Полный текст (530 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الْفَصْل الْخَامِس
أيتها النَّفس تدبري أَمرك وتأملي ومثلي بَين مَا يفنى وَلَا تعجلِي لقد ضللت طَرِيق الْهدى فقفي واسألي وآثرت وَهنا مَا يؤرث وَهنا لَا تفعلي يَا غمرة من الشقا مَا أَرَاهَا تنجلي اتبع الْهوى والهوى عَليّ وَلَيْسَ لي أُرِيد حَيَاة نَفسِي وَنَفْسِي تُرِيدُ مقتلي يَا جسدا قد بلَى بِمَا قد بلَى
(نخطو وَمَا خطونا إِلَّا إِلَى الْأَجَل ... وننقضي وَكَأن الْعُمر لم يطلّ)
(والعيش يوذننا بِالْمَوْتِ أَوله ... وَنحن نرغب فِي الْأَيَّام والدول)
(يَأْتِي الْحمام فينسى الْمَرْء منيته ... ونستقر وَقد أمسكن بالطول)
(لَا تحسب الْعَيْش ذَا طول فتتبعه ... يَا قرب مَا بَين عنق الْمَرْء والكفل)
(سلى عَن الْعَيْش إِنَّا لَا ندوم لَهُ ... وهون الْمَوْت مَا نلقى من الْعِلَل)
(لنا بِمَا يَنْقَضِي من عمرنا شغل ... وكلنَا علق الأحشاء بالغزل)
(ونستلذ الْأَمَانِي وَهِي مردية ... كشارب السم ممزوجا مَعَ الْعَسَل)
أخواني أوقدوا أدهان الأذهان فِي ليل الْفِكر صابروا سني الجدب لعام الخصب تعصروا فَمن أدْلج فِي غياهب ليل العلى على نجايب الصَّبْر صبح منزل السرُور فِي السِّرّ وَمن نَام على فرَاش الكسل سَالَ بِهِ سيل التَّمَادِي إِلَى وَادي الأسف الرجولية قُوَّة معجونة فِي طين الطَّبْع والأنوثية رخاوة ولد السَّبع عَزِيز الهمة وَابْن الذِّئْب غدار وكل إِلَى طبعه عايد الْجد كُله حَرَكَة والكسل كُله سُكُون إِذا أردْت أَن تعرف الديك من الدَّجَاجَة حِين يخرج من
стр. 142
الْبَيْضَة فعلقه بمنقاره فَإِن تحرّك فديك وَإِلَّا فدجاجة فتورك عَن السَّعْي فِي طلب الْفَضَائِل دَلِيل على تَأْنِيث الْعَزْم يَا من قد بلغ أَرْبَعِينَ سنة وكل عمره نوم وَسنة يَا متعبا فِي جمع المَال بدنه ثمَّ لَا يدْرِي لمن قد أخزنه اعْلَم هَذِه النَّفس الممتحنة إِنَّهَا بكسبها مرتهنة أَلا يعْتَبر الْمَغْرُور بِمن قد دَفنه كم رأى جبارا فَارق مَسْكَنه ثمَّ سكن مسكن مسكنة
أيا راحلين بِالْإِقَامَةِ يَا هالكين بالسلامة أَيْن من أَخذ صفو مَا أَنْتُم فِي كدره أما وعظكم فِي سيره بسيره بلَى قد حمل بريد الْإِنْذَار أخبارهم وأراكم تصفح الْآثَار آثَارهم
(وحدثتك اللَّيَالِي ان شيمتها ... تَفْرِيق مَا جمعته فاسمع الخبرا)
(وَكن على حذر مِنْهَا فقد نصحت ... وَانْظُر إِلَيْهَا تَرَ الْآيَات والعبرا)
(فَهَل رَأَيْت جَدِيدا لم يعد خلقا ... وَهل سَمِعت بصفو لم يعد كدرا)
حبال الدُّنْيَا خيال تغر الغر المتمسك بهَا يلْعَب بلعاب الشَّمْس الدُّنْيَا كالمرآة الْفَاجِرَة لَا تثبت مَعَ زوج فَلذَلِك عنت طلابها
(ميزت بَين جمَالهَا وفعالها ... فَإِذا الملاحة بالقباحة لَا تفي)
(حَلَفت لنا أَن لَا تخون عهودها ... فَكَأَنَّمَا حَلَفت لنا أَن لَا تفي)
محبَّة الدُّنْيَا محنة عيونها بابلية كم تفتح بَاب بلية وَلَا حِيلَة كحيلة من عين كحيلة كم أفردت من أرفدت كم أخمدت من أخدمت كم فللت من ألفت من أفقرت من أرفقت كم فَارَقت من رافقت كم قطعت من أقطعت فعلهَا فِي التكدير كُله هَكَذَا فَإِن آثرت الصَّفَا فَمَا فِي الزّهْد أَذَى وَإِن أردْت القذى فالق ذَا للمهيار
(تعجب من صبري على ألوانها ... فِي وَصلهَا طورا وَفِي هجرانها)
стр. 143
(ورهاء من كلفها وَثِيقَة ... كلفها مَا لَيْسَ من أديانها)
(تسلط الْبلوى على عشاقها ... تسلط الْحِنْث على إيمَانهَا)
(الود فِي الْقلب وَدَعوى ودها ... لَا يتَعَدَّى طرفِي لسانها)
(فَكَمَا أعطتك فِي محبَّة ... زِيَادَة فاقطع على نقصانها)
(وقفت اسْترْجع يَوْم بَينهَا ... قلبا شعاعا طاح فِي أظعانها)
(وَلم يكن مني إِلَّا ضلة ... نشدان شَيْء وَهُوَ فِي ضَمَانهَا)
يَا من إِذا أصبح طلب بالمعاش الشَّهَوَات وَإِذا أَمْسَى إنقلب إِلَى فرَاش الغفلات أَيْن أَنْت من أَقوام نصبوا الْآخِرَة نصب أَعينهم فنصبوا فوفر النصب نصِيبهم ﴿إِنَّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدَّار﴾
قَالَ بعض السّلف لقِيت رجلا فِي بَريَّة فَقلت من أَيْن فَقَالَ من عِنْد قوم ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾ قلت وَإِلَى أَيْن قَالَ إِلَى قوم ﴿تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع﴾
(بنفسي من غَدَاة نايت عَنْهُم ... تركت الْقلب عِنْدهم رهينا)
(أما لَك أَيهَا الْقلب اعْتِبَار ... بِمَا فعل الْهوى بالعاشقينا)
ملأوا مراكب الْقُلُوب مَتَاعا لَا ينْفق إِلَّا على الْملك فَلَمَّا هبت ريَاح الدجى دفعت المراكب
لأبي اسحق الْغَزِّي
(إِذا الصِّبَا سحبت أذيالها سحرًا ... على العقيق وقرت فِي ربى اضم)
(وحرشت بَين بَان الْجزع ظالمة ... وشيحه وَجَرت فِي الضال وَالسّلم)
(تنفس الوجد وارتاح المشوق وعاش ... الرّوح بِالروحِ بعد الْأَخْذ بالكظم)
يَا سوق الْأكل أَيْن أَرْبَاب الصّيام يَا فرش النّوم أَيْن حراس الظلام درست وَالله المعالم وَوَقعت الْخيام قف بِنَا على الأطلال نخصها بِالسَّلَامِ
стр. 144
للمهيار
(أَيْن سكانك لَا أَيْن هم ... أحجازا سلوكها أم شئاما)
(قد وقفنا بعدهمْ فِي ربعهم ... فنهبناه استلاما والتزاما)
أَتَرَى أَي طَرِيق سلكوا أَتَرَى أَي شعب أخذُوا
(حمامة الواديين مَا الْخَبَر ... اعرسوا بالفرات أَن عبروا)
مَا وصل الْقَوْم إِلَى الْمنزل إِلَّا بعد طول السرى مَا نالوا حلاوة الرَّاحَة إِلَّا بعد مرَارَة التَّعَب
لصردر
(لَو قرب الدّرّ على جلابه ... مَا لجج الخايص فِي طلابه)
(وَلَو أَقَامَ لَازِما أصدافه ... لم تكن التيجان فِي حسابه)
(مَا لُؤْلُؤ الْبَحْر وَلَا مرجانه ... إِلَّا وَرَاء الهول من عبابه)
(من يعشق العلياء يلق عِنْدهَا ... مَا لَقِي الْمُحب من أحبابه)
مَا حظي الدِّينَار بنقش إسم الْملك حَتَّى صبرت سبيكته على التَّرَدُّد إِلَى النَّار فنفت عَنْهَا كل كدر ثمَّ صبرت على تقطيعها دَنَانِير ثمَّ صبرت على ضربهَا على السِّكَّة فَحِينَئِذٍ ظهر عَلَيْهَا رقم النقش ﴿كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾
(كم أحمل فِي هَوَاك ذلا وعنا ... كم اصبر فِيك تَحت سقم وضنا)
(لَا تطردني فَلَيْسَ لي عَنْك غنا ... هَذَا نَفسِي إِذا أردْت الثمنا)
من طلب الْأَنْفس هجر الألذ من اهتم بالجوهر نسي الْعرض يَا صفراء يَا بَيْضَاء غرى غَيْرِي
стр. 145
(من أجل هواكم عشقت العشقا ... قلبِي كلف ودمعتي مَا ترقا)
(فِي حبكم يهون مَا قد ألْقى ... مَا يحصل بالنعيم من لَا يشقى)
يَا معشر التائبين ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا﴾ مكابدة الْبَادِيَة تهون عِنْد ذكر منى المضحى فِي بوادي الْجُوع والمعشى بوادي السهر إِلَى أَن تلوح بوادي الْقبُول إِن ونت فِي السّير ركائبكم فأقيموا حداة الْعَزْم تدلج
(الْبَين يَا أَيدي المطايا البينا ... لاتتشكى شوطك البطينا)
(يَا حادييها من نمير عَامر ... خذا بهَا عَن حاجر يَمِينا)
(حلا على وَادي الغضى نسوعها ... وأرخيا برامة الوضينا)
(ردا بهَا مَاء العذيب عِلّة ... يشفى ويطفى داءها الدفينا)
(واستخبرا بالجزع أنفاس الصِّبَا ... أَيْن اسْتَقل الجيرة الغادونا)
يَا مطرودا عَن صُحْبَة الصَّالِحين إمش فِي أَعْرَاض الركب وناشد حادي الْقَوْم لَعَلَّه يتَوَقَّف لَك
(يَا حادي العيس اصخ لمدنف ... متيم لج بِهِ الغرام)
(إِذا وقفت فِي ثنيات اللوى ... وَلَا الديار والخيام)
(وافترت الرياض عَن أزهارها ... عقيب مَا قد رَحل الْغَمَام)
(وهبت الرّيح فَهَب شيحها ... وانتبه الحوذان والثمام)
(فقف قَلِيلا نتزود نظرة ... تحيى بهَا الْأَرْوَاح وَالسَّلَام)
стр. 146
الْفَصْل السَّادِس
أخواني إنتبهوا من رقدات الأغمار وانتهبوا لحظات الْأَعْمَار وقاطعوا الكسل فقد قطع الْأَعْذَار واسمعوا زواجر الزَّمن فَمَا داجى الدجى وَلَقَد بهر النَّهَار وخذوا بالحزم فقد شقي تلف من رَضِي بشفا جرف هار
للشريف الرضى
(تفوز بِنَا الْمنون وتستبد ... ويأخذنا الزَّمَان وَلَا يرد)
(وَانْظُر مَاضِيا فِي أثر مَاض ... لقد أيقنت أَن الْأَمر جد)
(رويدا بالفرار من المنايا ... فَلَيْسَ يفوتها الساري الْمجد)
(فَأَيْنَ مُلُوكنَا الماضون قدما ... اعدوا للنوائب واستعدوا)
(أعارهم الزَّمَان نعيم عَيْش ... فيا سرعَان مَا استلبوا وردوا)
(هم فرط لنا فِي كل يَوْم ... نمدهم وَإِن لم يستمدوا)
الْعُمر يسير وَهُوَ يسير فاقصروا عَن التَّقْصِير فِي الْقصير أما دراك دراك قبل امْتنَاع الفكاك حذار حذار قبل قدوم الْقَرار أما يُحَرك سوق الرهب سوق الْهَرَب أما يحث التَّعْلِيم على الدأب الْأَدَب أَلَيْسَ الزَّمَان يعير ثمَّ يُغير وهب إِنَّه وهب أما ضرب الدَّهْر فاستحال الضَّرْب مر الْعُمر والغمر مَشْغُول عَمَّا ذهب بِالذَّهَب كم فَارق من رافق فسلا من سلا بالسلب أَيْن الْفَهم فقد الْمَعْنى الْمَعْنى وعج الْعجب أَيْن الثَّمَرَة أيتها فِي الغرب حَالَتْ غمايم الْهوى بَيْنكُم وَبَين
стр. 147
شمس الْهدى وَغدا مَا فِي يومكم ينسيكم غَدا حَتَّى كَأَن الرحيل حَدِيث خرافة أَو كَأَن الزَّاد يفضل عَن الْمسَافَة
أَيهَا الشُّيُوخ آن الْحَصاد أَيهَا الكهول قرب الجداد أَيهَا الشَّبَاب كم جرد الزَّرْع جَراد
(يَا ابْن آدم لَا تغررك عَافِيَة ... عَلَيْك شَامِلَة فالعمر مَعْدُود)
(مَا أَنْت إِلَّا كزرع عِنْد خضرته ... بِكُل شَيْء من الْأَوْقَات مَقْصُود)
(فَإِن سلمت من الْآفَات اجمعها ... فَأَنت عِنْد كَمَال الْأَمر محصود)
وَاعجَبا يتَأَمَّل الْحَيَوَان البهيم العواقب وَأَنت لَا ترى إِلَّا الْحَاضِر مَا تكَاد تهتم بمؤنة الشتَاء حَتَّى يقوى الْبرد وَلَا بمؤنة الصَّيف حَتَّى يشْتَد الْحر وَمن هَذِه صفته فِي أُمُور الدُّنْيَا ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا﴾ هَذَا الطَّائِر إِذا علم أَن الْأُنْثَى قد حملت أَخذ ينْقل العيدان لبِنَاء العش قبل الْوَضع أفتراك مَا علمت قرب رحيلك إِلَى الْقَبْر فَهَلا بعثت لَك فرَاش تقوى ﴿فلأنفسهم يمهدون﴾ هَذَا اليربوع لَا يتَّخذ بَيْتا إِلَّا فِي مَوضِع طيب مُرْتَفع ليسلم من سيل أَو حافر ثمَّ لَا يَجعله إِلَّا عِنْد أكمة أَو صَخْرَة لِئَلَّا يضل عَنهُ إِذا عَاد إِلَيْهِ ثمَّ يَجْعَل لَهُ أبوابا ويرقق بَعْضهَا فَإِذا أَتَى من بَاب دفع بِرَأْسِهِ مارق وَخرج
اسْمَع يَا من قد ضيق على نَفسه الخناق فِي فعل الْمعاصِي فَمَا أبقى لعذر موضعا يَا مقهورا بِغَلَبَة النَّفس صل عَلَيْهَا بِسَوْط الْعَزْم فَإِنَّهَا إِن علمت جدك استأسرت لَك امنعها ملذوذ مباحها ليَقَع الصُّلْح على ترك الْحَرَام فَإِذا ضجت لطلب الْمُبَاح ﴿فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ الدُّنْيَا والشيطان خارجيان خارجان عَلَيْك خارجان عَنْك فَالنَّفْس عَدو مباطن وَمن آدَاب الْجِهَاد ﴿قَاتلُوا الَّذين يلونكم﴾ لَيْسَ من بارز بالمحاربة كمن كمن مَا دَامَت النَّفس حَيَّة تسْعَى فَهِيَ
стр. 148
حَيَّة تسْعَى أقل فعل لَهَا تمزيق الْعُمر بكف التبذير كالخرقاء وجدت صُوفًا أخل بهَا فِي بَيت الْفِكر سَاعَة وَانْظُر هَل هِيَ مَعَك أَو عَلَيْك نادها بِلِسَان التَّذْكِرَة يَا نفس ذهب عرش بلقيس وبلى جمال شيرين وتمزق فرش بوران وَبَقِي نسك رَابِعَة يَا نفس صابري عَطش الهجير يحصل الصَّوْم وتحزمي تحزم الْأَجِير فَإِنَّمَا هُوَ يَوْم
(جد فِي الْجد قد تولى الْعُمر ... كم ذَا التَّفْرِيط قد تدانى الْأَمر)
(اقبل فَعَسَى يقبل مِنْك الْعذر ... كم تبنى وَكم تنقض كم ذَا الْغدر)
يَا هَذَا ذرات الْوُجُود تستدعيك إِلَى الموجد ورسايل العتاب على انقطاعك مُتَّصِلَة فَمَا هَذَا التَّوَقُّف
(كم كم ذَا الهجر وافتراق الأحباب ... هَل بعد الْبعد للَّذي غَابَ إياب)
(كم قد خطت إِلَيْكُم الْكَفّ كتاب ... خلوا العتب ثمَّ مَا جَاءَ جَوَاب)
يَا هَذَا دبر دينك كَمَا دبرت دنياك لَو علق بثوبك مِسْمَار رجعت إِلَى وَرَاء لتخلصه هَذَا مِسْمَار الأضرار قد تشبث بقلبك فَلَو عدت إِلَى النَّدَم خطوتين تخلصت هَيْهَات صبي الْغَفْلَة كلما حرك نَام يَا مَجْنُون الْهوى أما مارستان الْعُزْلَة وَقيد الحمية ومعالجة سلاسل التَّقْوَى ومرافقة بشر ومعروف وَإِلَّا فمارستان جَهَنَّم فِي انكال الْعقُوبَة وصحبة ابليس لَا بُد من جرم عزم يُؤْخَذ بالحزم لينتصر من عايث الشره سُلْطَان الازم من رق لبكاء الطِّفْل لم يقدر على فطامه كل يَوْم تحضر الْمجْلس يقف لَك الشَّيْطَان على الْبَاب فَإِذا خرجت كَمَا دخلت قَالَ فديت من لَا يفلح وأسفي كم تطلب الْخضر وَمَا ترى إِلَّا الْيَأْس وَيحك أعرف مَا ضَاعَ مِنْك وابك بكاء من يدْرِي قيمَة الفايت وَصَحَّ فِي السحر
(إِن كَانَ عهود وصلكم قد درست ... فالروح إِلَى سواكم مَا أنست)
(أَغْصَان هواكم بقلبي غرست ... منوا بلقائكم وَإِلَّا يَبِسَتْ)
стр. 149
واستنشقت ريح الأسحار لآفاق قَلْبك المخمور وتخايلت قرب الأحباب أَقمت المآتم على بعْدك
(مَا اشوقني إِلَى نسيم الرند ... يشفي سقمي إِذا أَتَى من نجد)
(والشيح فَإِنَّهُ مثير الوجد ... شوقي شوقي لَهُ ووجدي وجدي)
كَانَ بعض السّلف يَقُول فِي مناجاته إلهي إِنَّمَا أبْكِي لما قسمت الْأَقْسَام جعلت التَّفْرِيط حظى فَأَنا أبْكِي على بخْتِي
(قد كنت من قبل النَّوَى ... مِمَّا أُلَاقِي جزعا)
(تركتموني بعدكم ... اشرب دمعي جرعا)
أخواني تَعَالَوْا نرق دمع تأسفنا على قبح تخلفنا ونبعث مَعَ قاصدي الحبيب رِسَالَة محصر لَعَلَّنَا نفوز بِأَجْر الْمُصَاب إِن لم يرجع الْمَفْقُود يَا أَرْبَاب الْقُلُوب الضايعة ﴿اذْهَبُوا فتحسسوا من يُوسُف﴾
(هذي معالمهم وَمَا ... لي مُنْذُ بَان الْقَوْم عهد)
(واها لعيش بالحمى ... لَو كَانَ لي يَوْمًا يرد)
(ويلي أحظي كُله ... من حبكم هجر وَصد)
стр. 150
الْفَصْل السَّابِع
أخواني ذهبت الْأَيَّام وكتبت الآثام وَإِنَّمَا ينفع الملام متيقظا وَالسَّلَام
(وعظتنا بمرها الْأَيَّام ... وأرتنا مصيرنا الأرجام)
(ودعتنا الْمنون فِي سنة الْغَفْلَة ... هبوا واستيقظوا يَا أَنَام)
(لَيْت شعري مَا يَتَّقِي الْمَرْء والرامي ... لَهُ الْمَوْت والخطوب سِهَام)
(منهل وَاحِد شرايعه شَتَّى ... عَلَيْهِ للواردين ازدحام)
(نتحاماه مَا استطعنا وتحدونا ... إِلَيْهِ الشُّهُور والأعوام)
(وَإِذا رَاعنا فقيد نسيناه ... تناسى مَا راعهن السوام)
(أوقوفا على غرور وَقد زلت ... بِمن كَانَ قبلنَا الْأَقْدَام)
(ووراء الْمصير فِي هَذِه الأجداث ... دَار يكون فِيهَا الْمقَام)
يَا من صَحِيفَته بِالذنُوبِ قد خفت وموازينه لِكَثْرَة الْعُيُوب قد حفت يَا مستوطنا والمزعجات قد ذفت لَا تغتر بأغصان المنى وَإِن أورقت ورفت فكأنك بهَا قد صوحت وجفت أما رَأَيْت أكفا عَن مطالبها قد كفت أما شاهدت عرايس الأجساد إِلَى الالحاد زفت أما عَايَنت سطور الْأَجْسَام فِي كتب الأرجام قد أدرجت ولفت أما أَبْصرت قُبُور الْقَوْم فِي رقاع بقاع القاع قد صفت من عرف تصرف الْأَيَّام لم يغْفل الإستعداد إِن قرب الْمنية ليضحك من بعد الأمنية مَا جرى عبد فِي عنان أمله إِلَّا عثر فِي الطَّرِيق بأجله
أخواني خلقنَا نتقلب فِي سِتَّة أسفار إِلَى أَن يسْتَقرّ بِنَا الْمنزل السّفر
стр. 151
الأول سفر السلالة من الطين وَالثَّانِي سفر النُّطْفَة من الصلب وَالثَّالِث من الْبُطُون إِلَى الدُّنْيَا وَالرَّابِع من الدُّنْيَا إِلَى الْقُبُور وَالْخَامِس من الْقُبُور إِلَى الْعرض وَالسَّادِس إِلَى منزل الْإِقَامَة فقد قَطعنَا نصف الطَّرِيق وَمَا بعد أصعب
أخواني السنون مراحل والشهور فراسخ وَالْأَيَّام أَمْيَال والأنفاس خطوَات والطاعات رُؤْس أَمْوَال والمعاصي قطاع الطَّرِيق وَالرِّبْح الْجنَّة والخسران النَّار لهَذَا الْخطب شمر المتقون عَن سوق الْجد فِي سوق الْمُعَامَلَة كلما رَأَوْا مراكب الْحَيَاة تخطف فِي بَحر الْعُمر شغلهمْ هول مَا هم فِيهِ عَن التَّنَزُّه فِي عجائب الْبَحْر فَمَا كَانَ إِلَّا قَلِيل حَتَّى قدمُوا من السّفر فاعتنقتهم الرَّاحَة فِي طَرِيق التلقي فَدَخَلُوا بلد الْوَصْل وَقد حازوا ربح الدَّهْر
المهيار
(زمو المطايا فدمع الْعين منطلق ... وَالْقلب عان وَرَاء الْخَوْف مأسور)
(فَلم يهبهب بِأولى الزّجر سائقهم ... حَتَّى تشابك مهتوك ومستور)
(فغلسوا من زرود وَجه يومهم ... وحطهم لظلال البان تهجير)
(وضمنوا اللَّيْل سلعا إِذْ رَأَوْهُ وَقد ... غنت على فتنى سلع العصافير)
أملهم أقصر من فتر مَنَازِلهمْ أفقر من قبر نومهم أعز من الْوَفَاء السهر عِنْدهم أحلى من رقدة الْفجْر أخبارهم أرق من نسيم السحر آماقهم بالدموع الدائمة دامية والهموم على الجوانح جوانح لأَنْفُسِهِمْ أنفاس من مثلهَا يهيج البهيج روض رياضتهم مطلول الخمايل يحدث ريا ريه عَنْهُم فالرايحة رائجة بالْخبر
للمهيار
стр. 152
(يَا سايق الأظعان إِن مَعَ الصِّبَا ... خَبرا لَو أَنَّك للصبا تتَوَقَّف)
(هبت بعارفة تَسوق من الْحمى ... أرجا بريا أَهله يتعرف)
خُذ حَدِيث الْقَوْم جملَة واقنع بالعنوان كواكب هممهم فِي بروج عزائمهم سيارة لَيْسَ فِيهَا زحل نَامُوا فِي الدجى على مهاد القلق فَلَمَّا جن اللَّيْل جن الجذر فَاسْتَيْقَظت عين مَا تهنأت بطعم الرقاد
(كفى سائقا بالشوق بَين الأضالع ... لهيب اشتياق ثمَّ فيض مدامع)
فَرَكبُوا عيس الْقَصْد وركبوا الجادة فَلَمَّا غنت الحداة رنت الفلاة فأعربت أَبْيَات الشّعْر عَن أَبْيَات الشّعْر فعصفت ريَاح الزفرات من قلب المشوق فانقلع شكر الدمع فَلَو رَأَيْت وكف شؤونهم قلت قد انْقَطع شريان الْغَمَام هَذَا يُعَاتب نَفسه على التَّقْصِير وَهَذَا يتفكر فِي هول الْمصير وَهَذَا يخَاف من ناقد بَصِير منَازِل تعبدهم متناوحة وَفِي كل بَيت مِنْهُم نايحة تائبهم أبكى من متمم ومحبهم أتيم من مرقش ومشتاقهم أقلق من قيس وَكلهمْ قد بَات بلَيْل النَّابِغَة التائب يَقُول أَنا الْمقر على نَفسِي بالخيانة أَنا الشَّاهِد عَلَيْهَا بِالْجِنَايَةِ
(اعْفُ عني واقلني عثرتي ... يَا عتادي لملمات الزَّمن)
(لَا تعاقبني فقد عاقبني ... نَدم اقلق روحي فِي الْبدن)
(لَا تطير وسنا عَن مقلتي ... أَنْت أهديت لَهَا حُلْو الوسن)
(يَا حَبِيبِي بِلِسَان الْعَرَبِيّ ... ولسان الْفَارِسِي يَا دوست من)
والمتعبد يبكي على الفتور بكاء الثكلى بَين الْقُبُور وَينْدب زمَان الْوِصَال ويتأسف على تغير الْحَال
(قد كَانَ لي مشرب يصفو برؤيتكم ... فكدرته يَد الْأَيَّام حِين صفا)
والخائف يُنَادي لَيْت شعري مَا الَّذِي أسقطني من عَيْنك أقلت ﴿هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك﴾
стр. 153
(لاية عِلّة ولأي حَال ... صرمت حبال وصلك عَن حبالي)
(وعوضت البعاد من التداني ... وَمر الهجر من حُلْو الْوِصَال)
(فَإِن اك قد جنيت عَلَيْك ذَنبا ... وَلم أشعر بقول أَو فعال)
(فعاقبني عَلَيْهِ بِأَيّ شَيْء ... أردْت سوى الصدود فَمَا أُبَالِي)
وصريع الْمحبَّة يستغيث وينادي حَتَّى أقلق الْحَاضِر والبادي
(تحمل أَصْحَابِي وَلم يَجدوا وجدي ... وَلِلنَّاسِ أشجان ولي شجن وحدي)
(أحبكم مَا دمت حَيا وَإِن مت ... فواكبدي من ذَا يحبكم بعدِي)
وقتيل الشوق يتَعَلَّق بِمَا يرى ويتشبث بِمَا يسمع يرتاح إِلَى السهر ومقصوده غَيره وَإِلَى الشّجر ومغنين طيره
للمهيار
(أيابانة الْغَوْر عطفا شفيت ... وَإِن كنت أكني وأعني سواك)
(أحبك من أجل من تعلمين ... لَو أَنِّي أرَاهُ كَمَا قد أَرَاك)
(ذكرت وَيَا لهفي هَل نسيت ... ليَالِي أسمرها فِي ذراك)
(كفى الوجد أَنِّي إِذا مَا استرحت ... إِلَى اسْمك عميته بالأراك)
(إِذا الصد أرضاك فَهُوَ الْوِصَال ... فَإِنِّي فعلت فأهلا بِذَاكَ)
стр. 154
الْفَصْل الثَّامِن
الشَّهَوَات تغر وتعر وتمر عَيْش العواقب وتمر وتبكي عين النَّدَم أَضْعَاف مَا تسر أَلا يقظ إِلَّا حذر الا حر
(هَل الدَّهْر إِلَّا مَا عرفنَا وأدركنا ... فجايعه تبقى ولذاته تفنى)
(إِذا أمكنت فِيهِ مَسَرَّة سَاعَة ... تولت كمر الطّرف واستخلفت حزنا)
(إِلَى تبعات فِي الْمعَاد وموقف ... نود لَدَيْهِ أننا لم نَكُنْ كُنَّا)
(حصلنا على هم واثم وحسرة ... وَفَاتَ الَّذِي كُنَّا نلذ بِهِ عَنَّا)
(كَأَن الَّذِي كُنَّا نسر بِكَوْنِهِ ... إِذا حققته النَّفس لفظ بِلَا معنى)
إِن المواعظ قد أفصحت وأعربت غير أَن الزخارف للواحظ قد أدهشت وأعجبت وَإِنَّمَا تقطع مراحل الْجد بالعزم وَالصَّبْر وَنظر اللبيب الْمجد إِلَى آخر الْأَمر أَو لَيْسَ الصَّحِيح بِعرْض عَارض الأسقام والأوصاب أوما المسرور بِالْعرضِ كالغرض لسهام الْمُصَاب أَو مَا يَكْفِي من الزواجر كف كف الْأَحْدَاث مَبْسُوط الأمل أما يشفى من الْبَيَان عيان الْأَعْيَان فِي الأجداث خالين بِالْعَمَلِ أَيْن من فاق قمم الشّرف فعزل وَولى أما ذاق ألم المنصرف فَنزل وَولى أَيْن من نَشأ فِي عَليّ وَنهى وندى سلب وَلم يَشَأْ حلى ولهى وجدى أَيْن المسرور بشهوات أمسه حزن أَيْن الْمَغْرُور بلذات نَفسه غبن
(فيا آملا أَن يخلد الدَّهْر كُله ... سل الدَّهْر عَن عَاد وَعَن أُخْتهَا أرم)
стр. 155
(إِذا مَا رَأَيْت الشَّيْء يبليه عمره ... ويفنيه أَن يبْقى فَفِي دائه عقم)
(يروح وَيَغْدُو وَهُوَ من موت غِبْطَة ... وَمَوْت فنَاء بَين فكين من جلم)
(تحد لنا أَيدي الزَّمَان شفاره ... ونرتع فِي أكلائه رتعة النعم)
(نراع إِذا مَا الْمَوْت صَاح فنرعوي ... وَإِن لم يَصح يَوْمًا براتعنا خضم)
(أَلا إِن بالأبصار عَن عِبْرَة عمى ... أَلا إِن بالأسماع عَن عظة صمم)
(سيكشف عَن قلب الغبي غطاؤه ... إِذا حتفه يَوْمًا على صَدره جثم)
يَا مُعْتَقدًا دَار القلعة قلعة أما ترَاهَا تميد بسكانها وَالشَّاهِد مَا يُشَاهد عواصف الْحَوَادِث تنسف جبال المقتنى ومعاول الزَّمَان تهدم مشيد المبتنى وَكلما ارْتَفع كثيب أمل وهال أنهال يَا مهْلكا نَفسه الَّتِي لَا قيمَة لَهَا لأجل دينا لَا وَقع لَهَا إِلَى كم هَذَا الْحِرْص وَمَا تنَال غير الْمَقْدُور أما رَأَيْت مرزوقا لَا يتعب ومتعبا لَا يرْزق هَذَا مُوسَى فِي تقلقل ﴿أَرِنِي﴾ وَمَا أرى وَمُحَمّد يزعج عَن مَنَامه وَمَا طلب قَضَاهَا لغيري وابتلاني بحبها وَاعجَبا يطْلب مُوسَى التجلي فَيمْنَع ويرزق الْجَبَل
(أَرَاك الْحمى قل لي بِأَيّ وَسِيلَة ... توسلت حَتَّى قبلتك ثغورها)
لقد أنضى الْحِرْص مَطِيَّة عمرك وَمَا وصلت بلد الأمل لَو قنعت الذبابة بِطرف ظرف الْعَسَل مَا تلفت لَو عرفت قيمَة نَفسهَا رخصت أَو غلت مَا أوغلت شقايق اللَّذَّة تروق بصر الْحس وَسن العواقب تضحك من الْمَغْرُور يَا دني الهمة أعجبتك خضرَة على مزبلة فَكيف لَو رَأَيْت فردوس الْملك قنعت بخسايس الحشايش والرياض معشبة بَين يَديك تقدم بالرياضة خطوَات وَقد وصلت
(الْغَوْر يَا رِكَابنَا الْغَوْر إِذن ... إِن صدق الرايد فِي هَذَا الْخَبَر)
(وَإِن حننت للحمى وروضه ... فبالغضا مَاء وروضات أخر)
стр. 156
الهمم تَتَفَاوَت فِي جَمِيع الْحَيَوَانَات العنكبوت من حِين يُولد ينسج لنَفسِهِ بَيْتا وَلَا يقبل منَّة الْأُم والحية تطلب مَا حفره غَيرهَا إِذْ طبعها الظُّلم الْغُرَاب يتبع الْجِيَف والأسد لَا يَأْكُل البايت الْكَلْب ينضنض لترمى لَهُ لقْمَة والفيل يتملق حَتَّى يَأْكُل للصَّيْد كلاب وللمدبغة كلاب أَيْن الإنفة النَّحْل يغْضب فيترضى من لجاج والخنفساء تطرد فتعود الأختبار يظْهر جَوَاهِر الرِّجَال بعثت بلقيس إِلَى سُلَيْمَان هَدِيَّة لتسبر بهَا قدر همته فَإِن رأتها قَاصِرَة علمت أَنَّهَا لَا تصلح للمعاشرة وَإِن رأتها عالية تطلب مَا هُوَ أَعلَى تيقنت أَنه يصلح
يَا هَذَا الدُّنْيَا هَدِيَّة بلقيس فَهَل تقبلهَا أَو تطلب مَا هُوَ أنفس وَيحك أحسن مَا فِي الدُّنْيَا قَبِيح لِأَنَّهُ يشغل عَمَّا هُوَ أحسن مِنْهُ أَتَرَى لَو ابتليناك بترك عَظِيم كَيفَ كنت تفعل إِنَّمَا رددناك عَن دنس ومنعناك من كدر ثمَّ مَا علمت أَن الثَّوَاب على قدر الْمَشَقَّة وَيحك إِن الأرباح الْكَثِيرَة فِي الْأَسْفَار الْبَعِيدَة الصَّبْر والهوى ضرتان فاختر إِحْدَى الضرتين فَمَا يُمكن الْجمع من دَامَ بِهِ الْخمار فِي ديار الْهوى لم يفتح عَيْنَيْهِ إِلَّا فِي منَازِل البلى من غرق بنهر الْمُعَلَّى طفا تَحت الْبَلَد وَاعجَبا أعدم نظر الْعقل بِمرَّة أَو بِعَيْنِه رمد لَو قيل لَك ارْمِ ثَوْبك على هدف مرمى لم تفعل إشفاقا عَلَيْهِ وَهَذَا دينك فِي عرض عرضك قد تمزق من نبل الْهوى لَو قيل زد فِي النفقه خفت على المَال وَقد حفت فِي إِنْفَاق الْعُمر على معشوق البطالة رميت يُوسُف قَلْبك فِي جب الْهوى وَجئْت على قَمِيص الْأَمَانَة بِدَم كذب وَيحك كلما أوغلت فِي الْهوى زَاد التعرقل وَيحك مَا يُسَاوِي النّصاب الْمَسْرُوق قطع الْيَد مَجْلِسنَا بَحر والفكر غواص يسْتَخْرج الدّرّ ومراكب الْقُلُوب تسير إِلَى بلد الْوَصْل وَأَنت تقف على السَّاحِل ﴿وَترى الْفلك مواخر فِيهِ﴾ إِن قَعْر جَهَنَّم لبعيد وَلَكِن همتك أَسْفَل مِنْهُ خنقنا دُخان التخويف افتحوا للرواح
(إِلَى كم عتاب يسد الفضا ... سَلام عَلَيْكُم مضى مَا مضى)
стр. 157
الْفَصْل التَّاسِع
الزَّمَان أنصح المؤدبين وأفصح المؤذنين فانتبهوا بايقاظه واعتبروا بألفاظه
(فكم هَذَا التصامم والتعامي ... وَكم هَذَا التغافل والتواني)
(لَو أَنا قد فهمنا عَن خراب ... الديار مقالها لم يبن بَان)
(ويجني الْعَيْش كل أَذَى ويهوى ... فيا للعيش يعشق وَهُوَ جَان)
(فَللَّه الأولى درجوا جَمِيعًا ... وَزَادَهُمْ النَّجَاء من الهوان)
(وَمَا عَلقُوا من الدُّنْيَا بِشَيْء ... سوى بلغ بأطراف البنان)
(وَلما أَن رَضوا شعث النواصي ... تَقِيّ وهبوا التصنع للغواني)
لله در العارفين بزمانهم إِذْ باعوا مَا شانهم بإصلاح شَأْنهمْ مَا أقل مَا تعبوا وَمَا ايسر مَا نصبوا وَمَا زَالُوا حَتَّى نالوا مَا طلبوه شمروا عَن سوق الْجد فِي سوق العزائم وَرَأَوا مطلوبهم دون غَيره ضَرْبَة لَازم وجادوا مُخلصين فَرَبِحُوا إِذْ خسر حَاتِم وَأَصْبحُوا منزل النجَاة وَأَنت فِي اللَّهْو نايم مَتى تسلك طريقهم يَا ذَا المآثم مَتى تندب الذُّنُوب ندب المآتم يَا رجَالًا مَا بَانَتْ رجوليتهم إِلَّا بالعمايم يَا أَخَوان الأمل قد بَقِي الْقَلِيل وتفنى المواسم أَيْن أَنْت من الْقَوْم مَا قَاعد كقائم
للمهيار
(صحب الله راكبين إِلَى الْعِزّ ... طَرِيقا من المخافة وعرا)
(شربوا الْمَوْت فِي الكريهة حلوا ... خوف أَن يشْربُوا من الضيم مرا)
стр. 158
أنف الْقَوْم من مزاحمة الْخلق فِي سوق الْهوى وَقَوي كرب شوقهم فَلم يحتملوا حصر الدُّنْيَا فَخَرجُوا إِلَى فضاء الْعِزّ فِي صحراء التَّقْوَى وضربوا مخيم الْجد فِي ساحة الْهدى وتخيروا شواطي أَنهَار الصدْق فشرعوا فِيهَا مشارع البكا وانفردوا بقلقهم فساعدهم ريم الفلا وترنمت بلابل بلباهم فِي ظلام الدجا فَلَو رَأَيْت حزينهم لطلب الرِّضَا على جمر الغضا فيا مَحْبُوسًا عَنْهُم فِي سجن الْحِرْص والمنى إِن خرجت يَوْمًا من سجنك لترويح شجنك من غم الْبلوى عرج بِذَاكَ الْوَادي
للشريف الرضي
(عارضا بِي ركب الْحجاز أسائله ... مَتى عَهده بأيام سلع)
(واستملا حَدِيث من سكن الْخيف ... وَلَا تكتباه إِلَّا بدمعي)
(فَاتَنِي أَن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أعي الديار بسمعي)
(كلما سل من فُؤَادِي سهم ... عَاد سهم لَهُم مضيض الوقع)
(من معيد أَيَّام جمع على مَا ... كَانَ مِنْهَا وَأَيْنَ أَيَّام جمع)
(طَالب بالعراق ينشد هَيْهَات ... زَمَانا أضلّهُ بالجزع)
يَا معوقا عَنْهُم بِكَثْرَة الْحَوَادِث خلص المَاء من ضيق الأنابيب وَانْظُر كَيفَ يسْرع إِلَى مَتى تألف عش الصِّبَا سَافر مَعَ الرِّجَال لَو عبرت بطن النجف لاستنشقت ريح الْحجاز حدث نَفسك بِأَرْض نجد يهن عَلَيْهَا عبور الْعقبَة ذكرهَا قرب منى وَقد درجت المدرج
للمهيار
(من بمنى وَأَيْنَ جيران منى ... كَانَت ثَلَاثًا لَا تكون أَرْبعا)
(سلمبتوني كبدا صَحِيحَة ... أمس فردوها عَليّ قطعا)
стр. 159
(عدمت صبري فَجَزِعت بعدكم ... ثمَّ ذهلت فعدمت الجزعا)
(ارتجعوا إِلَى لَيْلَة بحاجر ... إِن تمّ فِي الفايت أَن يرتجعا)
(وغفلة سرقتها من زمني ... بلعلع سقى الْغَمَام لعلعا)
يَا صبيان التَّوْبَة هلالكم خفى فدوموا على الْمُعَامَلَة يصر بَدْرًا لَا بُد من ضيف ولنبلونكم الطَّبْع يحن إِلَى المألوف وَالْولد يطْلب مَا يَشْتَهِي وَالزَّوْجَة تروم سَعَة النَّفَقَة والورع يخْتم كيس التَّصَرُّف ﴿هُنَالك ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وزلزلوا زلزالا شَدِيدا﴾ أَيدي صبيان التَّوْبَة فِي أَفْوَاههم بعد طعم الرضاء بَينا ليل زللهم قد عسعس إِذْ صبح يَوْم تَوْبَتهمْ قد تنفس فَكلما احترقت قُلُوبهم بالخوف تعرضوا بنسمات الرَّجَاء للعفو
(لَا عدا الرّوح من تهَامَة أنفاسا ... إِذا استروحت تمنيت نجدا)
يَا صبيان التَّوْبَة طبيبكم متلطف تَارَة بالتشويق وَتارَة بالتخويف هَذِه الطير إِذا انْشَقَّ بيضها عَن الْفِرَاخ علم الْأَب وَالأُم إِن حوصلة الفرخ لَا تحْتَمل الْغذَاء فينفخان الرّيح فِي حلقه لتسْع الحوصلة ثمَّ يعلمَانِ أَن الحوصلة تفْتَقر إِلَى دبغ وتقوية فيأكلان من صاروج الْحِيطَان وَهُوَ شَيْء فِيهِ ملوحة كالسبخ ثمَّ يزقانه إِيَّاه فَإِذا اشتدت الحوصلة زقياه الْحبّ فَإِذا علما أَنه قد أطَاق اللقط منعاه بعض الْمَنْع فَإِذا جَاع لقط فَإِذا رأياه قد اسْتَقل باللقط ضرباه بالأجنحة إِذا سَأَلَهُمَا الزق
فتأملوا تدبيري لكم فِي المواعظ الطِّفْل لَا يصبر عَن الرَّضَاع سَاعَة فَإِذا صَار رجلا صَبر عَن الطَّعَام يَوْمَيْنِ إِنَّمَا تقع الكلفة بِقدر الطَّاقَة لما كَانَ الطاير يحْتَاج أَن يزق فرخه لم يحمل عَلَيْهِ إِلَّا تَدْبِير بيضتين وَلما كَانَت الدَّجَاجَة تحضن وَلَا تزق كَانَ بيضها أَكثر وَلما كَانَت الضبة لَا تحضن وَلَا تزق صَارَت تبيض سِتِّينَ بَيْضَة وتحفر لَهُنَّ وتترك التُّرَاب عَلَيْهِنَّ وَبعد أَيَّام تنبشهن فيخرجن كلما قوى
стр. 160
الْحَامِل زيد فِي الْحمل فِي أول مقَام يَقُول ﴿يحب التوابين﴾ وَفِي أوسطه بعيني مَا يتَحَمَّل المتحملون وَفِي الْمقَام الْأَعْلَى كذب من من ادّعى محبتي فَإِذا جنه اللَّيْل نَام عني كَانَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي يبكي حَتَّى ينْبت الرّيع من عَيْنَيْهِ وَكَانَ عَطاء السلمى يبكي حَتَّى لَا يقدر أَن يبكي
(يَا منفذا مَاء الجفون ... وَكنت أنفقهُ عَلَيْهِ)
(إِن لم تكن عَيْني فَأَنت ... أعز من نظرت إِلَيْهِ)
كَانُوا إِذا ضيق الْخَوْف عَلَيْهِم الخناق نفسوه بالرجاء فَكَانَ أَبُو سُلَيْمَان يَقُول إلهي إِن طالبتني بذنوبي طالبتك بكرمك وَإِن أسكنتني النَّار بَين أعدائك لأخبرنهم إِنِّي كنت أحبك وَكَانَ يحيى ابْن معَاذ يَقُول إِن قَالَ لي يَوْم الْقِيَامَة عَبدِي مَا غَرَّك بِي قلت الهي برك بِي
(تجاسرت فكاشفتك ... لما غلب الصَّبْر)
(فَإِن عنفني النَّاس ... فَفِي وَجهك لي عذر)
(لَان الْبَدْر مُحْتَاج ... إِلَى وَجهك يَا بدر)
стр. 161
الْفَصْل الْعَاشِر
أخواني الدُّنْيَا غرارة غدارة خداعة مكارة تظن مُقِيمَة وَهِي سيارة وَمُصَالَحَة وَقد شنت الْغَارة
(نح نفسا عَن الْقَبِيح وصنها ... وتوق الدُّنْيَا وَلَا تأمننها)
(لَا تثق بالدني فَمَا أبقت الدُّنْيَا ... لحى وَدِيعَة لم تخنها)
(إِنَّمَا جِئْتهَا لتستقبل الْمَوْت ... واسكنتها لتخرج عَنْهَا)
(ستخلى الدُّنْيَا وَمَا لَك إِلَّا ... مَا تبلغت أَو تزودت مِنْهَا)
(وسيبقى الحَدِيث بعْدك فَانْظُر ... خير أحدوثة تكون فكنها)
كَأَنَّك بِالْمَوْتِ وَقد خطف ثمَّ عَاد إِلَى الْبَاقِي وَعطف تنبه لنَفسك يَا ابْن النطف فقد حَاذَى الرَّامِي الهدف إِلَى كم تسير فِي سرف لَيْت هَذَا الْعَزْم وقف تُؤخر الصلوة ثمَّ تسيئها كالبرق إِذا خطف أتجمع سوء كيلة مَعَ حشف الْجَسَد أَتَى وَالْقلب انْصَرف يَا من بَاعَ الدّرّ وَاشْترى الخزف أبسط بِسَاط الْحزن على رماد الأسف عَلَيْك حَافظ وصابط لَيْسَ بناس وَلَا غالط يكْتب الْأَلْفَاظ السواقط وَأَنت فِي ليل الظلام خابط
يَا من شَاب إِلَى كم تغالط إبك مَا مضى وَيَكْفِي الفارط مَا للعيون قد أخلفت أنواؤها وَكثر نظرها إِلَى الْحَرَام فَقل بكاؤها مَا للقلوب الْمَرِيضَة قد عز شفاؤها سأكتب ضَمَان الآمال وَأَيْنَ وفاؤها آه لأمراض نفوس قد يئس طبيبها ولأصوات مواعظ قد خرس مجيبها هبت وَالله دبور الذُّنُوب فَتركت الْأَجْسَام بِلَا قُلُوب
стр. 162
أَيْن الْفَهم والتأمل إِن لم يكن جميل فَلْيَكُن تجمل أخواني قد دنا الترحل لَا بُد وشيكا من التَّحَوُّل
رقيبكم يَا غافلين لَا يغْفل أتذكرون الذُّنُوب بِلَا تململ يَا من يعد بِالتَّوْبَةِ كم تمطل يَا ملازما للهوى كم تعدل الْمعاصِي سم والقليل مِنْهُ يقتل
يَا هَذَا الدُّنْيَا وَرَاءَك وَالْأُخْرَى أمامك والطلب لما وَرَاءَك هزيمَة إِنَّمَا يعجب بالدنيا من لَا فهم لَهُ كَمَا أَن أضغاث الأحلام تسر النَّائِم لعب الخيال يحسبها الطِّفْل حَقِيقَة فَأَما الْعقل فَيعلم مَا وَرَاء السّتْر
(رَأَيْت خيال الظل أكبر عِبْرَة ... لمن هُوَ فِي علم الْحَقِيقَة راق)
(شخوص وأشباح تمر وتنقضي ... جَمِيعًا وتفنى والمحرك بَاقٍ)
كم أتلفت الدُّنْيَا بيد حبها فِي بيد طلبَهَا كم ساع سعى إِلَيْهَا سعي الرخ ردته معكوسا رد الفرازين الدُّنْيَا نهر طالوت والفضائل تنادي ﴿فَمن شرب مِنْهُ فَلَيْسَ مني﴾ فَإِذا قَامَت الْفَاقَة مقَام ابْن أم مَكْتُوم أبيحت لَهَا رخصَة ﴿إِلَّا من اغترف﴾ فَأَما أهل الْغَفْلَة فارتووا فَلَمَّا قَامَت حَرْب الْهوى ثبطتهم البطنة فَنَادوا بألسنة الْعَجز ﴿لَا طَاقَة لنا﴾ وَأَقْبل مضمن الْجد فحاز قصب السَّبق كل الشَّرّ فِي الشره واللذة خناق من عسل من تبصر تصبر الحزم مَطِيَّة النجح الطمع مركب التّلف التواني أَبُو الْفقر البطالة أم الخسران التَّفْرِيط أَخُو النَّدَم الكسل إِبْنِ عَم الْحَسْرَة مَا يحصل برد الْعَيْش إِلَّا بَحر التَّعَب مَا الْعِزّ إِلَّا تَحت ثوب الكد على قدر الإجتهاد تعلو الرتب لما صابر النضو مشقة السّير معرضًا عَن أَعْرَاض المطاعم زين بالجلال يَوْم الْعِيد وَلما تكاسلت
стр. 163
البخاتي ميلًا إِلَى كَثْرَة الْعلف وَقع ببختها الذّبْح سَابق الطير مكرم والديك الحاذق بالصياح مُطلق إِذا صب فِي الْقنْدِيل مَاء ثمَّ صب عَلَيْهِ زَيْت صعد الزَّيْت فَوق المَاء فَيَقُول المَاء أَنا ربيت شجرتك فَأَيْنَ الْأَدَب لم ترْتَفع على فَيَقُول الزَّيْت أَنْت فِي رَضْرَاض الْأَنْهَار تجْرِي على طَرِيق السَّلامَة وَأَنا صبرت على الْعَصْر وطحن الرحا وبالصبر يرْتَفع الْقدر فَيَقُول المَاء أَلا أَنِّي أَنا الأَصْل فَيَقُول الزَّيْت إستر عيبك فَإنَّك لَو قارنت الْمِصْبَاح انطفأ
يَا بَعيدا عَن المجاهدة قد اقتسم الرعيل الأول النَّفْل أما ترى اسلاب الْهوى كَيفَ يَبِيعهَا أَرْبَابهَا فِي سوق الإفتخار بالنض ﴿ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ﴾
يَا من قد انحرف عَن جادتهم كم أحركك بِسَوْط الشوق فِي شوط السُّوق سهم عزمك بِلَا ريش إِنَّمَا يَقع وَقت الرمى بَين يَديك يَا مخنث الْعَزِيمَة أقل مَا أبقى فِي الرقعة البيذق فَلَمَّا نَهَضَ تفرزن رأى بعض الْحُكَمَاء برذونا يَسْتَقِي عَلَيْهِ فَقَالَ لَو هملج هَذَا لركب مَتى هَمت أَقْدَام الْعِزّ بالسلوك إندفع من بَين يَديهَا مَا يسد القواطع وَمَتى هاب الغايص موج الْبَحْر لم يطمح لَهُ فِي نيل الدّرّ يَا من عقد عزمه بأنشوطة والهوى يمدها للْحلّ إِن عزفت من عزيمتك الثُّبُوت فِي صف المجاهدة وَإِلَّا فاحذر هتكة الْهَزِيمَة
كَانَ ذُو البجادين يَتِيما فَلَمَّا عَمه الْفقر كفله عَمه فنازعته النَّفس إِلَى الْإِسْلَام فهم بالنهوض فَإِذا بَقِيَّة الْمَرَض مَانِعَة فَقعدَ على انْتِظَار الْعم فَانْتهى الْمَرَض فَصَارَت الهمة عَزِيمَة فنفذ الصَّبْر فناداه صدق الوجد
стр. 164
للمهيار
(إِلَى كم حَبسهَا تَشْكُو المضيقا ... إثْرهَا رُبمَا وجدت طَرِيقا)
(أجلهَا تطلب القصوى ودعها ... سدى يَرْمِي الْغُرُوب بهَا الشروقا)
(أتعقلها وتقنع بالهوينا ... تكون إِذن بذلتها خليقا)
(وَلم يشفق على حسب غُلَام ... يكون على ركائبه شفيقا)
فَقَالَ يَا عَم كَيفَ انْتظر سلامتك بِإِسْلَامِك وَمَا أرى زمن زمنك ينشط فَقَالَ وَالله لَئِن أسلمت لانتزعن كل مَا أَعطيتك فصاح لِسَان الشوق نظرة من مُحَمَّد أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا هَذَا مَذْهَب المحبين إِجْمَاعًا من غير خلاف
(وَلَو قيل للمجنون ليلى وَوَصلهَا ... تُرِيدُ أم أم الدُّنْيَا وَمَا فِي خباياها)
(لقَالَ تُرَاب من غُبَار نعالها ... ألذ إِلَى نَفسِي وأشفى لبلواها)
فَلَمَّا تجرد لطلب الثَّوَاب جرده الْعم من الثِّيَاب فناولته الْأُم بجادا فَقَطعه لسفر الْوَصْل فائتزر وارتدى وَغدا فِي هَيْئَة رب أَشْعَث أغبر
(سنة الأحباب وَاحِدَة ... فَإِذا أَحْبَبْت فاستنن)
فَنَادَى صائح الْجِهَاد فِي جَيش الْعسرَة فتبع ساقة الأحباب على سَاق والمحب لَا يرى طول الطَّرِيق إِنَّمَا يتلمح الْمَقْصد
(أَلا أبلغ الله الْحمى من يُريدهُ ... وَبلغ أكناف الْحمى من يريدها)
فَحمل جلدَة فَوق جلده إِلَى أَن نزل منزل التّلف فَنزل الرَّسُول فِي حفرته يمهد لَهُ اللَّحْد لمأمور إِذا رَأَيْت لي طَالبا فَكُن لَهُ خَادِمًا وَجعل يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أمسيت رَاضِيا عَنهُ فارض عَنهُ فصاح ابْن مَسْعُود لَيْتَني كنت صَاحب الحفرة
(كَذَاك الْفَخر يَا همم الرِّجَال ... تَعَالَى فانظري كَيفَ التعالي)
стр. 165
الْفَصْل الْحَادِي عشر
أيتها النَّفس إقلعي عَن الْجنَاح وتوبي وراجعي إِلَى الصّلاح وأوبي أيتها النَّفس قد شان شاني عيوبي أيتها الجاهلة تكفيني ذُنُوبِي
(يَا وَيْح نَفسِي من تتَابع حوبتي ... لَو قد دَعَاني لِلْحسابِ حسيبي)
(فاستيقظي يَا نفس وَيحك واحذري ... حذرا يهيج عبرتي ونحيبي)
(واستدركي مَا فَاتَ مِنْك وسأبقى ... سطوات موت للنفوس طلوب)
(وابكي بكاء المستغيث واعولي ... أعوال عان فِي الوثاق غَرِيب)
(هَذَا الشَّبَاب قد اعتللت بلهوه ... أفليس ذَا يَا نفس حِين مشيبي)
(هَذَا النَّهَار يكر وَيحك دائبا ... يجْرِي بِصَرْف حوادث وخطوب)
(هَذَا رَقِيب لَيْسَ عني غافلا ... يحصي عَليّ وَلَو غفلت ذُنُوبِي)
(أوليس من جهل بِأَنِّي نَائِم ... نوم السَّفِيه وَمَا ينَام رقيبي)
آه لنَفْسي تركت يقينها وتبعت آمالها مَا لَهَا جهلت مَا عَلَيْهَا وَمَا لَهَا أما ضربت العبر بِأخذ أَمْثَالهَا أَمْثَالهَا من لَهَا إِذا نازلها الْمَوْت فغالها وَأخذ مِنْهَا مَا نالها وَقد أَنى لَهَا ليتها تفقدت أمورها أَو شهِدت أحوالها تحضر الْمجْلس بنية فَإِذا قَامَت بدا لَهَا ويحها لَو ترى اجزآءا من مَالهَا لهالها
لِأَبْنِ المعتز
(وَكم دهى الْمَرْء من نَفسه ... فَلَا تؤكلن بأنيابها)
(وَإِن مكنت فرْصَة فِي الْعَدو ... فَلَا تبدو فعلك إِلَّا بهَا)
стр. 166
قَالَ أَبُو يزِيد رَأَيْت الْحق فِي الْمَنَام فَقلت يَا رب كَيفَ أجدك قَالَ فَارق نَفسك وتعال
جَاءَ رجل إِلَى أبي عَليّ الدقاق فَقَالَ قد قطعت إِلَيْك مَسَافَة فَقَالَ لَيْسَ هَذَا الْأَمر بِقطع المسافات فَارق نَفسك بخطوة وَقد حصل لَك مَقْصُود لَو عرفت مِنْك نَفسك التَّحْقِيق لَسَارَتْ مَعَك فِي أصعب مضيق لَكِنَّهَا ألفت التفاتك فَلَمَّا طلبت قهرها فاتك هلا شددت الحيازم وَقمت قيام حَازِم وَفعلت فعل عازم وَقطعت على أَمر جازم تقصد الْخَيْر وَلَكِن مَا تلازم
(وَيعرف أَخْلَاق الجبان جَوَاده ... فَيجْهد كرا ويرهبه ذعرا)
(وَمن يحل تطلاب الْمَعَالِي بصدره ... بِحَدّ حُلْو مَا يعطاه من غير هامرا)
حَرِيم الْعَزْم الصَّادِق حرَام على المتردد مَتى تحزم الْعَزْم هزم لَو رَأَيْت صَاحب الْعَزْم وَقد سرى حِين رقدت السراحين بهمة تحل فَوق الفرقد فلنفسه نفاسة ولإنفه إنفة سهم الشهم مفوق فَوق عرضة الْغَرَض
كَانَ الفضيل مَيتا بِالذنُوبِ وَابْن أدهم مقتولا بِالْكبرِ والسبتي هَالكا بِالْملكِ والجنيد من جيد الْجند فَنفخ فِي صور المواعظ فدبت أَرْوَاح الْهدى فِي موتى الْهوى فانشقت عَنْهُم قُبُور الْغَفْلَة وَصَاح اسرافيل الإعتبار ﴿كَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى﴾ إِنَّمَا سمع الفضيل آيَة فذلت نَفسه لَهَا واستكانت وَهِي كَانَت إِنَّمَا زجر ابْن أدهم بِكَلِمَة كلمت قلبه فَانْقَلَبَ هايف عاتبه وَلَام أخرجه من بَلخ إِلَى الشَّام كَانَت عقدَة قُلُوبهم بأنشوطة ومسد قَلْبك كُله عقد لاحت للْقَوْم جادة السلوك ﴿قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾
стр. 167
هَيْهَات مِنْك غُبَار ذَاك الموكب ركبُوا سفين الْعَزْم فَهبت لَهُم ريَاح العون فَقطعُوا بِالْعلمِ لجج الْجَهْل فوصلوا إِلَى إقليم أَرض الْفَهم فأرسلوا على سَاحل بلد الْوَصْل إِذا استصلح الْقدر أَرض قلب قَلبهَا بمحراث الْخَوْف وبذر فِيهَا حب الْمحبَّة وأدار لَهَا دولاب الْعين وَأقَام ناطور المراقبة فتربى زرع التقى على سوقه أصفهم عِنْد من انثر الدّرّ على دمن
(بلغ سلامي بالغوير جيرة ... قلبِي وَإِن حالوا إِلَيْهِم تائق)
(فَارَقْتهمْ كرها وليت أنني ... للروح من دونهم مفارق)
(وَلست انساهم وَإِن تقطعت ... بالبعد فِيمَا بَيْننَا علايق)
يَا نفس عِنْد ذكر الصَّالِحين تبكين وَعند شرح جدهم تأنين وَإِذا تصورت طيب عيشهم تحنين فَإِذا عرفت قيامهم بِالْخدمَةِ تنكبين
للمهيار
(أَمن خفوق الْبَرْق ترزمينا ... حني فَمَا أمنعك الحنينا)
(سيري يَمِينا وسراك شأمة ... فضلَة مَا تتلفتينا)
(نعم تشاقين واشتاق لَهُ ... ونعلن الوجد وتكتمينا)
(فَأَيْنَ منا الْيَوْم أَو مِنْك الْهوى ... وَأَيْنَ نجد والمغورينا)
لما اشْتغل الْقَوْم بإصلاح قُلُوبهم أَعرضُوا عَن إصْلَاح أبدانهم عرى اويس حَتَّى جلس فِي قوصرة وَقدم بشر من عبادان وَهُوَ متشح بحصير
للسموءل
(إِذا الْمَرْء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فَكل رِدَاء يرتديه جميل)
(وَإِن هُوَ لم يحمل على النَّفس ضيمها ... فَلَيْسَ إِلَى حسن الثَّنَاء سَبِيل)
стр. 168
كَانَ اويس يلتقط النَّوَى فيبيعه بِمَا يفْطر عَلَيْهِ فَإِذا أصَاب حَشَفَة أدخرها لإفطاره وَيجمع الْخرق من الْمَزَابِل فيغسلها فِي الْفُرَات ويرقعها ليستر عَوْرَته ويفر من النَّاس فَلَا يجالسهم فَقَالُوا مَجْنُون لَا تصح الْمحبَّة حَتَّى يمحي الإسم الْمَعْرُوف باسم متجدد فَإِن إسم قيس نسي وَعرف بالمجنون
(لَوْلَا جنوني فِيك مَا ... قعد العواذل لي وَقَامُوا)
(أولى يلوم العاذلون ... وَلَيْسَ لي قلب يلام)
بنى أهل اويس لَهُ بَيْتا على بَاب دَارهم فَكَانَت تَأتي عَلَيْهِ السنون لَا يرَوْنَ لَهُ وَجها وَكَانَ إِذا خرج يمشي ضرب الصّبيان عَقِبَيْهِ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى تدمي وَهُوَ سَاكِت ولسان حَاله يَقُول
(وَلَقِيت فِي حبيك مَا لم يلقه ... فِي حب ليلى قيسها الْمَجْنُون)
(لكنني لم أتبع وَحش الفلا ... كفعال قيس وَالْجُنُون فنون)
لَقِي بعض الْجند إِبْرَاهِيم بن أدهم فِي الْبَريَّة فَقَالَ لَهُ أَيْن الْعمرَان فَأومى بِيَدِهِ إِلَى الْمَقَابِر فَضَربهُ فشج رَأسه فَقيل لَهُ هَذَا ابْن أدهم فَرجع يعْتَذر إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم الرَّأْس الَّذِي يحْتَاج إِلَى اعتذارك تركته ببلخ
(عزى ذلي وصحتي فِي سقمي ... يَا قوم رضيت بالهوى سفك دمي)
(عذالي كفوا فَمن ملامي ألمي ... من بَات على وعد اللقا لم ينم)
مر رجل بِابْن أدهم وَهُوَ ينظر كرما فَقَالَ ناولني من هَذَا الْعِنَب فَقَالَ مَا أذن لي صَاحبه فَقلب السَّوْط وَضرب رَأسه فَجعل يُطَأْطِئ رَأسه وَيَقُول إضرب رَأْسا طالما عصى الله
(من أَجلك قد جعلت خدي أَرضًا ... للشامت والحسود حَتَّى ترْضى)
(مولَايَ إِلَى مَتى بِهَذَا احظى ... عمري يفنى وحاجتي مَا تقضى)
стр. 169
(لَو قطعني الغرام إربا اربا ... مَا ازددت على الملام إِلَّا حبا)
(لَا زلت بكم أَسِير وجد صبا ... حَتَّى أقضى على هواكم نحبا)
كَانَ ابْن أدهم يستغيث من كرب وجده ويبول الدَّم من كَثْرَة خَوفه فَطلب يَوْمًا سكونا من قلقه فَقَالَ يَا رب إِن كنت وهبت لأحد من المحبين لَك مَا يستريح بِهِ فَهَب لي فَقيل لَهُ فِي نَومه وَهل يسكن محب بِغَيْر حَبِيبه
(الْجِسْم يذيبه الأسى والسهد ... وَالْقلب ينوبه الجوى والكمد)
(هم قد وجدوا وَهَكَذَا مَا وجدوا ... مَا جن بهم مثل جنوني أحد)
(شوق وجوى ونار وجد تقد ... مَالِي جلد ضعفت مَا لي جلد)
стр. 170
الْفَصْل الثَّانِي عشر
عجبا لذاكر الْمَوْت كَيفَ يلهو ولخائف الْفَوْت وَهُوَ يسهو ولمتيقن حُلُول البلى ثمَّ يزهو وَإِذا ذكرت لَهُ الآخر مر يَلْغُو
لأبي الْعَتَاهِيَة
(إِنِّي أرقت وَذكر الْمَوْت أرقني ... فَقلت للدمع أسعدني فأسعدني)
(إِن لم أبك لنَفْسي مشعرا حزنا ... قبل الْمَمَات وَلم آسَف لَهَا فَمن)
(يَا من يَمُوت وَلم تحزنه موتته ... وَمن يَمُوت فَمَا أولاه بالحزن)
(لمن أثمر أَمْوَالِي واجمعها ... لمن أروح لمن أغدو لمن لمن)
(لمن سيرفع بِي نعشي ويتركني ... فِي حفرتي ترب الْخَدين والذقن)
يَا غافلا عَن الْمَوْت وَقد لدغه أَخذ قرينه فَقتله ودمغه تَأمل صنع الدَّهْر بِالرَّأْسِ إِذْ صبغه بِأَيّ حَدِيث ترعوي أَو بِأَيّ لُغَة كم رَأَيْت مغرورا قبلك كم شاهدت مَنْقُولًا مثلك من أباد أقرانك وَمن أهلك أهلك لقد نَادَى الْمَوْت وَقَالَ مَا أَنا بِالَّذِي إِذا سُئِلَ أقَال أَنا الَّذِي إِذا مَال على الْقوي أمال أَخَذْتُم أماني يَا أهل الْأَمَانِي والآمال أَيْن من كَانَ فِي روح وسعة نقلته إِلَى مَكَان مَا وَسعه أَيْن من كَانَ على نِسَائِهِ شَدِيد الْغيرَة أما رَحل عَنْهُن فاخترن غَيره أَيْن من كَانَ يسري آمنا فِي سربه أما قيل للتلف خُذْهُ وسر بِهِ أما عاقبه الألفة فرقة أما آخر جرعة اللَّذَّة شرقة أما ختام الْفَرح قلق وحرقة أما زَاد ذِي المَال إِلَى الْقَبْر خرقَة أعر
стр. 171
سَمعك الْأَصْوَات فَهَل تسمع إِلَّا فلَانا مَاتَ أجل بَصرك فِي الفلوات فَهَل ترى إِلَّا الْقُبُور الدارسات
(قوض الْمَوْت طود عزهم الشامخ ... قسرا والدهر ذُو حدثان)
(واسترد الَّذِي أعَار وللايام ... ظهرا خشونة وليان)
(واذا صَاح صايح الْمَوْت فِي قوم ... غدوا كل وَاحِد فِي مَكَان)
يَا سَاكِنا مسكن من قد أزعج يَا شاربا فضلَة من شَرق تصحو فِي الْمجْلس سَاعَة من خمار الْهوى ثمَّ تسليك حميا الكاس هَيْهَات لَيْسَ فِي الْبَرْق اللامع مستمتع لمن يَخُوض الظلمَة كم أعطف عطفك بلجام العظة إِلَى عطفة الْيَقَظَة فَإِذا انْقَضى الْمجْلس عَاد الطَّبْع ثَانِي عطفه وتأبى الطباع على النَّاقِل يَا من قد لجج فِي لجة الْهوى قَارب السَّاحِل فِي قَارب دنا رحيل الرّفْقَة وَمَا اشْتريت للمير قوت لَيْلَة كلما جد اللّعب فتر النشاط فِي الْجد صحّح نقدة عَمَلك فقد انقرضت أَيَّام الْأُسْبُوع جود غزل عزمك فلربما لم تسَامح وَقت الْوَزْن صابر غبش الْعَيْش فقد دنا فجر الْأجر
إنتبه الإغتنام عمرك فكم يعِيش الْحَيَوَان مد بَحر الْقُدْرَة فَجرى بمراكب الصُّور فرست على سَاحل إقليم الدُّنْيَا فعاملت فِي موسم الْحَيَاة مُدَّة الجزر ثمَّ عَاد الْمَدّ فَرد الى برزخ الترب فقذف محَاسِن الْأَبْنِيَة فِي حفر اللحود وَسَيَأْتِي طوفان الْبَعْث عَن قرب فاحذر أَن تدفع دُونك سفينة النجَاة فتستغيث وَقت الْفَوْت وَلَا عَاصِم كَأَنَّك بك فِي قبرك على فرَاش النَّدَم وَأَنه وَالله لأخشن من الجندل
فازرع فِي ربيع حياتك قبل جدوبة أَرض شخصك وادخر من وَقت قدرتك لزمان عجزك وَاعْتبر رحلك قل رحيلك مُخَالفَة الْفقر فِي الْقَبْر إِلَى لَازم الْأَخْذ أَن تَقول نفس يَا حسرتا
يَا هَذَا مثل لنَفسك صرعة الْمَوْت وَمَا قد عزمت أَن تفعل حِينَئِذٍ وَقت الْأسر فافعله وَقت الْإِطْلَاق
стр. 172
(لقيس بن ذريح)
(أَتَبْكِي على لبنى وَأَنت تركتهَا ... فَكنت كات حتفه وَهُوَ طائع)
(فيا قلب خبرني اذا شطت النَّوَى ... بلبنى وَبَانَتْ عَنْك مَا أَنْت صانع)
كَأَنَّك بِحَرب التّلف قد قَامَت على سَاق وانهزمت جيوش الأمل وَإِذا بِملك الْمَوْت قد بارز الرّوح يجتذبها بخطاطيف الشدائد من تيار أوتار الْعُرُوق وَقد أوثق كتاف الذَّبِيح وحار الْبَصَر لشدَّة الهول وملائكة الرَّحْمَة عَن الْيَمين قد فتحُوا أَبْوَاب الْجنَّة وملائكة الْعَذَاب عَن الشمَال قد فتحُوا أَبْوَاب النَّار وَجَمِيع الْمَخْلُوقَات تستوكف الْخَبَر والكون كُله قد قَامَ على صَيْحَة إِمَّا أَن يُقَال سعد فلَان أَو شقي فلَان فَحِينَئِذٍ تتجلى أبصار الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء عَن ذكرى وَيحك تهَيَّأ لتِلْك السَّاعَة حصل زادا قبل العوز
(للصمة الْقشيرِي)
(تمتّع من شميم عرار نجد ... فَمَا بعد العشية من عرار)
وَا أسفاه من حَيَاة على غرور وَمَوْت على غَفلَة ومنقلب إِلَى حسرة ووقوف يَوْم الْحساب بِلَا حجَّة
يَا هَذَا مثل نَفسك فِي زَاوِيَة من زَوَايَا جَهَنَّم وَأَنت تبْكي أبدا وأبوابها مغلقة وسقوفها مطبقة وَهِي سَوْدَاء مظْلمَة لَا رَفِيق تأنس بِهِ وَلَا صديق تَشْكُو إِلَيْهِ وَلَا نوم برِيح وَلَا نفس قَالَ كَعْب أَن أهل النَّار ليأكلون أَيْديهم إِلَى المناكب من الندامة على تفريطهم وَمَا يَشْعُرُونَ بذلك يَا مطرودا عَن الْبَاب يَا مَضْرُوبا بِسَوْط الْحجاب لَو وفيت بعهودنا مَا رميناك بصدودنا لَو كاتبتنا بدمع الأسف لعفونا عَن كل مَا سلف
стр. 173
(وَلَو أَنهم عِنْد كشف القناع ... وَحل الْعُقُود وَنقض العهود)
(وخلعهم لعذار الْحيَاء ... ولبسهم لبرود الصدود)
(أناخوا بأبوابنا سَاعَة ... وأجروا مدامعهم فِي الخدود)
(لعدنا سرَاعًا إِلَى وصلهم ... وَقُلْنَا قُلُوب المحبين عودي)
стр. 174
الْفَصْل الثَّالِث عشر
كم أخرج الْمَوْت نفسا من دارها لم يدارها وَكم أنزل أجسادا بجارها لم يجارها وَكم نقل ذاتا ذَات خطاء بأوزارها وَكم أجْرى عيُونا كالعيون بعد بعد مزارها
(يَا مغرما بوصال عَيْش ناعم ... ستصد عَنهُ طَائِعا أَو كَارِهًا)
(إِن الْمنية تزعج الْأَحْرَار عَن ... أوطانهم وَالطير عَن أوكارها)
أخواني قد حام الْحمام حول حماكم وَصَاح بكم إِذْ خلا النادي وناداكم وأولاكم من النصح حقكم فَمَا أحقكم بالتدبر وأولاكم وَهُوَ عازم على اقتناصكم وَمَا الْمَقْصُود سواكم كم أخلى الْمَوْت دَارا فدارا أما اسْتَلَبَ كسْرَى بن دَارا أدارى لما أَخذ دَارا أما ترك العامر قفارا أما أذاق الْغصَص المر مرَارًا لقد جال يَمِينا ويسارا فَمَا حابى فقرا وَلَا يسارا
يَا هَذَا مطايا الْعُمر قد اعنقت وَأَنت فِي مسامرة الأمل معاول السَّاعَات تهدم حايط الْأَجَل فرايس المهج فِي مضابث أَسد المنايا أسنة القنا مشرعة وَلَا درع عقارب الخدع دائمة للسلع غير أَن خدران الْغَفْلَة يمْنَع الإحساس بسريان السم آه من مثاقف مَا يَنْتَهِي عَن الْقَتْل النَّاس فِي الدُّنْيَا ككيزان الدولاب فالشاب مثل الممتلي والكهل قد فرغ بعضه وَالشَّيْخ لم يبْق فِيهِ شَيْء الشَّاب المتقي فِي مقَام ﴿يُحِبهُمْ﴾ والكهل المنحط فِي مرتبَة ﴿خلطوا عملا صَالحا﴾ وَالشَّيْخ فِي حيّز تجدني عِنْد المنكسرة قُلُوبهم
стр. 175
يَا من قد انطوى برد شبابه وخبيت خلغ تلفه وَبَلغت سفينته سَاحل سَفَره قف على ثنية الْوَدَاع فَلم تبْق إِلَّا سَاعَة تتغنم لَو فتحت عين الْيَقَظَة لرأيت حيطان الْعُمر قد تهدمت فَبَكَيْت على خراب دَار الْأَجَل صَاح ديك الإيقاظ فِي سحر ليل العبر فَمَا تيقظت فستنتبه إِذا نعق غراب الْبَين بَين الْبَين
(ومشتت العزمات ينْفق عمره ... حيران لَا ظفر وَلَا اخفاق)
لَا فِي الشَّبَاب وَافَقت وَلَا فِي الكهولة رافقت وَلَا فِي الشيب افقت وَلَا من العتاب أشفقت فكأنك مَا أمنت بالمعاد وَلَا صدقت
يَا مُقيما على الْهوى وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيم يَا مبذرا فِي بضَاعَة الْعُمر مَتى يؤنس مِنْك رشد يَا أكمة الْبَصَر لَا حِيلَة فِيهِ لعيسى يَا طَوِيل الرقاد وَلَا نوم أهل الْكَهْف كَيفَ يفلح من هُوَ والكسل كندمائي جذيمة
الدُّنْيَا مضمار سباق وليل سرى وَطلب الرَّاحَة تَحنث
(فَلَا تحسبوا أَن الْمَعَالِي رخيصة ... وَلَا أَن ادراك العلى هَين سهل)
(فَمَا كل من يسْعَى إِلَى الْمجد ناله ... وَلَا كل من يهوى الْعلَا نَفسه تعلو)
من تذكر حلاوة الْعَاقِبَة نسي مرَارَة الصَّبْر الرجولية بالهمة لَا بالصورة نزُول همة الكساح حطه فِي بِئْر الأنجاس قنديل الْفِكر فِي محراب قَلْبك مظلم فاطلب لَهُ زَيْت خلْوَة وفتيلة عزم بَيْنك وَبَين الْمُتَّقِينَ حَبل الْهوى نزلُوا بَين يَدَيْهِ وَنزلت خَلفه فاطو فضل منزل تلْحق لَو عَلَوْت نشز الْجد بَانَتْ بانة الْوَادي
للمهيار
(إِن كنت مِمَّن يطلع الْوَادي فسل ... بَين الْبيُوت عَن فوادي مَا فعل)
стр. 176
(عز هَوَاك فأذل جلدي ... وَالْحب مَا رق لَهُ الْجلد وذل)
(أَيْن ليالينا على الْخيف وَهل ... يرد عَيْشًا فائتا قَوْلك هَل)
يَا مُقَيّدا بقيود الطَّرْد إلق نَفسك فِي الدجى على بَاب الذل وَقل إلهي كم لَك سواي وَمَالِي سواك فبفقري إِلَيْك وعناك عني إِلَّا عَفَوْت عني
(إيا منعما لم يزل محسنا ... بَرى جَسَدِي سخطك الدَّائِم)
(إِلَى النَّحْر مني مَضْمُومَة ... يداي كَمَا يفعل النادم)
(يزل الْحَلِيم ويكبو الْجواد ... وينبو عَن الضَّرْبَة الصارم)
يَا هَذَا لَيْسَ فِي الْمِيَاه مَا يقْلع آثَار الذَّنب من ثوب الْقلب إِلَّا الدُّمُوع فَإِن نضبت وَلم يزل الْأَثر فَعَلَيْك بالإغتراف من بَحر الإعتراف
(ودعت قلبِي حِين ودعتهم ... وَقلت يَا قلبِي عَلَيْك السَّلَام)
(وَصحت بِالنَّوْمِ انْصَرف راشدا ... فَإِن عَيْني بعدهمْ لَا تنام)
أحضر نَادِي المتهجدين ونادهم طُوبَى لكم وجدْتُم قُلُوبكُمْ فارحموا من لَا يجد
(إِذا وصلتم إِلَى وَادي العقيق سلوا ... عَن حَال مُنْقَطع أودى بِهِ السهر)
(وفتشوا عَن فؤاد هائم قلق ... قد ضَاعَ مني فَلَا عين وَلَا أثر)
أنجع الوسايل الذل وأبلغ الْأَسْبَاب فِي الْعَفو الْبكاء والعي عَن تَرْتِيب الْعذر بلاغة المنكسر
(يَا من أَشْكُو إِلَيْهِ مَا يُعلمهُ ... والدمع يذيع كلما اكتمه)
(هَذَا الْمِسْكِين من ترى يرحمه ... قد هان عَلَيْهِ كلما يؤلمه)
(بالجسم من السقام مَا يحرضه ... وَالْقلب يذوب من جوى يمرضه)
(مَا قد حكم الْإِلَه من ينْقضه ... قد أعوزني الصَّبْر فَمن يقْرضهُ)
стр. 177
الْفَصْل الرَّابِع عشر
لقد خوفنا الْمَوْت بِمن أَخذ منا ونعلم هجومه علينا وَقد آمنا مَا اذكرتنا المواعظ مآلنا فَمَا لنا مَا لنا
(لَا ترقدن لعينك السهر ... وَانْظُر إِلَى مَا تصنع العبر)
(انْظُر إِلَى عبر مصرفة ... مَا دَامَ يُمكن طرفك النّظر)
(فَإِذا جهلت وَلم تَجِد أحدا ... فسل الزَّمَان فَعنده الْخَبَر)
(فَإِذا نظرت تُرِيدُ مُعْتَبرا ... فَانْظُر إِلَيْك ففيك مُعْتَبر)
(أَنْت الَّذِي تنعاه خلقته ... ينعاه مِنْهُ الشّعْر والبشر)
(يَا من يؤمل أَنْت منتظر ... أملا يطول وَلست تنْتَظر)
(مَاذَا تَقول وَأَنت فِي غصص ... مَاذَا تَقول وفوقك الْمدر)
(مَاذَا تَقول وَقد لحقت بِمَا ... يجرى عَلَيْهِ الرّيح والمطر)
(كم قد عفت عين لَهَا أثر ... درست ويدرس بعْدهَا الْأَثر)
يَا من يشيع بِبدنِهِ الْمَيِّت فَأَما قلبه فَفِي الْبَيْت أتخلى بَين المودود والدود وتعود إِلَى الْمعاصِي حِين تعود هلا أجلت بالبال ذكر الْبَالِي وَقلت للنَّفس الجاهلة هَذَا لي من زار الْقُبُور وَالْقلب غافل وسعى بَين الأجداث والفكر ذاهل وشغله عَن الإعتبار لَهو شاغل فَهُوَ قَتِيل قد أسكره الْقَاتِل
(وَمَا أعْطى الصبابة مَا اسْتحقَّت ... عَلَيْهِ وَلَا قضى حق الْمنَازل)
(ملاحظها بِعَين غير عبرى ... وزايرها بجسم غير ناحل)
شيع الْحسن جَنَازَة فَجَلَسَ على شَفير الْقَبْر فَقَالَ إِن أمرا هَذَا آخِره لحقيق أَن يزهد فِي أَوله وَأَن أمرا هَذَا أَوله لحقيق أَن يخَاف آخِره
стр. 178
إخْوَانِي كَيفَ الْأَمْن وَهَذَا الْفَارُوق يَقُول لَو أَن لي طلاع الأَرْض ذَهَبا وَفِضة لافتديت بهَا كَيفَ الْأَمْن من هول مَا أَمَامِي قبل أَن أعلم مَا الْخَبَر لما طعن عمر قَالَ لِابْنِهِ ضع خدي على التُّرَاب فَوَضعه فبكا حَتَّى لصق الطين بِعَيْنيهِ وَجعل يَقُول ويلي وويل أُمِّي إِن لم يرحمني رَبِّي وَدخل عَلَيْهِ كَعْب وَكَانَ قد قَالَ لَهُ أَنَّك ميت إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا رَآهُ أنْشد
(وواعدني كَعْب ثَلَاثًا يعدها ... وَلَا شكّ أَن القَوْل مَا قَالَه كَعْب)
(وَمَا بِي حذار الْمَوْت أَنِّي لمَيت ... وَلَكِن حذار الذَّنب يتبعهُ الذَّنب)
وَاعجَبا من خوف عمر مَعَ كَمَاله وأمنك مَعَ نقصانك قيل لِابْنِ عَبَّاس أَي رجل كَانَ عمر فَقَالَ كَانَ الطَّائِر الحذر الَّذِي كَانَ لَهُ بِكُل طَرِيق شركا
يَا مسدود الْفَهم بِكَثْرَة الشواغل احضر قَلْبك لَحْظَة للعظة يَا جَامِدا على وضع طبعه تحرّك إِلَى قطر التَّذْكِرَة يَا عبد الطمع طالع ديار الْأَحْرَار مَا أطول غشية غفلتك فَلِمَنْ نُحدث قَلْبك فِي غلاف غَفلَة وفطنتك فِي غشاوة غباوة وحبل عزمك الْجَدِيد حَدِيد لَو خرج عقلك من سُلْطَان هَوَاك عَادَتْ الدولة عادلة لَو صَحَّ مزاج فطرتك حلا طعم النصح فِي فمك الْمَفْرُوض عنْدك مرفوض وَكَلَام النصيح صَوت الرّيح
يَا تلميذ الْهوى اخْرُج من وصف التّبعِيَّة يَا مُقَيّد الْوُجُود فِي فنَاء الفناء قَامَت قِيَامَة الْمَلَامَة وَمَا تسمع لقد ضحل صَوت النصيح وَلَكِن صلخ صماخ السّمع مَانع
يَا هَذَا لَو وقف مرضك رجونا لَك الْبُرْء وَلَكِن الْمَرَض يزِيد وَقُوَّة الْعَزْم تضعف
(مَتى يلتقي الآلاف والعيس كلما ... تصعد من وَاد هبطن إِلَى وَاد)
стр. 179
يَا مُقبلا على الْمعاصِي أَدْبَرت وَيحك إِذا أخرجت من يَديك فَمن يحصل كم تعد بِالتَّوْبَةِ وَلَا تفي وَيحك إِن اللَّذَّة بالعقوبة لَا تفي ضمانك عقيم وَوَعدك عَاقِر إِذا أَقمت بِنَاء تَوْبَة أكتريت ألف نقاض وَيحك لَا تفعل فَإِنَّهُ مَا سحب أحد ذيل الْهوى إِلَّا وتعثر اكْتُبْ قصَّة النَّدَم بمداد الدمع وَفِي الْحَال تصل
(سَأَلت ودمع الْعين سايل ... ودعت وداعي الْبَين شاغل)
(فَأجَاب دمعي وَهُوَ فِي ... صفق الأسى سحبان وَائِل)
(أَعرَضت عَنْك فَمن تروم ... وَبنت مِنْك فَمن تواصل)
(لم يبْق من سنَن الْهوى ... إِلَّا الْوُقُوف على الْمنَازل)
يَا مشردا عَن الأوطان إِلَى مَتى ترْضى بالتمردك للقطاة افحوص وَلابْن آوى مأوى مُنْذُ خمسين سنة تجدف فِي العبور إِلَى سَاحل التَّوْبَة وَمَا تلْحق الشط قُوَّة الأمل عقدَة فِي وَجه منشار الْجد الرِّيَاء عيب فِي رئة الْإِيمَان يسل الْمَرَض إِلَى السل شدَّة الْحِرْص على الفاني سدة فِي كبد الْيَقِين وَمن صَبر على مرَارَة الدَّوَاء عوفي
(السقم على الْجِسْم لَهُ ترداد ... وَالصَّبْر يقل والهوى يزْدَاد)
(مَا ابعد شقتي وَمَا لي زَاد ... مَا أَكثر بهرجي وَمَالِي نقاد)
يَا أَرْبَاب الدنس يَا أوساخ الذُّنُوب ﴿هَذَا مغتسل بَارِد وشراب﴾ لَا تقنعوا بصب مَاء التَّوْبَة على الظَّاهِر بلوا الشّعْر وانقوا الْبشرَة مَا لم تسبح بدمع عَيْنَيْك لم تأت بِسنة الْغسْل
(فَلَو داواك كل طَبِيب دَاء ... بِغَيْر كَلَام ليلى مَا شفاكا)
أبلغ المراهم لجراح الذُّنُوب النَّدَم وأوطأ فرَاش المعتذر
стр. 180
القلق وأسرع الْأَوْقَات إِجَابَة السحر فاطرد عَن عَيْنَيْك لَذَّة النّوم وناد فِي نَادِي الأسى مَعَ الْقَوْم
(يَا من بسهامه لقلبي جرحا ... صل مشتاقا بغيركم مَا فَرحا)
(مَا ناح لَهُ مطوق أَو صدحا ... إِلَّا شرب الدمع وعاف القدحا)
يَا نَائِما طول اللَّيْل مَا تحس برد السحر لقد نم النسيم على الزهر ودلت أغاريد الْحمام على دنو الْفجْر صَاح الديك فَلم تنتبه وَأعَاد فَلم تفق فقوى ضرب الجناحين لطما على غفلتك
(صفق أما ارتياحه لسنا الْفجْر ... وَأما على الدجا أسفا)
(يَا مطولا بِالْقيامِ ... مستلذا بالمنام)
(قُم فقد فاتك يَا ... مغبون أرباح الْكِرَام)
(وخلوا دُونك بالمولى ... وفازوا بالمرام)
(وَكَذَا تسبقك الْقَوْم ... إِلَى دَار السَّلَام)
следующие страницы →