← Акыда

Акыда · id 6942

المجلى في شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى

كاملة الكواري

Полный текст (344 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الخامس: قولهم: " إن إثبات صفات متغايرة مغايرة للموصوف يستلزم التعدد......." قول باطل مخالف للمعقول، والمحسوس فإنه لا يلزم من تعدد الصفات تعدد الموصوف فها هو الإنسان الواحد يوصف بأنه حي، سميع بصير، عاقل، متكلم إلى غير ذلك من صفاته ولا يلزم من ذلك تعدد ذاته. السادس: قولهم: " في الأسماء إن إثباتها يستلزم أن يكون متصفاً بمعنى الاسم فيقتضي أن يكون إثباتها تشبيهاً " جوابه: أن المعاني التي تلزم من إثبات الأسماء صفات لائقة بالله تعالى غير مستحيلة عليه، والمشاركة في الاسم، أو الصفة لا تستلزم تماثل المسميات والموصوفات. السابع: قولهم: " إن الإثبات يستلزم تشبيهه بالموجودات " جوابه: أن النفي - الذي قالوا به - يستلزم تشبيهه بالمعدومات على قياس قولهم وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات وحينئذ فإما أن يقروا بالإثبات فيوافقوا الجماعة، وإما أن ينكروا النفي كما أنكروا الإثبات فيوافقوا غلاة الغلاة من القرامطة والباطنية وغيرهم، وأما التفريق بين هذا وهذا فتناقض ظاهر ا. هـ من تقريب التدمرية للمؤلف. ثانياً: حكم تسمية البشر بأسماء الله سئل الشيخ ابن عثيمين عن ذلك وفيما يلي نص السؤال والجواب: ما حكم التسمية بأسماء الله مثل كريم وعزيز ونحوهما؟ التسمي بأسماء الله يكون على وجهين: الوجه الأول: وهو على قسمين: القسم الأول أن يحلى بـ " ال " ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله ، كما لو سميت أحداً بالعزيز والسيد والحكيم وما أشبه ذلك، فإن هذا لا يسمى به غير الله لأن " ال " هذه تدل على لمح الأصل وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم.

стр. 142

القسم الثاني: إذا قصد بالاسم معنى الصفة وليس محلى بـ " ال " فإنه لا يسمى به ولهذا غير النبي ﷺ كنية أبي الحكم التي تكنى بها، لأن أصحابه يتحاكمون إليه فقال النبي ﷺ " إن الله هو الحكم وإليه الحكم " ثم كناه بأكبر أولاده شريح فدل ذلك على أنه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظاً بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم فإنه يمنع، لأن هذه التسمية تكون مطابقة تماماً لأسماء الله فإن أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف لدلالتها على المعنى الذي تضمنه الاسم. الوجه الثاني: أن يتسمى بالاسم غير محلى بـ "ال" وليس المقصود به معنى الصفة فهذا لا بأس به مثل حكيم، ومن أسماء بعض الصحابة حكيم بن حزام الذي قال له النبي ﵊: " لا تبع ما ليس عندك " وهذا دليل على أنه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة فإنه لا بأس به. لكن في مثل جبار لا ينبغي أن يتسمى به وإن كان لم يلاحظ الصفة وذلك لأنه قد يؤثر في نفس المسمى فيكون معه جبروت وعلو واستكبار على الخلق فمثل هذه الأشياء التي قد تؤثر على صاحبها ينبغي للإنسان أن يتجنبها والله أعلم. ما حكم التسمي بأسماء الله تعالى مثل الرحيم والحكيم؟ يجوز أن يسمى الإنسان بهذه الأسماء بشرط ألا يلاحظ فيها المعنى الذي اشتقت منه بأن تكون مجرد علم فقط ومن أسماء أصحابه الحكم وحكيم بن حزام، وكذلك اشتهر بين الناس اسم عادل وليس بمنكر وأما إذا لوحظ فيه المعنى الذي اشتقت منه هذه الأسماء فإن الظاهر أنه لا يجوز لأن النبي ﷺ غير اسم أبي الحكم الذي تكني به لكون قومه يتحاكمون إليه، وقال النبي ﷺ عن الله هو الحكم وإليه الحكم، ثم كناه بأكبر اولاده شريح وقال له " أنت أبو شرح " وذلك أن هذه الكنية التي تكنى بها هذا الرجل لوحظ فيها معنى الاسم فكان هذا مماثلاً لأسماء الله ، لأن أسماء الله ليست مجرد أعلام بل هي أعلام من حيث دلالتها على

стр. 143

ذات الله وأوصاف من حيث دلالتها على المعنى الذي تتضمنه وأما أسماء غيره فإنها مجرد أعلام إلا أسماء النبي ﷺ فإنها أعلام وأوصاف وكذلك أسماء كتب الله فهي أعلام وأوصاف أيضاً اهـ. ويلاحظ أن الشيخ ابن عثيمين في السؤال الثاني جعل العبرة أن تكون الأسماء لمجرد العلمية وظاهره ولو كان محلى بأل خلافاً لما فصله في السؤال السابق. والذي عليه ظاهر الإطلاق في هذا الجواب هو ظاهر إطلاق اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الفتوى رقم ١١٨٦٥ هل يصح ما يأتي دليلاً على تحريم تسمية الخلق بأسماء الخالق؟ أ - حيث إن تسمية المخلوق بالاسم العلم (الله) ممنوعة، كانت تسمية المخلوق بأسماء الخالق الأخرى أيضاً ممنوعة إذ لا وجه للتفرقة بين أسماء الله تعالى؟ ب - من المعلوم في اللغة أن الجار والمجرور إذا سبق المعرفة أفاد القصر فملاحظ ذلك في قوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ فتفيد تسمية الآية قصر الأسماء الحسنى على الله وعدم جواز تسمية الخلق بها، فهل يصح هذا دليلاً؟ الجواب: ما كان من أسماء الله تعالى علم شخص كلفظ (الله) امتنع تسمية غير الله به لأن مسماه معين لا يقبل الشركة وكذا ما كان من أسمائه في معناه في عدم قبول الشركة كالخالق والبارىء فإن الخالق من يوجد الشيء على غير مثال سابق والبارىء من يوجد الشيء بريئا من العيب، وذلك لا يكون إلا من الله وحده فلا يسمى به إلا الله تعالى، أما ما كان له معنى كلي تتفاوت فيه أفراده من الأسماء والصفات كالملك، والعزيز، والجبار، والمتكبر، فيجوز تسمية غيره بها فقد سمى الله نفسه بهذه الأسماء وسمى بعض عباده بها مثال: قول تعالى ﴿قالت امرأة العزيز﴾ وقال: ﴿كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ إلى أمثال ذلك، ولا يلزم التماثل، لاختصاص كل مسمى بسمات تميزه عن غيره وبهذا يعرف الفرق بين

стр. 144

تسمية الله بلفظ الجلالة وتسميته بأسماء لها معان كلية تشترك أفرادها فيها فلا تقاس على لفظ الجلالة أما الآية ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ فالمراد منها قصر كمال الحسن في أسمائه تعالى لأن كلمة الحسنى اسم تفضيل وهي صفة للأسماء لا قصر مطلق أسمائه عليه تعالى كما في قوله تعالى: ﴿والله هو الغني الحميد﴾ فالمراد قصر كمال الغنى والحمد عليه تعالى لا قصر اسم الغني والحميد عليه فإن غير الله يسمى غنياً وحميداً س: إذا ثبت أن من أسماء الله تعالى ما يجوز تسمية الخلق بها فهل من أسماء الله تعالى مالا يجوز تسمية الخلق بها؟ وهل يدخل ضمن هذا المنع الرحمن والقيوم وهل هناك أسماء أخرى لا يجوز وصف الخلق بها؟ جـ: تقدم في جواب السؤال الثاني والثالث بيان الضابط مع أمثلة لما يجوز تسمية المخلوق به من أسماء الله تعالى وما لا يجوز وبناء على ذلك لا يجوز تسمية المخلوق بالقيوم لأن القيوم هو المستغني بنفسه عن غيره المفتقر إليه كل ما سواه وذلك مختص بالله لا يشركه فيه غيره قال ابن القيم ﵀ في النونية: - هذا ومن أوصافه القيوم احداهما القيوم قام بنفسه فالأول استغناؤه عن غيره **** **** **** والقيوم في أوصافه أمران والكون قام به هما الأمران والفقر من كل إليه الثاني وكذا لا يسمى المخلوق - بالرحمن - لأنه بكثرة استعماله اسماً لله تعالى صار علماً بالغلبة عليه مختصاً به كلفظ الجلالة فلا يجوز تسمية غيره به وسئلت اللجنة الدائمة في الفتوى رقم ٨٩١١ عن ذلك وفيما يلي نص السؤال والجواب: يسعدني أن أتحدث في رسالتي المتواضعة إلى سماحتكم فأنا أتحدث إلى واحد من أشهر الشخصيات الإسلامية في عالمنا الإسلامي وغيره أرجو أن يتسع صدركم الكبير لقراءة هذه السطور ولكم من الله جزيل الشكر والعرفان وجزاكم الله خيراً عنا ٠

стр. 145

(ذو الجلال والإكرام) اسم من أسماء الله الحسنى وهو تعظيم لله عن كل شيء وتنزيه له وقد قرأت لسماحتكم رسالة مرسلة إلى العاهل السعودي وكنتم قد بدأتموها بقولكم " جلالة الملك " ألستم معي في أن الجلالة لله وحده وأن الملك اسم من أسمائه الحسنى لا يجوز تسمية شخص بها أيا كانت صفته وشخصيته فنرجو إيضاح ذلك من سماحتكم حتى لا يقع المسلمون في إثم من جراء تنزيه الأشخاص بهذه الصفات التي اختصها الله لنفسه دون غيره اللهم إلا " رؤوف رحيم " صفة لسيدنا محمد ﷺ . وفي نفس الوقت تصادفت تحت يدي وأنا أتصفح في المجلة العربية في العدد (٨٩) منها رسالة شكر من الأستاذ / محمد النويصر رئيس المكتب الخاص للعاهل السعودي إلى القائمين على إخراج المجلة وهو يبدأ رسالته بقوله: (لقد تسلم جلالة مولاي حفظه الله خطابكم المرسل وبه أعداد المجلة ... ) الجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... . وبعد إن كثيراً من الأسماء مشتركة بين الله تعالى وبين غيره من مخلوقاته في اللفظ والمعنى الكلي الذهني فتطلق على الله بمعنى يخصه تعالى ويليق بجلاله سبحانه وتطلق على المخلوق بمعنى يخصه ويليق به، فيقال مثلاً: الله حليم، وإبراهيم الخليل ﵊ حليم، وليس حلم إبراهيم كحلم الله، والله رؤوف رحيم ومحمد ﷺ رؤوف رحيم وليس رأفة محمد ﷺ ورحمته كرأفة الله بخلقه ورحمته والله تعالى جليل كريم ذو الجلال والإكرام على وجه الإطلاق، وكل نبي كريم جليل، وليست جلالة كل نبي وكرمه كجلالة غيره من الأنبياء وكرمه ولا مثل جلال الله وكرمه بل لكل من الجلالة والكرم ما يخصه والله تعالى حي، وكثير من مخلوقاته حي، وليست حياتهم كحياة الله تعالى، والله سبحانه مولى رسوله محمد ﷺ وجبريل وصالح المؤمنين وليس ما لجبريل وصالح المؤمنين من ذلك مثل ما لله من الولاية والنصر لرسول الله ﷺ ... ..إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المذكورة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الثابتة عنه، ولا يلزم من

стр. 146

ذلك تشبيه المخلوق بالخالق في الاسم أو الصفة، وأسلوب الكلام، وما احتف به من القرائن يدل على الفرق بين ما لله من الكمال في أسمائه وصفاته وما للمخلوقات مما يخصهم من ذلك على وجه محدود يليق بهم أ. هـ وبهذا يتبين لنا أن حكم تسمية الخلق بأسماء الخالق فيه تفصيل عند اللجنة الدائمة للإفتاء: ١ - أن هناك أسماء خاصة لله لا يجوز أن يسمى غير الله به مثل: الله - لرحمن - الخالق - البارئ - القيوم، وضابط هذا النوع هو ما كان مسماه معيناً لا يقبل الشركة، أو ما كان في معنى عدم قبول الشركة كالخالق ونحوه. ٢ - أنه إذا قصد بالاسم معنى الصفة فإنه لا يجوز أن يسمى العبد سواء كان محل بألـ أو غير محلى. ٣ - أنه إذا لم يكن واحداً مما سبق فإنه يجوز أن يسمى به العبد ولو كان محلى بأل لأنه معنى كلي تتفاوت فيه أفراده كالملك والعزيز والجبار هذا ما كتبه المعاصرون في هذه المسألة أما الفقهاء السابقون من أصحاب المذاهب فإنهم قد تكلموا عن المسألة في كتاب الأيمان من كتب الفقه. ونظراً لكثرة الأقوال فيها فإنني سأقتصر على ذكر مذهب الحنابلة وسأشير إلى مراجع بقية المذاهب لمن أراد الاستزادة. ومذهب الحنابلة فيه تفصيل: ١ - هناك أسماء لا يسمى بها غير الله مثل: الله والقديم (١) الأزلي.

стр. 147

والأول الذي ليس قبله شيء، والأخر الذي ليس بعده شيء، وخالق الخلق، ورازق العالمين أو رب العالمين والعالم بكل شيء، ومالك يوم الدين ورب السماوات والأرض والرحمن والحي الذي لا يموت ٢ - هناك أسماء لا تختص بالله سواء أكانت محلاه بألـ أو غير محلاة مثل: الرحيم، العظيم، الرب، الرازق، الخالق، الحي، القوي، فهي من الأسماء المشتركة (١) ملاحظة: ما ذكرناه عن اسم الرحمن وأنه مختص بالله لا يسمى به غيره هو الصحيح من المذهب كما ذكر المرداوي في الإنصاف (١١/٤) ومشى عليه ابن قدامة في المغني (١٣/٤٥٢) . والقول الثاني أن الرحمن ليس مختصاً بالله بل يسمى به غيره وهو الذي مشى عليه ابن قدامة في المقنع وفي كتابه الهادي أو عمدة الحازم في زوائد أبي القاسم ص ٢٤٣ واختاره ابن عبدوس في تذكرته وجزم به أبو الخطاب في الهداية والسامري في المستوعب وابن الجوزي في المذهب الأحمد ص ١٢٩. وانظر المسألة في فقه الحنفية في: شرح فتح القدير (٥/٦٣) ، والبناية على الهداية للعيني (٦/١٤) ، وحاشية أبي السعود المسماة بفتح الله المعين على شرح الكنز لمنلامسكين (٢/٢٩٣) ، وبدائع الصنائع للكاساني (٤/١٣) والاختيار للموصلي (٤/٥٢) وانظر في عدم جواز التسمية بالحق إذا كان معرفاً وجوازه إذا كان منكراً في حاشية ابن عابدين (٥/٤٨٢) . وانظر المالكية في: منح الجليل لعليش (٣/٥) ، والشرح الصغير للدردير (٢/١٩٨) ،

стр. 148

والشافعية: مغني المحتاج للشربيني (٤/٣٢١) والأنوار الأعمال الأبرار للأردبيلي (٢/٢٦٣) ، والغرة البهية للشيخ زكريا النصارى في شرح منظومة ابن الوردي (١٠/٧٨) حيث يقول ابن الوردي: تحقيق ما لم يجب اليمين كالله والرحمن والإله لا إن نوى سواه كالرحيم والحق والخالق والجبار **** **** **** **** بذكر الاسم الخاص لا تديين وغالب وصفة لله والرب والعليم، والحكيم ورازق ومن صفات الباري ونختم حديثنا بما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري حيث قال: " والمعروف عند الشافعية والحنابلة وغيرهم من العلماء أن أسماء الله ثلاثة أقسام: أحدها: ما يختص بالله، كالجلالة، والرحمن، ورب العالمين. فهذا ينعقد به اليمين إذا أطلق، ولو نوى به غير الله. ثانياً: - ما يطلق عليه وعلى غيره، لكن الغالب إطلاقه عليه، وأنه يقيد في حق غيره بضرب من التقييد، كالجبار، والحق، والرب، ونحوها. فالحلف به يمين، فإذا نوى به غير الله فليس بيمين. ثالثها: ما يطلق في حق الله وفي حق غيره على حد سواء، كالحي، والمؤمن، فإن نوى به غير الله فليس بيمين، وإن نوى الله تعالى فوجهان ا. هـ وانظر منهج ابن حجر في العقيدة وبدائع الفوائد لابن القيم (١/١٦٤) . ثالثاً: ذكرنا أن من أنواع الإلحاد هو إنكار الأسماء أو الصفات، وكذلك تمثيل صفات الله بصفات خلقه وننقل نص فتوى الشيخ ابن عثيمين في هذه المسألة: - سئل الشيخ رعاه الله تعالى: عن أنواع التعطيل؟ فأجاب بقوله: - التعطيل نوعان: الأول: تعطيل تكذيب وجحد، وهذا كفر. ومثاله رجل قال إن الله

стр. 149

لم يستو على العرش. فهذا جحود وتكذيب، لأن الله تعالى يقول ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] ومن كذب خبر الله فهو كافر. الثاني: تعطيل تأويل، وهذا هو معترك الخلاف بين العلماء هل يحكم على من عطل تأويلاً بالكفر أو لا؟ ومثاله رجل أثبت أن الله على العرش استوى لكن قال إن معناه استولى فهذا تعطيل تأويل لا يكفر به الإنسان، ولهذا لا نكفر من فسر الاستواء بالاستيلاء. وهذا النوع في الحقيقة فيه تفصيل: فأحياناً يكون الإنسان مبتدعاً غير كافر، وأحياناً يكون مبتدعاً كافراً حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية في ذلك. - سئل الشيخ: ما حكم إنكار شيء من أسماء الله تعالى أو صفاته؟ فأجاب حفظه الله بقوله: الإنكار نوعان: النوع الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحداً أنكر اسما من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول ليس لله يد، فهو كافر بإجماع المسلمين، لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة. النوع الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها ولكن يؤولها وهذا نوعان: الأول: أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية، فهذا لا يوجب الكفر. الثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية، فهذا موجب للكفر، لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار تكذيباً، مثل إن يقول: ليس لله يد حقيقة، ولا معنى النعمة، أو القوة، فهذا كافر، لأنه نفاها نفياً مطلقاً فهو مكذب حقيقة، ولو قال في قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] المراد بيديه السماوات والأرض فهو كافر لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية، فهو منكر مكذب ولكن إن قال: المراد باليد

стр. 150

النعمة أو القوة فلا يكفر، لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة قال الشاعر: وكم لظلام الليل عندك من يد ... تحدث أن المانوية تكذب من " يد " أي: من نعمة، لأن المانوية يقولون: إن الظلمة لا تحدث الخير، وإنما تحدث الشر. - وسئل الشيخ: ما حكم من يعتقد أن صفات الخالق مثل صفات المخلوق؟ فأجاب بقوله: الذي يعتقد أن صفات الخالق مثل صفات المخلوقين ضال، ذلك أن صفات الخالق لا تماثل صفات المخلوقين بنص القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] ولا يلزم من تماثل الشيئين في الاسم أو الصفة أن يتماثلا في الحقيقة هذه قاعدة معلومة. أليس للآدمي وجه. وللبعير وجه؟ اتفقا في الاسم ولكن لم يتفقا في الحقيقة وللجمل يد وللذرة يد، فهل اليدان متماثلاتان؟ الجواب لا إذن لماذا لا تقول لله وجه، ولا يماثل أوجه المخلوقين. ولله يد ولا تماثل أيدي المخلوقين؟! قال الله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] وقال: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ [الأنبياء: ١٠٤] هل هناك يد من أيدي المخلوقين تكون كهذه اليد؟ لا. إذن يجب أن نعلم أن الخالق لا يماثل المخلوق، لا في ذاته، ولا في صفاته ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ ولذلك لا يجوز أبداً أن تتخيل كيفية صفة من صفات الله، أو تظن أن صفات الله كمثل صفات المخلوق. ****

стр. 151

قواعد في للأسماء الحسنى إضافة على ما ذكره المؤلف القاعدة الثامنة: الأسماء المشتقة من صفة واحدة لا تعد كلها اسماً واحداً، بل كل صيغة من صيغ الاسم يعد اسماً مستقلاً، فصفة (القدرة) ، اشتق منها عدة أسماء مثل (القادر) (القدير) (المقتدر) وصفة (العلو) اشتق منها أسماء مثل (العلي) ، (الأعلى) ، (المتعال) وكذلك صفة (الكرم) اشتق منه أسماء مثل (الكريم) ، (الأكرم) ... ..الخ فالقادر اسم، والقدير اسم، والمقتدر اسم، مع أنها كلها مشتقة من صفة واحدة، لأن بعضها يزيد بخصوصية عن الآخر، وقد وقع الاتفاق على أن اسمي (الرحمن) ، و (الرحيم) اسمان، مع كونهما مشتقين من صفة واحدة، فتغير مباني وألفاظ الأسماء يغير المعنى، وإذا تغير المعنى صار اسماً مستقلاً بذاته. انظر أسماء الله للغصن ص ١٣٤، ومنهج ابن حجر في العقيدة (١/٥٢٦) القاعدة الأسماء المقترنة، التي لا يصح فيها إطلاق اسم منها دون الآخر، مثل اسمي (القابض، الباسط) ، واسمي (المقدم، المؤخر) ، فهذه الأسماء تعد اسمين، لأن كل اسم منها يحمل معنى غير الآخر، لكنها تكون كالاسم الواحد في المعنى، فلا يصح إفراد اسم عن الآخر في الذكر، لأن الاسمين إذا ذكرا معاً دل على عموم قدرته وتدبيره، وأنه لا رب غيره، وإذا ذكر أحدهما لم يكن فيه هذا المدح، والله له الأسماء الحسنى، ليس له مثل السوء قط. فلو قلت يا ضار، يا نافع يا مميت وأخبرت بذلك لم تكن مثنياً عليه ولا حامداً له حتى تذكر مقابلها وإلى هذا أشار ابن القيم في النونية: هذا ومن أسمائه ما ليس يفرد ... بل يقال إذا أتى بقران وهي التى تدعى بمزدوجاتها ... إفرادها خطر على الإنسان إذ ذاك موهم نوع نقص جل رب ... العرش عن عيب وعن نقصان كالمانع المعطي وكالضار الذى ... هو نافع وكماله الأمران ونظير هذا القابض المقرون باسم ... الباسط اللفظان مقترنان وكذا المعز مع المذل وخافض ... مع رافع لفظان مزدوجان وحديث إفراد اسم منتقم فموقوفك ... ما قد قال ذو العرفان ما جاء في القرآن غير مقيد ... بالمجرمين وجا بذو نوعان وانظر تعليق ابن الوزير في إيثار الحق ص ١٧٤

стр. 152

القاعدة التاسعة: يجوز الإخبار عن الله بما لا يتضمن نقصاً كالقديم وواجب الوجود والذات وأنه بائن من خلقه إذ باب الإخبار أوسع من باب الأسماء وقد سبق ذلك. **** القاعدة عشرة: أسماء الله قديمة غير مخلوقة: أسماء الله هي أوصافه التي وصف بها نفسه، ووصفه من كلامه، وكلامه غير مخلوق، فالأسماء الحسنى إذاً غير مخلوقة ومما يدل على أن الأسماء الحسنى من كلام الله قول الرسول ﷺ : (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك) وقد تقدم تخريج الحديث ويقول ابن القيم في شفاء العليل ص ٤٧٢: وقد دل الحديث على أن أسماء الله غير مخلوقة بل هو الذي يتكلم بها وسمى بها نفسه ولهذا لم يقل: بكل اسم خلقته لنفسك ولو كانت مخلوقة لم يسأله بها فإن الله لا يقسم عليه بشيء من خلقه فالحديث صريح في أن أسماء الله ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم ا. هـ ولا يعترض على هذا بأن بعض الأسماء لم ترد في القرآن وإنما وردت في السنة فقط وهي من ألفاظ الرسول ﷺ ، لأنا نقول إن الحديث المتقدم دل على أن المسمي هو الله سواء كان هذا الاسم في كتابه أو علمه أحداً من خلقه، والذي ورد في السنة فقط هو من النوع الذي علمه الله

стр. 153

للرسول ﷺ والتسمية على هذا تكون من كلام الله ابتداء لا من كلام ولا من تسمية من بلغ وأدى وأهل السنة إذا قالوا: إن الأسماء الحسنى تابعة للذات لا يريدون بهذا أن الأسماء من صفات ذاته فحسب، وإنما يريدون أنها من صفات ذاته وقد تعلقت بها مشيئته، أي: أنه سمى نفسه بمشيئته وقدرته وقد قال في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية: " والذين وافقوا السلف على أن كلامه غير مخلوق وأسماءه غير مخلوقة يقولون: الكلام والأسماء من صفات ذاته، لكن هل يتكلم بمشيئته وقدرته، ويسمى نفسه بمشيئته وقدرته؟ هذا فيه قولان! النفي هو قول ابن كلاب ومن وافقه، والإثبات قول أئمة الحديث والسنة " وممن نص على أن الأسماء الحسنى من كلام الله شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه قال: " والذي كان معروفاً عند أئمة السنة أحمد وغيره: الإنكار على الجهمية الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة فيقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق، وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول، لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق، بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء " فعلى هذا يكون الإمام أحمد ممن يرى أن الأسماء من كلام الله، ونحوه كلام الإمام الدارمي الذي بين أن قول المريسي بأن الأسماء الحسنى مخلوقة أصله قول الجهم بأن القرآن مخلوق وهماَ من جملة الكلام، فرد عليهما قولهما إن كلام الله مخلوق ومنه القرآن والأسماء الحسنى. وعلى أن الأسماء الحسنى غير مخلوقة مضى جماعة العلماء وأئمة السنة: قال الإمام الشافعي: " من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة لأن اسم الله غير مخلوق " وقال ابن هانئ: " سمعت أحمد بن حنبل - وهو مختف عندي - فسألته عن القرآن فقال: من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر "

стр. 154

وقال الإمام الدارمي: " وفيما ذكرنا - (أي من الأدلة) - بيان بين ودلالة قاطعة ظاهرة على إلحاد هؤلاء الملحدين في أسمائه المبتدعين أنها مخلوقة ... . " ا. هـ. وقد صرح الأئمة بتكفير من قال بخلق الأسماء الحسنى وذلك لما ظهرت بدع الجهمية في القول بخلق القرآن فكان قولهم بخلق الأسماء امتداداً لقولهم بخلق القرآن، لأنهما من كلام الله تعالى. وفي هذا المعنى يقوم الإمام الدارمي: " فهذا الذي ادعوا في أسماء الله أصل كبير من أصول الجهمية التي بنوا عليها محنتهم " وقال قبلها: " وقد كان لإمام المريسي في أسماء الله مذهب كمذهبه في القرآن كان القرآن عنده مخلوقاً من قول البشر " وقال الإمام إسحاق بن راهوية: " أفضوا (- أي الجهمية-) إلى أن قالوا: أسماء الله مخلوقة لأنه كان ولا اسم وهذا الكفر المحض اهـ من كتاب منهج أهل السنة لخالد بن نور (٢/٣٩٦) . وبهذه القاعدة نعرف أن أسماء الله لا يقال لها أنها غيره كما هو رأى الجهمية والمعتزلة فإنهم قالوا أن أسماء الله غير الله وكل ما هو غير الله فإنه مخلوق. ولا يقال أن أسماء الله هي عين المسمى أو هي هو بمعنى أنها هي نفس ذاته كما هو قول الأشاعرة والماتريدية. وقد فصل ابن أبي العز في المسألة فقال ص ٨٠: وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى وغيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه: فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أو على المسمى أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك - فهذا المراد به المسمى نفسه وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى ونحو ذلك فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال:: فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق وإن أريد

стр. 155

أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسماً أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى. وكذلك مسألة الصفة: هل هي زائدة على الذات أم لا؟ لفظها مجمل، وكذلك لفظ الغير فيه إجمال فقد يراد به ما ليس هو إياه وقد يراد به ما جاز مفارقته له ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره، ولا أنه ليس غيره لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذ كان لفظ الغير فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل. ١ - فإن أريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها، منفصلة عن الصفات الزائدة عليها - فهذا غير صحيح. ٢ - وإن أريد به إن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة فهذا حق ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها وإنما يفرض الذهن ذاتاً وصفة كلاً وحده ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال ولو لم يكن إلا صفة الوجود، فإنها لا تنفك عن الموجود وإن كان الذهن يفرض ذاتاً ووجوداً يتصور هذا وحده وهذا وحده لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج. وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره، هذا له معنى صحيح وهو: أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها وليست غير الموصوف بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد. فإذا قلت: أعوذ بالله، فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه. وإذا قلت: أعوذ بعزة الله فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى ولم أعذ بغير الله ٠

стр. 156

وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات، فإن " ذات " في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم إلى غير ذلك من الصفات، فذات كذا بمعنى صاحبة كذا: تأنيث ذو، هذا أصل معنى الكلمة، فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن كان الذهن قد يفرض ذاتاً مجردة عن الصفات كما يفرض المحال. *****

стр. 157

القاعدة الحادية عشرة: من أسماء الله ما يكون دالاً على عدة صفات: وقد سبق توضيح ذلك عند شرح كلام المؤلف في القاعدة الأولى. القاعدة الثانية عشر: أسماء الله وصفاته مختصة به واتفاق الأسماء لا يوجب تماثل المسميات وقد وضحنا ذلك في حاشية القاعدة السابعة ص ١٨٢. ******* ** *

стр. 158

الفصل الثاني

стр. 159

الفصل الثاني قواعد في صفات الله تعالى القاعدة الأولى صفات الله كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه (١) كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والرحمة والعزة والحكمة والعلو والعظمة وغير ذلك (٢) وقد دل على هذا (٣) السمع والعقل والفطرة. - أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ [النحل: ٦٠]

стр. 160

- والمثل الأعلى هو الوصف الأعلى (١) وأما العقل: فوجهه أن كل موجود حقيقة (٢) فلابد أن تكون له صفة (٣) إما صفة كمال وإما صفة نقص (٤) والثاني (٥) باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة ولهذا (٦) أظهر الله تعالى بطلان إلوهية الأصنام باتصافها بالنقص والعجز فقال تعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له (٧) إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾ (٨) [الأحقاف: ٥] . وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ (٩) [النحل: ٢٠، ٢١] . وقال

стр. 161

عن إبراهيم وهو يحتج على أبيه ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً﴾ (١) [مريم: ٤٢] وعلى قومه: ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ (٢) [الأنبياء: ٦٦، ٦٧] ثم إنه قد ثبت بالحس (٣) والمشاهدة (٤) أن للمخلوقات صفات كمال

стр. 162

وهي من الله تعالى فمعطي الكمال أولى به (١) *وأما الفطرة: فلأن النفوس السليمة (٢) مجبولة (٣) مفطورة (٤) على محبة الله وتعظيمه وعبادته (٥) . وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من علمت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته؟ وإذا كانت الصفة نقصاً لا كمال فيها فهي ممتنعة (٦) في حق الله تعالى كالموت والجهل والنسيان والعجز والعمى والصمم ونحوها (٧) لقوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨]

стр. 163

وقوله عن موسى: ﴿في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ (١) [فاطر: ٤٤] وقوله: ﴿وما كان الله ليعجزه (٢) من شيء في السموات ولا في الأرض﴾ [طه: ٥٢] وقوله: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع (٣) سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ [الزخرف: ٨٠] وقال النبي ﷺ في الدجال: إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور " (٤) وقال: " أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً " (٥)

стр. 164

وقد عاقب الله تعالى الواصفين له بالنقص كما في قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة (١) غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا (٢) بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ [المائدة: ٦٤] وقوله: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾ (٣) [آل عمران: ١٨١] ونزه نفسه عما يصفونه به من النقائص فقال سبحانه: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين (٤) والحمد لله رب العالمين﴾ [الصافات: ١٨٠-١٨٢] وقال تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون﴾ (٥) [المؤمنون: ٩١]

стр. 165

وإذا كانت الصفة كمالاً في حال ونقصاً في حال لم تكن جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق فلا تثبت له إثباتاً مطلقاً ولا تنفى عنه نفياً مطلقاً بل لابد من التفصيل فتجوز في الحال التي تكون كمالاً وتمتنع في الحال التي تكون نقصاً وذلك كالمكر والكيد والخداع (١) ونحوها فهذه الصفات تكون كمالاً إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد وتكون نقصاً في غير هذه الحال (٢) ولهذا لم يذكرها الله تعالى

стр. 166

من صفاته على سبيل الإطلاق وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها كقوله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠] وقوله: ﴿إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً﴾ [الطارق ١٥، ١٦] وقوله: ﴿والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين﴾ [الأعراف: ١٨٢-١٨٣] وقوله: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢] وقوله: ﴿قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزيء بهم﴾ (١) [البقرة: ١٤، ١٥] ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه فقال تعالى: ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم﴾ [الأنفال: ٧١] فقال: ﴿فأمكن منهم﴾ ولم يقل: فخانهم لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان وهي صفة ذم مطلقاً (٢) وبذا عرف أن قول بعض العوام: " خان الله من يخون " منكر فاحش يجب النهي عنه. ملحق القاعدة الأولى ذكرنا في الحاشية على القاعدة الأولى أننا سنفصل بعض المسائل وهي: ١ - معنى المثل الأعلى. ٢ - قياس الأولوية. ٣ - تفسير المكر والكيد والخداع. أولاً: معنى المثل الأعلى يطلق المثل على عدة أمور: ١ - تشبيه شيء بشيء لوجود عنصر تشابه أو تماثل بينهما.

стр. 167

٢ - المثل بمعنى النموذج من ذي أفراد متعددة لنوع من الأنواع أو عمل من الأعمال أو سنة من سنن الله نظراً إلى التشابه الموجود بين أفراد النوع الواحد ٣ - تطلق كلمة المثل ويراد منها وصف الشيء كالآية التي ذكرها المؤلف والآية التي جئنا بها في الحاشية. انظر أمثال القرآن للميداني ص ١٩ وما بعده، والأمثال في القرآن للدكتور محمد جابر العلواني ص ٢٥ وما بعده، وأمثال الحديث للدكتور عبد المجيد محمود ص ٧٩، وأمثال الحديث للرامهرمزي طبعة الدار السلفية في بومباي. وأما المثل الأعلى ففيه خمسة أقوال: - الأول: أن المثل الأعلى هو كلمة الإخلاص لا إله إلا الله. - الثاني: أنه الإخلاص والتوحيد. - الثالث: أنه ما ضربه الله لنفسه من الأمثال كقوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ [النور: ٣٥] . - الرابع: أنه هو الأطيب والأفضل والأحسن والأجمل وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله إلا الله وهو قول إمام المفسرين ابن جرير الطبرى. - الخامس: أنه الصفة العليا، والمثل كثيراً ما يرد بمعنى الصفة وقد رجح هذا القول شمس الدين ابن القيم فقال: (المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمى، والخبر عنها وذكرها وعبادة الله بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه بها) . انظر: مختصر الصواعق للموصلي ص ١٦، وشرح الطحاوية ص ٩٦ والقواعد الكلية لليربكان ص ٢٩٣. ثانياً: قياس الأولوية ذكرنا في الملحق أن القاعدة التي ذكرها المؤلف وهي أن للمخلوق

стр. 168

صفات كمال وهي من الله فمعطي الكمال أولى يسمى بقياس الأولوية وذلك أن القياس ثلاثة أنواع كما ذكر المؤلف في شرح الواسطية (١/٩٨) : القياس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قياس شمول، وقياس تمثيل، وقياس أولوية فهو لا يقاس بخلقه قياس تمثيل ولا قياس شمول. ١ - قياس الشمول: هو ما يعرف عندنا بالعام الشامل لجميع أفراده بحيث يكون كل فرد منه داخلاً في مسمى ذلك اللفظ ومعناه فمثلاً إذا قلنا الحياة فإنه لا تقاس حياة الله تعالى بحياة الخلق لأن الكل يشمله اسم " حي ". ٢ - قياس تمثيل: بمعنى أن نجعل ما يثبت للخالق مثل ما يثبت للمخلوق. ٣ - قياس الأولوية: وهذا يقول العلماء أنه مستعمل في حق الله لقوله تعالى: " ولله المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠] بمعنى كل صفة كمال فلله تعالى أعلاها السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة والحكمة وما أشبهها موجودة في المخلوقات لكن لله أعلاها وأكملها ولهذا أحياناً نستدل بالدلالة العقلية من زاوية القياس بالأولى فمثلاً نقول: العلو صفة كمال في المخلوق فإذا كان صفة كمال في المخلوق فهو في الخالق من باب أولى وهذا دائماً نجده في كلام العلماء. إذاً: يمتنع القياس بين الله وبين الخلق للتباين بينهما وإذا كنا في الأحكام لا نقيس الواجب على الجائز أو الجائز على الواجب ففي باب الصفات بين الخالق والمخلوق من باب أولى. لو قال لك قائل: الله موجود والإنسان موجود وقال وجود الله كوجود الإنسان بالقياس فنقول لا يصح لأن وجود الخالق واجب ووجود الإنسان ممكن. فلو قال: أقيس سمع الخالق على سمع المخلوق نقول: لا يمكن، سمع الخالق واجب لا يعتريه نقص وهو شامل لكل شيء وسمع الإنسان ممكن إذ يجوز أن يولد الإنسان أصم والمولود سميعاً يلحقه نقص السمع

стр. 169

وسمعه محدود إذاً: لا يمكن أن يقاس الله بخلقه فكل صفات الله لا يمكن أن تقاس بصفات خلقه لظهور التباين العظيم بين الخالق وبين المخلوق ا. هـ وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (٢/٤٧٥) : كل كمال ثبت للمخلوق غير مستلزم للنقص فخالقه ومعطيه إياه أحق بالاتصاف به وكل نقص في المخلوق فالخالق أحق بالتنزه عنه كالكذب والظلم والسفه والعيب بل يجب تنزيه الرب تعالى عن النقائص والعيوب مطلقاً وإن لم يتنزه عنها بعض المخلوقين ا. هـ ويعبر عن هذه القاعدة بأكثر من صيغة: - الأولى: أن يقال: إذا كانت نفس المخلوق وهو محدثة ناقصة متصفة بأنها حية عالمة قادرة سميعة بصيرة فإن الرب المعبود الأول والآخر والظاهر والباطن أولى بأن يكون حياً عالماً قادراً سميعاً بصيراً. - الثانية: أن يقال: إذا كان سلب الصفات مثل الحياة والعلم والسمع والبصر يعتبر نقصاً في المخلوق المحدث فلأن يعتبر ذلك نقصاً في الخالق أولى. - الثالثة: أن يقال: إذا كانت الغفلة عيباً ونقصاً في المخلوق المربوب الناقص بذاته فلأن تكون نقصاً في حق الخالق المدبر الغني بذاته أولى. بقى أن نذكر أمراً مهماً في هذه القاعدة وهو أنه يشترط في الكمال الثابت بقياس الأولى: ١ - كونه كمالاً وجودياً إذ لا كمال في العدم المحض. ٢ - كونه ممكن الوجود في خارج الذهن إذ ما ليس كذلك فهو في حكم العدم إذ المجردات العقلية لا وجود لها في الخارج. ٣ - أن يكون لا نقص فيه بوجه من الوجوه فإن كان فيه نقص لم ينسب إلى رب العالمين كالنوم والأكل فإنه كمال في الإنسان لكنه لا ينسب إلى الله لما يستلزمه من عدم كمال الحياة. ٤ - أن يكون غير مسلتزم للعدم فإن استلزمه لم يوصف به كالنوم فإنه مستلزم لعدم الحياة ا. هـ من القواعد الكلية للأسماء والصفات للبريكان ٠

стр. 170

وقال شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل (١/٣٠) : ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب كما استعمل نحوها الإمام أحمد، ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام وبمثل ذلك جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد ونحو ذلك. وقال شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية (٢/٥٤٣) ثم احتج الإمام أحمد بحجة أخرى من الأقيسة العقلية قال: فمن ذلك: قال الإمام أحمد: " ووجدنا كل شيء أسفل منه مذموماً يقول الله جل ثناؤه: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ وقال: ﴿وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلها تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين﴾ " ا. هـ وهذه الحجة من باب (قياس الأولى) وهو أن السفل مذموم في المخلوق حيث جعل الله أعداءه في أسفل سافلين وذلك مستقر في فطر العباد، حتى إن أتباع المضلين طلبوا أن يجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين وإذا كان هذا مما ينزه ويقدس عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق فالرب تعالى أحق أن ينزه ويقدس عن أن يكون في السفل أو يكون موصوفاً بالسفل هو أو شيء منه أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه بل هو العلي الأعلى بكل وجه ا. هـ وذكر شيخ الإسلام في كتابه المذكور أمثلة أخرى مهمة على هذه القاعدة وأتى بفوائد تستحق الرحلة إليها إلى أبعد مكان فلتطلب من مكانها. ثالثاً: تفسير المكر والكيد والخداع: سئل الشيخ ابن عثيمين هل يوصف الله بالمكر؟ وهل يسمى به؟ فأجاب: لا يوصف الله تعالى بالمكر إلا مقيداً فلا يوصف الله تعالى به وصفاً مطلقاً قال الله تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾

стр. 171

ففي هذه الآية دليل على أن لله مكراً والمكر هو التوصل إلى إيقاع الخصم من حيث لا يشعر ومنه جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري " الحرب خدعة " فإن قيل: كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره أنه مذموم؟ قيل: إن المكر في محله محمود يدل على قوة الماكر، وأنه غالب على خصمه ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق فلا يجوز أن تقول " إن الله ماكر " وإنما تذكر هذه الصفة في مقام ويكون مدحاً مثل قوله تعالى: ... ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ وقوله ﴿ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون﴾ ومثل قوله تعالى ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ ولا تنفى عنه هذه الصفة على سبيل الإطلاق بل أنها في المقام التي تكون مدحاً يوصف بها، وفي المقام التي لا تكون مدحاً لا يوصف بها. وكذلك لا يسمى الله به فلا يقال: إن من أسماء الله الماكر والمكر من الصفات الفعلية لأنها تتعلق بمشيئة الله سبحانه. ويقول الشيخ ابن عثيمين في شرح الواسطية (١/٢٩٠) فإن قلت: ما هو تعريف المكر والكيد والمحال؟ فإن تعريفه عند أهل العلم: أنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم يعنى أن توقع بخصمك بأسباب خفية ما يدرى عنها هذا هو الكيد وهو في محله صفة كمال وفي غير محله صفة نقص لكنه في غير محله له اسم آخر وهو الخيانة ويذكر أن على بن أبي طالب ﵁ لما بارز عمرو بن ود والفائدة من المبارزة أنه إذا غلب الذي منا انكسرت قلوب الآخرين قالوا: هذا صاحبنا الذي اخترناه للمبارزة وهو أشجعنا غلب. لا شك إن قلوبهم تنكسر وتضعف شوكتهم فلما بارزه عمرو بن ود وخرج صرخ على: ما خرجت لأبارز رجلين، هنا عمرو بن ود التفت وظن أن هناك واحداً خرج معه فلما التفت ضربه على ﵁ على رقبته حتى أطاح برأسه!

стр. 172

هذا خداع لكنه جائز ويحمد عليه لأنه في موضعه فإن هذا الرجل ما خرج ليكرم على بن أبي طالب ويهنئه ولكنه خرج ليقتله فقال على: أنا عندي ما هو أعظم من قتلك ففعل هذه الفعلة المهم: أن المكر والكيد والخداع في محله مدح. الخلاصة: أن نقول: إن المكر والكيد والخداع والمحال من صفات الله الفعلية التي لا يوصف بها على سبيل الإطلاق لأنها تكون مدحاً في حال وذماً في حال. يوصف بها حين تكون مدحاً ولا يوصف بها إذا لم تكن مدحاً فلا نقول: " الله خير الماكرين " " خير الكائدين " وإنما نقول: " الله ماكر بمن يمكر به خادع لمن يخادعه " والاستهزاء من هذا الباب لا يصح أن نخبر عن الله بأنه مستهزئ على الإطلاق لأن الاستهزاء نوع من اللعب ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الدخان: ٣٨] لكن في مقابلة من يستهزئ به يكون كمالاً ا. هـ بتصرف. ********* *** *

стр. 173

القاعدة الثانية باب الصفات أوسع من باب الأسماء وذلك لأن كل اسم متضمن لصفة كما سبق في القاعدة الثالثة من قواعد الأسماء ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى وأفعاله لا منتهى لها كما أن أقواله لا منتهى لها قال الله تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم﴾ (١) [لقمان: ٢٧] .

стр. 174

ومن أمثلة ذلك أن من صفات الله تعالى المجيء والإتيان والأخذ والإمساك والبطش (١) إلى غير ذلك من الصفات (٢) التي لا تحصى كما قال تعالى: ﴿وجاء ربك﴾ (٣) [الفجر: ٢٢] وقال: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ (٤) [البقرة: ٢١٠] وقال: ﴿فأخذهم (٥) الله بذنوبهم﴾ [آل عمران: ١١] وقال: ﴿ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه﴾ (٦) [الحج: ٦٥] وقال: ﴿إن بطش ربك لشديد﴾ (٧) [البروج: ١٢] وقال: ﴿يريد الله

стр. 175

بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (١) [البقرة: ١٨٥] وقال النبي ﷺ : " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا " (٢) فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد ولا نسميه بها فلا نقول إن من أسمائه: الجائي والآتي والآخذ والممسك والباطش والمريد والنازل ونحو ذلك وإن كنا نخبر بذلك عنه ونصفه به (٣) .

стр. 176

القاعدة الثالثة صفات الله تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية - فالثبوتية: ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه كالحياة والعلم والقدرة والاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا والوجه واليدين ونحو ذلك (١) . - فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة (٢) على الوجه اللائق به بدليل السمع والعقل. - أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾ (٣) [النساء: ١٣٦] فالإيمان بالله يتضمن الإيمان بصفاته، والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله يتضمن الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله، وكون محمد ﷺ رسوله يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به عن مرسله وهو الله

стр. 177

عز وجل. - وأما العقل: فلأن الله تعالى أخبر بها عن نفسه وهو أعلم بها من غيره وأصدق قيلا وأحسن حديثاً من غيره فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد فإن التردد في الخبر إنما يتأتى حين يكون الخبر صادراً ممن يجوز عليه الجهل أو الكذب أو العي (١) بحيث لا يفصح بما يريد وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حق الله فوجب قبول خبره على ما أخبر به. وهكذا نقول فيما أخبر به النبي ﷺ عن الله تعالى فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربه وأصدقهم خبراً وأنصحهم إرادة وأفصحهم بياناً (٢) فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه. والصفات السلبية: ما نفاها الله سبحانه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ وكلها صفات نقص في حقه كالموت والنوم والجهل والنسيان والعجز والتعب. فيجب نفيها عن الله تعالى لما سبق مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه (٣) لأن النفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال وذلك لأن:

стр. 178

- النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلاً عن أن يكون كمالاً. - ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالاً كما لو قلت: الجدار لا يظلم (١) . - وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصاً (٢) كما في قول الشاعر: قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل وقول لآخر: لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب*ليسوا من الشر في شيء وإن هانا (٣) مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨] فنفى الموت عنه يتضمن كمال حياته. مثال آخر: قوله تعالى: ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩] نفى الظلم عنه يتضمن كمال عدله. مثال ثالث: قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض﴾ [فاطر: ٤٤] فنفى العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته ولهذا قال بعده: ﴿إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤٤] لأن العجز سببه إما الجهل (٤) بأسباب الإيجاد وإما قصور القدرة عنه فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السموات ولا في الأرض

стр. 179

وبهذا المثال علمنا أن الصفة السلبية قد تتضمن أكثر من كمال (١) . ملحق القاعدة الثالثة ذكرنا أننا سنتكلم في الملحق عن بعض المسائل وهي: ١ - الصفات السلبية التي ذكرها ابن القيم. ٢ - تقسيم الصفات عند المتكلمين ومعنى الصفة السلبية عند الأشاعرة. ٣ - تحقيق بيتين ذكرهما المؤلف. أولاً: الصفات السلبية تكلم الإمام ابن القيم في النونية عن أقسامها فقال ص ٢٣٨ من طبعة العمير: فاسمع إذاً توحيد رسل الله ثم ... اجعله داخل كفة الميزان مع هذه الأنواع وانظر أيها ... أولى لدى الميزان بالرجحان توحيدهم نوعان قولي وفعلي ... كلا نوعيه ذو برهان فالأول القولي ذو نوعين ... أيضاً في كتاب الله موجودان إحداهما سلب ذا نوعان ... أيضاً في كتاب الله مذكوران سلب النقائص والعيوب جميعها ... عنه هما نوعان معقولان سلب لمتصل ومنفصل هما ... نوعان معروفان أما الثاني سلب الشريك مع الظهير مع ... الشفيع بدون إذن المالك الديان وكذلك سلب الزوج والولد الذي ... نسبوا إليه عابدو الصلبان

стр. 180

وكذاك نفي الكفء أيضاً والولي ... لنا سوى الرحمن ذي الغفران والأول التنزيه للرحمن عن ... وصف العيوب وكل ذي نقصان كالموت والإعياء والتعب الذي ... ينفي اقتدار الخالق المنان والنوم والسنة التي هي أصله ... وعزوب شيء عنه في الأكوان وكذلك العبث الذي تنفيه حكمته ... وحمد الله ذي الإتقان وكذاك ترك الخلق إهمالاً سدى ... لا يبعثون إلى معاد ثان كلا ولا أمر ولا نهى عليهم ... من إله قادر ديان وكذاك ظلم عباده وهو الغني ... فما له والظلم للإنسان وكذاك غفلته تعالى وهو علام ... الغيوب فظاهر البطلان وكذلك النسيان جل إلهنا ... لا يعتريه قط من نسيان وكذاك حاجته إلى طعم ورزق ... وهو رزاق بلا حسبان هذا وثاني نوعي السلب الذي ... هو أول الأنواع في الأوزان تنزيه أوصاف الكمال له عن ... التشبيه والتمثيل والنكران لسنا نشبه وصفة بصفاتنا ... إن المشبه عابد الأوثان كلا ولا نخليه من أوصافه ... إن المعطل عابد البهتان من مثل الله العظيم بخلقه ... فهو النسيب لمشرك نصراني أو عطل الرحمن من أوصافه ... فهو الكفور وليس ذا إيمان ويقول الشيخ عبد العزيز السلمان في الأسئلة والأجوبة على الواسطية ص ١٣: ما ينزه عنه الله ينقسم إلى قسمين متصل ومنفصل مثال المتصل كالنوم والإعياء والتعب واللغوب والموت والجهل والظلم والغفلة والنسيان وعن احتياجه إلى طعم ورزق وضابط هذا القسم ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ في كل ما يضاد الصفات الكاملة. والقسم الثاني: المنفصل وضابطه: تنزيهه عن أن يشاركه أحد من
следующие страницы →