي ... وَمَا انْقَضتْ تلكم الكلوم) (ذَاك اللديغ الَّذِي عهدتم ... بعد على حَاله سقيم) (أصبح من فقركم وحيدا ... فَلَا خَلِيل وَلَا حميم) (لم تجر ذكر الْفِرَاق إِلَّا ... حن كَمَا حنت الرزوم)

стр. 84

فَلَمَّا كشف يَعْقُوب فدام الوجد بكف ﴿إِنِّي لأجد﴾ احدقت بِهِ عواذل ﴿تالله تفتأ﴾ تالله لَو وجدوا مَا وجد مَا انكروا مَا عرف للمهيار (هَل لَكمَا من علم ... بالطارق الملم) (سرى على الدياجي ... سرى أَخِيه النَّجْم) (يشق نجدا عرضا ... من شخصه بِسَهْم) (فنور اللَّيْل وَلَيْسَت ... من ليَالِي التم) (خُذ يَا نسيم عني ... تحيتي ولثمي) (وهنهم بوجدهم ... من الْكرَى وعدمي) (قَالُوا هجرت أَرضهم ... أهجرها برغمي) (قد وصلت إِلَى الحشا ... رسلكُمْ بِالسقمِ) (فَلم تدع وَاسِطَة ... بَين دمي ولحمي) (عج كي ترى رسوما ... ثَلَاثَة فِي رسم) (سوى النحول بَيْننَا ... تعرفنا بالوهم) (خطّ هِلَال لَيْلَة ... ودارهم وجسمي)

стр. 85

الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي قصَّة أَيُّوب ﵇ جمع لأيوب بَين كَثْرَة المَال وَحسن الْأَعْمَال فملا مدحه بالوفاق الْآفَاق فأثارت تِلْكَ الْآثَار حسدا من ابليس قد تقادم مُنْذُ آدم فَقَالَ يَا رب إِن سَلطنِي عَلَيْهِ القيته فِي الْفِتْنَة فالفيته فِي الفئة المفتونين فَقيل قد سلطناك على مَاله من مَال فَمَال إِلَى جَمِيع عفاريته ففرقهم فِي تمزيق مَاله وَتَوَلَّى هُوَ رمي بَيته على بنيه ثمَّ أَتَى فِي صُورَة معلمهم يُعلمهُ فَرَأى ذَلِك لَا يؤلمه انصت الْعَدو ليسمع عربدة السكر فَإِذا أَيُّوب يَتْلُو آيَات الشُّكْر فصاح بِلِسَان حسده سَلطنِي على جسده فَسَلَّطَهُ وَقد سبقه الصبرفتقطع الْجِسْم وداد وَمَا تقطع رسم الوداد فَأخْرجهُ أهل قريته لقرح قرحه إِلَى قرواح كناسَة فَرَمَوْهُ كسيرا كالكسرة وَكسَاء كساده عِنْدهم أَعلَى عندنَا من أغْلى كسْوَة كسْرَى فَلم يزل مَا نزل بِهِ حَتَّى بدا حجاب بَطْنه وَكَانَ يبصر عِظَامه ومعاه مَعًا للمهيار (مَا اخْتصَّ مني السقام جارحة ... كل جهاتي أغراض منتبل) (إِذا لحاظي لجسمي امتعضت ... من الضنا قَالَ قلبِي احْتمل) فدام هَذَا الْبلَاء عَلَيْهِ سِنِين وفدام الصمت عَن الشكوى على فِيهِ تبين وَلم يبْق غير اللِّسَان للذّكر وَالْقلب للفكر فَلَو أصغى إِلَى نطق

стр. 86

حَاله سمع فهم أَو سَأَلَهُ عَن وجده رب قلب لسمع من الذماء الذما يُنَاجِي بِهِ الْحق للشريف الرضي (محا بعدكم تِلْكَ الْعُيُون بكاؤها ... وغال بكم تِلْكَ الأضالع غولها) (فَمن نَاظر لم تبْق إِلَّا دُمُوعه ... وَمن مهجة لم يبْق إِلَّا غليلها) (دعوا لي قلبا بالغرام أذيبه ... عَلَيْكُم وعينا فِي الطلول أجيلها) فَلَمَّا كع ابليس لَقِي زَوجته فِي صُورَة متطبب فَقَالَ عِنْدِي دواؤه بِشَرْط أَن يَقُول بشفتيه شفيتني فَجَاءَت تدب وَقد أَنْسَاهَا طول الْبلَاء تدبر الْمَعْنى فَأخْبرت من قد خبر عَدو الْعَدو فَغَضب الْمُؤَدب على تلميذ مَا يقوم بطول الصُّحْبَة فَحلف لَئِن شفي ليجلدنها مئة فَبينا الْمَرْء يكابد المر مر بِهِ صديقان لَهُ فَقَالَا لَو علم الله من هَذَا خيرا مَا بلغ بِهِ هَذَا الْأَمر فَمَا شدّ على سَمعه أَشد من ذَلِك فَخر على عتبَة ﴿فَلَا تشمت﴾ واستغاث بِلَفْظ ﴿مسني﴾ وَصَاح بادلال لَو أقسم فجَاء جِبْرِيل برسالة ﴿اركض﴾ وَلَيْسَ الْعجب لَو ركض جِبْرِيل إِنَّمَا الْعجب أَن يرْكض العليل فركضت خيل النعم عِنْد ركضته فَردَّتْ وَمَا غَار المَاء مَا أغير عَلَيْهِ من نعْمَته فنسى بنسيم الْعَافِيَة مَا ألم من ألم وَردت يَد الْمِنَّة كل مَا مر مِنْهُ وَذهب وَكَانَ نثار الرِّضَا على وادية بعد أَن جرى وَادي جرادى من ذهب واقبلت زَوجته وَعَلِيهِ يَمِين ضربهَا وَمَا كَانَ يحسن فِي مُقَابلَة صبرها فاقبل لِسَان الْوَحْي يَتْلُو فَتْوَى الرَّحْمَة ويراعي مَا سبق من مُرَاعَاة رَحْمَة ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا﴾ تالله مَا ضره مَا أكل من جسده الدُّود لما اختال فِي ثوب مودود واصبح مصطحبا شراب السرُور من جود الْجُود فرنت قيان الْفَرح إِذْ غنت السّنة الْمَدْح لَا بِعُود وفاح عبير الثَّنَاء فَزَاد نشره على كل عود ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نعم العَبْد﴾

стр. 87

الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي قصَّة شُعَيْب ﵇ لما رأى شُعَيْب شعب شعاب قومه قد امْتَلَأت بالجور صعد مِنْبَر التَّذْكِير بالأنعام وَلَكِن بَين الْأَنْعَام فخوفهم من قحم قحل الْقَحْط فِي اشارة ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَير﴾ فتلقوه باستهزاء ﴿أصلاتك﴾ ومدوا نَحوه بَاعَ النخوة ﴿لنخرجنك﴾ وتعللوا بِحجَّة ﴿مَا نفقه﴾ وانتهوا إِلَى عتو ﴿فأسقط علينا﴾ فَلَمَّا اسمهر ظلام ظلمهم اسحنكك ليل ادبارهم واسلنطح نَهَار هلاكهم فحقحق إِلَيْهِم مَا حق عَلَيْهِم من محقهم فَاضل على ظلل ضلالهم عَذَاب ﴿الظلة﴾ فارتجت أرجاء بُيُوتهم برج الرجفة وشدت عَلَيْهِم شدَّة الْحر فَهَرَبُوا إِلَى الْبر فَإِذا سَحَابَة تسحب ذيل برد الْبرد فَتَنَادَوْا هلموا إِلَى رَاحَة الرّوح فَلَمَّا تمّ اجْتِمَاعهم فِي قصر الْحصْر وظنوا أَنَّهَا من حر وقتهم وقتهم نزلت بهم نَار فَأَحْرَقَتْهُمْ فَسَارُوا إِلَى جَهَنَّم فِي أسر أدبارهم وَسَار بعد بعدهمْ فِي ادبارهم نَذِير التحذير من تبديرهم وعابهم فِي عِقَاب عقابهم ﴿أَلا بعدا لمدين﴾ فليحذر العصاة مثل أَفْعَى أفعالهم وليتق أعمى البصيرة شبه أَعْمَالهم وليخف المطففون من أَخذ التطفيف فِي مكيالهم وليسمعوا نَذِير الْعبْرَة فقد أوحى إِلَيْهِم بشرح أَعْمَالهم

стр. 88

الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي ذكر بداية مُوسَى ﵇ كَانَت الكهنة قد أخْبرت فِرْعَوْن بِوُجُود مُوسَى فاطلق الموسى فِي ذبح الْأَطْفَال فَلَمَّا اتهمت أم مُوسَى بِالْوَضْعِ أوضع الحرس إِلَى بَيتهَا بِالطَّلَبِ فأدركها عِنْد الْعلم الدهش فألقته فِي التَّنور إِلْقَاء الْحَطب فَلَمَّا عَادَتْ فرأته قد سلم شاهدت فِي ضمن مَا صنعت أثر ﴿واصطنعتك﴾ فَكَانَت سَلَامَته من النَّار نَقْدا لأجل احْتمل لأَجله وَعدا لنجاة يَوْم اليم لما سعت بتابوته إِلَى الْبَحْر ارتعشت يَد التَّسْلِيم فَأَمْسكهَا فصاح شُجَاع الشجَاعَة بملء فِيهِ أَن اقذفيه فِيهِ فصدرت بعد إلقائه بصدر قد لوى بِهِ لواعج الاشتياق لَا يعلم قدر مَا بِهِ إِلَّا من قد رمي بِهِ فتلقاها بالبشر بشير ﴿إِنَّا رادوه﴾ فَلم تزل أمواج اليم تيَمّم بِهِ مسالك الْقدر إِلَى أَن خبت بِهِ خيل النّيل فشرعت فِي تنَاوله مشرعة دَار فِرْعَوْن فألقته فِي بَريَّة ﴿فالتقطه﴾ فَلَمَّا فتحُوا التابوت أَسْفر عَن مُسَافر على نجيب النجابة قد جعل زَاده فِي مزود ﴿ولتصنع﴾ ووشح قلادة الْحبّ قد رصعت بدر ﴿وألقيت﴾ فَقَامَ فِرْعَوْن على أَقْدَام الْأَقْدَام على قَتله فَخرجت آسِيَة من كمين اتِّبَاعه تنطق عَن لِسَان ﴿سبقت﴾ لَهُم وتنادي فِي مخدع خديعة الْحَرْب ﴿قُرَّة عين لي وَلَك﴾ وَتجمع فِي كَلَامهَا مَا هُوَ فَرد فِي لُغَة الْغدر ﴿عَسى أَن ينفعنا﴾ فَلم يزل فِرْعَوْن فِي أغباش غرور يذبح حَتَّى طلع غرر صبح ﴿ونريد أَن نمن﴾

стр. 89

فَلَمَّا قصّ شوق أمه جنَاح صبرها قَالَت لأخته ﴿قصيه فبصرت بِهِ﴾ فِي حَرِيم ﴿وحرمنا﴾ فدنت فدندنت حول حلَّة الْحِيلَة بحول ﴿هَل أدلكم﴾ فَلَمَّا حفظت بَاب الْمَكْر بحارس ﴿يكفلونه لكم﴾ دخل طفيلي الوجد من بَاب ﴿وهم لَهُ ناصحون﴾ فَجَاءَت بأمها يؤمها دَلِيل الطَّرب فَكَادَتْ إِذْ حضرت تحضر فِي ميدان ﴿لتبدي بِهِ﴾ فكبحها لجام ﴿لَوْلَا أَن ربطنا﴾ فخافت لِسَان جهرها لما خَافت فسل من أَيْديهم إِلَى سلم تَسْلِيمهَا فقر فِي حجر ﴿كي تقر عينهَا﴾ وترنمت بلابل الْوِصَال فاخرست بلابل الْفِرَاق فربي مُوسَى فِي ربى فِرْعَوْن ونمى بَين نمارقه إِلَى أَن آن أَوَان مشاجرته فَجرى الْقدر بقتل القبطي ليَكُون سَببا فِي سر سير ﴿وَلما توجه﴾ فسعى على أرجاء رَجَاء ﴿عَسى رَبِّي﴾ فتزود مزود ﴿وَلما ورد﴾ فتجمع شَمل الصهر بِوَاسِطَة ﴿إِن أبي﴾ فَبَقيَ ضَمَان الْوَفَاء إِلَى أَمَانَة ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الْأَجَل﴾ فتلمح معنى ﴿قَالَ لأَهله امكثوا﴾ فيبدو فِي بادية الْحيرَة أنيس ﴿إِنِّي آنست﴾ فترامى كف الطمع إِلَى مرامي ﴿لعَلي آتيكم﴾ فأطل على طلل الطّلب أَقْدَام ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ فتلقط ثمار التَّكَلُّم من غير كلفة ﴿وهزي﴾ تساقط من جني جنَّات التجلي ﴿إِنِّي أَنا الله﴾

стр. 90

الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي تكليم الله مُوسَى ﵇ لما خرج مُوسَى بأَهْله من مَدِينَة مَدين انْطلق طلق الطلق بِزَوْجَتِهِ فَمَا زَالَ يكادح المقادح فَلم تور لِأَن عروس نَار الطّور لما هَمت بالتجلي نوديت النيرَان بِلِسَان الْغيرَة من الْمُشَاركَة ﴿قضى﴾ فَقَامَ على أَقْدَام التحيرة فَهَتَفَ بِهِ أنيس ﴿آنس﴾ فأنس (يَا حَار إِن الركب قد حاروا ... فَاذْهَبْ تجسس لمن النَّار) (تبدو وتخبو إِن خبت وقفُوا ... وَإِن أَضَاءَت لَهُم سَارُوا) فشمر مُوسَى عَن سَاق الْقَصْد وسَاق فَلَمَّا أَتَى النادي ﴿نُودي﴾ فحين ذاق لَذَّة التكليم جرح قلبه نصل الشوق فَلم يداوه إِلَّا طَبِيب ﴿وواعدنا﴾ (ليالينا بِذِي الأثلاث عودي ... ليورق فِي ربى الا ثَلَاث عودي) (فَإِن نسيم ذَاك الشيح أذكى ... لدي من انتشاقي نشر عود) (وَإِن حديثكم فِي الْقلب أحلى ... وأغيب نَغمَة من صَوت عود) فَبعث فِي حَرْب فِرْعَوْن فَلم يزل مَشْغُولًا بِالْجِهَادِ إِلَى أَن قبر الْقَتِيل فِي لحد اليم فَطلب قومه كتابا يضْبط شاردهم وَيرد نادهم فَأمره الله أَن يَصُوم ثَلَاثِينَ لَيْلَة نَهَاره وليله فَأمْسك على مسك الْإِمْسَاك بكف الْكَفّ فِي الْوِصَال فدام فدام فِيهِ فِيهِ عَن مطمع الْمطعم فقيد فقيد قوت الْوَقْت فَصَارَ فِي قيء ذكر الْوَعْد فَمَا انْقَضتْ اللَّيَالِي حَتَّى انْقَضتْ ظهر الْبَصَر فَقَامَ لتراى جلال الْوَفَاء بِالْأَمر فلاح

стр. 91

فِي مطلع فلاح الْقَصْد فبادر يسْعَى على أَقْدَام الْحبّ إِلَى زِيَادَة ربع الْحبّ فكاد يقلهُ قلقلة الوجد فَوجدَ الْهَوَاء متغير الرّيح فِي عرضة الْفَم فصاح بِهِ فصيح لِسَان الحزم من وَرَاء رَأْي الْعَزْم يَا مُوسَى غير أثرا لَازم فَتَنَاول مُضْغَة من النَّبَات فمضغها فَقيل لَهُ أَيهَا الصَّائِم عَن أمرنَا لم افطرت بِرَأْيِك فَقَالَ وجدت لفمي خلوفا وَمَا أردْت بفعلي خلافًا فَقيل مَا علمت أَن فَور فورة الخلوف من قدر الْإِمْسَاك أطيب عندنَا من فارة فارة الْمسك إِنَّا لنَنْظُر إِلَى قصد الْفَاعِل لَا إِلَى صُورَة الْفِعْل الدَّم نجس مجتنب لكنه فِي حق الشَّهِيد شهي (زملوهم بكلومهم وَدِمَائِهِمْ) فَرجع مُوسَى عاكفا على معتكف كف كَفه ﴿فتم مِيقَات ربه﴾ واحضر حَظِيرَة الْقُدس فنسي الْأنس مِمَّا آنس من الْأنس (فَكل شَيْء رَآهُ ظَنّه قدحا ... وكل شخص رَآهُ ظَنّه الساقي) فَلَمَّا دارت فِي دَائِرَة دَار الْحبّ كؤوس للقرب وَسمع النداء وسط النادي بِلَا وَاسِطَة وسيط لَهُ من وسيط أقداح المنى فِي الْمُنَاجَاة بِلَا وسيط طَابَ لَهُ شراب الْوِصَال من أوطاب الْخطاب فِي أواني سَماع الْكَلَام فناداه توق شوقه (أَوَان أَنْت فِي هَذَا الأوان ... عَن الراح المروق فِي الْأَوَانِي) رأى على الْغَوْر وميضا فاشتاق مَا أجلب الْبَرْق لدمع الأماق فصاح لِسَان الوجد ﴿أَرِنِي﴾ فَرد شارد شحذان الشوق على الطوى بطوق ﴿لن تراني﴾ إِلَّا أَن جزع الْفِطَام سكن شعلة بتعلة ﴿وَلَكِن﴾ فَلَمَّا تجلى ﷻ للجبل مر فَخر مُوسَى فِي بَحر الصَّعق فرقا فرقي فرقه ذرْوَة

стр. 92

﴿سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك﴾ مَا انبسط مُوسَى بقول أَرِنِي إِلَّا ببسط سلني وَلَو ملح عجينك وَلَو تَركه مَعَ رعيه الْغنم فِي شعب شُعَيْب لما جال فِي ظَنّه ذَلِك الطمع وَلكنه استدعاه بالنداء وأنسه بالتقريب وباسطه بالتكليم (فَلَمَّا عاين الْحيرَة ... حادى جملي حارا) كَانَ مُوسَى يطوف فِي بني اسرائيل وَيَقُول من يحملني رِسَالَة إِلَى رَبِّي مَا كَانَ مُرَاده إِلَّا أَن يطول الحَدِيث مَعَ الحبيب (فَقلت لَهُ رد الحَدِيث الَّذِي انْقَضى ... وذكراك من ذَاك الحَدِيث أُرِيد) (يحدد تذكار الحَدِيث مودتي ... فذكرك عِنْدِي والْحَدِيث جَدِيد) (أناشده أَلا أعَاد حَدِيثه ... كَأَنِّي بطئ الْفَهم حِين يُعِيد) مَاتَ مُوسَى قَتِيل شوق ﴿أَرِنِي﴾ فَلَمَّا جَازَ عَلَيْهِ نَبينَا ﷺ لَيْلَة الْمِعْرَاج ردده فِي الصَّلَوَات ليسعد بِرُؤْيَة من قد رأى (وَإِنِّي لآتي أَرْضكُم لَا لحَاجَة ... لعَلي أَرَاكُم أَو أرى من يراكم) (أَن تشق عَيْني فطالما سعدت ... عين رَسُولي وفاز بِالنّظرِ) (وَكلما جَاءَنِي الرَّسُول لَهُم ... رددت شوقا فِي طرفه نَظَرِي) (تظهر فِي طرفه محاسنهم ... قد أثرت فِيهِ أحسن الْأَثر) (خُذ مقلتي يَا رَسُول عَارِية ... فَانْظُر بهَا واحتكم على بَصرِي)

стр. 93

الْفَصْل الْخَامِس عشر فِي قصَّة الْخضر ﵇ لما علا شرف الكليم بالتكليم كل شرف قَالَ لَهُ قومه أَي النَّاس أعلم فَقَالَ أَنا وَلم يقل فِيمَا أعلم فَابْتلى فِيمَا أخبر بِهِ وَاعْلَم فَقَامَ بَين يَدي الْخضر كَمَا يقوم بَين يَدي السَّلِيم الأعلم فابتدأ بسؤال ﴿هَل أتبعك﴾ فَتَلقاهُ برد ﴿لن﴾ وَكم أَن مُوسَى من لن أَمر قومه بِالْإِيمَان فَقَالُوا ﴿لن نؤمن﴾ وَقَعُوا فِي التيه فَقَالُوا ﴿لن نصبر﴾ ندبوا إِلَى الْجِهَاد فصاحوا ﴿لن ندْخلهَا﴾ طرق بَاب أَرِنِي فَرده حَاجِب ﴿لن﴾ دنا إِلَى الْخضر للتعلم فلفظه بِلَفْظ ﴿لن﴾ ثمَّ زَاده من زَاد الرَّد بكف ﴿وَكَيف تصبر﴾ فَلَمَّا سامحه على نوبَة السَّفِينَة وواجهه بالعتاب فِي كرة الْغُلَام أراق مَاء الصُّحْبَة فِي جِدَال الْجِدَار ﴿هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك﴾ ثمَّ فسر لَهُ سر الْمُشكل فَجعل يشْرَح الْقَصَص فصلا فصلا بمقول قَائِل يَقُول فصلا وَكلما ذكره أصلا أصلى لم يبْق لمُوسَى عين ترَاهُ أصلا وَكلما سل من حر للعتاب نصلا صَاح لِسَان حَال مُوسَى كم نصلى فَألْقى تَفْسِير الْأُمُور على الكليم وأملى وَالْقدر يَقُول أهوَ أعلم أم لَا فَعلم مُوسَى ويوشع أَي عبد أما مُنْذُ ابْتَدَأَ بالشرح بأما ثمَّ أَخذ لِسَان العتاب يذكر منسى مُوسَى أتنكر خرق سفينة لظَاهِر افساد تضمن ضمنه صَلَاح ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ أَو تنكر إِتْلَاف شخص دنى لإبقاء دين شَخْصَيْنِ أَو كرهت إِقَامَة الْجِدَار لشح أهل الْقرْيَة بالقرا

стр. 94

أفاردت من الأصفياء مُعَاملَة البخلاء بالبخل أما تلمحت سر صل من قَطعك لقد أنْكرت مَا جرى لَك مثله حذرت يَوْم السَّفِينَة من الْغَرق فَصحت بانكار ﴿أخرقتها﴾ أنسيت يَوْم ﴿فألقيه فِي اليم﴾ أنْكرت قتل نفس بِغَيْر نفس أنسيت يَوْم لَو كره نهيت عَن عمل بِلَا أجر أنسيت يَوْم ﴿فسقى لَهما﴾ فَلَمَّا بَان الْبَيَان خرج الْخضر من بَاب دَار الدَّعْوَى وَأخرج يَده من ملك التَّصَرُّف وأحال الْحَال على الْغَيْر ﴿وَمَا فعلته عَن أَمْرِي﴾ وَهَذِه الْقِصَّة قد حرضت على جمع رَحل الرحيل فِي طلب الْعلم وَعلمت كَيْفيَّة الْأَدَب فِي كف كف الِاعْتِرَاض على الْعَالم وَصَاح فصيح نصيحها بِذِي اللب دع دعواك فعلى دَعْوَى الكليم ليم وَفَوق كل ذِي علم عليم

стр. 95

الْفَصْل السَّادِس عشر فِي قصَّة بلعام ومُوسَى أَيهَا المتعبد خف من الْفِتَن وَلَا تأمن كم قد أَخذ آمن من مأمن أَنه لم ينج من غطامط بَحر الْفِتَن الْأَعْظَم حَافظ الِاسْم الْأَعْظَم بل عَام بلعام رفل فِي حلل النعم كالنعم غافلا يتعامى عَن النعم وَكَانَت بنية نِيَّة تَعب تعبده على رمل الريا فجرت تحتهَا أَنهَار التجربة فانهار بنيانها فتخرب كَانَ على دِينَار دينه ورقة رقة فأعجب نضره نواظر الناظرين فَلَمَّا حكه المنتقد على حجر الْحجر افتضح بَين أهل الحجى وَكَانَ ظَاهره لثقا بالتقى وباطنه باطية لخمر الْهوى فَلَقَد خبأ الخبايث فِي طي الطويات فَلَمَّا أَرَادَ الْمُقدر تَنْبِيه جَاره على جوره تقدم إِلَى الْقدر بهتك ستره فآتاه وَهُوَ فِي عقر عقار الْهوى يعاقر عقار الريا وَقد رفعت عقيرتها عَاقِر الْفَهم إِلَى أَن عقر بعقر قلبه فَعَاد عقيرا فَدَعْهُ الْقدر إِلَى صف صفصف الدَّعْوَى وَأرْسل عَلَيْهِ لاصراره صَرْصَر الْعجب فمزقت جِلْبَاب التَّعَبُّد فصيره عصفها عصفا فانكشف عوار عَوْرَته فعوى فَإِذا بِهِ كلب عقور وقصة إقصائه أَن الْقدر سَاق الكليم إِلَى محاربة فساق بلدته فَقَالُوا لَهُ اشحذ مُوسَى الدُّعَاء على مُوسَى فمج فوه مجمجمة التمنع فخوفوه بنحت خَشَبَة فخشته خشيَة الْخلق فَخرج حَتَّى أَتَى على اتان

стр. 96

فَلَمَّا قفا وقفت ليقف سير عزمه فضرى بضربها حَتَّى أضربها فَقَامَتْ فِي المحجة تَتَكَلَّم بِالْحجَّةِ عَلَيْهِ لم تضربني وَهَذِه نَار تمنع الْمَاشِيَة الْمَشْي فَرجع إِلَى ملكهم فَأخْبرهُ خَبره وَمَا نقل العتب الْمَقْصُود وَلَا خَبره فلجأ الْملك صلب عزمه إِلَى أَمر صلب أما الدُّعَاء عَلَيْهِم وَأما الصلب فَخرج فَاتبعهُ الشَّيْطَان فَمَا كَانَ إِلَّا أَن بلغ الْمَكَان ﴿فَكَانَ من الغاوين﴾ تالله مَا عدا عَلَيْهِ الْعَدو إِلَّا بعد أَن تولى عَنهُ الْوَلِيّ فَلَا تَظنن أَن الشَّيْطَان غلب وَإِنَّمَا العاصم أعرض وَإِن شَككت فاسمع هَاتِف الْقدر مخبرا عَن عزة الْقَادِر ﴿وَلَو شِئْنَا لرفعناه بهَا﴾

стр. 97

الْفَصْل السَّابِع عشر فِي قصَّة قَارون كَانَ قَارون غَايَة فِي فقهه وفهمه وَكَانَ فِي النّسَب إِلَى مُوسَى ابْن عَمه فَلَمَّا فاضت الدُّنْيَا عَلَيْهِ فاضت نفس علمه وَكَانَت مقاليد خزاين خزاياه وقرستين بغلا غير أَن الَّذِي فَاتَهُ بِمَا ناله أَعلَى وأغلى سحب ذيل ﴿فبغى﴾ فَقَامَ قومه قومة بزجر ﴿لَا تفرح﴾ والقوا إِلَيْهِ نصائح ﴿وابتغ﴾ ﴿وَلَا تنس﴾ ﴿وَأحسن﴾ ﴿وَلَا تَبْغِ﴾ فَركب يَوْمًا فِي وَقت اقتداره فِي أَرْبَعَة آلَاف مقَاتل وسم الْهوى يعْمل فِي الْمقَاتل وَركب مَعَه فِي معمعته ثَلَاثمِائَة جَارِيَة وَقد أنساه سفه الأمل أَن سفينة الْأَجَل جَارِيَة فَلَمَّا غلا وَعلا حط إِلَى حضيض ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ فَقَالَ الجاهلون إِنَّمَا بَادر مُوسَى بادرته لأخذ بدرة بيدارة فَقَالَ حَاكم الْغَيْب لإِزَالَة الريب ﴿وَبِدَارِهِ﴾ فَقَالَ مُوسَى يَا أَرض خذيه فاستخذت لأَمره فسرت بسريره فَنَاشَدَهُ قَارون بالرحم فَمَا رحم فَأَخَذته لتقدمه حَتَّى غيبت قدمه فَمَا زَالَ يردد القَوْل حَتَّى غَابَ الغبي الْغَنِيّ وَأَنه ليخشف بِهِ كل يَوْم قدر قامة فَلَا تَظنن أَن ذمّ الْجَزَاء قد رقي مَه أَن الدُّنْيَا إِذا طلعت على الطغام تطغى وَإِذا بغى نِكَاحهَا على العفاف تبغى ثمَّ أَنَّهَا تقصد هلك محبها وتبغى وَكم عذلت فِي فتكها بالفتى الفتي وتلغي أما دردرها

стр. 98

فغرت فَلَمَّا فرغت فغرت فاها فرغت للظعن أما سحبت قُرُون قَارون مَعَ أقرانه إِلَى الْقُرْآن فِي قرن أما كفكفت كف مكفوف محبها فارتك فن مَا يكون فِيك فِي كفن تالله لقد لَقِي الغبي الْغَنِيّ غب غبواته فَلَمَّا انجلى غيهب غيمه رأى الْغبن والغبن نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان

стр. 99

الْفَصْل الثَّامِن عشر فِي قصَّة دَاوُد ﵇ لما حلي دَاوُد حلية النُّبُوَّة ولقن فصل فصل الْخطاب أطرب شدو شكره سمع الْقبُول فمتعه اقطاع ﴿يَا جبال أوبي مَعَه وَالطير﴾ فَأَعْجَبتهُ سَلامَة الْعِصْمَة فتجهز للإجهاز على جرحى الزلل فَرَمَاهُمْ بِسَهْم لَا نغفر للخطائين وَالْقدر قد أترع لَهُ مِمَّا سيعض لَهُ الأنامل ملْء الْإِنَاء فَابْتلى بالذنب حَتَّى نكس رَأس الرياسة على عتبَة الذل ودب إِلَى دَاوُد الْمعاصِي دَبِيب الدبا من حَيْثُ مَا دبر رَمَاه سهم ليَالِي الْقَضَاء فِي درع ليَالِي الْفِتَن فَقضى عَلَيْهِ فَمَا قدر على رده وَقدر فِي السرد (وَإِذا رامي الْمَقَادِير رمى ... فدروع الْمَرْء أعوان النصال) ظن لقُوَّة لقُوَّة عصمته لِقَاء قرن الْهوى فلاحت لَهُ فِي حمى دَعْوَاهُ حمامة من ذهب فَذهب يصيدها فَوَقع فِي عين شرك عينه للمهيار (ظن غَدَاة الْخيف أَن قد سلبها ... لما رمى سَهْما وَمَا أجْرى دَمًا)

стр. 100

(فَعَاد يستقري حشاه فَإِذا ... فُؤَاده من بَينهَا قد عدما) (لم يدر من أَيْن أُصِيب قلبه ... وَإِنَّمَا الرَّامِي درى كَيفَ رمى) طَاف على بَابه طَبِيب الألطاف فَأَرَادَ اسْتِخْرَاج النصل من بَاطِن الشغاف فَجَثَا على عتبَة عتابه باعتوبة ﴿خصمان﴾ فَقضى على نَفسه فِي صَرِيح ﴿لقد ظلمك﴾ فَبينا هُوَ يُلَاحظ لفظ الْقَضِيَّة المعا مَعًا مَعَاني الْمعاصِي فَفطن ففت بالفتى الفاتن فتن فتياه ﴿وَظن دَاوُد أَنما فتناه﴾ فَنزل عَن مركب الْعِزّ إِلَى مس مَسْجِد الذل وافترش فرَاش من قد اسا فِي دَار الأسا وخلع خلع الْفَرح لجلباب الْحزن وزر زرزر مانقة الْخَوْف على شعار القلق فاسكت الحمايم بنوحه وشغلها عَن صدحها بِصَوْتِهِ فَبَالغ حريق النَّدَم فِي سويدا قلبه واقلق الأفئدة بشجى شجنه وَمَات خلق كثير من الْحلق بترنم شجوه وصوته وَشرب عرق العشب من عين عينه وحشى سَبْعَة فرش رَمَادا ثمَّ رمى دَاء الحشا بعد أَن فرشها فرشها وَكَانَ يَقُول فِي مناجاته الهي خرجت أسأَل أطباء عِبَادك أَن يداووا لي جرح خطيئتي فكلهم عَلَيْك يدلني الهي أمدد عَيْني بالدموع وضعفي بِالْقُوَّةِ حَتَّى ابلغ رضاك عني (يَا من تجنب صبري من تجنبه ... هَب لي من الدمع مَا أبْكِي عَلَيْك بِهِ) (حَتَّى مَتى زفراتي فِي تصاعدها ... إِلَى الْمَمَات ودمعي فِي تصوبه) (ولي فؤاد إِذا لج الغرام بِهِ ... هام اشتياقا إِلَى مقيا معذبه) مازال يغسل الْعين من عين الْعين ولسان العتاب يَقُول يَا بعد اللقا وَكلما رفع قصَّة غُصَّة جَاءَ الْجَواب بِزِيَادَة الجوى وَهُوَ يستغيث وينادي حَتَّى أقلق الْحَاضِر والبادي (إِن شفيعي إِلَيْك مني ... دموع عَيْني وَحسن ظَنِّي) (فبالذي قادني دَلِيلا ... إِلَيْك الا عَفَوْت عني)

стр. 101

الْفَصْل التَّاسِع عشر فِي قصَّة سُلَيْمَان ﵇ مَعَ بلقيس ركب سُلَيْمَان يَوْمًا مركب الرّيح فراحت بوادره على وَادي النَّمْل فندت نملة فنادت أخواتها بِنِدَاء ﴿لَا يحطمنكم﴾ ثمَّ قَامَت فأقامت لعدله عذر ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ فَحَملته أريحية سكر الشُّكْر على طرب ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا﴾ وَذَلِكَ أَنَّهَا بِلَفْظَة ﴿يَا﴾ نادت ﴿أَيهَا﴾ نبهت ﴿النَّمْل﴾ عينت ﴿ادخُلُوا﴾ أمرت ﴿مَسَاكِنكُمْ﴾ نصت ﴿لَا يحطمنكم﴾ حذرت ﴿سُلَيْمَان﴾ خصت ﴿وَجُنُوده﴾ عَمت ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ عذرت فَلَمَّا فصل طالوت ملكه بالجنود عَن وَادي النَّمْل وَقع فِي مفازة لَا يرى فِيهَا على مَاء علما فَجَاشَ جاش الْجَيْش لفقرهم فِي القفر إِلَى المَاء الما وَكَانَ الهدهد يدلهم على المَاء فَغَاب فتواعده بِلَفْظ ﴿لأعذبنه﴾ فجَاء ببهت ذكي ﴿أحطت بِمَا لم تحط بِهِ﴾ فَحَمله كتابا فَأَلْقَاهُ من قاره بمنقاره فرأت اليقظى بيقظان فهمها كتابا مَخْتُومًا كلَاما عجيبا وحاملا غَرِيبا فصادها الْعقل والفهم فصاداها فاستشارت قَومهَا فاوموا إِلَى الْحَرْب بِلَفْظ ﴿نَحن أولُوا قُوَّة﴾ فَعلمت أَن من جنده الطير لَا يُقَاوم وَبعثت مَا يفرق بِهِ بَين الدعْوَة وَالدَّعْوَى ﴿وَإِنِّي مُرْسلَة إِلَيْهِم بهدية﴾ وَاعجَبا لِلذَّهَبِ إِذا ذهب سَهْمه لَا يخطى وللرشا إِذا رَشَّتْ مزالق أَقْدَام الْعُقُول لَا تبطي

стр. 102

(لَا يغرنك من الْمَرْء ... إِزَار رقعه) (وقميص فَوق كَعْب ... السَّاق مِنْهُ رَفعه) (وجبين لَاحَ فِيهِ ... أثر قد خلعه) (أره الدِّرْهَم تعرف ... غيه أم ورعه) فَلَمَّا بَدَت هوادي هديتها صَاح سُلَيْمَان بعز ﴿أتمدونن بِمَال﴾ فَلَمَّا صَحَّ عِنْدهَا مَا يدعوا إِلَيْهِ وَثَبت وَثَبت على أَقْدَام الطّلب وَهَيَّأْت مراكب الْقَصْد ورحلت فِي هجير شمس الْهدى على نَجَائِب الْهِجْرَة فَلَمَّا سمع سُلَيْمَان برحيلها أَرَادَ تَقْوِيَة دليلها فَنَادَى فِي نَادِي عفاريته مستعرضا جند بطشها ﴿أَيّكُم يأتيني بِعَرْشِهَا﴾ فَلَمَّا جئ بِهِ ستره بقرام ﴿نكروا﴾ ثمَّ ابتلاها ليرى ذكاها ﴿أهكذا عرشك﴾ ثمَّ صرح بِلَفْظ ﴿ادخلي الصرح﴾ فَشبه لَهَا لِضعْفِهَا عَن لطافة كاس سَاقيهَا فَكشفت عَن سَاقيهَا فَلَمَّا وصلت وسلمت أسلمت فَسلمت وحلت قبل أَن حلت نطاق النُّطْق فَنثرَتْ خَرَزَات نظامه على نظم الْعذر ﴿إِنِّي ظلمت نَفسِي وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب الْعَالمين﴾

стр. 103

الْفَصْل الْعشْرُونَ فِي قصَّة مَرْيَم وَعِيسَى ﵉ كَانَت أم مَرْيَم حنة قد حنت إِلَى ولد فَكبر عَلَيْهَا امْتِنَاعه وَاسْتولى الْكبر فرأت يَوْمًا طائرا يغذو فرخا فَرحا فرجى أملهَا اليؤوس فرجا فرجا فَسَأَلت عِنْد هَذِه الْقَضِيَّة ولديها ولدا فَلَمَّا علمت بِالْحملِ أكسبها السرُور وَلها فَوَهَبته بِلِسَان النّذر لمن وهبه لَهَا فَقَالَ الْقدر يَا ملك التَّصْوِير صور الْحمل أُنْثَى ليبين أثر الْكَرم فِي قبُول النَّاقِص فَلَمَّا وَضَعتهَا وَضَعتهَا بأنامل الانكسار عَن سَرِير السرُور فَإِن لِسَان التلهف لما ألْقى على الفايت ﴿إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى﴾ فجبر كسرهَا جَابر ﴿فتقبلها﴾ وسَاق عنان اللطف إِلَى سَاق زَرعهَا فربا فِي رَبِّي ﴿وأنبتها﴾ فَانْطَلَقت بهَا الْأُم تأم بَيت الْمُقَدّس فَلبس الْقَوْم لامهم فِي حَرْب ﴿يلقون أقلامهم﴾ فَثَبت قلم زَكَرِيَّا إِذا وَثَبت الأقلام فكفتها وكفلها فَأرَاهُ الْمُسَبّب غناها عَن السَّبَب بأية ﴿وجد عِنْدهَا رزقا﴾ فرباها من رَبهَا فَنَشَأَتْ لَا ترى إِلَّا رَبهَا فانتبذت يَوْمًا من أَهلهَا فَأقبل نَحْو ذَلِك الْبري الْبري بريد ﴿فَأَرْسَلنَا﴾ فتحصنت الحصان بحصن ﴿إِنِّي أعوذ﴾ فانزوى إِلَى زَاوِيَة ﴿إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك﴾ واخبرها بالتحفة فِي لفظ ﴿لأهب﴾ فأقيمت

стр. 104

فأقيمت فِي مهب ريح الرّوح فتنفست الْكَلِمَة من كمين الْأَمر فَنفخ جِبْرِيل فِي جنب الدرْع جيب فمرت الْمَرْأَة حَامِلا فِي الْوَقْت فَلَمَّا علمت ألمت بِمَا حمل عَلَيْهَا الْحمل فأخرجها الْحيَاء الْحَيّ عَن الْحَيّ فَلَمَّا فاجأها وَقت الْوَضع فاجأها الْمَخَاض إِلَى الْجذع تحيرت من وجود ولد وَمَا فجرت فجرت عين الدمع فصاح لِسَان الخفر بِلَفْظ النّدب ﴿يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا﴾ فأجابها الْملك عَن أَمر من ملك ﴿أَلا تحزني﴾ وأجرى لَهَا فِي أواني الأوان سرى كَمَا وهب لَهَا من الغلمان سرى فسرى عَن سرها وجود الظُّهُور وَأنس الظَّاهِر فسرا وأريت أَيَّة تدل على من قدر الْقُدْرَة فِي مقَام ﴿وهزي﴾ فهزت جذم جذع مايل مثل الْحَطب فتساقط عَلَيْهَا فِي الْحَال رطب الرطب فَأَخذهَا الجوى فِي إعداد الْجَواب فَقيل لَهَا ﴿كلي﴾ كل الْكل إِلَى من لَهُ الْكل كنت بمعزل من وجود الْوَلَد فكوني بمعزل من إِقَامَة الْعذر فَالَّذِي تولى إيجاده يُقيم عذر العذرا لَا تعجبي من وجود حمل سَافر عَن أَرض الْقُدْرَة فَلم يصلح أَن ينزل إِلَّا بمنزل أَرْكَانه على عمد ﴿إِن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك﴾ فَلَمَّا سكتت وسكنت بعد أَن قعدت وَقَامَت أَقَامَت أَيَّام النّفاس فانقضت وفاتت ﴿فَأَتَت بِهِ قَومهَا تحمله﴾ فَنَادوا من أندية التوبيخ إِذْ مَا شاهدوا قطّ أُخْتهَا ﴿يَا أُخْت هَارُون﴾ فاضجروا مَرِيضا قد ضنى من أَنِين ﴿إِنِّي﴾ على فرَاش ﴿يَا لَيْتَني مت﴾ فَلَمَّا شارت أرى الرَّأْي أشارت إِلَيْهِ فَأخذت أَلْسِنَة تعجبهم تعج بهم ﴿كَيفَ نُكَلِّم﴾ فَكَأَنَّهَا قَالَت لَهُم أَنا طَرِيق وَهَذَا مر بِي وَالْمُسَافر يسْأَل عَن الطَّرِيق لَا الطَّرِيق عَن الْمُسَافِر فَقَامَ عِيسَى يمخض أوطاب الْخطاب على مِنْبَر الخطابة فأبرز بالمخض مَحْض إبريز الْإِقْرَار ﴿إِنِّي عبد الله﴾ وأومى إِلَى

стр. 105

وجوده من غير أَب فِي إِشَارَة ﴿وَبرا بوالدتي﴾ وَكَانَت وَاسِطَة عقده ﴿وَمُبشرا برَسُول﴾ فَلَمَّا تمّ لَهُ سنّ الشَّبَاب جلس على بَاب المعجزة يُعْطي الْعَافِيَة الْعَافِيَة وَيُبرئ الأكمة والأبرص فَرُبمَا الفى بِبَابِهِ خمسين ألفا يؤمونه فِي كل يَوْم وَلَقَد فرك الدُّنْيَا فَطلقهَا أَي تطليق وأبغضها وَلَا كبغض الرافضي الصّديق فَغَزَاهَا بجند الزّهْد بَين مسرح وملجم وفتك بهَا كَمَا فتك بالتقى ابْن ملجم مَا الْتفت إِلَيْهَا قطّ وَجه عزمه وَلَا صافحها يَوْمًا كف قلبه وَلَا غازلها يَوْمًا لِسَان فكره فَلم يعرف حَقِيقَة مَا حوى سوى الحواريين فشمروا عَن سَاق العزائم فِي سوق بدن الْأَبدَان إِلَى منى المنى تحن بِلَفْظ ﴿نَحن أنصار الله﴾ وَكَتَبُوا فِي عقد العقايد ﴿آمنا بِاللَّه﴾ فعدلوا بهَا إِلَى عدل ﴿واشهد بِأَنا مُسلمُونَ﴾ ثمَّ أَن الْيَهُود اجْتَمعُوا فِي بَيت ﴿ومكروا﴾ فزلزل عَلَيْهِم بيد ﴿ومكر الله﴾ فَدخل عِيسَى خوخة فَدخل خَلفه ذُو دخل فَألْقى عَلَيْهِ شبهه فحاق بِالْمَرْءِ مر مُرَاده وَصَاح فِيهِ حَاكم الْقدر جود مراقيها

стр. 106

الْفَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي قصَّة يحيى بن زَكَرِيَّا ﵇ لما قَامَ زَكَرِيَّا ﵇ بِإِقَامَة الْإِقَامَة لِمَرْيَم رأى وَكيل الْغَيْب يسْبقهُ بالإنفاذ على يَد الْقُدْرَة فِي كن كن وَكَانَ إِذا خرج ثمَّ جَاءَ فاجأ ثمَّ الثِّمَار قد نمت فكم قد ألفى ألفاف الْفَاكِهَة الفايقة لَا فِي حينها فتلمح بِعَين زرقاء الْفَهم فَرَأى نَفَقَة الْجَارِيَة جَارِيَة وكيس الْأَسْبَاب على خَتمه فصاح لِسَان الدهش ﴿أَنى لَك هَذَا﴾ فأحالت الْحَال على الْمُسَبّب ﴿هُوَ من عِنْد الله﴾ فنبهت هَذِه الْآيَة رَاقِد طمعه بعد أَن أَطَالَ وسنه سبعين سنة فسن على سنة وَجهه مَاء رَجَاء مَاء آسن مِمَّا لم يتسنه وَقَامَ الدردح بعد أَن تقعوس وتسعسع وَعَسَى على بَاب عَسى فِي محراب ﴿دَعَا زَكَرِيَّا ربه﴾ فسرى بسره سرا لِئَلَّا ينْسب إِلَى فن من أفن وَكتب قصَّة ﴿لَا تذرني فَردا﴾ وشكا مَا شيك بِهِ مِمَّا حل من حل التَّرْكِيب وشيكا فِي كَلِمَات هن ﴿وَهن الْعظم مني﴾ فَلَمَّا أورد فِي قصَّته مَا يُرِيد حملهَا بريد الرَّجَاء إِلَى من عود الْعود الْعود فكشف الجوى فِي الْجَواب لله دره خدم حَتَّى شَاب ثمَّ طلب نايبا على الْبَاب فَأصْبح ميت أمله بِوُجُود يحيي فَمشى

стр. 107

لمشاهدة وَجه الْقُدْرَة وَقد حَال بَينهمَا سفر الْعَادَات إِلَى أَن لفظ بِلَفْظ ﴿إِنِّي﴾ وهتف بِهِ هَاتِف ﴿هُوَ عَليّ هَين﴾ فَسَأَلَ علما على مَا يعلم بِهِ وجود الْحمل لحمل نَفسه على الشُّكْر فوعد بسجن اللِّسَان مَعَ سَلامَة اللِّسَان إِلَّا عَن ذكر الرَّحْمَن ليَكُون حج نطقه مُفردا فَلَمَّا ولد لَهُ يحيى لم يبلغ مبلغ يافع إِلَّا وَهُوَ ولد نَافِع كَانَ صبا الصِّبَا تميل بالصبيان وَلَا تهزه فَإِذا قَالُوا لَهُ هَلُمَّ بِنَا فلنلعب قَالَ إِنَّمَا خلقنَا للتعب لَا للعب فَقَط لَهُ الْقدر قطا من عِصَام الْعِصْمَة مَا قطّ لأحد فَمَا خطا إِلَى خطأ وَلَا هم وَلَقَد رمى الدُّنْيَا عَن يَد التَّمَسُّك وَعلا عَن فضولها على قلل التقلل فَكَانَ عَيْش عيشه العشب واقتنع بمسوك الْحَيَوَان عَن السب والشف والمشبرق وشغله عَن رقش نقش القشيب والدمقس مَا لف مِمَّا لفق وَلَقَد دوى فِي دو فُؤَاده غيم الْغم فغدا الغدق يدق إِلَى أَن فاض قليب قلبه فَانْقَلَبت عَيناهُ بقلب كالعيون حَتَّى فرت فحفرت فِي أخدُود الخدود مجْرى وَلم يزل معول دمعه يحْفر ركية خَدّه حَتَّى بَدَت فِيهِ أضراس فِيهِ يَا عجبا من بكاء من مَا عصى وَلَا هم وَضحك من كِتَابه بِالذنُوبِ قد إدلهم فَلَمَّا قَارب الْوَفَاة وَفَاتَ الْعَدو علم من آفَات النَّقْل فِي المواطن الْمَخْصُوصَة بوحش الوحشة فتخلص فِيهَا من أَسد الْبلَاء كَمَا حمى من ذَنْب الذَّنب ﴿يَوْم ولد وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يبْعَث حَيا﴾

стр. 108

الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِي قصَّة أهل الْكَهْف كَانَ رقم ﴿كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ قد علا على كَهْف قُلُوب أهل الْكَهْف فَلَمَّا نصب ملكهم شرك الشّرك بِأَن لَهُم خيط الفخ فَفرُّوا وَخَرجُوا من ضيق حصر الْحَبْس إِلَى الفضاء فضاء لَهُم فَمَا راعهم فِي الطَّرِيق إِلَّا رَاع وافقهم فرافقهم كَلْبه فَأخذُوا فِي ضربه لكَوْنهم لَيْسُوا من ضربه فصاح لسلط حَاله لَا تطردوني لمباينتي جنسكم فَإِن معبودكم لَيْسَ من جنسكم أَنا فِي قَبْضَة إيثاركم أَسِير أَسِير إِن سِرْتُمْ وأحرس إِن نمتم فَلَمَّا دخلُوا دَار ضِيَافَة الْعُزْلَة اضطجعوا على رَاحَة الرَّاحَة من أَرْبَاب الْكفْر فغلب النّوم الْقَوْم ﴿ثَلَاث مائَة سِنِين وازدادوا تسعا﴾ وَكَانَت الشَّمْس تحول عَن حلتهم لحراسة حلتهم من بلَاء بلي وأعينهم مَفْتُوحَة لِئَلَّا تذوب بأطباق الأطباق وَيَد اللطف تقلب أَجْسَادهم لتسلم من أفن عفن وَجَرت الْحَال فِي كلبهم على مَا جرت بهم فَكَأَنَّهُ فِي شرك نومهم قد صيد ﴿بالوصيد﴾ فَخرج الْملك بجم جمعه فِي طلابهم فَإِذا بهم فسد الْبَاب وَمَا وعى على وعَاء مسك فأضاع حَتَّى ضَاعَ بيد الْملك فِي بيد الهلك فانساب رَاع إِلَى سبسبهم فَفتح بَاب الْكَهْف ليحوز الْغنم فَهَب الْهَوَاء الراقد فترنم أحدهم بِلَفْظ ﴿كم لبثتم﴾ فَأَجَابَهُ الآخر

стр. 109

﴿يَوْمًا﴾ ثمَّ رأى بَقِيَّة الشَّمْس نقية فاتقى بالورع ورطات الْكَذِب فَعَاد يتبع اوب ﴿أَو بعض يَوْم﴾ فَلَمَّا قَفَلُوا من سفر النّوم إِلَى ديار الْعَادة زَاد تقاضي الطَّبْع بالزاد فَخرج رئيسهم فِي ثوب متنكر فضلت مَعْرفَته الْمعَاهد فاقبل يتهم الْيَقَظَة فَمد إِلَى بَايع الطَّعَام بَاعه فَمَا بَاعه وَظن أَنه قد وجد كنزا وَلَقَد وجد كنز ﴿وزدناهم هدى﴾ فَحَمله الْقَوْم إِلَى الْوَالِي فَقَالَ إِنَّه لمالي فَمَا لكم وَمَالِي كُنَّا فتية أكرهنا على فتْنَة فخرجنا عَشِيَّة أمس فنمنا فِي بَاطِن كَهْف فَلَمَّا انتبهنا خرجت لابتاع لِلِاتِّبَاعِ قوت الْوَقْت فَسَار الْقَوْم مَعَه فِي عَسْكَر التَّعَجُّب فَسمع اخوانه جلبة الْخَيل فِي حلبة الطّلب فتجاوبوا بِأَصْوَات التوديع وَقَامُوا إِلَى صَلَاة مُودع فَدخل تمليخا فَقص عَلَيْهِم نبأهم فعادوا إِلَى مَوَاضِع الْمضَاجِع فوافتهم الْوَفَاة وَفَاتَ لقاؤهم وسدلت عَلَيْهِم حجاب الرعب كف ﴿لَو اطَّلَعت﴾ اخواني لَيْسَ الْعجب من نَائِم لم يعرف قدر مَا مر من يَوْمه وَإِنَّمَا الْعجب من نَائِم فِي يقظة عمره (أما وَالله لَو عرف الْأَنَام ... لما خلقُوا لما غفلوا وناموا) (لقد خلقُوا لما لَو أبصرته ... عُيُون قُلُوبهم ساحوا وهاموا) (ممات ثمَّ قبر ثمَّ حشر ... وتوبيخ وأهوال عِظَام) (ليَوْم الْحَشْر قد خلقت رجال ... فصلوا من مخافته وصاموا) (وَنحن إِذا أمرنَا أَو نهينَا ... كَأَهل الْكَهْف أيقاظ نيام)

стр. 110

الْفَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي بداية أَمر نَبينَا ورضاعه ﷺ خلق نَبينَا ﷺ من أرْضى الأَرْض أَرضًا وأصفى الْأَوْصَاف وَصفا وصين آباؤه من زلل الزِّنَا إِلَى أَن صدفت بِتِلْكَ الدرة صدفة آمِنَة فَوَثَبت لرضاعه ثويبة ثمَّ قَضَت بَاقِي الدّين حليمة فَقَامَ نَبَاته مستعلجا على سوقه مستعجلا قيام سوقه فَنَشَأَ فِي حجر الْكَمَال كَمَا نَشأ فشأى من شأى منشأ قدمت حليمة والجدب عَام فِي الْعَام فَعرض على المرضعات فأبين لليتم فراحت بِهِ حليمة إِلَى حلتها فَثَابَ لَبنهَا وَلبن راحلتها فَبَاتُوا الْبركَة رُوَائِهِ رواء وهب على مباركهم نسيم نسمَة مباركة فَلَمَّا ظعنت الظعاين أَتَت اتانها تؤم أَمَام الركب فَلَمَّا حلوا حللهم كَانَت الرعاء تسرح فيعفرها سرحان الجدب وراعي حليمة يُعِيد الْغنم بالغنم فَبينا الصَّبِي مَعَ الصّبيان هبت صبا الْجَبْر بِجِبْرِيل فَجَاءَهُ فَجْأَة فشق عَن الْقلب ثمَّ شقَّه وَمَا شقّ عَلَيْهِ فعلق بِيَدِهِ من باطية بَاطِنه علقَة فَقَالَ هَذَا حَظّ الشَّيْطَان وَقد قَطعنَا علقه ثمَّ أعَاد قلبه بعد أَن قلبه وَمَا بِهِ قلبة فَبَقيَ أثر الْمخيط فِي صَدره بَاقِي عمره لإِظْهَار سُورَة ﴿ألم نشرح﴾
следующие страницы →