وذلك تمسكاً بظاهر لفظ ﴿استوى﴾ وتفويضاً لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله .
القول الثاني: أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام وإلى هذا القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة البقرة (١) والبغوي في تفسير سورة فصلت (٢) قال ابن كثير: " أي قصد إلى السماء والاستواء ههنا ضمن معنى القصد والإقبال لأنه عدي بإلى " قال البغوي: " أى عمد إلى خلق السماء".
وهذا القول ليس صرفاً للكلام عن ظاهره وذلك لأن الفعل " استوى " اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء (٣)
فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦] حيث كان معناها يروى بها (٤) عباد الله لأن الفعل " يشرب " اقترن بالباء
стр. 247
فانتقل إلى معنى يناسبها وهو يروى فالفعل يضمن (١) معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام.
******
стр. 248
**المثال الخامس والسادس: (١)
قوله تعالى في سورة الحديد:﴾ وهو معكم أينما كنتم ﴿ [الحديد: ٤] وقوله في سورة المجادلة﴾ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ﴿ [المجادلة: ٧]
والجواب: أن الكلام في هاتين الآيتين حق على حقيقته وظاهره ولكن ما حقيقته وظاهره.؟
هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطاً بهم أو حالاً في أمكنتهم؟
أو يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وتدبيراً وسلطاناً وغير ذلك من معاني ربوبيته مع علوه. على عرشه فوق جميع خلقه؟
ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق ولا يدل عليه بوجه من الوجوه وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان وإنما تدل على مطلق مصاحبة ثم تفسر في كل موضع بحسبه (٢)
стр. 249
وتفسير معية الله تعالى لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه:
الأول: أنه مخالف لإجماع السلف فما فسرها أحد منهم بذلك بل كانوا مجمعين على إنكاره (١) .
الثاني: أنه مناف لعلو الله الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف وما كان منافياً لما ثبت بدليل كان باطلاً بما يثبت به ذلك المنافي وعلى هذا فيكون تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلاً بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف.
= وقوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ ب الحديد: ٤] ﴿إن الله مع الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣] ، ﴿أن الله مع المتقين﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله عن موسى: ﴿إن معي ربي﴾ [الشعراء: ٦٢] ا. هـ
وقال السمين في عمدة الحفاظ (٤/١١٥) : ﴿والله مع الصابرين﴾ ونحوه فالمراد الصحبة بالمعونة والإثبات ا. هـ.
وأطلق أئمة اللغة العربية على أن المراد من المعية الصحبة ثم يفسر في كل موضوع بحسبه ويراجع في ذلك:
الجوهري في الصحاح (٣/١٢٨٦) ، وابن سيدة في المحكم (١/٥٥) وابن منظور في اللسان (١٣/١٤٤) والفيروز آبادي في المحيط ص٩٨٧، وشرحه للزبيدي (٥/٥١٤) .
стр. 250
الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله ولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن يقول إن حقيقة معية الله
لخلقه تقتضي أن يكون مختلطاً بهم أو حالاً في أمكنتهم فضلاً عن أن تستلزم ذلك ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة جاهل بعظمة الرب جل وعلا.
فإن تبين بطلان هذا القول تعين أن يكون الحق هو القول الثاني وهو أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وتدبيراً وسلطاناً وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه.
وهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب لأنهما حق ولا يكون ظاهر الحق إلا حقاً ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبداً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص (١٠٣) ج (٥) من مجموع الفتاوى لابن القاسم: " ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها﴾ [الحديد: ٤] إلى قوله ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤] دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم وهذا معنى قول السلف إنه معهم بعلمه (١) وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته وكذلك في قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم] إلى قوله: ﴿هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة:٧]
ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: " لا تحزن إن الله معنا " كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد ".
ثم قال: " فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع
стр. 251
يقتضي في كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها وإن امتاز كل موضع بخاصية فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها " ا. هـ (١)
ويدل على أنه ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق أن الله تعالى ذكرها في آية المجادلة بين ذكر عموم علمه في أول الآية وآخرها فقال: ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ [المجادلة: ٧] فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم لا أنه سبحانه مختلط بهم ولا أنه معهم في الأرض أما في آية الحديد فقد ذكرها الله تعالى مسبوقة بذكر استوائه على عرشه
وعموم علمه متلوة ببيان أنه بصير بما يعمل العباد فقال: ﴿هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعلمون بصير﴾ [الحديد: ٤] (٢)
فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده وبصره بأعمالهم مع علوه عليهم واستوائه على عرشه لا أنه سبحانه مختلط بهم ولا أنه معهم في الأرض وإلا لكان آخر الآية مناقضاً لأولها الدال على علوه واستوائه على عرشه.
. فإذا تبين ذلك علمنا أن مقتضى كونه تعالى مع عباده أنه يعلم أحوالهم ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبر شؤونهم فيحيى ويميت ويغنى ويفقر ويؤتي
стр. 252
الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء إلى غير ذلك مما تقتضيه ربوبيته وكمال سلطانه لا يحجبه عن خلقه شيء ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية ص (١٤٢) جـ ٣ من مجموع الفتاوى لابن قاسم في فصل الكلام على المعية قال: " وكل هذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة"ا. هـ (٢)
стр. 253
وقال في الفتوى الحموية ص (١٠٢-١٠٣) جـ (٥) من المجموع المذكور:
وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه وقصد إتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه بعضاً ألبته مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب
стр. 254
والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله تعالى: ﴿وهو معكم﴾ وقوله ﷺ : " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه " (١) .
ونحو ذلك فإن هذا غلط وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله : ﴿هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ [الحديد: ٤] .
فأخبر انه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال (٢) : " والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه " (٣)
ا. هـ
стр. 255
واعلم أن تفسير المعية بظاهرها على الحقيقة اللائقة بالله تعالى لا يناقض ما ثبت من علو الله تعالى بذاته على عرشه وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: أن الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزه عن التناقض وما جمع الله بينهما في كتابه فلا تناقض بينهما.
وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض فيما يبدو لك فتدبره حتى يتبين
لك لقوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا
стр. 256
فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء: ٨٢] فإن لم يتبين لك فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ [أل عمران: ٧] وكل الأمر إلى منزله الذي يعلمه واعلم أن القصور في علمك أو في فهمك وأن القرآن لا تناقض فيه.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام في قوله فيما سبق: " كما جمع الله بينهما " وكذلك ابن القيم كما في مختصر الصواعق لابن الموصلي ص (٤١٠) ط الإمام في سياق كلامه على المثال التاسع مما قيل إنه مجاز قال: " وقد أخبر الله أنه مع خلقه مع كونه مستوياً على عرشه وقرنبين الأمرين كما قال تعالى - وذكر آية سورة الحديد - ثم قال: " فأخبر أنه خلق السموات والأرض وأنه استوى على عرشه وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه كما في حديث الأوعال: " والله فوق العرش يرى ما أنتم عليه " فعلوه لا يناقض معيته ومعيته لا تبطل علوه بل كلاهما حق" ا. هـ
الوجه الثاني: أن حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا ولا يعد ذلك تناقضاً ولا يفهم منه أحد أن القمر نزل في الأرض فإذا كان هذا ممكناً في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل شيء مع علوه سبحانه من باب أولى وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص (١٠٣) المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم حيث قال: " وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة " ا. هـ
وصدق رحمه الله تعالى فإن من كان عالماً بك مطلعاً عليك مهيمناً عليك
стр. 257
يسمع ما تقول ويرى ما تفعل ويدبر جميع أمورك فهو معك حقيقة وإن كان فوق عرشه حقيقة لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
الوجه الثالث: أنه لو فرض اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعاً في حق الخالق الذي جمع لنفسه بينهما لأن الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] .
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية ص (١٤٣) ج (٣) من مجموع الفتاوى حيث قال: " وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته وهو علىّ في دنوه قريب في علوه " ا. هـ (١)
(تتمة) انقسم الناس في معية الله تعالى لخلقه ثلاثة أقسام:
القسم الأول يقولون: " إن معية الله تعالى لخلقه مقتضاها العلم والإحاطة في المعية العامة ومع النصر والتأييد في المعية الخاصة مع ثبوت علوه بذاته واستوائه على عرشه " وهؤلاء هم السلف ومذهبهم هو الحق كما سبق تقريره.
القسم الثاني يقولون: " إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع نفى علوه واستوائه على عرشه ".
وهؤلاء هم الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم ومذهبهم باطل منكر أجمع السلف على بطلانه وإنكاره كما سبق.
القسم الثالث يقولون: " إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع ثبوت علوه فوق عرشه " ذكر هذا (٢) شيخ الإسلام ابن تيمية ص (٢٢٩) ج (٥) من مجموع الفتاوى.
стр. 258
وقد زعم هؤلاء أنهم أخذوا بظاهر النصوص في المعية والعلو وكذبوا في ذلك فضلوا فإن نصوص المعية لا تقتضي ما ادعوه من الحلول لأنه باطل ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله باطلاً.
(تنبيه) اعلم أن تفسير السلف لمعية الله تعالى لخلقه بأنه معهم بعلمه لا يقتضي الاقتصار على العلم بل المعية تقتضي أيضاً إحاطته بهم سمعاً وبصراً وقدرة وتدبيراً ونحو ذلك من معاني ربوبيته (١) .
стр. 259
(تنبيه آخر) أشرت فيما سبق إلى أن علو الله تعالى ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع.
- أما الكتاب: فقد تنوعت دلالته على ذلك (١) .
- فتارة بلفظ العلو والفوقية والاستواء على العرش وكونه في السماء كقوله تعالى: ﴿وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ [الملك: ١٦] وتارة بلفظ صعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه كقوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج: ٤] ﴿إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي﴾ [آل عمران: ٥٥] .
- وتارة بلفظ نزول الأشياء منه ونحو ذلك كقوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك﴾ [النحل: ١٠٢] ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض﴾ [السجدة: ٥] .
- وأما السنة: فقد دلت عليه بأنواعها القولية والفعلية والإقرارية في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر وعلى وجوه متنوعة كقوله ﷺ في سجوده: " سبحان ربي الأعلى " (٢) . وقوله: " إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي" (٣) وقوله: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" (٤) وثبت عنه أنه رفع يديه وهو على المنبر يوم الجمعة يقول: "اللهم أغثنا" (٥) وأنه رفع يده إلى السماء وهو يخطب الناس يوم عرفة حين قالوا نشهد أنك قد بلغت
стр. 260
وأديت ونصحت فقال: " اللهم اشهد " (١) وأنه قال للجارية: "أين الله" قالت في السماء فأقرها وقال لسيدها: "اعتقها فإنها مؤمنة" (٢)
- وأما العقل: فقد دل على وجوب صفة الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص والعلو صفة كمال والسفل نقص فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده.
- وأما الفطرة: فقد دلت على علو الله تعالى دلالة ضرورية فطرية فما من داع أو خائف فزع إلى ربه تعالى إلا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلو لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة.
واسأل المصلين يقول الواحد منهم في سجوده: " سبحان ربي الأعلى " أين تتجه قلوبهم حينذاك.
- وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله تعالى فوق سمواته مستو على عرشه وكلامهم مشهور في ذلك نصاً وظاهراً قال الأوزاعي: " كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات (٣) وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف وقد تطابقت عليه هذه الأدلة العظيمة التي لا يخالفها إلا مكابر طمس على قلبه واجتالته الشياطين عن فطرته نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
стр. 261
فعلو الله تعالى بذاته وصفاته من أبين الأشياء وأظهرها دليلاً وأحق الأشياء وأثبتها واقعاً.
(تنبيه ثالث) اعلم أيها القارئ العزيز أنه صدر منى كتابة لبعض الطلبة تتضمن ما قلته في بعض المجالس في معية الله تعالى لخلقه ذكرت فيها: أن عقيدتنا أن لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به وتقتضي إحاطته بكل شيء علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وسلطاناً وتدبيراً وأنه سبحانه منزه أن يكون مختلطاً بالخلق أو حالاً في أمكنتهم بل هو العلي بذاته وصفاته وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها وأنه مستو على عرشه كما يليق بجلاله وأن ذلك لا ينافي معيته لأنه تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى:١١] .
وأردت بقولي (ذاتية) توكيد حقيقة معيته ﵎. وما أردت أنه مع خلقه سبحانه في الأرض (١) كيف وقد قلت في نفس هذه الكتابة كما ترى إنه سبحانه منزه أن يكون مختلطاً بالخلق أو حالاً في أمكنتهم وأنه العلي بذاته وصفاته وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها وقلت فيها أيضاً ما نصه بالحرف الواحد:
" ونرى أن من زعم أن الله بذاته في كل مكان فهو كافر أو ضال إن اعتقده وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة وأئمتها " ا. هـ
ولا يمكن لعاقل عرف الله وقدره حق قدره أن يقول إن الله مع خلقه في الأرض.
стр. 262
وما زلت ولا أزال أنكر هذا القول في كل مجلس من مجالسي جرى فيه ذكره. وأسأل الله تعالى أن يثبتني وإخواني المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة هذا وقد كتبت بعد ذلك مقالاً نشر في مجلة (الدعوة) التي تصدر في الرياض نشر يوم الاثنين الرابع من شهر محرم سنة ١٤٠٤هـ أربع وأربعمائة وألف برقم (٩١١) قررت فيه ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن: معية الله تعالى لخلقه حق على حقيقتها وأن ذلك لا يقتضي الحلول والاختلاط بالخلق فضلاً عن أن يستلزمه ورأيت من الواجب استبعاد كلمة (ذاتية) (١) وبينت أوجه الجمع بين علو الله تعالى وحقيقة المعية.
واعلم أن كل كلمة تستلزم كون الله تعالى في الأرض أو اختلاطه بمخلوقاته أو نفي علوه أو نفي استوائه على عرشه أو غير ذلك مما لا يليق به تعالى فإنها كلمة باطلة يجب إنكارها على قائلها كائناً من كان وبأي لفظ كانت.
وكل كلام يوهم - ولو عند بعض الناس - ما لا يليق بالله تعالى فإن الواجب تجنبه لئلا يظن بالله تعالى ظن السوء لكن ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ فالواجب إثباته وبيان بطلان وهم من توهم فيه ما لا يليق بالله .
*****
стр. 263
- المثال السابع والثامن (١)
قوله تعالى:﴾ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴿ [ق: ١٦] وقوله:﴾ ونحن أقرب إليه منكم ﴿ [الواقعة: ٨٥]
حيث فسر القرب فيهما بقرب الملائكة (٢) .
стр. 264
والجواب: أن تفسير القرب فيهما بقرب الملائكة ليس صرفاً للكلام عن ظاهره لمن تدبره.
أما الآية الأولى: فإن القرب مقيد فيها بما يدل على ذلك (١) حيث قال: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٦-١٨] ففي قوله ﴿إذ يتلقى﴾ [ق: ١٧] دليل على أن المراد به قرب الملكين المتلقين (٢) .
وأما الآية الثانية: فإن القرب فيها مقيد بحال الاحتضار والذي يحضر الميت عند موته هم الملائكة لقوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت
توفته
= اقرب إليه من حبل الوريد، وحبل الوريد لا يعلم ما توسوس به النفس
ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون معبوده مخالطاً لدم الإنسان ولحمه، وأن لا يجرد الإنسان تسمية المخلوق حتى يقول: خالق ومخلوق، لأن معبوده بزعمه داخل حبل الوريد من الإنسان وخارجه فهو على قوله ممتزج به غير مباين له.
قال: وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من جميع خلقه وتعالى الله عن قول أهل الزيغ، وعما يقول الظالمون علواً كبيراً.
قال: وكذلك الجواب في قوله فيمن يحضره الموت ﴿ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾ أي بالعلم به والقدرة عليه إذ لا يقدرون له على حيلة ولا يدفعون عنه الموت وقد قال تعالى: ﴿توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ وقال تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ .
قلت: وهكذا ذكر غير واحد من المفسرين مثل الثعلبي وأبى الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ وأما في قوله ﴿ونحن أقرب إليه منكم﴾ فذكر أبو الفرج القولين: إنهم الملائكة وذكره عن أبي صالح عن ابن عباس وأنه القرب بالعلم وهؤلاء كلهم مقصودهم انه ليس المراد ان ذات الباري جل وعلا قريبة من وريد العبد ومن الميت ولما ظنوا ان المراد قربه وحده دون قرب الملائكة فسروا ذلك بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية ولا حاجة إلى هذا فإن المراد بقوله ﴿ونحن أقرب إليه منكم﴾ أي بملائكتنا في الآيتين وهذا بخلاف لفظ المعية فإنه لم يقل ونحن معه بل جعل نفسه هو الذي مع العباد وأخبر انه ينبئهم يوم القيامة بما عملوا وهو نفسه الذي خلق السموات والأرض وهو نفسه الذي استوى على العرش فلا يجعل لفظ مثل لفظ مع تفريق القرآن بينهما. ا. هـ
стр. 265
رسلنا (١) وهم لا يفرطون﴾ [الأنعام: ٦١] ثم إن في قوله: ﴿ولكن لا تبصرون﴾ [الواقعة: ٨٥] دليلاً بيناً على أنهم الملائكة إذ يدل على أن هذا القريب في نفس المكان ولكن لا نبصره وهذا يعين أن يكون المراد قرب الملائكة لاستحالة ذلك في حق الله تعالى (٢) .
بقى أن يقال فلماذا أضاف الله القرب إليه وهل جاء نحو هذا التعبير مراداً به الملائكة؟ (٣) .
فالجواب: أضاف الله تعالى قرب الملائكة إليه لأن قربهم بأمره وهم جنوده ورسله (٤) .
وقد جاء نحو هذا التعبير مراداً به الملائكة كقوله تعالى: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ (٥) [القيامة: ١٨] فإن المراد به قراءة جبريل القرآن على رسول الله ﷺ مع أن الله تعالى أضاف القراءة إليه لكن لما كان جبريل يقرؤه على النبي ﷺ بأمر الله تعالى
صحت إضافة القراءة إليه تعالى، وكذلك جاء في قوله تعالى: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط﴾ [هود: ٧٤] وإبراهيم إنما كان يجادل الملائكة الذين هم رسل الله تعالى (٦) .
стр. 266
** المثال التاسع والعاشر:
قوله تعالى عن سفينة نوح:﴾ تجري بأعيننا ﴿ [القمر: ١٤] وقوله لموسى:﴾ ولتصنع على عيني ﴿ [طه: ٣٩]
والجواب: أن المعنى في هاتين الآيتين على ظاهر الكلام وحقيقته لكن ما ظاهر الكلام وحقيقته هنا؟ (١) .
هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن السفينة تجري في عين الله أو أن موسى ﵊ يربى فوق عين الله تعالى (٢) .
أو يقال: إن ظاهره أن السفينة تجرى وعين الله ترعاها وتكلؤها وكذلك تربية موسى تكون على عين الله تعالى يرعاه ويكلؤه بها (٣) .
ولا ريب أن القول الأول باطل من وجهين:
الأول: أنه لا يقتضيه الكلام بمقتضى الخطاب العربي (٤) والقرآن إنما نزل بلغة العرب.
стр. 267
قال الله تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون﴾ [يوسف:٢] وقال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٥] ولا أحد يفهم من قول القائل: فلان يسير بعيني أن المعنى أنه يسير داخل عينه ولا من قول القائل: فلان تخرج على عيني أن تخرجه كان وهو راكب على عينه (١) ولو ادعى مدع أن هذا ظاهر اللفظ في هذا الخطاب لضحك منه السفهاء فضلاً عن العقلاء (٢) .
الثاني: أن هذا ممتنع غاية الامتناع ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره أن يفهمه في حق الله تعالى لأن الله تعالى مستو على عرشه بائن (٣)
стр. 268
من خلقه لا يحل فيه شيء من مخلوقاته ولا هو حال في شيء من مخلوقاته عن ذلك علواً كبيراً.
فإذا تبين بطلان هذا من الناحية اللفظية والمعنوية تعين أن يكون ظاهر الكلام هو القول الثاني أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها وكذلك تربية موسى تكون على عين الله يرعاه ويكلؤه بها وهذا معنى قول بعض السلف: " بمرأى مني " (١) فإن الله تعالى إذا كان يكلؤه بعينه لزم من ذلك أن يراه ولازم المعنى الصحيح جزء منه كما هو معلوم من دلالة اللفظ حيث تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام (٢)
. -
стр. 269
المثال الحادي عشر:
قوله تعالى (١) في الحديث القدسي: " وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعادني لأعيذنه "
والجواب: أن هذا الحديث صحيح رواه البخاري في باب التواضع الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق.
وقد أخذ السلف أهل السنة والجماعة بظاهر الحديث وأجروه على حقيقته ولكن ما ظاهر هذا الحديث؟
هل يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يكون سمع الولى وبصره ويده ورجله؟ (٢)
أو يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يسدد الولى في سمعه وبصره ويده.
стр. 270
ورجله بحيث يكون إدراكه وعمله لله وبالله وفي الله؟ (١)
ولا ريب أن القول الأول ليس ظاهر الكلام بل ولا يقتضيه الكلام لمن تدبر الحديث فإن في الحديث ما يمنعه من وجهين:
الأول: أن الله تعالى قال: " وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه وقال: " ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه " فأثبت عبداً ومعبوداً (٢) ومتقرباً إليه (٣) ومحباً ومحبوباً وسائلا ومسؤولاً ومعطياً ومعطى ومستعيذاً ومستعاذاً به ومعيذاً ومعاذاً فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين كل واحد منهما غير الآخر وهذا يمنع أن يكون أحدهما وصفاً في الآخر أو جزءاً من أجزائه.
الوجه الثاني: أن سمع الولى وبصره ويده ورجله كلها أوصاف أو أجزاء في مخلوق (٤) حادث بعد أن لم يكن ولا يمكن لأي عاقل أن يفهم أن الخالق الأول الذي ليس قبله شيء يكون سمعاً وبصراً ويداً ورجلاً لمخلوق بل إن هذا المعنى تشمئز منه النفس أن تتصوره ويحسر اللسان أن ينطق به ولو على سبيل الفرض والتقدير فكيف يسوغ أن يقال إنه ظاهر الحديث القدسي وأنه قد صرف عن هذا الظاهر؟ سبحانك اللهم وبحمدك لا نحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك وإذا تبين بطلان القول الأول وامتناعه تعين القول الثاني وهو أن الله تعالى يسدد هذا الولى في سمعه وبصره وعمله بحيث يكون إدراكه
стр. 271
بسمعه وبصره وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصاً (١) وبالله تعالى استعانة (٢) وفي الله تعالى شرعاً وإتباعا (٣) فيتم له بذلك كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة وهذا غاية التوفيق وهذا ما فسره به السلف وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ موافق لحقيقته متعين بسياقه وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره ولله الحمد والمنة.
******
***
*
**
стр. 272
المثال الثاني عشر:
قوله ﷺ فيما يرويه عن الله تعالى (١) أنه قال: " من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ومن أتاني يمشى أتيته هرولة "
وهذا الحديث صحيح رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء (٢) من حديث أبي ذر ﵁ وروى نحوه من حديث أبي هريرة أيضاً وكذلك روى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ في كتاب التوحيد الباب الخامس عشر (٣) .
وهذا الحديث كغيره من النصوص الدالة على قيام الأفعال الاختيارية (٤) بالله تعالى وأنه سبحانه فعال لما يريد كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ (٥)
[البقرة: ١٨٦] وقوله: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ (٦) [الفجر: ٢٢] وقوله: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي
стр. 273
ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ (الأنعام: ١٥٨] (١) وقوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] (٢) وقوله ﷺ : " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر " (٣) وقوله ﷺ : " ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه " (٤) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قيام الأفعال الاختيارية به تعالى.
فقوله في هذا الحديث: " تقربت منه وأتيته هرولة " (٥)
من هذا الباب.
стр. 274
والسلف أهل السنة والجماعة يجرون هذه النصوص على ظاهرها وحقيقة معناها اللائق بالله من غير تكييف ولا تمثيل قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول ص (٤٦٦) جـ (٥) من مجموع الفتاوى: " وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه ومجيئه يوم القيامة ونزوله واستواءه على العرش وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث والنقل عنهم بذلك متواتر " ا. هـ
فأي مانع يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟ وأي مانع يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل؟ .
وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالاً لما يريد على الوجه الذي به يليق؟
وذهب بعض الناس (١) إلى أن قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: "
= ما ذكره المؤلف حفظه الله من ان المعنى الثاني للحديث هو كناية عن المجازاة بأفضل وأعظم مما يفعل العبد فهذا ما ذكره أكثر شراح الحديث مثل:
القرطبي في المفهم (٧/١٥) ، والعيني على البخاري (٢٥/١٠١) والسيوطي في التوشيح (٩/٤٢٧٩) ، والقسطلاني على البخاري (١٥/٤٢٩) ، والحافظ في الفتح (١٣/٥٢٢) وذكر الشيخ ابن عثيمين ان شيخ الإسلام يميل إلى هذا الرأي، وقد اعترض بعض الناس على المؤلف هذا القول واعتبر ان القول الأول هو قول السلف مع أن المؤلف اعتبر ان القولين للسلف بقوله حفظه الله في شرحه للبخاري ص٧٤ من المخطوط هذا الحديث: " وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلى ذراعاً تقربت له باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " في هذه الجمل الثلاث بيان فضل الله وأنه يعطي أكثر مما فعل من أجله أي يعطي العامل أكثر مما عمل وهذه القاعدة في ثواب الله أنه يعطي أكثر مما فعل من أجله جاء في القرآن ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾ هذه الجمل الثلاث تدل على هذا المعنى العظيم وأن عطاء الله وثوابه أكثر من عمل العبد وكدحه يقول جل وعلا " إن تقرب إلى بشبر تقربت إليه ذراعاً " الشبر مسافة ما بين طرف الخنصر إلى طرف الإبهام عند مد اليد والذراع مسافة ما بين طرف الأصبع الوسطى إلى عظم المرفق وهذا هو الذي كان يقدر به سابقاً الشبر والذراع والباع وما أشبه ذلك =
стр. 275
= وقوله: " إن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً " اختلف العلماء في معنى هذه الجملة وما بعدها:
فقيل إن هذا على حقيقته وأن الإنسان إذا تقرب إلى الله شبراً تقرب إليه ذراعاً وعلى هذا فيكون هذا القول في العبادات التي تحتاج إلي مشى كالسعي إلى المساجد والسعي إلى الحج وما أشبه ذلك ويخرج العبادات التي لا يكون فيها مشى ولكنها كالتي تحتاج إلى مشى أي أن الله يعطي العامل أكثر مما عمل.
وقيل إن هذا على سبيل المثال وأن الإنسان إذا تقرب إلى الله بقلبه تقرب الله إليه على كيفية لا نعلمها، نحن بأنفسنا نعلم كيف نتقرب إلى الله لكن تقرب الله إلينا لا نعلمه فالمعنى أن الإنسان إذا تقرب إلى الله بقلبه فإن الله تعالى يتقرب إليه على كيفية لا تعلم وذلك أن الإنسان يشعر بتقربه إلى الله بالقلب أحياناً يكون قلبه ذاكراً لله فيشعر أنه قريب من الله وأحياناً يكون غافلاً فالمعنى إذا تقرب الإنسان إلى ربه بالقلب ومن المعلوم ان العبادات تكون سبباً لتقرب القلب إلى الله كما قال النبي ﷺ " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " ولهذا وأنت ساجد بأنك قريب من الله وأن الله في السماء فيكون على هذا القول يكون هذا من باب ضرب المثل وليس على الحقيقة وهذا القول أحسن من الأول لأنه يشمل بدلالة المطابقة جميع العبادات والأول يختص بالعبادات ذات السعي والمشي وكذلك أيضاً قوله: " من تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً " أما قوله " وإن أتاني يمشى أتيه هرولة " فهذا أيضاً اختلف فيه العلماء هل هو على حقيقته أم لا؟ فقيل إنه على حقيقته ونحن إذا مشينا نعرف كيف نمشى أما الله فإننا لا نعرف كيفية مشيه ولا مانع من أن الله يمشي يقابل المتجه إليه فيقابله إذا أتاه يمشي يقابله بهرولة ويقال ان الذي يأتي سيأتي على صفة ما ولابد فإذا كان الله يأتي حقيقة فإنه لابد أن يأتي على صفة ما هرولة أو غير هرولة فإذا قال عن نفسه أتيته هرولة قلنا ما الذي يمنع أن يكون إتيانه هرولة إذا كنا نؤمن بأنه يأتي حقيقة ونحن نؤمن بأنه يأتي حقيقة فإذا كان يأتي حقيقة لابد أن يكون إتيانه على صفة من الصفات فإذا أخبرنا بأنه يأتي هرولة قلنا آمنا بالله لكن كيف هذه الهرولة؟ لا يجوز أن نكيفها ولا يجوز أن نتصورها هي فوق ما يتصور وفوق ما يتكلم به ولكن هذا القول يخص هذا الحكم بالعبادات التي يأتي إليها الإنسان مشياً
وتبقى العبادات الأخرى التي يفعلها الإنسان وهو قائم في مكانه تبقى غير مذكورة في هذا الحديث لكنها بمعناها.
يقول هذا من باب التمثيل أي من أسرع إلى رضاي وإلى عبادتي أسرعت إلى ثوابه سرعة أكثر من سرعة عمله وهذا القول يشمل جميع العبادات لأن الإنسان يسرع إلى العبادة إسراعاً بالبدن وأحياناً يسرع بالقلب فقط وهو ثابت في مكانه فالمهم أن لعلماء السلف في هذه المسالة قولين هل نبقيها على ظاهرها وإن كان سيخرج عنا بعض =
стр. 276
أتيته هرولة " يراد به سرعة قبول الله تعالى وإقباله على عبده المتقرب إلى المساجد ومشاعر الحجج والجهاد في سبيل الله ونحوها وتارة بالركوع والسجود ونحوهما. وقد ثبت عن النبي ﷺ : " أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " (١) بل قد يكون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه كما قال الله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: ١٩١] وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين: " صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب " (٢) .
قال: فإذا كان كذلك صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله تعالى العبد على عمله وأن من صدق في الإقبال على ربه وإن كان بطيئاً جازاه الله
стр. 277
= العبادات إلا أنها تثبت بالقياس أو نقول إن هذا كناية عن أن فضل الله أكثر من عمل العامل وكأن شيخ الإسلام ﵀ يميل إلى هذا الرأي الأخير أنه من باب ضرب المثال ونؤيد هذا بأنه ليس جميع العبادات تحتاج إلى سعى ومشى وإبقاء الحديث على عمومه المعنوي في جميع العبادات أولى من كوننا نخصه في بعض العبادات التي لا تكون عشر العبادات الأخرى أي العبادات التي تحتاج إلى مشي قليل فكوننا نحمل الحديث على عموم العبادات ونجعل هذا من باب ضرب المثل وما زال الناس يضربون المثل في هذا يقول أنا إذا رأيتك تقبل على فسوف أعطيك بالخطوة خطوتين أو إذا أقبلت مشياً أقبل إليك مسرعاً أو إذا مشيت إلي بالأقدام أمشي إليك بالجفون وهذا أسلوب عربي معروف وما زال إلى يومنا هذا، وبهذا يزول إشكال الحديث إن حملناه على الحقيقة لم يفتنا على هذا الحمل إلا شيء واحد وهو العبادات التي لا تحتاج إلى مشي ولا إلى مسافة وإن حملناه على ضرب المثل عم جميع العبادات وهذا المثل معروف من أساليب اللغة العربية ا. هـ.
تعالى بأكمل من عمله وأفضل وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه.
وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية (١) لم يكن تفسيره به خروجاً به عن ظاهره ولا تأويلاً كتأويل أهل التعطيل فلا يكون حجة لهم على أهل السنة ولله الحمد.
وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق (٢) بمذهب السلف.
ويجاب عما جعله قرينة من كون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه لا يختص بالمشي بأن الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر فيكون المعنى من أتاني يمشى (٣) في عبادة تفتقر إلى المشي لتوقفها عليه بكونه وسيلة لها كالمشي إلى المساجد للصلاة أو من ماهيتها كالطواف والسعي والله تعالى أعلم.
стр. 278
** المثال الثالث عشر: (١)
قوله تعالى:﴾ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً ﴿ [يس:٧١]
والجواب: أن يقال ما هو ظاهر هذه الآية وحقيقتها حتى يقال إنها صرفت عنه؟ هل يقال: إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام بيده كما خلق آدم بيده؟ (٢) .
أو يقال: إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها لم يخلقها بيده لكن إضافة العمل إلى اليد والمراد صاحبها معروف في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أما القول الأول فليس هو ظاهر اللفظ لوجهين:
أحدهما: أن اللفظ لا يقتضيه بمقتضى اللسان العربي الذي نزل القرآن به ألا ترى قوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ ... [الشورى: ٣٣] وقوله: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١] وقوله: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم﴾ [آل عمران: ١٨٢] .
فإن المراد ما كسبه الإنسان نفسه وما قدمه وإن عمله بغير يده (٣) بخلاف ما إذا قال: عملته بيدي (٤) .
стр. 279
كما في قوله تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله﴾ [البقرة: ٧٩] فإنه يدل على مباشرة الشيء باليد (١) .
الثاني: أنه لو كان المراد أن الله تعالى خلق هذه الأنعام بيده لكان لفظ الآية خلقنا لهم بأيدينا أنعاماً (٢) كما قال الله تعالى في آدم: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي (٣) [ص: ٧٥] لأن القرآن نزل بالبيان لا بالتعمية لقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩] .
وإذا ظهر بطلان القول الأول تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني وهو أن ظاهر اللفظ أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها (٤) ولم يخلقها بيده لكن إضافة العمل إلى اليد كاضافته إلى النفس بمقتضى اللغة العربية بخلاف ما إذا أضيف إلى النفس وعدى بالباء فتنبه للفرق فإن التنبه للفروق بين المتشابهات (٥) من أجود أنواع العلم (٦) وبه يزول كثير من الإشكالات (٧) .
**
стр. 280
المثال الرابع عشر: (١)
قوله تعالى:﴾ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ﴿ [الفتح: ١٠]
والجواب: أن يقال: هذه الآية تضمنت جملتين:
الجملة الأولى: قوله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك (٢) إنما يبايعون الله﴾
في أن الصحابة ﵃ كانوا يبايعون النبي ﷺ نفسه كما في قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ [الفتح:١٨] .
ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله تعالى: ﴿إنما يبايعون الله﴾ [الفتح:١٠] أنهم يبايعون الله نفسه (٣) ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ لمنافاته (٤) لأول الآية والواقع (٥) واستحالته في حق الله تعالى (٦) .
وإنما جعل الله تعالى مبايعة الرسول ﷺ مبايعة له لأنه رسوله وقد بايع الصحابة على الجهاد في سبيل الله تعالى ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله مبايعة لمن أرسله لأنه رسوله المبلغ عنه كما أن طاعة الرسول طاعة لمن أرسله لقوله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله] [النساء: ٨٠] .
стр. 281
وفي إضافة مبايعتهم الرسول ﷺ إلى الله تعالى من تشريف النبي ﷺ وتأييده وتوكيد هذه المبايعة وعظمها ورفع شأن المبايعين ما هو ظاهر لا يخفى على أحد.
الجملة الثانية: قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح: ١٠] وهذه أيضاً على ظاهرها وحقيقتها فإن يد الله تعالى فوق أيدي المبايعين لأن يده من صفاته وهو سبحانه فوقهم على عرشه فكانت يده فوق أيديهم (١)
وهذا ظاهر اللفظ وحقيقته وهو لتوكيد كون مبايعة النبي صلى الله عليه سلم مبايعة الله ولا يلزم منها أن تكون يد الله جل وعلا مباشرة لأيديهم ألا ترى أنه يقال: السماء فوقنا مع أنها مباينة لنا بعيدة عنا فيد الله فوق أيدي المبايعين لرسوله ﷺ مع مباينته تعالى لخلقه وعلوه عليهم.
ولا يمكن لأحد أن يفهم أن المراد بقوله: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح: ١٠] يد النبي ﷺ (٢) ولا أن يدعى أن ذلك ظاهر اللفظ لأن الله تعالى أضاف اليد إلى نفسه ووصفها بأنها فوق أيديهم ويد النبي ﷺ عند مبايعة الصحابة لم تكن فوق أيديهم بل كان يبسطها إليهم فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم فيده مع أيديهم لا فوق أيديهم.
стр. 282
** المثال الخامس عشر (١)
قوله تعالى في الحديث القدسي: " يا بن آدم مرضت فلم تعدني " الحديث
وهذا الحديث رواه مسلم في باب فضل عيادة المريض من كتاب البر والصلة والآداب رقم (٤٣) ص (١٩٩٠) ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي رواه مسلم (٢)
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال: أما علمت ان عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ".
والجواب: أن السلف أخذوا بهذا الحديث لم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به (٣) فقوله
стр. 283
تعالى: " مرضت واستطعمتك واستسقيتك " بينه الله تعالى بنفسه حيث قال: " أما علمت أن عبدي فلاناً مرض وأنه استطعمك عبدي فلان واستسقاك عبدي فلان " وهو صريح في أن المراد به مرض عبد من عباد الله واستطعام عبد من عباد الله واستسقاء عبد من عباد الله (١) والذي فسره بذلك هو الله المتكلم به وهو اعلم بمراده فإذا فسرنا المرض
المضاف إلى الله والاستطعام المضاف إليه والاستسقاء المضاف إليه بمرض العبد واستطعامه واستسقائه لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره لأن ذلك تفسير المتكلم به فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداء وإنما أضاف الله ذلك إلى نفسه أولاً للترغيب والحث كقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله﴾ [البقرة: ٢٤٥]
وهذا الحديث من أكبر الحجج الدامغة لأهل التأويل الذين يحرفون نصوص الصفات عن ظاهرها بلا دليل من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسوله ﷺ وإنما يحرفونها بشبه باطلة هم فيها متناقضون مضطربون إذ لو كان المراد خلاف ظاهرها كما يقولون لبينه الله تعالى ورسوله ولو كان ظاهرها ممتنعاً على الله - كما زعموا - لبينه الله ورسوله كما في هذا الحديث. ولو كان ظاهرها اللائق بالله ممتنعاً على الله لكان في الكتاب والسنة من وصف الله تعالى بما يمتنع عليه ما لا يحصى إلا بكلفة وهذا من أكبر المحال ,
ولنكتف بهذا القدر من الأمثلة لتكون نبراساً لغيرها (٢) وإلا فالقاعدة
стр. 284
عند أهل السنة والجماعة معروفة وهي إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في قواعد نصوص الصفات والحمد لله رب العالمين.
فقد ورد عن مجاهد أنه قال في تفسير هذه الآية: " قبلة الله فأينما كنت في شرق أو غرب فلا توجهن إلا إليها ".
وقد احتج النفاة بهذا على أن التأويل وارد عن السلف وذكروا ذلك في مناظرتهم لشيخ الإسلام ابن تيمية.
ورد عليهم شيخ الإسلام بأن هذا قد صح عن مجاهد والشافعي وهو حق لكن الآية ليست من آيات الصفات حتى يجعل النافية تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع وبين أن من عدها في آيات الصفات فقد غلط، وإن كان فيها ذكر الوجه فالمقصود به في الآية القبلة فإن الوجه في لغة العرب هو الجهة يقال: أي وجه تريد؟ أي: أي جهة؟ ويقال: قصدت هذا الوجه، وسافرت إلى هذا الوجه أي: إلى هذه الجهة كما قال تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ [سورة البقرة: ١٤٨] وسياق الكلام في الآية يدل على المراد فإنه قال: (ولله المشرق والمغرب) والمشرق والمغرب جهات ثم قال: (فأينما تولوا فثم وجه الله) و" أين " من الظروف، و " تولوا " أي: تستقبلوا.
فالمعنى: أي موضع استقبلتموه فهنالك وجه الله فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله وأخبر ان الجهات له فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف كأنه قال: جهة الله وقبلة الله.
والغرض أنه إذا قيل: " فثم قبلة الله " لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات ولا هو مما يستدل به على المثبتة فإن هذا المعنى صحيح في نفسه والآية دالة عليه.
٢ - ... قوله تعالى:﴾ يوم يكشف عن ساق ﴿ [ن: ٤٢]
فقد ورد عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: " هو الأمر الشديد المفضع من الهول يوم القيامة " وعن عكرمة نحو هذا التفسير وقد احتج بهذا نفاة الصفات من أهل التأويل وجعلوه من أدلتهم لتسويغ التأويل لآي الصفات. والجواب عن ذلك أن يقال: إن هذه الآية ليست صريحة في إثبات الساق صفة لله ولذلك فسرها من فسرها من السلف بالكشف عن أمر شديد كما يقال كشفت الحرب عن ساق، فليس هذا التفسير من باب تأويل الصفات ولذلك نجد السلف ﵏ يثبتون صفة الساق كما ورد في التصريح بها في حديث أبي سعيد في الصحيحين وفيه: " فيكشف عن ساقه " يعني الرب وهذا
стр. 285
= يدل على أنهم لم يقصدوا تأويل الصفة وإنما فسروا الآية بما ظهر من معناها يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
" ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال " يوم يكشف عن ساق " نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر ومثل هذا ليس بتأويل، وإنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف "
وبهذا يتبين لنا أنه لا حجة لنفاة الصفات من أهل التأويل فيما زعموه من أن السلف تأولوا بعض نصوص الصفات.
وقد ظهر مما سبق أن تفسيرات السلف لهذه النصوص موافقة لظواهرها اللائقة بالله تعالى وأن تفسيراتهم هذه قد دلت عليها القرائن الصحيحة المتصلة بالنص أو المنفصلة عنه.
وقد عرفنا فيما مضى أن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ " إذا كان مجملاً وظاهراً وقد فسر معناه وبينه كلام آخر متصل به أو منفصل عنه فتفسيره بهذا الكلام الآخر ليس فيه خروج عن كلام الله ورسوله ولا عيب في ذلك ولا نقص "
وليس هو من التأويل المذموم الذي هو مدار النزاع بين أهل السنة ومخالفيهم من أهل التأويل فإن أهل التأويل المذموم يجعلون ظواهر كثير من الألفاظ الشرعية دالة على ما ليست بمدلولة له من الكفر والإلحاد ثم يريدون صرفها عنه فوقعوا في محذورين:
أحدهما: ظنهم الباطل في ظواهر النصوص الشرعية.
والثاني: تحريفهم لمعاني النصوص الحقيقية.
والمقصود أن التأويل ليس كله باطلاً بل منه ما هو باطل ومنه ما هو حق وهو ما توافرت فيه شروط التأويل الصحيح سواء سمى تأويلاً أو تفسيراً أو غير ذلك ومن أمثلته:
قوله تعالى: ﴿الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [النعام: ٨٢] . = = = = = =
فالتأويل الصحيح للظلم هنا هو الشرك كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن لقمان: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان:١٣] وكما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ قال الصحابة: " يعنى أصحاب النبي ﷺ وأينا لم يظلم؟ فنزلت: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾
ومن هنا نعلم أن النصوص الشرعية يجوز تأويلها وذلك بتخصيص عمومها وتقييد مطلقها وبيان مجملها إذا توافرت في النص شروط التأويل الصحيح واعتمد على أدلة سليمة.