← Акыда

Акыда · id 6942

المجلى في شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى

كاملة الكواري

Полный текст (344 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ودليل ذلك السمع والعقل - أما السمع: فقوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٥] . وقوله: ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون﴾ [يوسف: ٢] . وقوله: ﴿إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون﴾ [الزخرف: ٣] . وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي (١) . وقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان فقال: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون﴾ (٢) [البقرة:٧٥] وقال تعالى: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا﴾ (٣) [النساء: ٤٦] - وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص اعلم بمراده من غيره وقد خاطبنا باللسان العربي المبين فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة..

стр. 212

القاعدة الثالثة ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر: فباعتبار المعنى (١) هي معلومة وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة وقد دل على ذلك السمع والعقل - أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ (٢) [ص:٢٩] . وقوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون﴾ (٣) [الزخرف: ٣] . وقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٤) [النحل:٤٤] .

стр. 213

والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه ليتذكر الإنسان بما فهمه منه. وكون القرآن عربياً ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معناه معلوم وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها. وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه. وأما العقل: فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتاباً أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام ان يكون هداية للخلق ويبقى في أعظم الأمور وأشدّها ضرورة مجهول المعنى بمنزلة الحروف الهجائية (١) التي لا يفهم منها شيء لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى.

стр. 214

وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ (١) [هود: ١] . هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات. وأما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات. وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة (٢) الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات ويدعون أن هذا مذهب السلف. والسلف بريئون من هذا المذهب وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالاً أحياناً (٣) وتفصيلاً أحياناً (٤) وتفويضهم الكيفية إلى علم الله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل)

стр. 215

ص (١١٦) جـ ١ المطبوع على هامش (منهاج السنة) : " وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ (١) إلى أن قال ص (١١٨) : " وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه " (٢) . قال: " ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبياناً للناس وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته ... ..لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما يناقض ذلك لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به فيبقى هذا الكلام سداً لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء وفتحاً لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلاً عن أن يبينوا مرادهم فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد " ا. هـ (٣) كلام الشيخ وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد وما عليه مزيد رحمه الله تعالى رحمة واسعة وجمعنا به في جنات النعيم.

стр. 216

القاعدة الرابعة ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني (١) وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام:

стр. 217

فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه (١) فلفظ (القرية) مثلاً يراد به القوم تارة ومساكن القوم تارة أخرى فمن الأول (٢) قوله تعالى: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً﴾ [الإسراء: ٥٨]

стр. 218

ومن الثاني قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾ [العنكبوت:٣١] . وتقول: صنعت هذا بيدي فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص:٧٥] لأن اليد في المثال أضيفت إلى المخلوق فتكون مناسبة له (١) وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به (٢) فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل (٣) يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس وتقول: ما عند ك إلا زيد (٤) وما زيد إلا عندك فتفيد الجملة الثانية (٥) معنى غير ما تفيده الأولى مع اتحاد الكلمات لكن اختلف التركيب فتغير المعنى به إذا تقرر هذا فظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام (٦) :..

стр. 219

القسم الأول: من جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقاً يليق بالله وأبقوا دلالتها على ذلك (١) وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والذين لا يصدق لقب أهل السنة والجماعة إلا عليهم. وقد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبد البر فقال: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة " ا. هـ (٢) .

стр. 220

وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل: " لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ظاهرها وأنها صفات الله لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق ولا يعتقد التشبيه فيها لكن على ما روى عن الإمام أحمد وسائر الأئمة " (١) ا. هـ نقل ذلك عن ابن عبد البر والقاضي وشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص (٨٧-٨٩) جـ (٥) من مجموع الفتاوى لابن القاسم. وهذا هو المذهب الصحيح والطريق القويم الحكيم وذلك لوجهين: الأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وإنصاف. الثاني: أن يقال إن الحق إما إن يكون فيما قاله السلف أو فيما قاله غيرهم والثاني باطل (٢) لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل تصريحاً أو ظاهراً ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحاً ولا ظاهراً بالحق الذي يجب اعتقاده.

стр. 221

وهذا يستلزم أن يكونوا إما جاهلين بالحق وإما عالمين به لكن كتموه وكلاهما باطل وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم (١) فتعين أن يكون الحق فيما قاله السلف دون غيرهم. القسم الثاني: من جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلاً لا يليق بالله وهو التشبيه وأبقوا دلالتها على ذلك. وهؤلاء هم المشبهة ومذهبهم باطل محرم من عدة أوجه: الأول: أنه جناية على النصوص وتعطيل لها عن المراد بها (٢) فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ ... [الشورى: ١١] . الثاني: أن العقل دل على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات فكيف يحكم بدلالة النصوص على التشابه بينهما؟ الثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المشبه من النصوص مخالف لما فهمه السلف منها فيكون باطلاً. فإن قال المشبه أنا لا أعقل من نزول الله ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك والله تعالى لم يخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: ﴿ليس كمثله شيء﴾ (٣) [الشورى] ونهى عباده أن يضربوا له الأمثال أو يجعلوا له

стр. 222

أنداداً فقال: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ (١) [النحل: ٧٤] وقال: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ (٢) [البقرة: ٢٢] وكلامه تعالى كله حق يصدق بعضه بعضا ولا يتناقض. ثانيها: أن يقال له ألست تعقل لله ذاتاً لا تشبه الذوات فسيقول بلى فيقال له فلتعقل له صفات لا تشبه الصفات فإن القول في الصفات كالقول في الذات ومن فرق بينهما فقد تناقض!! (٣) .

стр. 223

ثالثها: أن يقال ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية فسيقول بلى فيقال له إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا فلماذا لا تعقله بين الخالق والمخلوق مع أن التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات. القسم الثالث: من جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلاً لا يليق بالله وهو التشبيه ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله وهم أهل التعطيل سواء كان تعطيلهم عاماً في الأسماء والصفات أم خاصاً فيهما أو في أحدهما (١) فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عينوها بعقولهم واضطربوا في تعيينها اضطراباً كثيراً وسموا بذلك تأويلاً وهو في الحقيقة تحريف. ومذهبهم باطل من وجوه: أحدهما: أنه جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له.

стр. 224

الوجه الثاني: أنه صرف لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ عن ظاهره والله تعالى خاطب الناس بلسان عربي مبين ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي والنبي ﷺ خاطبهم بأفصح لسان البشر فوجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله . الوجه الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قول على الله بلا علم وهو محرم لقوله تعالى: ﴿قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وان تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣] ولقوله سبحانه: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ (١) [الإسراء: ٣٦] . فالصارف لكلام الله تعالى ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفا ما ليس له به علم وقال على الله ما لا يعلم من وجهين: الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله ورسوله كذا (٢) مع أنه ظاهر الكلام. الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا (٣) لمعنى آخر لا يدل على ظاهر الكلام وإذا كان من المعلوم أن تعيين احد المعنيين المتساويين (٤) في الاحتمال قولا (٥) بلا علم فما ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟ (٦) .

стр. 225

مثال ذلك: قوله تعالى لإبليس: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص:٧٥] فإذا صرف الكلام عن ظاهره وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين (١) وإنما أراد كذا وكذا (٢) قلنا له: ما دليلك على ما نفيت وما دليلك على ما أثبت فإن أتى بدليل - وأنى له ذلك - وإلا كان قائلاً على الله بلا علم في نفيه وإثباته (٣) . الوجه الرابع: في إبطال مذهب أهل التعطيل أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها فيكون باطلاً لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها. الوجه الخامس: أن يقال للمعطل: هل أنت أعلم بالله من نفسه؟ فسيقول: لا (٤) . ثم يقال له: هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحق؟ فسيقول: نعم (٥) ثم يقال له: هل تعلم كلاماً افصح وأبين (٦) من كلام الله تعالى؟ فسيقول: لا. ثم يقال له: هل تظن أن الله أراد أن يعمى الحق على الخلق في

стр. 226

هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟ فسيقول: لا هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن. أما باعتبار ما جاء في السنة فيقال له: هل أنت أعلم بالله من رسول الله ﷺ ؟ فسيقول: لا. ثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله ﷺ عن الله صدق وحق؟ فسيقول: نعم. ثم يقال له: هل تعلم أن أحداً من الناس أفصح كلاماً وأبين من رسول الله ﷺ ؟ فسيقول: لا. ثم يقال له: هل تعلم أن أحداً من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله ﷺ ؟ فسيقول: لا. فيقال له: إذا كنت تقر بذلك فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ (١)

стр. 227

وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة في نفي حقيقته تلك وصرفه إلى معنى يخالف ظاهره بغير علم؟ . وماذا يضيرك إذا أثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه أو سنة نبيه ﷺ على الوجه اللائق به فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتاً ونفياً؟ . أفليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة: ﴿ماذا أجبتم المرسلين﴾ [القصص: ٦٥] . أو ليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها وتعيين معنى آخر مخاطرة منك فلعل المراد يكون - على تقدير جواز صرفها - غير ما صرفتها إليه الوجه السادس: في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنه يلزم عليه لوازم باطلة وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.

стр. 228

فمن أوجه اللوازم: أولاً: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه (١) مستلزم أو موهم لتشبيه الله تعالى بخلقه (٢) .

стр. 229

وتشبيه الله تعالى بخلقه كفر لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] قال نعيم بن حماد الخزاعي أحد مشايخ البخاري رحمهما الله: " ومن شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً " (١) ا. هـ ثانياً: أن كتاب الله تعالى الذي أنزله تبياناً لكل شيء وهدى للناس وشفاء لما في الصدور ونوراً مبيناً وفرقاناً بين الحق والباطل لم يبين الله تعالى فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته وإنما جعل ذلك موكولاً إلى عقولهم يثبتون لله ما يشاؤون وينكرون ما لا يريدون وهذا ظاهر البطلان. ثالثاً: أن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها كانوا قاصرين (٢) أو مقصرين (٣) في معرفة وتبيين ما يجب لله تعالى من الصفات أو يمتنع عليه أو يجوز إذ لم يرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله تعالى وسموه تأويلاً. وحينئذ إما أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة وأئمتها قاصرين لجهلهم بذلك وعجزهم عن معرفته أو مقصرين لعدم بيانهم للأمة وكلا الأمرين باطل (٤) . رابعاً: أن كلام الله ورسوله ليس مرجعاً للناس فيما يعتقدونه في ربهم

стр. 230

وإلههم الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع بل هو زبدة الرسالات وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة وما خالفها فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً أو التحريف الذي يسمونه تأويلاً إن لم يتمكنوا من تكذيبه. خامساً: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله ﷺ فيقال في قوله تعالى: ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر: ٢٢] إنه لا يجيء وفي قوله ﷺ : " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا " إنه لا ينزل لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم وأظهر علامات المجاز عند القائلين به (١) صحة نفيه (٢) ونفي ما

стр. 231

أثبته الله ورسوله من أبطل الباطل ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره لأنه ليس في السياق ما يدل عليه. ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات (١) أو تعدى إلى الأسماء (٢) أيضاً ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض كالأشعرية والماتريدية أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل ينفيه (٣) أو لا يدل عليه. فنقول لهم نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه كما هو ثابت بالدليل السمعي. مثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة ونفوا صفة الرحمة. أثبتوا صفة الإرادة لدلالة السمع والعقل عليها. - أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة:٢٥٣] - وأما العقل: فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف دليل على الإرادة (٤) . ونفوا الرحمة وقالوا: لأنها تستلزم لين الراحم ورقته للمرحوم وهذا محال في حق الله تعالى.

стр. 232

وأولوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة (١) إلى الفعل (٢) أو إرادة الفعل (٣) ففسروا الرحيم بالمنعم أو مريد الإنعام. فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية وأدلة ثبوتها أكثر عدداً وتنوعاً من أدلة الإرادة فقد وردت بالاسم مثل: ﴿الرحمن الرحيم﴾ [الفاتحة:١] والصفة مثل: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾ [الكهف:٥٨] والفعل مثل: ﴿ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١] . ويمكن إثباتها بالعقل فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه والنقم التي تدفع عنهم في كل حين دالة على ثبوت الرحمة لله ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة لظهور ذلك للخاصة والعامة بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس. وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرقة فجوابه أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها فيقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة وهذا يستلزم الحاجة والله تعالى منزه عن ذلك (٤) . فإن أجيب بأن هذه إرادة المخلوق أمكن الجواب بمثله في الرحمة بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق. وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل سواء كان تعطيلاً عاماً (٥) أم خاصاً (٦) . وبه علم أن طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء الله وصفاته وما

стр. 233

احتجوا به لذلك لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية وذلك من وجهين: أحدهما: أنه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي ﷺ ولا سلف الأمة وأئمتها والبدعة لا تدفع بالبدعة وإنما تدفع بالسنة. الثاني: أن المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفى ما نفيتم من الصفات بما زعمتموه دليلاً عقلياً وأولتم دليله السمعي فلماذا تحرمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلاً عقلياً ونؤل دليله السمعي فلنا عقول كما أن لكم عقولاً فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم وإتباع الهوى. وهذه حجة دامغة وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية ولا مدفع لذلك ولا محيص عنه إلا الرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب ويثبتون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ إثباتاً لا تمثيل فيه ولا تكييف وتنزيهاً لا تعطيل فيه ولا تحريف ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. (تنبيه) علم مما سبق أن كل معطل ممثل وكل ممثل معطل: أما تعطيل المعطل فظاهر، وأما تمثيله فلأنه إنما عطل لاعتقاده أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه فمثل أولاً وعطل ثانياً كما أنه بتعطيله مثله بالناقص. وأما تمثيل الممثل فظاهر وأما تعطيله فمن ثلاثة أوجه: الأول: أنه عطل نفس النص الذي أثبت به الصفة حيث جعله دالاً على التمثيل مع أنه لا دلالة فيه عليه وإنما يدل على صفة تليق بالله . الثاني: أنه عطل كل نص يدل على نفي مماثلة الله لخلقه. الثالث: أنه عطل الله تعالى عن كماله الواجب حيث مثله بالمخلوق الناقص (١) .

стр. 234

الفصل الرابع

стр. 235

الفصل الرابع شبهات والجواب عنها اعلم ان بعض أهل التأويل أورد على أهل السنة شبهة في نصوص من الكتاب والسنة في الصفات ادعى أن أهل السنة صرفوها عن ظاهرها ليلزم أهل السنة بالموافقة على التأويل أو المداهنة فيه (١) وقال: كيف تنكرون علينا تأويل ما أولناه مع ارتكابكم لمثله فيما أولتموه؟ ونحن نجيب - بعون الله تعالى - عن هذه الشبهة بجوابين مجمل (٢) ومفصل أما المجمل فيتلخص في شيئين: أحدهما: أن لا نسلم أن تفسير السلف لها صرف عن ظاهرها فإن ظاهر الكلام ما يتبادر منه من المعنى وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام فإن الكلمات يختلف معناها بحسب تركيب الكلام والكلام مركب من كلمات وجمل يظهر معناها ويتعين بضم بعضها إلى بعض (٣) . ثانيهما: أننا لو سلمنا أن تفسيرهم صرف عن ظاهرها فإن لهم في

стр. 236

ذلك دليلاً من الكتاب والسنة إما متصلاً وإما منفصلاً (١) وليس لمجرد شبهات يزعمها الصارف براهين وقطعيات يتوصل بها إلى نفى ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . وأما المفصل فعلى كل نص ادعى أن السلف صرفوه عن ظاهره. ولنمثل بالأمثلة التالية فنبدأ بما حكاه أبو حامد الغزالي (٢) عن بعض الحنبلية أنه قال: إن أحمد لم يتأول إلا في ثلاثة أشياء: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض " " وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن " " وإني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن " نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ص (٣٩٨) جـ (٥) : من مجموع الفتاوى وقال: " هذه الحكاية كذب على أحمد ". ***** **

стр. 237

المثال الأول: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض (١) " والجواب عنه: أنه حديث باطل لا يثبت عن النبي ﷺ قال ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢) : " هذا حديث لا يصح ". وقال ابن العربي: " حديث باطل فلا يلتفت إليه " (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " روى عن النبي ﷺ بإسناد لا يثبت (٤) ا. هـ

стр. 238

وعلى هذا فلا حاجة للخوض في معناه ". لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والمشهور يعنى في هذا الأثر إنما هو عن ابن عباس قال: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه " (١) ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه فإنه قال: " يمين الله في الأرض " ولم يطلق (٢) فيقول: " يمين الله " وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم المطلق ثم قال: " فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه " وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلاً ولكن شبه بمن يصافح الله فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله تعالى كما هو معلوم عند كل عاقل " ا. هـ ص (٣٩٨) مجلد (٦) مجموع الفتاوى. ٤ - ان إسناده لا يثبت وهو قول ابن تيمية. ٥ - انه موضوع وهو قول خلدون الأحدب. ٦ - انه ضعيف وهو قول الألباني في السلسلة الضعيفة (١/٢٥٧) وقال الهيثمي في المجمع (٣/٢٤٥) : وفيه عبد الله ابن المؤمل وثقه ابن حبان وقال: يخطى وفيه كلام وبقية رجاله رجال الصحيح ا. هـ. وانظر الكلام على الحديث في: حاشية الصباغ على الأسرار المرفوعة لملا علي قاري ص١٣٤. وأسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب لمحمد الحوت ص١٧.

стр. 239

ملحق المثال الأول ذكرنا أننا سننقل نص كلام الحافظ ابن رجب في ترجمة ابن الفاعوس وهذا نص كلامه: وقال: كان أبو القاسم بن السمرقندي يقول: إن أبا بكر بن الخاضبة كان يسمى ابن الفاعوس الحجرى لأنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقة. قلت: إن صح عن ابن الفاعوس أنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقة فأصل ذلك: أن طائفة من أصحابنا وغيرهم نفوا وقوع المجاز في القرآن ولكن لا يعلم منهم من نفي المجاز في اللغة (١) كقول أبي إسحاق الإسفراينى ولكن قد يسمع بعض صالحيهم إنكار المجاز في القرآن فيعتقد إنكاره مطلقاً ويؤيد ذلك: أن المتبادر إلى فهم أكثر الناس من لفظ الحقيقة والمجاز: المعاني والحقائق دون الألفاظ. فإذا قيل: إن هذا مجاز فهموا أنه ليس تحته معنى ولا له حقيقة فينكرون ذلك وينفرون منه ومن أنكر المجاز من العلماء فقد ينكر إطلاق اسم المجاز لئلا يوهم هذا المعنى الفاسد ويصير ذريعة لمن يريد جحد حقائق الكتاب والسنة ومدلولاتهما. ويقول: غالب من تكلم بالحقيقة والمجاز هم المعتزلة ونحوهم من أهل البدع وتطرفوا بذلك إلى تحريف الكلم عن مواضعه فيمنع من التسمية بالمجاز ويجعل جميع الألفاظ حقائق، ويقول: اللفظ ان دل بنفسه فهو حقيقة لذلك المعنى وإن دل بقرينة فدلالته بالقرينة حقيقة للمعنى الآخر فهو حقيقة في الحالين. وإن كان المعنى المدلول عليه مختلفاً فحينئذ يقال: لفظ اليمين في قوله : (٣٩/٦٧والسماوات مطويات بيمينه) حقيقة وهو دال على الصفة الذاتية. ولفظ اليمين في الحديث المعروف: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه فكأنما صافح الله "

стр. 240

وقيل يمينه يراد به مع هذه القرائن المحتفة به - محل الاستلام والتقبيل. وهو حقيقة في هذا المعنى في هذه الصورة وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلاً بل دلالته على معناه الخاص قطعية لا تحتمل النقيض بوجه ولا تحتاج إلى تأويل ولا غيره. وإذا قيل: فابن الفاعوس لم يكن من أهل هذا الشأن - أعني: البحث عن مدلولات الألفاظ؟ قيل: ولا ابن الخاضبة كان من أهله وإن كان محدثاً وإنما سمع من ابن الفاعوس، أو بلغه عنه إنكار أن يكون هذا مجازاً، لما سمعه من إنكار لفظ المجاز فحمله السامع لقصوره أو لهواه على أنه إذا كان حقيقة لزم أن يكون هو يد الرب التي هي صفته وهذا باطل والله أعلم. ********** ****

стр. 241

المثال الثاني: (١) " قلوب العباد بين أصبعين (٢) من أصابع الرحمن " والجواب: أن هذا الحديث صحيح رواه مسلم (٣) في الباب الثاني من كتاب القدر عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: " إن قلوب بنى آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد يصرفه حيث يشاء " ثم قال رسول الله ﷺ : " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ". وقد اخذ السلف أهل السنة بظاهر الحديث (٤) وقالوا ان لله تعالى

стр. 242

أصابع حقيقية نثبتها له كما أثبتها له رسوله ﷺ ولا يلزم من كون قلوب بني آدم بين أصبعين منها أن تكون مماسه لها حتى يقال إن الحديث موهم للحلول فيجب صرفه عن ظاهره فهذا السحاب مسخر بين السماء والأرض وهو لا يمس السماء ولا الأرض ويقال: بدر بين مكة والمدينة مع تباعد ما بينها وبينهما (١) فقلوب بنى آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن حقيقة ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول (٢)

стр. 243

المثال الثالث: " إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن " والجواب: أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند (١) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " ألا أن الإيمان يمان والحكمة يمانية وأجد نفس ربكم من قبل اليمن " قال في مجمع الزوائد (٢) : رجاله رجال الصحيح غير شبيب (٣) وهو ثقة قلت: وكذا قال في التقريب (٤) عن شبيب: ثقة من الثالثة وقد روى البخاري نحوه في التاريخ الكبير (٥) . وهذا الحديث على ظاهره والنفس فيه اسم مصدر (٦) نفس يُنفِّس

стр. 244

تنفيساً مثل فرج يفرج تفريجاً وفرجاً هكذا قال أهل اللغة كما في النهاية (١) والقاموس (٢) ومقاييس اللغة (٣) قال في مقاييس اللغة: " النفس كل شيء يفرج به عن مكروب " فيكون معنى الحديث أن تنفيس الله تعالى عن المؤمنين يكون من أهل اليمن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة وفتحوا الأمصار فيهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات " ا. هـ جـ (٦) مجموع فتاوى شيخ الإسلام لابن قاسم. ******

стр. 245

المثال الرابع: قوله تعالى:﴾ ثم استوى إلى السماء ﴿ [البقرة: ٢٩] والجواب: أن لأهل السنة في تفسيرها قولين: أحدهما: أنها بمعنى ارتفع إلى السماء وهو الذي رجحه ابن جرير (١) قال في تفسيره بعد ان ذكر الخلاف: (وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن﴾ [البقرة:٢٩] علا عليهن وارتفع بقدرته وخلقهن سبع سموات) ا. هـ وذكره البغوي في تفسيره (٢) قول ابن عباس (٣) وأكثر مفسري السلف

стр. 246

وذلك تمسكاً بظاهر لفظ ﴿استوى﴾ وتفويضاً لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله . القول الثاني: أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام وإلى هذا القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة البقرة (١) والبغوي في تفسير سورة فصلت (٢) قال ابن كثير: " أي قصد إلى السماء والاستواء ههنا ضمن معنى القصد والإقبال لأنه عدي بإلى " قال البغوي: " أى عمد إلى خلق السماء". وهذا القول ليس صرفاً للكلام عن ظاهره وذلك لأن الفعل " استوى " اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء (٣) فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦] حيث كان معناها يروى بها (٤) عباد الله لأن الفعل " يشرب " اقترن بالباء

стр. 247

فانتقل إلى معنى يناسبها وهو يروى فالفعل يضمن (١) معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام. ******

стр. 248

**المثال الخامس والسادس: (١) قوله تعالى في سورة الحديد:﴾ وهو معكم أينما كنتم ﴿ [الحديد: ٤] وقوله في سورة المجادلة﴾ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ﴿ [المجادلة: ٧] والجواب: أن الكلام في هاتين الآيتين حق على حقيقته وظاهره ولكن ما حقيقته وظاهره.؟ هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطاً بهم أو حالاً في أمكنتهم؟ أو يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وتدبيراً وسلطاناً وغير ذلك من معاني ربوبيته مع علوه. على عرشه فوق جميع خلقه؟ ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق ولا يدل عليه بوجه من الوجوه وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان وإنما تدل على مطلق مصاحبة ثم تفسر في كل موضع بحسبه (٢)

стр. 249

وتفسير معية الله تعالى لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه: الأول: أنه مخالف لإجماع السلف فما فسرها أحد منهم بذلك بل كانوا مجمعين على إنكاره (١) . الثاني: أنه مناف لعلو الله الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف وما كان منافياً لما ثبت بدليل كان باطلاً بما يثبت به ذلك المنافي وعلى هذا فيكون تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلاً بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف. = وقوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ ب الحديد: ٤] ﴿إن الله مع الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣] ، ﴿أن الله مع المتقين﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله عن موسى: ﴿إن معي ربي﴾ [الشعراء: ٦٢] ا. هـ وقال السمين في عمدة الحفاظ (٤/١١٥) : ﴿والله مع الصابرين﴾ ونحوه فالمراد الصحبة بالمعونة والإثبات ا. هـ. وأطلق أئمة اللغة العربية على أن المراد من المعية الصحبة ثم يفسر في كل موضوع بحسبه ويراجع في ذلك: الجوهري في الصحاح (٣/١٢٨٦) ، وابن سيدة في المحكم (١/٥٥) وابن منظور في اللسان (١٣/١٤٤) والفيروز آبادي في المحيط ص٩٨٧، وشرحه للزبيدي (٥/٥١٤) .

стр. 250

الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله ولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن يقول إن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطاً بهم أو حالاً في أمكنتهم فضلاً عن أن تستلزم ذلك ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة جاهل بعظمة الرب جل وعلا. فإن تبين بطلان هذا القول تعين أن يكون الحق هو القول الثاني وهو أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وتدبيراً وسلطاناً وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه. وهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب لأنهما حق ولا يكون ظاهر الحق إلا حقاً ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبداً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص (١٠٣) ج (٥) من مجموع الفتاوى لابن القاسم: " ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها﴾ [الحديد: ٤] إلى قوله ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤] دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم وهذا معنى قول السلف إنه معهم بعلمه (١) وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته وكذلك في قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم] إلى قوله: ﴿هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة:٧] ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: " لا تحزن إن الله معنا " كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد ". ثم قال: " فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع
следующие страницы →