← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6940

المدهش

ابن الجوزي

Полный текст (530 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(عز هَوَاك فأذل جلدي ... وَالْحب مَا رق لَهُ الْجلد وذل) (أَيْن ليالينا على الْخيف وَهل ... يرد عَيْشًا فائتا قَوْلك هَل) يَا مُقَيّدا بقيود الطَّرْد إلق نَفسك فِي الدجى على بَاب الذل وَقل إلهي كم لَك سواي وَمَالِي سواك فبفقري إِلَيْك وعناك عني إِلَّا عَفَوْت عني (إيا منعما لم يزل محسنا ... بَرى جَسَدِي سخطك الدَّائِم) (إِلَى النَّحْر مني مَضْمُومَة ... يداي كَمَا يفعل النادم) (يزل الْحَلِيم ويكبو الْجواد ... وينبو عَن الضَّرْبَة الصارم) يَا هَذَا لَيْسَ فِي الْمِيَاه مَا يقْلع آثَار الذَّنب من ثوب الْقلب إِلَّا الدُّمُوع فَإِن نضبت وَلم يزل الْأَثر فَعَلَيْك بالإغتراف من بَحر الإعتراف (ودعت قلبِي حِين ودعتهم ... وَقلت يَا قلبِي عَلَيْك السَّلَام) (وَصحت بِالنَّوْمِ انْصَرف راشدا ... فَإِن عَيْني بعدهمْ لَا تنام) أحضر نَادِي المتهجدين ونادهم طُوبَى لكم وجدْتُم قُلُوبكُمْ فارحموا من لَا يجد (إِذا وصلتم إِلَى وَادي العقيق سلوا ... عَن حَال مُنْقَطع أودى بِهِ السهر) (وفتشوا عَن فؤاد هائم قلق ... قد ضَاعَ مني فَلَا عين وَلَا أثر) أنجع الوسايل الذل وأبلغ الْأَسْبَاب فِي الْعَفو الْبكاء والعي عَن تَرْتِيب الْعذر بلاغة المنكسر (يَا من أَشْكُو إِلَيْهِ مَا يُعلمهُ ... والدمع يذيع كلما اكتمه) (هَذَا الْمِسْكِين من ترى يرحمه ... قد هان عَلَيْهِ كلما يؤلمه) (بالجسم من السقام مَا يحرضه ... وَالْقلب يذوب من جوى يمرضه) (مَا قد حكم الْإِلَه من ينْقضه ... قد أعوزني الصَّبْر فَمن يقْرضهُ)

стр. 177

الْفَصْل الرَّابِع عشر لقد خوفنا الْمَوْت بِمن أَخذ منا ونعلم هجومه علينا وَقد آمنا مَا اذكرتنا المواعظ مآلنا فَمَا لنا مَا لنا (لَا ترقدن لعينك السهر ... وَانْظُر إِلَى مَا تصنع العبر) (انْظُر إِلَى عبر مصرفة ... مَا دَامَ يُمكن طرفك النّظر) (فَإِذا جهلت وَلم تَجِد أحدا ... فسل الزَّمَان فَعنده الْخَبَر) (فَإِذا نظرت تُرِيدُ مُعْتَبرا ... فَانْظُر إِلَيْك ففيك مُعْتَبر) (أَنْت الَّذِي تنعاه خلقته ... ينعاه مِنْهُ الشّعْر والبشر) (يَا من يؤمل أَنْت منتظر ... أملا يطول وَلست تنْتَظر) (مَاذَا تَقول وَأَنت فِي غصص ... مَاذَا تَقول وفوقك الْمدر) (مَاذَا تَقول وَقد لحقت بِمَا ... يجرى عَلَيْهِ الرّيح والمطر) (كم قد عفت عين لَهَا أثر ... درست ويدرس بعْدهَا الْأَثر) يَا من يشيع بِبدنِهِ الْمَيِّت فَأَما قلبه فَفِي الْبَيْت أتخلى بَين المودود والدود وتعود إِلَى الْمعاصِي حِين تعود هلا أجلت بالبال ذكر الْبَالِي وَقلت للنَّفس الجاهلة هَذَا لي من زار الْقُبُور وَالْقلب غافل وسعى بَين الأجداث والفكر ذاهل وشغله عَن الإعتبار لَهو شاغل فَهُوَ قَتِيل قد أسكره الْقَاتِل (وَمَا أعْطى الصبابة مَا اسْتحقَّت ... عَلَيْهِ وَلَا قضى حق الْمنَازل) (ملاحظها بِعَين غير عبرى ... وزايرها بجسم غير ناحل) شيع الْحسن جَنَازَة فَجَلَسَ على شَفير الْقَبْر فَقَالَ إِن أمرا هَذَا آخِره لحقيق أَن يزهد فِي أَوله وَأَن أمرا هَذَا أَوله لحقيق أَن يخَاف آخِره

стр. 178

إخْوَانِي كَيفَ الْأَمْن وَهَذَا الْفَارُوق يَقُول لَو أَن لي طلاع الأَرْض ذَهَبا وَفِضة لافتديت بهَا كَيفَ الْأَمْن من هول مَا أَمَامِي قبل أَن أعلم مَا الْخَبَر لما طعن عمر قَالَ لِابْنِهِ ضع خدي على التُّرَاب فَوَضعه فبكا حَتَّى لصق الطين بِعَيْنيهِ وَجعل يَقُول ويلي وويل أُمِّي إِن لم يرحمني رَبِّي وَدخل عَلَيْهِ كَعْب وَكَانَ قد قَالَ لَهُ أَنَّك ميت إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا رَآهُ أنْشد (وواعدني كَعْب ثَلَاثًا يعدها ... وَلَا شكّ أَن القَوْل مَا قَالَه كَعْب) (وَمَا بِي حذار الْمَوْت أَنِّي لمَيت ... وَلَكِن حذار الذَّنب يتبعهُ الذَّنب) وَاعجَبا من خوف عمر مَعَ كَمَاله وأمنك مَعَ نقصانك قيل لِابْنِ عَبَّاس أَي رجل كَانَ عمر فَقَالَ كَانَ الطَّائِر الحذر الَّذِي كَانَ لَهُ بِكُل طَرِيق شركا يَا مسدود الْفَهم بِكَثْرَة الشواغل احضر قَلْبك لَحْظَة للعظة يَا جَامِدا على وضع طبعه تحرّك إِلَى قطر التَّذْكِرَة يَا عبد الطمع طالع ديار الْأَحْرَار مَا أطول غشية غفلتك فَلِمَنْ نُحدث قَلْبك فِي غلاف غَفلَة وفطنتك فِي غشاوة غباوة وحبل عزمك الْجَدِيد حَدِيد لَو خرج عقلك من سُلْطَان هَوَاك عَادَتْ الدولة عادلة لَو صَحَّ مزاج فطرتك حلا طعم النصح فِي فمك الْمَفْرُوض عنْدك مرفوض وَكَلَام النصيح صَوت الرّيح يَا تلميذ الْهوى اخْرُج من وصف التّبعِيَّة يَا مُقَيّد الْوُجُود فِي فنَاء الفناء قَامَت قِيَامَة الْمَلَامَة وَمَا تسمع لقد ضحل صَوت النصيح وَلَكِن صلخ صماخ السّمع مَانع يَا هَذَا لَو وقف مرضك رجونا لَك الْبُرْء وَلَكِن الْمَرَض يزِيد وَقُوَّة الْعَزْم تضعف (مَتى يلتقي الآلاف والعيس كلما ... تصعد من وَاد هبطن إِلَى وَاد)

стр. 179

يَا مُقبلا على الْمعاصِي أَدْبَرت وَيحك إِذا أخرجت من يَديك فَمن يحصل كم تعد بِالتَّوْبَةِ وَلَا تفي وَيحك إِن اللَّذَّة بالعقوبة لَا تفي ضمانك عقيم وَوَعدك عَاقِر إِذا أَقمت بِنَاء تَوْبَة أكتريت ألف نقاض وَيحك لَا تفعل فَإِنَّهُ مَا سحب أحد ذيل الْهوى إِلَّا وتعثر اكْتُبْ قصَّة النَّدَم بمداد الدمع وَفِي الْحَال تصل (سَأَلت ودمع الْعين سايل ... ودعت وداعي الْبَين شاغل) (فَأجَاب دمعي وَهُوَ فِي ... صفق الأسى سحبان وَائِل) (أَعرَضت عَنْك فَمن تروم ... وَبنت مِنْك فَمن تواصل) (لم يبْق من سنَن الْهوى ... إِلَّا الْوُقُوف على الْمنَازل) يَا مشردا عَن الأوطان إِلَى مَتى ترْضى بالتمردك للقطاة افحوص وَلابْن آوى مأوى مُنْذُ خمسين سنة تجدف فِي العبور إِلَى سَاحل التَّوْبَة وَمَا تلْحق الشط قُوَّة الأمل عقدَة فِي وَجه منشار الْجد الرِّيَاء عيب فِي رئة الْإِيمَان يسل الْمَرَض إِلَى السل شدَّة الْحِرْص على الفاني سدة فِي كبد الْيَقِين وَمن صَبر على مرَارَة الدَّوَاء عوفي (السقم على الْجِسْم لَهُ ترداد ... وَالصَّبْر يقل والهوى يزْدَاد) (مَا ابعد شقتي وَمَا لي زَاد ... مَا أَكثر بهرجي وَمَالِي نقاد) يَا أَرْبَاب الدنس يَا أوساخ الذُّنُوب ﴿هَذَا مغتسل بَارِد وشراب﴾ لَا تقنعوا بصب مَاء التَّوْبَة على الظَّاهِر بلوا الشّعْر وانقوا الْبشرَة مَا لم تسبح بدمع عَيْنَيْك لم تأت بِسنة الْغسْل (فَلَو داواك كل طَبِيب دَاء ... بِغَيْر كَلَام ليلى مَا شفاكا) أبلغ المراهم لجراح الذُّنُوب النَّدَم وأوطأ فرَاش المعتذر

стр. 180

القلق وأسرع الْأَوْقَات إِجَابَة السحر فاطرد عَن عَيْنَيْك لَذَّة النّوم وناد فِي نَادِي الأسى مَعَ الْقَوْم (يَا من بسهامه لقلبي جرحا ... صل مشتاقا بغيركم مَا فَرحا) (مَا ناح لَهُ مطوق أَو صدحا ... إِلَّا شرب الدمع وعاف القدحا) يَا نَائِما طول اللَّيْل مَا تحس برد السحر لقد نم النسيم على الزهر ودلت أغاريد الْحمام على دنو الْفجْر صَاح الديك فَلم تنتبه وَأعَاد فَلم تفق فقوى ضرب الجناحين لطما على غفلتك (صفق أما ارتياحه لسنا الْفجْر ... وَأما على الدجا أسفا) (يَا مطولا بِالْقيامِ ... مستلذا بالمنام) (قُم فقد فاتك يَا ... مغبون أرباح الْكِرَام) (وخلوا دُونك بالمولى ... وفازوا بالمرام) (وَكَذَا تسبقك الْقَوْم ... إِلَى دَار السَّلَام)

стр. 181

الْفَصْل الْخَامِس عشر أخواني الدُّنْيَا دَار الْآفَات الْإِثْم بقى والإلتذاذ فَاتَ بَينا نرى فِيهَا الْغُصْن خضرًا متمايلا أصبح ذابلا ذابلي (يَا أيهذا الَّذِي قد غره الأمل ... وَدون مَا يأمل التنغيص وَالْأَجَل) (أَلا ترى إِنَّمَا الدُّنْيَا وَزينتهَا ... كمنزل الركب حلوا ثمت ارتحلوا) (حتوفها رصد وعيشها نكد ... وصفوها كدر وملكها دوَل) (تظل تفزع بالروعات ساكنها ... فَمَا يسوغ لَهُ عَيْش وَلَا جذل) (كَأَنَّهُ للمنايا والردى غَرَض ... تظل فِيهِ سِهَام الدَّهْر تنتضل) (وَالنَّفس هاربة وَالْمَوْت يتبعهَا ... وكل عَثْرَة رجل عِنْدهَا جلل) (والمرء يسْعَى بِمَا يسْعَى لوَارِثه ... والقبر وَارِث مَا يسْعَى لَهُ الرجل) أخواني ألبسوا للدنيا جنَّة الهجر واسمعوا فِيهَا من مواعظ لزجر واحسبوها يَوْمًا صمتموه لِلْأجرِ وَصَابِرُوا ليل البلى فَمَا أسْرع إتْيَان الْفجْر فَلَا تَبِيعُوا الْيَقِين بِالظَّنِّ فَحَرَام بيع المجر لقد أَبْصرت عُيُون الفطن فِي نَهَار المشيب سبل الرحيل وَسمعت آذان الْفِكر بقعقعة الصلب الصلب أَذَان التخويل لله در أَقوام بَادرُوا أيامهم وحاذروا آثامهم جعلُوا الصَّوْم طعامهم والصمت كَلَامهم فالأبدان بَين أهل الدُّنْيَا تسْعَى والقلوب فِي رياض الملكوت ترعى قَامُوا لخوف الْقِيَامَة بالأوامر ووقفوا أنفسهم على الْخَيْر مَا توقفوا كالموامر هجروا بالصيام لذيذ الْهوى فِي الهواجر وَصمت اللِّسَان كَأَنَّهُ مَقْطُوع فِي الْحَنَاجِر بالخناجر وَجرى الدمع

стр. 182

واصبا حَتَّى قد محا المحاجر مَتى تطرق طريقهم قبل طروق الطوارق هَذَا ذِئْب السقام قد عوى للعوائق يَا من أَعماله فِيمَا خلا لِلْخَلَائِقِ كم داواك الطَّبِيب وَكم رقا بالرقايق أَيْن من رَبًّا فِي الربى ونما بَين النمارق أبرزهم حادي الْمَوْت لما حدا من الحدايق وأمال مستقيمهم فالتوى فَهَل من هَذَا التوى أَنْت واثق وَيحك إِن الدُّنْيَا سراب مخلف فَإِن وجد شراب اعطش أزدهت فدهت على أَنَّهَا تذم وتضم كم عقدت لمحبها عقد عهد فَلَمَّا حلت عِنْده حلت إِنَّهَا لعجوز وَهِي فِي عَيْنك كَالْقَمَرِ وَقد قمر هَواهَا قَلْبك فَمَا أبقى مِنْهُ إِلَّا قلب قمر للشريف الرضى (شرت الْفُؤَاد رخيصة أعلاقه ... وَمضى يعَض بنانه المغبون) أفنيت عمرك فِي طلبَهَا وَمَا حصل بِيَدِك مِنْهَا إِلَّا مَا حصل بيد قيس من ليلى (صَحا كل عُذْري الغرام عَن الْهوى ... وَأَنت على حكم الصبابة نَازل) ول الدُّنْيَا ظهرك تنص الْآخِرَة لَك نقابها تعر عَن الدُّنْيَا تعز وَخذ قدر الْبلْغَة وجز تفز إِلَى مَتى زنبيل حرصك على كَاهِل همتك وَأَنت تسْعَى فِي مزابل طمعك تحش وقود الحطام لنار هَوَاك وَقد أَقمت موقدا من الشره لَا يفتر أما علمت أَنه كلما ترقى دُخان أتون الْهوى فِي برابخ الْحس سود وَجه الْقلب أَنْت فِي جمع الحطام نَظِير الزبال وَفِي فعل الْخَيْر غُلَام الخبال عَالم الهمم مُخْتَلف الْأَجْنَاس هَذَا الشفنين لَا يقرب غير زَوجته أبدا فَإِن مَاتَت لم يتَزَوَّج أبدا وَكَذَلِكَ الْأُنْثَى والدجاجة مَعَ أَي ديك كَانَ كَلَامي يَدُور حول ستور سَمعك وموانع الْهوى تحجبه أَن لَا يصل فَلَو قد وصل إِلَى الْقلب أثر عضت رجلا حَيَّة فَلم يعلم أَنَّهَا حَيَّة فَلم

стр. 183

يتَغَيَّر فَلَمَّا أخبر أَنَّهَا حَيَّة مَاتَ لِأَنَّهُ حِين أخبر انفتحت مسامه فوصل السم إِلَى الْقلب يَا أطروش الْهوى صَاحب من يسمع يَا عمى البصيرة إمش مَعَ من يبصر تشبه بالصالحين تعد فِي الْجُمْلَة هَذَا الطاووس يحب الْبَسَاتِين فَهُوَ يُوَافق الْأَشْجَار إِذا أَلْقَت وَرقهَا ألْقى ريشه فَإِذا اكتست اكتسى لَو سرت فِي حزب الْمُتَّقِينَ خطوَات لعرفوا لَك حق الصُّحْبَة يَا من كَانَ لَهُم رَفِيقًا فَأصْبح لَا يعرف لَهُم طَرِيقا إطلب الْيَوْم أخبارهم وَاتبع فِي السلوك آثَارهم فَإِن وَقعت ببعضهم حملك إِلَى أَرضهم للْمُصَنف (فِي شغل عَن الرقاد شاغل ... من هاجه الْبَرْق بسفح عَاقل) (يَا صَاحِبي هذي ريَاح ربعهم ... قد أخْبرت شمائل الشَّمَائِل) (نسيمهم سحيري الرّيح فَمَا ... تشبهه روايح الأصائل) (مَا للصبا مولعة بِذِي الصِّبَا ... أَو الصِّبَا فَوق الغرام الْقَاتِل) (مَا للهوى العذري فِي دِيَارنَا ... أَيْن العذيب من قُصُور بابل) (لَا تَطْلُبُوا ثارا بِنَا يَا قَومنَا ... دماؤنا فِي أَذْرع الرَّوَاحِل) (لله در الْعَيْش فِي ظلالهم ... ولي وَكم أسار فِي المفاصل) (واطربي إِذا رَأَيْت أَرضهم ... هَذَا وفيهَا دميت مقاتلي) (يَا طرة الشيح سقيت أدمعي ... وَلَا ابْتليت فِي الْهوى بِمَا بلَى) (ميلك عَن زهو وميلي عَن أسا ... مَا طرب المخمور مثل الثاكل) يَا من قد كثر تردده إِلَى الْمجْلس وَلم تزل قسوة قلبه لَا تضجر فللدوام أثر جَالس البكائين يَتَعَدَّ إِلَيْك حزنهمْ فتأثير الصُّحْبَة لَا يخفى أما ترى دون البقل أَخْضَر يَا من يُشَاهد مَا يجْرِي على الْخَائِفِينَ وَلَا ينزعج أقل الْأَقْسَام أَن يبكي رَحْمَة لَهُم إِذا رَأَيْت الثكلى تتقلقل فَلَا بُد من رَحْمَة الْجِنْس للمهيار

стр. 184

(وَلما وقفنا فِي الديار تشابهت ... جسوم براهن البلى وطلول) (فباك بداء بَين جَنْبَيْهِ عَارِف ... وَبَاكٍ بِمَا جر الْفِرَاق جهول) كَانَ العاصمي قَتِيل عشق الدُّنْيَا فكشف لَهُ بالمخوفات نقاب المحبوبة فسلا ثمَّ جليت عَلَيْهِ بالمشوقات محَاسِن الْآخِرَة فَمَال الْجيد إِلَى الْجيد (ألفيتها وللحدا تغريد ... برامة إِن ذكرت زرود) (ولاح برق بثنيات الْحمى ... تشيمه للأعين الرعود) (فمالت الْأَعْنَاق مِنْهَا طَربا ... كَمَا يمِيل الناشد المنشود) (هَيْهَات يخفي مَا بِهِ متيم ... دُمُوعه بوجده شُهُود) أَتَدْرُونَ مَا أوجب اصفرار هَذَا التائب وَمن أَي شراب سكر هَذَا الشَّارِب وَأي كتاب أقدم هَذَا الْغَائِب (كلما زَاد كربه ... فِي هوى من يُحِبهُ) (طَار نَحْو الحبيب من ... شدَّة الشوق قلبه) (دنف كَاد يَنْقَضِي ... بيد الْبَين نحبه) (خبرونا عَن العقيق ... مَتى سَار رَكبه)

стр. 185

الْفَصْل السَّادِس عشر يَا من نسبه معرق فِي الْمَوْتَى وَقد وعظوه وَإِن لم يسمع صَوتا أدْرك أَمرك فَمَا تأمن فوتا لأبي نواس (أَلا كل حَيّ هَالك وَابْن هَالك ... وَذُو نسب فِي الهالكين عريق) (فَقل لغريب الدَّار أَنَّك راحل ... إِلَى منزل نأى الْمحل سحيق) (وَمَا تعدم الدُّنْيَا الدنبة أَهلهَا ... شواظ حريق أَو دُخان حريق) (تجرع فِيهَا هَالكا فقد هَالك ... وتشجى فريقا مِنْهُم بفريق) (فَلَا تحسب الدُّنْيَا إِذا مَا سكنتها ... قرارا فَمَا دنياك غير طَرِيق) (إِذا امتحن الدُّنْيَا لَبِيب تكشفت لَهُ ... عَن عَدو فِي ثِيَاب صديق) (عَلَيْك بدار لَا يزَال ظلالها ... وَلَا يتَأَذَّى أَهلهَا بمضيق) (فَمَا يبلغ الراضي رِضَاهُ ببلغة ... وَلَا ينفع الصادي صداه بريق) يَا رَاقِدًا وَقد أُوذِنَ بالرحيل يَا مشيد الْبُنيان فِي مدارج السُّيُول بَادر الْعَمَل قبل انْقِضَاء الْعُمر لَا تنس من يعد الأنفاس للقائك (وَمَا هِيَ إِلَّا لَيْلَة ثمَّ يَوْمهَا ... وَيَوْم إِلَى يَوْم وَشهر إِلَى شهر) (مطايا يقربن الْجَدِيد إِلَى البلى ... ويدنين أشلاء الصَّحِيح إِلَى الْقَبْر) (ويتركن أَزوَاج الغيور لغيره ... ويقسمن مَا يحوي الشحيح من الوفر) يَا عجبا أما تعلم مَا أمامك فتهيأ للرحيل واصلح خيامك وتأهب للردى واقطع قطع المدى مدامك واجتهد أَن ينشر الْإِخْلَاص فِي الْمحل الْأَعْلَى أعلامك واحضر قَلْبك وسمعك وَإِن ملا

стр. 186

من لامك وَإِيَّاك والفتور فَإِنِّي أرى الدَّوَاء دوامك إطلب مَا شِئْت بالعزم وَأَنا زعيم لَك بالظفر من عزم على أَمر هيأ آلاته لما كَانَ شغل الْغُرَاب النّدب على الأحباب لبس السوَاد قبل النوح (انفت شقة المهامة أَن تقطع ... إِلَّا بالشد والترحال) (وأبى الْمجد أَن ينَال بِغَيْر الْجد ... فلتنتبه عقول الرِّجَال) إِذا وَقعت عَزِيمَة الْإِنَابَة فِي قلب من ﴿سبقت لَهُم منا الْحسنى﴾ قلعت قَوَاعِد الْهوى من مسناة الأمل ركب ابْن أدهم يَوْمًا للصَّيْد وَقد نصب لَهُ فخ ﴿يهْدِيهم رَبهم﴾ حوله حب ﴿يُحِبهُمْ﴾ فصيد قبل أَن يصيد سمع هاتفا يَقُول مَا لهَذَا خلقت وَلَا بِهَذَا أمرت فَكَانَت تِلْكَ العظة شربة نقضت قولنج الْهوى يَا لَهُ من سهم أَلْقَاهُ عَن قربوسه وبوسه كَانَ رَاقِد الْفَهم فِي ليل الْغَفْلَة مَشْغُولًا بأحلام المنى فصيح بِهِ قُم فَقَامَ فَقيل لَهُ سر فاستقام للشريف الرضى (رأى على الْغَوْر وميضا فاشتاق ... مَا أجلب الْبَرْق لماء الأماق) وعظه خطيب الْيَقَظَة فوصلت ملامته إِلَى سمع الأنفة فَنَهَضت حمية الرجولية يَا ابْن أدهم مبارزة الصَّيْد أول مَرَاتِب الشجَاعَة أفترضى أَن تستأسر لثعلب الْهوى يَا ابْن أدهم قَتلك حب الدُّنْيَا فثر لأخذ الثأر إِن كَانَت لَك عَزِيمَة يَا ابْن أدهم فَهَذَا الْكُمَيْت وَهَذَا الأدهم فصادف التحريض حريضا فَنَهَضَ للشريف الرضى (ذكرتماني طلب الْفَضَائِل ... أيقظتما مني غير غافل) (قوما فقد مللت من إقامتي ... وَالْبيض أولى بِي من المعاقل) (شنا بِي الغارات كل لَيْلَة ... وعوداني طرف العوامل)

стр. 187

(إِن كَانَ لَا بُد من الْمَوْت فمت ... تَحت ظلال الأسل الذوابل) هتف بِهِ متقاضي الشوق يَا ابْن أدهم دخلت شهور الْحَج فَمَا قعودك ببلخ فَرَحل الرَّاحِلَة وَرَاح لاحت لَهُ نَار الْهدى فصاح فِي جنود الْهوى ﴿إِنِّي آنست﴾ فتجلى لَهُ أنيس تجدني فَغَاب عَن وجوده فَلَمَّا أَفَاق من صعقة وجده وَقد دك ظور نَفسه صَاح لِسَان الْإِنَابَة ﴿تبت إِلَيْك﴾ (رويدا أَيهَا الْحَادِي ... سقيت الرايح الغادي) (فَتلك الدَّار قد لاحت ... وَهَذَا الرّبع والوادي) فَلَمَّا خرج عَن ديار الْغَفْلَة أَوْمَأت الْيَقَظَة إِلَى البطالة لِابْنِ المعتز (سَلام على اللَّذَّات وَاللَّهْو والصبى ... سَلام وداع لَا سَلام قدوم) يَا ابْن أدهم لَو عدت إِلَى قصرك فعبدت فِيهِ قَالَ الْعَزْم كلا لَيْسَ للمبتوتة نَفَقَة وَلَا سُكْنى (أحن إِلَى الرمل الْيَمَانِيّ صبَابَة ... وَهَذَا لعمري لَو رضيت كئيب) (وَلَو أَن مَا بِي بالحصى فلق الْحَصَى ... وبالريح لم يسمع لَهُنَّ هبوب) أمرضه التخم فاستلذ طعم الْجُوع وَحمل جلده على ضعف جلده خشونة الصُّوف (حملتم جبال الْحبّ فَوقِي وأنني ... لأعجز عَن حمل الْقَمِيص واضعف) لَاحَ لَهُ جمال الْآخِرَة فتثبتت فِي النّظر عين الْيَقِين فَتمكن الْحبّ من حَبَّة الْقلب فَقَامَ يسْعَى فِي جمع الْمهْر من كسب الْفقر طَال عَلَيْهِ انْتِظَار اللقا فَصَارَ ناطور الْبَسَاتِين تقاضته الْمحبَّة بَاقِي دينهَا فَسلم الرّوح فِي الغربة هَذَا ثمن الْوَصْل فَتَأَخر يَا مُفلس

стр. 188

(دون الْمَعَالِي مرتقى شَاهِق ... فطر إِلَى ذروته أوقع) (من لم يخض غمرتها لم يشد ... قَوَاعِد الْمجد وَلم يرفع) كَانَ ابراهيم إسكندري الهمة فاحتقر قصير بَلخ فِي جنب مَا أمل فانتخب سوابق الْعَزْم وَسَار فِي جند الْجد حَتَّى قطع ظلمات الطَّبْع بلغ إِلَى مطلع شمس لَا تغرب شكا إِلَيْهِ صفاء الْقلب من يَأْجُوج وساوس النَّفس فاستغاث بحامي الْمسكن فَقيل لَهُ شدّ سد الْعَزْم فاستظهر بعد الزبر بالقطر ثمَّ انْفَرد من جند جوارحه فَوَقع بِعَين الحيوة فِي السِّرّ فَعَاشَ بالتوفيق أَبَد الدَّهْر (أما تقومون كَذَا أَو فاقعدوا ... مَا كل من رام السَّمَاء يصعد) (نَام على الْهون الذَّلِيل ودرى ... جفن الْعَزِيز لم بَات يسهد) (أخفهم سعيا إِلَى سودده ... أحقهم بِأَن يُقَال سيد) (عَن تَعب أَو رد سَاق أَو لَا ... ومسحت غرَّة سباق يَد) (لَو شرف الْإِنْسَان وَهُوَ وادع ... لقطع الصمصام وَهُوَ مغمد)

стр. 189

الْفَصْل السَّابِع عشر الدُّنْيَا دَار المحن ودائرة الْفِتَن ساكنها بِلَا وَطن واللبيب قد فطن للْمُصَنف (من مَال إِلَى الدُّنْيَا وصبا ... قد أمعن فِي الفاني طلبا) (خُذ مَا يبْقى كَيْلا تشقى ... وَاتبع حَقًا ودع اللعبا) (وذر الدُّنْيَا فلكم قتلت ... مكرا بسهام هوى وصبا) (برت ورعت فَإِذا اجْتمعت ... خدعت حَتَّى قطعب إربا) (يَا عاشقها كم قد نصبت ... لهلاكك فاحذرها سَببا) (يَا آمنها كم قد سلبت ... ولدا برا أما وَأَبا) (أفأين الْجَار أما قد جَار ... فجارته حَتَّى ذَهَبا) (أم أَيْن التُّرَاب أما تربت ... خداه أما سكن التربا) (كم خدت خدا فِي الْأُخْدُود ... وقدت قدا منتصبا) (كم ثغر ملتثم ثلمت ... قد كَانَ لراشفه ضربا) (فسقته المر لَدَى جدث ... وكذاك الدَّهْر إِذا ضربا) (وَأَتَتْ قصرا يحوي نصرا ... فغدا وقصاراه خربا) (ومليكا فِي صولة دولته ... اضحى فِي الحفرة مغتربا) (عرج بامدار على الْآثَار ... وسل طللا أَمْسَى شجبا) (ينبيك بِأَنَّهُم رحلوا ... وثوى من بعدهمْ الغربا) (بَينا الْإِنْسَان يرى رَأْسا ... فهوى رَأْسا فغدا ذَنبا) (فَتَأمل عَاقِبَة الدُّنْيَا ... فلعلك تصبح مجتنبا)

стр. 190

(وتدبر مَا صنعت فَلَقَد ... أبدت بصنايعها عجبا) (ينساك الْأَهْل إِذا رجعُوا ... عَن قبرك لَا تسمع كذبا) (تركوك أَسِيرًا إِذْ ذَهَبُوا ... بِتُرَاب ضريحك محتجبا) (وغدوا فرحين بِمَا أخذُوا ... وغدوت باتمك محتقبا) (وَترى أعمالك قد حضرت ... فتنكس رَأسك مكتئبا) (فكر فِي الذَّنب وَمَا احتقبت ... كَفاك عَلَيْك وَمَا اكتسبا) (كم بت على ذَنْب فَرحا ... وغدوت على ذَنْب طَربا) (وَعلمت بِأَن الله يرى ... فأسأت وَلم تحسن أدبا) (فأعد الزَّاد فَمَا سفر ... كالموت ترى فِيهِ نصبا) (وَافق والعمر بِهِ رَمق ... فَكَأَن قد فَاتَ وَقد ذَهَبا) يَا كثير الدَّرن والدنس يَا من كلما قيل أقبل انتكس يَا من أَمر بترك مَا يفنى لما يبْقى فعكس جَاءَ الْأَجَل وَحَدِيث الأمل هوس يَا مؤثرا على الصَّوَاب عين الْغَلَط يَا جَارِيا فِي أمره على أقبح نمط يَا مضيعا وقته المغتم الْمُلْتَقط أَي شَيْء بَقِي بعد الشمط أتنسى مَا سلف لَك وفرط وَأَبُوك بزلة وَاحِدَة هَبَط مَا عنْدك من التَّوْبَة خبر وَلَا لَهَا فِيك أثر تنوب من الذَّنب فَإِذا بدا لَك بدا لَك من علم أَن عندنَا حسن المآب آب من خَافَ الْجَزَاء بِمَا فِي الْكتاب تَابَ من حذر أَلِيم الْعَذَاب ذاب من سَار فِي طَرِيق الْإِيجَاب انجاب من ذكر فعل الْمَوْت بِالْأَبِ وَالْجد جد من تفكر فِي مرَارَة الكأس كاس وَيحك دع محبَّة الدُّنْيَا فعابر السَّبِيل لَا يتوطن وَاعجَبا تضيع مِنْك حَبَّة فتبكي وَقد ضَاعَ عمرك وَأَنت تضحك تستوفي مكيال هَوَاك وتطفف فِي كيل صَلَاتك ﴿أَلا بعدا لمدين﴾ تقف ببدنك فِي الْمِحْرَاب ووجهك ملتفت للجراب مَا يصلح مثلك فِي الجرب أَنْت تفضح صف الْجِهَاد مَا تحسن الزردية على مخنث خمسين سنة فِي مكتب التَّعْلِيم وَمَا حذقت أَبَا جاد غَدا توبخ وَقت عرض أَلْوَاح ﴿أولم نُعَمِّركُمْ﴾ بضاعتك أَيَّام عمرك وَقد انتهبها

стр. 191

قطاع الطَّرِيق وَرجعت إِلَى بَيت الأسف بأعدال فارغة فَانْظُر لَعَلَّه تخلف فِيهَا شَيْء تعامل بِهِ فبقية عمر الْمُؤمن لَا قيمَة لَهُ (سقيا لزماننا الَّذِي كَانَ لنا ... وافقرى أبعد ذَا الْفقر غنى) (مر أسْرع مَا توقع الْبَين بِنَا ... واقرب منيتي وَمَا نلْت مني) كَانَ فضَالة بن صَيْفِي كثير الْبكاء فَدخل عَلَيْهِ رجل وَهُوَ يبكي فَقَالَ لزوجته مَا شَأْنه قَالَت زعم أَنه يُرِيد سفرا بَعيدا وَمَاله زَاد يَا هَذَا الْآخِرَة دَار سكانها الْأَخْلَاق الجميلة فصادقوا الْيَوْم سكانها لتنزلوا عَلَيْهِم يَوْم الْقدوم فَإِن من قدم إِلَى بلد لَا صديق لَهُ بِهِ نزل بالعراء يَا هَذَا فنى الْعُمر فِي خدمَة الْبدن وحوائج الْقلب كلهَا واقفة إنهض إِلَى التلافي قبل التّلف الكلف يداوي قبل أَن يصير بهقا والبهق يلاطف قبل أَن يعود برصا أما سَمِعت فِي بداية الزلل ﴿إِذا مسهم طائف﴾ وَفِي وَسطه ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم﴾ وَفِي آخِره ﴿أم على قُلُوب أقفالها﴾ أَتَبْكِي على مَعَاصِيك والاصرار يضْحك أتخادع التَّوْبَة وَإِنَّمَا تَمْكُر بِدينِك (رَأَيْت النَّاس خداعا ... إِلَى جَانب خداع) (يعيشون مَعَ الذِّئْب ... ويبكون مَعَ الرَّاعِي) وَيحك حصل كبريت عَزِيمَة قبع أَن تقدح نَار تَوْبَة وَقبل نزُول الْحَرْب تملأ الكمائن وَيحك لَا تطمع أَن تخرج إِلَى فضاء قَلْبك حَتَّى تتخلص من ربقات نَفسك كَيفَ لَا يفْتَقر إِلَى الرياضة لإِزَالَة الكدر من أول غذائه دم الطمث إبك على ظلام قَلْبك يضيء إِذا بَكت السَّحَاب إِلَى الربى تنسمت يَا هَذَا تسمع بالكيمياء وَمَا رَأَيْته صَحَّ قطّ إجمع عقاقير التَّوْبَة فِي بوتقة الْعَزْم وأوقد تحتهَا نَار الأسى على مَا سلف فَإِن تصعد مِنْهَا نفس أَسف صَار نُحَاس نحوسك ذهب سَعَادَة أَتَرَى فِي بستاننا الْيَوْم

стр. 192

آثمر قد توجه صَلَاحه كَأَنِّي أَشمّ ريح كبد محترقة أَي قلب قد لفحته نَار الوجد ففاح نسيمه أحسن منظوم فِي سلك الإعتذار خرز الذل أحلى نطق يلج سمع الْقبُول الإستغفار أطرب كَلَام يُحَرك قلب الرَّحْمَة التملق (يَا من بصدودهم لقلبي جرحوا ... وازداد بِي الغرام لما نزحوا) (مَا جدت بهم وهم بهجري سمحوا ... هَذَا الْمَطْرُوح كم ترى يطْرَح) قَالَ عبد الله بن مَرْزُوق لغلامه عِنْد الْمَوْت إحملني فاطرحني على تِلْكَ المزبلة لعَلي أَمُوت عَلَيْهَا فَيرى ذلي فيرحمني (عودوا وتعطفوا على قلب كئيب ... لَو جيب لبان فِيهِ حزن ووجيب) (يدعى للْمَوْت فِي هواكم فيجيب ... من أمل مثل فَضلكُمْ كَيفَ يخيب) المذنب يأوي إِلَى الذل والبكا كَمَا يأوي الطِّفْل إِلَى الْأَبَوَيْنِ بَكَى أبوكم آدم على تفريطه حَتَّى جرت الأودية من دُمُوعه كَانَ كلما ذكر الْجنَّة قلق وَكلما رأى الْمَلَائِكَة تصعد يَحْتَرِق تذكر الْمعَاهد فحن (وَالَّذِي بالبين والبعد بلاني ... مَا جرى ذكر الْحمى إِلَّا شجاني) (حبذا أهل الْحمى من سَاكن ... شفني الشوق إِلَيْهِم وبراني) (كلما رمت سلوا عَنْهُم ... جذب الشوق إِلَيْهِم بعناني) (أحسد الطير إِذا طارت إِلَى ... أَرضهم أَو أقلعت للطيران) (أَتَمَنَّى أنني أصحبها ... نحوهم لَو أنني أعْطى الْأَمَانِي) (لَا تزيدوني غراما بعدكم ... خل بِي من بعدكم مَا قد كفاني) (ذهب الْعُمر وَلم أحظ بكم ... وتقضي فِي تمنيكم زماني) (يَا خليلي احفظا عهدي الَّذِي ... كنتما قبل النَّوَى عاهدتماني) (واذكراني مثل ذكري لَكمَا ... فَمن الْإِنْصَاف أَن لَا تنسياني) (وسلا من أَنا أهواه على ... أَي جرم صد عني وجفاني)

стр. 193

الْفَصْل الثَّامِن عشر أَيهَا المشغول باللذات الفانيات مَتى تستعد لملمات الْمَمَات مَتى تستدرك هفوات الْفَوات أتطمع مَعَ حب الوسادات فِي لحاق السادات وأنى تجعلك مثلهم أَنى وهيهات (يَا مدمن اللَّذَّات نَاس غدرها ... اذكر تهجم هَادِم اللَّذَّات) (احذر مكايده فهن كوامن ... فِي كرك الأنفاس واللحظات) (تمْضِي حلاوة مَا احتقبت وَبعده ... تبقى عَلَيْك مرَارَة التَّبعَات) (يَا حسرة العاصين يَوْم معادهم ... وَلَو أَنهم سيقوا إِلَى الجنات) (لَو لم يكن إِلَّا الْحيَاء من الَّذِي ... ستر الذُّنُوب لأكثروا الحسرات) يَا عَظِيم الجرأة يَا كثير الإنبساط مَا تخَاف عواقب هَذَا الإفراط يَا مُؤثر الفاني على الْبَاقِي غلطة لَا كالأغلاط أَلَك صَبر يُقَاوم ألم السِّيَاط أَلَك قدم يصلح للمشي على الصِّرَاط أيعجبك لِبَاس الصِّحَّة كلا وثوب البلا يخاط دَاء الْمُتُون دَاء أعيى على بقراط كم رَحل الْمَوْت على غارب اغتراب كم ألحق تربا بالأتراب فِي سفر التُّرَاب إِنَّمَا الْمَوْت مخرنبق ليقول ومجرمز ليغول (وَكم من فَتى يُمْسِي وَيُصْبِح آمنا ... وَقد نسجت أَكْفَانه وَهُوَ لَا يدْرِي) يَا شدَّة الوجل عِنْد حُضُور الْأَجَل يَا حسرة الْفَوْت عِنْد حُضُور الْمَوْت يَا خجلة العاصين يَا أَسف الْمُقَصِّرِينَ للحجاج

стр. 194

(إِلَى حتفي سعى قدمي ... أرى قدمي أراق دمي) (فَمَا أَنْفك من نَدم ... وَهَان دمي فها ندمي) إستلب زَمَانك يَا مسلوب وغالب الْهوى يَا مغلوب وحاسب نَفسك فالعمر مَحْسُوب وامح قبيحك فالقبيح مَكْتُوب وَاعجَبا لنائم وَهُوَ مَطْلُوب ولضاحك وَعَلِيهِ ذنُوب (أَلا ذكراني قبل أَن يَأْتِي الْمَوْت ... وَيَبْنِي لجثماني بدار البلى بَيت) (وعرفني رَبِّي طَرِيق سلامتي ... وبصرني لكنني قد تعاميت) (وَقَالُوا مشيت الرَّأْس يَحْدُو إِلَى البلى ... فَقلت أَرَانِي قد قربت فأدنيت) أَيْن الدُّمُوع السواجم قبل المنايا الهواجم أَيْن القلق الدَّائِم للذنوب القدايم أَتَرَى اثرت الملاوم فِي هَذِه الأقاوم أَيهَا الْقَاعِد وَالْمَوْت قَائِم أنائم أَنْت عَن حديثنا أم متناوم لَا بُد وَالله من ضَرْبَة لَازم تقرع لَهَا سنّ نادم لَا بُد من موج هول متلاطم يُنَادي فِيهِ نوح الأسى لَا عَاصِم لَا بُد من سقم السَّالِم ينسى فِيهِ يَا أم سَالم (يَا من سينأى عَن بنيه ... كَمَا نأى عَنهُ أَبوهُ) (مثل لنَفسك قَوْلهم ... جَاءَ الْيَقِين فوجهوه) (وتحللوا من ظلمه ... قبل الْمَمَات وحللوه) يَا مُؤَخرا تَوْبَته بمطل التسويف ﴿لأي يَوْم أجلت﴾ كنت تَقول إِذا شِئْت تبت فهذي شهور الصَّيف عناقد انْقَضتْ قدر أَن الْمَوْت لَا يَأْتِي إِلَّا بَغْتَة أَلَيْسَ مرض الْمَوْت يبغت وَيحك قد نفذ السليط فاستدرك ذبالة الْمِصْبَاح فِي كل يَوْم تضع قَاعِدَة إنابة وَلَكِن على شفا جرف هار كم تعزم على طَاعَة وتوبة يَا ليلى الْهوى مَا تبصر تَوْبَة تبيت من الْعَزْم فِي شعار أويس فَإِذا أَصبَحت أخذت طَرِيق قيس تنقض عرى العزايم عُرْوَة عُرْوَة كل صريع فِي الْهوى رَفِيق عُرْوَة كم تدفن كثيرا من الأعزة وَمَا يرجع كثير عَن حب عزة (جنونك مَجْنُون وَلست بواجد ... طَبِيبا يداوي من جُنُون جُنُون) خلق قَلْبك صافيا فِي الأَصْل وَإِنَّمَا كدرته الْخَطَايَا وَفِي الْخلْوَة

стр. 195

يركد الكدر تلمح سَبَب هَذَا التكدير فَمَا يخفى الْحَال على متلمح كنت مُقيما فِي دَار الْإِنَابَة نظيفا فسافرت فِي الْهوى فعلاك وسخ أَفلا تحن إِلَى النَّظَافَة أَلا يُحَرك البدوي ذكر نجد طَال مرضك وَالْيَوْم بحران أَتَدْرِي مَا البحران تَجْتَمِع الْقُوَّة وَالْمَرَض فيختصمان فَإِن تحلبته جَاءَت الْعَافِيَة وَإِن تحلبها فالهلاك هَذِه سَاعَة بحرانك وَالْعقل يُقَاوم الْهوى فَانْظُر من يغلب وَاعجَبا كَيفَ يستأسر أَسد لثعلب يَا مستهانا فِي خدمَة النَّفس أخرج إِلَى ديار الْقلب تعز الفيلة فِي الْهِنْد عوامل تنقل رجال الْقَوْم وتخدمهم فَإِذا خرجت إِلَى من يعرف قدرهَا أكرمت الْعود فِي بِلَاده خشب فَإِذا سوفر بِهِ إِلَى طَالب الطّيب أعز تفاح اصبهان فِي بَلَده فَاكِهَة فَإِذا جِيءَ بِهِ إِلَى الْعرَاق دلّ على الطباع اللطيفة بريحه الفهد فِي الصَّحرَاء بَهِيمَة فَإِذا وَقع بيد من يعرفهُ غضب فيترضى الْبَازِي فِي الْبَريَّة طَائِر فَإِذا صيد فسريره كف الْملك يَا مُخْتَار الْكَوْن وَمَا يعرف قدر نَفسه أما أسجدت الْمَلَائِكَة بالْأَمْس لَك وجعلتهم الْيَوْم فِي خدمتك لما تكبر عَلَيْك إِبْلِيس وَقد عبدني سِنِين طردته أفتصافيه على خلافي ﴿أفتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني﴾ أَنا الْقَائِل قبل وجود أَبِيك للْمَلَائكَة ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ اطلعوا من خوخات تعبدكم فانظروا مَا أصنع أخذت قَبْضَة من تُرَاب فَصَبَبْت عَلَيْهَا قطرات من مَاء ﴿مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ﴾ قَالَ التُّرَاب وَالْمَاء وَأي قدر لنا فَنزل دَار تواضعهما عَزِيز ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ فانضم صدف بَحر الْبدن على در الْقلب فانعقد فَصَارَ عرشا لصفة ويسعني خلا المثقف بالطفل دَاخل الْبَيْت فسطر فِي لوح سره الْعلم ﴿كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ وَأخرجه يَوْم التَّخْيِير وَقد حذق الْمَكْتُوب فَقَالَ ﴿أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ثمَّ قيل لَهُ لَا يحْتَمل مَوضِع الْخلْع

стр. 196

وجود ذَر الْبذر فَاخْرُج إِلَى عَالم الطَّبْع أكلت يَا دودة القز فاذهبي إِلَى الْغَزل وتشاغلي بالنسج فَنزل إِلَى دَار المجاهدة فَظهر من ثَمَرَة شجرته صَبر الْخَلِيل وَثُبُوت الذَّبِيح وَجِهَاد يُوسُف وَكَمَال مُحَمَّد ﷺ ثمَّ جَاءَ أَوْلِيَاء فِي هَذِه الدولة فخجلت عِنْد وهدهم الرهبة لَا بل سبقوا تعبد الْمَلَائِكَة قَالَ سري مافاتني وردقط فقدرت على إِعَادَته وَذَاكَ أَن الزَّمَان الَّذِي مضى فِيهِ وَظِيفَة أُخْرَى (مَا لي شغل سواهُ مَا لي شغل ... مَا يصرف عَن هَوَاهُ قلبِي عذل) (مَا اصْنَع أَن جَفا وخاب الأمل ... مني بدل وَمِنْه مَا لي بدل) كَانَت رَابِعَة العابدة تقوم من أول اللَّيْل وَتقول (قَامَ الْمُحب إِلَى المؤمل قومه ... كَاد الْفُؤَاد من السرُور يطير) فَإِذا انْقَضى اللَّيْل صاحت واحرباه واسلباه (ذهب الظلام بأنسه وبالفه ... لَيْت الظلام بأنسه يَتَجَدَّد) دخلُوا على زجلة العابدة فكلموها فِي الرِّفْق بِنَفسِهَا فَقَالَت وَالله لأصلين لله مَا أقلتني جوارحي ولأصومن لَهُ أَيَّام حَياتِي ولأبكين مَا حملت المَاء عَيْنَايَ (لَا أقبل نصحكم فَخلوا عذلي ... مَا أعذب فِي الغرام طعم الْقَتْل) (إِن طل دمي فكم محب مثلي ... قد ضرج باللحاظ لَا بِالنَّبلِ) أَيْن أَنْت والأحباب كم بَين القشور واللباب لصردر (هَل مُدْلِج عِنْده من مبكر خبر ... وَكَيف يعلم حَال الرَّائِح الغادي) يَا معجبا بتعبده تَأمل فَضَائِل السَّابِقين وَقد هدرت شقاشق كبرك

стр. 197

النّظر فِي سيرهم قرظ يجفف عفن الرعونة مضى وَالله هَل الْمعَانِي وتخلف أَرْبَاب الدعاوي (هاتيك ربوعهم وفيهَا كَانُوا ... بانوا عَنْهَا فليتهم مَا بانوا) (ناديت وَفِي حشاشتي نيران ... يَا قوم مَتى تحول السكان)

стр. 198

الْفَصْل التَّاسِع عشر عجبا لراحل مَاتَ وَمَا تزَود للرحلة ولمسافر ماج وَمَا جمع للسَّفر رحْلَة ولمنتقل إِلَى قَبره لم يتأهب للنقلة ولمفرط فِي أمره لم يستشر عقله لصردر (لَا مرية فِي الردى وَلَا جدل ... الْعُمر دين قَضَاؤُهُ الْأَجَل) (للمرء فِي حتف أَنفه شغل ... فَمَا تُرِيدُ السيوف والأسل) (يفرى الدجى وَالضُّحَى بأسلحة ... سيان فِيهَا الدروع وَالْحلَل) (كأس أديرت على لذاذتها ... عدل فِيهَا الزعاف وَالْعَسَل) (كل إِلَى غَايَة يصير وَلَا ... تَمْيِيز إِلَّا الْإِسْرَاع والمهل) (وَالنَّاس ركب يهوون حثهم ... وَلَا يسرون أَنهم نزل) (وسوف تطوى مَسَافَة ذملت ... بقاطعيها ركائب ذلل) (كَيفَ يعد الدُّنْيَا لَهُ وطنا ... من هُوَ عَنْهَا ينأى وينتقل) (نسخو بأعمارنا ونبخل بِالْمَالِ ... فتب السخاء وَالْبخل) (أضاع راقي الدَّاء العضال كَمَا ... ضيع فِي سمع عاشق عدل)

стр. 199

(وَلَو نجا الهائب الجبان من ... الْمَوْت نجا فِي أقدامه البطل) (مَا أَسْلمُوا هَذِه النُّفُوس إِلَى ... الأجداث إِلَّا إِذْ ضَاقَتْ الْحِيَل) (ضَرُورَة ذلت القروم لَهَا ... وَقد تقود المصاعب الجدل) (وَمن حذار تبوأ الكدية الضَّب ... وأوفى الشواهق الوعل) (يُقَاد فِي عزه الخبعثنة الضاري ... ويدهي فِي ذله الْجعل) (وَهل يرد الأحباب إِن ظعنوا ... على محب أَن ينْدب الطلل) أخواني مر الأقران على مدرجة وخيول الرحيل للباقين مسرجة سَار الْقَوْم إِلَى الْقُبُور هملجة وباتت أَرْوَاح من الأشباح مستخرجة إِلَى كم هَذَا التسويف والمجمجة بضائعكم كلهَا بهرجة وطريقكم صعبة عَوْسَجَة وستعرفون الْخَبَر وَقت الحشرجة يَا من قد ساخ فِي أوساخ إِلَى كم تملى تعبت النساخ يَا من ضيع الشَّبَاب وَمَا يسمع العتاب وَقد شاخ بَادر صبَابَة القوى فاستدرك بَاقِي الطباخ وتأهب للرحيل فَمَا هَذِه الدُّنْيَا بمناخ كم بَات مزمار فِي بَيت فَأصْبح فِيهِ الصُّرَاخ أَيْن من حصن الْحُصُون واحترس وَعمر الحدائق واحترس وَنصب سَرِير الْكبر وَجلسَ وَظن بَقَاء للنَّفس فخاب الظَّن فِي نفس نازله الْمَوْت فَلَمَّا أنزلهُ عَن ظهر الْفرس فرس وَوجه وَجهه إِلَى ديار البلى فانطمس وَتَركه فِي ظلام ظلمَة بَين الْعَيْب والدنس فالعاقل من بَادر الندامة فَإِن السَّلامَة خلس لِابْنِ المعتز (إِلَّا من لقب فِي الْهوى غير منته ... وَفِي الغي مطواع وَفِي الرشد مكره) (أشاوره فِي تَوْبَة فَيَقُول لَا ... فَإِن قلت تَأتي فتْنَة قَالَ أَيْن هِيَ)

стр. 200

سَابِقَة الْقدر قَضَت لقوم بِدَلِيل ﴿سبقت لَهُم﴾ وعَلى قوم بِدَلِيل ﴿غلبت علينا﴾ تلقيح ﴿سبقت﴾ نور قُلُوب الْجِنّ ﴿فَقَالُوا إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا﴾ وخذلان ﴿غلبت﴾ أعمى بصائر قُرَيْش ﴿قَالُوا أساطير الْأَوَّلين﴾ إِذا هزت صوارم الْقدر تقلقلت رِقَاب المقربين غضب على قوم فَلم تنفعهم الْحَسَنَات وَرَضي عَن قوم فَلم تَضُرهُمْ السَّيِّئَات مَا نَفَعت عبَادَة إِبْلِيس وَلَا ضرّ عناد السَّحَرَة هبت عواصف الأقدار فِي بيداء الأكوان فنقلت الْوُجُود وَعم الْخَبَر فَلَمَّا ركدت الرّيح إِذا أَبُو طَالب غريق فِي لجة الْهَلَاك وسلمان على سَاحل السَّلامَة والوليد بن الْمُغيرَة يقدم قومه فِي التيه وصهيب قد قدم بقافلة الرّوم وَأَبُو جهل فِي رقدة الْمُخَالفَة وبلال يُنَادي الصَّلَاة خير من النّوم لما قضيت فِي الْقدَم سَلامَة سلمَان أقبل يناظر أَبَاهُ فِي دين قد أَبَاهُ فَلم يعرف أَبوهُ جَوَابا إِلَّا الْقَيْد وَهَذَا الْجَواب المرذول قديم من يَوْم ﴿حرقوه﴾ فَنزل بِهِ ضيف ﴿ولنبلونكم﴾ فنال بإكرامه مرتبَة سلمَان منا سمع أَن ركبا على نِيَّة السّفر فَسرق نَفسه من حرز أَبِيه وَلَا قطع فَوقف نَفسه على خدمَة الأدلاء وقرف الأذلاء فَلَمَّا أحس الرهبان بِانْقِطَاع دولتهم سلمُوا إِلَيْهِ أَعْلَام الْأَعْلَام على عَلَامَات نَبينَا وَقَالُوا أَن زَمَنه قد أظل فاحذر أَن تضل وَأَنه يخرج بِأَرْض الْعَرَب ثمَّ يُهَاجر إِلَى أَرض بَين حرتين فَلَو رَأَيْتُمُوهُ قد فلى الفلا وَالدَّلِيل شوقه وخلى الوطن خلاء يزعجه توقه لأبي الْعَلَاء المعري (وأبغضت فِيك النّخل وَالنَّخْل يَانِع ... واعجبني من حبك الطلح والضال) (وأهوى لجراك السماوة والغضا ... وَلَو أَن ضيفيه وشَاة وعذال)

стр. 201

رَحل مَعَ رفْقَة لم يرفقوا ﴿وشروه بِثمن بخس﴾ فابتاعه يَهُودِيّ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا رآى الحرتين توقد خر شوقه وَمَا علم الْمنزل بوجد النَّازِل للمتنبي (أيدري الرّبع أَي دم أراقا ... وَأي قُلُوب هَذَا الركب شاقى) (لنا ولأهله أبدا قُلُوب ... تلاقي فِي جسوم مَا تلاقى) فَبينا هُوَ يكابد سَاعَات الإنتظار قدم البشير بقدوم البشير وسلمان فِي رَأس نَخْلَة فكاد القلق يلقيه لَوْلَا أَن الحزم أمْسكهُ كَمَا جرى يَوْم ﴿إِن كَادَت لتبدي بِهِ﴾ ثمَّ عجل النُّزُول ليلقى ركب السيارة (خليلي من نجد قفا بِي على الربى ... فقد هَب من تِلْكَ الرسوم نسيم) فصاح بِهِ الْمَالِك مَالك وَلِهَذَا إنصرف إِلَى شغلك فَأجَاب لِسَان وجده (كَيفَ انصرافي ولي فِي داركم شغل ... ) فَأخذ يضْربهُ فَأخذ لِسَان حَاله يترنم لَو سمع الأطروش (خليلي لَا وَالله مَا أَنا مِنْكُمَا ... إِذا علم من آل ليلى بداليا) فَلَمَّا لَقِي الرَّسُول عرض نُسْخَة الرهبان بِكِتَاب الأَصْل فَوَافَقَ وَوَافَقَ يَا مُحَمَّد أَنْت تُرِيدُ أَبَا طَالب وَنحن نُرِيد سلمَان أَبُو طَالب إِذا سُئِلَ عَن إسمه قَالَ عبد منَاف وَإِذا انتسب افتخر بالإباء وَإِذا ذكرت الْأَمْوَال عد الْإِبِل وسلمان إِذا سُئِلَ عَن إسمه قَالَ عبد الله وَعَن نسبه قَالَ ابْن الْإِسْلَام وَعَن لِبَاسه قَالَ التَّوَاضُع وَعَن طَعَامه

стр. 202

قَالَ الْجُوع وَعَن شرابه قَالَ الدُّمُوع وَعَن وساده قَالَ السهر وَعَن فخره قَالَ سلمَان منا وَعَن قَصده قَالَ ﴿يُرِيدُونَ وَجهه﴾ للشبلي (إِن بَيْتا أَنْت ساكنه ... غير مُحْتَاج إِلَى السرج) (وعليلا أَنْت زَائِره ... قد آتَاهُ الله بالفرج) (وَجهك المأمول حجتنا ... يَوْم يَأْتِي النَّاس بالحجج)

стр. 203

الْفَصْل الْعشْرُونَ يَا من يمشي على ظُهُور الْحفر وَيرى السَّابِقين إِلَى بيُوت الْمدر لَو أصغى سمع التَّدْبِير سمع العبر كفى بِالْمَوْتِ واعظا يَا عمر لأبي الْعَتَاهِيَة (وعظتك أجداث ضمت ... ونعتك أزمنة خفت) (وتكلمت عَن أعظم ... تبلى وَعَن صور شتت) (وأرتك قبرك فِي الْقُبُور ... وَأَنت حَيّ لم تمت) يَا سادرا فِي سكر سروره يَا سادلا ثوب غروره كَأَنَّك بك قد اقتعدت غارب الغربة واستبدلت بالأثواب التربة سيقسم مَالك من لَا يحمدك وستقدم على من لَا يعذرك غَدا يرجع الحبيبان عَنْك حَبِيبك من أهلك يقسم حَبِيبك من مَالك وَأَنت فِي قفر الْفقر إِلَى مَا أسلفت تبْكي على مَا خلفت بَين أنَاس كلهم أَسِير الْفرق وجميعهم على مهاد القلق (محلّة سفر كَانَ آخر زادهم ... إِلَيْهِ مَتَاع من حنوط وَمن خرق) (إِلَى منزل سوى البلى بَين أَهله ... فَلم تستبن فِيهِ الْمُلُوك من السُّوق) إِلَى مَتى تبقى بدائك أَهَذا الَّذِي تَفْعَلهُ برائك لقد حل فناؤك بفنائك وَأخْبر انْتِقَاض بنائك بنمائك وَأَن وَرَاءَك طَالبا لَا تفوته

стр. 204

وَقد نصب لَك علم لَا تجوز فَمَا أسْرع مَا يدركك الطَّالِب وَمَا أعجل مَا تبلغ الْعلم أخواني هَذَا الْمَوْت غَدا يَقُول الرحيل غَد كَيفَ بكم إِذا صَاح إسْرَافيل فِي الصُّور بالصور فاسمع الْعِظَام البالية تَحت الْمدر فاجتمعت من بطُون السبَاع وحواصل الطير فَقَامَتْ تبْكي على فَوَات الْخَيْر وَسَار الْخَلَائق كلهم حُفَاة عُرَاة كل مِنْهُم مَشْغُول بِمَا عراه وَقد رجت الأَرْض وبست الْجبَال وذهلت الْعُقُول وشاب الْأَطْفَال (أيا نفس حَقك إِن تجزعي ... وَيَا عين إياك أَن تهجعي) (وَيَا أُذُنِي إِن دعَاك الْهوى ... فإياك إياك أَن تسمعي) (وَبِاللَّهِ يَا جفن عَيْني القريح ... ضرج بفيض الدما أدمعي) (وياكل جارحة لي عَلَيْك ... حفيظ فابكي ونوحي معي) (يسير بِنَا الدَّهْر من مَوضِع ... ترحل عَنهُ إِلَى مَوضِع) (إِلَى حَيْثُ لَا الْعين فِيهِ ترى ... وَلَا الْأذن إِن خاطبوها تعي) (فيا ويلنا من طَرِيق هُنَاكَ ... طَوِيل بعيد المدى مسبع) يَا أهل الذُّنُوب والخطايا ألكم صَبر على الْعقُوبَة ﴿كلا إِنَّهَا لظى﴾ إِذا شاهدت من اشْترى لَذَّة سَاعَة بِعَذَاب سِنِين ﴿تكَاد تميز من الغيظ﴾ من أَرَادَ أَن ينجو مِنْهَا فليتب ﴿من قبل أَن يتماسا﴾ كَيفَ أَمن العصاة ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ كَيفَ نسوا غب الزلل ﴿وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ أخواني مثلُوا أهل الْجنَّة ﴿يَوْم نحْشر الْمُتَّقِينَ﴾ و ﴿نورهم يسْعَى بَين أَيْديهم﴾ وَمَعَهُمْ توقيع ﴿لَا خوف عَلَيْهِم﴾ فَلَمَّا

стр. 205

وصلوا إِلَى الْجنان ﴿وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ وبدأهم الخزنة ﴿سَلام عَلَيْكُم طبتم﴾ وبشروهم بِالْبَقَاءِ الدَّائِم ﴿فادخلوها خَالِدين﴾ وقرأت الْأَمْلَاك من سجل الْأَمْلَاك مبلغ الثّمن ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ وَجَمِيع المرادات دَاخِلَة فِي إقطاع ﴿مَا تشْتَهي أَنفسكُم﴾ وَقد استرجح فِي الْمِيزَان ﴿ولدينا مزِيد﴾ وَأتم التَّمام ﴿وَمَا هم مِنْهَا بمخرجين﴾ (وَهَذَا السرُور بِتِلْكَ الكرب ... وَهَذَا النَّعيم بِذَاكَ التَّعَب) وَيحك ميز بعقلك وحسك بَين الدَّاريْنِ واحصر الذَّنب وَالْعِقَاب والمح العاقبتين هَذَا الْحَيَوَان البهيمي ينظر فِي العواقب الْإِبِل يَأْكُل الْحَيَّات فيشتد عطشه فيحوم حول المَاء وَلَا يشرب لعلمه أَن المَاء ينْفد السمُوم إِلَى أَمَاكِن لَا يبلغهَا الطَّعَام وَمن عَادَته أَنه يسْقط قرنه كل سنة وَهُوَ سلاحه فيختفي إِلَى أَن ينْبت هَذِه الْحَيَّة تختفي طول الشتَاء بِالْأَرْضِ فَتخرج وَقد عشى بصرها فتحكه بأصول الرازايانج لِأَنَّهُ يزِيل الغشا هَذَا الفهد إِذا سمن علم أَنه مَطْلُوب وشحمه يمنعهُ من الْهَرَب فَهُوَ يستر نَفسه إِلَى أَن ينْحل الشَّحْم هَذِه النملة تدخر فِي الصَّيف للشتاء فَإِذا خَافت عفن الْحبّ أخرجته إِلَى الْهَوَاء فَإِذا حذرت أَن ينْبت نقرت مَوضِع القطمير أسمعت يَا مَقْطُوع الْحِيلَة مَتى تدخر من صيف قوتك إِلَى شتاء عجزك هَذِه السَّمَكَة إِذا حبستها الشبكة جمزت بِكُل قوتها لتقطع الحابس لَو نهضت بِقُوَّة الْعَزْم لانخرقت شبكة الْهوى إِذا مد النَّهر إغتنمت ذَلِك الْمَدّ الزنابير فبنت مِنْهُ بُيُوتًا لِأَنَّهُ لَا يصلح لَهَا غَيره مد بَحر الشَّبَاب وَمَا بنيت بَيت جد فَحَدثني مَا الَّذِي تصنع فِي القحل إِن فاتك زمن الْمَدّ فَمد الْيَد للسؤال حِيلَة الْمُفلس

стр. 206

يَا محصرا عَن الْوُصُول لَا يجْزِيه الْهدى يَا مُنْقَطِعًا فِي الطَّرِيق عَن جملَة الْوَفْد تحامل إِلَى بعض خيم أهل الْوَصْل واشهد على وصيتك ذَوي عدل وناد فِي النادي بِصَوْت الذل (إِذا مَا وصلتم سَالِمين فبلغوا ... تَحِيَّة من قد ظن أَن لَا يرى نجدا) وابسط فِي الدجى يَد الطّلب فأطيب مَا أكل الرجل من كسب يَده وَقل بِلِسَان التملق (أحبابنا انا ذاكم العَبْد الَّذِي ... راعيتموه ناشئا ووليدا) (حَالَتْ بِهِ الْأَحْوَال بعد فراقكم ... فَرمي بأسرته وَجَاء فريدا) إِذا جَلَست فِي ظلام اللَّيْل بَين يَدي سيدك فَاسْتعْمل أَخْلَاق الْأَطْفَال فَإِن الطِّفْل إِذا طلب من أَبِيه شَيْئا فَلم يُعْطه يكن عَلَيْهِ (بلغ المنى من حل فِي وَادي منى ... غَيْرِي فَإِنِّي مَا بلغت مرادي) (وبكيت من ألم الْفِرَاق وشقوتي ... فَبكى الحجيج بأسره والوادي) يَا من قد نزلت بِهِ بلية الطَّرْد تروح إِلَى حَدِيث الْمُنَاجَاة وَإِن لم تسمع مِنْك وَابعث رسائل الأحزان مَعَ ريَاح الأسحار وَلَو لم تصل (يَا نسيم الشمَال بلغ خطابي ... وأشف مني الجوى بِحمْل الْجَواب) (طفت بساحات ذَلِك الرّبع واحمل ... ذرة من تُرَاب ذَاك الجناب) (قل لمولاي يَا منى الرّوح وَالْقلب ... وَمن فِيهِ ذلتي وانتحابي) (كنت أخْشَى الوشاة فِيك وَلَكِن ... جفوة الْحبّ لم تكن فِي حسابي)

стр. 207

الْفَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ يَا ساعيا لنَفسِهِ فِي المهالك دنا الرحيل ونضو النقلَة بَارك مَتى تذكر وحشتك بعد إيناسك مَتى تقتدي من ناسك بناسك كَأَنَّك بك قد خرجت عَن أهلك وولدك وانفردت عَن عددك وعددك وقتلك سيف النَّدَم وَلم يدك ورحلت وَلم يحصل بِيَدِك إِلَّا عض يدك (كَأَنَّك لم تسمع بأخبار من مضى ... وَلم تَرَ فِي البَاقِينَ مَا يصنع الدَّهْر) (فَإِن كنت لَا تَدْرِي فَتلك دِيَارهمْ ... محاها مجَال الرّيح بعْدك والقطر) (على ذَاك مروا أَجْمَعُونَ وَهَكَذَا ... يَمرونَ حَتَّى يستردهم الْحَشْر) (فحتام لَا تصحو وَقد قرب المدى ... وحتام لَا ينجاب عَن قَلْبك السكر) (بل سَوف تصحو حِين ينْكَشف الغطا ... وتذكر قولي حِين لَا ينفع الذّكر) يَا من يُذنب وَلَا يَتُوب كم قد كتبت عَلَيْك ذنُوب خل الأمل الكذوب فَرب شروق بِلَا غرُوب وآأسفي أَيْن الْقُلُوب تَفَرَّقت بالهوى فِي شعوب ندعوك إِلَى صلاحك وَلَا تؤوب وَاعجَبا النَّاس ضروب مَتى تَنْتَهِ لخلاصك أَيهَا الناعس مَتى تطلب الْأُخْرَى يَا من على الدُّنْيَا ينافس مَتى تذكر وحدتك إِذا انْفَرَدت عَن موانس يَا من قلبه قد قسا وجفنه ناعس يَا من تحدثه الْأَمَانِي دع هَذِه الوساوس أَيْن الْجَبَابِرَة الأكاسرة الشجعان الفوارس أَيْن الْأسد الضواري والظباء الكوانس أَيْن من اعْتَادَ سَعَة الْقُصُور حبس من الْقُبُور فِي

стр. 208

أضيق المحابس أَيْن الرافل فِي أثوابه عرى فِي ترابه عَن الملابس أَيْن الغافل فِي أمله عَن أَجله سلبه كف المخالس أَيْن حارس المَال أَخذ المحروس وَقتل الحارس يَا مضمرا حب الدُّنْيَا إِضْمَار الْجمل الحقود نبعث منقاش اللوم وَمَا يصل إِلَى شظايا الْمحبَّة الدُّنْيَا جيفة قد أراحت ومزكوم الْغَفْلَة مَا يدْرِي سوق فِيهَا ضجيج الْهوى فَمن يسمع المواعظ (علمتني بهجرها الصَّبْر عَنْهَا ... فَهِيَ مشكورة على التقبيح) إِذا أردْت دَوَاء حبها فَمَا قل فِي الشربة صَبر انْفَرد فِي صومعة الزّهْد وَاحْفِرْ خَنْدَق الحذر وأقم حارس الْوَرع وَلَا تطلع من خوخة مُسَامَحَة فَإِن البغى فِي الْفَتى صناع لصردر (النَّجَاء النَّجَاء من أَرض نجد ... قبل أَن يعلق الْفُؤَاد بوجد) (كم خلى غَدا إِلَيْهِ وَأمسى ... وَهُوَ يهوى بعلوة وبهند) حصن حصن التقى بسور القناعة فَإِن لص الْحِرْص يطْلب ثلمة غَرِيم الطَّبْع متقاض ملح والشره شرك وخمار المنى دَاء قَاتل بَينا الْحِرْص يمد وتر الأمل انْقَطع هَل الْعَيْش إِلَّا كأس مشوبة بالكدر ثمَّ رسوبها الْمَوْت ﴿فابتغوا عِنْد الله الرزق﴾ قَالَ مُحَمَّد بن وَاسع لَو رَأَيْتُمْ رجلا فِي الْجنَّة يبكي أما كُنْتُم تعْجبُونَ قَالُوا بلَى قَالَ فاعجب مِنْهُ فِي الدُّنْيَا رجل يضْحك وَلَا يدْرِي إِلَى مَا يصير ضحك بعض الصَّالِحين يَوْمًا ثمَّ انتبه لنَفسِهِ فَقَالَ تضحكين وَمَا جزت الْعقبَة وَالله لَا ضحِكت بعْدهَا حَتَّى أعلم بِمَاذَا تقع الْوَاقِعَة (يَا نسيم الشمَال بِاللَّه بلغ ... مَا يَقُول المتيم المستهام)

стр. 209

(قل لأحبابنا فداكم محب ... لَيْسَ يسلو ومقلة لَا تنام) (كل عَيْش وَلَذَّة وسرور ... قبل لقياكم على حرَام) فرغ الْقَوْم قُلُوبهم من الشواغل فَضربت فِيهَا سرادقات المحبوب فأقاموا الْعُيُون تحرس تَارَة وترش الأَرْض أُخْرَى هَيْهَات هان سهر الحراس لما علمُوا أَن أَصْوَاتهم بسمع الْملك لِابْنِ المعتز (أَيهَا الْملك الَّذِي سهري فِيهِ ... كطعم الرقاد بل هُوَ أحلى) (غرضي مَا يُريدهُ بِي حَبِيبِي ... لَو سقاني مهلا لما قلت مهلا) (لست أَدْرِي أَطَالَ ليلِي أم لَا ... كَيفَ يدْرِي بِذَاكَ من يتقلى) (إِن للعاشقين فِي قصر اللَّيْل ... وَفِي طوله عَن النّوم شغلا) (لَو تفرغت لاستطالة ليلِي ... إو لرعي النُّجُوم كنت مخلا) (وغرام الْفُؤَاد مذ غبت عَنهُ ... لم يحل عَن هَوَاك حاشي وكلا) قُلُوب العارفين مملؤة بِذكر الحبيب لَيْسَ فِيهَا سَعَة لغيره (قد صِيغ قلبِي على مِقْدَار حبهم ... فَمَا لحب سواهُم فِيهِ متسع) إِن نطقوا فبذكره وَإِن تحركوا فبأمره وَإِن فرحوا فلقربه وَإِن ترحوا فلعتبه (وَالله مَا طلعت شمس وَلَا غربت ... إِلَّا وَأَنت منى قلبِي ووسواسي) (وَلَا جَلَست إِلَى قوم أحدثهم ... إِلَّا وَأَنت حَدِيثي بَين جلاسي) (وَلَا هَمَمْت بِشرب المَاء من عَطش ... إِلَّا رَأَيْت خيالا مِنْك فِي الكاس) أقواتهم ذكرى الحبيب وأوقاتهم بالمناجاة تطيب لَا يصبرون عَنهُ لَحْظَة وَلَا يَتَكَلَّمُونَ فِي غير رِضَاهُ بِلَفْظَة (حَياتِي مِنْك فِي روح الْوِصَال ... وصبري عَنْك من سلب الْمحَال) (وَكَيف الصَّبْر عَنْك وَأي صَبر ... لعطشان عَن المَاء الزلَال)

стр. 210

(إِذا لعب الرِّجَال بِكُل شَيْء ... رَأَيْت الْحبّ يلْعَب بِالرِّجَالِ) كم تدرس أخبارهم وَمَا تدرس لَئِن طواهم الفناء لقد نشرهم الثَّنَاء لَو سمعتهم فِي الدجا يعجون لَو رَأَيْتهمْ فِي الأسحار يضجون لَوْلَا نسايم الرَّجَاء كَانُوا ينضجون (مَا لي عَن وصلك اصطبار ... إِلَيْك من هجرك الْفِرَار) (أَصبَحت ظمآن ذَا جفون ... مياه أخلافها غزار) (أروم كتمان مَا أُلَاقِي ... وبالاماقي لَهُ اشتهار) (وَمن نسيم الصِّبَا إِذا مَا ... هبت على أَرْضكُم أغار) (آه لذكرى ديار سلمى ... لَا أجدبت تلكم الديار) (لهفي لعيش بهَا تولي ... نَظِير أَيَّامه النضار) (إِذْ أعين الدَّهْر راقدات ... وَفِي غُضُون الْهوى ثمار)

стр. 211

الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أَيهَا الحاطب على أزره وزرا وآثاما تنبه ترى الدُّنْيَا أحلى مَا كَانَت أحلاما كم نكس الْمَوْت فِيهَا أعلاما أَعلَى مَا كم أذلّ بقهره أَقْوَامًا أقوى مَا لَا كَانَ مِفْتَاح أَمْسَى لَهُ الْمَوْت ختاما (من على هَذِه الديار أَقَامَا ... أَو صفا ملبس عَلَيْهِ فداما) (عج بِنَا نندب الَّذين توَلّوا ... باقتياد الْمنون عَاما فعاما) (تركُوا كل ذرْوَة من أَشمّ ... يحسر الطّرف ثمَّ حلوا الرغاما) (يَا لحا الله مهملا حسب الدَّهْر ... نؤوم الجفون عَنهُ فَنَامَا) (هَل لنا بالغين كل مُرَاد ... غير مَا يمْلَأ الضلوع طَعَاما) (وَإِذا أعوز الْحَلَال فشل الله ... كفا جرت إِلَيْهَا حَرَامًا) التَّبعَات تبقى وَاللَّذَّات تمر وغب الأرى وَإِن حلا فَهُوَ مر وَكَأن قد عوى فِي دَار العوافي ذِئْب الضّر وَمَا يلهي شَيْء من الدُّنْيَا وَيسر إِلَّا يُؤْذِي ويضر وَقد بَانَتْ عيوبها فَلَيْسَ فِيهَا مَا يغر وَإِنَّمَا يعشقها الجهول ويأنف مِنْهَا الْحر (تذل الرِّجَال لأطماعها ... كذل العبيد لأربابها) (وَلَا تجنين ثمار المنى ... فتجنى الهوان بأعقابها) أخواني رُبمَا أورد الطمع وَلم يصدر كم شَارِب شَرق قبل الرّيّ من أخطأته سِهَام الْمنية قَيده عقال الْهَرم أَلا يتيقظ الْعَاقِل

стр. 212

بإضرابه أَلا ينتبه الغافل بأوصابه أيسلم والرامي تَحت ثِيَابه يَا مَرِيضا أتعب الْأَطِبَّاء مَا بِهِ كَأَنَّك بالدنيا الَّتِي تَقول مرْحَبًا قد حلت الحبى وَتَفَرَّقَتْ تفرق أَيدي سبا وَيحك أَخُوك من عذلك لَا من عذرك صديقك من صدقك لَا من صدقك وَيحك من يطربك يُطْغِيك وَمَا لَا يَعْنِيك يَعْنِيك تتوب صباحا فَإِذا أمسيت تحول وتعول وَتقول غير أَنَّك تنقض مَا تَقول وتتلون دَائِما كَمَا تتلون الغول يَا عبد الْهوى إِن دَعَا أمنت وَإِن ادّعى آمَنت كم قَالَ لَك الْهوى وَسمعت أَنا مكار وتبعت وَالله لقد افتك أَضْعَاف مَا أفدتك وَلَقَد أعذر من أنذر وَمَا قصر من بصر لما رأى المتيقظون سطوة الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا وخداع الأمل لأربابها لجأوا إِلَى حصن الزّهْد كَمَا يأوي الصَّيْد المذعور إِلَى الْحرم لَاحَ لَهُم حب المشتهي فَلَمَّا مدوا إِلَيْهِ أَيدي التَّنَاوُل بَان لأبصار البصائر خيط الفخ فطاروا بأجنحة الحذر وصوتوا إِلَى الرعيل الثَّانِي ﴿يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ﴾ جمعُوا الرحل قبل الرحيل وشمروا فِي سَوَاء السَّبِيل فَالنَّاس فِي الغفلات وهم فِي قطع الفلاة ﴿تِلْكَ أمة قد خلت﴾ لَو رَأَيْت مطايا أجسامهم وَقد إِذا بهَا السرى فَهِيَ تحن مِمَّا تجن فتبكي الْحداد للْمُصَنف (حنت فاذكت لوعتي حنينا ... اشكو من الْبَين وتشكو البينا) (قد عاث فِي أشخاصها طول السرى ... بِقدر مَا عاث الْفِرَاق فِينَا) (فخلها تمشي الهوينا طَال مَا ... أضحت تباري الرّيح فِي البرينا) (وَكَيف لَا نأوي لَهَا وَهِي الَّتِي ... بهَا قَطعنَا السهل والحزونا) (إِن كن لم يفصحن بالشكوى لنا ... فهن بالأرزام يشتكينا) (قد اقرحت بِمَا تحن كَبِدِي ... إِن الحزين يسْعد الحزينا) (وَقد تياسرت بِهن جائرا ... عَن الْحمى فاعدل بهَا يَمِينا)

стр. 213

(يَقُول صحبي أَتَرَى آثَارهم ... نعم وَلَكِن لَا أرى القطينا) (لَو لم تَجِد ربوعهم كوجدنا ... للبين لم تبل كَمَا بلينا) (أكلما لَاحَ لعَيْنِي بارق ... بَكت فابدت سرى المصونا) (لَا تَأْخُذُوا قلبِي بذنب مقلتي ... وعذبوا الخائن لَا الأمينا) دارت قُلُوب الْقَوْم فِي دَائِرَة الْخَوْف دوران الكرة تَحت الصولجان فهاموا فِي فلوات القلق فَمن خايف مستجير وَمن وَاحِد يَقُول وَمن سَكرَان يبث (إِذا لعب الرِّجَال بِكُل شَيْء ... رَأَيْت الْحبّ يلْعَب بِالرِّجَالِ) طَالَتْ عَلَيْهِم بادية الرياضة ثمَّ بَدَت بعْدهَا الرياض استوطنوا فردوس الْأنس فِي قلَّة طور الطّلب (شقينا فِي الْهوى زَمنا فَلَمَّا ... تلاقينا كأنا مَا شقينا) (سخطنا عِنْدَمَا جنت اللَّيَالِي ... فَمَا زَالَت بِنَا حَتَّى رَضِينَا) (فَمن لم يحيى بعد الْمَوْت يَوْمًا ... فَإنَّا بعد مَا متْنا حيينا) وقفت على قبر بعض الصَّالِحين فَقلت يَا فلَان بِمَاذَا نلْت تردد الْأَقْدَام إِلَيْك فَقَالَ أقدمت على رد الْهوى بِلَا تردد فترددت إِلَى الْأَقْدَام كَانَ عطر إخلاصي خَالِصا فعبق نشره بالأرواح للمهيار (جرت مَعَ الرَّسْم لي محاورة ... فهمت مِنْهَا مَا قَالَه الرَّسْم) (هَل لَك بالنازلين أَرض منى ... يَا علم الشوق بَعدنَا علم) أدْلج الْقَوْم طول اللَّيْل فِي السرى وخافوا عوز المَاء فتمموا المزاد بالبكاء (سلو غير طرفِي إِن سَأَلْتُم عَن الْكرَى ... فَمَا لجفون العاشقين مَنَام)

стр. 214

سكن الْخَوْف قُلُوبهم فَإِذا بهَا فَإِذا بهَا فِي محلّة الْأَمْن نحلوا الْمعرفَة فتحلوا فعمر قصر الْقلب للْملك وقنعت الْحَوَاشِي فِي القاع بالخيم (وَكم ناحل بَين تِلْكَ الْخيام ... تحسبه بعض أطنابها) يَا هَذَا سرادق الْمحبَّة لَا يضْرب إِلَّا فِي قاع فارغ نزه فرغ قَلْبك من غَيْرِي اسكنه للشريف الرضى (تركُوا الدَّار فَلَمَّا ... نزلُوا الْقلب أَقَامُوا) (يَا خليلي اسقياني ... زمن الوجد مدام) (وَصفا لي قلعة الركب ... ولليل مقَام) (وَمنى أَيْن منى ... مني لقد شط المرام) (هَل على جمع نزُول ... وعَلى الْخيف خيام) بِحَق لَا بُد أَن المحبين تذوب ولسماء أَعينهم تهمي وتصوب لَو حملُوا جبال الأَرْض مَعَ كرّ الكروب كَانَ ذَلِك قَلِيلا فِي حب المحبوب لِابْنِ المعتز (رأى خضوعي فصد عني ... فازددت ذلا فزادتيها) (قلت لَهُ خَالِيا وعيني ... قد أحرق الدمع مَا يَليهَا) (هَل لي فِي الْحبّ من شَبيه ... قَالَ وأبصرت لي شَبِيها)

стр. 215

الْفَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ أخواني شمروا عَن سوق الدأب فِي سوق الْأَدَب واعتبروا بالراحلين وسلوا السَّلب قبل أَن يفوت الْغَرَض بِالْمرضِ إِن عرض فكأنكم بمبسوط الأمل قد انقبض وبمشيد المنى قد انْتقض (يَا سَاكن الدُّنْيَا تأهب ... وانتظر يَوْم الْفِرَاق) (وَاعد زادا للرحيل ... فَسَوف يحدى بالرفاق) (وإبك الذُّنُوب يَا دمع ... تنهل من سحب المآق) (يَا من أضاع زَمَانه ... أرضيت مَا يفني بباق) أَيْن عزائم الرِّجَال أَيْن صرائم الْأَبْطَال تَدعِي وتتوانى هَذَا محَال (اشتاقكم ويحول الْعَزْم دونكم ... فَادّعى بعدكم عني وَاعْتذر) (واشتكى خطرا بيني وَبَيْنكُم ... وَآيَة الشوق أَن يستصغر الْخطر) إِن هَمَمْت فبادر وَإِن عزمت فثابر وَاعْلَم أَنه لَا يدْرك المفاخر من رَضِي بالصف الآخر قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز خلقت لي نفس تواقة لم تزل تتوق إِلَى الْإِمَارَة فَلَمَّا نلتها تاقت إِلَى الْخلَافَة فَلَمَّا نلتها تاقت إِلَى الْجنَّة لأبي فراس (بدوت وَأَهلي حاضرون لأنني ... أرى ان دَارا لست من أَهلهَا قفر) (وَمَا حَاجَتي فِي المَال أبغي وفوره ... إِذا لم يفر عرضي فَلَا وفر الوفر) (وَقَالَ أصيحابي الْفِرَار أَو الردى ... فَقلت هما أَمْرَانِ أحلاهما مر)
следующие страницы →