стр. 36
← Акыда следующие страницы →
Акыда · id 6942
المجلى في شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى
كاملة الكواري
Полный текст (344 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 37
تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) [الأعراف: ١٨٠] وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة (١) لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالا ولا تقديراً (٢)
مثال ذلك: " الحي " اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال (٣) الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.
ومثال آخر: " العليم " اسم من أسماء الله متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان قال الله تعالى: (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) [طه: ٥٢] العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال خلقه قال الله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) [الأنعام: ٥٩] (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) [هود: ٦] (يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور) [التغابن: ٤]
стр. 38
مثال ثالث:: " الرحمن " اسم من أسماء الله تعالى متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم: " لله أرحم بعباده من هذه بولدها " (١)
يعني: أم صبي وجدته في السبي (٢)
فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته ومتضمن أيضاً للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: (ورحمتي وسعت كل شيء) [الأعراف: ١٥٦] وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً) [غافر: ٧]
[أسماء الله المقترنة]
والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده (٣)
стр. 39
ويكون باعتبار جمعه إلى غيره (١) فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال (٢)
مثال ذلك: "العزيز الحكيم" فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيراً (٣) .
فيكون كل منهما دالاً على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو العزة في العزيز (٤) والحكم والحكمة (٥) في الحكيم والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة فعزته لا تقتضي ظلماً وجوراً وسوء فعل كما قد يكون من أعزاء المخلوقين (٦) فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة
стр. 40
بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف (١) وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل (٢)
ملحق القاعدة الأولى
ذكرنا في الحاشية على القاعدة الأولى أننا سنتكلم في الملحق عن:
١ - تفصيل القول في كلام المؤلف (لا احتمالا ولا تقديراً)
٢ - الأسماء المقترنة.
أولاً: المراد من قول المؤلف (لا احتمالا ولا تقديراً)
سوف يتضح المراد من خلال تقسيمنا الألفاظ إلى أربعة أقسام وهي:
١ - إما أن تدل على معنى ناقص لا كمال فيه كالعجز والفقر والعمى فهذا لا يجوز أن يسمى الله به فلا يسمى بالعاجز أو الفقير أو الخائن
٢ - ألفاظ تدل على النقص في حال وعلى الكمال في حال أي تحمل الوجهين في نفس المعنى مثل: المكر، الكيد، الاستهزاء فهذا لا يسمى الله به أيضاً فلا يقال: الماكر والمخادع والمستهزئ كما سيأتي في قواعد الصفات وهذا هو مراد المؤلف من لا احتمالا.
٣ - ألفاظ تدل على الكمال لكن تحمل النقص بالتقدير الذهني كالمتكلم، والمريد، والفاعل والشائي (الذي يشاء) .
مثاله: المتكلم قد يتكلم بخير وقد يتكلم بشر فلا يسمى الله به لأن أسماءه لا تحمل النقص ولو بالتقدير.
стр. 41
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الأصفهانية ص ٥: (وأما تسميته سبحانه بأنه مريد وأنه متكلم فإن هذين الاسمين لم يردا في القرآن ولا في الأسماء الحسنى المعروفة، ومعناهما حق، ولكن الأسماء الحسنى المعروفة هى التي يدعى الله بها وهي التي جاءت في الكتاب والسنة وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها والعلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك هي في نفسها صفات مدح والأسماء الدالة عليها أسماء مدح وأما الكلام والإرادة فلما كان جنسه ينقسم إلى محمود كالصدق والعدل وإلى مذموم كالظلم والكذب والله تعالى لا يوصف إلا بالمحمود دون المذموم جاء ما يوصف به من الكلام والإرادة في أسماء تخص المحمود كاسمه الحكيم والرحيم والصادق والمؤمن والشهيد والرؤوف والحليم والفتاح ونحو ذلك.
فلهذا لم يجئ في أسمائه الحسنى المأثورة المتكلم المريد ا. هـ باختصار.
وقال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (٣/٤١٥) :
(وما كان مسماه منقسماً إلى كامل وناقص وخير وشر لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى كالشيء والمعلوم ولذلك لم يسم بالمريد ولا بالمتكلم وإن كان له الإرادة والكلام لانقسام مسمى " المريد " و " المتكلم " وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى فتأمله وبالله التوفيق) ا. هـ بتصرف وانظر بدائع الفوائد (١/١٦١)
٤ - ألفاظ دالة على غاية الكمال وليس فيها نقص أبداً لا احتمالا ولا تقديراً وهذا هو الذي يسمى الله به كالأمثلة التي ضربها المؤلف
ولمزيد من الإيضاح ننقل كلام الشيخ ابن عثيمين في شرحه على صحيح البخاري المخطوط ص ١٢ حيث قال حفظه الله:
(كل أسماء الله حسنى ولذلك قال الله تعالى: (وله الأسماء الحسنى) والحسنى اسم تفضيل يقابله في المذكر أحسن يقال رجل أحسن وامرأة حسنى، وهنا قال الأسماء الحسنى فجعل الوصف وصف مؤنث لأن الأسماء جمع والجمع يوصف بالمؤنث إلا
стр. 42
جمع العاقل فيوصف بحسب ما يقتضيه المعنى، إن كان للذكور فجمع مذكر سالم وإن كان للإناث فجمع مؤنث سالم أما غير العاقل فإنه يجمع وصفه على جمع المؤنث، إذاً أسماء الله تعالى كلها حسنى والحسنى هي المشتملة على أكمل وجوه الحسن فهي حسنى ليس فيها نقص بوجه من الوجوه فيفهم من هذه القاعدة - أنه لا يوجد في أسماء الله اسم يحتمل معنيين، معنى حسن ومعنى غير حسن ولهذا لم يكن من أسماء الله المتكلم ولا من أسمائه المريد مع أنه متكلم مريد، قال العلماء: لأن المتكلم من قام به الكلام والكلام قد يكون حسناً وقد يكون سيئاً وكذلك الإرادة ولهذا لا يصح أن نسمى الله بالمتكلم أو نسمى الله بالمريد لكن يوصف بأنه متكلم وأنه مريد لأن باب الإخبار أوسع من باب التسمية لأن التسمية إنشاء تنشأ اسما للمسمى الذي تريد أن تسميه لكن الإخبار مجرد خبر ليس بإنشاء ولذلك قالوا الإخبار أوسع من الإنشاء فقد يخبر عن الشيء بشيئين ولا يسمى به مثل المتكلم وحينئذ يمكن أن نقسم ما يضاف إلى الله إلى أربعة أقسام: -
القسم الأول: - ما تضمن كمال الحسن فهذا يكون من أسمائه.
القسم الثاني: ما كان حسناً من وجه دون وجه فهذا يخبر به عنه ولا يسمى به
القسم الثالث: - ما كان محموداً في حال دون حال فهذا يوصف به في الحال التي يكون فيها محموداً ولا يسمى به على الإطلاق مثل المكر والخداع والاستهزاء والكيد هذه أوصاف إن ذكرت في مقابل من يعامل بهذه الأوصاف صارت أوصافاً محمودة ويوصف الله بها وإلا فلا فمثلاً المكر وصف الله نفسه بأنه يمكر ولكن وصفاً مقيداً بمن يمكر به فقال: (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) فلا يصح أن تقول إن الله ماكر وهذا هو الفرق بين هذا وبين قولنا الله متكلم لأنه يجوز أن نقول أن الله متكلم على وجه الإطلاق لكن لا يجوز أن تقول أن الله ماكر إلا إذا قيدته فقلت ماكر بمن يمكر به لأن المكر لا يكون مدحاً إلا حيث كان في مقابل مكر آخر ليتبين به أن قوة الله أقوى من قوة هذا الماكر وكذلك نقول في الخداع
стр. 43
(يخادعون الله وهو خادعهم) فلا تصح بأن تصف الله بأنه خادع أو مخادع على وجه الإطلاق قل خادع من يخادعه كذلك المستهزئ لا يصح أن نقول الله مستهزئ على سبيل الإطلاق بل نقول مستهزئ بمن يستهزئ به وكذلك الكيد نقول إن الله لا يكيد على أحد إلا من كاد عليه لقوله تعالى (إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً)
القسم الرابع: - مالا يصح أن ينسب لله إطلاقاً وهو ما تضمن نقصاً مطلقاً فهذا لا يصح أن يضاف إلى الله إطلاقاً مثل الخائن والعياذ بالله هذا لا يمكن أن نصف الله به مطلقاً ا. هـ.
ثانياً: الأسماء المقترنة (١)
من يقرأ كتاب الله يلاحظ اقتران أسماء الله الحسنى بعضها ببعض نحو الغنى الحميد والسميع البصير فما سر هذا الاقتران؟
إن كل اسم من أسماء الله تعالى يتضمن صفة من صفاته سبحانه وكل صفة من صفاته صفة كمال فإذا اقترنت صفة كمال بصفة كمال أخرى نشأ عن ذلك كمال آخر غير الكمال الذي يدل عليه الاسم الواحد والصفة الواحدة مثال ذلك (الغفور الرحيم) فالمغفرة صفة كمال والرحمة صفة كمال آخر واقتران مغفرته برحمته كمال ثالث فيستحق سبحانه الثناء على مغفرته والثناء على رحمته والثناء على اجتماعهما
أضف إلى ما سبق أن اقتران الصفات الإلهية ببعضها كمال عظيم ينشأ منه خير وفضل يحتاجه ويفيد منه العباد، كاقتران الغنى بالكرم مثلاً في قوله تعالى (فإن ربي غني كريم) [النمل: ٤٠] إذ من المعلوم أنه ليس كل غني كريماً وليس كل كريم غنياً وإنك لن تفيد من الغني إذا كان بخيلاً ولا من الكريم إذا كان فقيراً وليس هناك من غني كريم غناه تام وكرمه تام إلا الله تعالى الأمر الذي يدفع بالعبد إلى الاعتماد عليه سبحانه وحده ورجائه دون غيره.
стр. 44
إن ما سبق ليس سوى توضيح للكمال الذي ينشأ من اقتران الغنى بالكرم ولا ريب أن هناك كمالات أخرى عظيمة تنشأ من اقتران أسماء إلهية أخرى بعضها ببعض.
ومما ورد ذكره من الأسماء الحسنى مقترنا في القرآن الكريم:
١ - الله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين: الفاتحة
٢ - الله أحد الله الصمد: الإخلاص
٣ - البر الرحيم: الطور:٢٨
٤ - التواب الرحيم: البقرة: ١٢٨
٥ - الحق المبين: النور: ٢٥
٦ - الحكيم الحميد: فصلت: ٤٢
٧ - الحكيم الخبير: الأنعام: ١٨
٨ - الحكيم العليم: الحجر: ٢٥
٩ - ... الحليم الغفور: الإسراء: ٤٤
١٠ - الحميد المجيد: هود: ٧٣
١١ - الحي القيوم: البقرة: ٢٥٥
١٢ - الخبير البصير: الإسراء: ١٧
١٣ - الخالق البارئ المصور: الحشر: ٢٤
١٤ - الخلاق العليم: الحجر: ٨٦
١٥ - الرب الرحيم: يس: ٥٨
١٦ - الرؤوف الرحيم: البقرة: ١٤٣
١٧ - الرحمن الرحيم: الفاتحة
١٨ - الرحيم الغفور: سبأ: ٢
١٩ - الرحيم الودود: هود: ٩٠
стр. 45
٢٠ - السميع البصير: الشورى: ١١
٢١ - السميع العليم: آل عمران: ٣٤
٢٢ - السميع القريب: سبأ: ٥٠
٢٣ - الشاكر العليم: النساء: ١٤٧
٢٤ - الشكور الحليم: التغابن: ١٧
٢٥ - العليم الحليم: الحج: ٥٩
٢٦ - العليم الحكيم: الأنفال: ٧١
٢٧ - العليم القدير: الشورى: ٥٠
٢٨ - العليم الخبير: التحريم:٣
٢٩ - العفو الغفور: النساء: ٤٣
٣٠ - العفو القدير: النساء: ١٤٩
٣١ - العزيز الوهاب: ص: ٩
٣٢ - العزيز الحكيم: آل عمران: ٦٢
٣٣ - العزيز الحميد: إبراهيم: ١
٣٤ - العزيز الرحيم: الشعراء: ٢١٧
٣٥ - العزيز العليم: غافر: ٢
٣٦ - العزيز الغفور: الملك: ٢
٣٧ - العزيز الغفار: ص: ٦٦
٣٨ - العزيز المقتدر: القمر: ٤٢
٣٩ - العلي الحكيم: الشورى: ٥١
٤٠ - العلي الكبير: الحج: ٦٢
٤١ - العلي العظيم: الشورى: ٤
٤٢ - الغفور الحليم: آل عمران: ١٥٥
٤٣ - الغفور الشكور: الشورى: ٢٣
стр. 46
٤٤ - الغفور الرحيم: البقرة: ٢١٨
٤٥ - الغني الكريم: النمل: ٤٠
٤٦ - الغني الحميد: البقرة: ٢٦٧
٤٧ - الغني الحليم: البقرة: ٢٦٣
٤٨ - الفتاح العليم: سبأ: ٢٦
٤٩ - القوي العزيز: هود: ٦٦
٥٠ - القريب المجيب: هود: ٦١
٥١ - اللطيف الخبير: الأحزاب: ٣٤
٥٢ - الملك الحق: طه: ١١٤
٥٣ - الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر: الحشر: ٢٣
٥٤ - الملك القدوس العزيز الحكيم: الجمعة: ١
٥٥ - المليك المقتدر: القمر: ٥٥
٥٦ - الواسع الحكيم: النساء: ١٣٠
٥٧ - الواسع العليم: آل عمران: ٧٣
٥٨ - الواحد القهار: الرعد: ١٦
٥٩ - الولي الحميد: الشورى:٢٨
ومما ورد ذكره من الأسماء الإلهية مقترناً في السنة النبوية:
- التواب الغفور (١)
стр. 47
- الرحيم الحيي الكريم (١)
- الحيي الستير (٢)
- العظيم الحليم (٣)
ولعل الله ييسر لمن يفرد بحثاً في توضيح وجه الكمال في اقتران الأسماء في الكتاب والسنة.
وللإمام ابن القيم كلام جميل في الحكمة من اقتران أسماء الله تعالى
وختم الآيات بها أنقلها للفائدة فقال: ﵀: " أمر سبحانه بتدبر كلامه والتفكر فيه، وفي أوامره ونواهيه وزواجره ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة، التي هي محل الفكر لما كان للتفكر فيه معنى وإنما دعاهم إلى التفكر والتدبر ليطلعهم ذلك على حكمته البالغة وما فيه من الغايات والمصالح المحمودة التي توجب لمن عرفها إقراره بأنه تنزيل من حكيم حميد.
فإن ما في خلق الله وأمره من الحكم والمصالح المقصودة بالخلق والأمر والغايات الحميدة أمر تشهد به الفطر والعقول ولا ينكره سليم الفطرة.
ويذكر تعالى هذين الاسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه تنبيهاً على أنهما إنما صدرا عن حكمة مقصودة مقارنة للعلم المحيط التام لقوله: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) [النمل: ٦]
وقوله: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) [الزمر: ١]
стр. 48
فذكره العزة المتضمنة لكمال القدرة والتصرف، والحكمة المتضمنة لكمال الحمد والعلم.
وقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم) [المائدة: ٣٨]
وسمع بعض الأعراب قارئاً يقرؤها (والله غفور رحيم) فقال: ليس هذا كلام الله، فقال: أتكذب بالقرآن؟ فقال: لا ولكن لا يحسن هذا فرجع القارئ إلى خطئه فقال: (عزيز حكيم) فقال: صدقت
وإذا تأملت ختم الآيات بالأسماء والصفات وجدت كلامه مختتماً بذكر الصفة التي يقتضيها ذلك المقام حتى كأنها ذكرت دليلاً عليه وموجبة له وهذا كقوله: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) [المائدة: ١١٨] أي: فإن مغفرتك لهم مصدر عن عزة هي كمال القدرة لا عن عجز وجهل.
وقوله: (ذلك تقدير العزيز العليم) [يس: ٣٨وفصلت: ١٢والزخرف:٩] في عدة مواضع من القرآن يذكر ذلك عقيب ذكره الأجرام العلوية وما تضمنه من فلق الإصباح وجعل الليل سكناً وإجراء الشمس والقمر بحساب لا يعدوانه وتزيين السماء الدنيا بالنجوم وحراستها وأخبر أن هذا التقدير المحكم المتقن صادر عن عزته وعلمه ليس أمراً اتفاقياً لا يمدح به فاعله ولا يثنى عليه به كسائر الأمور الاتفاقية
ومن هذا ختمه سبحانه قصص الأنبياء وأممهم في سورة الشعراء عقيب كل قصة: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [الشعراء: ٩، ٦٨، ١٠٤، ١٢٢، ١٤٠، ١٥٩، ١٧٥، ١٩١] فإن ما حكم به لرسله وأتباعهم ولأعدائهم صادر عن عزة ورحمة فوضع الرحمة في محلها وانتقم من أعدائه بعزته ونجى رسله وأتباعهم برحمته والحكمة الحاصلة من ذلك أمر مطلوب مقصود وهي غاية الفعل لا أنها أمر اتفاقي.
وأخبر تعالى بأن حكمه أحسن الأحكام وتقديره أحسن التقادير ولولا
стр. 49
مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك إذ لو كان حسنه لكونه مقدوراً معلوماً كما يقوله النفاة لكان هو وضده سواء فإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فكان كل معلوم مقدور أحسن الأحكام وأحسن التقادير وهذا ممتنع قال تعالى: (ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) [المائدة: ٥٠] وقال: (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن) [النساء: ١٢٥] فجعل هذا أن يختار لهم ديناً سواه ويرتضي ديناً غيره كما يمتنع عليه العيب والظلم.
وقال تعالى: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين) [فصلت: ٣٣]
وقال: (فقدرنا فنعم القادرون) [المرسلات: ٢٣]
وقال: (فتبارك الله أحسن الخالقين) [المؤمنون: ١٤]
فلا أحسن من تقديره وخلقه لوقوعه على الوجه الذي اقتضته حكمته ورحمته وعلمه.
وقال تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) [الملك: ٣]
ولولا مجيئه على أكمل الوجوه وأحسنها ومطابقتها للغايات المحمودة والحكم المطلوبة لكان كله متفاوتاً أو كان عدم تفاوته أمراً اتفاقياً لا يحمد فاعله لأنه لم يرده ولم يقصده وإنما اتفق أن صار كذلك.
وتأمل حكمه القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ: السميع العليم (١) في الأعراف وحم السجدة
وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ السميع البصير في سورة حم المؤمن فقال: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ
стр. 50
بالله إنه هو السميع البصير) [غافر: ٥٦] لأن أفعال هؤلاء معاينة ترى بالأبصار وأما نزغ الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في القلب يتعلق بها العلم فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر ويدرك بالرؤية. كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين وتحذيرهم بما يذكره من صفاته
التي تقتضي الحذر والاستقامة كقوله: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم) [البقرة: ٢٠٩] وقوله: (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعاً بصيراً) [النساء: ١٣٤]
والقرآن مملوء من هذا وعلى هذا فيكون في معنى ذلك أني أسمع ما يردون به عليك وما يقابلون به رسالاتي، وأبصر ما يفعلون، ولا ريب أن المخاطبين بالرسالة بالنسبة إلى الإجابة والطاعة نوعان: أحدهما قابلوها بقولهم: صدقت، ثم عملوا بموجبها، والثاني قابلوها بالتكذيب ثم عملوا بخلافها، فكانت مرتبة المسموع منهم قبل مرتبة البصر فقدم ما يتعلق به على ما يتعلق بالمبصر
اقتران الواسع بالعليم:
قال تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) [البقرة: ٢٦١]
وقد ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها وهما الواسع والعليم فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطنه (١) فإن المضاعف واسع العطاء واسع الغنى واسع الفضل ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق فإنه عليم بمن تصلح له هذه
стр. 51
المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كرمه وفضله لا يناقض حكمته بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه.
اقتران الغني بالحليم:
قال تعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) [البقرة: ٢٦٣]
وختم الآية بصفتين مناسبتين لما تضمنته فقال: (والله غني حليم) وفيه معنيان:
أحدهما: أن الله غني عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم وإنما الحظ الأوفر لكم في الصدقة فنفعها عائد عليكم لا إليه فكيف يمن بنفقته ويؤذي مع غنى الله التام عنها وعن كل ما سواه ومع هذا فهو حليم إذ لا يعاجل المنان بالعقوبة وفي ضمن هذا الوعيد والتحذير
والمعنى الثاني: أنه مع غناه التام من كل وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح مع عطائه الواسع وصدقاته العميمة فكيف يؤذي أحدكم بمنه وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره.
ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السموات والأرض ولم تسعه أرضه ولا سمواته، ولم تحط به مخلوقاته بل هو العالي على كل شيء وهو بكل شيء محيط ولا تنفد كلماته ولا تبدل ولو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مداداً وأشجار الأرض أقلاماً فكتب بذلك المداد وبتلك الأقلام لنفد المداد وفنيت الأقلام ولم تنفد كلماته إذ هي غير مخلوقة (١)
стр. 52
стр. 53
عليه من المعاني وهي بالاعتبار الأول (١) مترادفة (٢) لدلالتها على مسمى واحد وهو الله وبالاعتبار الثاني (٣) متباينة (٤) لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص فـ " الحي العليم القدير السميع البصير الرحمن الرحيم العزيز الحكيم " كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله لكن معنى الحي غير معنى العليم غير معنى القدير وهكذا (٥)
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليه (٦) كما في قوله تعالى (وهو الغفور الرحيم) [الأحقاف:٨]
стр. 54
وقوله: (وربك الغفور ذو الرحمة) (١) [الكهف: ٥٨] فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم ولا سميع إلا لمن له سمع ولا بصير إلا لمن له بصر وهذا أمر أبين من أن يحتاج
إلى دليل (٢) .
وبهذا علم ضلال من سلبوا (٣) أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل (٤) وقالوا: " إن الله تعالى سميع بلا سمع وبصير بلا بصر وعزيز بلا
стр. 55
عزة وهكذا " (١) .
وعللوا ذلك بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء (٢) وهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع (٣) والعقل على بطلانها.
* أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد فقال تعالى (إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدىء ويعيد * وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال لما يريد) (٤) [البروج: ١٢-١٦]
стр. 56
وقال تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى * فجعله غثاءً أحوى) (١)
[الأعلى: ١-٥] ففي هذه الآيات الكريمة أوصاف كثيرة لموصوف واحد ولم يلزم من ثبوتها تعدد القدماء.
- وأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات (٢) بائنة (٣) من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد وإنما هي من صفات من اتصف بها فهي قائمة به وكل موجود (٤) فلابد له من تعدد صفاته ففيه صفة الوجود (٥)
стр. 57
أ) أن الوجود صفة كما ذكر المؤلف وهو مذهب الرازي.
وكونه واجب الوجود أو ممكن الوجود (١)
وكونه عيناً قائماً بنفسه أو وصفاً في غيره (٢)
[الدهر ليس من أسماء الله]
وبهذا أيضاً علم أن " الدهر" ليس من أسماء الله تعالى لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى (٣) ولأنه اسم للوقت والزمن (٤)
قال الله تعالى عن منكري البعث: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) [الجاثية: ٢٤] يريدون مرور الليالي والأيام.
فأما قوله ﷺ : " قال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " (٥) فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله "
стр. 58
تعالى وذلك أن الذين يسبون الدهر إنما يريدون الزمان الذي هو محل الحوادث لا يريدون الله تعالى (١) فيكون معنى قوله: " وأنا الدهر " (٢) ما فسره بقوله: " بيدي الأمر أقلب الليل والنهار
فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه (٣) وقد بين أنه يقلب الليل والنهار وهما الدهر ولا يمكن أن يكون المقلب (بكسر اللام) هو المقلب (بفتحها) وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مراداً به الله تعالى (٤)
ملحق القاعدة الثانية
ذكرنا في الحاشية على القاعدة الثانية أننا سنفصل الكلام على عدة مسائل هي:
١ - الفرق بين الاسم والصفة.
стр. 59
٢ - تقرير أن الأسماء أعلام وأوصاف.
٣ - معاني الذات.
٤ - حجة المعطلة والرد عليها.
٥ - الدهر.
أولاً: الفرق بين الاسم والصفة (١)
إن كل اسم يتضمن صفة، ولا تتنافى اسميته مع وصفيته فكل اسم صفة، وليس كل صفة اسماً، لأن بعض الصفات لا يشتق منها أسماؤه: كبعض الصفات الذاتية - مثلاً - كاليد، والعين، فلا يؤخذ منها أسماء قال ابن القيم ﵀:
" أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت، فإنها دالة على صفات كماله، فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه، لا تنافي اسميته وصفيته، فمن حيث هو صفة جرى تابعاً على اسم الله ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع بل ورود الاسم العلم " وكذلك فإن الأسماء مشتقة من الصفات- إذ الصفات مصادر الأسماء الحسنى.
وأما الفرق بين الاسم والصفة فإنه يتضح في كون الأسماء تدل على الذات مع دلالتها على صفات الكمال، أما الصفات فإنها تدل على معنى قائم بالذات فقط.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن الفرق بين الاسم والصفة، فأجابت بما نصه:
" الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: أسماء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به، مثل: القادر، العليم، الحكيم، السميع، البصير، أما الصفات فهي نعوت الكمال
стр. 60
القائمة بالذات كالعلم والحكمة والسمع والبصر فإن هذه الأسماء دلت على ذات الله، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر فالاسم دل على أمرين، والصفة دلت على أمر واحد
ويقال: الاسم متضمن للصفة، والصفة مستلزمة للاسم ... . الخ " ا. هـ
وتتمة لهذا الأمر فإننا سنتكلم عن ضابط الأسماء الحسنى.
تحديد ضابط الأسماء الحسنى (١)
لعل أنسب تعريف للأسماء الحسنى هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية فيها: (الأسماء الحسنى المعروفة: هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها)
وهذا التعريف هو أصلح وأفضل تعريف للأسماء الحسنى وذلك:
أولاً: لموافقته للنص الشرعي، ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية استقاه من قوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ .
فقوله في التعريف: (هي التي يدعى بها) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]
وقوله: (هي التي وردت في الكتاب والسنة) مأخوذ من قوله: ﴿الأسماء﴾ (فالألف واللام هنا للعهد، فالأسماء بذلك تكون معهودة ولا معروف في ذلك إلا ما نص الله عليه في كتابه أو سنة رسوله ﷺ (٢)
وقوله (وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الحسنى﴾ فالحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى أن أسماء الله أحسن الأسماء وأكملها، (فما كان مسماه منقسماً إلى كمال ونقص وخير وشر لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى) (٣)
стр. 61
وبهذا يتضح لك أن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الأسماء الحسنى هو مطابق لما ذكره الله في كتابه العزيز وهذا وحده يكفي في اختيار هذا التعريف.
ثانياً: مما يؤكد صحة هذا التعريف اشتماله على شرطين للاسم هما:
الشرط الأول: ورود النص من القرآن أو السنة بذلك الاسم.
والشرط الثاني: صحة الإطلاق وذلك أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه.
وهذان الشرطان يحققان للتعريف مقوماته بأن يكون جامعاً لجوانب الشيء ومانعاً من دخول غيره فيه فالشرط الأول يؤكد على كون أسماء الله توقيفية وأنه لا يجوز استعمال القياس فيها.
والشرط الثاني يؤكد على خاصية باب الأسماء وأنه أخص من باب الصفات وباب الإخبار.
ثانياً: تقرير أن أسماء الله أعلام وأوصاف (١) :
اعلم أن دلالة هذه الأسماء الحسنى على صفات الله لا تنافي علميتها الدالة على ذاته إذ أن صفاته مختصة به لا يشركه أحد سواه فهي في خصوصيتها هذه أشبهت العلم في دلالته على تعيين الذات فكان كل منهما مختصاً به تعالى وهذا خلاف ما يعلم من أسماء العباد فإن العلم فيهم يضاد الوصف من كل وجه وجماع ذلك يرجع لأمرين: -
*أحدهما: لغوى وهي أن أسماء الأعلام إما أن تكون مشتقة أو مرتجلة فأما المرتجلة فالأمر فيها واضح فهي جوامد وأما المشتقة منها فإنها لما طرأت عليها العلمية جردت عن الدلالة على الأوصاف وإنما سميت مشتقة عرفاً نحوياً نظراً لأصلها لا لما هي عليه فرجع الأمر إلى الجمود في أسمائهم والمصدر هو الأصل في الاسم وهو من الجوامد والجامد
стр. 62
نقيض المشتق والصفة لا تكون إلا مشتقة ولذا لا يقع المصدر عند النحويين وصفاً لغيره لعدم دلالته على الوصفية لتوغله في الجمود فتبين بذلك أن علميتهم تنافي وصفيتهم من هذا الوجه.
الثاني: وهو شرعي عقدي فإن صفات العباد مشتركة بينهم فالأمانة مثلاً لا تختص بفرد من أفراد بنى آدم وهكذا الشجاعة والكرم والصدق فإن هذه الصفات يتماثل فيها أفرادها فما من شخص إلا وله نظير فيما اتصف به وهذا المعنى يضاد العلمية فيهم فإنها مختصة لا تقبل الشركة إذ العلم من شرطه أن يعين مسماه مطلقاً وما لا يتعين فيه لا يكون كذلك فبان بذلك أن علميتهم تنافي وصفيتهم من هذا الوجه.
ومما تقدم يتبين لنا خطأ ابن حزم من الظاهرية وضلال المعتزلة القائلين: بأن أسماء الله أعلام محضة جامدة لا دلالة لها على الوصفية البتة واعلم أن أسماء الله لو لم تدل على الوصفية المختصة به للزم من ذلك عدة أمور: -
١ - أن أسماء الله لو كانت جامدة لا تدل على معنى الوصفية لم تكن حسنى لكنها حسنى فلابد من دلالتها على الوصفية.
٢ - أن من أسماء الله اسمه الأعظم ولو لم يدل على وصف حسن ومعنى كمال لائق بجلال الله وعظمته لم يكن لقيد العظمة فائدة فلم يكن أعظم إذ هو أفضل الأسماء الحسنى وهو منها فتكون دلالته على الوصف أكمل
٣ - قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) [الأعراف: ١٨٠] فأثنى بها على نفسه وتمدح بها والجامد لا مدح فيه ولا دلالة له على الثناء فلابد وأن تكون دالة على الوصفية.
٤ - يلزم من كونها جامدة عدم تغاير معانيها فمعنى العليم هو معنى السميع مثلاً وهذا أمر يعرف فساده ببداهة العقول إذ لا يعقل عاقل أن معنى الرؤوف هو معنى البصير ولازم القول يدل على فساده وإن لم يدل على لزومه للقائل إذا هو لم يتبين اللازم ٠
стр. 63
٥ - أن الوصفية من لوازم الاسم المشتق وأسماء الله مشتقة من صفاته فهي تحمل دلالتها على الذات بالعلمية وعلى الصفة بالأصل كما أن ضارب يدل على ذات الضارب وعلى صفة الضرب فكذلك الأسماء: سميع يدل على صفة السمع وبصير يدل على صفة البصر.
٦ - أن التنزيل جاء باستعمال الأسماء الحسنى تابعة للفظ الجلالة على أنها صفات له وهذا ليس من شأن الأعلام كما قال تعالي: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: ١١] وقوله (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم)
[الحشر:٢٢]
ومما تقدم يتضح أن النسب المعقولة بين الأسماء هي: -
١ - الترادف ومحله دلالة العلم الخاص به تعالى على ذاته جل وعلا
٢ - التباين ومحله دلالة الاسم المتضمن على صفته
وبتطبيق هذا الأصل على أجزائه وأفراده يتبين المراد ويتضح المعنى المطلوب فأسماء الله الحكيم والبصير والعليم يدل على كل منها على الذات بالعلمية وعلى الصفة التى اشتق منها بالوصفية فالحكيم يدل على ذات موصوفة بالحكمة والبصير يدل على ذات موصوفة بالبصر والعليم يدل على ذات موصوفة بالعلم وعند النظر نجد أن الذات المدلول عليها بالأسماء واحدة وهي ذاته العلية، وأن الصفات المدلول عليها بهذه الأسماء قد اختلفت فكل اسم دل على صفته الموافقة له في مادة التصريف وذلك الاتفاق في الذات هو الترادف إذ لا معنى له الا اتفاق أفراده في الدلالة على شيء واحد وهذا الاختلاف والتغاير هو التباين إذ لا معنى للتباين إلا عدم التقاء الألفاظ في معنى من المعاني فاسمه الحكيم هو البصير هو العليم هو الحكيم بالنظر إلى ذاته تعالى والحكيم غير البصير والبصير غير العليم غير الحكيم بالنظر إلى ما يدل عليه كل واحد منها من الصفة الخاصة به ونظير هذا أسماء الرسول ﷺ والقرآن الكريم فإنها تدل على معنى واحد ومعانيها مختلفة فنتج من ذلك: -
стр. 64
١ - أن هذه الأسماء مترادفة في الدلالة على الذات.
٢ - أن هذه الأسماء متباينة في الدلالة على الصفات.
٣ - أن النسبة المعقولة بين هذه الأسماء هى الترادف والتباين.
٤ - أن محل الترادف هو الذات.
٥ - أن محل التباين هو الصفات المختصة بكل اسم.
٦ - أنه لا تناقض بينها والحالة هذه
٧ - أن النظرتين مبنيتان على دلالة الأسماء الحسنى على العلمية والوصفية وتضمنها الدلالة على أحدهما.
٨ - أن لحظ العلمية والوصفية مع الترادف والتباين لا يشكل تناقضاً في هذه القاعدة لاختلاف جهة كل واحد منهما.
٩ - أنه لا يجوز إطلاق القول بتباين الأسماء أو ترادفها بل لا بد من التفصيل في ذلك ونسبة كل من النسبتين إلى متعلقها.
١٠ - أن الاطلاق يلزم منه الوقوع في باطل إما بالقول بعلمية الأسماء المحض أو إنكار الأسماء أصلاً.
١١ - أن تعدد هذه الأسماء الحسنى لا يستلزم تعدد الذات لكنه يقضي بتعدد الصفات التي تدل عليها الأسماء.
ثالثاً معاني الذات:
ذكر المؤلف كلمة الذات كما سبق وقلنا إن لها معاني حسب أصل الكلمة وهي:
١ - إما أن تكون (ذات) مؤنث ذو الذي هو بمعنى صاحب فتكون ألفها مبدلة من الواو.
وعلى هذا المعنى وقعت (ذات) مضافة إلى الجهات، وإلى الأزمان وإلى غيرهما، وتجرى مجرى الصفة لموصوف يدل عليه السياق مثل:
стр. 65
أ - قوله تعالى ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ في سورة الكهف على تأويل جهة.
ب - نقول: لقيته ذات ليلة وذات صباح على تأويل المقدر ساعة أو وقت وجرت مجرى المثل في ملازمتها هذا الاستعمال.
ج - ... ومن أمثلة استخدامها بمعنى صاحبة قولنا: امرأة ذات مال أي صاحبة مال.
٢ - ويجوز أن تكون ذات أصلية الألف كما يقال: أنا أعرف ذات فلان فالمعنى: حقيقة الشيء وماهيته كقول الشاعر:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع
وهو أحد القولين في تفسير قوله تعالى ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ كما ذكره أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (٣/١٢٩) ،
وابن عاشور في تفسيره (٩/٢٥٣) إلا أن هذا محمول على المجاز (١)
لا على حقيقة الذات التي هي ما يقابل الصفة ويرادف النفس إلا أن الاستعمال العرفي صار أن الذات تساوي النفس ونص الراغب في المفردات (١/٢٤٢) أن ذلك ليس من كلام العرب ونقله السمين الحلبي في عمدة الحفاظ (٢/٥٤) .
стр. 66
وذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد من قوله تعالى ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ أي حال بينكم كما ذكره الشهاب على البيضاوي (٤/٤٣١) ، والخازن في تفسيره (٢/٢٩٠) ، والجاوي في تفسيره المسمى بمراح لبيد (١/٣١٤) وانظر مجمع بحار الأنوار للكجراتي (٢/٢٥٢) ، وكشاف اصطلاح الفنون للتهانوي (٢/١٦٣) ، وانظر الخلاف في تفسيره بالحقيقة والحال في مجمع البيان للطبراسي (٤/٤٢٦)
وتطلق الذات بمعنى التي على لغة طي كما قال ابن مالك:
وكالتي أيضاً لديهم ذات
وننقل ما قاله الشيخ ابن عثيمين في شرحه لصحيح البخاري وهو مخطوط ص ٦٧:
أما الذات فالذات كلمة اختلف فيها علماء اللغة هل هي فصيحة من العربية أو هي مولدة وليست بعربية؟ وأكثر المحققين على أنها مولدة وليست من العربية في شيء وإنما هي من مصطلح أهل الكلام (١) جعلوها بدلاً عن كلمة النفس فيقول مثلاً جاء زيد نفسه أو جاء زيد ذاته يجعلونها بدلاً عنها ولكنها ليست من كلام العرب العرباء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأن اصهلا في اللغة لا تستعمل بمعنى النفس وهي في اللغة العربية تستعمل استعمالات متعددة منها: -
١ - أن تكون بمعنى صاحبة كما لو قلت تزوجت امرأة ذات علم أي صاحبة علم ويقابلها في المذكر ذو علم لو قلت اتصل بي رجل ذو علم أي صاحب علم.
تستعمل بمعنى التي عند طيه، طي أصحاب الشمال، جبل طي
стр. 67
يجعلون الذات بمعنى التي كما يجعلون ذو بمعنى الذي وعليه قول الشاعر:
فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت
أي بئري الذي حفرت والذي طويت ويقال جاءت ذات أرضعت ولدها أي التي أرضعت ولدها.
٢ - تأتي بمعنى جهة ومن ذلك قوله تعالى ﴿ونقلبهم ذات اليمن وذات الشمال﴾ أي جهة اليمين وجهة الشمال ويمكن أن يحمل عليها قول خبيب ﵁ وذلك في ذات الإله وقول إبراهيم ﵊ أو قول النبي ﷺ في إبراهيم كذب ثلاث كذبات في ذات الله أي في جهته والمراد في سبيله وطاعته فتكون بمعنى الجهة.
٣ - ان تكون زائدة للتوكيد توكيد التنكير مثل قدمنا مكة ذات يوم فوجدنا المسجد خفيفاً قوله ذات يوم هذه زائدة لتوكيد التنكير فلو قلنا قدمنا مكة يوماً فوجدنا المسجد خفيفاً استقام الكلام وهذا يوجد كثيراً في الحديث خرجنا مع النبي ﷺ ذات يوم ذات ليلة وما أشبه ذلك.
هذه أربعة معان للذات في اللغة العربية أما ذات بمعنى نفس الشيء وحقيقة فهذه اختلف فيها علماء اللغة العربية فمنهم من أنكر استعمالها في هذا المعنى ومنهم من أجازها وظاهر صنيع البخاري ﵀ جواز استعمالها بمعنى النفس فإذا قال قائل ما العلاقة بين هذا الاستعمال وبين المعنى الأصلي في اللغة العربية؟ قلنا المعنى الأصلي في اللغة العربية أن تأتي بمعنى صاحبة فهم يقولون ذات علم أي صاحبة علم والله تعالى ذو علم فأصلها مضارع لكن حذف المضاف ثم بقيت نكرة فعرفت بأل ولهذا
منع بعض العلماء أن تقول ذات بالنسبة لله (١) ، لماذا؟ لأن التاء للتأنيث ولا يجوز استعمال الكلمة المؤنثة بالتاء ولو للمبالغة ولهذا لا يجوز أن تقول إن الله علامة ويجوز أن تقول إن هذا الرجل علامة
стр. 68
أما الله فتقول علام الغيوب فأنت إذا أتيت بذات تريد الرب فإن هذا يعني تأنيث ما يضاف إلى الله وهذا لا يجوز لكن هذا خلاف استعمال جمهور علماء المحققين.
رابعاً: حجة المعطلة والرد عليها
ذكرنا في الحاشية على القاعدة الثانية أن الذين سلبوا معاني الصفات هم المعتزلة ومن تبعهم من أهل الكلام وغيرهم وطريقتهم أنهم يثبتون لله تعالى الأسماء دون الصفات ويجعلون الأسماء أعلاماً محضة ثم منهم من يقول إنها مترادفة فالعليم، والقدير والسميع والبصير شيء واحد ومنهم من يقول إنها متباينة ولكنه عليم بلا علم وقدير بلا قدرة سميع بلا سمع بصير بلا بصر ونحو ذلك.
وشبهتهم أنهم اعتقدوا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه لأنه لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم والأجسام متماثلة فإثبات الصفات يستلزم التشبيه.
والرد عليهم من وجوه:
الأول: أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات فإن كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه فإثبات الأسماء كذلك وإن كان إثبات الأسماء لا يستلزم التشبيه فإثبات الصفات كذلك والتفريق بين هذا وهذا تناقض
فإما أن يثبتوا الجميع فيوافقوا السلف وإما أن ينفوا الجميع فيوافقوا غلاة الجهمية والباطنية وإما أن يفرقوا فيقعوا في التناقض.
الثاني: إن الله تعالى وصف أسماءه بأنها حسنى وأمرنا بدعائه بها فقال: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) [الأعراف: ١٨٠] وهذا يقتضي أن تكون دالة على معاني عظيمة تكون وسيلة لنا في دعائنا ولا يصح خلوها عنها.
ولو كانت أعلاماً محضة لكانت غير دالة على معنى سوى تعيين المسمى فضلاً عن أن تكون حسنة ووسيلة في الدعاء ٠
стр. 69
الثالث: أن الله تعالى أثبت لنفسه الصفات إجمالاً وتفصيلاً مع نفي المماثلة فقال تعالى: (ولله المثل الأعلى) [النحل: ٦] وقال: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: ١١] وهذا يدل على أن إثبات الصفات لا يستلزم التمثيل ولو كان يستلزم التمثيل لكان كلام الله متناقضاً.
الرابع: إن من لا يتصف بصفات الكمال لا يصلح أن يكون ربا ولا إلهاً ولهذا عاب إبراهيم ﵊ أباه باتخاذ ما لا يسمع ولا يبصر إلهاً فقال: (يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً) [مريم: ٤٢] .
الخامس: أن كل موجود لابد له من صفة ولا يمكن وجود ذات مجردة من الصفات وحينئذ لابد أن يكون الخالق الواجب الوجوب متصفاً بالصفات اللائقة به.
السادس: أن القول " بأن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل إلا على ذات الله فقط " قول باطل لأن دلالات الكتاب والسنة متظافرة على أن كل اسم منها دال على معناه المختص به مع اتفاقها على مسمى واحد وموصوف واحد فالله تعالى هو الحي القيوم السميع البصير العليم القدير فالمسمى والموصوف واحد والأسماء والصفات متعددة ألا ترى أن الله تعالى يسمي نفسه باسمين أو أكثر في موضع واحد كقوله (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر) [الحشر: ٢٣] فلو كانت الأسماء مترادفة ترادفاً محضاً لكان ذكرها مجتمعة لغواً من القول لعدم الفائدة.
السابع: أن القول " بأن الله تعالى عليم بلا علم وقدير بلا قدرة وسميع بلا سمع ونحو ذلك " قول باطل مخالف لمقتضى اللسان العربي وغير العربي فإن من المعلوم في لغات جميع العالم أن المشتق دال على المعنى المشتق منه وأنه لا يمكن أن يقال عليم لمن لا علم له ولا قدير لمن لا قدرة له ولا سميع لمن لا سمع له ونحو ذلك ٠
стр. 70
وإذا كان كذلك تعين أن تكون أسماء الله تعالى دالة على ما تقتضيه من الصفات اللائقة به فيتعين إثبات الأسماء والصفات لخالق الأرض والسموات.
الثامن: أن قولهم: لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم ممنوع فإننا نجد من الأشياء ما يصح أن يوصف وليس بجسم فإنه يقال: ليل طويل ونهار قصير وبرد شديد وحر خفيف ونحو ذلك وليست هذه أجساما على أن إضافة لفظ الجسم إلى الله تعالى إثباتاً أو نفياً من الطرق البدعية التي يتوصل بها أهل التعطيل إلى نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه.
التاسع: أن قولهم: " الأجسام متماثلة " باطل ظاهر البطلان فإن تفاوت الأجسام ظاهر لا يمكن إنكاره ا. هـ من تقريب التدمرية للشيخ ابن عثيمين.
ومما سبق يتبين أمور:
أولاً: وجوب إثبات الأسماء والصفات وأنه الحق الذي هو أصل الإيمان بوجود الرب وحقيقته.
ثانياً: أن حقيقة من لا يؤمن بأسماء الله وصفاته أنه لا يؤمن برب مقصود ولا بإله معبود.
ثالثاً: أن صفات الرب من مكونات ذاته.
رابعاً: أن الذات ليست صفة لله ولا اسما من أسمائه واستعمالها في باب الخبر عنه تعالى يراد به إثبات ما تدل عليه من مدح وثناء وهو كون الرب جل شأنه موصوفاً بالصفات.
خامساً: أن من نفى الصفات لم يقدر الله حق قدره
سادساً: أن الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها
سابعاً: أن التعطيل شر من الشرك لأن المعطل جاحد للذات أو لكمالها وهو جحد لحقيقة الألوهية
ثامناً: أن الفروض الذهنية التجريدية لا توجد في خارج الذهن بل وجودها في العيان مستحيل ا. هـ من القواعد الكلية للصفات للبريكان بتصرف ٠
стр. 71
خامساً: الدهر
ذكرنا أن الدهر ليس من أسماء الله وننقل نص فتوى ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢/٤٩١) :
سئل شيخ الإسلام ﵀: عن قوله ﷺ : " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية: بينوا لنا ذلك؟
فأجاب: -
الحمد لله قوله لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر: مروى بألفاظ أخر كقوله: " يقول الله: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وفي لفظ: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار: " وفي لفظ: " يقول ابن آدم يا خيبة الدهر وأنا الدهر "
فقوله في الحديث " بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " يبين أنه ليس المراد به أنا الزمان فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار والزمان هو الليل والنهار: فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه كما دل عليه قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، يقلب الله الليل والنهار، إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار) وإزجاء السحاب سوقه والودق المطر.
فقد بين سبحانه خلقه للمطر وإنزاله على الأرض فإنه سبب الحياة في الأرض فإنه سبحانه جعل من الماء كل شيء حي، ثم قال: " يقلب الله الليل والنهار " إذ تقليبه الليل والنهار: تحويل أحوال العالم بإنزال المطر، الذي هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن، وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال، المتضمن رفع قوم وخفض آخرين.
وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان في غير موضع كقوله: (وجعل الظلمات والنور) وقوله: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) وقوله: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً) وقوله: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل
стр. 72
والنهار لآيات لأولى الألباب) وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان.
ولا يتوهم عاقل أن الله هو الزمان فإن الزمان مقدار الحركة والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها: كالحركة والسكون والسواد والبياض.
ولا يقول عاقل أن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات المفتقرة إلى الجواهر والأعيان، فإن الأعراض لا تقوم بنفسها، بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به، والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه، بل بذلك الغير فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره فكيف يكون هو الخالق؟
ثم أن يستغني بنفسه، وأن يحتاج إليه ما سواه، وهذه صفة الخالق سبحانه، فكيف يتوهم أنه من النوع الأول. وأهل الإلحاد - القائلون بالوحدة أو الحلول أو الاتحاد - لا يقولون أنه هو الزمان، ولا أنه من جنس الأعراض والصفات، بل يقولون هو مجموع العالم، أو حال في مجموع العالم.
فليس في الحديث شبهة لهم، لو لم يكن قد بين فيه انه - سبحانه -
مقلب الليل والنهار، فكيف وفي نفس الحديث أنه بيده الأمر يقلب الليل والنهار.
إذا تبين هذا: فللناس في الحديث قولان معروفان لأصحاب أحمد وغيرهم.
أحدهما: وهو قول أبي عبيد وأكثر العلماء أن هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية، ومن أشبههم، فإنهم إذا أصابتهم مصيبة أو منعوا أغراضهم أخذوا يسبون الدهر والزمان، يقول أحدهم قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا.
وكثيراً ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا، كقولهم: يا دهر فعلت كذا. وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور، ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السب على الله تعالى: لأنه هو الذي فعل تلك الأمور وأحدثها والدهر مخلوق له، هو الذي يقلبه ويصرفه ٠
стр. 73
والتقدير: أن أبن آدم يسب من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها فإذا سب الدهر فمقصوده سب الفاعل وإن أضاف الفعل إلى الدهر، فالدهر لا فعل له، وإنما الفاعل هو الله وحده.
وهذا كرجل قضى عليه قاض بحق أو أفتاه مفت بحق، فجعل يقول: لعن الله من قضى بهذا أو أفتى بهذا، ويكون ذلك من قضاء النبي ﷺ وفتياه فيقع السب عليه، وإن كان الساب - لجهله - أضاف الأمر إلي المبلغ في الحقيقة، والمبلغ له فعل من التبليغ بخلاف الزمان فإن الله يقلبه ويصرفه.
والقول الثاني: قول نعيم بن حماد، وطائفة معه من أهل الحديث
والصوفية: إن الدهر من أسماء الله تعالى ومعناه القديم الأزلي
ورووا في بعض الأدعية: يا دهر!! يا ديهور!! يا ديهار وهذا المعنى صحيح: لأن الله سبحانه هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء فهذا المعنى صحيح إنما النزاع في كونه يسمى دهراً بكل حال فقد اجمع المسلمون - وهو مما علم بالعقل الصريح - أن الله ليس هو الدهر الذي هو الزمان، أو ما يجرى مجرى الزمان فإن الناس متفقون على أن الزمان الذي هو الليل والنهار.
وكذلك ما يجرى ذلك مجرى ذلك في الجنة، كما قال تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) قالوا على مقدار البكرة والعشى في الدنيا و [في] الآخرة يوم الجمعة يوم المزيد والجنة ليس فيها شمس ولا قمر ولكن تعرف الأوقات بأنوار أُخر، قد روى أنها تظهر من تحت العرش، فالزمان هنالك مقدار الحركة التي بها تظهر تلك الأنوار.
وهل وراء ذلك جوهر قائم بنفسه سيال هو الدهر؟ هذا مما تنازع فيه الناس فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون، كما أثبتوا الكليات المجردة في الخارج التي تسمى المثل الأفلاطونية (١)
стр. 74
والمثل المطلقة وأثبتوا الهيولى (١)
التي هي مادة مجردة عن الصور وأثبتوا الخلاء جوهراً قائماً بنفسه.
وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم: فيعلمون ان هذا كله لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي أمور يقدرها الذهن ويفرضها فيظن الغالطون أن هذا الثابت في الأذهان هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان كما ظنوا مثل ذلك في الوجود المطلق، مع علمهم أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الذهن وليس في الخارج إلا شيء معين وهى الأعيان، وما يقوم بها من الصفات فلا مكان إلا الجسم أو ما يقوم به، ولا زمان إلا مقدار الحركة، ولا مادة مجردة عن الصور بل ولا مادة مقترنة بها غير الجسم الذي يقوم به الأعراض، ولا صورة إلا ما هو عرض قائم بالجسم أو ما هو الجسم يقوم به العرض وهذا وأمثاله مبسوط في غير هذا الموضع ا. هـ.
ويقول أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي في غريب الحديث (٢/١٤٥)
قوله: إن الله هو الدهر وهذا لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه وذلك أن أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين وقد رأيت بعض من يتهم بالزندقة والدهرية يحتج بهذا الحديث ويقول: ألا تراه يقول: فإن الله هو الدهر! فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر؟
وتأويله عندي - والله أعلم - أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك.
стр. 75
فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعل فيذمونه عليه، وقد ذكروه في أشعارهم قال الشاعر يذكر قوماً هلكوا:
فاستأثر الدهر الغداة بهم ... والدهر يرميني ولا أرمى
يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم
وسلبتنا ما لست تعقبنا ... يا دهر ما أنصفت في الحكم
وقال عمرو بن قميئة:
رمتى بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برام
فلو أنها نبل إذاً لاتقيتها ... ولكنما أرمي بغير سهام
على الراحتين مرة على العصا ... أنوء ثلاثاً بعدهن قيامي
فأخبر أن الدهر فعل به ذلك نصف الهرم. وقد أخبر الله تعالى بذلك عنهم في كتابه الكريم ثم كذبهم بقولهم فقال (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) وقال الله (وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون) فقال النبي ﷺ لا تسبوا الدهر - على تأويل لا تسبوا الذي يفعل لكم هذه الأشياء ويصيبكم بهذه المصائب فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى لأنه هو الفاعل لها لا الدهر فهذا وجه الحديث إن شاء الله.
ولإتمام الفائدة ننقل ما سئل عنه الشيخ ابن عثيمين فيما يتعلق بهذا الحديث:
سئل الشيخ غفر الله له: عن قول النبي ﷺ في الحديث القدسي قال الله تعالى " يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار "؟
فأجاب قائلاً:
قوله في الحديث المشار إليه في السؤال: " يؤذيني ابن آدم " أي أنه سبحانه يتأذى بما ذكر في الحديث، لكن ليست الأذية التي أثبتها الله لنفسه ليست كأذية المخلوق، بدليل قوله تعالى: (ليس كمثله