← Акыда

Акыда · id 6942

المجلى في شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى

كاملة الكواري

Полный текст (344 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

القاعدة الثالثة صفات الله تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية - فالثبوتية: ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه كالحياة والعلم والقدرة والاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا والوجه واليدين ونحو ذلك (١) . - فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة (٢) على الوجه اللائق به بدليل السمع والعقل. - أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾ (٣) [النساء: ١٣٦] فالإيمان بالله يتضمن الإيمان بصفاته، والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله يتضمن الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله، وكون محمد ﷺ رسوله يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به عن مرسله وهو الله

стр. 177

عز وجل. - وأما العقل: فلأن الله تعالى أخبر بها عن نفسه وهو أعلم بها من غيره وأصدق قيلا وأحسن حديثاً من غيره فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد فإن التردد في الخبر إنما يتأتى حين يكون الخبر صادراً ممن يجوز عليه الجهل أو الكذب أو العي (١) بحيث لا يفصح بما يريد وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حق الله فوجب قبول خبره على ما أخبر به. وهكذا نقول فيما أخبر به النبي ﷺ عن الله تعالى فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربه وأصدقهم خبراً وأنصحهم إرادة وأفصحهم بياناً (٢) فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه. والصفات السلبية: ما نفاها الله سبحانه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ وكلها صفات نقص في حقه كالموت والنوم والجهل والنسيان والعجز والتعب. فيجب نفيها عن الله تعالى لما سبق مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه (٣) لأن النفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال وذلك لأن:

стр. 178

- النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلاً عن أن يكون كمالاً. - ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالاً كما لو قلت: الجدار لا يظلم (١) . - وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصاً (٢) كما في قول الشاعر: قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل وقول لآخر: لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب*ليسوا من الشر في شيء وإن هانا (٣) مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨] فنفى الموت عنه يتضمن كمال حياته. مثال آخر: قوله تعالى: ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩] نفى الظلم عنه يتضمن كمال عدله. مثال ثالث: قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض﴾ [فاطر: ٤٤] فنفى العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته ولهذا قال بعده: ﴿إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤٤] لأن العجز سببه إما الجهل (٤) بأسباب الإيجاد وإما قصور القدرة عنه فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السموات ولا في الأرض

стр. 179

وبهذا المثال علمنا أن الصفة السلبية قد تتضمن أكثر من كمال (١) . ملحق القاعدة الثالثة ذكرنا أننا سنتكلم في الملحق عن بعض المسائل وهي: ١ - الصفات السلبية التي ذكرها ابن القيم. ٢ - تقسيم الصفات عند المتكلمين ومعنى الصفة السلبية عند الأشاعرة. ٣ - تحقيق بيتين ذكرهما المؤلف. أولاً: الصفات السلبية تكلم الإمام ابن القيم في النونية عن أقسامها فقال ص ٢٣٨ من طبعة العمير: فاسمع إذاً توحيد رسل الله ثم ... اجعله داخل كفة الميزان مع هذه الأنواع وانظر أيها ... أولى لدى الميزان بالرجحان توحيدهم نوعان قولي وفعلي ... كلا نوعيه ذو برهان فالأول القولي ذو نوعين ... أيضاً في كتاب الله موجودان إحداهما سلب ذا نوعان ... أيضاً في كتاب الله مذكوران سلب النقائص والعيوب جميعها ... عنه هما نوعان معقولان سلب لمتصل ومنفصل هما ... نوعان معروفان أما الثاني سلب الشريك مع الظهير مع ... الشفيع بدون إذن المالك الديان وكذلك سلب الزوج والولد الذي ... نسبوا إليه عابدو الصلبان

стр. 180

وكذاك نفي الكفء أيضاً والولي ... لنا سوى الرحمن ذي الغفران والأول التنزيه للرحمن عن ... وصف العيوب وكل ذي نقصان كالموت والإعياء والتعب الذي ... ينفي اقتدار الخالق المنان والنوم والسنة التي هي أصله ... وعزوب شيء عنه في الأكوان وكذلك العبث الذي تنفيه حكمته ... وحمد الله ذي الإتقان وكذاك ترك الخلق إهمالاً سدى ... لا يبعثون إلى معاد ثان كلا ولا أمر ولا نهى عليهم ... من إله قادر ديان وكذاك ظلم عباده وهو الغني ... فما له والظلم للإنسان وكذاك غفلته تعالى وهو علام ... الغيوب فظاهر البطلان وكذلك النسيان جل إلهنا ... لا يعتريه قط من نسيان وكذاك حاجته إلى طعم ورزق ... وهو رزاق بلا حسبان هذا وثاني نوعي السلب الذي ... هو أول الأنواع في الأوزان تنزيه أوصاف الكمال له عن ... التشبيه والتمثيل والنكران لسنا نشبه وصفة بصفاتنا ... إن المشبه عابد الأوثان كلا ولا نخليه من أوصافه ... إن المعطل عابد البهتان من مثل الله العظيم بخلقه ... فهو النسيب لمشرك نصراني أو عطل الرحمن من أوصافه ... فهو الكفور وليس ذا إيمان ويقول الشيخ عبد العزيز السلمان في الأسئلة والأجوبة على الواسطية ص ١٣: ما ينزه عنه الله ينقسم إلى قسمين متصل ومنفصل مثال المتصل كالنوم والإعياء والتعب واللغوب والموت والجهل والظلم والغفلة والنسيان وعن احتياجه إلى طعم ورزق وضابط هذا القسم ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ في كل ما يضاد الصفات الكاملة. والقسم الثاني: المنفصل وضابطه: تنزيهه عن أن يشاركه أحد من

стр. 181

الخلق في شيء من خصائصه التي لا تكون لغيره وذلك كالزوجة والشريك والكفؤ والظهير والشفيع بدون إذن الله والولي من الذل فكل ذلك ينزه عنه الله جل وعلا وتقدس ا. هـ. ثالثاً: تحقيق البيتين اللذين ذكرهما المؤلف: (١) ... قول الشاعر: قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل الشاعر هو: النجاشي الحارثي وهو قيس بن عمرو بن مالك من بني حارث بن كعب (١) . وقد ولد الشاعر في الجاهلية وموطنه في نجران باليمن (٢) . وكان فيما روى ضعيف الدين وذكر أنه شرب الخمر في رمضان فجلده علي مائة جلدة (٣) . رواية البيت البيت روى بوجهين: الأول: ما ذكره المؤلف وهي التي في الإصابة للحافظ ابن حجر نسخه دار إحياء التراث العربي (٣/٥٨٣) وقد ذكر هذه الرواية ابن قتيبة في الشعر والشعراء (١/٣٣١) ، وابن القيم في الصواعق المرسلة (٢/٥٠٦) . الثاني: قبيلته. أي من غير تصغير.

стр. 182

سبب البيت: تذكر كتب الأدب في سبب البيت أن النجاشي هجا بنى العجلان رهط تميم بن مقبل فاستعدوا عليه عمر بن الخطاب وقالوا: يا أمير المؤمنين إنه هجانا، قال: وما قال فيكم؟ قالوا: قال: إذا الله عادى أهل لؤم ورقة ... فعادي بني عجلان رهط ابن مقبل قال عمر: هذا رجل دعا فإن كان مظلوماً استجيب له وإن لم يكن مظلوماً لم يستجب له قالوا: فإنه قد قال بعد هذا: قبيلته لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل قال عمر: ليت آل الخطاب مثل هؤلاء. قالوا: فإنه يقول بعد هذا: ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل قال عمر: فإن ذلك أجم لهم وأمكن. قالوا فإنه يقول بعد هذا: وما سمى العجلان إلا لقولهم ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل قال عمر: سيد القوم خادمهم فما أرى بهذا بأساً (١) . هكذا ذكر ابن عبد ربه إلا أن للقصة تكملة وهي أن عمر ﵁ حكم بعد ذلك حسان بن ثابت في هذه القضية ووقف مع تميم بن مقبل فهدد عمر النجاشي على هذا الهجاء وقال له: إن عدت قطعت لسانك (٢) وأما الحافظ ابن حجر فقد ذكر في ترجمة تميم بن مقبل بيتاً زائداً وهو

стр. 183

أولئك أولاد الهجين وأسرة اللئيم ... ورهط العاجز المتذلل فقال عمر: أما هذا فلا أعذرك عليه فحبسه وضربه (١) وبذلك يظهر لنا كذب ما قاله بروكلمان في حق حسان بن ثابت وأنه نفر غلوه في السباب فنهاه عمر عن الهجاء (٢) . الشاهد من البيت: أن النجاشي الشاعر لم يقصد بهذا البيت مدح بني العجلان بل أراد أن يذمهم ويصفهم بالعجز كما ذكر ذلك ابن عبد ربه (٣) . فإن قيل إن عمر بن الخطاب لم يفهم من هذا البيت الهجاء كما نقلناه سابقاً وقال: لا أرى بهذا بأساً فالجواب: ١ - أن عبد ربه الذي اقتصر على القصة في المجلد السادس هو الذي ذكر أن هذا البيت يراد به الذم في المجلد الثاني من كتابه ص٣٣٢ ٢ - إن عمر ﵁ أخذ ذلك على ظاهره تم تبين له أن هذا الظاهر غير مراد كما ذكرنا سابقاً والعبرة بذلك والله أعلم. (٢) ... وقول الآخر: لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب ** ليسوا من الشر في شيء وإن هانا قائل هذا البيت هو: قريط بن أنيق (كلاهما بالتصغير) وذكر البغدادي أن التبريزي قال في شرح الحماسة أنه شاعر إسلامي ثم ذكر البغدادي: أنه تتبع كتب الشعراء وتراجمهم فلم يظفر له بترجمة (٤) . أما أبو تمام فقال إنها لبعض شعراء بلعنبر (٥)

стр. 184

والبيت ذكره أبو تمام في أول الحماسة (١) . رواية البيت: روى البيت بوجهين: الأول: ذوي حسب كما ذكر المؤلف وهي التي في نسخة التبريزي في شرحه على الحماسة (٢) . الثاني: ذوي عدد وهي التي في بقية النسخ (٣) ومشى عليها البغدادي وابن القيم في الصواعق. الشاهد من البيت: اختلفوا في مراد الشاعر على قولين: الأول: أن الشاعر أراد بهذا البيت وصف قومه بالذل والعجز لا الحلم والخشية وهذا هو قول ابن عبد ربه (٤) والأعلم الشنتمري (٥) وأبي القاسم الفارسي (٦) والإمام ابن القيم (٧) وهو مراد الشيخ ابن عثيمين في الكتاب. الثاني: أن الشاعر وصف قومه بأنهم يؤثرون السلامة والعفو عن الجناة ما أمكن ولو أرادوا الانتقام لقدروا بعددهم وعدتهم ولكن المراقبة والتقوى تدعوهم إلى إيثار الحسنى وليس قصد الشاعر ذمهم وهذا هو قول المرزوقي في شرح الحماسة (٨) وأقره على ذلك البغدادي وزاد: وكيف يذمهم ووبال الذم راجع إليه (٩) .

стр. 185

القاعدة الرابعة الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها (١) ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر (٢) ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية كما هو معلوم. أما الصفات السلبية فلم تذكر غالباً (٣) إلا في الأحوال التالية (٤) :

стр. 186

الأولى: بيان عموم كماله (١) كما في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء] (٢) [الشورى: ١١] ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ (٣) [الإخلاص: ٤] الثانية: نفى ما ادعاه في حقه الكاذبون كما في قوله: ﴿أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً﴾ (٤) [مريم: ٩١، ٩٢] الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين كما في قوله: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الدخان: ٣٨] وقوله: ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ (٥) [ق: ٣٨]

стр. 187

القاعدة الخامسة الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية (١) وفعلية (٢) : - فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفاً بها كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة والعلو والعظمة ومنها الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعينين (٣) والفعلية (٤) : هي التي تتعلق بمشيئته إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا.

стр. 188

وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام فإنه باعتبار أصله (١)

стр. 189

صفة ذاتية لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلماً وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية لأن الكلام يتعلق بمشيئته يتكلم متى شاء بما شاء كما في قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢] وكل صفة تعلقت بمشيئته تعالى فإنها تابعة لحكمته وقد تكون الحكمة معلومة لنا وقد نعجز عن إدراكها لكننا نعلم علم اليقين أنه سبحانه لا يشاء شيئاً إلا وهو موافق للحكمة كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ (١) [الإنسان: ٣٠] . ***** ** *

стр. 190

القاعدة السادسة يلزم (١) في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين (٢) أحدهما: التمثيل (٣) والثاني: التكييف فأما التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين (٤) وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل. أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ (٥) [الشورى: ١١]

стр. 191

وقوله: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ (١) [النحل: ١٧] وقوله: ﴿هل تعلم له سمياً﴾ (٢) [مريم: ٦٥] وقوله: ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ [الإخلاص: ٤] (٣) - وأما العقل: فمن وجوه: الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تبايناً (٤) في الذات وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات لأن صفة كل موصوف تليق به كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات فقوة البعير (٥) مثلاً غير قوة. الذرة (٦) فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع

стр. 192

اشتراكها في الإمكان والحدوث (١) فظهور التباين بينهما وبين الخالق أجلى وأقوى (٢) . الثاني: أن يقال كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهاً في صفاته للمخلوق في المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق؟ فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصاً (٣) . الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية فنشاهد أن للإنسان يداً ليست كيد الفيل (٤) وله قوة ليست كقوة الجمل (٥) مع الاتفاق في الاسم فهذه يد وهذه يد وهذه قوة وهذه قوة وبينهما تباين في الكيفية والوصف فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة، والتشبيه كالتمثيل وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل

стр. 193

الصفات والتشبيه التسوية في أكثر الصفات (١) لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن ﴿ليس كمثله شيء﴾ (٢) [الشورى: ١١]

стр. 194

- وأما التكييف (١) فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا من غير أن يقيدها بمماثل (٢) وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل:

стр. 195

مشترك اتفقا فيه وإن اختلفا في الحقيقة، فلله وجود، وللإنسان وجود ولله حياة وللإنسان حياة وهذا الاشتراك في أصل المعنى - الحياة - نوع من التشابه، لكن الحقيقة أن صفات الخالق ليست كصفات المخلوق فحياة الخالق ليست كحياة المخلوق. فحياة المخلوق ناقصة مسبوقة بعدم وملحوقة بفناء، وهي أيضاً ناقصة في حد ذاتها، يوم يكون طيباً، ويوم يكون مريضاً، ويوم يكون متكدراً، ويوم يكون مسروراً وهي أيضاً حياة ناقصة في جميع الصفات، البصر ناقص، السمع ناقص، العلم ناقص، القوة ناقصة، بخلاف حياة الخالق جل وعلا، فإنها كاملة من كل وجه الوجه الثالث: أن بعض أهل التعطيل يسمون المثبتين للصفات مشبهة فإذا قلت: من غير تشبيه فهم هؤلاء أن المراد من غير إثبات صفة، ولذلك نقول: إن التعبير بقولنا من غير تمثيل أولى من التعبير بالتشبيه. - أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ (١) [طه: ١١٠] وقوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ (٢) [الإسراء: ٣٦] ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها فيكون تكييفنا قفواً لما ليس لنا به علم وقولاً بما لا يمكننا الإحاطة به. - وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته أو العلم بنظيره المساوي له أو بالخبر الصادق عنه وكل هذه الطرق (٣) منتفية في كيفية صفات الله فوجب بطلان تكييفها. وأيضاً فإننا نقول: أي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟ إن أي كيفية تقدرها في ذهنك (٤) فالله أعظم وأجل من ذلك. وأي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذباً فيها لأنه لا علم لك بذلك وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديراً بالجنان (٥) أو تقريراً باللسان أو تحريراً بالبنان (٦) .

стр. 196

ولهذا لما سئل مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ أطرق ﵀ برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) ثم قال: " الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة (١) " وروى عن شيخه ربيعة أيضاً: " الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول " وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان (٢) .

стр. 197

- والدرامي في " الرد على الجهمية " ص٣٣ - وأبو إسماعيل الصابوني في " عقيدة السلف " ص١٧-١٩، من ثلاثة طرق - وابن عبد البر في " التمهيد " (٧/١٥١) - وأبو نعيم في " الحلية " (٦/٣٥٢-٣٢٦) - والذهبي في " السير " (٨/٨٩-٩٠-٩٥) - وذكره في " العلو" ص١٠٣-١٠٤، المختصر ص١٤١، وحكم عليه بالصحة، وقال: إن هذا ثابت عن الإمام مالك - وكذا ذكره ابن قدامة في " لمعة الاعتقاد " ص٤، وفي " العلو " ص١٧٢-١٧٣ - والسيوطي في " الدر المنثور " (٣/٤٧٣) - والبغوي في " شرح السنة " (١/١٧١) - وجود إسناده الإمام ابن حجر في " الفتح " (١٣/٤٠٧) فقال: وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب ... فذكره - انظر الفتوى الحموية بتحقيق التويجري ص٣٠٨. - وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به الشرع فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي فوجب الكف عنه فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز (١) لا تستطيع الخلاص منها وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنه من نزغاته فالجأ إلى ربك فإنه معاذك وافعل ما أمرك به فإنه طبيبك (٢) قال الله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ (٣) [فصلت: ٣٦] . ملحق القاعدة السادسة ذكرنا في الحاشية أننا سنفصل القول في الآية التي استشهد بها المؤلف وهي قوله تعالى ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النحل: ١٧] ففي الآية تشبيه مقلوب إذ مقتضى الظاهر عكسه لأن الخطاب لعباد الأوثان حيث سموها آلهة تشبيهاً به تعالى فجعلوا غير الخالق كالخالق فجاءت المخالفة في الخطاب كأنهم لمبالغتهم في عبادتها ولإسفافهم - بالتالي - وارتكاس عقولهم صارت عندهم الأصل وصار الخالق الحقيقي هو الفرع فجاء الإنكار على وفق ذلك. وللتشبيه المقلوب أسرار كثيرة منها هذا السر الذي ألمعنا إليه ومنها أن ينسى الإنسان أن المشبه به هو المقدم لشدة ولعه بالمشبه فيعكس التشبيه

стр. 198

كما فعل البحتري في وصف البركة التي بناها المتوكل على الله إذ قال: كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها والمعهود أن تشبه يد الخليفة في تدفقها بالكرم بالبركة إذا تدفقت بالماء. هذا وقد جرى الشعراء على مذهب القلب كثيراً فمنهم من أصاب كما أصاب أبو عبادة البحتري ومنهم من أخطأ وتعسف. وفي قوله تعالى أيضاً " أفمن يخلق كمن لا يخلق " تغليب إذ المراد بمن لا يخلق الأصنام وجاء بمن الذي هو للعقلاء ذوي العلم وذلك لأنهم لما عبدوها وسموها آلهة أجروها مجرى أولي العلم فجيء بمن على اعتقادهم ووفق ما هو مركوز في سلائفهم، وأيضاً للمشاكلة بينهما وبين الخالق الحقيقي وهو المعبر عنه بقوله "أفمن يخلق كمن لا يخلق" قال العز بن عبد السلام هذه الآية مشكلة لأن قاعدة التشبيه تقتضي أن يقال أفمن لا يخلق كمن يخلق ولا يقال أنهم كانوا يعظمون الأصنام أكثر من الله لأنهم لم يقولوا ذلك وإنما قالوا: نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى بخلاف قوله تعالى: أفنجعل المسلمين كالمجرمين وقوله: أم نجعل المتقين كالفجار فإنهم لما كانوا يقولون نحن نسود في الآخرة كما سدنا في الدنيا جاء الجواب على وفق معتقدهم إنهم أعلى والمؤمنون أدنى. وأجاب شيخ الإسلام زكريا في فتح الرحمن: " بأن الخطاب لعباد الأوثان وهم بالغوا في عبادتها حتى صارت عندهم أصلاً في العبادة والخالق فرعاً فجاء الإنكار على وفق ذلك ليفهموا المراد على معتقدهم ا. هـ من كتاب إعراب القرآن الكريم وبيانه لمحي الدين الدرويش (٥/٢٨٠)

стр. 199

القاعدة السابعة صفات الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها فلا نثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى (١) : " لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث (انظر القاعدة الخامسة في الأسماء) . طرق إثبات الصفة ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه: الأول: التصريح بالصفة (٢) كالعزة (٣) والقوة (٤) والرحمة (٥) والبطش (٦) والوجه (٧) واليدين (٨) ونحوهما. الثاني: تضمن الاسم لها مثل: الغفور متضمن للمغفرة والسميع متضمن للسمع ونحو ذلك (انظر القاعدة الثالثة في الأسماء) .

стр. 200

الثالث: التصريح بفعل أو وصف (١) دال عليها كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة (٢) والانتقام من المجرمين (٣) الدال عليها - على الترتيب - (٤) قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] وقول النبي ﷺ : " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا " الحديث (٥) وقول الله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفا﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله: ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾ (٦) [السجدة: ٢٢] .

стр. 201

الفصل الثالث

стр. 202

الفصل الثالث قواعد في أدلة الأسماء والصفات القاعدة الأولى الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ : (١) . فلا تثبت أسماء الله بغيرهما (٢) . وعلى هذا فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب والسنة وجب إثباته (٣) وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه مع إثبات كمال ضده. وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه (٤) فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه. وأما معناه فيفصل فيه فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول وإن أريد به معنى لا يليق بالله وجب رده. فمما ورد إثباته لله تعالى: كل صفة دل عليها اسم من أسماء الله تعالى دلالة مطابقة أو تضمن أو التزام (٥) . ومنه: كل صفة دل عليها فعل من أفعاله كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا والمجيء للفصل بين عباده يوم القيامة ونحو ذلك

стр. 203

من أفعاله التي لا تحصى أنواعها فضلا عن أفرادها (١) ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: ٢٧] . - ومنه: الوجه والعينان واليدان ونحوها. - ومنه: الكلام والمشيئة والإرادة بقسميها الكوني والشرعي، فالكونية بمعنى المشيئة والشرعية بمعنى المحبة (٢) . - ومنه: الرضا والمحبة والغضب والكراهة ونحوها (٣) . - ومما ورد نفيه عن الله سبحانه لانتفائه وثبوت كمال ضده: الموت والنوم والسنة والعجز والإعياء والظلم والغفلة عن أعمال العباد وأن يكون له مثيل أو كفؤ ونحو ذلك (٤) . - ومما لم يرد إثباته ولا نفيه لفظ (الجهة) (٥) فلو سأل سائل هل نثبت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتاً ولا نفياً ويغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء. وأما معناه فإما أن يراد به جهة سفل (٦) أو جهة علو تحيط بالله أو جهة علو لا تحيط به

стр. 204

فالأول: باطل لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع (١) .

стр. 205

والثاني: باطل أيضاً لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته والثالث: حق لأن الله تعالى العليّ فوق خلقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته. ودليل هذه القاعدة السمع والعقل: *فأما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه (١) واتقوا لعلكم ترحمون﴾ [الأنعام:١٥٥] . وقوله: [فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) [الأعراف:١٥٨] . وقوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٣) [الحشر: ٧] . وقوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ (٤) [النساء: ٨٠] . وقوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ (٥) [النساء: ٥٩] وقوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ (٦) [المائدة: ٤٩] إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة (٧) .

стр. 206

وكل نص يدل على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دال على وجوب الإيمان بما جاء في السنة لأن مما جاء في القرآن الأمر بإتباع النبي ﷺ والرد إليه عند التنازع والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته. فأين الإيمان بالقرآن لمن استكبر عن إتباع الرسول ﷺ المأمور به في القرآن؟ (١) . وأين الإيمان بالقرآن لمن لم يرد النزاع إلى النبي ﷺ وقد أمر الله به في القرآن؟ (٢) . وأين الإيمان بالرسول الذي أمر به القرآن لمن لم يقبل ما جاء في سنته؟ (٣) . ولقد قال الله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ (٤) [النحل: ٨٩] .

стр. 207

ومن المعلوم أن كثيراً من أمور الشريعة العلمية والعملية جاء بيانها بالسنة فيكون بيانها بالسنة من تبيان القرآن (١) وأما العقل: فنقول إن تفصيل القول (٢) فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله تعالى (٣) من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسنة. . ملحق القاعدة الأولى ذكرنا أننا سنفصل المراد من الجهة وقد لخص الألباني في مختصر العلو للذهبي (ص٧٠) معتقد أهل السنة في ذلك فقال: والجواب عنها ما قاله ابن تيمية في " التدمرية " ص٤٥: قد يراد بـ " الجهة " شيء موجود غير الله، فيكون مخلوقاً كما إذا أريد بـ "الجهة نفس

стр. 208

العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك وقد علم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق والخالق مباين للمخلوق ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلاً في المخلوقات، أو تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق العالم. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة. أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل " ومنه يتبين أن لفظ الجهة غير وارد في الكتاب والسنة وعليه فلا ينبغي إثباتها ولا نفيها لأن في كل من الإثبات والنفي ما تقدم من المحذور ولو لم يكن في إثبات الجهة إلا إفساح المجال للمخالف أن ينسب إلى متبني العلو ما لا يقولون به، لكفى. وكذلك لا ينبغي نفى الجهة توهماً من أن إثبات العلو لله تعالى يلزم منه إثبات الجهة لأن في ذلك محاذير عديدة منها نفي الأدلة القاطعة على إثبات العلو له تعالى ومنها نفى رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة فصرح بنفيها المعتزلة والشيعة وعلل ابن المطهر الشيعي في " منهاجه " النفي المذكور بقوله: " لأنه ليس في جهة "! وأما الأشاعرة، أو على الأصح متأخروهم الذين أثبتوا الرؤية فتناقضوا حين قالوا: " إنه يرى لا في جهة "! يعنون العلو! قال شيخ الإسلام في " منهاج السنة " (٢/٢٥٢) : " وجمهور الناس من مثبتة الرؤية ونفاتها يقولون: إن قول هؤلاء معلوم الفساد بضرورة العقل، كقولهم في الكلام، ولهذا يذكر أبو عبد الله الرازي

стр. 209

أنه لا يقول بقولهم في مسألة الكلام والرؤية أحد من طوائف المسلمين. ثم أخذ يرد على النفاة أنه إن أريد بها أمر وجودي غير الله كان مخلوقاً والله تعالى فوق خلقه لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات فإنه بائن من المخلوقات. وإن أريد بـ " الجهة " أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله وحده. وهذا المعنى الأخير هو المراد في كلام المثبتين للعلو والناقلين عن السلف إثبات الجهة لله تعالى، كما في نقل القرطبي عنهم. وقال ابن رشد في " الكشف عن مناهج الأدلة " (ص٦٦) : " (القول في الجهة) ، وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة وتبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة ثم ذكر بعض الآيات المعروفة ثم قال: إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولاً، وإن قيل فيها إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابهاً، لأن الشرائع كلها متفقة على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين ... "

стр. 210

القاعدة الثانية الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها (١) دون تحريف (٢) لا سيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها:

стр. 211

ودليل ذلك السمع والعقل - أما السمع: فقوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٥] . وقوله: ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون﴾ [يوسف: ٢] . وقوله: ﴿إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون﴾ [الزخرف: ٣] . وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي (١) . وقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان فقال: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون﴾ (٢) [البقرة:٧٥] وقال تعالى: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا﴾ (٣) [النساء: ٤٦] - وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص اعلم بمراده من غيره وقد خاطبنا باللسان العربي المبين فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة..

стр. 212

القاعدة الثالثة ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر: فباعتبار المعنى (١) هي معلومة وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة وقد دل على ذلك السمع والعقل - أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ (٢) [ص:٢٩] . وقوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون﴾ (٣) [الزخرف: ٣] . وقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٤) [النحل:٤٤] .

стр. 213

والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه ليتذكر الإنسان بما فهمه منه. وكون القرآن عربياً ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معناه معلوم وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها. وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه. وأما العقل: فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتاباً أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام ان يكون هداية للخلق ويبقى في أعظم الأمور وأشدّها ضرورة مجهول المعنى بمنزلة الحروف الهجائية (١) التي لا يفهم منها شيء لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى.

стр. 214

وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ (١) [هود: ١] . هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات. وأما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات. وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة (٢) الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات ويدعون أن هذا مذهب السلف. والسلف بريئون من هذا المذهب وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالاً أحياناً (٣) وتفصيلاً أحياناً (٤) وتفويضهم الكيفية إلى علم الله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل)

стр. 215

ص (١١٦) جـ ١ المطبوع على هامش (منهاج السنة) : " وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ (١) إلى أن قال ص (١١٨) : " وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه " (٢) . قال: " ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبياناً للناس وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته ... ..لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما يناقض ذلك لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به فيبقى هذا الكلام سداً لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء وفتحاً لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلاً عن أن يبينوا مرادهم فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد " ا. هـ (٣) كلام الشيخ وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد وما عليه مزيد رحمه الله تعالى رحمة واسعة وجمعنا به في جنات النعيم.
следующие страницы →